الأحد، نوفمبر 09، 2008

مع كتاب بشت آشان للدكتور كاظم الموسوي

د. عدنان الظاهر

مقدمة
كُتبَ الكثير عما حدث في بشت آشان في كردستان العراق في الأول من شهر آيار / مايس عام 1983 . كانت مجزرة تقشعر لها الأبدان وخيانة غير مسبوقة إذ إنقلبَ حزبُ الإتحاد الوطني الكردستاني على حليفه الحزب الشيوعي العراقي وعضو الجبهة الكردستانية الدمقراطية . / جود / . إنقلب فجأة ً ودون سابق إنذار فوجّهَ مدافعَه وكلَّ ما لديه من أسلحة خفيفة وثقيلة نحو مواقع ومقرات كتائب الأنصار االشيوعيين وقياداتهم . وكانت النتيجة سقوط أعداد كبيرة قنلى وجرحى وأسرى ومفقودين . نعم، كتبَ الكثير من الأخوة الأنصار الذين كانوا هناك على الساحة الساخنة ووصفوا ما رأوا رأيَ العين فأجادوا الوصف . ليتني أرى هذه الملحمة فيلما سينمائيا يشارك جميع من بقيَ حيا ً منهم في كتابة السيناريو وكلهم على ذلك قادرون . كان أبو بشير الدكتور كاظم الموسوي أحدَ هؤلآء الأبطال الأسطوريين الشجعان ، كان هناك إعلاميا ً ومقاتلا لذا ، فقد تميَزَ ما كتبَ أبو بشير بأمرٍ جديد لم يكشفْ رفاقه الأنصارُ الباقون عنه فيما كتبوا ، ألا وهو الإعلام الحزبي المقاتل هناك بين جبال كردستان . لقد أبدع في كشف أمورٍ تتعلق بسلوك وعقليات وطبائع بعض القادة التي لا تتكشف إلا تحت مثل تلك الظروف الشديدة القساوة . فقائد حزبي عالي المقام لآ يتقبل النقدَ ولا يسمحُ بإجراءِ أيِّ تغيير على ما يكتب من إفتتاحيات لصحيفة الحزب أو مقدمات للبرنامج الإذاعي . قادة آخرون يتمتعون بإمتيازات خاصة سكنا ً وربما طعاما ً . طبيبٌ يراودُ بل ويغتصب رفيقته . القائد العسكري الأعلى يهرب من ساحة القتال . قائدان حزبيان آخران يستسلمان للعدو وتخورُ عزائمهما .
سؤالان كبيران /
السؤال الأول : هل كانت تجربة الأنصار هناك ضرورية للحزب وهل أتت بالنتائج المرجوّة منها وعلى رأسها بالطبع إسقاط نظام صدام حسين في العراق ؟ لا شك َّ أنَّ الكثيرين مثلي قد راودهم هذا السؤال . خسر الحزبُ في هذه التجربة الفاشلة الكثيرَ من أعضائه وخسرتهم الحركة الوطنية والعراق . خسروا أنفسهم وخسرهم أهلوهم وهم جميعا ً في ريعان الشباب طلابا ً وطالباتِ جامعاتٍ ومهندسين وأطباء وآخرين مؤهلين تأهيلاتٍ عالية .
السؤال الكبير الثاني : هل كان ضرورياً إقحام العنصر النسوي في تجربة حرب الأنصار في كردستان العراق ؟ المرآة غير الرجل في الشرق العربي خاصةً وقد عزل الحزب ـ كما ذكر بعضُ الأخوة الأنصار ـ الزوجاتِ عن أزواجهنّ فذهب الرجالُ للقتالِ وبقيت النسوة قي بيروت أو دمشق مما جعلهنَّ أو البعض منهنَّ فرائسَ يسيرة ينهش لحومهنَّ وحشٌ حزبيٌّ معروف للقاصي والداني محسوبٌ على القيادة . آما كان الأفضلُ والأنسبُ إرسال الفتيات النصيرات للدراسة في الأقطار الإشتراكية بدلَ زجّهن في مغامرات لا من نتيجة معروفة لها ؟ لقد كتب الآخ العزيز الآستاذ سلام إبراهيم ـ كما كتب صبري هاشم ـ عن تجربتهما القتالية هناك وآشارا إلى تصرّفات وتسلكات بعض القادة المسؤولين حيالَ البعض من رفيقاتهم فهل كان الهدف من زجهنَّ تماماً كالهدف من تجنيد فتيات بولنديات في وحدات الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية ؟ ما موقف الحزب منهنَّ اليوم ، هل دفع بهنَّ إلى الواجهة السياسية الأمامية عضواتٍ في مجلس النواب بدلاً من السيدين حميد مجيد موسى ومفيد الجزائري ؟ هل خصص لهنَّ حصصاً في الوزارات والسفارات ؟ لم أسمعْ أو أعرف شيئاً من هذا القبيل . أيها العراقيون النجباء : طأطئوا الرؤوس لهؤلاء الفتيات وأكبروهنَّ وأكرموا عوائلهنَّ ومن أنجبهنَّ وكانت بينهنَّ بعض طالباتي في جامعة بغداد في سبعينيات القرن الماضي. لم يفصح الدكتور الموسوي عن رأيه وموقفه صراحةً حول هذين الموضوعين ... لكنَّ مجملَ ما كتب يوحي بمواقف قريبة عما عرضتُ . يؤكد أو يؤيد إستنتاجي هذا إكتشافي [ المتأخر ] أنَّ الموسوي ما زال متأثراً بالدين الإسلامي وهو سيّدٌ موسويٌّ وإبن النجف. إنه لم يُخفِ ذلك وعلامَ يُخفيه ... فلقد ورد إسم [ الله ] على لسانه كثيراً كما أنه إستشهد بقول مأثور للإمام علي بن أبي طالب [ ص 48 ] . المرأة بالنسبة له " حُرمة " مُحرَّمة وأمانة في أعناق الرجال ، ثمَّ هي زهرة الحياة الدنيا وزينتها في الحل والترحال . وللموسوي بالتأكيد شقيقات وبنات أعمام وأخوال وعمّات وخالات فكيف يهون أمرهنَّ عليه ، كيف ؟
كيفَ وجدتُ الكتابَ ؟
أعجبني تصميم الكتاب إذ وضع المؤلف في بداية كل فصلٍ من فصوله المفرِطة بالقِصر ، وعددها 67 فصلاً ، وضع مقدمة ً لشعراء شتى كان بعضهم عراقيين وهم : الجواهري ، البياتي ، سعدي يوسف ، صلاح نيازي و مظفر النواب ... ثم قرأتُ إسمي شاعرين لم أقرأ شعرهما لشديد أسفي وهما : علي ناصر كنانة [ ص 120 ] و محمد مظلوم [ ص 123 ] . كان الدكتور كاظم موفقاً ، بهذه الدرجة أو تلك ، في إختياراته هذه سوى الإقتباس الأخير [ 140 ـ 141 ] فقد وجدته كالمفتعل المفكك المفروض على الكتاب لا على مؤلفه ... والمفروض على الكتاب مفروض على قارئه . ربما ... ربما إستعار ما قد إستعار وفاء ً منه للشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان ، مترجم النص ، وغير واضح تماماً عن أية لغة قد ترجم ما ترجم فالمؤلف الأصل يوناني معروف هو [ نيكوس كازنتزاكي ] .
نعم ، كانت فصولُ الكتاب غايةً في القِصر ولم أرَ ضرورةً ملحاحةً لجعل كل 3 ـ 4 صفحات تشكل فصلاً مستقلاً وهو جزء حيوي ساخن مما سبقه من كلام ... سوى أنَّ الإقتباسات الجميلة قد خففت من وطأة الشعور بقساوة فصل الكلام المسترسل عن أخيه وتوأمه بأرقام مُسلسلة خرساء لا تنطق ولا تُبين .
ملاحظات أخرى :
1ـ لم يذكر المؤلف من الأسماء إلا ثلاثة فقط هي : نزار ناجي يوسف [ شقيق السيدة ثمينة أم إيمان ، أرملة البطل سلام عادل ] ، وأسيري الإتحاد الوطني الكردستاني السيدين كريم أحمد الداوود وأحمد باني خيلاني . ماذا عن باقي الرفاق قواعدَ وقادة ً سيّما وفيهم من فارق الحياة [ مهدي عبد الكريم أبو سنة ، أبو عباس] ولا من أسرار بعد الموت ؟!
2ـ لم يتطرق الموسوي في كتابه هذا لموضوع الترقيات الحزبية ... هل ظلَّ المرشحُ مرشحاً وعضوُ الخلية مجردَ عضوٍ فيها وأعضاء اللجان الأخرى الأعلى ظلوا يراوحون في أماكنهم دون صعودٍ إلى أعلى في سلّم أو هرم التنظيم المعروف ؟ ما كانت شروط ومتطلبات مثل هذه الترقيات في تلكم الظروف ؟
3ـ كنتُ أتمنى أن يكتبَ الصديق الموسوي عن الحال هناك زمن الشتاء الشديد القساوة والكثير الثلوج . بلى ، إنه كتب عن ظروف فصول الصيف والربيع ثم الخريف وأهمل الشتاء .
4ـ سؤال آخر أراه ممتعاً : ما كان تسلسل الوضع التنظيمي لكاظم الموسوي بدايةً ثم في آخر مهماته هناك وهل نال ترقياتٍ جرّاءَ عمله في قيادة فصيل الإعلام ثم مقاتلاً يحمل السلاح في خطوط المواجهة الأمامية ؟ لم يصفْ لنا معركةً ساهم هو في خوضها ضد الجيش العراقي مثلاً .
5ـ بدلَ المثل الإنجليزي الذي إقتبسه أخونا الموسوي [ ص 45 ] كان بإمكانه تثبيت بيت المتنبي الشعري المطابق تماماً لمضمون المثل الإنجليزي :
ولم أرَ في عيوب الناس عيباً
كنقص القادرين على التمامِ
ذكرياتي مع الدكتور الموسوي /
تعرفتُ على الدكتور الموسوي خلال ما نشر لي من مقالات وبعض
الأشعار في مطبوعته المسماة " الجسر " حين كان مقيماً في السويد . ثم إلتقينا في لندن آواخرَ شهر آب أو أوائل شهر أيلول عام 2000 خلال أمسية أدبية شاركتُ فيها أقيمت في " ديوان الكوفة " أشرف على تنظيمها الدكتور رشيد بندر الخيون وقدّمت المشاركين المذيعةُ المعروفةُ في هيئة الإذاعة البريطانية الآنسة { هُدى الرشيد } بصوتها العميق الشجيِّ الغارق في سحرٍ دافئٍ عصيٍّ على التفسير . بعد الندوة عرض الموسوي عليَّ إجراءَ لقاءٍ لفضائية " المستقلة " فوافقتُ . أجرى اللقاء معي حسب الإتفاق ثم دعاني لتناول طعام الغداء في مطعم قريب . وعدني أنْ يرسل لي نسخةً من المقابلة على كاسيت فيديو لكنه ـ مثل هند ، صاحبة إبن أبي
ربيعة ـ لم ينجزْ وعده . شاءت الصدفة انْ يرى إبن أخي هذه المقابلة في العاصمة الأردنية عمّان أثناءَ متابعته لبعض برامج فضائية المستقلة فأخبرَ والده مُبشِّراً ومعتزاً بما قال عمّه ضدَّ صدام حسين ونظام حكمه . لكنَّ أخي أرسل لي إشارة غضبٍ وإحتجاجٍ على ما فعلتُ . معه حق ، إنه عسكري متقاعد . بعث لي الدكتور الموسوي كتابه " الجبال " حين كان ما زال في السويد . كتب فيه عن بدايات عمله نصيراً في كردستان . ورداً للجميل كتبتُ عن محتويات الكتاب شعراً يحمل عنوان " رجل الجبال " نشره في مجلة الجسر مارة الذَكر ، ثم قرأته بدوري في عدة مناسبات . . إختفى فجأةً الموسويُّ . سالتُ عنه بعضَ معارفه قالوا إنه غادر لندن للعمل إعلامياً في بعض الفضائيات العربية . نشرتُ في بعض المواقع نداءً لكل مَن يعرف عنوان أو مكان عمل الدكتور كاظم الموسوي أنْ يسعفني به مشكوراً . ثمَّ الحقتُ بالنداء قصيدة " رجل الجبال " آنفة الذكر لعله هو يقرأ ندائي فيستجيب . إستجابَ فعلاً ولكن بعد مرور فترة طويلة . كتب لي مفيداً أنه ثانيةً في لندن ثمَّ وصلني منه كناب " بشت آشان / فصيل الإعلام " موضوع دراستي الحالية .
{1} بشت آشان / فصيل الإعلام ... للدكتور كاظم الموسوي . الناشر : خطوات للنشر والتوزيع ، دمشق ، الطبعة الأولى 2007 .

ليست هناك تعليقات: