الأربعاء، نوفمبر 19، 2008

صباحكم أجمل / سماح.. يا بلد




زياد جيوسي
سلسلة حجرية قديمة في رام الله
بعدستي

رام الله ما زالت وستبقى تحتل مني الروح والنفس، أصحو على صوت حمائمها وعصافيرها على نافذة صومعتي الصغيرة، فأعانق الشمس لحظة صحوها، أو رذاذ المطر حين يجود المولى، وأسير في دروبها صباحا ومساءً، أخشى أن يفوتني جمالها ووجهها الوضاء في الصباح، وفي المساء أسير معها وهي تنفل شعرها الناعم والقمر يطل من بينه على جسدي، فأمارس معها قصة عشق أبدية كانت منذ عصور وستبقى، حتى حين تؤلمني أبقى العاشق والمحب.

القدس

القدس تسكن القلب والروح، وفي الآونة الأخيرة كانت القدس هاجس لا يفارق الروح، فاعلان القدس عاصمة للثقافة العربية للعام القادم يمثل حدثا له في الروح ما له من تأثير، وأتابع باستمرار ما يتناثر بين الحين والآخر من أخبار حول هذه الاحتفالية، وأكون سعيدا حين يصلني من الصديق حسان بلعاوي بعض من أخبار، وإن كنت أشعر أن الحدث بما يستحقه من اهتمام ومتابعة، ما زال محصورا في أطر رسمية ولم يعطي هذا الموضوع الأهمية الكافية من مشاركة على نطاق أوسع، فالقدس يما تعنيه وبوقوعها تحت الاحتلال الذي صادرها واعتبرها عاصمة له، وبكل الإجراءات التهويدية التي تتعرض لها، بحاجة إلى مفهوم مختلف بالتعامل مع هذه الاحتفالية العظيمة، وبحاجة إلى مشاركة أوسع لتصبح عروبة وإسلامية القدس هي العنوان والشعار للقدس عاصمة الثقافة العربية,

وفي هذه الأيام تشدني الذاكرة بقوة لإقامتي بالقدس فترة ستة شهور تقريبا في الطفولة، حين سكنا وادي الجوز ودرست بدايات الثانية الابتدائية في مدرسة خليل السكاكيني في حي الشيخ جراح، هذا الحي الذي اكتسب اسمه من اسم طبيب من قواد جيش الناصر صلاح الدين الأيوبي، والذي هو مهدد ضمن مخطط احتلالي قذر بالمصادرة والتهويد، فقد جرت مصادرة بيت المواطن محمد كامل الكرد، هذه القضية التي أصبحت تعرف ببيت أم كامل الكرد، التي تصر رغم طردها وزوجها المريض من بيتها على الإقامة في خيمة على أرض مجاورة، رغم كل قرارات الاحتلال التي استولت على البيت، تمهيدا للاستيلاء على سبعة وعشرون بيتا آخر أنشأت عام 1956، بقرار من الحكومة الأردنية ممثلة بوزارة الإنشاء والتعمير، لإسكان عائلات هُجرت من القدس الشرقية في عام النكبة، ومُلكت للقاطنين فيها الآن بعد ثلاث سنوات بوثائق رسمية، ولكن الاحتلال الذي يستولي على الأرض ويُهجر السكان لا يعترف إلا بمصالحه ومخططاته.

فكم أتمنى ومع إطلاق شعار القدس عاصمة للثقافة العربية من فوق أسوار القدس، أن تقترن الاحتفاليات بقضية بيت أم كامل الكرد وباقي الأراضي المصادرة والتي تحت تهديد المصادرة، حتى تكون الثقافة صنواً للصمود ومواجهة الاحتلال.

رام الله

مابين آخر مرة كتبت فيها صباحكم أجمل فيها وأخذتني بعدها النصوص الأدبية المتراكمة في حاسوبي،لم تتوقف رام الله عن العطاء، ولم أتوقف عن ممارسة عشقها، فشاركت في انتخابات مسرح عشتار لاختيار هيئة إدارية جديدة، كما شاركت في انتخابات مركز خليل السكاكيني لانتخاب هيئة جديدة، فالسكاكيني بالذات يسكن مني القلب، فقد كان بيتي الأول وحاضنتي الثقافية الأولى منذ عودتي للوطن بعد غياب قسري استمر ثلاثون عاما، وفي الحالتين كنت سعيدا أن ينجح من أملت بنجاحهم ومعظمهم من جيل شاب حان الوقت لأن يأخذوا دورهم في قيادة هذه المؤسسات الثقافية والفنية.

وتوالت في رام الله الجماليات، فقد افتتح مهرجان شاشات لسينما المرأة بعطاء كبير يختلف عن السنوات الماضية، كما افتتح مهرجان القصبة الدولي للسينما أيضا بشكل تميز عن العام الفائت، ولعل أهم ما حصل هو توزع العروض على الشاشات التي يمكن التواصل معها في مدن الوطن، ومن أجمل ما شاهدت في رام الله هو العرض الذي قدمته سرية رام الله الأولى: قصة ساحة الورد التي أعادت للروح "أيام زمان" فأبدع أعضاء السرية في لوحة لمدة ساعة كاملة، جعلتني بعد العرض أعانق الصديق خالد عليان مهنئاً على هذا الإبداع والانجاز.

وفي البيرة توأم رام الله السيامي، أفتتح معرض فلسطين الدولي للكتاب بمشاركة رائعة وضخمة من دور نشر عربية مختلفة، وكم كنت سعيدا وأنا أجول ثلاثة طوابق من صالات متنـزه البيرة غصت بالكتب وأسماء دور النشر العربية، حتى شعرت لوهلة أني تحت إطار دولة مستقلة وليس تحت احتلال بغيض,

وإن آلمني الغياب الكبير في مهرجانات السينما من قبل العاملين في هذا المجال، فلم نرى معظمهم كالعادة إلا في حفل الافتتاح، وبعدها غابوا بدون الاستفادة من مهرجان ضم كماً هائلا من أفلام قد تشكل لهم فرصة ضخمة للاستفادة والاطلاع على تجارب الغير، إلا إذا اعتبر قسم منهم أنهم قد ختموا العلم وليسوا بحاجة إلى المزيد.

خضوري

قبل سنوات وضمن برامج وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، أوجدت الوزارة قسما للتربية التكنولوجية، وقد بادرت جامعة فلسطين التقنية "خضوري" في طولكرم، إلى استحداث هذا المنهاج الهام في كلياتها، وتخرج فوج من الطلبة والباقي على الطريق، ليجدوا أن الوزارة لا تعينهم كمدرسين لهذه المادة، وتأخذ من تخصصات ثانية للتدريس لنفس المادة، وكونهم درسوا هذه المادة بالذات ولا مجال لها إلا التعليم، فقد أصيب الطلبة بخيبة أمل كبيرة استدعتهم لتنظيم العديد من الاحتجاجات السلمية والحضارية، مطالبين بحقوقهم بأن تكون لهم الأولوية لتدريس هذه المادة كما كان الحديث من الوزارة، وإن كانت الوزارة لا تريد هذا التخصص في الجامعات، فلتعمل على وقفه وحل مشكلة الطلبة الحاليين، حتى لا يضخ لأسواق البطالة أعداد أخرى، فالتخطيط السليم فقط هو الذي ينجح العملية التربوية، في ظل أحاديث هائلة عن مستوى التعليم الحالي، فهلا بادرت وزيرة التربية والتعليم باتخاذ القرار المناسب وحماية الطلبة الخريجين والطلبة القادمين؟

صباح آخر واستعداد للسفر خلال ساعات، أجول في دروب رام الله المحببة وأتنشق ياسمينها العبق، أعود لصومعتي لوداعها بما أكتب، أحتسي قهوتي مع طيفي البعيد القريب الذي يسكن القلب والروح والنفس، آه يا طيفي الحلو الشقي كم أفتقدك في هذا الخريف الجميل، فأشرب القهوة مع شدو فيروز ككل صباح وعيناي ترنوا للقدس:

" كان في أرض وكان في أيدين عم بتعمر تحت الشمس و تحت الريح وصار في بيوت و صار في شبابيك عم بتزهر، صار في ولاد و بأيديهم في كتاب، وبليل كله ليل سال الحقد بقية البيوت، والايدين السودا خلعت الأبواب، و صارت البيوت بلا صحاب، بينن وبين بيوتن فاصل الشوك والنار والايدين السودا، عم صرخ بالشوارع.. شوارع القدس العتيقة خلي الغنية تصير عواصف و هدير، يا صوتي ضلك طاير زوبع بهالضماير، خبرهن عللي صاير بلكي بيوعى الضمير".

صباحكم أجمل.

ليست هناك تعليقات: