الأحد، نوفمبر 30، 2008

الشهرة والأهمية

د. حبيب بولس
نشهد في واقعنا اليوم هجمة إعلامية تطال جميع مجالات الحياة. بما في ذلك الأدب, ومع هذه الهجمة الإعلامية يشتد التنافس بين الأدباء على الظهور في وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المكتوبة, وهذا أمر طبيعي.
\ووسائل الإعلام هذه بطبيعة الحال هي وسائل تسعى جهدها وتبذل طاقتها إلى الانتشار الواسع, ومع هذا الانتشار ينتشر أيضا اسم هذا الأديب أو ذاك خاصة إذا كان على علاقة مع المسؤولين عن هذه الوسائل. ووسائل الإعلام في سعيها هذا إلى الانتشار لا يهمها مستوى الادب الذي تنشره عادة بقدر ما يهمها مدى ملء الفراغات فيها
. من هنا يصبح بعض الأدباء رغم ضحالة وسطحية ما يكتبونه أو ما ينشرونه في هذه الوسائل أدباء مشهورين يدخلون جميع البيوت, سواء أكان ذلك عن طريق التلفزيون أو الراديو أو الصحافة, وتصبح أسماء هؤلاء الأدباء عند البعض لامعة وذلك لكثرة ما يقراونها أو يرونها او يسمعونها, بحيث إذا أراد جسم ما أو مؤسسة ما إقامة ندوة أدبية أو عقد لقاء أدبي للتداول في قضية معينة تمس واقع الحركة الأدبية ومستقبلها نجد هذه الأجسام والمؤسسات تدعو أمثال هؤلاء الأدباء دائما, أي الأدباء الذين استطاعوا بشكل أو بآخر اختراق عالم الإعلام وعرفوا كيف يسوقون أدبهم وأنفسهم بذكاء.
من هنا تصبح الحاجة اليوم ملّحة في رأيي,_ خاصّة مع ما تقدم-, إلى النظر في الأمر والى التفريق بين قضيتين: بين المشهور من جهة والمهم من جهة أخرى, وذلك لان الشهرة شيء والأهمية شيء آخر. فالشهرة يستطيع الأديب أن يحصل عليها بوسائل عديدة لا علاقة لها بمستوى أدبه, فهو يستطيع ذلك عن طريق العلاقات الاجتماعية أو الانتمائية أو الموقع الاقتصادي, وكذلك يستطيع أن يحصل على الشهرة إذا كان يملك القدرة على الذكاء المنافق ومعرفة تسويق نفسه وتسويق ما ينتج. أما الأهمية فأمرها مختلف, فهي لا تأتي بسهولة, ولا يمكن الوصول إليها بالوسائل المذكورة, بل هي تتعلق بمستوى ما يكتبه هذا الأديب, وبمستوى رؤيته ورؤاه, كما أنها تتعلق بمدى تعلق هذا الأديب بنظرة مستقبلية تدعو إلى التغيير على مستوى اليومي والعادي والمألوف والمتعارف عليه. هذا من جهة, أما الفرق الآخر فهو أن الشهرة تأتي بسهولة وربما بسرعة نسبيا ويحظى صاحبها بثمارها ونتائجها في حياته ويتمتع بهذه الثمار والنتائج ويستغلها, ذلك لأنها لا تحتاج إلى جهد كبير, بينما الأهمية دربها طويل شاق محفوف بالأشواك والمصاعب, لذلك تكون حركتها بطيئة مقارنة مع الشهرة, لدرجة أن من يصل إليها وفي كثير من الأحيان لا يحظى بثمارها في حياته ولا يتمتع بها, إنما تأتي بعد وفاته, وربما بعد وفاته بوقت طويل. والأمثلة على ذلك كثيرة في الادبين العربي والعالمي, وتفحص بسيط لحملة الجوائز العالمية في الأدب يشي بذلك. إذ كم من أديب لم يلتفت إليه الناس في حياته لأنه كان بعيدا عن وسائل الإعلام, وعن الأضواء, اكتشفت أهميته فيما بعد أي بعد وفاته, وذلك حين اصطدم به بالصدفة احد الباحثين أو النقاد, فوقف على هذا الأدب ورأى إلى ما فيه من أهمية, فسعى إلى نشره والكتابة عنه, حتى صار هذا الأدب معلما من معالم التطور الأدبي عالميا, وسار نموذجا يحتذى, فاكتسب من هنا احترامه الأدبي, أليس هذا ما حصل لكافكا ولابن الرومي ولغيرهما الكثير.
كم من أديب عاش منبوذا في عصره لا احد يهتم به لأنه كان سابقا لهذا العصر في آرائه وفي رؤاه وفي تفكيره وفي أساليبه, ولكنه رغم ذلك ظل مثابرا, فإذا به بعد مرور وقت طويل, يكتشف الناس أهميته وعطاءه فيصير عالميا ويخلد. إذا الفرق شاسع بين الأديب الشهور والأديب المهم.
ينضاف إلى ذلك أن الشهرة شيء لامع براق يخلب, ولكن إلى حين, إذ أن بريقها لا بد له من الانطفاء, ولا بد لنجم صاحبها من الأفول, ولضوئه اللامع من أن يخبو مع الزمن, إذ أن الناس, بالتالي, مهما خدعوا بهذه الشهرة, لا بد أن يكتشفوا زيفها المخبوء تحت هذه القشرة اللامعة, وعندئذ تتنبه وسائل الإعلام ذاتها التي سعت إلى إشهار هذا الأديب إلى ذلك, فتسعى إلى استبداله بوجه جديد بكر يشكّل بالنسبة إليها نقطة جذب أكثر من السابق, لان ما يهمها ليس الأدب ولا الأديب بقدر انتشارها, وهكذا يفقد هذا الأديب شهرته في لحظة, كما ويفقد كل الهالات التي أحاطت به, ويندم على ما فاته من الوقت والجهد الضائعين اللذين تسربا من حياته دون ان يعمق معرفته وان يؤصلها ويجذرها ويستثمرها بالتالي في أدب جيد رفيع يحافظ به على مكانته, ليصبح بالتالي أديبا مهما محترما في المحافل جميعها, ولكن لات ساعة مندم.
ومن الطبيعي ونحن نقول ذلك ألا نتهم الناس بأمر إشهار هذا الأديب أو ذاك فالناس في هذه العملية يكونون كذلك من المخدوعين, الذين استطاعت وسائل الإعلام أن تضلل بهم. من هنا يصبح المسؤول عن هذه العملية فريقان: وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها, والادباء أنفسهم. ومن هنا أيضا تصبح مسؤوليتنا مطالبة هذه الوسائل بان تسعى إلى نشر الأدب الصحيح وان تبتعد عن نشر الغث. أن تسعى إلى رفع قيمة الأدب والاهتمام بكيفيته وبنوعيته, لأننا في أمسّ الحاجة اليوم إلى ذلك وخاصّة ونحن نراهن على مستقبل حركتنا الأدبية بمجملها أمام المخاطر التي تهددها؟ وسائل الإعلام اليوم مطالبة بان تلتفت إلى المهم لإبرازه, وأن تبتعد عن الأدب السطحي الذي لا يسعى صاحبه من ورائه إلا إلى الشهرة. وربما سائل يسأل وكيف ذلك؟! وهل تملك وسائل الإعلام القدرة الكافية لان تكون في عملية نقد مستمرة للأدب؟! وهل تستطيع أن تفرّق بين الأمرين؟!
السؤال هنا يأتي في موقعه, خاصّة وأن قضية الشهرة والأهميّة تنطبق على هذه الوسائل أيضا. إذ كم من وسيلة إعلامية تدعي اليوم الانتشار الواسع بين الناس والشهرة وهي لا تستحق ذلك. وكم من أخرى اقل انتشارا وأقل شهرة ولا يقرأها سوى نفر قليل, تفوقها مستوى. كم من وسيلة إعلامية تدعي الانتشار الواسع وهي لا تقوم ولا تنهض إلا على الأخبار الرخيصة والدعاية الرخيصة والبرامج الهزيلة. وأعني بالأخبار الرخيصة, تلك الأخبار التي تستقي مادتها من الناس والمجتمع والتي تلاحق أمورنا الحساسة. ومثل هذه الأخبار الرخيصة بطبيعة الحال تخاطب غرائز الناس وتستهويهم وتستقطب انتباههم فيميلون إليها. بينما غيرها يسعى إلى نشر الأخبار الجادة الرصينة ذات الصبغة الموضوعيّة, مع معرفتها الأكيدة بأن مثل هذه الأخبار لها جمهور ضيّق خاص, وهذا الجمهور الخاصّ أقل ّبكثير من جمهور تلك. ولكنها رغم ذلك تكتفي به وبهذا تكتسب أهميتها بحيث تصبح مرجعا تاريخيّا علميّا لكل من يريد أن يبحث عن الحقائق, بينما الأخرى تذروها الرياح مع الزمن ولا يبقى منها سوى اسمها فقط. وهذا لا ينطبق على وسائل إعلامنا فقط وإنما هو أمر معروف في العالم أجمع.
وإذا عدنا إلى سؤالنا الذي طرحناه سابقا, نقول: ليس من الضروري أن تكون وسائل الأعلام هذه ذات قدرة نقديّة تستطيع من خلالها أن تفرق بين الأمرين لتتجنّب ما ذكرناه من نشر أدب سطحي, إنما عليها إذا كانت فعلا تهتم بمستقبل أدبنا- وهي قضيّة وطنيّة من الدرجة الأولى- ان توكل أمر الأدب إلى إنسان يفهم بالموضوع متخصص به يهمه شأن الأدب أكثر من اهتمامه بالعلاقات والروابط. عندئذ لا يجرؤ الكاتب أو الأديب على نشر إلا ما يستحق النشر. لا أن توكل ذلك إلى إنسان بعيد عن الأدب همه فقط ملء الفراغات وإرضاء جشع العلاقات.
أمّا مسؤولية الأدباء فهي أكبر من مسؤوليّة وسائل الإعلام اذ أنهم وحدهم يتحمّلون نتيجة ما سبق ذكره, لذلك هم مطالبون بتقديم أدب جاد حتى لو كلّفهم ذلك التعب والجهد, أو كلّفهم الابتعاد عن الشهرة الإعلامية, إذ أن رسالة الأدب كبيرة مقدّسة أكبر من هذه الشهرة الزائفة. عليهم أن يعرفوا أن وسائل الإعلام مهما بلغ انتشارها لن تجعل منهم أدباء مهمين, بل ما يجعلهم كذلك أدبهم وجدّيتهم وبحثهم الدائم عن الأنسب لقراءاتهم ومتابعاتهم المتواصلة للمستجدات بغية إثراء أدبهم, حتى لو كان ذلك على حساب شهرتهم. فالأدب ليس من رسالته ولا من مهمته الإشهار. على الأديب أن يقرّر سلفا: إما الشهرة وإما الأهمية. فإذا أراد الشهرة عندئذ الأمر يكون سهلا ولكنه بذلك يضر بنفسه وبالتالي يضرّ بمجمل الحركة الأدبيّة. وأمّا إذا أراد الأهمية فعليه أن يتحلى بالصّبر وأن لا يهتم بالبريق, حتى لو جاء ذلك متأخرا. اعرف أن الشهرة خلّابة جذّابة برّاقة, وقلة هم الذين يستطيعون الصمود أمام بريقها وجاذبيّتها, ولكنها رغم ما فيها من إغراء فهي لا تخلّد أدبا ولا أديبا. إنما ما يخلّده هو الأدب المهم. الأدب الذي يغيّر ويرى إلى المستقبل, لا الأدب الجامد المحصور في الحاضر.
وأخيرا الأهمية لا الشهرة. الأدب المهم لا الأدب الذي يملأ الفراغات, هو الذي يبقى للتاريخ ولنا. ومن هنا أهيب بوسائل الإعلام وبأدبائنا أن يسعوا إلى المهم لا إلى المشهور. فالشهرة تطفو على السطح بينما الأهمية تخترق الأعماق. المهم هو الباقي ولو تأخرت هذه الأهميّة على الأديب ألّا يقلق عليه أن يكون واثقا من أن التاريخ كفيل بالتفريق, ومن أنه سوف يفرّق في المستقبل بين الامرين وعندئذ يخبو البريق ويزول ولا يظلّ يلمع ويشعّ إلا الأصيل, والأصيل هو توأم المهم.
فليكن شعارنا اذا الأهميّة لا الشهرة. فهل من يسمع؟! وهل من يتّعظ؟
د. حبيب بولس – ناقد أدبي ، محاضر في مادة الأدب العربي في الكلية العربية للتربية في حيفا وكلية اورانيم الأكاديمية
drhbolus@yahoo.com


ليست هناك تعليقات: