Loading...

الخميس، يوليو 09، 2009

حملة بمصر لسحب جائزة الدولة من القمني لتشكيكه في الإسلام


العربية نت ـ القاهرة - مصطفى سليمان

انطلقت في مصر حملة قضائية وإعلامية ضد وزير الثقافة فاروق حسني، تطالب بسحب جائزة الدولة التقديرية من باحث متهم بالتشكيك في الاسلام وبالالحاد.

وشنت جماعة الإخوان المسلمين هجوماً لاذعاً ضد وزارة الثقافة بسبب قرارها منح الجائزة للدكتور سيد القمني الذي تقول إنه وصف في بعض كتاباته الإسلام بـ"الدين المزور".

ووجه الدكتور حمدي حسن عضو الكتلة البرلمانية عن الإخوان المسلمين سؤالاً عاجلاً لرئيس الوزراء أحمد نظيف حول منح الجائزة للقمني، متهماً الحكومة باستفزاز مشاعر المواطنين بتكرار تكريم المتطاولين على الإسلام، على حد تعبيره.

فيما رفض القمني في تصريح لـ"العربية.نت" اتهامه بالالحاد، وقال "أنا مسلم وأؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم". وأضاف" فليرفعوا ضدى ما شاءوا من القضايا لسحب الجائزة، فالجائزة لم تشرفني.. بل أنا الذى شرفت الجائزة".

من جانبه أكد الكاتب الصحافي صلاح عيسى رئيس تحرير صحيفة "القاهرة" التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية عضو المجلس الأعلى للثقافة عضو لجنة جائزة الدولة التقديرية أنه كان هناك معترضون عليه داخل لجنة التصويت نفسها ولكنه حصل على ما يقرب من 37 صوتاً من 48 وهو العدد الكافي لحصوله على الجائزة".

واستطرد في تصريحه لـ"العربية.نت": أنا شخصياً منحته صوتي لانني أرى أن القمني اجتهد، وهو مفكر دؤوب يحاول قراءة التراث قراءة جديدة، ويعمل في مجاله هذا منذ سنوات".

دعاوى قضائية

ومن جانب آخر تقدم المحامي نبيه الوحش بدعوى قضائية يطالب فيها بسحب جائزة الدولة التقديرية التي حصل عليها القمني في العلوم الاجتماعية للعام الحالي. وبرر الوحش لـ"العربية.نت" دعواه بالقول إن القمني لا يستحق هذه الجائزة نظراً لأعماله التي "تهاجم الإسلام وتشكك في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم"، حسب قوله.

وأضاف "وحيث إن قيمة الجائزة تحصّل من أموال الدولة التي هي أموال عامة، فإن معظم الشعب المصري يرفض أفكار القمني، ومن هذا المنطلق لا يستحق هذه الجائزة".

واستطرد الوحش "بما أن الدستور المصري قائم على الشريعة الاسلامية، التي يشكك فيها القمني، فيجب معاقبة وزير الثقافة بعزله بسبب منحه هذه الجائزة التي تحصّل قيمتها من أموال الشعب المصري، الذي يدين 90% منه بالاسلام ويرفض آراء هؤلاء وأفكارهم".

كما شن الشيخ يوسف البدري الداعية الاسلامي المعروف بملاحقاته القضائية ضد بعض المثقفين هجوماً شديداً على وزير الثقافة لللسبب نفسه، كما أكد أيضاً لـ"العربية.نت" أنه "رفع دعوى قضائية لسحب الجائزة من القمني".

وأضاف القمني دائماً يهاجم الإسلام ويقول "إنه بناء قرشي هاشمي، وينكر وجود الأنبياء إبراهيم وموسى، وكذلك غزوات الرسول، زاعماً أن الأحجار والآثار لا تبين أنه كان هناك إبراهيم أو موسى".

وتساءل البدري: هل من يقولون مثل هذا الكلام يمنحون هذه الجوائز؟

وكانت الجماعة الاسلامية المصرية قد أصدرت بياناً استنكرت فيه فوز القمني بجائزة الدولة التقديرية هذا العام. وقال د.ناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة الاسلامية لـ"العربية.نت": "هناك علامات استفهام وتعجب من الجميع في الأوساط الدينية والثقافية الاسلامية، كيف حصل القمني على هذه الجائزة دون أدنى استحقاق".

وأكد "أنه يتوجب على وزير الثقافة حماية شباب وفتيات الأمة من الانحراف والرذيلة، وإحياء ثقافة مصر الإسلامية الأصيلة بدلاً من تشجيع العلمانيين".

القمني: كتاباتي لتبسيط الإسلام

إلا أن القمني حمل بشدة على المطالبين بسحب الجائزة وقال لـ"العربية.نت": مثل هؤلاء يتاجرون بالدين ويتكسبون من وراء هذه القضايا، وليس لديهم استعداد ليفهموا صحيح الدين، فكتاباتي هي لتبسيط الاسلام وشرحه للناس، أما هؤلاء الذين يرفعون القضايا ويقذفونني بالكفر فهم إذا لم يفعلوا ذلك فسوف يقطعون أرزاقهم.

وكان القمني أعلن في تصريحات صحافية عقب تسلمه الجائزة "أنه لن يسكت حتى تحذف المادة الثانية من الدستور المصري والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وأن حصوله على الجائزة لا يعني أن المسؤولين في مصر يؤمنون بعلمانية الدولة".

واعتبر صلاح عيسى عضو المجلس الأعلى للثقافة أنه من "من الطبيعي أن يكون هناك معترضون على أي جائزة تمنحها الدولة لأي شخص، فهناك تباينات في تقدير مدى استحقاق الشخص لها".

وحول اعتراضات الإسلاميين قال عيسى " جوائز الدولة التقديرية تمنح على الجهد البحثي والإبداع الادبى والفني، فهى تمنح لشخص بذل مجهودا في البحث بغض النظر عما توصل إليه من نتائج، والذين صوتوا لصالحه قد يكون بينهم من لا يوافق على معظم آراء القمنى، فالمنح ليس معناه الإقرار بكل ما يؤمن به".

ووصف من يتهم القمنى بهذه الاتهامات بأنه "مفلس فكريا" مؤكدا "أن مجمع البحوث الإسلامية سبق وأن طالب بمصادرة كتابه "رب الزمان " لاحتوائه على كفر بحسب تقرير الأزهر، إلا أن القضاء المصري رفض المصادرة ولم يعتبر ما به كفرا ، وهذا يؤكد أنه ليست هناك جهة أو شخص يحكم على آخر بالكفر ، بل هناك اجتهاد صحيح وآخر خطأ ، والإسلام يقول " من اتهم أخاه بالكفر فقد باء بها أحدهما ولم يحدد من يكون".

وأضاف "لا يوجد في افكاروكتابات القمنى ما يؤكد خروجه على الإسلام ".

وبدوره رفض الروائي المعروف جمال الغيطاني عضو اللجنة العلمية بالمجلس الاعلى للثقافة التي منحت الجوائز التعليق على هذه الاعتراضات، وقال لـ"العربية.نت": "لن أعلق على مثل هذه الدعاوى ولدي أسبابي الخاصة".

ويعد القمني من المفكرين الذين يعملون على "مركسة" الإسلام وجعله مجرد فكرة مادية قامت على أساسها دولة وإمبراطورية عظمى وليس ديناً ووحياً أنزل من السماء، ومن أهم مؤلفاته التي أثارت جدلاً "رب هذا الزمان" و"الأسطورة والتراث" و"حروب دولة الرسول" و"موسى وآخر أيام تل العمارنة"، و"النبي إبراهيم والتاريخ المجهول"، و"الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية".

وتبلغ قيمة الجائزة 200 ألف جنيه، ويثار جدل كل عام حول من يستحقها.

مثلما تخرج الشجرة

شوقي مسلماني
1 ـ غزال آخر
لأنّ كوناً آخر في الرأس الآخر في رأسك
إنّما مع إقرار أنّ الشجر هو ذاته الشجر الذي تراه
الزهور التي تراها أيضاً هي ذاتها
والبحر الأزرق الجميل الرائع هو ذاته
والحَمام هو ذاته
ونهر الحياة المقدّس هو ذاته
لأنّ كوناً آخر في الرأس الآخر في رأسك
يجنح بك نحو كون آخر
تفرد جناحيك لقلب آخر
أنظف، أطهر
وأرقّ.
**

لأنّك ترحل في الأبيض وفي الأسود
وليس بالتأكيد اللون الأبيض واللون الأسود
إنّما الأبيض المسِمّ والأسود الملذوع والمُسَمَّم
لأنّك ترحل في الفوضى
فوضى اللاكمال بإطلاق
وحتى في رحيلك في فوضى رحيلك
لأنّك ترحل وحتى في غربة الغربة
هذا الوجوم على وجهك.
**

ولا تفتأ تخرج
ولا تفتأ ترجع
وليس أن تخرج من البيت
وأن تدخل إلى حانة
بل أن تخرج كما تخرج الشجرة
وكما يخرج البحر الأزرق الجميل الرائع
وكما تخرج الزهور
وكما يخرج الحَمَام
ولا تفتأ ترجع
بندوب.

2 ـ العين
ليس كلّ عين لها عين أخرى
تماماً كما تعلم أنّ ليس كلّ قلب فيه قلب
ومثلما تعلم كيف وأنت تتقدّم تتراجع
عين فقط ترى وأخرى ترى
إنّما فيها عين تقرأ وتفهم
وعين فيها عين فيها عين
عندها الحكمة.

3 ـ أرواحُ دخان
وفي دخانٍ أرواح لا تعدّ ولا تُحصى:
أرواح تدمع فرَحاً، أرواح تدمع حزناً وأسفاً
أرواح تمشي على الماء، أرواح حاضرة غائبة
أرواح شرسة لها أسنان، أرواح تزحف
وأخرى تمشي وأخرى تطير
وأرواح تصرخ بجنون

في دخان أرواح مكسورة
وكم مِن روح مطفأة
وكم من روح رماد بارد.

4 ـ وراء الطبيعة
كثيراً اجتزتُ الدربَ هذه:
اجتزتُها هارباً، اجتزتُها عابراً
اجتزتُها فاتحاً، اجتزتُها وأنا أحمل على ظهري ميّتاً
واجتزتُها وأنا راجع

كثيراً اجتزتُ الدرب هذه
وجميعهم معهم خبر
غير أنّ الأغلبيّة الساحقة راضية
بما عندها
والأقليّة
قلِقة.

5 ـ حتى
أورقتْ وأزهرتْ
زمجرَ وأزبدَ
بكتْ وذرفتْ دموعاً
اتّسعَ بلا نهاية
والموسيقى سلالم
والعطر أحلام
وجوهرة هي كلمة
أبعد من المكان.
Shawki1@optusnet.com.au

الأربعاء، يوليو 08، 2009

حديث الرجل الغريب

خالد ساحلي
وقال الرجُلُ لمّا أَيْنًعَ العُمْرُ
و أسْرَجَ خيلَ الوقتِ المُتَسَاِبِقِ
حًيْثُ أًنًاهُ يُنافسُ غُبَارَ العدمِ
تحت حوافر المجهولِ المُخَبَئِ
في مِعْطَفِ صُوف الغَيْبِ
ترتجفُ القلوبُ من برد القلوبِ
حين تنكشف سُوَءةُ الحريِر
قال الرجل:
كُنتُ كما الحََّبَةَ في يدِ القدر
تبذرني تنثرني زرعا
فأشتّدُ سُنْبُلة
أنحني مُجْبَرًا
بما حَمِلْتُ من ثِقل الأسئلة.
وقال الرجل:
كنتُ شعاعًا بمملكة الشمس
سفير الصباح
إلى حيث يكبس الخواء
على الجرح و الصراخ
أسير الفراغ
أفاوض الخراب
ابقرُ ظِلَهُ بسيف الخلاص
أستحيل مفاتيح ضياءْ
لأبواب الظلام الموصدة.
تفر العيون المغلقة
إلى جنة البياض؛
ارسم خط نور
افضح الهباءَ المنثورَ.
قال الرجل ولفظه ينزف حقيقة:
كنت القطرة في قلب المطر
أشتد هطولا على واحة خضراء
أتحرّقُ شوقا
للانسياب في جداول التراب
حيث الأصل والوطن
فَيَحِّلُ الربيع صافيا كما أنا
و العتاة صحراء
تمنحني كما العادة
عواصفها ورمالها
و الجفاف لأغور.
أعاود الهطول
متلألئا مع الشمس ندى
في انبعاث جديد
مرسلٌ من السماء كيما لا أموت.
أحيي اليَبَاسْ في قلوب البؤساء
تصير ورودا في حدائق الله
حين ترتوي من حوض المعجزة .

وقال الرجل:
كنت في الولادة تاج صراخٍ
مَنَحْتُنِي صَوْلجانًا وقيصرا
أتحدى الموت في الصمت
أغالب بسيف الله الذي لا يصدأ
غول الشقاء.
والكلابُ قطيعَ سِيَاجٍ نابحة
في لهاثها العظيم
تهز الأذناب بغرور
تَعُسُ طيور الخداع المفرّخة.
وكنت في الولادة شاطئا
تابعا لبحر الله
يمتحِنُنِي الماءُ بأمر الله
حين يأتي الأرض
ينقصها من أطرافها
يموت بعضها من كُلِهَا
تنفلق الحصا زاد الرمل
ويولد الشاطئ معطرٌ بالملح.
يحدّث ُالماء الرمل
والسفن تناجي المرافئ البعيدة.

قال الرجل ونظرته فتوحات:
كنت في الغابة فأسا معلّقة
و الذئاب تعوي
كانت الأشجار في كتفي
حيث يأتي المكر من ورائها
غدرا كأرنب
يحمل لقب دمنة
و الجبال تلتقي حينها
في تقابلها
شاهدة و مشهودة
تشتعل الكلمات نجوما
تصّعد إلى السماء
لا زالت نفخ من روح الله
ملائكة نور.
قال الرجل ومضى
في عير المستحيل.
في هودج الضوء مشى بيقين
على أقدام من ذهب.

تساؤلات حول المقهى

زهير الخويلدي

" إن الفلسفة لا تتبلور في الحدائق الكبرى أو في الطرق، وإنما داخل المدن والشوارع "
جيل دولوز

لم يهتم الفلاسفة كثيرا في الماضي بمؤسسة المقهى رغم أن البعض منهم دونوا نصوصهم واجتمعوا بمريدهم فيها ولم تنزل الفلسفة من أرستقراطيتها المعهودة إلى الشارع وتمارس الأرضنة سوى في منعطفات تاريخية معدودة. بيد أن المقهى ظاهرة فلسفية تسترعي الانتباه وتحضر بكثافة هذه الأيام فهي موجودة في كل مكان وأعدادها تتزايد عام بعد عام وكذلك الحاجة إليها باتت ملحة لتحولها الى مرآة عاكسة للمجتمع وتعبير عن نبض الشارع حيث يجلس فيها الشباب الحالم والعاطلون الباحثون عن موطن شغل والمرأة التائقة نحو الحرية والكهول الذين يروحون عن النفس ويمضون أوقاتهم في التندر ومبادلة الحكي عن التجارب والسير الذاتية.

إن المقهى سؤال فلسفي بامتياز لأنه عوض مكان الالتقاء التقليدي في السوق ودار العبادة والندوة ودار الثقافة وانه يلعب دور إدماجي تأطيري كبير وله كذلك وظيفة علاجية نفسية تخص المراهقين والعاملين واليائسين من المتقدمين في السن والمرضى حيث يزرع فيهم المقهى الأمل ويجدد لهم الحياة ويبعث فيهم النشاط ويغذيهم بالجديد من المعلومات المستقاة من الشائعات والأحاديث المتابدلة.

ليس المقهى مكان للعب والنجوى فقط بل هو أيضا مكان للتواصل والتربية والحوار وبناء الرأي العام وتفعيل مؤسسة الصداقة ولذلك كان متناقضا من حيث الجوهر مع الغربة والإقصاء والصراع والتهميش. ولكن ما المقصود بالمقهى؟ كيف يتحول المقهى إلى مكان للاغتراب والتنميط والاستبعاد؟ أليس المقهى مكان للظهور الاجتماعي والوجود في العالم؟ ما الفرق بين مقاهي الأغنياء ومقاهي الفقراء؟ ألا يوجد مقهى شعبي وآخر ثقافي؟ ما دور المقاهي في عملية التأطير السياسي والتغيير الاجتماعي؟ هل يحدث صراعا فعليا بين المجتمع المدني والدولة حول المقهى؟ كيف أمكن للمقهى أن افتك المكان الذي كان يلعبه المجسد؟ ما يعني الحديث عن مقهى فلسفي أو مقهى الأنترنت؟ وهل ينبغي أن يخضع المقهى للرقابة والتأطير أم تمنح الحرية الكاملة للجالسين فيه من أجل أن يفعل ما يشاؤون؟

المقهى ظاهرة مستحدثة ارتبطت على ما يبدو بتشكل الطراز الجديد من المدن يجتمع فيها الناس وجاءت لتعوض الفضاءات التقليدية التي كان الناس يلتقون فيها مثل النوادي ودور الندوة والخمارات ودور العبادة. وتعتبر مسألة انتشار المقاهي في التجمعات السكنية الصغرى والأرياف في شتى أنحاء العالم تكريسا لقيم العولمة وغزو نفس التمظهرات جميع أرجاء المعمورة. ويتشكل المقهى من مجموعة من الحرفاء الذين يرغبون في تمضية البعض من وقتهم في استهلاك بعض المواد والمشروبات وأصحاب المقهى الذين يوفرون لهم ما يطلبون والنادل الذي يلعب دور الوسيط بين الطرفين ويحاول إرضاء الحرفاء باستلطافهم حينا ومشاركتهم الحديث أحيانا.

اللافت للنظر أن الجلوس على المقهى لفترات طويلة في اليوم هو علامة ركود اقتصادي وسبات أنثربولوجي وأن الإدمان على لعب الورق دليل تخلف وأن الإقبال على استهلاك الكلام يمثل مناخا مساعدا على صنع الظن الكاذب بالناس ونشر الإشاعة وأن الأجدى هو ترشيد فترات تواجد الفرد في المقهى وتحقيق المصالحة بين المقهى ونشر الثقافة والوعي وحسن الانتفاع بهذه المؤسسة الاجتماعية العفوية من أجل تنمية الذوق وتهذيب الحس وتوفير الفرص ودمقرطة المعلومة.

إن تنوير الحشود يمر حتما عبر المقهى وان المقهى وجد من أجل خدمة هذه الغاية وان إبرام الصفقات الاقتصادية وتعزيز روح التعاون بين المؤسسات والشركات يتم في المقهى. إن كل شيء يبدأ من المقهى بما في ذلك الصالح والطالح ، النافع للناس والضار لهم.

إن المقهى مسطح محايثة الفكر وشرط توليدي للقول الفلسفي وان الفلسفة لا تنبجس في الأبراج المشيدة وفي الأنساق المجردة بل مرتبطة بالحياة اليومية وبغبار الشارع وعرق الكادحين.

ما يستدعي الانتباه بالنسبة إلى الفكر الباحث عن منظومات معرفية مغايرة وآليات متطورة للتفكير هو التوقف عند كل الأمور الجوهرية والعرضية، الآنية والمنقضية والمقبلة التي تخص ظاهرة المقهى وتقليب الأمور والأدوار على جميع وجوهها واستنطاق مناطق الصمت في كل كلام والاستجابة فورية لكل نداء يرسله الوجود، وما يستحق التركيز بالنسبة إلى الفعل المفتش عن ظروف مواتية للانجاز هو الاعتبار من كل الأشياء الثمينة والمبتذلة التي توجد في المقهى واستخلاص الدروس والعبر من كل شاردة وواردة في السير والحكايات والقصص.

وحده الفكر المتسائل حول منزلة المقهى من العالم ودوره في المجتمع وزمانية حضور الفرد فيه يمكنه أن يتقن لعبة الوجود المسلية في التخفي والظهور، ووحدها الذات الإنسانية القلقة يمكنها أن تقيم تحت شجرة الحياة الوارفة وتخوض تجارب استنبات قيم المغايرة المؤمنة بالانفلات، ووحدها الفلسفة النقدية المعاصرة تستطيع أن تتدارك ما فاتها وأن تثبت نزوعها اللامحدود نحو اللانهائي وتتقن تجربة التجاوز المستمرة وتطلق حركة السؤال مثل رقاص الساعة الذي لا يتوقف أبدا.

تستعمل السلطة المقهى لتركيز آليات النظام التي تريد إرسائه في المجتمع وتوظفه أيضا في نشر قيمها وثقافتها الرسمية ولكن في المقابل يلجئ المعارضون لها إلى نفس الوسيلة من أجل تعريف الناس بأفكارهم ومن أجل بناء الوعي النقدي وتكوين رؤية نظرية شاملة للواقع الموضوعي الذين يعيشون فيه.

إذ بدون التجذيف ضد التيار تتحول حياة الإنسان إلى ضرب من الآلية وبدون التفجع من كدر الزمان يبدو الإنسان ثقيل الظل غارقا في أضغاث أحلام وأمنيات لا تتحقق، وبدون التفكير تصبح الحياة لعبة فارغة وغير جديرة بأن تعاش وبدون السؤال يكون الوجود غير مفهوم وفارغ من كل معنى وبدون الكتابة والتدوين وحبك النص تظل الأفكار مجرد خطاب وتقف اللغة عند مجرد تنضيد الكلمات تبوح بها الأفواه.

إن المقهى مكان الفردنة والحميمية حيث يكون المرء عند نفسه وحيث يتدافع الناس إلى أماكنهم المفضلة وينتقون الكراسي الملائمة. انه شرفة يطل منها الجميع على الكون بدون تحفظ ويمارسون فيه طقوسهم اليومية. ما أروع أن يكتب الشاعر قصيدته في زاوية جانبية من مقهى المدينة وما أسعد ذلك المقهى بذلك الشاعر الذي يصوره بلغته وينقذه من النسيان.

كيف يتحول المقهى إلى مكان للمطالعة وحوار الأجيال والتثاقف بين المجموعات والتواصل بين الأنماط؟ وماهو التعديل الذي ينبغي أن نجريه على مقاهينا حتى لا يكون تكاثرها أمرا سلبيا؟ متى يكون المقهى المكان الذي يطرد فيه المرء الحيرة والاضطراب ويستجلب الراحة ويوقظ فيه ملكة السؤال؟ أليس المقهى مهبط الإلهام الآدمي؟ وألا ينبغي أن يتحرر المقهى من منظومات التعبئة والديماغوجيا التي تمارس عليه؟

فإذا تعذر علينا تصور مجتمع ومدن دون مقاهي فإن مقهى السؤال والمعنى هو ما تنشده الفلسفة ويحاول الفكر الحاذق فرضه في الواقع. فمتى تكف مقاهينا عن تكريس الابتذال والتفاهة وتلعب الدور التربوي الحقيقي الذي ينبغي أن تقوم به؟ وكيف تتحول من مكان لإعادة إنتاج ماهو سائد إلى فضاء استشرافي يتصور فيه الناس ماهو أفضل؟

كاتب فلسفي

المرأة في الرّواية العربيّة


زياد جيّوسي

الصّحفيّة الجزائريّة نوّارة لحرش خاطبتني مرّة تسألني كيف أرى المرأة في الرّواية العربيّة، كان سؤالها جزءًا من تحقيق صحفيّ. وقد أجبت إجابة مختصرة جرى نشرها، ولكن من خلال استعادة الذّاكرة في الرّواية العربيّة وجدت أنّنا عادة أمام صورة نمطيّة للمرأة فهي: المرأة المقهورة، السّلبية، المتلقّية، الخاضعة للهيمنة الذّكوريّة، فهي بالمعتاد تابعة ومتلقّية ومقموعة، القمع يتراوح بين العادات والتّقاليد، ظروف المجتمع وأنماطه في التّعامل، ولم تخرج المرأة عن هذه الصّورة إلاّ في حالات محدّدة. ولعلّ الرّواية العربيّة الحديثة لعبت دورًا في إظهار المرأة العربيّة في صورة مغايرة، فقد أصبحت المرأة شريكة للرّجل في تحمّل المسؤوليّة، امرأة إنسانة وليس سقط متاع، لم تعد مجرّد جسد ينظر إليه بشهوة ورغبة، بل أصبحت المناضلة والأمّ والشّريكة. وبشكل عام كانت صورة المرأة في الرّواية العربيّة تعتمد دومًا على خلفيّة الكاتب ووعيه وثقافته، البيئة الّتي خرج منها وتأثّر بها. ولعلّ تغيّر الثّقافات وتأثير العمل السّياسيّ وانتشار الوعي والثقافة كلّها لعبت دورها في هذا التّغيير.

الكثير من كتاب الرّواية المعاصرين، وخاصة الّذين ارتبطوا بالعمل السّياسيّ والنّضاليّ، يقدّمون صورة إيجابيّة عن المرأة، تظهرها بدورها الحقيقيّ، مشاركة للرّجل في تحمّل المسؤوليّة، والدة ومناضلة وواعية ولها دورها في مناحي الحياة المختلفة. ويحضرني هنا دور المرأة الفلسطينيّة في رواية "ماء السّماء" للكاتب الفلسطينيّ يحيى يخلف، ففي هذه الرّواية الّتي تصوّر النّضال الفلسطينيّ قبل سقوط فلسطين في عام النّكبة 1948 وانتقال الشّعب مهجّرًا ومشتّتًا إلى أنحاء الدّنيا، أورد صورًا من دور المرأة في مرحلة نهاية الأربعينات، حيث الأمّ "العمّة حفيظة" الّتي ترعى المجاهدين، تتزنّر بالرّصاص وتقاتل معهم، تؤمّن لهم الذّخيرة والطّعام، تخرج بالأطفال لحمايتهم وتقوم بدور الرّجال وهم في خنادقهم وتنتظر قدومهم. وأبرز دور الشّابّة "بدريّة" في مخيّمات اللجوء، كيف تنتمي للعمل السّياسيّ وتشارك في المظاهرات، تتسلّل عبر الأزقّة لتلتقي المناضلين الّذين يختبئون من رجال الأمن، توجّه الرّجل المناضل حين تشعر بانحرافه عن هدفه قائلة: يحتاجك البسطاء والفقراء وأبناء المخيّمات فلا تبتعد عنهم.

وهذا النّموذج الإيجابي للمرأة برز أيضا في روايات الرّوائي الكبير حنّا مينا، إذ نجد نموذج "رئيفة" في روايته الذّئب الأسود، ونموذج "ييرانيك" في روايته الفم الكرزيّ. وبالكاد تخلو رواية له من أنموذج إيجابيّ يمثّل المرأة. وهذه الصّورة الايجابية تكرّرت في العديد من الأعمال الرّوائيّة العربيّة المعاصرة، كما يمكننا أن نرى هذا النّموذج في شخصيّة "آسيا" في رواية وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر.

لذا يمكننا أن نقول أن النّماذج الّتي أوردتها للرّواية العربيّة الحديثة المكتوبة بأقلام ذكوريّة، تطوّرت وتغيّرت فيها المفاهيم السّلبيّة تجاه المرأة، حتى أنّ الرّواية العربيّة تمكّنت من أن تتجاوز الكثير ممّا كتب في المراحل السابقة التي صورت المرأة: بـ"صورة نمطيّة مستهلكة، مستهجنة، مقهورة، منكسرة، سلبيّة".

ويبقى السّؤال هو: هل هذا التّغيير بالنّظرة للمرأة في روايات الكُتّاب العرب المعاصرة، انعكس فعليًّا على السّلوك الشّخصيّ للكاتب، وهل ترك تأثيره على المجتمع وبدأ يلعب دورّا في التّغيير، أم بقي مجرّد حروف مرسومة بالحبر؟

الاثنين، يوليو 06، 2009

جرح ُ قلب

عيسى القنصل
نازفُ شريان قلبى ..

فاعذرينى

ان اتاك الشعر يبكى

يكتسى الثوب الحزيـــن ِ

فالليالى ..

لم تعد ارضا لحلمـــــــى

ودموعى ..

احرقت جفن العيـــــــــون ِ

كلما عانقت حلما ً

او زرعت الارض بذرا

لطموح ِ سوف ياتى

مزهرا ً عبر السنيــــــن

جاءت الايام غدرا ..

احرقت عمرى بعنف ٍ وجنون ِ

صار عمرى مثل رمل

فى صحارى تاهت الامطار ُ عنها

عمق اعماق القـــــــرون ِ

لست ادرى ..
كيف يمضى العمر ُ عندى

والجراحات خلايا ..

فى دمائى فى ظنونــــــــى

فابعدى عنى قليــــــــــــــــــلا

اتركينى ..

اشرب ُ الآهات حزنـــــــــــا ً

عبر اقداح السنيـــــــــــــــــن ِ

لم اعد اهواك ِ حقا ...

لم يعد قلبى ضعيفا ....

بين نار الشوق ِ وانياب الحنين ِ

لم يعد قلبى ( كايوب ٍ ) بصدرى

صار مجنونا غريبــــــــــــا ً

لا يبالى فى انينـــــــــــــــــــــــى

فاتركينى ..

فى رمال الحزن وحـــــــــــدى

انت عندى ..زلة ً كانت محال ُ

بعد هذا اليوم ان تكونـــــــــــــــى

غير ذكرى وسراب ٍ لجنونـــــى

؛؛؛><><؛؛؛><><>؛؛؛؛><>

آه من اوجاع شوقى ...

نارها تلغى يقينـــــــــــــــــــــــى

قد تمادى الدهر ُ ضــدى

قاتلا عمرى تحت اقدام السنين

كل شىء يتلاشى ...

فى هدؤ ٍ وسكونــــــــــــــــــــى

فاتركينى ...احتسى الذكرى لوحدى

احتسيها ...فى ذهول ٍ وجنون ِ

لم اعد اهواك حقا ً

فاتركينى اتركينــــــــــــــــــــــــى

سدرة المشتهى

صادق مجبل

إغسلْ مياهكَ عن يديا

لأدلَ من تاهوا عـليا

ضعْني على طرق السؤال متاهةً

لأطوفَ حولي مثل أشرعة الأغاني في المساء ِ

على جدار الوقتِ اكتبُ ما تيسر مِن فراغٍ .. سوف اعبرُ ضفتيا

إرسمْ على مُقلي التماعات الضياع خريطة/

أنثى ترتلُ حُلمَها وجعاً شجيا

دَعني بأحضاني أنمْ ،

وارى نُعاسيّ في عيوني سَرمديا

أترقبُ الأمسَ الذي قَـدْ قالَ ااتي ..

لترى تجاعيدُ احتمالي مقلتيا

ارني .....لأهبطَ بالخطيئةِ

اقطفُ الأصوات

مِن صرخاتِ نهدٍ جائعٍ يبدو شقيا

لولا الخطيئة لم نكن ...

أرجوك اجعلني نبيا!

افتحْ لصدرٍ فيه تفاح القصيدةِ

كي أرى وجعاً جميلاً

ضجَ فيا

للأرض اهبط كونني ..

في الحلم أعلو خطوتيا

وأزحْ زجاجَ الوقتِ من سقفِ المسافةِ هل دنا ؟..شيئا فشيا

أرجوكَ دعني ههنا تفاحها يبدو شهيا

أنا اصغر الأشياء طفلاً عبقريا

ويرتلُ العثراتِ صـمتي سوفَ يتلو أبجديا

إن قيل لي ..سأقول ياربي صبيا

وارى (زيوسَ) بظهرِ روحي يَختفي

لتفرَ أجنحةَ الغروب فـلَمْ أكن يوماً بغيا

العمرُ هـذا الليل خبأ مِن نجوم سنيه لأكونَ فيا

سأبعثرُ اللحظاتِ فيكَ واختفي في راحتيا


sadeq89@yahoo.com

الأحد، يوليو 05، 2009

ابن خلدون ليس الشعلة الأخيرة

ترجمة وتعليق زهير الخويلدي

"إن ابن خلدون كان مكتشفا لأخطر ظاهرة في عصرنا وهي ظاهرة التخلف وعالجها بأسلوبنا الحديث فكان زميلا لنا ومعلما" ايف لاكوست
"بعض المختصين يعتبرون ابن خلدون بوصفه مكتشف علم الاجتماع. والمؤلفات التي كتبها حول التاريخ الكوني تبرز بشكل حديث جدا مفهوم الحضارة. ابن خلدون امتلك الإحساس بالوحدة العضوية لمجتمع ما، وكل عنصر أو بعد تم اعتبارهما في علاقة ضرورية مع العناصر والأبعاد الأخرى، علاوة على أن صيرورته تغذيها سببية نوعية. لقد عاش في القرن الرابع عشر وكان آخر مفكر كبير للإسلام. في الأثناء اتجهت أوروبا بواسطة علمها وتقنيتها إلى غزو الأرض. انه في هذه اللحظة بالذات التي غطس فيها العالم الإسلامي في ليل فكري حيث لن يخرج البتة"[1]

هذا النص الذي نقلته إلى العربية من الفرنسية خطير بكل ما في الكلمة من المعنى ويعبر عن تمركز لوغووسي واثني وثقافي غير مبرر في زمن العولمة لأنه نشر مؤخرا وبعد مراجعات عديدة قام بها الفكر الغربي لنفسه وادعائه العزم على تلطيف النظرة إلى الآخر والتشريع إلى التنوع والاختلاف وتوجهه نحو إجراء حلقات من الحوارات مع الثقافات والأديان واللغات المغايرة وظل يتبنى نفس الذهنية التي تنظر إلى الآخر من زاوية الشرفة المتعالية وتتحكم فيه عقدة التفوق والكبرياء. وخطورته تتمثل في توجهه نحو الاستهلاك العمومي وحكمه المسبق على العالم الإسلامي كونه غطس في الظلام ولن يعود إليه النور وكون ابن خلدون هو آخر مفكر عرفه الإسلام وأنه اختص بالتاريخ والاجتماع والحضارة في حين أن هذا الأخير اختص في مجالات من بينها اللغة والتربية والفن والصناعة وترك وراءه نظرة موسوعية أثرت في رواد النهضة الأولى أيما تأثير وساهمت مدونته في بناء الثقافة الرسمية لمعظم الدول العربية المستقلة.

إن ابن خلدون مفكر عالمي وليس مجرد باحث إسلامي وان الفكر في حضارة اقرأ لم ينقطع بموت ابن خلدون بل تواصل وتطور في قطاعات علمية أخرى بشكل لافت وان العالم الإسلامي خرج من عصور الانحطاط مرات عديدة وأنه وجد العديد من العلماء والمفكرين والفلاسفة ورجال الإصلاح والتربية وان هذا العالم الآن هو بصدد الإعداد للاستئناف الثاني على الصعيد الكوني. إن أهمية ابن خلدون ليس فقط من جهة التاريخ والعمران بل من جهة الأخلاق والسياسة لأن نظرته الواقعية مكنته من فهم طبيعة الملك وعلاقة الروحي بالدنيوي وتفسير كيفية انتقال الدول من البداوة الى الحضارة ووضع قانون يحدد المراحل والأطوار التي تمر بها كل دولة وهي خمسة:

- "الطور الأول: طور الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة...

- الطور الثاني: طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة...

- الطور الثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت، فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج وإحصاء النفقات والقصد فيها وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة وإجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل، وبث المعروف في أهله...

- الطور الرابع: طور القنوع والمسالمة: ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما بنى أولوه سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله مقلدا للماضين من سلفه فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء. ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده.

- الطور الخامس: طور الإسراف والتبذير ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته..."[2]

هذا هو ابن خلدون عالم الأنثربولوجيا السياسية يؤرخ لأطوار صعود الدول وانحطاطها ويحذر بأن الحضارة لا تدوم والدور يعود على الجميع وينبه أن المسألة الأساسية ليست في البحث عن الشروط المساعدة على السؤدد بل عن الشروط المبعدة للانحطاط والتخلف، فمتى تتخلى المؤلفات التاريخية الغربية عن التمركز على الذات وتحترم القيم الكونية التي بشرت بها العالم وتعمل على إنصاف للآخرين في الحكم على القيمة والرتبة؟ وألا ينبغي أن يفهم الآخر أن ابن خلدون ليس الشعلة الأخيرة؟ فما رأيه أن يتدبر هذا القول من المقدمة:" وأهل الدول أبدا يقلدون في طور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم فأحوالهم يشاهدون ومنهم في الغالب يأخذون. ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح وملكوا فارس والروم واستخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة"[3]؟ أليست هذه دعوة نحو التواضع والتثاقف؟

المراجع:

عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تحقيق سعيد محمود عقيل، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 2005

Christian Godin, la philosophie, Antiquité, moyen Age et renaissance, pour les nuls, First- Editions, 2008


-------------------------------------

[1] Christian Godin, la philosophie, Antiquité, moyen Age et renaissance, pour les nuls, First- Editions, 2008,p.314.

[2] عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تحقيق سعيد محمود عقيل، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 2005، ص.ص. 162-163.

[3] عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تحقيق سعيد محمود عقيل، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 2005، ص.159.

الجمعة، يوليو 03، 2009

ثلاث محاضرات في شعر محمود درويش ـ3

د. حبيب بولس

المرحلة الثالثة - مرحلة الكون والانسان ونبش الذات

في هذه المرحلة وخاصة في باريس تزداد تجربة محمود درويش الشعرية غنى وثراء، فهو في وحدته هناك يملأ الوقت بالقراءة والتبصر في الذات الانسانية وفي الكون فيجنح شعره الى تغور الذات والنبش في خفاياها وفي خفايا الكون وحين يدهمه المرض ويضطر الى الرضوخ لعملية جراحية معقدة في قلبه ثم الى عملية اخرى ويستشعر محمود خطورة المرحلة في حياته وعلى حياته تزداد قراءاته وتزداد تأملاته في الحياة وفي الكون وفي القضية وفي النفس البشرية، فيمتلئ شعره بالفلسفة ويمتح من الثقافتين العربية والغربية، وحين يتاح له القدوم الى الوطن ورؤية البلاد من جديد ومقابلة الاهل والاصدقاء القدامى، ينفتح الجرح ويدفق قصائد رائعة تصور لهفته وحنينه ولكنها لهفة الفلسطيني التي لا تخلو من المرارة.
هذه الوحدة وهذا الانكفاء على الذات ولّدا شعرا معمّقا لا يتسكع على السطح ولا يحايئ الوجود من خارج بل يتغوره ويسبر خفاياه، في هذه المرحلة يخفت ايقاع القصائد ويجنح نحو ايقاع داخلي، متآلف متجانس ليعبر من خلاله محمود بصور مركبة تتوالد لولبيا عن مراراته وعن احساسه الداخلي بعبثية الحياة كما يعبر من خلاله عن مواجهة الموت. والموت كموتيف يرافق قصائد محمود في هذه المرحلة بشكل بارز،وقد كبس عليه الحنين في هذه المرحلة:
يقول محمود:

"امي تعدّ اصابعي العشرين عن بعد
تمشطني بخصلة شعرها الذهبي، تبحث
في ثيابي الداخلية عن نساء اجنبيات،
وترفو جوربي المقطوع، لم أكبر على يدها
كما شئنا: انا وهي، افترقنا عند منحدر
الرخام.. ولوّحت سحب لنا ولماعز
يرث المكان، وانشأ المنفى لنا لغتين
دارجة.. ليفهمها الحمام ويحفظ الذكرى
وفصحى.. كي افسر للظلال ظلالها (لماذا تركت الحصان وحيدا)
وفي مواجهته للموت يصر محمود على الحياة ويصر على فلسطينيته وعلى امتلاك الاشياء المنتزعة من ذاكرته ووجوده من ماضيه وحاضره ويقول:

"هذا البحر لي/ هذا الهواء الرطب لي/ هذا الرصيف وما عليه/ من خطاي وسائلي المنوي.. لي/ ومحطة الباص القديمة لي/ ولي شبحي وصاحبه/ وآنية النحاس وآية الكرسي، والمفتاح لي/ والباب والحراس والاجراس لي/ لي حذوة الفرس/ التي طارت عن الاسوار../ لي ما كان لي/ وقصاصة الورق التي انتزعت من الانجيل لي/ والملح من أثر الدموع على جدار البيت لي" (الجدارية)
وحين يحدث الانقسام في صفوف شعبه يتعذب محمود ويشعر ان كل ما بنيناه قد صار آيلا للسقوط فيطلق زفراته المؤثثة بالمرارة والمحملة بالكثير من العتاب واللوم ويقول:

"سنصير شعبا إن اردنا، حين يؤذَن للمغني ان يرتل آية من "سورة الرحمن" في حفل الزواج المختلط. سنصير شعبا حين نحترم الصواب، وحين نحترم الغلط" (أثر الفراشة)

وحين يعود الى حيفا عشيقته الاولى قبل وفاته، حين يمكث في الجليل فترة طويلة نسبيا لأنه كان يستشعر على ما يبدو قرب اجله يقول لحيفا:

"حيفا: يحق للغرباء ان يحبوك، وان ينافسوني على ما فيك، وان ينسوا بلادهم في نواحيك، مِن فرط ما انتِ حمامة تبني عشها على انف غزال! حيفا تقول لي: انتَ منذ الآن انتَ!" (اثر الفراشة)
يقترب الموت من محمود ويزداد استشعاره به فيزداد تأملا وتلبس قصائده حالة من العمق الصوفي والفلسفة الانسانية العميقة كقوله:

"الصمت اطمئنان الصاحب للصاحب/ وثقة الخيال بنفسه بين مطر وقوس قزح/ قوس قزح هو تحرش الوحي بالشاعر، بلا استئذان.. وافتتان الشاعر بنثر القرآن/ فبأي آلاء ربكما تكذبان/ وغائبان انا وانتَ، وحاضران انا وانت، وغائبان/ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان" (في حضرة الغياب).
او كقوله:

"سيري ببطء، يا حياة، لكي اراك بكامل النقصان حولي، كم نسيتك في خضمك باحثا عني وعنك. وكلما ادركت سرا منك قلت بقسوة: ما اجهلك!/ قل للغياب: نقصتني/ وأنا حضرت لأكملك. (كزهر اللوز او ابعد)
في مطولته الاخيرة يرتفع السؤال حارقا عند محمود درويش "من انا؟ من أنا؟" لأنه لا يستطيع ان يخيب ظن العدم كما كان يحسب، وفعلا ينتصر هذا العدم في النهاية فيقول:

"كان يمكن لو كنت ابطأ في المشي ان تقطع البندقية ظلي عند الارزة الساهرة/ كان يمكن لو كنت اسرع في المشي، ان اتشظى وأصبح خاطرة عابرة/ كان يمكن، لو كنت اُسرف في الحلم ان افقد الذاكرة/ ومن حسن حظي اني أنام وحيدا فأصغي الى جسدي وأصدق موهبتي في اكتشاف الألم/ فأنادي الطبيب، قبيل الوفاة بعشر دقائق/ عشر دقائق تكفي لأحيا مصادفة وأخيب ظن العدم/ مَن انا لأخيب ظن العدم؟ من انا؟ من انا" (لاعب النرد).
في مرحلته الشعرية الاخيرة يصل محمود الى ما بعد الحداثة ويصل فيها الى تأملات تحاول ابداعيا ان تجد صيغا غير مألوفة لحوار الانسان مع نفسه، مع الطبيعة ومع الخالق، فالانسان هنا محور تدور حوله التناقضات والثنائيات.
في قصائده في هذه المرحلة يلتقي محمود درويش مع الفيلسوف "هيدجر" الذي قال: "اذا اردنا لأنفسنا ان نصل الى مرتبة الوجود الاصيل فلا بد لنا من ان نرتد الى ذواتنا لكي نأخذ على عاتقنا مسألة وجودنا". في شعر محمود درويش نلتقي مع مقولة الشاعرة والناقدة اميلي ركنسون التي تقول: "اذا ما بدأت اقرأ وشعرت ان قمة رأسي قد انتزعت، فانني حينئذ اقول ان ما اقرأه شعر".
وانتزاع قمة الرأس في شعر محمود يعني نجاحه في نقل مأزومه الينا لنصير وإياه واحدا ولندخل معه جرن التجارب ولنتعمد في المعاناة، او لم يقل تولستوي: "الفن عملية انسانية فحواها ان ينقل الانسان للآخرين واعيا مستعملا اشارات خارجية معينة الاحاسيس التي عاشها فتنتقل عدواها اليهم فيعيشونها ويجربونها".
ان شعر محمود درويش الدافق يشعرك انه قطعة منك، شعر جديد، له حقيقته الخاصة، حقيقة العالم الذي لا يعرف الذهن التقليدي ان يراه، ولكن الذي يراه ويكشف عنه هو الشاعر، فشعره في مرحلته الثالثة خصوصا يرى في الكون ما تحجبه عنا الالفة والعادة ويكشف وجه العالم المخبوء كما ويكشف عن علائق خفية ويستعمل لغة ومجموعة من المشاعر والتداعيات الملائمة للتعبير عن هذا كله، كما يقول "يوسف الخال" هذه هي بعض سرية شعر الدرويش، وهذا هو امتيازه في الخروج عن التقليدية، فقوامه شعر خلاق توليدي لا معنى سردي وصفي، أي قوامه الكشف عن عالَم يظل دائما في حاجة الى الكشف كما يقول "رينيه شار". من هنا يصير شعر الدرويش ذا خاصية تلتصق به تعني انه يعبر دائما عن قلق الانسان ابديا.
ومحمود شاعر شاعر يعرف كيف يوازن بين حدود اللغة قواعدها وأصولها واساليبها المتواررثة وبين الجديد، فهو شاعر موهوب يعترف بقواعد لغته واصولها وبمبادئ الاساليب المتأثرة بهذه اللغة المتوارثة في تاريخها الادبي، وفي الوقت ذاته يأخذ لنفسه قدرا كافيا من الحرية لتطويع هذه القواعد والاساليب لينفخ شخصيته فيها. يقول "روزنتال": "الشعر الجديد في اقوى دفقاته يعتمد على الصلة بالتقاليد وانجازاتها الجمالية، والطرافة في القصيدة ليست وحدها التي تحدد مدى اصالة الشاعر وانما ما يحددها كذلك قدرتها على الافادة من التراث الشعري. اذ لا نجد شعرا قديما له قيمته دون ان يكون له ما يمثله اليوم".
من هنا، ليس غريبا ان نجد اكثر الشعراء نشاطا – كما الحال مع الدرويش -، في مجال الابداع والتجربة هم كذلك اكثرهم تأثرا بصوت الماضي. فالماضي ليس عبئا بل مصدرا رائعا ذا معين لا ينضب، يقول تي.إس.اليوت: "نجد ان خير اجزاء القصيدة، بل نجد اكثرها تميزا، تلك التي تؤكد فيها آثار اسلاف الشاعر الموتى". وهذا يعني ان الدرويش كشاعر كان عليه في خلقه ان يجتاز عملية صراعية مع اللغة والاسلوب ليخرج سيدا منتصرا، لأنه في قدرة الشاعر – وهذا امتحانه – ان يتناول اللغة والطريقة المتوارثة ويرغمهما على التفاعل كمعنى مع المعنى الفردي والفريد الذي جاءت به تجربته، وهذا الشيء هو بالذات الذي يأسرنا في شعر الدرويش، فشعره بناء موضوعي ذو معنى ينعم بوجود خاص به وهذا البناء يتميز بثالوث الشعر العميق الجيد، اعني: "التضمين وتلاقي الاضداد والتلميح" لانه بالتضمين تكتسب القصيدة الجدة والطرافة وتعالج القضايا في ضوء تعقيداتها الحقيقية، وبتلاقي الاضداد تكتسب التوتر والزخم وترتفع عن مساق الكلام العادي، وبالتلميح تكتسب الضبابية والسرية اللتين تثيران في القارئ حب الاستطلاع والتشويق والتحدي والمغامرة في المجهول، وحجارة هذا البناء الموضوعي عند الدرويش الالفاظ لأنها في الشعر تؤدي الى ما وراء المعاني فتضاف اليها ابعاد جديدة وبذلك تتجدد وتحيا.
"ان ابرز مظاهر الفرق بين اسلوبي الشعر القديم والحديث ليست ناجمة كما هو الاعتقاد السائد عن التحول من التعبير الواضح الى لغة الاحاجي،وانما هي ناجمة عن انتقال من الصيغة الشكلية الى البساطة وصراحة التعبير. فالشعر الجيد يتصف بألفة لا صنعة فيها ولا تكلف وادراك لحقائق الحياة اليومية بصورة لم تكن معهودة من قبل" كما يقول "روزنتال":
شعر الدرويش يتجه نحو التخلي عن الحادثة والوقائعية ويستخدم كلمات منزاحة "ليست وفقا لدلالاتها المألوفة، كما انه يتخلى عن الجزئية ليتبنى رؤيا للعالم ولكنها رؤيا ليست مباشرة.
يقول "مارلو": "الاثر الشعري الذي لا يكون الا شكلا من اشكال المديح والهجاء هو في الحقيقة ضد الشعر". لذلك الشعر عند الدرويش ليس انعكاسا بل فتحا، وليس رسما بل خلقا، الشعر عنده يتخلى عن الرؤية الافقية كما الشعر القديم الذي تمترس ووراء بستان من الالفاظ وتغطى بزخارف عديدة تركت لنا القصيدة اللعبة، القصيدة الجلية وتستّر بكابوس من التشبهات والاستعارات ليتغلّب على افقيته، لذلك ظل القديم على السطح كما يقول ادونيس، في شعر الدرويش لا نجد شعرا يتسكع على السطح ويعاني الوجود من خارج، بل يتحول الى محايأة هذا الوجود" كما يقول "امطانيوس ميخائيل".
شعر الدرويش وارتكازا على ما ذكر يقوم على تنافر بين الشاعر والواقع يوازيه تنافر بينه وبين القارئ، وهذا التنافر هو ابرز خصائص هذا الشعر، والتنافر شعريا هو الغرابة، و"الجميل غريب دائما" كما يقول "بودلير".

* ملاحظة (1): قدمت هذه المحاضرات ضمن شهر الثقافة الذي كرس هذا العام لأمير الكلام الشاعر الكبير محمود درويش

* ملاحظة (2): ارتكزت هذه المحاضرات بشكل مباشر بايجاز حينا وبتصرف احيانا على المراجع التالية:

1. ادونيس: "الشعر والثورة"، مجلة الهدف، العدد 20، 1969
2. محمد دكروب: "الادب الجديد والثورة"، الفارابي، بيروت، 1980
3. حسين مروة: "الموقف الثوري في الادب"، دار الفكر العربي، بيروت 1976
4. رجاء النقاش: "ادباء معاصرون"، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1968
5. الياس خوري: "دراسات في نقد الشعر"، مؤسسة الابحاث العربية، بيروت، طـ 3، 1986
6. احمد جواد مغنية: "الغربة في شعر محمود درويش"، الفارابي، بيروت، 2004
7. بسام قطوس: "مقاربات نصية في الادب الفلسطيني الحديث"، مؤسسة حمادة، ودار الشروق، اربد – عمان، 2000
8. نعيم عرايدي: "الجدارية" – مجلة مشارف، العدد 18، حيفا 2002 ص 184 – 197
9. حسين حمزة: "العين الثالثة"، مواقف، 2005 مقال: "موثيف الموت في شعر محمود درويش"
10. ادونيس: "زمن الشعر" دار العودة ط 2، بيروت، 1978
11. يوسف الخال: "الحداثة في الشعر" الطليعة، بيروت، 1978
12. ميخائيل، امطانيوس: "دراسات في الشعر العربي الحديث"، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، 1968
13. يمنى العيد: "في القول الشعري"، دار توبقال، الدار البيضاء، 1987
14. عبد الواحد لؤلؤة: "منازل القمر"، دار رياض الريس، لندن، 1990
15. اليزابيث درو: "الشعر كيف نفهمه ونتذوقه"، ترجمة محمد ابراهيم الشوش، مكتبة منيمنة، بيروت، 1961
16. احسان عباس: "اتجاهات الشعر العربي المعاصر، دار الشروق، ط 2، عمان، 1992
17. حبيب بولس: "قضايا ومواقف ادبية" المعهد العالي للفنون وبيت الكاتب، الناصرة، 1997

الرحلة إلى طرابلس : كَازَابْلانْكا- تْريبُّولي ذهاب وإياب

شعيب حليفي

• مقدمة العقد
في كل رحلة تتحقق لي فرصة للتأمل وبناء الأفكار واستيضاح الرؤى ، وقد عدتُ إلى نفسي في صيف حار فنويتُ السفر إلى طرابلس الليبية بعدما كنتُ، وخلال سنة كاملة، مُتبرمًا من الانتقال خارج الوطن ، أجد من الأعذار ما أُقنع به نفسي وغيري .
كانت أمامي ، هذه المرة ، لقبول الدعوة ، أسباب أعتقدُها مقنعة لي .أهمها انتهائي من ثلاثة أشغال..فقبل شهر انتهى موسم الحصاد في جو مشبع بالصهد والغبار الحارق والتعب الذي أشعرني بإرهاق شديد .كما انتهى الجزء الأكبر من امتحانات طلبة الإجازة والدراسات العليا ومن مناقشات البحوث ، وأخيرا انتهاء أنشطتنا الثقافية.
كما انجذبتُ إلى رغبتي في الكتابة ، بتقييد هذه الرحلة ، بعدما انتهيت قبل ثلاثة أشهر خلت من كتابة آخر حلقة من اليوميات والتي كنتُ أدونها في نهاية كل شهر خلال عام كامل ، فشعرتُ بالرغبة في كتابة شيء آخر له علاقة بما هو ثقافي ، يعكس مشاهداتي برؤية مفتوحة ...فتشجعتُ وعقدتُ العزم والحزم ، وفي يقيني تدوين "نص رحلي " يأخذ شكل رُحيلة مروضة، أكتبها بروح روائية .

• أقول ما قاله في خاطره
يوم السبت عشرون يونيو ، قمت باكرا ، متجها نحو مدينة سطات . وجدتُ بالبيت والدتي التي كانت لا تزال نائمة من تعب خفيف أَلَمَّ بها .جلستُ إلى جوارها نتحدث ونحن نتناول فطورنا ، كما رتبتُ لأخذها ، بعد رجوعي ، لإجراء بعض الفحوصات الطبية بالدار البيضاء .بعد ذلك توجهتُ إلى سوق السبت حيث وجدتُ بويا محمد بن عبد السلام جالسا في مكانه برحبة الأبقار يحكم –كما تعوَّد - بعدله الاستثنائي ، وهو محاط بعدد كبير من المتخاصمين .
وصلتُ في اللحظة التي كان فيها أحد الفلاحين - وتبدو عليه علامات الغفلة والسذاجة- يقدم شكواه برأس منحنية وعيون دفينة .وكان بويا ، الذي يكره المغفلين ، ينظر إليه وهو مشمئز منه ، وربما قال في خاطره :" أنتَ هنا آكُرِّيط في سوق يخشى الشيطان دخوله والمعاملة مع أهله هؤلاء ".
أتممتُ باقي يومي بسطات إلى حدود الساعة السادسة ، في قضايا روتينية بالمقهى ثم بالبادية .
كلمتُ زوجتي بالهاتف كي تهيئ لي حقيبة السفر بما خف من ملابس ، بعدما تعذر عليَّ الرجوع إلى الدار البيضاء تلك الليلة .
في الصباح وصلتُ باكرا ، وفي التاسعة خرجت رفقة علاء إلى سوق السمك والخضار والفواكه، كما أنجزتُ مهام أخرى متعلقة بالبيت ، ثم مررتُ لدى حلاق بشارع الفداء قبل أن أعود في العاشرة النصف ..استحم ثم أحمل جواز سفري وحقيبتي السوداء .

• ويضيعُ من قدمي الطريق
في الساعة الحادية عشر والربع صباحا ركبتُ القطار من محطة الوازيس في اتجاه مطار محمد الخامس ، وبعد أربعين دقيقة وصلتُه لأشرع في إجراءات السفر الأساسية ، وكان من المفروض أن تقلع الطائرة في الواحدة ظهرا ، لكنها تأخرت بأربعين دقيقة عن موعدها .
ركبنا طائرة الايرباس 320 - الرحلة 313- برفقة قائدها عبد الله طيرا. وبعد قليل صار طريقنا فوق السحاب على علو يقارب عشر كلمترات عن سطح الأرض ، في طائرة شبه فارغة ربما بسبب بعض الإجراءات التي استحدثتها السلطات الليبية تجاه دخول وخروج العمال.
كنا رفقةً في هذه الرحلة من وفد متكون من : أنور المرتجي ، أحمد حمدان، محمد الداهي ، سعيد يقطين ، عبد اللطيف محفوظ ، مصطفى الشادلي ، عبد الجليل ناظم ، وعبد ربه ، فيما سيلتحق بنا في اليوم الموالي كل من محمد الفران وبديعة الراضي وهي أديبة وصحفية ملحقة بالسفارة الليبية بالرباط ، باقي المشاركين المغاربة هم من النقاد والباحثين الذي يشتغلون بالجامعة المغربية ولهم تآليف في النقد .
جلستُ بالمقعد التاسع إلى جوار عبد اللطيف ، وبعد ساعة قدموا لنا أكلا رديئا ، ولاحظت كما لاحظ صديقي ، في الجهة المقابلة لنا شابة محجبة في حوالي الثلاثين من عمرها ، تحمل بين يديها مصحفا شريفا في حجم كف اليد، تقرأ فيه منذ ركوبنا الطائرة ، لكنها قبل نصف ساعة عن الهبوط بدأت تتخلص من كل ما كان يوحى بالجو الديني الذي كانت مستغرقة فيه ، وأخرجت عُدةً كاملة من أدوات التجميل القادرة على تغيير ملامحها من امرأة مستترة وهادئة إلى أخرى فاضحة .
هبطت بنا الطائرة في مطار طرابلس العالمي في الساعة 4.25 بالتوقيت المغربي (التوقيت الليبي المحلي يزيد بساعة عن توقيتنا) .استقبلونا بحفاوة كبيرة ثم ركبنا الحافلة المخصصة لنا نحو فندق باب البحر حيث آويتُ مباشرة إلى غرفتي بالطابق الخامس غرفة رقم 523 قبل أن أنزل للقاء باقي الوفود وتناول طعام العشاء سويا ، والبقاء منتشرين على الكنبات الموضوعة ببهو الفندق إلى ساعة متأخرة من الليل.
يقع فندق باب البحر بوسط المدينة ،يطل على شاطئ البحر المتوسط ، وهو ثاني أكبر الفنادق بالعاصمة بعد الفندق الكبير ، يحتوي على أربعة عشر طابقا وعلى كافة التجهيزات الضرورية ، وقد وجدناه يعج بالحركة كأننا في "سوق عام "،به ثلاثة مؤتمرات يشارك فيها عرب وأفارقة وأجانب .
كنا حوالي ثلاثين مشاركا من المغرب والجزائر وتونس والبلد المنظم في المؤتمر الذي قدِمْنا للمشاركة فيه وهو حول (علوم السميائيات وتحليل الخطاب: معالم وآفاق ) والذي ينظمه مجلس الثقافة العام .

• أنا حر في تريبولي
يوم الاثنين ، هو ثاني يوم لي بليبيا ، وكان نهارا حُرا لأن أشغال المؤتمر لن تنطلق إلا في الغد ، لذلك نزلتُ من غرفتي في الساعة التاسعة صباحا ، تناولتُ فطورا خفيفا ، وفي بهو الفندق كان كل الضيوف يتبادلون الحديث ويستعدون للخروج في جولة جماعية منظمة عبر الحافلة إلى المدينة القديمة .
في النهاية خرجنا رفقة الوفد الجزائري حيث تجولنا وتحدثنا وعُدنا في الواحدة والنصف فتناولنا وجبة الغداء وصعدت إلى غرفتي في قيلولة فسيحة .
في الخامسة نزلت البهو وكنتُ مع عبد اللطيف نتهيأ للخروج في جولة متحررة فلفتَ انتباهي شاب يقف وحده ينظر إليَّ فأشرتُ إليه برأسي مُسَلما ثم تقدم نحوي .سلم علينا بحرارة كما لو كان يعرفنا . اسمه سيد العزيز كما قدم نفسه لنا.ثم سألته عن بلده ، فضحك وقال لنا بأنه مغاربي إفريقي ، جاء لتتبع أشغال المؤتمر وسيكتب متابعة لجريدة القدس العربي .
كان منشرحا ، ولما علم أننا عازمون الخروج اقترح علينا مرافقته إلى مقهى نُحبها .
كنتُ منتبها لكلامه ، فجملة "مقهى نحبها " أمر جعلني أرتاب من شخص نتعرف عليه في بضع دقائق ويُشعرنا بأنه يعرف ماذا نحب وماذا نكره .
وصلنا إلى مقهى بلا عنوان يميزها ، لا يجلس فيها سوى بعض العمال والمعطلين من مصر والمغرب وتونس ، وجوه متعبة ومستسلمة بعضهم أخذه النوم والبعض الآخر يشرب شايه أو يدخن الشيشة .
مقهى شعبي على الرصيف بجادة عمر المختار الممتد من شارع الرشيد والمتقاطع مع شارع درنة ، ذو مساحة صغيرة يحمل رقم 147 ، محاذ لمقهى هويدي ، وهما معا في ملكية المصريين.
لم نجد مكانا فارغا بالكراسي الخارجية السبع ، فدخلنا إلى رحابة ذلك الضيق اللافت . جلسنا بالقرب من صاحب المقهى وهو مصري يدخن الشيشة وينظر إلى الزبائن بعين الشفقة. ومن حين لآخر ينادي على "بِلْيا" صبيهُ المصري .كما تعرفنا على النادل عبد السلام وهو مغربي اعتقل لمرتين ، لا يملك جواز سفره الذي تحتجزه سلطات الجماهيرية .
طلبنا شايا وقهوة بينما طلب سيد العزيز شيشة .وخلال ثلاث ساعات وربما أكثر بكثير ، ونحن جالسون نستمع إلى حكايات عبد السلام وباقي "الوفد "المغربي العامل .ولكن بعد "التبديلة الثالثة" أو السابعة لشيشة سيد العزيز (وقد صرنا نناديه ب"مولايْ لَعْزيز") شرع يعترف لنا بأنه لم يأت لمتابعة أشغال المؤتمر ، ومهد لنا بأن مؤتمرنا هو جلسة للطلاسم والأوهام والكلام الفارغ ، وقال حرفيا :بماذا تفيد السيميائيات في حل مشاكل هؤلاء العمال المنشورين مثل أشباح تاريخية .
استمر ينتقد المؤتمر الذي لم يبدأ بعد ونحن نضحك ونعلق على سخريته وشوقنا معلق على ما سيقوله بعد هذا التمهيد .
اعترف بأنه يحب فتاة ليبية سوداء البشرة ، تُدعى سمدونة وهي ضمن اللجنة التحضيرية للمؤتمر.وكان يصف الأمر كأنه قضية مصيرية لوجدان يحترق .
لم أعره انتباها وواصلنا الحديث والاستماع إلى الأغاني الصادحة من جهاز معلق في ركن حزين ومشبع بالغبار .لكن صوت محمد عبد الوهاب ينتفض وهو يقول :

لا لا لا تكذبي إني رأيتُكُما معا
وَدَعِي البكاء فقد كرهتُ الأدمُعا
ما أهونَ الدمع الجَسُور إذا جرى
من عينٍ كاذبة فأنكر وأدعى وأدعي
إني رأيتكما.. إني سمعتكما..

• قاتل وعابد ومذنب
استفقتُ في السابعة والنصف ، وبقيتُ في فراشي بعدما استحممتُ بماء شبه دافئ ، إلى غاية الساعة التاسعة ، أقلب حينا في الكتب التي سلموها لنا من دراسات وقصص وأشعار لأدباء ليبيين ، وحينا آخر أبحث في القنوات التلفزية عن آخر الأخبار .
لم أتناول في فطور الصباح سوى الياغورت وبعض الزيتون فقط .وفي طريقنا إلى قاعة الندوات جلست في الحافلة بجوار سعيد يقطين، الذي يستمتع المتحدث معه ويتعلم ، وكنا نتبادل أطراف الحديث حول الثقافة الشعبية المغاربية. فروى لي بالمناسبة ،وفي سياق التمثيل للثراء السردي الشعبي، الحكاية التالية :
" يحكى في زمن سابق، أن رجلا فقيرا كانت له زوجة ودزينة أطفال فعانى في إعالتهم ووجد صعوبة كبيرة في الاستمرار رغم إن إخوته وأبناء عمومته من الأغنياء . و ذات ليلة قرر الرحيل ، دون أن يخبر أحدا ، باحثا عن الله ليسأله تغيير حاله من الفقر إلى الغنى .
أثناء مسيره وهو يخوض في الفيافي والصحارى ، وبعد أيام طويلة ..عثر في طريقه على خيمة تقف أمامها امرأة . صرخت في وجهه كي يهرب ويفلت بجلده لأن زوجها لو حضر ووجده فسيقتله ليستكمل به وعدا قطعه على نفسه باستكمال مائة ضحية وقد بلغ التسعة والتسعين .
وبينما هي تحدثه لاح طيف زوجها من بعيد ، فأدخلت الغريب بسرعة وخبأته في ركن مهمل ، ولما حضر زوجها سألها فطلبت منه الأمان ، وقالت له بعدما أمنها ان بالبيت ضيفا غريبا .
رحب به وتناولا طعاما وسلمه كسوة ونعالا استبدل بهما ما تقطع عليه ثم أمره بالرحيل فورا عن المكان وسأله عن وجهته فأخبره الغريب بأنه في البحث عن الله ليسأله .فطلب القاتل من الغريب أن يسأل الله عن مصيره.

واصل الغريب السير لأيام أُخَر قبل أن يجد خلوة معزولة بها عابد يدفن نصفه في الأرض ،يتعبد منذ أربعين عاما ليل نهار، وفي كل ليلة يُنزل الله إليه عنقود عنب أسود وخبزة من دقيق الشعير .لكن الملاك الحنون وبأمر من ربي الكريم أنزل في ذلك اليوم، بالإضافة إلى ما كان يأتي به، نصيب الضيف الغريب من عنقود عنب أبيض وخبزة من دقيق القمح .فطمع العابد في تذوق الطعام المغاير لطعامه واستبدلها مقدما للغريب العنب الأسود وخبزة الشعير .وفي الصباح طلب العابد منه أن يسأل الله هل أدرك الجنة أم لا .
في مسيره ظل الغريب يبحث داخل نفسه عن الشعور اللذيذ الذي بدأ يستشعره رغم المعاناة، وهو ما خفف عنه أهوال الطريق .وفي اليوم السابع عن خروجه من خلوة العابد أبصرفي الصحراء العارية ، ووسط الرمال الكادية رجلا يدفن جسمه عاريا إلا من رأسه المتبقي، فاستغرب لحاله وسأله، فقال له بأن الله جعله في الدنيا كلما لبس لباسا إلا ونزعه عنه حتى أصبح عاريا بين الناس، ولما دفن نفسه في هذه الرمال أحس بالستر رغم العذابات التي يحياها .وطلب منه أن يسأل الله عن مصيره .

غادره وواصل سيره في اتجاه مشرق الشمس دائما، وفي اليوم المائة وبينما هو يستريح أسفل شجرة زيتون نزل عليه ملاك بإذن من ربي القدير على كل شيء يحدثه عما يسأل الله .فقال الغريب بأنه يسأل أسئلة الرجال الثلاثة الذين لقيهم، فقال له الملاك: إن الله يقول للأول بأنه قد غفر له كل ذنوبه وجعله من الأولياء .أما الثاني العابد فيقول له ربنا العليم بأنه لن يدرك الجنة حتى ولو عبد الله العمر كله . ويقول للثالث المدفون في الرمال عاريا بأنه إذا لم يحمد ربه على ذلك الستر فسيرسل إليه ريحا صرصرا تطارده أينما حل وارتحل .
وعن سؤال الغريب قال له الملاك بأن الله يدعوه إلى العودة وسيجد ما يريد ."
***
لو أردتُ كتابة هذه الحكاية من جديد فإنني سأضيف إليها ما يلي :
- أجعلُ للرجل الغريب اسما ،مع مقدمة في البدء تبرز أنه فَقَدَ كل ما يملك في جائحة من جوائح الزمان.
- أجعلُ خروجه بعد حلم رآه حتى يبدو مطبوعا ببعض التخييل الرائق.
- التوقف عند الشخصيات الثلاث (القاتل والعابد والمذنب ) وسرد حكاياتهم التي تجيب عن سؤال: كيف آلوا إلى ما هم فيه؟ .
- التغيير في نهاية الحكاية حتى تبدو منطقية، بحيث وهو عائد بعد وعد الله له ، يجد كهفا لم يره في مسيره الأول فيقرر المبيت فيه حتى الصباح .وبداخله سيجد تلاليس من الذهب والمال محملة على مائة جمل تنتظره ليسوقها .
سيد العزيز يغني
وفي العاشرة وصلنا إلى مبنى قاعة المحاضرات بوسط طرابلس .وفي قاعة بالطابق الثاني افتتح المؤتمر أشغاله بكلمة أمين عام مجلس الثقافة العام سليمان الغويل مرتجلا كلمة صادحة ببديهة مثقف رفيع المستوى متمكن من التراث العربي ومن العلوم الحديثة بفصاحة وسلاسة .كما كانت كلمة صديقنا محمد عبد الحميد المالكي في نفس السياق الممهد لأرضية المؤتمر،مرحبة ومعبرة عن مشاعر الأخوة والتواصل.
استمرت أشغال الصباح بمداخلات ومناقشات حتى الثانية ظُهرا، بعدها عدنا إلى الفندق .تناولنا وجبة الغداء ثم صعدتُ إلى غرفتي في الثالثة والنصف ، وقبل الخلود إلى القيلولة ،كلمتُ البيت فأسرعت مريم الصغيرة (ثلاث سنوات ونصف) إلى الهاتف ولما سمعت صوتي صرخت بين الفرح والبكاء تدعوني إلى العودة وأنها ستنتظرني في المساء أمام الباب .عانت زوجتي في أخذ الهاتف منها ، وهي تطمئنها بعودتي القريبة مع لعبة جميلة لها.
في الساعة السادسة عاودتِ الندوة أشغالها إلى غاية العاشرة ليلا ، فقررنا نحن الثلاثة دائما تناول ساندويش خفيف والذهاب إلى المقهى رقم 147 ( أسميناها مقهى عبد السلام وشركاؤه الكرام وعلى رأسهم بِليا المشرف على إمداد الشياشين بالنار).
كنا معا ، أنا وعبد اللطيف وسيد العزيز، بحاجة إلى مكان خال تماما من النظريات والسيميائيات والمرجعيات وكل الأقوال التي تتأطر ضمن قوالب جاهزة أو مكسرة .
سألتُ سيد العزيز عن سمدونة وهي فعلا موجودة معنا في المؤتمر وكان إلى جانبها طوال الوقت ، فرد علي بأنها قد خلبت عقله كما فعلت " العزوة "، من قبل، مع الشاعربودلير.
الجوهرة السوداء كانت طوال اليوم إلى جواره تجلس بقربه في غنج افريقي خارق وتقوم بخدمته وتغازله بكلمات أقرب إلى شعر الملحون الافريقي.
قال له عبد اللطيف : لقد وقعتَ آمولاي لَعْزيزْ في حب وجب .
غريب أمر مقهى عبد السلام ، ففي كل مرة يصادفنا صوت محمد عبد الوهاب ، يغني نفس الاغنية على العود ، حتى أني اكتشفتها أول مرة ، رغم سماعي لها بصوتي عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة .

عيناكِ في عينيه.. في شفتيه.. في كفيه.. في قدميه
ويداكِ ضارعتان.. ترتعشان من لهَف عليه
تتحديان الشوق بالقبلات تلذعني بسوط من لهيب
بالهمس، بالآهات، بالنظرات، باللفتات، بالصمت الرهيب
ويشبُّ في قلبي حريق ويضيع من قدمي الطريق
وتطل من رأسي الظنون تلومني
وتشد أذني
فلطالما باركتُ كذبكِ كله ولعنتُ ظني.

قمنا قبل منتصف الليل بقليل وعدنا إلى الفندق ، ومباشرة دخلنا في مفاوضات بخصوص البيان الختامي للمؤتمر بعدما انتدبنا السيد المبجل أنور المرتجي لهذه المهمة الصعبة لأننا نعرف قدراته في جعل نص واحد يتضمن طبقات من التأويلات أكثر من طبقات فندق باب البحر، بالإضافة إلى غرف وخزائن لا يصلها إلا الضالعون في مدارس الثوار.

• لا تفزعْ مني ..فلستُ بثائر
واصلنا ندوتنا في اليوم الثاني وكان مشحونا بتوترات خفية..كنا كوفد مغربي متعودين عليها ، بل أعتقد أننا ونحن جماعة استعدنا حياة المثقفين الثوريين وإلا لماذا اقترحنا السيد أنور (عليه السلام)ليحرك المفاوضات في اتجاهات توحي بأننا في مؤتمر قمة حاسم ، لأن أنور يمكن أن يكون في الصباح الباكرجدا ماركسيا حرفيا ، وفي الظهيرة ليبراليا ممسكا بالقضايا الجوهرية وفي المساء اشتراكيا على الطريقة المغربية لا يمسك إلا بما بين يديه وعينيه مما يجعل منه ثوريا فادحا من جهة ومحدثا في الدين والدنيا من جهة ثانية ، بل إنه في العشاء الأخير لما كنا عند السفير المغربي سيُقدم لنا الشيخ أنور شرحا جديدا لسورة سيدنا يوسف انطلاقا من قوله تعالى :" وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ".
كنتُ إلى جواره في اللحظات الحرجة من المفاوضات والتي تتحول في أحايين كثيرة إلى "مؤامرات ثقافية" مشروعة وهي في النهاية جزء من حراك ثقافي يتطلب حوارا عميقا تؤول نتائجه للذي يستطيع امتلاك لغة الإقناع .
اكتشفتُ في الصديق المالكي وهو من بنغازي أننا أخوال أبنائه ، وهو مثل كل الليبيين المثقفين والأدباء ، الخلصاء والأوفياء ، وطنيته عالية وصادقة تجاه الروح الثقافية المغاربية .كما اكتشفتُ في سيد العزيز تلك الشخصية التي تعجن الخيال بماء الواقع، أما باقي الوفد المغربي فهم حكماء ومتصوفة ، لهم مثل غيرهم من المغاربيين غيرة كبيرة على المغرب الكبير .

***

بعد الزوال، اقتطعنا جزءا مهما من الزمن للذهاب إلى مقهى عبد السلام وكان معنا سيد العزيز أيضا فتركناه يتكلم ويعبر عن مشاعره البيضاء حول جوهرته سمدونة التي اعتبرها ولية من الوليات الصحراويات الإفريقيات ، اختارها الله لتكون له في الزمان والمكان ، ثم تحول إلى الحديث عن مفاتنها السوداء وقلبها الأبيض الحر .يتكلم مسترسلا لا يتوقف إلا لكي يأخذ أنفاسا من شيشته المجذوبة وشاءت الصدف أن يُتحفنا عبد السلام بنفس الاغنية كلما رآنا ، وفهمتُ أن القرص المدمج هو لمولاي العزيز العاشق للفن ولسمدونته.
ثم يواصل محمد عبد الوهاب نقراته الروحانية على العود :

ماذا أقول لأدمُعٍ سفَحَتها أشواقي إليكِ
ماذا أقول لأضلع مزقتُها خوفا عليكِ
أأقول هانتْ؟.. أأقول خانتْ
أأقولها؟.. لو قُلتها أشفي غليلي.. يا ويلتي..لا
لا، لن أقول ، فقولي..
لا تخجلي.. لا تفزعي مني.. فلست بثائر.

صديقي عبد اللطيف صدق الحكاية وتعاطف مع مولاي لعزيز، بينما اعتبرتُ الأمر كله لعبة أو مشهدا ضمن صيرورة.
في لحظة ما ، وكان عبد اللطيف قد استشعر شيئا بحدوسه الفيلالية ، فأخذ ورقة وكتب عليها ما يلخص شعوره نحو سيد .سلمها إلي لأقرأها في المساء وحدي .
تقول الورقة وهي تصف الحالة الأخيرة التي رأينا فيها سيد العزيز :"كانت الأشياء تلهمه باستمرار وهو ينظر إلينا فيتصاعد ما يشبه البخار الروحي في عينيه وشفتيه .كان أمامنا يتلوى وهو يفكر مأخوذا بسحر داخلي يغمر وجدانه المثقوب كليل صحراوي حزين".

• أين الغربال لأرى ما أريد؟
حل يوم الخميس وهو يوم حُر تلقينا فيه دعوتين الأولى للغداء من طرف الدكتور المهدي امبيرش في برج الفاتح بقاعة طوافة، والثانية للعشاء عند السفير المغربي المهدي العلوي والذي كان حريصا على حضور افتتاح هذا المؤتمر ومتابعته من خلال السؤال وأيضا حرصه على حضورنا في دار المغرب إلى جانب سفراء كل من لبنان ومصر وسلطنة عمان بالإضافة إلى السفير الليبي بالمغرب وشخصيات ثقافية من ليبيا .
وباستثناء هاتين الدعوتين ، خرجتُ في صباح يوم الخميس رفقة عبد اللطيف بعدما تعذر علينا العثور على سيد لعزيز فتركنا له رسالة بالاستقبالات عليها رقم 147 ،وهو ما يعني مقهى عبد السلام .
تجولنا قليلا بوسط المدينة ثم توجهنا نحو المقهى وجلسنا في الكراسي الخارجية .سألنا عن عبد السلام فقال لنا" بليا"بأنه لا يشتغل هذا الصباح .وبعد حوالي نصف ساعة رأيته يتقدم نحونا ويجلس مثل أي زبون .
تحدثا في مواضيع شتى ، وفي لحظة سألته عن سيد العزيز، فأنكر أن يكون قد عرف هذا الاسم .( في تلك اللحظات كانت أغنية الشيخ الكروابي وهو يغني .. "البارح كان في عمري عشرين .. البارح كان الزمان سلطاني واليوم كِي صار خلاَّني" .كلمات بصوت حنين يحفر عموديا في الوجدان ) لكن حدسي وكلمات الأغنية حفزاني للتدقيق والبحث أكثر، وبعد نقاش فهمت ُأنه أنكر أن يكون رأى معنا في اليومين السابقين شخصا ما، وادعى أننا كنا نأتي لوحدينا أنا وصديقي عبد اللطيف .
ارتبتُ واعتقدتُ أن له مشاكل مع السلطات الليبية ، فقلت لعبد السلام بصوت خفيض :
- هل يمثل سيد العزيزمشكلة هنا ؟
- أنتما تختلقان شخصية وتريدان مني أن أعترف بها ...أنا لا أعرف هاذ مولاي لعزيز،وإذا أردتما أن أكذب وأقول إنني أعرفه ورأيته فإن المخزن ديال الجماهيرية العظمى لن يعترف لكما به .
- إذن حتى سمدونة غير موجودة آبا عبد السلام !!
- الله يجيبكم على خير .الغربة شربت عقولكم .آشْ من سمدونة ولا كرونة.لآلة سمدونة هي ولية الله وصالحة من طرابلس ماتت منذ قرون .
سألته عن أغنية عبد الوهاب فأنكر أيضا أن يكون سمع بها طوال حياته في هذه المقهى أو في غيرها.فأدركت أن الوهم قد اخترقنا عموديا ، فانشطرنا .
قمنا من مكاننا ونحن في غاية الحيرة، عُدنا بسرعة إلى الفندق نبحث عن سمدونة فلم نجدها وقيل لنا بأنا متعبة وتوجد ببيتها تتعبد الواحد القهار.
كان علينا أن ننسى بسرعة سيد لعزيز حتى لا يشكل لنا عقدة .
ذهبتُ ضمن وفد المؤتمر إلى دعوة الغداء ببرج الفاتح ثم عدتُ بسرعة إلى الفندق وأنا حزين .نمتُ لساعتين ونصف رأيتُ فيها حلما تذكرته ولما استفقتُ دونته بتفصيل حتى لا أنساه .

• أنقدتني من زيف أحلامكَ
رأيتُ في منامي سيد العزيز يكلمني بالدارجة المغربية وهو يضحك وسألني :هل أنت شعيب حليفي ؟ قلت : لا، أنا الغزواني بن محمد، ثم أحسستُ بهبوط وجداني عميق أشد حمرة من دم الحلم الذي طلاني، ومن لون الأرض والغروب والإحساس، بعد ذلك اختفى دون أن يلتفت نحوي .
حزن ثقيل تملكني، وشوق أعظم وزئبقي للقائه ، خصوصا بعدما نمى إليَّ عبد اللطيف بأن داخل تلك المقهى الخربة توجد الجنة في شكل "قصبة" بداخلها كل شهداء هذه الأرض .
-أنت اختفيتَ أم متَّ آمولاي العزيز ؟قلت له دون أن يرد علي.
مشينا في صمت تحت تدفق الغروب الذي كان حبيس إشارته، فتمددت رائحة مختلفة عتيقة قادمة من فتاة اسمها سمدونة تجلس منعزلة أسفل شجرة خروب، رأيته يقترب منها وقد نسي ارتباكه الأول وهي ما زالت في نفس عمرها الذي خلفته منذ قرون ، منذ كانت تخدم جدي علي الشاوي في قصبته العامرة ، وتشتهي النظر إليه من ثقب الابواب وهو يغازل جدتي ..فتحس كأنما أنوار الحق الطوفانية قد صبغتها زبدا .
عدتُ إلى ارتباكي وأنا أدنو منهما فقلت لها : أنا حفيد علي الشاوي الذي أفنيتِ عمركِ في خدمته منذ آلاف السنين ؟ ضحكت، ثم أخرجت دفاترها القديمة. ببطء فتحت الصفحات الأربع الأولى، وفي الخامسة لمحت صورة سيد وقد رسمتها بالرصاص الأسود. لم أتكلم وجلستُ جوار سيد مثل طفلين يهيئان مؤامرة ضد العصافير القادمة، خمنت هل ستتذكر حينما أشرح لك طرق الصيد بالفخاخ والشباك؟. لم نعد يا سيد نرث في هذه الدنيا غير غموضك وطهريتك ثم عانقته وأحسست برعشات موروثة أستعيدها من دمي، أغمضت عيني ، ثم هممت بفتحهما فرأيتُني وقد صرتُ أعمى. لم أصرخ، توحدت داخل نفسي هبطتُ إلى وجداني أبحثُ عن منديل رمتني به سمدونة فأبصرتُ واستفقتُ من حلمي .

• موسيقى
استفقت باكرا ، هيأت حقيبتي .ولما كان لديَّ متسع من الوقت ، أشعلتُ التلفاز وكانت كل القنوات تُخبر عن وفاة المغني الأمريكي مايكل جاكسون .أما قناة الأرتي فتقدم إعادة لمقابلة نصف نهاية كأس القارات المقامة بجنوب افريقيا بين البرازيل ومنتخب جنوب افريقيا.. وصادفتُ الربع ساعة الأخيرة من المقابلة والفريقان متعادلان فتتبعتها وأنا أستمتع بتهويمات المذيع الذي يصف كما يشاء كأننا مشاهدون عميان .وفي لقطة طريفة كان اللاعب البرازيلي كاكا قد ضيع كرة بعد احتكاك مع لاعب الفريق الخصم فأراد الاحتجاج على الحكم وهو ينظر إلى المدرب .اللقطة الموالية تبرز المدرب البرازيلي يأمر كاكا بمواصلة اللعب لكن المذيع ترجم ذلك قائلا باللهجة المصرية
- انظروا ..المدرب ...يقول لكاكا : العب ياواد العب بلاش فلسفة !!
امتطينا الطائرة الايرباس بعد المرور من سبع نقط تفتيشية ذقنا خلالها عذابات الوقوف والانتظار قبل أن تقلع بنا الطائرة بقيادة القائد عبد الله القبيلي في الساعة 10.50 . وكانت هذه المرة ممتلئة بالعمال والعاملات المغاربة .
يدندن محمد عبد الوهاب في أذني وهو ينهي أنشودته :

أنقذتِني.. من زيف أحلامي وغدرِ مشاعري
فرأيتُ أنكِ كنتِ قيدا حرصتُ العمر ألا أكسِرَهْ
فكسرتِه !
ورأيتُ أنكِ كنتِ ذنبا سألتُ الله ألا يغفره
فغفرتِه
كوني كما تبغين لكن لن تكوني
فأنا صنعتُك من هوايَ، ومن جنوني
ولقد برئتُ من الهوى ومن الجنونِ !!

chouaibhalifi@yahoo.fr