الخميس، يونيو 18، 2009

حينَ يهبُّ الماءُ: ديوانُ شعر للشاعرة المغربية صباح دبي

د. عدنان الظاهر
يضمُ الديوانُ بين دفتيه 26 قصيدةً من شعر التفعيلات مع مقدمة وكلمة إهداء إلى أبي الشاعرة وأمها . كتب المقدمة الأستاذ محمد السرغيني فجاءتْ على قصرها

( إستغرقت صفحتين فقط ) جامعة شاملة جريئة فقد كتبَ وصدق فيما كتبَ [[ يُلاحظ أنَّ الديوانَ إنْ عكسَ قدرةً على كتابة الشعر فقد عكسَ في نفس الوقت ضعفاً في إلتماسِ الإستفادة من الروافد العربية والغربية ، تلك التي بدونها لا يمكنُ صقلَ العدسة الشعرية اللاقطة . الإلمامُ بهذه الروافد إلماماً كاملاً هة ما يمهّدُ الطريقَ أمامَ لمعانٍ شعريٍّ قابل ]] . أضيفُ إلى هذه الملاحظة أنَّ أشعارَ الديوان جاءت خلواً من حركات الإعراب فكيف فاتَ هذا الأمرُ الشاعرةَ صباح وهي أستاذة مختصَة بتدريس اللغة العربية ؟ تحريك الشعر ضروريٌّ حتى لو لم يكن كاملاً . إلا أنَّي وجدتُ العِوَضَ والسلوى في خلو الديوان من الأخطاء المطبعية وسواها مما قد ألفنا فيما بين أيدينا من دواوين .

الكتاب في 90 صفحة من الورق الأبيض الجيد مع لوحة تزين وجه الديوان يغلبُ عليها اللونان الأزرق والأحمر . جاء اللونُ الأزرقُ بدرجتين كلتاهما تحاكي لوني طبقات الماء حسب عمقه كما نعلم : أزرق مائي غامق وآخر أزرق فاتحاً . توافق ناجح بين ألوان صورة الغلاف وعنوان الديوان { حين يهبُّ الماءُ } . ولكنْ ، لماذا اللون الأحمر وما مناسبته ؟ هل قصد الفنان من ذلك أنَّ في أمواج البحر خطراً وارداً في كافة الأحوال ؟ جاء اللون الأحمرُ على شكل دوائرَ غير كاملة المحيط متراصفة أو متتابعة ربما توحي لناظرها بطبيعة أمواج البحر . في هذه الدوائر اشكال مبسّطة هي الأخرى تعطي إنطباعاً أنَّ في هذه الصورة سمكاً ( حوتاً ) وهذا هو واقعُ البحر ، هل يخلو بحرٌ من سمك ؟ أما ظهر الكتاب فقد إزدانَ بصورة كبيرة للشاعرة مع مقتطفات من تقديم الأستاذ السرغني وشئ من زرقة ماء البحرولطخة من اللون الأحمر مع سمكة واحدة بعين واحدة . لماذا جرت إعادة كتابة بعض ما جاء في تقديم الكتاب على الغلاف الخلفي ؟ صورة الشاعرة تكفي كما أحسبُ حتى من غير ماء وسمك ، لأنها هي الأصلُ والباقي فروعٌ ومتشعبات . مع ديوان الشعر هذا أرفقت الشاعرةُ قرصَ سي دي

CD

تقرأ فيه بصوتها الجميل قصائد ديوانها . نسمعُ صوتها لكننا لا نراها فلماذا غابت عنا أو غيّبت نفسها ؟ غريبٌ هذا التوافقُ والإنسجامُ بين صوت الشاعرة وقدرتها الفذّة على إلقاء شعرها . ليس كلُّ شاعرةٍ أوشاعرٍ بقادرين على إلقاء أشعارهم بمُكنةٍ وفنيّة عالية . فكيف إذا جاءت نبراتُ الصوت وطبيعته متطابقةً تمام التطابق مع طريقة الإلقاء صعوداً ونزولاً ، شدّةً وإرتخاءً ، حزناً أو فرحاً ...إلخ.

في أسلوب قراءة أشعارها أجدُ الأستاذة صباح كأنها تغني أنغاماً مًلحّنةً وليست تقرأُ شعراً إلقاءً خالياً من روح الشاعرة كما هو الحال مع الكثير من الشواعر والشعراء . يبدو لي أنّ الشاعرةَ عرفت جيداً هذه الخصيصة فيها فوظفتها أحسن توظيف واستغلتها أفضل إستغلال وقد أحسنت فيما فعلت . صوتها وأسلوب إلقائها غطيا أو عوضا عن الكثير مما جاء في ديوانها . شعرها مطبوعٌ في كتاب والناس يقرأون المكتوب وليس جميعهم يسمعون أو لديهم مزاجٌ ومهجةٌ للسماع وللطرب الأذني . الزمنُ غربالٌ شرسٌ محايدٌ يفصلُ في حركته الأبدية بين المسموع والمقروء . يبقى المسموعُ طويلاً حيناً ولا يبقى المقروء . ويبقى المقروءُ أحياناً أخرى ولا يبقى المسموع . وعلى الشاعر ( والشاعرة ) أنْ يبقى دوماً يقظاً منتبهاً لخطورة وأحكام هذه اللعبة المزدوجة . أنْ لا يركّزَ على أحد طرفي هذه المعادلة على حساب الطرف الآخر .

ماذا ـ بعد هذه الجولة ـ في شعر السيدة صباح دبي ؟

صباح والتفعيلات

إني فارقتُ عالمَ شعر التفعيلات منذ زمن طويل وأعلنتُ إنحيازي الكامل لعالم شعر قصيدة النثر ونشرت دراسات مطوّلة عن العديد من دواوين هذا الضرب من الكتابة الشعرية . أعتقدُ غيرَ مُبالغٍ ولا مُجانبٍ لقناعة راسخةٍ فيَّ أنَّ على من يكتب شعر التفعيلة أنْ يدرس أولاً علمَ العروض وأنْ يضبطَ بحور الشعر وأوزانه وباقي فنونه ثم يُبحر موازياً ليس بعيداً عن بحور الشعر المعروفة التي وضع أسسها الخليل بن أحمد الفراهيدي . خلاف ذلك سيقع الشعراء في مطبات الزحاف والنشاز والخروج عن خط إيقاع التفعيلة أو التفعيلات التي إلتزمها الشاعرُ أو الشاعرةُ إبتداءً . وهذا ما لاحظتُ خلال عقدين من الزمان على الكثير من شعراء هذا اللون من فنون الكتابة الشعرية . السيدة صباح ليست إستثناءً ، فلقد زحفت هنا وخرجت هناكَ على وزن التفعيلة التي إعتمدتْ في كتابة هذه القصيدة أو تلك. أثارَ عجبي هذا الأمرُ لأني أفترضُ أنَّ السيدة صباح لا بدَّ قد درست منهجياً أو عرفتْ جيداً علمَ العروض طالبةً ثم أستاذةً للغة العربية . هل تستطيعُ صباح أنْ تكتبَ شعرَ قصيدة النثر ؟ لا أظنُّ ذلك . لأنَّ مَنْ قولبَ ذبذباتِ حسهِ ونَفَسِه الشعري والتزم التفعيلات ليس بقادرٍ على تحرير نفسه وحسه من قوة طغيان القوالب التي تستعبدُ فكر الشعراء حيثُ لا مهربَ منها ولا خلاص من سيطرتها على مجمل منظومته العصبية المسؤولة عن التفكير والتذكّر والربط والتحليل ثم الشروع بكتابة شيءٍ جديد .

صباح والماء

رغمَ أنَّ الماءَ طاغٍ على عنوان الديوان ، وأنَّ في الديوان قصيدةً تحملُ هذا العنوان ( صفحة 61 )، فضلاً عن قصيدتين أخريين مخصصتين كذلك للماء هما قصيدة ملكوت الماء ( صفحة 31 ) وقصيدة مرثية الماء ( صفحة 33 ) ... رغم ذلك كله لم أجدْ أثراً قوياً بيّناً للماء لا على الشاعرة ولا على مجمل نسيج شعر هذه القصائد الثلاث . لم يستطع الماءُ لا سائلاً طبيعياً حيوياً ولا رمزاً أنْ يتغلغلَ ما بين مسامات أبيات الشعر ولا من بين الحروف ولا أنْ يطغى فيطفو على سطوح هذه الحروف لينتقلَ بها ومعها من عالمٍ لآخرَ ومن لون إلى سواه . ماء صباح سائلٌ ساكنٌ للأسف وهو أصلُ وأسُّ الحياة . لا يتحركُ من تلقاء نفسه . يتحرك تحت تأثير قوى خارجية تحركه كيفما تشاء هي لا كيفما يريد هو . إنه هنا عنصرٌ سالبٌ مسلوب الفعل والطبيعة والإرادة . المطرُ مثلاً ماءٌ ، فهل هناك من قوة طبيعية مهما عظمتْ قادرة على منع هذا الماء من التجمع ثم الهطول مطراً يُخصب الأرض الجديبة ويتسرب إلى باطن الأرض ماءً إحتياطاً أو يرفدُ الجداول والأنهار ثم البحار . وقد يكونُ مُدمِّراُ يخرّبُ الحرثَ والنسلَ . هذا هو الماء الطبيعي / الشاعري وليس الماء المعقم الصافي الذي نشربُ عادةً . ليس من طاقةٍ شعرية في هذا النوع من الماء المُدجّن . إنه ماءٌ بلا ماءٍ . ماءٌ عديمُ اللون . هذا هو ماء السيدة صباح . نماذج من مائها :

من قصيدة " ملكوت الماء " الصفحة 31 / ذكرت الشاعرةُ الماءَ في هذه القصيدة مرتين لا أكثر :

...

وأسافرُ في ملكوتِ الماءِ النافرِ

من أحجارِ الوقتِ

ومن صُلبِ الأزمنة

لمّا يتملكها توقٌ للإفلات

من أصفادٍ متداعيةٍ ...

أتنشّقُ شهقتيَ الأولى

في موسميَ الأخضر

اتنفّسُ من عَبقِ الماءِ

وأصففُ أعشابَ الروحِ .

[ إنتهى إقتباسي ] .

أعرفُ أنَّ الشعر الحرَّ أو شعرَ التفعيلة شعرٌ في أغلبه مفهومٌ حتى لو كان رمزيَّ الأسلوب والشكل والمعنى . لكني أرى نفسي عاجزاً عن فهم تفعيلات الست صباح دبي في هذه القصيدة لسوء حظي . فهي مُغلقةٌ على نفسها ومنغلقة عليَّ وعلى قدراتي على الفهم . ربما ، ربما أغامرُ بالإدعاءِ أنها تكلمت بالشعر عن ساعة شقها رحم والدتها وخروجها إلى عالمنا بالولادة . فقد أشارت هي إلى ( أتنشّقُ شهقتيَ الأولى ) أي أول شهيق يعقبه أولُ زفيرٍ للمولود الجديد . ثم ( أتنفسُّ من عَبَقِ الماءِ ) . معلومٌ أنَّ الجنينَ في بطن أمه يقتات على ما تمدّه أمه له من طعام سائلٍ من خلال الحبل السرّي ، وفي هذا الطعام السائل هواءٌ مُذابٌ يحتاجه الجنين لحرق السكريات والنشويات. تماماً مثل الأسماك في الأنهر والبحار . مهما داريت الأمرَ ومهما قلّبته على وجوهه المختلفة لا أجدني قد حالفني أيُّ شكلٍ من أشكال الحظ والتوفيق في تفسير أو فهم ما قد عرضتُ من شعر . قلتُ إنه منغلقٌ على نفسه ومُغلقٌ عليَّ وعلى مداركي التي أحملُ معي والتي تعوّدتُ عليها وتعوّدتْ عليَّ . إنه لحسن الحظ ليس كثيراً في الديوان . سوف نرى الكثير الرائع المتفرّد نسجاً وأسلوباً وقصّاً وتسلسلاً توليدياً متشابكاً نجحت الشاعرةُ فيه في كتابة الشعر الرمزي ـ المجازي ـ السوريالي ( أحياناً ) بنظام التفعيلات وهو سبقٌ يُسجّلُ لها . أقولُ ذلك على ذمتّي ومسؤوليتي أمام القرّاءِ والنقّاد .

قصيدةُ " مرثية الماء "

من قصيدة " مرثية الماء " / الصفحة 33 . جاء ذكرُ الماء في هذه القصيدة ثلاثَ مرات فقط ، فأين نجدُ هذا الماءَ إذا ما سعينا وراءه للعثور عليه ؟ ما دوره في سياق القصيدة العام ؟ ما الذي أضافَ لمجمل الحوارات المتداخلة بين الشاعرة وذكرياتها وهواجسها وأحلامها وبعض مخاوفها ؟ هل يتبدل في الأمر شئٌ خطيرٌ إذا حذفنا هذا الماء الزائد وتركنا مكانه فارغاً أو ملأناه بسائل آخرَ ؟ لنقرأ معاً سيرةَ ماءِ صباح في هذه القصيدة :

[[ في البدءِ كانت جنّة الماءِ المسافرِ في العيونِ

تلمُّ غيمَ الشهدِ والسِدرِ القليلِ

وتغزلُ الوطنَ الحريريَّ على ضوءِ القمر

والصبحُ فيها وردةٌ للعاشقين

والماءُ يسكبُ ظلَّهُ المطروزَ في عين المدى

وأنتِ تلتقطينَ حبَّ التينِ والزيتونِ والوهجِ القديم

كمْ كانَ يكفي من رحيقِ الروحِ

كي تتطلعي يوماَ إلى همسِ الدُعاء

وإلى جبين الشمسِ والقمرِ الغريب ...

منذُ اعتراك الوهمُ وانتزعت قبيلتكِ النديةُ وشمها

وثراك يقتلهُ الأنينْ ]].

نقلت هنا الصفحة الأولى كاملة من قصيدة " مرثية الماء " فما الذي وجدتُ فيها مع أو بدون الماء الذي ورد ذكرُهُ على هذه الصفحة مرتين ؟

1ـ غربة ، غربة قاتلة تعزلُ الكلمة عن أختها وجارتها ، وغربة أخرى أشدُّ وطأةً تفصل بجدارٍ من الخرسانة المسلحة السطرَ اللاحق عن السطر السابق . لذا يضيع القارئ في متاهات الغربتين وتتبعثر الأفكارُ بدل أنْ تتكثفَ لتشكلَ مركزاً واحداً أو بؤرةً تأخذ من محيطها لتوزعه على ما هو أبعد من هذا المحيط المحدود هندسياً . لذا فمن الممكن إحلال سطرٍ محل سطرٍ آخر دون أنْ يتغير معنى ومغزى السياق العام للقص الشعري .

2ـ الترابط بين سطر وسطر وبين فكرة وأخرى ضعيف ويضعفُ أكثر كلما طال السردُ الذي يُساق سوقاً كأنما لا من هدف واضحٍ له أو أنَّ الأهدافَ ليست واضحةً في رأس وقلب الشاعرة . يشتدَّ التفكك كلما أمعنت الشاعرة في سيرها في طرق غير واضحة المعالم غير محددة الأهداف .

3ـ ولعل أخطرَ ما في الأمر أنَّ تراكم ألفاظ الشاعرة لا يُفضي في هذا المقطع بالذات إلى ما يتوقعُ القارئُ من تحوّلاتٍ منطقية أو جدلية إذ ينفرط هذا التراكم لا إلى شئ ذي بالٍ ... حسبَ ظني وإجتهادي وقد لا أكون مصيباً في رأيي هذا .

4ـ صور هذا المقطع ليست قوية الإيحاء ، بل ويُخيّلُ لي أنها مصنوعة صناعةً وأنها ليست تامّة الجدّة وحركتها تشبة أو تحاكي حركة السكون التي نتخيلها أو نتمناها أنْ تحصلَ فيما لدينا من أثاث أو لوحات أو موجودات أخرى . نتمنى لا أكثر .

5ـ الكلامُ الجميلُ والألفاظ المُنمّقة والمُختارة بعناية لا تصنع بالضرورة شعراً. للشعر ألفاظهُ الخاصة ومنطقهُ الخاصُ به . الشعرُ يفرضُ على قائله اللغة التي يعالجه بها وليس العكس .

6ـ قلتُ آنفاً ليس من بين مهمات ووظائف الشعر أنْ يكونَ مفهوماً بل ، أريده أنْ يكونَ موحياً بالرمز أو الصورة أو الإشارة أو المجاز أو أية وسيلة وآلية يرتأيها أو يكتشفها الشاعر أو الشاعرة . أريده أنْ يقلبَ منظومتي الفكرية والثقافية والمعرفية رأساً على عقب . أريده أنْ يُعيدَ من جديد خلقي . أريده أنْ يثقفني وأن يعلمني أشياءَ جديدة عليَّ لم أتعرفْ عليها قبلاً . أريده أنْ يقولَ ما لم يقله أحدٌ من قبلُ . أريده أنْ يكونَ السحرَ والساحرَ معاً والشاعرَ والمتلقي سويةً والظلَّ والضوءَ كلاًّ لا ينفصلان . أريده أنْ يُنسيني كلَّ ما قد قرأتُ وعرفتُ من شعر قديم وحديث . سنجدُ لاحقاً الكثير من هذا الشعر الذي أُريدُ في العديد من ديوان الشاعرة السيدة صباح دبي .

هذه أهم شروطي في الشعراء وفي قول الشعر إذا أرادَ أحدُنا أنْ يكونَ شاعراً أو أنْ يتقبله الناسُ محسوباً على صنف وطبقة الشعراء . (( حيثما يأتي وكلما يأتي ذكرُ لفظة شاعر أقصد بالطبع كلا الجنسين ، الشواعر من النساء والشعراء بين الرجال )).

أعترفُ أنّ التصدي لتحليل هذه القصيدة كأنموذج لما عداها إنما هي مهمة صعبة وفي خوضها مغامرة تحتمل الكثير من الخطأ والقليل من الصواب أو العكس . إنها مهمة صعبة لأنَّ مَن يتصدى لها يواجه فوضى ضاربة الأطناب وسط ظلام دامس وأصواتٍ متضاربة متقاطعة مع أصدائها ، وحين يخرجُ من هذا التيه الشديد الإضطراب يجد نفسه أعمى أو كالأعمى . ويجد نفسه مجرداً من كل ما كان يخزن في ذاكرته من معارف وثقافات ومهارات . المرورُ في هذا التيه كأنه عملية غسيل دماغ . لن أطيلَ وقد أطلتُ . قسّمتُ شعرَ قصيدة " مرثية الماء " إلى ثلاثة أجزاء حسب فهمي لها وما أوحت لي بعض الألفاظ التي إجتهدتُ في تفسيرها إجتهاداً إعتباطياً ولكن ليس من غير أسس وشواهد مما ورد في القرآن على سبيل المثال .

الجزء الأول من هذه القصيدة :

[[ في البدءِ كانت جنّة الماءِ المسافرِ في العيونِ

تلمُّ غيمَ الشهدِ والسِدرِ القليلِ

وتغزلُ الوطنَ الحريريَّ على ضوءِ القمر

والصبحُ فيها وردةٌ للعاشقين

والماءُ يسكبُ ظلّهُ المطروزَ في عين المدى

وأنتِ تلتقطينَ حبَّ التينِ والزيتونِ والوهجِ القديمِ ]].

ماذا أفهم ـ كقارئ ـ من هذا المقطع وما يوحي لي ؟ أرى شاخصةً أمامي صورةً متواضعة لواحدة من جنّات الخُلد التي قرأنا عنها وعن أوضاعها ودقيقِ أوصافها في القرآن . أي وضعتنا الشاعرةُ إبتداءً في جو قرآني . ما دليلي ؟ هناك العديد من الأدلة ، منها الذكر الصريح لكلمة " جنّة " ، والسدر " سِدرة المنتهى " ، ثم التين والزيتون ، وهما فاكهتان ورد ذكرهما في مطلع إحدى سور القرآن بصيغة القَسَم (( والتينِ والزيتونِ . وطورِ سينينَ . وهذا البلدِ الأمين / سورة التين )) . الجو الديني واضحٌ إذاً وعلينا التهيؤ لإستقباله والتكيّف له وفهم ما قد يوحي لنا به .

الجزء الثاني :

[[ إني أرى أشلاءَ هذا الماءِ تصنعُ فُلكها

وتخيط أرديةَ السنينِ

لتهجرَ المدنَ التي باتت تجرجرُ عارها

وتبيعُ أشجارَ الحنين ...

الشهقةُ الأولى

سيكتبها جُباةُ الليلِ فوق جبينِ نخلٍ تائهٍ

يروي ثقوبَ الذاكرة

ويُخيط حكياً لم يزلْ يذوي

كأذيالِ المساء ...

هل يبتليكِ العشقُ في زمنِ البكاءِ

فتنثرينَ دمَ الحناجرِ في حشاشاتِ الرحيل ؟

كم قلتِ إنكَ قِبلة المهووسِ

يدخلها ليغسلَ عمرهُ المسكوبَ في كفِّ الطريق

لم يبقَ من أخبارِ هذا النخلِ

غير جذوع ظلِّ منزلة ...

آهٍ على نخلٍ تجرّدَ وانجلتْ سوءاتهُ

والقصفُ يعقبهُ كأرديةِ الظلام ... ]] .

نحن ههنا وجهاً لوجهٍ مع نوح وطوفان نوح وفُلك نوح . " أشلاءُ هذا الماء تصنعُ فُلْكَها " . إحالة أخرى للكتب الدينية والقرآن بالطبع أحدها ففيه تفاصيل طوفان نوح ومعجزة إنقاذ البشر والحيوان من كارثة الطوفان بفضل صناعة نوح لسفينته التي جمع فيها من كل زوجين إثنين . وردت بعض تفاصيل قصة نوح من الطوفان في سورة المؤمنون (( فأوحينا إليه أنْ اصنع الفُلكَ بأعيننا ووحينا فإذا جاءَ أمرُنا وفارَ التنورُ فاسلُكْ فيها من كل زوجين إثنين وأَهلَكَ إلاّ مَنْ سبقَ القولُ منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مُغرَقون / سورة المؤمنون / الآية 27)). ثمَّ (( قال ربِّ إنَّ قومي كذّابون . فافتحْ بيني وبينهم فتحاً ونجّني ومَن معي من المؤمنين . فأنجيناهُ ومَنْ معهُ في الفُلكِ المشحون / سورة الشعراء . كما ورد مثل هذا الكلام في سورتي الأعراف والعنكبوت )) .

فمن أين جاءَ الطوفانُ الشاعرةَ صباح ولماذا جاءَ ؟ وهل من سبيلٍ آخر لتجنب خطر هذا الطوفان غير سفينة نوحٍ التي تقادم عليها الزمنُ وتآكلَ خشبها ومساميرها ؟ هل تصلح هذه السفينة اليومَ رمزاً لإنقاذنا مما نعاني من مشاكل شخصية وأخرى سياسية وإجتماعية ثم من مشاكل تلوث البيئة وما يهدد مستقبل البشرية من ترسانات الأسلحة الذرية والغازات والسموم وباقي أسلحة التدمير الشامل ؟ خلاص الإنسانِ من مشاكله لا بوسائلَ خارجية تأتيه بالمعجزات المنتظرة إنما يجد هذا الإنسان سبل خلاصه في داخل نفسه .

لماذا لجأت الشاعرة للنخل وما دلالته الرمزية وهل خدم هذا النخيلُ أغراض الشاعرة كلاً أو بعضاً ؟ الجواب كلاّ ثم كلاّ . النخل دخيلٌ هنا وغريبٌ كغربته في تربة بلاد الأندلس . كما أنه لا يمتُّ بصلة لنخلة مريمَ أم عيسى المسيح التي أسقطت فوق رأسها وهي في ساعة المخاض رطباً جنيا (( وهُزّي إليكِ بجذعِ النخلةِ تُساقطْ عليكِ رُطَباً جنيّا / مريم / الآية 25 )) . ذكرت الشاعرةُ النخلَ ثلاثَ مرّاتٍ في الصفحة 34 من قصيدة مرثية الماء .

الجزء الثالث والأخير ، وما زلنا نعالج قصيدة مرثية الماء ولا نعرف علامَ رثاؤه وما سبب هذا الرثاء ؟

[[ لم يبقَ من أخبارِ هذا النخلِ

غير جذوعِ ظلِ منزلة ...

آهٍ على نخلٍ تجرّدَ وانجلت سوءاتهُ

والقصفُ يعقبهُ كأرديةِ الظلامِ ...

ألقوا عليهِ قميصَهُ الدامي

ليرجعَ ظلّه المغمى

ويرتشف الحنينَ إلى المدى

وإلى جراحِ الليلِ حين يدكّهُ عصفُ الصهيلِ ]] .

قميصُ مَنْ هذا القميصُ الدامي ؟ أليس هو قميصُ يوسف ذو الدم المكذوب [[ وجاءوا على قميصهِ بدمٍ كَذِبٍ .../ سورة يوسف / الآية 18 ]] . الآن الآنَ وليس غداً ...، ما علاقةُ النخل بقميص يوسفَ الدامي ؟ إنه ليس عيسى المسيح ، إنه يهوديٌّ طرحه إخوته غير الأشقّاء في غيابة جُبٍّ في الصحراء { أية صحراء ؟ْ } كيما يتخلصوا منه لأنهم كانوا منه يغارون . أما الآخرُ فنصراني وُلد في فلسطينَ تحت نخلة وكان تحت والدته نهر ماء عذبٍ ( فناداها مِن تحتها ألاّ تحزني قد جعلَ ربُّكِ تحتكِ سريّا / مريم / الآية 24 ) .

ما الذي يجمع في قصيدة واحدة ،هي أصلاً رثاءٌ للماءِ ، بين فصولِ قصص ثلاث هي أقربُ للأساطير ، أو إنها حقّاً منها ، متفاوتة الأغراض والتفصيلات والمناسبات ؟ ما الذي يجمع الجنّةَ بنوح ثم بيوسف وقميصه المُدمّى ؟ هل نجحت الشاعرة في هذا الربط وهل أدركت مستلزماته ووسائله ؟ ثم ما مصير ومكانة الكلام الذي جاء بينَ بين حشواً لا علاقة له بالجنة ونوح ويوسف ؟ بل والأنكى والأدهى من ذلك ، لا من علاقة له بالماء نفسه وهو عنوانُ وموضوعُ القصيدة . أكررُ وأُلِحُّ في تكريري أنَّ الكلمات الجميلة المرصوفة بهيئة تفعيلات لا تصنع شعراً مهما تعالت أقيامها الجمالية كمفرداتٍ منتقاةٍ بعناية وقصدية تبعدُ الشعرَ أنْ يكون منتمياً لعالمِ الشعر . لكي تلعبَ أدوارها في عملية الخلق الإبداعي الشعري ، تحتاجُ هذه المفرداتُ المُنتقاةُ بعنايةٍ إلى كيمياء خاصة يُسمونها كيمياء الشعر . الكيمياءُ تفاعلاتٌ بين عناصر أو مركّبات لها شروطها ومستلزماتها وآلياتها ، والمفردات هنا هي هذه العناصر والمركبات . لا بدَّ لهذه العناصر والمركبات ، لكي تُنتجَ شعراً ، من أنْ تتفاعلَ مع بعضها وفق آليات يفرضها جوُّ أو أجواءُ القصيدة وقدرات الشاعر أو الشاعرة وثقافته وتمكنه من لغته ثم سليقته الشعرية غير المصنوعة : شاعرية مَن يقولُ هذا الشعر . كيف نفهم الأبيات الآتية وعلى أي مستوى يمكننا فهمها ؟

[[ كم كانَ يكفي من رحيق الروحِ

كي تتطلعي يوماً إلى همسِ الدعاء

وإلى جبينِ الشمسِ والقمرِ الغريب ...

منذُ اعتراكِ الوهمُ

وانتزعتْ قبيلتُكِ النديّة وشمَها

وثراكِ يقتلهُ الأنين ]] .

؟؟؟؟ ... علامات إستفهام كثيرة حقّاً . لا أفهمُ هذا الصنف من الكلام بل وإنه يُشوِّشُ فكري ويعودُ بي القهقرى لأزمنة العصر البرونزي . للرموزِ دلالات نفسانية ولفظية وتأريخية ومجازات مفتوحة على عوالمَ لا حدودَ لها ولا سدود . أما رصف كلمات إلى جانب بعضها كما تُرصفُ آجرّة البناء لِصقَ آجرّةٍ أخرى فتلك مشكلة ترفضها طبيعة الشعر الحقيقي .

إستدراك : قد أكون ظلمتُ السيدة الشاعرة إذْ جررتها وقصيدتها هذه جرّاً تعسفياً وحشرتهما في مواضيع ربما ما كانت قد قصدتها أصلاً . هل الذنبُ ذنبي إنْ كان هناك ثمّة من ذنب ؟ أشاركُ جزئياً فيه ، أما الجزء الآخر فيقع على عاتق الغموض الشديد الذي إكتنفَ القصيدة ولفّها بسوادِ ديجورِ ظلامٍ دامسٍ تستحيلُ رؤية الأشياء فيه . رفقاً بنا يا سيدة صباح .

قصيدةُ " حين يهبُّ الماءُ "

نتركُ قصيدةَ " مرثية الماء " جانباً لنرى ماذا قالت الشاعرة في قصيدة أخرى علاقتها اللفظية بالماء وثيقة . أعني قصيدة " حين يهبُّ الماءُ " . ماء الشاعرة كما رأينا في القصيدة السابقة ظاهرة غير طبيعية جامدة وسائلٌ غيرُ متحرِّكٍ فما عساه سيصنعُ إذا هبَّ هذا الجمادُ ولماذا يهبُّ وكيف يهبُّ وهو جامدٌ حالهُ حال الصخرة ؟ ثمَّ ، ما يعني الماءُ هنا للشاعرة وما مغزى هبوبه إذا إفترضنا أنه سيهبُّ فعلاً وواقعاً ؟ قرأنا في صغرنا وتعلمنا في البيت والمدرسة أنَّ الماءَ هو أصلُ الحياة ومنه كلُّ شئٍ حي . كما جاءَ ذِكرُ الماءِ في القرآنِ مراتٍ عديدة وفي سُوَرٍ كثيرة فيها تفصيلات لأصله ومنافعه ومآله وتحولاته بل وحتى أنواعه وكيفياته وشدة سقوطه وخفّتها ونقاوته وملوحته . أذكر خاصةً السور الآتية

[[ الزُمّر / الجاثية / سورة ق / الواقعة وتسع سورٍ أخرى في الأقل هي : طه / الأنعام / الحج / الزخُرُف / فُصِّلت / السجدة / الروم / العنكبوت / وسورة عَبَسَ ]] . فهل ماءُ الشاعرة صباح من هذا الماء أمْ إنه ماءٌ آخرُ مُغاير له مواصفاته الخاصة وتركيبه الكيميائي الخاص ومذاقه الخاص وقدرة على التفاعل مع غيره حسب آليات غير مألوفة ولا معروفة إلاّ للشاعرة ؟ سأتعرض لقصيدة " حين يهبُّ الماءُ " لأراه كما هو وكما أرادته الشاعرة وهل هو ماءٌ طبيعي كبقية المياه في هذا الكون أم أنه ماءٌ مصنوعٌ أو مستوردٌ بزجاجات البلاستك خصيصاً لكي يحقق أهدافاً وأغراضاً محددةً تنسجمُ مع حاجاتٍ نفسية غائرة في أعماق روح الشاعرة ؟ أتمنّى ذلك . جاءَ ذِكرُ الماء مرةً واحدةً في هذه القصيدة في أحد السطور الأخيرة بشكل [[ لو يُدرِكُ وقت هبوبِ الماءِ على وجهِ الشمسِ ]] . ماذا غير الماء في هذه القصيدة ؟ تكثيف جيّدٌ لظواهرَ ومظاهرَ كونية من قبيل : الغيب . الكون . اللجج . الليل . أعوام . أسطورة . الكشف . حكاية جلجامش . الضوء . الشمس . ثم ذكرت الشاعرةُ الطيرَ مرتين والحمامَ مرةً واحدةً وهو كذلك من الطيور . لم أجدْ ـ ربما لسوءِ حظي ـ أية مناسبة لتوظيف إسم وأسطورة جلجامش السومرية العراقية إلا إذا قصدت الشاعرةُ أنَّ قصة الطوفان مذكورة في ملحمة جلجامش وهذا صحيح . لكنَّ إسمَ هذا البطل الأسطوري جاء هنا طنّاناً مدوياً صاخباً دون أنْ يقولَ شيئاً ذا بال يخدم النصَّ أو يُضيءُ بعض جوانبه أو يُضيفُ بُعداً يمتدُّ بإزاءِ أحد إحداثيات الكون فيتألقُ النصُّ وتتقدُ صورهُ وتفعلُ مجازاته أفعالها في نفس القارئ وفكره ، فيشعرُ بالتحوّل ويسمو فوق ذاته البشرية مقارباً طبيعة جلجامش إذْ ثلثه بشرٌ وثلثاهُ إله . هكذا أرى الشعر وهكذا أريده وهو عسيرٌ وعمليات ولادة شاقة قيصرية وغير قيصرية. هذه القصيدة ـ رغم كل ما بيّنتُ ـ أفضل من قصيدة " مرثية الماء " . فيها سبكٌ وبعض المنطق الشعري واللغوي . وفيها شيءٌ واضحٌ من الربط والترابط من حيث تسلسل الأفكار وصياغات الهواجس وترجمة المخاوف والرؤى والأحلام وكوابيس النهار والليل فالشاعرة تعاني من أمور أبقتها عن قصدٍ غامضة لا تجدُ في نفسها الجرأة الكافية للكشف عنها وتعريضها للنور وعيون القرّاء . لذا ظلّت في كل ما كتبتْ تلفُّ وتدورُ وتغزلُ وتنسجُ ثم تفكك ما نسجت وتتلفُ ما غزلت وتحطّمُ مغزلها خوفاً من أمرٍ مجهولٍ قد تعرفُ بعضه وربما تجهلُ جُلّهُ . إنها تمحو آثارَ خطاها في كتاباتها لكنها ـ يا لغرابة النفس البشرية ـ تعودُ وتعاودُ الكرّةَ فتطبع خطى أقدامها على ذات الرمل ثم تندمُ ويدهمها خوفها المزمن فتدمّر ما تركت كما فعلت في المرة السابقة . وستظلٌّ تتحركُ في دائرتها المُغلقة هذه المحدودة المساحة والقطر والمحيط والمقفلة الآفاق تكتبُ وتتلفُ وتنسجُ وتنقضُ . تطبعُ وتمحو وتظلُ كذلك على حالها حتى قيام الساعة . تعاني الشاعرةُ ـ كما أحسبُ ـ وفي كل ما كتبتْ ، تعاني من حَيرةٍ وخوفٍ شديدٍ من أمر لا تودُّ الإفصاحَ عنه أو لا تستطيعُ . يمكن التكهن به في ضوء كتاباتها الشعرية الخالية ، إلا قليلاً ، من الحب والعشق والهيمان التي يكتب الشعراءُ والشواعر فيها في زماننا هذا ، زمان الإنترنت والسرعة والتقلبات المزاجية والطقسية والإنفلات والتمرّدِ على المألوفات . نعرفُ اليومَ العديدَ من الشواعر والكاتبات العربيات الجريئات حدَّ التعبيرعن أدق وأخطر الشؤون الشخصية للمرأة الشرقية سواءً أكانت مسلمةً أو مسيحية . لا أذكرُ أسماءً بعيانها فهي معروفة للجميع . صباح دبي ليست من هذا الصنف من النساء !

مقاطع من قصيدة " حين يهبُّ الماءُ " :

[[ أُخرجْ من عمقِ الغيبِ

أُخرجْ وانسجْ لحمامِ الكونِ

خيوطَ الشدوِ الغائرِ في لُججك

هل يبقى الليلُ إذا ذبلت عيناهُ أميراً للغرباءِ ؟

أمْ هل سيظلُّ يلوكُ جذورَ السهوِ

ويرسمُ أوديةَ النسيانِ لقافلةِ الجمرِ

ويفكُّ قوانينَ الحكماءِ ؟ ]] .

واضحٌ أنَّ خطابَ الشاعرة موجّهٌ للماء ، وموجه بصيغة فعلي الأمر " أخرجْ وانسجْ " . الأسطر الثلاثةُ الأولى ناجحة شكلاً ومضموناً ، لكنَّ الشاعرةَ تكبو إذْ تنتقلُ من فعلي الأمر الصارمين إلى صيغة السؤال الهش المستعطف " أم هل " علماً أنَّ " هل " هنا زائدة وليست ضرورية فالسؤال ب ( ما ) يكفي كحرف عطف . ثمَّ النقلة الفجائية من الماءِ إلى عالم الليل نقلة مُفتعلة صبّت الماءَ الباردَ على حرارة الأسطر الثلاثة التي إفتتحت بها هذه القصيدة . أمثال هذا القطع وتغيير سياق النَفَس الشعريِّ وزخم موجة أو هبّةِ الإندفاعة الشعرية الصادقة ليست كثيرة لكنها موجودة وواضحة لمن يدققُ وينقّبُ ويحفرُ الأخاديد .

مقطع آخرُ من هذه القصيدة :

[[ هل أرسلَ شهقته الأولى

حين امتلأتْ أكمامُ القلبِ بسرِّ غوايتهِ الأولى

أعوامٌ مرّتْ والأسطورةُ تشرب

من كـأسِ الكشفِ زلالَ الذكرى

وعيوناً من ورقِ العنبِ

لم يروِ لها الطيرُ المذبوحُ سوى

أشداقَ حكايةِ جلجامش

ووروداً فاضتْ في صَخَبِ العُمر ]] .

ما زال كلامُ الشاعرة عن الليل وليس عن الماء ، فقد تركته ظهريا وانصرفت تخاطبُهُ بصيغة السؤال ( هل أرسلَ شهقتَهُ ... ) كما فعلتْ في أول مواجهتها لليل.

لم تنتقلْ الشاعرةُ من مخاطبة الماءِ إلى مخاطبة الليل حسبُ ، إنما غيّرت أسلوب ولغةَ المخاطبة والتواصل . إنتقلت من لهجة الأمر وأدواته إلى لهجة السؤال والسؤال غير المباشر . خاطبت الليلَ من خلال ساترٍ ومن وراء حجاب . وضعت بينه وبينها مسافة فاصلة نفسية ولغوية . هي خائفة منه أو وَجِلة . أبعدته عنها فلم تمسَ حدوده ولم تقتربْ منها . (( هل يبقى الليلُ ... أم هل سيظلُّ ...هل أرسلَ شهقتَهُ ... )) . إنها إعتادت الماءَ شراباً وطهوراً وربما وضوءاً فألفته وأِلفها وزالت الكِلفةُ بينهما . لذا كلمته بلغة الأمر (( أخرجْ ... أخرجْ وانسجْ )) فهو خادمها المطيعُ وملازمها اليومي وقاضي حاجاتها الطبيعية وبدونه لا حياة للإنسان . أما ليلُ الشاعرة فذاك أمرٌ مختلفٌ جذرياً . في وسع البشر مواصلة الحياة والنوم دون ليل وظلام . وهو لا يدخلُ في تركيب جسم الإنسان . هو غريبٌ عن هذا الجسد فكيف يكونُ منه قريباً ؟ لذا وضعته الشاعرة في محله الطبيعي بعيداً عنها ولكن على مسافة معقولة بحيث تستطيعُ أنْ تقولَ عنه شيئاً يسمعه (( هل سيظلُّ ... هل أرسلَ ... )) . أعجبتي هذه التقنية ولا أدري أجاءتْ عفويةً أم نتيجة تصميم وتخطيط ؟

المقطعُ الأخيرُ :

[[ ألهذا الهمسِ تُصلّي أصداءُ الكلمات

وتنشدُ أذكاراً مثلى ؟

والقلبُ يُسائلُ طائره عن سرِّ كتابته الأولى

آهٍ لو يُدركُ ما الضوءُ الشاردُ في قافية الوقتِ ...

لو يدركُ وقتَ هبوبِ الماءِ على وجه الشمسِ

ما يبقى في هذا الولعِ الأغبرْ ...

ما يبقى في هذا الألمِ الأكبرْ ... ]] .

هذا مقطع جيد بل ونادر الجودة . يستطيع القارئ المدمن على قراءة الشعر والخبير بخبايا نفوس الشعراء أنْ يتتبع آثارَ ما أرادت الشاعرةُ أنْ تقولَ وما أخفتْ وما لم تردْ قوله . قد تكونُ الآثار خادعة أو مُصممة خصيصاً لخداع القارئ أو أنَّ تقنية الخديعة إحدى شروط الشعر الجيد وقديماً قال الأجدادُ (( الشعرُ أفضله الكذوبُ )) . مع ذلك وبالرغم من ذلك يتبقى في يد القارئ شئٌ وإنْ يكن يسيرا يتفحّصُ النصَّ به ويعالجه ويحلله إلى عناصره ويُعيدُ تركيبها كما يفهمُ ويشاءُ لا كما شاءت صاحبة النص . في قراءة النصوص المنشورة يختلف القارئ مع أصحابها في أغلب الأحيان ، وقد يتفقان جزءاً أو كلاًّ . ذكرت الشاعرةُ في هذا المقطع " الطائر ، طائره " فهل هذا الطائرُ هو طائرُ القرآن الذي جاء ذكره على سبيلِ المثال في سورة يس [[ قالوا إنّا تطيَّرنا بكم لئنْ لم تنتهوا لَنَرجُمنّكمْ وليمسّنكمْ منّا عذابٌ أليم . قالوا طائرُكمْ معكم أئنْ ذُكّرتمْ بلْ أنتمْ قومٌ مُسرِفون / الآيتان 18 و 19 ]] . لا أظنُّ ذلك . طائر الشاعرة صباح لا من عَلاقةٍ تربطه بالتطيّر . إنه إشارةٌ إلى دقات وخفقات القلب المحب . قلب المحبين يكتب كلمات الهوى إذ ينبضُ ، حين يدفعُ دماً ويستلمُ غيره في عمليات دائبة مستمرة لا تتوقف إلا بموت الإنسان . فكتابة طائرِ القلب الأولى هي سطور أول رسائل المحبين لمن بادلوهم الحب . ثم (( آهٍ لويدركُ ما الضوءُ الشاردُ في قافية الوقتِ )) . قوافي الشعر تتكرر بنظامٍ دوريٍّ تماماً مثل كرِّ اللحظات الزمنية وهي وحداتُ الزمن الصغرى . الضوء كالزمن هو الآخرُ يتكون من وحدات منتظمة متّصلة تُسمى فوتونات أو كمّات الضوء . جمعت صباحُ الشعرَ في سطرٍ واحدٍ أو خطوةٍ واحدةٍ مع ظاهرتين كونيتين هما الزمن والضوء ، فالشعر في نظرها وفي لحظة تجلٍ صوفيةٍ ظاهرةٌ كونية . الشعر خالدٌ خلودَ أبدية الزمن والضوء . إختتمت الشاعرة هذه القصيدة بسطرين لا أراهما إلا كختام المصلين لصلواتهم اليومية المعتادة . قالت :

ما يبقى في هذا الولعِ الأغبرْ ...

ما يبقى في هذا الألم الأكبرْ ...

حافظت على حرفي القافية والروي الباء والراء فضلاً عن تكرير { ما يبقى في هذا } . قالت هذين السطرين لكأنها قالت مرتين : اللهُ أكبرْ . اللهُ أكبرْ ثم أنهت فروضَ صلاتها .

قصيدة " موسم القطاف "

أُطلِقُ بحقٍّ على هذه القصيِدة إسم لوحة أو خارطة فيزياء الكون . حشدت الشاعرةُ فيها أكثر ما عرفتْ من ظواهر كونية مألوفة للبشر : الضوء . الصبح . الغيوم . الظلمة . السديم . الليل . النور . المقمر ( القمر ) . النار . الشمس . الليل مرةً أخرى . العصف ( العاصفة ) . الوقت . الصبح مرةً أخرى . السراب . الملكوت . عَدَن ، الجَنّة طبعاً. فما تفسير ولع الشاعرة بظواهر الكون والطبيعة وهي لم تتخصص بأحد الفروع العلمية وخاصةً الفيزياء أو علم الفلك ؟ إنه في نظري الإلتحامُ ، الإتحادُ ، الحلول الصوفي الذي نعرف لكنَّ حلولَ الشاعرةَ صباح حلول من نوع مغاير وطبيعة مختلفة . ينحلُّ كما يزعمُ متصوّفة المسلمين في ذات خالقهم ، يتحدون معها ويذوبون فيها . أما حلول ذات الشاعرة ففي الطبيعة الكبرى التي لا حدَّ لها حلولاً منوّعاً متعدداً متفاوتَ الدرجات ما دامت الشمسُ غير القمر والليلُ ليس كمثلِ النهار والضوء ضديدُ الظلمة والنار لا علاقة لها بالشمس رغم أنَّ بعض الحرائق تتسبب عن الشمس في المواسم شديدة الحرارة كما يحدثُ في غابات ولاية كالفورنيا الأمريكية مثلاً . ربُّ المتصوفة الآخرين ربٌّ واحدٌ أحدٌ صمدٌ لا يلدُ ولم يولدُ بينما للشاعرة صباح أربابٌ مختلفون تختار من بينهم ما تشاءُ وما تشاءُ قريحتها الشعرية وظروف كتابة القصيدة وأحوالها النفسية حلولاً فيها أو إتحاداً معها أو إنفصالاً عنها فحلولها إرادي وقتي الطابع مادي الطبيعة بينما حلول المتصوفة الآخرين حلول ميتافيزيكي غيبي وغياب واهم في فراغ لا وجودَ له أصلاً . للطبيعة الكونية مظاهر وأشكال شتى متعددة لبعضها تأثيرٌ عظيمٌ على حياة الإنسانِ كالشمس مثلاً نوراً وحرارةً ، وفي الغيوم مطرٌ ومع المطر قد تأتي العواصف والزوابع الرعدية المدمّرة . وفي النار حرارةٌ ودفءٌ وإعدادُ طعامٍ . الطريف بهذا الصدد أنَّ الشاعرة لم تذكر { الله } في ديوانها موضوع قراءتي أو أني لم أجده حتى اللحظة الراهنة . غير أنَّ هذا لا يعني أنها بعيدةٌ عنه أو أنها لا تعترفُ أو لا تؤمن به . على أية حال ، سنقرأ القصيدة مقطعاً مقطعاً ونرى أو لعلنا نهتدي إلى أسرار هذه الظاهرة الكونية في أشعارِ السيدة صباح دبي .

[[ هل يدعوني وردُ الجمرِ إلى رقص الضوءِ ...

أمْ أنَّ الصبحَ سليلُ غيومٍ تائهة ؟

كم كان لديَّ من الأشواقِ أصففها

لأرافقَ هودجكِ المكنونِ وأرفعَ رايتَهُ

والظلمة تاجُ حنين ...

هل أنتِ على مرِّ الأزمانِ تلوكينَ العسلَ المهجورَ

لتُزهرَ فيكِ مدائنُ تشربُ غربتها

وتُهيّءُ للشطآن سديمَ الشهدِ وأزهارالصباّرِ وروضِ يبابْ ...

في مُنعطفٍ لنحيبِ القلبِ تبدّى جُرحكِ يعتصرُ الجسدَ المتلألئَ

يزرعهُ في جوفِ الليلِ وفي عَدَنِ المحراب ]]

تعاني الشاعرةُ في هذا المقطع من حالات غربة ثقيلة فتترك أديمَ أرضها هاربةً للأعالي عساها تجد هناك المرهمَ الشافي والبلسم لمشكلتها الأرضية مع نفسها وباقي الناس . إنها تلتمس السلوى وتنشدُ الدواءَ في عوالم وأجواء أخرى تختلف عن طبيعة وتراب عالمها الأرضي من مثل الضوء والصبح والغيم والظلمة والسديم . هناك عالمها النفسي قبل الشعري وهناك جملة أربابها الذين تنشدُ الحلولَ فيهم عقاراً لا خلاصاً من ذاتها برميها في سلة مهملات إسمها الذات الربانية حسب مفاهيم متصوفة الإسلام . لقد ورد إسمُ < عدن > مرّاتٍ عدّةٍ في متن كتاب ( حين يهبُّ الماءُ ) فما دلالة ذلك بالنسبة للشاعرة وهل كانت دوماً موفقة في توظيف هذه اللفظة هنا أو هناك في حالة ما إذا أخذناها على أنها تمثّلُ جنّة عدنٍ التي جاء ذكرها مراراً في القرآن ؟ بقدر تعلق الأمر بهذا المقطع وبآخر سطر إقتبسته منه ، أقول كلاّ ، لم أجدها أصابتْ حظاً من النجاح . أعيد كتابة أغلبَ ما قالت في هذا الجزء من القصيدة معاً لا كأسطر متفرقة وآخذ على عاتقي مهمة تحريك علامات الإعراب فالكتاب كله خالٍ للأسف الشديد منها :

[[ هل أنتِ على مرِّ الأزمانِ تلوكينَ العسلَ المهجورَ لتُزهِرَ فيكِ مدائنُ تشربُ غربتها وتهيءُ للشطآنِ سديمَ الشهدِ وأزهار الصُبّارِ وروضِ يبابٍ ... في منعَطَفٍ لنحيبِ القلبِ تبدّى جُرحُكِ يعتصرُ الجسدَ المتلألئَ يزرعهُ في جوف الليل وفي عَدَنِ المحراب ]] .

كيف نفهم وضعَ " عدن " ضمن كل هذه الخلطة من الكلام القريب جداً من السوريالية والمتشتت الأهداف والغايات حتى أنه يبدو وكأنه جاء خالياً من أية أهداف ؟ لا نريد أهدافاً محددةً واضحةً من الشعر لكننا نأملُ أو نطمحُ أو نتمنى أنْ نعثرَ فيه على بصيص ضوء نتشبث به لمواصلة سفرتنا في دهاليز الغموض الشعري الذي يرهقنا ويأخذ بخناقنا فيتعسرُّ التنفسُ علينا فنختنق في الظلمةِ مظلومين بائسين لا من حولٍ أو طَولٍ لنا ولا من قوة . [[ في منعطفٍ لنحيبِ القلبِ تبدّى جُرْحُكِ يعتصرُ الجسدَ المتلألئَ يزرعهُ في جوفِ الليلِ وفي عَدَنِ المحراب ]] . جملة طويلة كشأن سابقاتها كأنها تبتدأها بشرط ولا يأتي جوابُ الشرط إلا بعد لأيٍ وطول مسافةٍ ونفادِ صبر . ليس هذا من طبيعة الشعروليس شرطاً له بل وإنه يُرهقهُ ويبددُ طاقاته ويُضعف تأثيره في النفوس ويورثها المللَ والجزعَ عليها منه . أعود لِ (عدن ) فأسالُ نفسي : ألم تجدْ الشاعرةُ إسماً آخرَ يناسب ما قالت قبله من كلماتٍ ؟ ما معنى ( عدنُ المحراب ) والعدن هو إحدى جنات عَدْنٍ التي تجري من تحتها الأنهار في جنان الخلود كما يقولُ القرآنُ ؟ عدنُ كجنة نشاز كبيرٌ هنا لأنها في معناها وطبيعتها وأوصافها تخالف كلَّ ما قالت الشاعرةُ من قولٍ سابقٍ على ذكرها . ففي ما سبقَ من أقوال لا نجدُ إلا ما يخالفُ أجواء وطقوس الجنان من قبيلِ (( في منعطفِ لنحيبِ القلبِ تبدّى جُرحكِ يعتصرُ الجسدَ المتلألئَ يزرعه في جوف الليل ... )) . هنا نحيبٌ وجرحٌ يضغط على الجسد ربما لإجباره على نزفِ المزيد من دم الجراح ، فأين هذه الصورة الملتبسة الدامية من أجواء جنات عدن حيث الحورُ العينُ والولدانُ المخلّدون وأنهار الخمرة والعسل واللبن والفاكهة اللامقطوعة واللاممنوعة وأثواب السندس والإستبرق وأساور وصحاف الذهب وغير ذلك من أخيلة المحرومين المُحلّقة بعيداً ؟ ما معنى ( عَدنُ المحراب ) ؟ هل تقصد الشاعرةُ محراب عدن ، أي محراب في جنة عدن ؟ ليس في الجنان محاريبُ فسكنتها مؤمنون تمت تزكيتهم مؤمنين للأبد وسيبقون هناك للأبد لذا فهم ليسوا بحاجة لمحاريب يتعبدون فيها وقد تمَّ إعفاؤهم من كافة طقوس الدين والإيمان التي مارسوها على الأرض أثناء رحلة دنياهم الفانية . لا صومٌ ولا صلاةٌ في الجنة ولا حجٌ ولا عمرةٌ . قاموا بها في حياتهم الدنيا فعلام التكريرُ ؟ يبدو لي أنَّ شاعرتنا تحب حروفاً وكلماتٍ معينة فتضعفُ أمام إغراءاتها وغواياتها فتسقط في فخاخها ولا تعرف بعد ذلك كيف تتخلص مما أوقعت نفسها فيه من ورطات . على الشاعرة أنْ تكونّ جدَّ حّذِرةٍ من لمعان بعض الحروف والكلمات وما قد يبدو فيها من سحر وغواية وما تلاقي في أعماق الشاعرة من أهواء غامضة وأصداء ذكريات وأحداث قديمة ما زال لها تأثيرٌ في نفسها . لو سألنا السيدة صباح ما وقع وتأثيرُ كلمة عدن عليكِ وفي دواخل نفسك لقالت لا أدري . أستخدمها غير مُخيّرةٍ في أمري . تفرض نفسها عليَّ ، تأمرني فأنفّذ . وهكذا وقعت في المحذور فافتعلت تركيبة [ عدن المحراب ] .

مختارات من المقطع الأخير لهذه القصيدة :

[[ ... يزرعهُ في جوف الليلِ وفي عدن المحرابِ ويغمرهُ

بسواقي العصفِ القادمِ منكِ

ومن ملكوتِ النورِ المُقمرِ فيكِ

وأنتِ تُعيدين الوطنَ المسلوبَ إلى مدنِ الصحو ...

كم قلتِ لنارِ الأشياءِ انتشري في مُهجِ الأعناقِ

لعلَّ شقائقَ هذا الركبِ

تصبُّ دمَ الأقدامِ على عتبات الشوكِ

وتنتظرُ القطفَ الموعودَ

وما في القطفِ سوى حبّاتِ سرابٍ تشربُ غُصتها

وتذوبُ كأذيالِ الشمسِ ... ]] .

كل الحوار الذي تسوقه الشاعرة بلسانها ولكن بضمير المُخاطب ( أنتِ ) هو حوارٌ بين جرحٍ وقلبٍ بدايته [[ في منعطفٍ لنحيبِ القلبِ تبدّى جُرحُكِ يعتصرُ الجسدَ المتلألئَ يزرعه ... ويغمره ... ]] . ما هو موقف وما دورُ الشاعرةِ في هذا الدايالوج الساخن بين جرح وقلب مجروح ؟ ما سببُ هذا الجرح ومَن تُرى تسبب فيه ؟ خيانة حبيب أو غياب زوج أو فسخُ خطبة أو فراق بالطلاق ؟ لا أحدَ يدري سوى الشاعرة . لا تهمنا هذه التفاصيل بقدر ما نسعى لمعرفة ما قال الجرح للقلب وما قال القلب للجرح الذي فيه . هنا تتجلى مقدرة الشاعرة على الكشف وعلى إرتياد عوالم جديدة وإجتراح العجائب ورفع الحُجُب عن آفاق شعرية غير مألوفة لم نعرفها قبلاً . لم تتوسطْ السيدة صباح في هذا الموقف الحرج المتأزم بين قلبها والجرح الذي فيه ، إنما ، كما أحسبُ ، نظرت للمسألة وما فيها عن بُعد متخذةً موقفاً محايداً كوسيطة خير لجبر القلب الجريح المكسور فالجرح فيه لا خارجه وكأنَّ القلبَ المجروحَ ليس قلبها . تخلت عنه نازفاً . تبرأت منه خشيةَ القال والقيل وما أكثرَ القيلَ والقال في مجتمعاتنا . ليس أيسر من إتهامها بممارسة الحب مع رجلٍ فالشاهدُ حاضرٌ وأكثر من حاضر . الدم النازف ! ها نحنُ أولاء أمام دم ينزفُ من مكانٍ آخرَ في جسد المرأة المجروحة . دمٌ ينزفُ من قدميها لفرط ما قطعت سُدىً من مسافاتٍ لرأب الصدع مع الحبيب الملول أو الغائب ولإعادة المياه إلى مجاريها السابقة . نزفت أقدامها دماً بعد أن نزف القلبُ ، والدمُ هو الدمُ لوناً وتركيباً مهما كان مصدرُ ومكان وزمان نزفه [[ كم قلتُ لنارِ الأشياءِ انتشري في مُهجِ الأعناقِ لعلَّ شقائقَ هذا الركبِ تصبُّ دمَ الأقدامِ على عتبات الشوكِ وتنتظرُ القطفَ الموعودَ وما في القطفِ سوى حبّاتِ سرابٍ تشربُ غصتها وتذوبُ كأذيالِ الشمس ]] . سُدىً ، سُدىً إذاً إنتظارُها وقطعها المسافات الشاسعة فمَن غاب غاب ولن يعودَ والحلم تحطمَّ ولم يتبقَ أمامها إلا السراب تُطفئُ به نيرانَ ظمئها . الشاعرة مُحبطةٌ في هذه القصيدة وحزينة .

ملاحظات ختامية :

1ـ من حيث الشكل : إلتزمت بشكل غالب أسلوب التفعيلة في كتابة أشعارها لكنها وقعت أحياناً في زحافات ونشازات عروضية أخلت بخط إيقاع موسيقى التفعيلات المعروفة فخرجت عن نبرة الإيقاع السائد واختلَّ الوزنُ . ليتها حافظت والتزمت بصرامةٍ بنظام التفعيلة لكانت جنّبت نفسها الوقوع في مطبّات قليلة لا يتحملها الفن الشعري ولا يسيغها أبداً .

2ــ أما من ناحية المضمون فإنها مزجت ، ونجحت في الأغلب الأعم من أشعارها ، بين أسلوبي الكتابة الرمزية والسوريالية . أشعارها مليئةٌ بشعر هذا الأسلوب . جمعت الغموض والرمز لكنها كتبت حاصلَ الجمع بأسلوب ونظام التفعيلات . معلوم أنَّ الشعر السوريالي وبطبعه وطبيعته لا يستقيمُ إلا بكتابته بالشعر المنثور لأنه في الأساس ضد القوالب وضد أنماط الكتابة القديمة الجاهزة. لكنَّ صباح حققت نجاحاً مُذهلاً يُفرِحُ القاصي والداني .

3ـ للشاعرة صباح دبي شخصيتها الشعرية المتميزة وأساليبها الخاصة في كتابة الشعر . لها مفرداتها التي تختارها بعناية حيناً وبمحض الصدفة أحيانا . إنها إمرأةٌ متكتمة وقورٌ لا تفصحُ عما في قلبها من لوعة أو حب أو شجن . فإذا فتحت نافذةً صغيرةً على الحب كانت مقتصدةً في معالجته والكلام عنه وكانت تخاطبه من مقامات سامية عالية مع الكثير من كبرياء الروح وعفاف الجسد . تكلمت عن الحب في قصيدتين كلاماً مختصراً بليغاً واضحاً من غير تفصيلات فحافظت على سمتها العالي وصانت إسمها وإعتبارها الوظيفي والإجتماعي . القصيدتان هما " عمر الفراغ " و " جوهرة الريح " . أتمنى أنْ يُسعفني الحظ والوقت وظروفي الأخرى لكي أتفرغَ للكتابة مفصَّلاً عن هاتين القصيدتين . ألفت نظرَ القارئ الكريم إليهما .

هامش *

ـ حين يهبُّ الماءُ

ديوان شعر للسيدة المغربية صباح دبي / الناشر : ؟ طبع وتصميم : مطبعة آنفو ، فاس . السنة 2007 .

ليست هناك تعليقات: