الأربعاء، مارس 04، 2009

هجرة من جنائن بابلَ إلى عاصمة الرشيد

د. عدنان الظاهر

( وشجابه للغرّاف طير المِجرّة ... ) ؟

سمعتُ أنها ، مليكة بابل ، أقامت لأسبابٍ مجهولةٍ في بغداد .. قلتُ حسناً ، سأتصلُ بها تلفونياً وأصغي لحديثها الذي طالما ضنّتْ به عليَّ هناك في عرشها العالي معلّقةً بين أرض بابلَ وسماء حمورابي ! تحممتُ ثانيةً ، حلقتُ وجهي وتعطّرتُ بالشانيل الفرنسي ثم أرتديتُ أجملَ وأفخرَ ما لديَّ من قمصان وبدلات بل حتى وضعتُ في عُنُقي ربطة عنق إيطالية من الحرير الصيني . هل أضعُ في قَدَميَّ الحذاء البرتغالي الجديد ؟ كلا ، لا لزومَ له ، مليكةُ بابلَ لا تنظر للأسفل لترى ما يضع الرجال في أقدامهم ، إنها أكبرُ وأعظمُ وأجلُّ من ذلك . إنها تركّزُ على الأعالي ، على رؤوس البشر وما في رؤوسهم من أفكار ومعانٍ وغايات وأهداف مخفيّة ومعلنة . جلستُ بكامل إستقامة ظهري وكامل قيافتي، بلغة العسكر ، أمام التلفون حافي القدمين . نظرتُ إلى وجهي في مرآة صغيرة وضعتها منذ فترة قصيرة وراء جهاز الكومبيوتر . لا بأس ، حلاقتي جيدة والعطر الفرنساوي شديد القوى سيصل دقيق أنفها وهي هناك في بغداد وسيوقظها لو كانت ما زالت نائمة وهي قلما تنامُ خلال أيام السفر الإضطراري . رفعتُ سمّاعة التلفون بحذر وهيبة وجلال تناسب مقامها بل مقاماتها السامية لديَّ وفي قلبي ، إنها مليكةُ بابلَ ، مليكتي ومالكة قلوب البشر . صعقتني رجفة مُفاجئة : تُرى ، كيف ستستقبل ندائي التلفوني خاصةً وإنه الأول من نوعه وطبيعته حتى اليوم ؟ هل ستتقبله قبولاً حَسَناً أم سترفضه جملةً وتفصيلاً مع إحتجاج قوي النبرة واللهجة كيف تجاسرتُ وخاطبتها دون أخذ موعد حسب تقاليد وعادات ملوك ذاك الزمان . ومَن لم يمتْ بالسيف ماتَ بغيره ... قلتُ لنفسي ، سأخاطر وأرضى بالمقسوم . دارت هذه الخواطر اللعينة وفي رأسي التعبان [[ قالت إنَّ الملوكَ إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزّةَ أهلها أذِّلةً وكذلك يفعلون / سورة النمل / 34 ]]. توكلّتُ على نفسي والشيطان ورفعتُ سمّاعة التلفون بحذر وخشوع المتأهبين لدخول الصلاة . كانت يدي ترتجف كأني ذئبُ الشاعر البحتري الذي قال فيه [ يُقضقضُ عُصلاً في أسرّتها الردى / كقضقضةِ المقرورِ أرعدهُ البردُ ]. وضعتها وقد قبّلتها مراراً كما كان المتنبي يقبّلُ سيفه جذلاً بنجاحه في الهرب من مصرَ وإخشيدها وقرب بلوغه أرض العراق (( * )) ... وضعتها على أُذني بل ألصقتها لصقاً فرغبتي أقوى من قوية لسماع صوتها المَلَكيِّ الملائكي . شرعتُ بإدارة قرص الأرقام فإنتبهتُ ! يا للهول ويا لغبائي ! أهكذا يعمي الولهُ عيون ورؤوس الوالهين ؟ أهكذا حقاً ؟ إنتبهتُ إلى حقيقة أني لا أعرف أصلاً رقم أو أرقام تلفوناتها . كيف سأتكلم معها إنْ سمحت وعلى أي رقم ؟ خضّتني رعدة قوية كانت مزيجاً من خجل وإحباطٍ وخيبة مريرة . آآآآخ منك يا ذئب البحتري ( يا ذيب ليش تعوي ؟ حالك مثل حالي ) ... صرتُ أهذي مع نفسي بصوتٍ عالٍ لعلها تسمعه فنداء المغبون المظلوم يصل أبواب السماء حسب معتقدات جدتي لوالدتي المرحومة العلوية فهيمة ناصر ( أم رزوقي ) . هل في مليكة بابلَ عِرقٌ عَلَويٌّ كما كان حال جدتي ولها ذات قناعاتها لأضمنَ وصول ندائي المسكين إليها في سدتها ومقام عرشها العالي فالعلويات أخواتٌ متضامنات متآخيات . لم يسمعني أحدٌ ولم يستجب لضراعتي أحدٌ لا بشرٌ ولا أحدٌ من ملائكة السماء . هل الذنبُ ذنبي وفي صوتي الواهن العليل أم أنَّ الأمواجَ الصوتية قد أصابها عطلٌ طارئ سببه سوء الأحوال الأمنية والجوية وإضطراب المناخ ؟ على أية حال ، إنه سوء حظي وأنا أنا أنا مسؤول عن هذا المصير لأني قد ساهمتُ منذ طفولتي في صياغة وصنع هذا المصير والمآل مناصفةً مع الظروف الخارجية وعمياء الصدف . وهنتْ قوايَ جميعاً فأرحتُ رأسي على ذراعي الذي كان ممدوداً على منضدة الكومبيوتر وكان التلفون إياه جالساً شامتاً ساخراً بحذاء الكومبيوتر أمامي . أخذتني سِنةٌ قويةٌ من النوم . تصاعد شخيري فتراءى لي أني اكلمها ، حبيبتي مليكةُ بابل المهاجرة ، وتهيأ لي وأنا غاطٌّ في الشخير الألكتروني أنها تتكلم معي برقة وعذوبة معبّرةً عن تضامنها القلبي معي في مشكلتي مع جراحة عينيَّ وأنها تتمنى لي عاجل الشفاء ثم قالت قبل أن تُنهي مكالمتها [[ ترة آني ما أعوفك !! ]] . كررتها ثانية فأفقتُ من حُلُمي ـ كابوس نومي الإضطراري ، نوم المُحبَطين المغبونين في دنياهم وآخرتهم . من أين جاءني صوت مليكتي المحبوبة ولماذا تُبيح لنفسها حق إستخدامه متى شاءت وكيفما تشاء وتمنعني أنا عاشقها وعابدها وباني هيكل عرشها المُعظّم ، تمنعه وتحرّم عليَّ سماعه متى ما وددتُ سماعه والإستمتاع بعذوبة نبراته والسياحة في موج أنهار بابل وهسهسة نخيل غابات بابل ؟ نعم ، مليكتي تكلمني متى شاءت وشاء مزاجها وربما وقتها لكنها تتمنع وترفض تزويدي برقم تلفونها الشخصي النقال أو الموبايل < موو ... بايل > . لأبول على الزمان الذي يظلمني ولا يُنصفني ويحرمني من سماع تغاريد لسان مَن قد هويتُ فتهاويتُ ركناً ركناً وباباً باباً بل وتساقطت أسناني حزناً وتساقطت أناملُ كفيَّ إضراباً وإحتجاجاً فماذا تبقّى لي ولها مني وكيف سأعاود الكتابة لها بعد أوبتها إلى ذروة عرشها المكين الحصين مزوّدةً بشهادة ودرع وسيف الفروسية ودبلوم علوم الكومبيوتر الحديثة وآخر برامجه الخرافية مثل جافا Java

علماً أنَّ هذه الكلمة تعني بلغتنا الأصل مدينة يافا

الفلسطينية الشهيرة في بساتين برتقالها وعصيره . عدتُ ببطء شديد لعالم يقظتي وقد تأكد لي أني فقدتُ أصابع كفيَّ بعد أنْ تآكلت وذوت فتساقطت يأساً من إمكانية العودة لإستئناف ما قد درجنا عليه من تبادل بعض الرسائل الشحيحة بين آونةٍ وأخرى . كنتُ أكتب لها المطوّلات فتجيب بعد مرور أسابيع بطولها ببضعة كلمات مؤطّرة بباقات الورد الأخرس الذي لا ينطق ولا يُبين فما حاجتي لجمادات تأتيني بالبريد لا طعمَ لها ولا من عطر سوى الألوان المنوّعة الجميلة ؟ إنها في نظري أسوأ من ورود البلاستيك . لا معنى في الحياة لما لا ينطق أو يشعُّ لوناً حقيقياً أو يفوحُ عطراً يُشفي النفوس الظمأى ويُنعش القلوب المجروحة بالهوى الميؤوس منه .

هل ثمّةُ من أمل أو شئٍ من أمل في أنْ تراجعَ مليكةُ عرش عروش بابلَ نفسها فتقتنع بحقي في أنْ أعرف رقم تلفونها لأتواصلَ معها في الأوقات التي تناسبني وتناسبها لأبثها نجوايَ وحبي وشكواي ؟ أهذه هي طبيعة رؤوس كافة ملكات الوجود صلدة عنيدة مع عجرفة ولّى زمانها منذ أكثر من مليون سنة ؟ هل من العدل أنْ أظلَّ أستجدي رقماً ولا أحظى به حتى لو إبيضّت عيناي ؟ يا غريب اذكرْ هَلَكْ ! عزائي وسلواي في الباقي من أهلي وهم أقل من القلّة للأسف . نمتُ ثانيةً متدلي الرأس جاحظَ العينين كأفعى لا جفون لها . نمتُ لعلي أراها في الحلم لأعاتبها وأعذلها وقد أغلظُ القولَ لها فربَّ قولٍ غليظٍ يُفتتُ الصخرَ ويُنطق ماءَ البحر . نمتُ الليلة بطولها وأنا على هيئتي المضحكة ـ المبكية حتى أيقظني رنينُ تلفوني المتواصل . تجاهلته لكنه واصل إزعاجي . لعنته ولعنتُ حظي ورفعت سماعته ففاجأني صوتٌ رقيق عذب يسألني هل لديَّ بعضُ الوقت لأجيب عن أسئلة تخصُّ دراسةً إحصائيةً لتسويق منتجات إحدى شركات الأغذية المصنّعة . لعنتها وشتمتها وأباها وشتمتُ شركتها وكل ما في الدنيا من شركات وبنوك أفلست وتلك التي تنتظر دورها لتعلن إفلاسها وليذهب زبائنها للجحيم . أهذا هو الصوت الذي تمنيتُ وانتظرتُ ليلةً كاملةً نائماً حالماً متدلي الرأس كالمشنوق حافي القدمين مرتدياً أفضل وأجمل ما لديَّ من ملابس ؟

فليتَ طالعةَ الشمسين غائبةٌ

وليتَ غائبةَ الشمسين لم تغبِ

[[ لأبي الطيّب المتنبي ]].

( * ) قصيدة المتنبي بعنوان " ضَحكٌ كالبكاء " التي كتب في مقدمتها : قال عند وروده إلى الكوفة يصفُ منازلَ طريقه ويهجو كافوراً في شهر ربيع الأول

سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة ـ 962 ميلادية . أذكر البيت الذي قصدت ضمن مجموعة صغيرة من الأبيات لدلالتها على بعض مضمون هذه الحوارية :

وردنا الرُهيمةَ في جوزهِ

وباقيهِ أكثرُ مما مضى


فلما أنخنا ركزنا الرماَ

حَ بين مكارمنا والعُلى


وبِتنا نُقبِّلُ أسيافنا

ونمسَحُها من دماء العِدى

لتعلمَ مصرُ ومن بالعراقِ

ومن بالعواصمِ أني الفتى


وإني وفيتُ وإني أبيتُ

وإني عتوتُ على مَن عتا

....



ليست هناك تعليقات: