الأربعاء، مارس 18، 2009

مقترح قرائي لنص (ومضات) للشاعرة ضحى بوترعة

أمجد نجم الزيدي

الذات / الكون
نص الكتابة / نص القراءة


عندما تتشظى الدلالات في مدار الشعر، يكون الانسان مجبرا على لم وجوده في خيط دلالي يتمحور حول الذات، ذات الانسان/القارئ الذي يجيء في غفلة من زمن الكتابة، ليوطن له زمنا اخر هو الزمن القرائي، اي الذات القارئة التي تتشقق بهدوء لينساب دم القصيدة بين ثناياها محيلة الذات الى مستودع يجمع تداعيات النص، الذي أسس على مديين هما مدى الكتابة المقترن بالكاتب في لحظة زمنية مفارقة أدت الى انتاج النص، والقارئ الذي اعاد انتاجه برؤية جديدة منطلقا من القاعدة الاساسية لتشكيل وعيه وهي الذات، ثم لينفتح حول العالم بدلالاته الكونية، لمحاولة فك الارتباط المبهم بين الانسان الكاتب و الانسان القارئ والعالم.
بيد ان السؤال الذي ربما يعري قناعاتنا المماحكة، هو كيف تتجسد تلك الروح الكونية بعبارات ارضية، ربما تبدو طارئة في ذهن كاتبها ومتمردة في ذهن القارئ. الأجابة ربما تكون متسرعة وغير مضبوطة ان استسلمنا الى الايقاع الرتيب لعلاقات الحضور والترادف والتوازي المباشر بين دلالات النص، واغفلنا تلك الروحية التي تعتمل خلف تلك الدلالات.
نص (ومضات) للشاعرة ضحى بوترعة، بعناوينه الفرعية او بومضاته الثلاث، يضعنا بمواجهة النص ككائن كتابي، اكتسب وجوده الزمني منذ لحظة الكتابة، ليدخل فضاءا زمنيا ودلاليا جديدا هو فضاء القراءة، فالومضة الاولى:

بعد ان اتم واجباته اتجاه الكون اقتنى حديقة ووضعها في الغرفة معه واغلق الباب والنافذة.
.......سيكون الورد أجمل يد تخنق الأكسجين
.......تمدد في فراشه واغمض نبضه.

نرى بان العلاقات الكتابية بين المفردات علاقة سردية، أو هي علاقة سبب ونتيجة، تتجه اتجاها محددا مستقيما يبدأ من نقطة زمنية، اختصرت الزمن السردي ، لينتهي بفعل الاغلاق، أي انهاء ايقاع الافعال السردية، وهي علاقة ناجحة ومرنة بين هذه المفردات وارتباطاتها الدلالية الوظيفية، ولكن لو حملنا نص القراءة ووضعناه في مواجهة النص الكتابي الاولي، لأكتشفنا تلك الصلة الخفية التي تربط بين تلك الدلالات، لتصنع لها جسرا يعبر بالدلالة العامة للمتن القرائي الى فضاء اوسع، وان كان يرتبط بالمتن الكتابي الاولي بعلاقة وجودية افتراضية تأسست من قبل مفردات النص وتمثلاتها ومرجعياتها.
فلو قرأنا هذا الاقتباس من المقطع السابق [ بعد ان اتم واجباته اتجاه الكون اقتنى حديقة ووضعها في الغرفة معه واغلق الباب والنافذة] لرأينا بأن هذا المقطع يؤسس وجوده على أربع ضربات تمحورت حول الافعال(أتم – اقتنى – وضع –أغلق) لفت في زمنية أبتدأت من نقطة مموهة ممتدة في الزمن الماضي، بالاختزال الذي أدته (بعد) داخل المقطع ، لينتهي بالضربة الرابعة وهي فعل الاغلاق، وما نكتشفه من هذه العلاقة مابين مجمل زمنية النص وزمنية الافعال ذات التراتبية المنطقية، بأن هذه الزمنية منقسمة الى قسمين يرتبطان بالدلالة المركبة التي جمعت بين الكون والذات المتموضعة حول نفسها –والتي ستظهر لنا في نهاية النص- ليست علاقة انفتاحية تواشجية بل علاقة استقلالية، إذ يقف كليهما بمواجهة الاخر بعلاقة ندية، تظهر على سطح القراءة من خلال (بعد) المحور والمحرك الزمني داخل المقطع، اذ انها تفصل بين الزمنين، زمن مضى مرتبط بالكون، وزمن اخر مرتبط بالذات الانسانية المتوحدة، وقد تعزز ذلك الانفصام بعبارة ( بعد ان أتم) وايضا التوحد (وضعها في غرفة معه) وايضا (اغلق الباب والنافذة).
أما قول الشاعرة (......سيكون الورد أجمل يد تخنق الأكسجين) نرى بأن الكفة المتوازنة في المقطع الاول جاءت لتختل في هذا المقطع، اذ يقف احد طرفي المعادلة الاولى في المتن الكتابي للمقطع مستحوذا على مجمل المقطع فارضا سلطانه وناشرا دلالاته التي تقود اليه فقط، من خلال الدلالات الكونية المأخوذة من الطبيعة وهي (الورد و الاكسجين)، وكذلك (يد) على اعتبار ان الانسان هو جزء من الكون، وقد جاءت (يد) نكرة غير معرفة، أي ان لها صفة اطلاقية غير مرتبطة بذات محددة وانما هي رمز للأنسان أحد عناصر الكون، وان اطلقت هذه الدلالة على نحو تجسيمي للورد، بيد انها تحتفظ بمرجعياتها الكتابية. يأتي المتن القرائي ليعيد تنظيم تلك الدلالات وبناء النص على نفس الحوارية بين الذات والكون من خلال اكتشاف تلك الصلة الخفية بينهما، والتي اختزلها النص بأن غيب الذات ومموها اياها من خلال النقاط التي ابتدأ بها المقطع والتي تشير الى متن كتابي ممحي، اراد النص ان يسكت عنه، أو ان يحيله الى نص القراءة ليكون خلفية تنظم الايقاع الذي بني من قبل المقطع الذي سبقه.
أما من حيث البناء الزمني، فالزمن الذي رسمه نص الكتابة في المقطع الاول وأوحاه نص القراءة، قائم على زمنين مستقلين لقطبي النص كان الاول وهو الزمن المرتبط بدلالة الكون هو القاعدة، التي انطلق منها الثاني بالعلاقة مابين الافعال الماضية والمضارعة، اذ كان الفعل الماضي وهو الذي يعطي ايحاء التأسيس في متن القراءة (بعد ان اتم) هو القاعدة لأنطلاق الأفعال المضارعة التي أتت بعده وهي افعال أرتبطت بالدلالة الثانية، أو القطب الثاني للنص، بينما هذا المقطع وفي متنه الكتابي استند على زمنية المستقبل الممثل بـ(سيكون)، أما نص القراءة فأنه يحيلنا الى ان هناك زمن مفقود أو مسكوت عنه حاول النص ان يموهه، مرتبط بالدلالة الثانية وهي (الذات)، التي استعيض عنها بالنقاط أو الفراغ في النص الكتابي، وهذا الزمن هو زمن التأسيس لهذا المقطع على اعتبار ان هناك علاقة سببية ربما يوحي بها نص القراءة، من خلال (سيكون)التي توحي بنتيجة الى سبب يبرز في المتن الاخر المموه، وهو متن النقاط أو الذات المموهة، أي انه يقف بالعكس من الذي سبقه، بأن أصبحت زمنية الذات هي القاعدة لأنطلاق زمنية الاخر المستقبل.
ويأتي المقطع الذي بعده [.......تمدد في فراشه واغمض نبضه] ليعكس المعادلة مرة ثانية في المتنين القرائي والكتابي، بأن أخذت كلا الدلالتين مكان الاخرى، أي ان الدلالة الكونية تحتل الفراغ الكتابي الممثل بالنقاط، ودلالة الذات التي تأخذ مدى مستندة في متنها الكتابي على زمن مضارع وهو (تمدد)، بيد أنها في المتن القرائي تستند على الدلالة الزمنية الغائبة للزمن الكوني المرتبط بالفراغ.
أما في الومضة الثانية (عشق صوفي):

يناولني الضوء غرور النوم
ويرتبك الجسد في فوضى الطين
الماء..........والعشب.........يفصل مابيننا الحلم
كنت التي ضج دمها بوصايا العشق في الديانات القديمة
لا........لم اهرع فيك..........غير اني انضج جمرا في طرف قميصك
لا..........لم أقتف أثرك
غير اني تقاسمت مع الارصفة ظلم الاقدام

فنلاحظ بأن ذلك العقد القائم مابين المتنين الكتابي والقرائي، في المقطع أو الومضة السابقة والذي هو عقد زماني، نراه الان في هذا الجزء من النص يتلون أو يتلبس لبوسا اخر، اذ يأخذان هذان المتنان حالة من التماهي مابين الذات والكون، اذ لو أخذنا [يناولني الضوء غرور النوم] للاحظنا الصلة الكتابية مابين (الضوء و النوم)وهي صلة سببية قائمة على الارتباط الذي يخلقه الفعل (يناولني) والصفة (غرور)، أما المتن القرائي فيقترح حالة التضاد، والتي لايظهرها المتن الكتابي، وما يعطي المتن القرائي مبرره في أن يقترح حالة التضاد تلك، هي نفس الصلة التي أوجده المتن الكتابي الاولي، وهي الفعل (يناولني) والصفة (غرور) وايضا تتكشف لنا عندما نربط تلك الدلالات بمرجعياتها حيث الضوء معطى كوني، بينما النوم معطى انساني ذاتوي، تعمقه صفة (غرور) التي اراها صفة تقف بالضد من تسلط الضوء؟، الذي يوحي بالاستيقاظ على دلالة (النوم) المعاكسة.
أما في [ويرتبك الجسد في فوضى الطين] فالنص الكتابي يرينا حالة التداخل مابين طرفي المقطع القائمين على (الجسد – الطين)من خلال حرف الجر (في)، بيد ان المتن الاخر وهو المتن القرائي يقترح علينا ايقاعا اخر للدلالات، بعدما كانت بالمقاطع السابقة متوزعا مابين نقطتين هما (الذات) و (الكون)، نراه في هذا المقطع يدمج كلا الطرفين في كيان دلالي واحد وهو الفضاء الكوني، حيث أن الجسد والطين هما معطيان كونيان، وايضا ما يوحيان به، أو ما يقدمانه كدلالة قرائية حيث الارتباط مع السر الكوني لولادة الذات الانسانية، وهي العلاقة مابين الجسد والطين، تناصا مع الحكاية الدينية للخلق، وكذلك ارتباطه بـ(الماء – العشب).
أما في الومضة الثالثة والاخيرة وهي ( عندما يسقط القلب):

القلب سلم في الريح
............ريعان الفجيعة
القلب يغريه تحرك الرمل
......في يديك
القلب مصيدة العائدين من انكساراته
القلب هو ان اقفل القلب.

فنلاحظ بأن المتن الكتابي لهذا المقطع، يقوم على علاقة تقابل بين الطرفين الذين اجترحناهما كمقولتين للنص وهما (الذات) و (الكون)، اما المتن القرائي فيقترح رأيا مفارقا لما اظهرته المقاطع السابقة، حيث يتداخل الطرفين، إذ تقوم الذات متمثلة بـ(القلب) بالاندماج بالكوني ممثلا بالريح، ويأخذ هذا التداخل نفس الوتيرة في العبارة التي تليه [القلب يغريه تحرك الرمل]، ولكن ما يثير في هذا المقطع وبعد ان تعددت ايقاعات النص بصعود الذات ونزولها في مواجهة الكون، نرى النص يختم مقولته انطلاقا من نفس المصدر بقول الشاعرة [القلب هو أن اقفل القلب]، أي ان هذه الخاتمة تعلن بأن الذات لتأخذ هويتها الذاتوية تكون متجهة الى نفسها بحالة من التوحد وليس الانفتاح على الفضاء الاخر/الكوني الذي اغفلت في هذه الخاتمة أي اشارة اليه..
هذه محاولة بسيطة بأقتراح متن قرائي ربما يلقي الضوء على بعض ما عن لي وانا اقرأ نص (ومضات) للشاعرة المبدعة ضحى بوترعة، واتمنى ان اكون قد وفقت في الوقوف على اعتاب النص ومحاولة استقراء بناه الجمالية، ولي وقفات اخرى مع نصوص المبدعة بوترعة في قابل الايام انشاء الله.

amjednjem@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: