الأربعاء، يوليو 16، 2008

صباحكم أجمل \ طير المسا

زياد جيوسي
رام الله تشدني بقوة هذا الصباح وأنا أستعد للسفر منها بالغد إن شاء الله، تشدني بقوة رغم أني مسافر معها ومنها واليها، أضمها إلى صدري وأزرعها في الروح، أداعب شعرها الناعم الحريري، فهي دوما في حقائب سفر القلب، لكن هذه المرة للسفر معها طعم آخر، نكهة أخرى، ففي مركز رؤى في عمّان الهوى، سيكون الثلاثاء القادم الثاني والعشرون من هذا الشهر، افتتاح معرض صوري عن رام الله، سيكون المعرض تحت عنوان: صباحكم أجمل – رام الله، حيث ستكرس فيه قصة عشق رامية بعمر الزمن، مزروعة الجذور كسنديان عتيق، كفيء زيتونة رومية باركتها هذه الأرض المعطاء، والفضل في هذا المعرض يعود للسيدة الرقيقة سعاد العيساوي، مديرة مركز رؤى التي التقطت عيناها صور رام الله التي أرفقها مع مقالاتي والتقطها بعدستي، فخاطبتني وتبنت الفكرة بالكامل، فلها الفضل بعد الله بخروج هذا الحلم إلى أرض الواقع.
في مقالي الصباحي السابق بعنوان: صباحكم أجمل \ يا مختار المخاتير والذي تكرمت صحيفة القدس المقدسية مشكورة بنشره وإعطاءه مساحة جيدة، كما عودتني بادراتها ورئيس تحريرها، بإيلاء سلسلة صباحات الوطن الاهتمام، والذي أشرت فيه لبعض القضايا التي تهم الوطن والمواطن، وبمجرد أن نشرته الصحيفة حتى وجدت تجاوبا جميلا ممن انتظرت منهم أجوبة، فقد اتصل الصديق العميد عدنان الضميري الناطق الرسمي باسم الشرطة الفلسطينية، ليبلغني رسالة من اللواء حازم عطا الله مدير عام الشرطة ، بأن الشرطة ستقوم على حسابها الخاص بوضع أحواض للشجر بدل التي جرى اقتلاعها وتدميرها، وستقوم بزراعتها أيضا، وطلب مني أن نبقى على تواصل لوضع أفكار ليكون عمل الشرطة خدمي مجتمعي أيضا، إضافة لدورها التنظيمي والتنفيذي، فكم سيكون رائعا أن نرى ذات يوم رجال شرطتنا يقومون بحملة تشجير في كل محافظات الوطن كمثال، فشكرا للواء حازم والعميد عدنان وشرطتنا الوطنية على الاهتمام السريع، فرائع أن يكون لدينا ضباط شرطة مثقفون ومهتمون، يتابعون ويقرؤون، وآمل أن أعود من سفري لأجد أحواضا جميلة وأشجارا أجمل، وخطوات فعلية لإزالة المخالفات والتعديات التي تراكمت ملفاتها في أروقة وزارة الحكم المحلي، ولم تجد من يساند من أجل إزالتها، فبقيت على الرفوف بدون تفعيل، فالوزارة تقرر ولكنها بحاجة لمن ينفذ، ويفرض القانون على الكبير قبل الصغير.
وفي نفس الوقت التقتني السيدة نهلة أبو قورة مديرة الدائرة الثقافية في البلدية وأبدت اهتمامها، كما أبدت رئيسة البلدية اهتمامها بالموضوع، وكذلك صديقي أحمد أبو لبن مدير البلدية، الذي قال: ربما تقع بعض الأخطاء ولكن المهم أن تتم معالجتها، وفي جانب آخر ابلغني صديقي مروان طوباسي وكيل وزارة السياحة باهتمام الوزارة بموضوع مقام أبناء العوام في بلدة حبلة الذي أشرت إليه، وأعلمني عن مشروع ضخم لجعل قصر هشام نقطة جذب سياحية، وهذا الموضوع أشرت إليه بمقال سابق بعنوان: صباحكم أجمل \ مدينة القمر، حين زرت أريحا ووجدت الإهمال يحيط بقصر هشام، ولا أنسى اتصال صديقي الشاعر عبد السلام العطاري مدير مكتب وزيرة الشباب، ليعلمني أن السيدة تهاني أبو دقة وزيرة الشباب مهتمة بشكل خاص بما طرحته عن نادي حبلة الرياضي والثقافي، فشكرا لهم جميعا، وشكر موصول لصحيفة القدس واسعة الانتشار والتي تحظى بمتابعة واهتمام أولي الأمر، وآمل أن تنفذ كافة هذه الوعود ولا تتبخر في الهواء.
ما زالت رام الله تحتفل بعرسها الثقافي والفني والحضاري، فقد توالت الاحتفالات والمشاريع بمناسبة الذكرى المئوية لإنشاء بلدية رام الله، فكانت مهرجانات الدبكة والتراث، وحملة لمكافحة التدخين لدى الصغار بالسن، وجرى توسعة أرصفة وإزالة عوائق، ولعل الأهم هو إعادة إحياء عين مزراب، فهذه العين الواقعة في شارع يافا كانت مزود كبير للماء لمدينة رام الله، وإن كانت جفت مع الزمن ولم يتبقى منها إلا القليل من تسرب الماء، فقامت البلدية مشكورة بإعادة تصميم المكان ليكون حديقة جميلة للسكان بتلك المنطقة، وهذا جزء من إعادة الروح لعيون ماء رام الله التي منحتها أسماء أحيائها، وهي كثيرة ولها تاريخ كبير وقديم، فالحضارة نشأت حيث وجدت المياه.
وفي جانب آخر أحيا بيت الشعر كعادته السنوية أسبوع فقيد الثقافة الفلسطينية الدكتور حسين البرغوثي، فبدأ الإحياء بمعرض فني جميل لصديقي الفنان التشكيلي مروان العلان، الذي استقى لوحاته من كتاب زهر اللوز للفقيد الكبير، وعلى مدار أيام كان هناك تكريم للمعطائين في الوطن، فقد جرى تكريم الشاعر الصديق محمد حلمي الريشة باحتفال جميل، كما جرى تكريم الزجال الشعبي والباحث في التراث نجيب صبري، والباحث حسين سليم العطاري، وسيجري تكريم الدكتور خليل عثامنة أيضا، فكان جهدا رائعا ولفتة كريمة من بيت الشعر ورئيسه الشاعر الصديق مراد السوداني وزملائه ، فقد تميز بيت الشعراء والثقافة "بيتنا جميعا" بمبادراته الجميلة والهامة.
فحق لرام الله أن تفخر بأمسياتها الفنية والثقافية، وببلديتها ومحافظها وقيادة ورجال شرطتها، وأبنائها الغيورين عليها، فجعلوا منها أنموذجا يحتذى به، فآمل أن تقتدي محافظات الوطن جميعا بها وبهم، فنخلق وطنا أجمل رغم أنف الاحتلال وخفافيش الظلام.
أسير في دروب رام الله بهذا الصباح الندي الجميل، أتفقد الياسمينات وأشجار زرعناها بحملة تشجير رام الله، أتنشق عبق الياسمين والنسمات الغربية، أعانق طيفي البعيد الجميل، الذي كان وسيبقى أجمل براعم الياسمين، يمنح روحي بذكراه وأمل اللقاء كل جميل، يجعلني أرى الحياة أجمل، رغم البعد والمسافات، فاستعيد ذاكرة عمان الهوى، ورحيلنا عن حي جميل في الأشرفية حيث ترعرع الهوى في الروح واجتاحها، وحيث عشت فيه كل الأحداث المؤلمة في لحظات غياب العقل وصراع الأشقاء، والتي خلفت الآم وقتلى كثيرون، وشقت المجتمع والأهل، وتركت بروحي جراح لا تنسى من مشاهد قتلى وتدمير وصراع، وانتقلنا إلى حي الأرمن حيث أكملت الثانوية العامة، وفي تلك الفترة تقاعد والدي من سلك الشرطة الأردنية، وعمل تاجرا وكنت أعاونه في بعض الأوقات، ولم ترغب روحي التجارة أبدا، ورغم الرحيل فإن الحي القديم لم يفارقني، فبقيت أزوره باستمرار، أستعيد الذكرى تلو الذكرى فيه، وأما حي الأرمن فلم يترك في الذاكرة الكثير، فمعظم أوقاتي كانت خارجه وكذلك أصدقائي، وكنت في ثانوية حسن البرقاوي بتلك الفترة الجميلة من حياتي، ورشحتني المدرسة في أول مسابقة لأوائل المطالعين على مستوى المملكة، فكان ترتيبي الثالث، وأهدتني وزارة التربية والتعليم قاموس المورد هدية، ما زلت أحتفظ به وسام فخر واعتزاز، وقدمت امتحانات الثانوية ونجحت بمعدل جيد، لأجد نفسي بمواجهة استحقاق السفر وتأمين مقعد جامعي، فكان علي أن أعتمد على نفسي بالكامل، فكان سفري للشام للمرة الثالثة في حياتي خلال عام واحد، شآم الحب والعز والذكرى الطيبة والجميلة، والتي سيكون لبردى والشام وقاسيون أثر كبير في حياتي، لألتقي المرحوم أبو منهل جهاد قرشولي، الذي ذهبت إليه بتوصية من أصدقاء، فساعدني بالحصول على منحة دراسية في بغداد، وبقيت أواصر محبتي له قائمة، وكنت حريصا على زيارته دوما، ولم أخاطبه يوما إلا بالعم أبو منهل، حتى فارقنا من سنوات ليرتقي للعلا، تاركا في أرواح كل من عرفوه ذكرى طيبة وجميلة، وفي روحي وفاء لذكرى هذا العملاق المتواضع.
صباح آخر يا رام الله العشق والجمال، صباح يمتد حتى عمّان الهوى، صباح عابق بالحب والشوق ينازعني بين رئتي الصدر الواحد، بين هوى مدينتين، وشوق لغائب حاضر وحروف خمسة، أعود لصومعتي الصغيرة المعبقة بروائح اللافندر والياسمين، أتصفح صحيفة الصبح التي أحضرتها، أحتسي القهوة وروح طيفي، استمع لشدو فيروز:
"فايق يا هوى لما كنا سوا، والدمع سهرني وصفولي دوا، تاري الدوا حبك، وفتش عا الدوا، فايق لما راحوا اهالينا مشوار، وتركونا وراحوا وقالوا أولاد صغار، ودارت فينا الدار ونحنا أولاد صغار، والهوى جمعنا وفرقنا الهوى، طير المسا جاي من سفر طويل، على باب الدارة تبكي المواويل، نطفي القناديل، وتبكي المواويل، ونسهر على العتمة اثنينتنا سوى"
صباحكم أجمل.

ليست هناك تعليقات: