الثلاثاء، أغسطس 18، 2009

بيت الشعر الفلسطيني يربط خيوط (كنعانيات) بقصائد الشعراء

من: زياد جيوسي / رام الله

لمناسبة القدس عاصمة للثقافة العربية، واحتفاء بالذكرى السنوية الأولى لوفاة الشاعر الكبير محمود درويش، كانت ثلاثة أيام جميلة عاشتها رام الله، ثلاث أمسيات حفلت في الشعر والفن، فقد تم افتتاح معرض (كنعانيات) للكاتبة والفنانة زهيرة زقطان، الذي تضمن لوحات من أعمالها المطرزة بالحرير، والتي أجادت بها زقطان من خلال أظهار تقنية فن التطريز الفلسطيني والتي تروي من خلالها حكاية الشعب الفلسطيني والقدس منذ كنعان الأول حتى يومنا هذا.

وفي هذا سياق كان للقصيدة دورها في التحليق من خلال أمسيتين، وكان لفرع فلسطين لاتحاد كتاب الانترنت العرب مشاركته في الأمسية الأخيرة من خلال الشاعر عبد السلام العطاري.

ضمت الأمسية ثلاثة من أجمل الشعراء: كوثر الزين؛ الشاعرة التونسية التي عشقت فلسطين وأصبحت تسكنها وتنتمي إليها دون أن تنسى الوطن الأم الذي ترنو عيناه لفلسطين بانتظار اللقاء.

الشاعر ماجد أبو غوش الذي يسكن الجرح روحه فيعلو صوته صارخاً باحثاً عن الحرية.

و الشاعر العطاري الجميل بتأكيده عروبة الوطن وكنعانيته الباذخة من خلال شعره وقصيدته المبدعة دوثان.. كل من شعرائنا القوا بعضاً من القصائد التي راقت للحضور الجميل، بحضور وزيرة الثقافة الفلسطينية، وهذه الأمسيات جاءت في سياق نشاطات موعودة ودائمة لبيت الشعر الفلسطيني.

وقد ألقى الشاعر مراد السوداني كلمة يوم الافتتاح قال فيها:

زهيرة زقطان .. وخيط الأرجوان البليغ

مراد السوداني

"كنعانيات" اسم المعرض الذي اجترحته الفنانة الكاتبة زهيرة زقطان وهي تقترح الاستثنائي والمختلف في سياق مشروعها المحمول على إرث كنعان الناجز .. حيث تبحث في الأحافير والأساطير على "أرض الغزالة والأرجوان".

بيد مدرّبة حاذقة، تدرز زهيرة إيقاع لوحاتها .. فنرى فيوضات الأرجوان الرابخ على جذوة الألواح الكنعانية .. فيهدل طير .. ويخضرّ التراب ويرتفع الغناء إلى قباب الماء في الأقنية وخلل الحجارة المعاندة وحقول الزيتون المضيئة بأغاني الكنعانيات الذاهبات إلى ليل المعابد بأقواس الغار والزيت المقدّس، خزّافات الأرجوان على جسد أوغاريت، ونداءات خفية أعلى من جذرها (سالم اليبوسي) أقرب نقطة بين السماء والأرض .. هناك على السور الجسور علّقت الأدعية وترك الحرّاس نظراتهم لحراسة المدينة من جراد قادم .. وسواد سمين..

سيكون للتوحيد إرنانه الوسيع على تلة (إرنان اليبوسي) .. هدير العرب القدامى المحجّل بصهيل الجياد على الأسوار ، فتحتشد أبراج الحراسة بدقّات قلوب الطير والشجر الصاحي على صخرها الصعب ..

بالجياد ذاتها .. بصليل الصهيل ذاته.. بنُشّاب المعنى والكلام الطافح بنفسجاً أوراه ذابح هتّاف .. بالأرجوان الذي يتصبّب يخضوراً نحاسياً .. بقبضة من حنّون باب الواد .. بالنشيد الحماسي .. وذاكرة المكان .. ومكان الذاكرة .. تفضح زهيرة باقتدار رواية النقيض التي فبركها زوراً وادعاء .. وهي بذلك تؤكد حقيقة البلاد وحقّنا الذي لا يقبل القسمة أو الاقتسام .. فإما فلسطين.. وإما فلسطين.. هذه حكاية العشب الطالع من شقوق السور القديم وحنّاء المكان ..

هذه الحكاية المهجوسة بأسباب الحياة وفضائل أجدادنا وفيض البركة الذي أفاضوه على يبوس فاستحقّت أن تكون أرض السماء وجنّة الأرض تؤسس لمدارات الخير والحرية والعدل والسلام الحقّ .. وإنها حبّة القلب والعاصمة إلى أبد الداهرين ..

قبرُ الغريب ..

إلى محمود درويش ..

بمُِنهَدِلِ الأحزانِ مُدَّ بي المدى

ورقّ لي المرقى وطوّفني الصدى

فعينٌ على القبر الغريب غمامةٌ

وأخرى مدامعها تَمدُّ لها يدا

تناوحتِ الأشجار ثكلى حوائمٌ

بمنسرِ وعرٍ جافلٍ صاحَ مُنْشِدا

فلا نادباتُ الحيّ يتركن بُقيةً

ولا حائماتُ الطيرِ يندهنَ للندى

ولا الصاحبُ النّساءُ فاض بعَبْرةٍ

كضحضاحِ بابِ الوادِ فاضَ به السُدى

حنانيك أفراخُ القصيد زواغبٌ

فاطلقُ لها ريش الكلام إذا شدا



فللدهر ما أرخى وللدهر ما أهدى

وللدهرِ ما أخفى وللدهرِ ما غدا

وإذا قلتَ للغيب الشفيف أنا هنا

فصرتَ سؤال الغيبِ جسّده الردى

وحكت الكاتبة والفنانة زهيرة زقطان الحكاية وقصة القدس والمعرض فقالت:

حكاية السور

كان ذلك حوالي 1150 ق. م، رجل إسرائيلي يسافر مع زوجته وغلامه، فيدركهم ليلٌ فلسطيني وهم قرب (يبوس) كما كان اسمها ذلك الوقت، وسيبدأ الإسرائيلي وغلامه بالبحث عن مكان للمبيت، وسيقترح الغلام على سيده بقوله: (تعال نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه، ونبيت فيها، فقال له سيده، لا نميل إلى مدينة غريبة لا أحد فيها من بني إسرائيل).

العهد القديم (التوراة)

كان عمر، يبوس، أو أورشليم، أو أورسالم، أو مدينة السلام، أو القدس، ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة (ق.م) وكان (الملك الصادق) ساهراً تلك الليلة على ليل صلواتها، رافعاً كأول مرّة يداً إلى السماء بالدعاء، ويداً بالتحية لحراس الأبراج فوق أسوارها.

مدينة ارتفعت فوق الصخر الصعب بأيدي فتية عرب، نادتهم التلال المقابلة لسكناهم، فانجذبوا للنداء، كانوا أموريين وعموريين، فنيقيين، كنعانيين، يبوسيين، من أم فوق الأرض للعبادة والصلاة.

وسيكون (ملكي صادق) كاهن الإله العلي، وعبد الرب فوق الأرض، يتلو من أعلى تلالها أن الأرض والسماء إله واحد.

سيكون نداؤه بالتوحيد من قمة تلة (أرنان اليبوسي) وسترتفع عشرات المعابد فوق كل تلة فيها ملتصقة بأول الشجر (زيتون القدس) وبهواء أخضر له رائحة أولئك العرب القدامى .

بعد أكثر من ثلاثة آلاف سنة، سيأتيها (يوشع بن نون) بعد أن أحرق أريحا، وسيقف على أبواب أسوارها، وستحمي هذه الأسوار صلوات شعبها وسيمر مائتا عام، على جيش (يوشع) واقفاً خلف الأسوار، وسيقضي حتفه قبل أن تدبّ خطواته المحتلة شوارعها المغسولة بالأدعية.

بعد ذلك سيحتل (داود) عبر نفق ماء يسقي المدينة (يبوس) وسيصعد إلى (تلة إرنان اليبوسي) والحصن لتكون مدينتهم لمملكة لم تعمر في التاريخ أكثر من سبعين سنة.

سيأتي غزاة ويعودون، حتى تخرج (أوغاريت) 1929 م بمكتشفاتها التي قلبت التاريخ، ستخرج آثار المدن والمعابد والرسوم والهياكل، ألواح الطين الممتلئة بالكتابة بتاريخ المنطقة وعمرها، بالمسلات الحجرية المحفورة بالرسوم والزخارف والكتابات وشهادات ميلاد، المنازل والأغاني، الملاحم والآلهة، عمر الأشجار، وعروش الملوك الكنعانيين، فتصادر بحقائقها كل مغالطات (التوراة) التي كان المرجع الذي استخدم مئات السنين كمرجع وحيد لتاريخ منطقة سوريا الكبرى. ستأتي مئات البعاث إلى المكان، مؤرخون ومنقبون، وعلماء آثار ولغات، يخرجون الحقائق كل يوم.

وفي القدس ستبدأ (كاثلين كينون) الباحثة البريطانية حفرياتها في المدينة منذ الخمسينيات وحتى أواخر الستينيات، وسيكون كتابها (القدس) وثيقة من أهم الوثائق التي تعيد للمدينة تاريخها، وبأنها (يبوسية) لم تبنى من أحد قبلهم، وستجد بقايا السور اليبوسي القديم والحصن، قنوات الماء والمقابر وستعيد تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة ق.م. نافية تماماً أي أثر معماري أو حضاري يعود إلى زمن (داود) ونافية وجود الهيكل تماماً .

في خطبة (سياتل) رئيس قبيلة الهنود الحمر، التي ألقاها أمام الحاكم الأمريكي حين جاء ليخرجهم من منازلهم، بأنكم ستأخذون أرضنا بالقوة، فأنتم الأقوى، ولكنكم لن تكونوا وحدكم.

يتحدّث عن لحظة صمت على تلك البقعة، فيها ستعلو أصوات أبناء القبيلة، خطواتهم وهم عائدون من الصيد بالطرائد، سيكون الغناء البهي عذباً، كما خطوات أقدامهم التي تدقّ طريق العودة، أما القادمون الجدد فستتحرك دائماً عظام موتى المقاتلين الذين دافعوا عن الأرض والتي اختلطت بالتراب والأجداد، النائمون بحكمتهم تحت الأرض، منذ وجد الهندي الأحمر في المكان.

سيقول (سياتل) : سنكون دائماً هنا، لذلك لن تكونوا وحدكم .

رحل الرجل وبقيت خطبته الخالدة، الأغاني، وعظام الموتى و(سياتل) .

أقول على هامش كلمته ،،

لو جاء سبت صامت، ونام الضجيج قليلاً، وهبت ريح قادمة من زمن البداية فستحمل هواء قديم أخضر، يخرج من تلة (أرنان اليبوسي)، من الحصن، وقنوات الماء، على الشوارع المبلطة بالحجارة، وساحات علت فيها أغاني الكنعانيات بفرح عودة (بعل) إلى الأخضر، ستدقّ أقدامهنّ الأرض بأسبوع من الرقص المقدّس، تلك النساء الباهرات، منجبات الأطفال، أمهات الفتية، قاطفات الزيتون، عاصرات الزيت، مقطرات عطر الورد، زارعات النعناع والريحان، كاهنات المعابد، مضيئات الشموع، ناسجات الأحمر خلف الأنوال الخشبية، راسمات الزخارف على ثياب الكهنة، زارعات قمح خيول الآلهة، قاطفات الحنون لربيع العائد . منتظرات الرجال العائدين من صيد الأيائل، وحراسة الأسوار، حارسات الانتظار في غياب (النائم في الحقول). سيخترق صوت الرواة صمت السبت والإعلام والمغالطات ومطر الرصاص فوق جسد الفلسطيني .

بحديث عن يوم من أيام ملك يمشي بخطوات هادئة، فوق رصيف الحجارة، يبارك طفلاً، ويصبّ زيتاً مقدساً على كتف عروس، ويتلو صلاةً لروح ميت (نام قرب حبيبته الأرض) ينشر الشرائع والحكمة. ويرفع يداً للحراس، يقول للقادمين المدججين بالخرافة المسلّحة .

لن تكونوا وحدكم ، فنحن دائماً هنا، كنا منذ كنعان وحتى دمنا

زهيرة زقطان

ليست هناك تعليقات: