الاثنين، أغسطس 03، 2009

قصة مهاجر

مفيد نبزو
بين أحضان الطبيعة الغناء التي تسحر الألباب ، وتخطف الأنظار بشموخ جبالها ،وعذوبة ينابيعها المترقرقة بانسياب وانثيال بين الصخور القاسية الصلدة، وأشجارها المتنوعة بأصنافها المثمرة وغيرالمثمرة، والتي يمتلك التفاح مساحة كبرى فيها، إضافة إلى نباتات برية وأشواك عديدة كأنها الحياة بمرارتها وحلاوتها.
هذه كلها تنبت من ذاتها على امتداد هذه الأرض الجميلة الخلابة بوديانها التي كأنها عبقر الجن والوحي والإلهام، ونسماتها الباردة المنعشة صيفاً، ورياحها الهوجاء ،وأعاصيرها ، وثلوجها شتاء.
بين تلك الدروب المتعرجة الضيقة تغفو تلك القرية الصغيرة المتواضعة المعروفة بطيب أهلها وبساطتهم، وحبهم للعمل في الحقول والبيادر شأنهم شأن أغلب سكان ريفنا الطيب المعطاء.
وفي تلك القرية تسكن عائلة شاء القدر أن يمتحنها، فتحولت أفراحها إلى أتراح، حين أغمضت الأم عينيها ،ونامت نومتها الأبدية ، لتعيش هذه العائلة بعدها بحالة مزرية، وفقر شرير ، بعد أن كانت تنعم بخيرات وفيرة وملكية لاتحصى،، وكأن وجود الأم هو مفتاح البركة ، وبغيابها أغلقت الأبواب ، وطارت البركة إلى غير رجعة لتبدأ حياة التخبط الأعمى.
لقد كان أول قرار يتخذه الأب بعد أن كسر الموت جناحيه ، هو الانتقال إلى بلدة في محافظة حماة تدعى (محردة) للعمل فيها، وليؤسس حياته من جديد مع ولده الكبير المتزوج من نفس القرية، وابنتيه اللتين تزوجتا فيما بعد في محردة،، وولده الحائر الغريب بين أهله ، والذي عاش وحيداً ، وذاق مرارة الحياة بكل أشكالها، وخاصة حين صار يعمل عملاً شاقاً بلقمة عيشه فقط ، وفي الليل يأوي إلى غرفة طينية قديمة كي ينام نوم المشردين .
أما الأب فقد راح يعمل بالبناء ، وفي السقيلبية تعرف إلى تلك المرأة السقلوبية الجميلة التي اختارها زوجة له ، وأنجبت منه طفلة سرعان ما شبت، وأصبحت صبية تلفت الأنظار بجاذبيتها ، وسحرها المتميز بقوام رشيق ممشوق، وتناسق رائع، ووجه دائري أبيض ينضح بالإشراق ، وعينين ساحرتين آسرتين.
تزوجت في كفربهم ،وتوفاها الله بعد الولادة السادسة. ولأن الأب سبق وزار الأرجنتين بقصد العمل ، كما كان يفعل غيره هرباً من الفقر والجور والاستبداد العثماني آنذاك،، فقد قرر أن يتجه هذه المرة صوب البرازيل ، ولا سيما أن هناك أعداداً غير قليلة من منطقته الجبلية بل من قريته هاجروا واستقروا هناك في تلك البلاد الغريبة بالوجه واللسان.
طالت الأيام على الولد الذي بقي حائراً يعاني العوز والفاقة ، والعذاب تلو العذاب ، فراح يراسل والده إلى البرازيل خطياً من خلال أحد الأشخاص الذين يكتبون ، عسى أن يرسل له كرت ( الناولون) بطاقة الحجز ، ولكن الرسالة تحتاج إلى شهر للوصول وشهر آخر للعودة إلى سوريا ، وكذلك لم يكن قد مر على الأب مدة زمنية طويلة ليستطيع تأمين ثمن بطاقة الحجز لولده ابن الستة عشر عاماً إذ كان يحمل الكشة وماعليها من بضاعة ، ويدور ليلاً نهاراً على أقدامه بين الأحراش والغابات والبيوت المتفرقة في كل مكان ، وعلى مساحات واسعة شاسعة، عسى أن يبيع قطعة من بضاعته.
ومرت الأيام والمعاناة تتلوها معاناة قاسية مريرة، إلى أن جاء الخبر السار من لبنان فتلقاه هذا الابن الحائر بفرح عامر، وكان ذلك عام 1961 م ،فقد تم الحجز في الباخرة ، وعليه أن يسافر إلى لبنان قبل ثلاثة أيام من انطلاق الرحلة.
جاء الابن من قريته الجبلية إلى محردة ، ماشياً على أقدامه منذ أول طلوع الفجر، وكان يرتدي بنطالاً مرقعاً برقعتين صغيرتين من الأمام ورقعة كبيرة من الخلف ، وكان خط سيره إلى حزور فعين حلاقيم ثم إلى قرية البياضية ليستريح من عناءالسير عند امرأة عجوز من قريته متزوجة في البياضية ، ويتناول طعام الإفطارعندها ثم يتابع سيره ماشياً لأنه لا يملك ثمن المجيء بسيارة إلى حمص ثم حماة ثم محردة في ذلك الوقت رغم أن المبلغ زهيد جداً.
وعندما وصل إلى محردة أخبر أخاه الكبير ، عسى أن يسافر معه إلى لبنان ، ولكن الذي حدث أن أخاه سافر معه إلى حماة فحمص وهناك أمنه مع سائق السيارة إلى بيروت وقفل راجعاً.
كان الوصول إلى بيروت لهذا الولد الحائر ابن السبعة عشر عاماً مشكلة حقيقية ، فهو أمام مدينة مجهولة له تماماً. حمل محفظته وراح يسأل في الحي البيروتي عن عائلة من قريته تسكن في ذلك الحي ، وعندما اهتدى إليها أعلمته الزوجة أن زوجها يعمل منذ الصباح وحتى وقت متأخر من الليل ، وكان الانتظار عند تلك العائلة التي أحسنت استقباله صعباً ، والساعات ثقيلة بطيئة حتى صباح اليوم الذي ودع فيه هذه العائلة ، وراح باتجاه المرفأ ليشاهد آلاف الناس المهاجرين ومن معهم ممن جاؤوا ليودعوهم، إلا هو فقد سلم أوراقه ، ودخل الباخرة بغصة ودموع عصية ، وتمزق داخلي،وشعور بالغربة المتوحشة قبل أن يذوقها، أو يتعرف إليها.
قاده أحد المعنيين إلى غرفته في الباخرة، وهذه الغرفة عبارة عن أسرة موضوعة فوق بعضها ، وعلى السرير المخصص له رمى حقيبته الصغيرة ، واستلقى قليلاً ريثما تبدأ الرحلة ، وتنتهي أو تبدأ قصة التشرد الأعمى، فراح في تأمل بعيد لما وراء المجهول.
تقدم الرحلة وجبات الطعام لركابها مدفوعة من خلال بطاقة الحجز ، ومع هذا فقد كانت اليد البيضاء لذلك المهاجر اللبناني المجاور له بسريره في نفس الغرفة ، والذي عرف أن هذا الولد لا يملك شيئاً ، فإذا به يشتري من (البوفيه ) ما تشتهي نفسه ويحسب حسابه في كل مرة، وفي كل ما يشتريه ليخفف عنه وحدته، وإحساسه بمرارة الضياع والغربة، وفي ليلة سوداء فاحمة أصبحت الباخرة –على غير عادتها- تسرع بسرعة جنونية ، وبعدها علت الأصوات أن أغلقوا الأبواب كلها ، وعاش الركاب بهلع تقشعر له الأبدان وتشيب له الرؤوس حين أحس الركاب بأن موعدهم مع الموت غدا على مسافة قريبة منهم دون أن يعرفوا الحقيقة.
ومرت اللحظات العصيبة ببطء وتشنج ورعب، إلى أن أعلنوا : افتحوا الأبواب فقد زال الخطر، وأصبحت الباخرة في مسافة الأمان ، وخرج ذلك الولد الحائر ليرى من شرفة الباخرة ما لم يتمناه ، وما لم يحب أن يراه إنسان ، فقد كانت الباخرة الأخرى المجاورة لهم تحترق إذ اشتعلت النيران فيها، ولامفر ولا خيار لركابها إلا أن يرموا بأنفسهم في لجة البحر ليكونوا فريسة الأمواج غرقاً ، قد يكون أكثر رحمة من ألسنة النيران المتطايرة، وصوت وشيشها وفرقعتها ، وكانت المشاهد المؤلمة التي تسجل بقلم الأسف والكآبة واليأس كارثة إنسانية، ومن هذه المشاهد التي التقطتها عدسة الولد الحائر: أم في حضنها طفلها الصغير ورأسه على يدها تضمه بلهفة سقطا بين أنياب الغرق وماتا موتة غريبة لا وصف لها، وكذلك جدة عجوز علقت بين مخالب الأمواج وماتت موتة لا تعبير يعبر عنها، وصبية في عمر الورود زفت للموت عروساً، وابتلعت بكورتها وسحر جمالها أمواج هذا البحر الغاشم ، وشاب هناك يصارع الأمواج ، وشاب هاهنا يتعلق بخشبة قد تكون القشة التي تنقذ الغريق.
كانت الطائرات \ الحوامات\ تملأ السماء ،وكانت ترمي بحبالها التي تنتهي بصناديق خشبية مفتوحة من الأعلى ، ترميها في أماكن القنابل الضوئية التي ترميها طائرات أخرى تشير إلى أنه يوجد أناس أحياء يتحركون في هذه المنطقة أو تلك ، لتقوم فرق الإنقاذ وهي بأقصى استنفارها بإنقاذهم ، وكل ذلك حدث في مكان قريب من جبل سمعت أنه يدعى جبل النار.
وبعد مضي شهر تقريباً على الصراع مع الأمواج ، وبعد كل هذا الرعب وهذه الويلات وصلت الباخرة إلى شاطئ ساو باولو بأمان، وجاءت وفود المستقبلين تستقبل القادمين إلا هذا الولد الحائر الذي لم يبق سواه ولا يوجد أحد يستقبله ، فجاءه رجال البوليس البرازيلي ، لأنه وحيد وتحت السن القانونية ، ولم يجدوا من يستقبله ، رغم ظنه أنهم جاؤوا ليعيدوه إلى سوريا من جديد.
تحدث رجال الأمن معه فلم يفهم عليهم ولم يفهموا عليه ، ولذلك أخذوه بسيارتهم إلى ثكنة عسكرية كبيرة، ووضعوه في غرفة مؤمنة بكل ما يحتاجه من طعام وشراب ، وسرير للنوم ، ولكنهم فتحوا حقيبته ليأخذوا العنوان الذي جاء إليه، وراح رجال البوليس يبحثون عن العنوان في كوريتيبا، بارانا، سان جوزيف، وتلك هي المنطقة التي يسكنها أبناء العرب، ودام الأمر مدة طويلة، حتى جاء اثنان من أبناء قريته ليستلموه، فقال أحدهم له: إذا سألك الضابط البرازيلي : بابا قل له : سي بابا ثم تكلم مع الضابط البرازيلي الذي طلب الهوية الشخصية من هذين الشخصين ، وطلب من الولد جواز السفر ليقارن بينهما ، ولما عرف أنهما غير متطابقين، ولكن أصرا على قرابتهم له، ومعرفتهم بوالده الذي خرج للبيع في منطقة بعيدة، قرر رجال البوليس البرازيلي أن يسلماه لهما، ولكن بعد أن صوروا هوية الشخصين ، وأخذوا عنوان كل منهما، وتعهداً والتقطوا لهم صوراً إفرادية وجماعية ، وكل الاحتياطات اللازمة والإجراءات المطلوبة .
ذهب الثلاثة إلى الفندق الذي ينزل فيه أبناء العرب ، ليجد والده للتو قادماً من البيع كي يضع بضاعته في الفندق، ويذهب لاستقبال ابنه. وبدأت رحلة الغربة المريرة أكثر من سبعة وأربعين عاماً، وكانت العودة إلى أرض الوطن أشبه بحلم ، نام فكان، واستيقظ فتلاشى، وفي محردة شاهد مدينة عصرية متطورة في كافة المجالات، وعلاقات اجتماعية عالية المستوى ، ولذا لم يكن يحب أن ينام ويغمض عينيه ولو للحظة، وإذا غالبه النعاس يستيقظ باكراً ليتجول بين شوارع المدينة وأحيائها، ومواطن طفولته وذكرياته .
تحدث كثيراً ، وفرح كثيراً ، لكأنه ولد من جديد ، وترك عبارة قبل أن يعود عبارته الصادقة ( الله لا يموتني إلا في هذه الأرض الطيبة الطاهرة)..

ليست هناك تعليقات: