الخميس، مايو 01، 2008

إضراب


د. حنان فاروق
التصقت بفراشي أثناء محاولات أمي المستميتة لإيقاظى في موعد عملي .. بعثرت حروفاً متآكلة لم تستفق بعد .. لم تفلح مجاهداتها المسكينة في فتح أجفاني إلا عندما أحضرت ذلك المنبه الضخم المستدير وأطلقت صرخات أجراسه المجنونة على آخر أمل لي فى إنقاذ نومي المذبوح..

هببت من بين أكوام الأغطية وجلست في وسط الفراش واضعاً يدي على خدي...(لماذا توقظينني يا أمي؟؟) خرج السؤال من بين شفتي مبللاً بدموع الإعياء..

ألقت بي أمي في شباك علامة استفهام كبيرة رسمتها على وجهها فاليوم ليس بإجازة ..والوظيفة التي فزت بها أخيراً بعد أن دفَعَت فيها جلّ ماتملك لاتحتمل تلاعبات قد تودي بها وأنا بعدمازلت فى شهور تعييني الأولى....

قررت أن أنقذها وأنقذنى من وقفتها المشدوهة ..بالكاد استطعت أن أفسح مكاناً لحروفي بين سيل لومها المنهال على رأسي لأخبرها أن اليوم إضراب عام ..

صرخت من أعماقها كأنها تحملني لمثواي الأخير : (مالنا نحن والإضرابات..مالنا نحن والسياسة...سأحضر عمك فلان وخالك علان ليعيدوا عقلك إلى رأسك...)
ضاع نصف النهار وأنا أشرح لها أن عدم خروجي ليس مشاركة فى الإضراب لكنه فقط خوفاً من الشرطة المنتثرة فى الشوارع والعنف المتوقع حدوثه في مثل هذه الظروف..

لكن هيهات..لم يستطع غضبها الخائف استقبال المعلومة ولا نجحت أنا فى الاحتفاظ ببقايا النوم التي ظلت تداعب مخيلتي..كان الرعب قد تملكها ولم تعد هناك فائدة من أى كلمات..

ارتديت ملابسي هرباً من قفص اتهامها ونزلت في محاولة أخيرة لاسترضائها..طرقت باب جارى وزميل دراستي..أعرف أنه لابد يستمتع بأحلامه حتى الآن فهو لم يجد عملاً بعد..لأول مرة أحسده على ماهو فيه..لن يشك فيه أو يوقظه أحد ..

مددت إصبعى وضغطت الجرس شامتاً في نومه الذى سأبدده مثلما فٌعِل بي.. ضغطت الجرس مراراً بعصبية لكنه لم يفتح..أين أذهب الآن؟؟.....آه لو من الممكن أن أكسر هذا الباب وأخرجه من بين أحلامه أو أشاركه إياها ..؟؟؟..

تملكني اليأس..ليس أمامي إلا الشارع .. موعد العمل مرّ ..ماعاد يمكننى الذهاب إليه ..تلفت يمنة ويسرة..ليس هذا منظر شارعنا فى هذا الوقت من النهار..عساكر أمن مركزي ينتشرون هنا وهناك..وجوه أخرى لاتمت للأمن بصلة تدور بلا هدف ..أتتبع بطرف خفي مايحدث حولى..لماذا كل هذا؟؟؟.

أحسست بكتفي يهتز بلا مبالاة..نظرت في عيون من حولي خوفاً من أن يكون أحدهم قد لمحنى ....تجمعات بدأت تلوح ..فتيات ..شباب..يحملون لافتات عليها كلمات غاضبة..

قيدت عيني فى الأرض التي أسير عليها ....تحلق بعض العساكر حول أحد التجمعات..ساقوهم مرغمين إلى شاحنة كئيبة وأغلقوا بابها عليهم ..تعالت أصواتهم..أسرعت الخطى..أدركنى عسكري أمن مركزي جذبنى من قميصي..صرخت فيه بأنى ليس لي علاقة بما يحدث..سبني..ضربني وهو يفتح فم الوحش الذي ابتلع بعضهم قبل قليل..

ألقي بي داخله وأغلق الباب..انهمرت دموعي مع ارتجاف كل جزء في جسدي..تقوقعت في ركن من أركان الزنزانة المتنقلة..سألني من بالسيارة عني..عن انتماءاتي..لم أجب..صحت فيهم ليبتعدوا عني..ليت أمي لم توقظني..

قلت لها لا أريد النزول إلى الشارع...يالحظي..حتماً سأفقد كل شيء.....سأقول للمحققين الحقيقة..سأنفذ كل تعليماتهم بدقة ..سيصدقونني ويخلون سبيلي....وصلنا..أخرجونا من السيارة..

قذفونا في الحجز بعد تفتيش سريع...لأول مرة أدخل هذه الأماكن..يبدو أن البعض ممن معي مثلي من الضيوف الجدد..سددت أذنى عن حديثهم..بعضهم ثائر..بعضهم صامت...ماهذا ؟أحدهم يتكلم فى محمول...كيف أدخله إلى هنا...لم أفكر كثيراً..اقتربت منه..

سألته بهدوء أن يدعني أكلم أهلى..ابتسم وتعجلني..كلمت عمي..أجرى اتصالاته..وأخرجني بعد ساعات بعد أن تأكدوا أني لا أنتمي لأية حركات أو تنظيمات...لم أصدق أنى عائد إلى البيت..حين دخلت..ارتفع صوت أمي باللوم ثانية...لم أرد...دخلت إلى غرفتى...بحثت عن ورقة..كتبت عليها بخط عريض: إضرااااااااااااااااااااب....
علقتها على الباب وأغلقته من الداخل..دفنت نفسي تحت الأغطية..

http://fisabeelellah.maktoobblog.com/

ليست هناك تعليقات: