الأحد، مايو 18، 2008

سراب: محطات في الذاكرة


زياد جيوسي
منذ عدت لرام الله منذ أيام معدودة بعد غياب أربعين يوما، كان معظم وقتي في استقبال أصدقاء الصومعة، فكانت أمسياتي معهم في أحاديث الشوق والأدب والشعر، فلم يتاح لي أن أحضر أية أمسية من أمسيات رام الله الجميلة والمتنوعة، حتى كان اليوم الخميس، حين فوجئت باتصال من الفنان فؤاد فينو يدعوني لحضور أمسية سراب على مسرح قصر الثقافة، وقد سعدت بالدعوة لسببين، الأول أن أعود لممارسة حياتي الطبيعية في رام الله بمتابعة النشاطات الثقافية والفنية كعادتي، والثاني: أن التقي فرقة جديدة تقدم عرضها الأول، وقد تشجعت كثيرا حين عرفت أن موسيقى باسل زايد وشقيقه يوسف ستكون مرافقة للعديد من الأغاني والعرض، فمعروف مدى إعجابي بموسيقى باسل وأداءه الجميل، الذي دفعني لأن أكتب عنه فيما مضى دراسة متكاملة، وأنا من تابع نشاطه الفني منذ البدايات حتى أصبحت أعتبر باسل كواحد من أبنائي.
دوما كنت أقول لكل الفرق الجديدة والفنانين الذين يبدعون في بداياتهم، أن البداية صعبة دوما، لكن المهم أن نحافظ على زخم الانطلاقة الأولى ونطورها، ومن معرفتي بخبرة الفنان فؤاد فينو في مجال تصميم لوحات الرقص وخاصة التراثية منها، كان إحساسي أني سأجد أمامي عرضا متميزا ومختلفا، ولم يخني هذا الإحساس فما وجدته أمامي من جمال اللوحات الراقصة والأداء الجميل كان مشجعا للبقاء مدة ساعة ونصف تقريبا بدون أي شعور بالملل أو الشعور بأن ما أراه هو تكرار لما قدمته فرق أخرى وتميزت به.
العرض كان بمناسبة ذكرى النكبة الفلسطينية، ومترافقا مع احتفالات مئوية إنشاء بلدية مدينة رام الله، ووجد الدعم من مجلس البلدية، مما كان يثير بذهني التساؤل إن كان العرض سيكون مميزا أو استنساخا لما سبقه من تجارب، وللصدفة وحين جلست إلى مقعدي المعتاد الذي يندر أن أغيره في قصر الثقافة، جلست بجانبي طفلة لا أظن أنها تجاوزت العاشرة من العمر، رسمت على وجنتيها مفتاح العودة على وجنة وعلى الوجنة الأخرى العلم الفلسطيني، مما جعلني اشعر بالتفاؤل أن العودة حق لن يذيبه الزمن، ولن تنساه الأجيال، وأن العرض الذي سأراه يحمل روح الأمل والتفاؤل بتحقيق الحلم القادم بالصباح الأجمل.
بدأ العرض بعد إلقاء كلمات مقتضبة من رئيسة البلدية الأخت جانيت ميخائيل، وكلمة باللغات الثلاث العربية والانكليزية والفرنسية تُعرف عن الفرقة والنكبة، وهذه نقطة ايجابية لصالح العرض، فزيادة الكلمات الملقاة وتعدد الأشخاص الذين يعتلون منصة الخطابة تسبب لي وللجمهور دوما انزعاجا وشعور بالنعاس، ليبدأ العرض بعدها بفكرة مستحدثة اعتمدت على خمسة عناصر فنية كانت تشكل معا بوتقة متكاملة، لكنها أعطت التميز للعرض عما عداه من العروض، وهذه العناصر هي:
الأول: أن العرض اعتمد أسلوب الراوي الذي يحمل اسم ياسين نسبة لدير ياسين، هذه البلدة التي ارتكب بها الصهاينة المجزرة المعروفة باسمها إبان حرب التهجير والاقتلاع للشعب الفلسطيني من جذوره، فالراوي وهو يمثل دور الشيخ يروي على خلفية موسيقية قصة الشعب الفلسطيني من البدء حتى اللحظة، المقاومة والقتال والمجازر واللجوء والشتات والنـزوح والمقاومة.
الثاني: عرض الفيديو على الشاشة في خلفية المسرح، مما أعطى للرواية على لسان الراوي التمازج بين الحديث والصورة، فظهرت صور الهجرة والمجازر ومخيمات اللجوء في الشتات، بطريقة متناسبة تماما مع أداء الراوي.
الثالث: الموسيقى الجميلة التي ناسبت العرض بشكل كبير، فلم تفقده التواصل بين رواية الراوي والرقصات التي توزعت على ثلاثة عشر لوحة.
الرابع: تصميم اللوحات الراقصة، والتي تميزت بأنماطها المختلفة، ومازجت بين الدبكة والتراث، وبين أغاني فيروز وأغاني التراث والأغاني الوطنية.
الخامس: قوة الأداء والإتقان فيه، فرغم أن عدد المشاركين بالرقصات والدبكة قد وصل إلى أربعة وثلاثون شابة وشاب، إلا أنه لم يكن هناك من خلل بالأداء، وهذا يدل أن الفنانين خضعوا لتدريبات مكثفة ودقيقة، ولم يستعجل القائمون على العمل انجازه قبل أن يكونوا على ثقة بنجاحه، ورغم أن الفنانين من جيل الشباب في أعمار بين ستة عشر وعشرون عاما، إلا أنهم تمكنوا أن يجيدوا ويتقنوا العمل والأداء بطريقة ملفتة للنظر.
هذه العناصر وانصهارها معا في بوتقة واحدة، أعطت لسراب انطلاقة طيبة آمل أن يحافظوا عليها ويطوروها، وللحقيقة تمكنت الفرقة من خلال الراوي أن تعطي وبأسلوب الحكاية القريبة من النفس حكاية الشعب الفلسطيني منذ البداية، ولم يفت العرض الإشارة إلى محطات مشرقة لدى الدول العربية الأخرى، فقد أشير لدور الجيش العربي في الأردن في معركة الكرامة، ودور الجيش المصري بتحطيم خط بارليف، ودور العراق في رعاية اللاجئين الفلسطينيين في ظل غياب دور وكالة الغوث عنهم، ودور المرحوم الملك فيصل باستخدام النفط كسلاح في حرب تشرين، إضافة لإشارات أخرى سواء بايجابية التعامل أو سلبيته مع المهجرين من الوطن.
اختتام العرض كان بثلاث لوحات أثارت حماس الجمهور، لوحة راقصة على أنغام أغنية "جايين" وتناشد العرب الوحدة والاصطفاف مع أبناء فلسطين، وعرضت على خلفية المسرح صور الأعلام العربية جميعها، وأكد الراوي بحديثه أنه لا إمكانية للنصر بدون الوحدة، واللوحة الأخرى التي تمثل المقاومة بالحجر على أنغام أغنية "ثوري ثوري" لتكون الخاتمة نشيد "موطني" والتي وقف لها الجمهور وغنى معها بحماس.
وفي النهاية أعتقد أن البداية كانت موفقة في رحلة "سراب" التي آمل أن تمتد وتبدع، وإن كان لا بد من تسجيل ملاحظة صغيرة على العرض الجميل، ففي رواية الراوي لبدء النضال قبل هزيمة حزيران، أورد اسم فصيلين محددين كانا يتبعان حركة سياسية معينة، علما أن هناك فصيلين آخرين مارسا الكفاح المسلح في الأعوام 1965 و1966، فكان الأجدر واحتراما للتاريخ، إما ذكر الجميع أو الاكتفاء بإيراد أن الشعب الفلسطيني بدأ كفاحه المسلح قبل الهزيمة الحزيرانية بدون تحديد أسماء فصائلية بعينها، والملاحظة الأخرى أنه كان يجب اختصار الحديث بحديث الراوي قليلا، مما كان سيعطي العرض فترة أقل وزخما أجمل.
"سراب" لخصت أهدافها في: "المحافظة على تاريخ الشعب الفلسطيني والمساهمة في إيصال للأجيال اللاحقة بأسلوب فني جديد، خلق جيل واع منتمي لقضيته الفلسطينية محافظا عليها، قائدا، مبدعا، متفوقا، تنمية وتعزيز روح الانتماء للوطن والتاريخ ولفن الشعب الفلسطيني وتراثه والمحافظة عليه، تنمية الشباب والمساهمة في بناء وصقل شخصيته بالعمل على استنهاض طاقته وتطويعها في خدمة المجتمع"، فهل يتمكن القائمون على الفرقة من مواصلة الطريق والصمود في وجه الصعاب وتحقيق أهدافهم؟ آمل ذلك وأشد على أياديهم..

ليست هناك تعليقات: