الخميس، مايو 01، 2008

على هامش مهرجان الشعر العربي الرابع بمدينة الرقّة السّوريّة



من مدينة الرقة السورية: حسان الباهي

الامتياز لقصيدة النثر
- كرم بحجم الفرات:
أكثر من أربعين ذبيحة وخمسمائة ضيف تحت خيمة عملاقة

في حضور حاشد من الشعراء والمثقفين وهواة الأدب ، التأم مؤخّرا، في غضون نيسان- أبريل العاشر 2008، مهرجان الشعر العربي الرابع الذي تدأب على إحيائه سنويا مديرية الثقافة بالرقة السّوريّة.تمّ بالمناسبة افتتاح معرض للكتاب العربي بمبادرة من دار الفرقد وآخر للمصنّفات الشعريّة أقامته دار الينابيع، إلى جانب معرض للفن التشكيلي للفنان سامر عبد الغني.


في كلمة أولى ألقاها والي المكان ، خاطب الشعراء المشاركين بقوله: نتمنى أن يكون المهرجان هذا برلماناً للشعر واصَفا إيّاهم بأنهم أهل شعر وثقافة وبأن لا شيء يشبه القصيدة، لأنها تشبه الأشياء الجميلة عندنا فها هي الغابات والأنهار و الموسيقى والمساءات الظليلة والعودات المظفرة للجنود والعشاق والمحبين وأوبة الطيور عند الغروب وارتحال السفن ولكل هذه الأشياء الجميلة يجب أن تزدهي القصائد على ضفاف الفرات ، وأن تتألق في هذا الفضاء الرحب من المحبة والتوادد.


من جهته، شكر حمود الموسى مدير الثقافة والمهرجان الجهات الداعمة لفعاليات التظاهرة في كلمة رحب من خلالها بالأدباء المشاركين شعراء ونقّادا، وبكلّ الضيوف الوافدين من عموم أنحاء العالم إلى الرقة للمشاركة بعرسها السنوي.


وألقى الشاعر التونسي يوسف رزوقة كلمة الشعراء المشاركين في ثلاث نقاط استهلها بشاعر الهنا والآن: هو والمعنى ومما جاء فيه " نلتقي اليوم في الرقة تحديدا وكلنا رغبة في تجسير التّواصل مع أصدقاء جدد أو محتملين، لغاية التعاطي في مناسبة كهذه، معا وسويا، مع ما يهمّ مشروعنا الشّعريّ أو النقدي،راهنا ومستقبلا، ونحن نعلم أنّ ديواننا، ديوان العرب، لم يعد كذلك الآن وهنا، أي أنّه لم يعد فنّ العربيّة الأوّل وبامتياز لعدّة أسباب وسائطيّة وغير وسائطية، مستجدة"ثمّ عرّج في نقطة ثانية على "الرقة" مكانة ومكانا وفيها قال: في الضفة اليسرى من النّهر، التقى التاريخ بالجغرافياالرقة البيضاء ماء دافق،أرض وأزمنة وأجداد قضوا هبة الفرات هو المكانالهاء هولاكو الزّمانوما تهدّم منه يشهد أنّه غول المغول الهاء هارون الرشيد وذاك منزله المهيب جوار أشجار النخيل الهاء تيمورلنك يحمل عاهة الإنسانأعرج عاش تيمورلنك في أوهامه الهاء هيلوكوبتر المنصور تهبط عند جامعه العتيقومن جديد، يقرأ السّيّاح ألواح المدينة يقرأ الشّعراء آماد البعيدة، كلّ حفريّاتها في "رقّة" الزمن الحديث، فراتهاأسوارها وقصورها، قصر البنات وما إليه، قلاعها وتلالها وفسيفساءات الزمان وكان يا ما كان..هل كنّا هنا؟ وفي نقطة ثالثة، احتفى رزوقة بالشاعر إبراهيم الجرادي على طريقته فأجمل مسيرته في قصيدة تحمل اسمه: عاش في عالم حيث بوشكين والآخرونوأسرى إلى عالم حيث رامبو وعبد العزيز المقالح والأصدقاء الجميلون:
شوقي شفيق ومن معه من رفاق الطّريق
كان لا بدّ من بعض موسكولتقفز نحو القصيدة، من شجرات البتولا، سناجيب خاطفةونساء تعلّمن من جدّهنّ الشّيوعيّ فنّ الهروب من اللّه، عند المساءولا بدّ من بعض صنعاءكي يصنع الحاء، هذا الدّمشقيّ، حبّا وحلما وحرّيّة وحياةولا بدّ من بعض "قات"لشكل القصيدة : قوتا لمضمونهاكان لا بدّ من "بندر لا يخون"وإن خانه، وهو يلهج بالصّمت، شعب من النّمل تحت اللّسانومن "رقّة" هي ينبوعه، كان لا بدّ، كي للفرات يعود "عويل الحواسّ"ومن "ثورة الحرف" كي للمكان يعود الزّمان
مبعثرة هي أجزاؤه، رجل هو بامرأة يستحمّ، تؤجّجه "شهوة الضّدّ" في "موكب من رذاذ المودّة والشّبهات" " الذئاب الذّئاب الذّئاب تمارس ما تشتهي في براري النعاس النّعاس النّعاس "تغيّر فحوى الخريطةفالدم ليس أحمر قال الجراديولا ديك في قرية العم سام يوقظ الآن أهل الكهوف الجديدة، صرعى ذباب التسي تسي والفحيح المعولم والصدماتله الحرف أعلى من الشّبهات وزحف الجرادله وهو يدرك أنّ القصيدة بحر سفينة نوح له أن يفخّخ ما شاء من ليزر دافقليفكك شيفرة هذا الظّلامويطهو لحم الخفافيش هامبورغرا للغراب الجديد.
شعر، نقد وسياحة
كما ألقى الشاعر باسم القاسم كلمة اللجنة العلمية للمهرجان أكد من خلالها أننا أمام هذا المستوى الرفيع من التمثيل العربي والعالمي من سدنة الشعر وأرباب نقده ومحبيه، كان لابد من بدعة يطارد معتنقيها فرسان اللغة، فأما إلى جحيم الرتابة، والجدوى أو إلى فراديس التنوير والمواكبة، فكان العنوان المحور الذي أسست على أبعاده الرؤيا المؤثثة لفضاءات طموحنا المعرفي المرجو من موسم الشعر تحت عنوان: القصيدة الحديثة هوية ومعنى.


وبعد ذلك رحّب أمين سر المهرجان الشاعر إبراهيم الزيدي بالشاعر المكرّم إبراهيم الجرادي، الذي ألقى قصيدتين من أشعاره، تلته قراءات نقدية لشعره للناقد الدكتور جمال خضور ليكون مسك الختام مع فرقة الرقة للفنون الشعبية التي قدمت عددا من الأغاني والرقصات الشعبية تفاعل معها الحضور وفتحت الشهية على ما تبقى من أيام المهرجان حيث تداول الشعراء عربا وأجانب مع نظرائهم من سوريا على تأثيث الأماسي الشعرية والأصبوحات النقدية بين مدينتي الرقة والثورة دون إغفال سائر الفقرات السياحية والترفيهية الموازية .


إلى جانب القراءات الشعرية،كانت هناك فعاليات نقدية ما بين جلسات نقد عامة وأخرى تطبيقية ذات صلة ببرنامج التظاهرة أثّثها الدكاترة: رضوان قضماني، هايل الطالب، غسان غنيم، وفيق سليطين، عاطف بطرس، أحلام حلوم، جمال خضور، حسين المرعي، سعد الدين كليب، عبد الجليل العلي.الشاعر الإسباني رامون مارينا أفاد أن الشعراء منذورون للمغامرة واجتراح الحداثة في أسمى تجلياتها وأن النقاد سيعون ذلك يوما.أمّا الشاعر التونسي يوسف رزوقة فقد اختزل المسألة بالسؤال التالي:"ما الشّعر؟ فالنّقاد، إن وجدوا،فلاسفة وتلك مصيبة كبرى ولا قانون يحميهم من الظلم العظيم.


"أصغى الحضور إلى نخبة من الشعراء الضيوف فإلى جانب الحاضرين من شعراء سوريا : إبراهيم الجرادي، عبد السلام حلوم، إبراهيم الزيدي، معاذ الهويدي، رشأ عمران، وفيق خنسة، أحمد الحافظ ، نزار بريك هنيدي، سهام السليمان ، ياسر الأطرش، تناوب على القراءات الشعرية ، ما بين مدينتي الرقة والثورة، كل من أحمد راشد ثاني وميسون صقر القاسمي من الإمارات العربية المتحدة ومن اليمن أحمد العواضي ومن العربيّة السعوديّة أحمد الزهراني ومن العراق هاشم شفيق وريم قيس كبّة ومن الأردن يوسف عبد العزيز، مصلح النجار والطاهر رياض ومن لبنان محمد علي شمس الدين ومن مصر عزت الطيري ومحمد ادم ومن تونس يوسف رزوقة ومن الجزائر ربيعة جلطي ومن المغرب مصطفى بدوي كما شارك في هذا المهرجان من الشعراء الأجانب كل من عائشة ترجان و عادل أوقاي من تركيا ومكسيم فاتكوفسكي أوكرانيا ورامون مايرتا من إسبانيا.في حين تخلّف عن حضور هذا المهرجان الجزائري حكيم ميلود وشاعرة سودانية اسمها روضة الحاج( لعلّ المانع خير).
رياح لواقح
في رأي لأنور بدر، أحد متابعي الفعاليات، أنّ "حضور قصيدة النثر كان الأقوي في هذا المهرجان" ليضيف" جاءت المشاركات المتنوعة من المغرب العربي لتؤكد أهمية المثاقفة والتأثيرات الغربية في ما سماه الشاعر التونسي يوسف رزوقة الأنثورة الشعرية وهو الذي يكتب الشعر بأكثر من لغة، يحاول من خلالها أن يخلخل السائد في متن الشعر العربي الحديث، يحاول إعادة تشكيل الصورة الشعرية، وإعادة تأهيل بنية اللغة الشعرية لتستوعب المنجز في القيم الجمالية والروحية وصولاً إلي قيم العولمة والحضارة الرقمية، يقول رزوقة في مقطع من قصيدته "إلياذة ميكيافللي":وها .... أنذا هناأجري وراء قصيدةهي نفسها تجري بغير هدىوراء سفينة تجريولي أن اسأل الآن الفراشة: من أكون؟هويتيالمعني الذي سأكونهوهويتيالمعني الذي سأخونهوهويتيأن لا هوية لي على الإطلاقفي مستنقع الشيء المنمطهكذا هوهكذا هيهكذا فسد الهواءوهكذا تهوي الصروحوهكذا يهوي الذين إذا رأوا قمرا بكوابل هكذا تجري الرياحكذلك كان حضور مصطفي بدوي من المغرب لافتاً للانتباه، إلا أن الشاعر الليبي صالح قادريوه كان مفاجأة حقيقية بالنسبة للكثيرين، وبشكل خاص لجهة الجرأة في قراءة المساحة المهمشة ما بين الذاتي والعام."
هوامش:
خيمة عملاقة لوليمة بحجم الفرات
من هوامش المهرجان اللاّفتة، ما قامت به قرية معيزيلة المتاخمة لمدينة الرقة حيث دعت في اليوم الأول ضيوف مهرجان الشعر العربي الرابع إلى غداء "تاريخيّ" أمّنه أحد شيوخ المنطقة الشيخ اسماعيل مسهوج البليخ .لم يكن الحضور في هذه المأدبة الباذخة حكرا على ضيوف المهرجان بل دعا الشيخ أيضا أحبابه ومقرّبيه وأبناء عشيرته فبلغ عدد الحضور زهاء خمسمائة ضيف ، نحرت لهم 45 رأسا ً من الأغنام دون إغفال ما تمّ استجلابه لزوم إعداد ذلك من موادّ :أحد عشر كيسا ً من الطحين وحشد خمس وعشرين خبازة من خبازات خبز الصاج إلى جانب الفواكه المنضدة في مناسف كبيرة والتي جلبتها خصيصا إحدى الشاحنات من حلب أما المشاركون في تقديم كل هذا إلى الضيوف فقد بلغ عددهم أكثر من مئة شخص .‏تناول الضيوف أشهر أكلتين في الرقة و هما الثريد بمناسفه المجنونة والرزّ تعلوه كوم اللحم وما إلى ذلك.‏أحدهم علّق على هذا الحدث الوليميّ بقوله: قد تدخل الرقة في موسوعة غينس للأرقام القياسية في عدد الذبائح لوجبة واحدة في يوم واحد .
رفيعة حب من شعراء العالم إلى الجرادي
من جهتها، أهدت بالمناسبة حركة "شعراء العالم" حركة عالميّة، مقرّها الشّيلي، تضمّ أكثر من 3500 شاعر من القارّات الخمس الشاعر إبراهيم الجرادي رفيعة حب ممضاة من أمينيها العامين الشيلي لويس أرياس مانسو والتونسي يوسف رزوقة وقد قدّمتها له في افتتاح المهرجان الشاعرة الجزائرية ربيعة جلطي ، جاء في نصّ الرّفيعة:تونس / الشيلي في 07 أفريل / ربيع الثاني 2008عناية الشّاعرالكبير إبراهيم الجراديبعد التّحية اللاّئقة بالمقاممن هنا، من أرض بابلو نيرودا وأبي القاسم الشّابّي وسائر المناضلين من يتامى الخارطة، نحيّيك شاعرنا الكبير إبراهيم الجرادي لنرفع إليك وأنت بيننا على أرض الرقّة من دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008، قصيدة لم يقلها الشّعراء، مرددين معك: لماذا‏ يُكسِّرُنا‏ الوقتُ‏ مثلَ‏ الزجاجِ؟ ستمضي بنا النارُ نحو مفاتنِها‏ لنقيسَ مكانَ الحنينِ بأحفادنا‏‏ ويسعدنا بالمناسبة، أن نهنّئ أنفسنا بوجودك معنا، في حركة "شعراء العالم" ضمن بوّابتها المفتوحة على القارّات الخمس، شاكرين "مديريّة الثقافة بالرقة" ضمن مهرجانها الرابع للشعر العربي، لفتتها الكريمة إزاءك تحديدا وإزاء الشعر وأهله.نتمنّى لك عمرا مديدا وصحّة جيّدة ودمت لنا شاعرا وناقدالكم منّا كل التقدير والسّلام.

ليست هناك تعليقات: