الخميس، سبتمبر 03، 2009

الفنانة ـ 4

أنطوني ولسن
استراليا

لاحظ الدكتور رفعت شحاته والد سلوى ذلك الحوار الصامت الذي دار داخل كل من الدكتور عزت الأسيوطي وابنته سلوى.

لم يشأ ان يقطع اي من الحوارين، ولكنه اقترح تناول الشاي في الفرانده.. وعادت الاسئلة تتلاحق من سلوى الى الدكتور عزت الأسيوطي معظمها منصب على استراليا التي تريد ان تعرف عنها كل شيء.

وصلنا في نهاية الجزء الثالث من الرواية والحوارات التي شارك فيها الدكتور رفعت والد سلوى ووالدتها والتي شملت الى جانب استراليا كل من اميركا وانجلترا وروسيا مما حدا بوالدتها ان تقول:

- انا ما ليش في السياسة.. لكن الحقيقة كلهم دول استعمارية وان اختلفوا في الطرق..

- فعلا يا طنط.. كلامك مضبوط.. لكن العالم منقسم اثنين.. اما مع الشرق أو مع الغرب.. اما ان تكون فيه دولة لها شخصيتها المميزة المستقلة، دا عمره ما يحصل، لان الدولتين الكبار مش عايزين كده.

- آه.. نرجع للسياسة تاني.. ارجوكم.. ارجوكم لا حديث في السياسة.

- كمان يا عمي في استراليا بيقولوا.. لاحديث في السياسة او الدين.

- دا حقيقي يا ابني لان الحديث في الاثنين.. عواقبه وخيمة ولا تنتهي بسلام.

سادت فترة صمت قصيرة، انهى كل منهم فنجان الشاي، وبعدها نهض الدكتور رفعت وقال:

- عزت يا ابني.. انا مضطر اروح الوزارة.

- اتفضل يا عمي..

- انت برضه مصمم على السفر الليلة؟

- ماما زمانها مستنيه على نار.. بقي لي خمس سنين ما شفتهاش ولا شافتني.

- طب خليكي يا سلوى مع عزت لغاية ما يجي موعد القطار. وانا رايح ابعت السائق بالعربية علشان يوصلك محطة مصر.

- ما فيش داعي يا عمي.. تاكسي ممكن يوصلني.

- تاكسي ايه وبتاع ايه.. انا اللي حوصلك بالعربية الثانية. خليك انت يا بابا في الوزارة وانا حاروح معاه.. هو انت مسافر فين؟

- مسافر أسيوط بلدنا وحاجز في المجري. مش لسه اسمه المجرى برضه!

- افتكر كده.. على العموم انت محظوظ جدا.. لأنك لاقيت امهر سائقة في العالم توصلك.

- واجمل سائقة كمان.

ضحك الجميع، استأذن الدكتور رفعت وذهب الى الوزارة، اما سلوى وامها والدكتور عزت، فضلوّا يتسامرون ويتحادثون. بالطبع لم تكفّ سلوى عن توجيه الاسئلة عن استراليا. وعن كيفية الحياة والمعيشة بالنسبة له..

حين جاء موعد السفر، ركب الدكتور عزت السيارة مع سلوى، وفي محطة مصر، سلَّم عليها بحرارة شاكرا لها تقبلها بتوصيله، مربتا بيده الأخرى على ظهر يدها الممسك بها.

تحرك القطار.. اخذت سلوى تلوِّح له بيدها وهو يردِ عليها بالمثل، الى ان بَعُدَ القطار خارجا من محطة مصر متجها الى الصعيد.

عادت الى السيارة وفكرت في الذهاب الى النادي. بعد تردد، آثرت العودة الى المنزل، لأنها تريد ان تستريح وتفكَر في هذا اليوم وما كان فيه من احداث.

في النادي كان «الماتش» في التنس بينها وبين عادل من احمى «الماتشات» التي لعبتها في حياتها. عادل يُعتبر محترف تنس. وقد تحداها اكثر من مرة أن تلاعبه. لكنها كانت تهرب منه، اما هذه المرة، فهي التي تحدته وطلبت ان يلعب معها. بالفعل استطاعت ان تكسب «الماتش» باعجوبة..

نتيجة الليسانس، كانت متأكدة منها.. انها تحب القانون وتدرسه عن اقتناع وليس عن طريق مكتب التنسيق. بمعنى آخر، فقد التحقت بكلية الحقوق بينما مجموع «درجاتها» يؤهلها الالتحاق بأي كلية اخرى. اما ان تحصل على تقدير عام جيد جدا، فهذا ما كان يشغل بالها بالفعل. انها لا تقبل اقل من امتياز كتقدير عام لها. وما حدث لا تعرف له تعليلا. في كل عام، كان تقديرها العام امتيازا.. لماذا هذا العام على الرغم من انها بذلت مجهودا اكثر مما بذلته في اي عام مضى!!

ماذا عن العمل الآن؟ أتعمل كمعيدة في الكلية وتكمّل دراستها وتحصل على درجة «الماجستير» ثم «الدكتوراه» في القانون.. ام تقبل العمل في المجال الحر كمحامية؟ اما فكرة ان تكون وكيلة للنائب العام، فهي تعلم جيداً انها ليست لها، لصعوبة العمل نفسه. كذلك لم يسبق ان عُينت امرأة في هذا المنصب من قبل. ولا تظنُّ انه سيتم تعين اي امرأة في المستقبل لهذا العمل.

كل هذا، كان يدور في رأسها وهي في طريقها الى المنزل. العجيب ان الدكتور عزت لم تفكر فيه. بل لم تطفُ صورته في مخيلتها طيلة الطريق من محطة مصر الى بيتها في المعادي. وما ان وصلت المنزل، حتى وجدت شقيقها عماد واقفا عند «سلالم» «الفيلا» والغضب بادٍ عليه. جاء اليها مسرعا بعد ان أوقفت محرك السيارة وهو يقول:

- كنت فين.. انا محتاج العربية.. فيه سبق صحفي ولازم اكون في «الشيراتون» في نص ساعة وحضرتك بتتفسحي بالعربية.

- اتفسح ايه واتهبب ايه.. انت دايما مستعجل وعايز كل حاجة في الحال.

- بلاش غلبة.. اتفضلي انزلي..

- اتفضل يا سيدي العربية قدامك.. بس انا لا كنت بلعب ولا بتفسح.. انا وصلت الدكتور عزت لمحطة مصر علشان كان مسافر.. رايح بلدهم أسيوط.

- مين يا اختي!..

- الدكتور عزت..

- ويطلع مين الدكتور عزت ده؟

- قريب بابا ولسه جاي النهار ده من استراليا وسافر على اسيوط عند عيلته.

- استراليا..!

- ايوه جاي من استراليا..

- يا خسارة.. كان نفسي اكون موجود عشان اسأله عن استراليا شوية اسئلة.

- الله.. انت نسيت انك مستعجل ومش فاضي. والا دي كلها حجج علشان تاكلني اونطه وتلهف الحلاوة..

- حلاوة ايه يا بت انت..؟

- حلاوة نجاحي في الليسانس.

- ما انا عارف انك حاتنجحي.. هو اللي زيك يغلب في حاجة.. دانت معجونة بمية عفاريت..

- اعوذ بالله منك.. روح يا خويا روح.. بدل ما السبق الصحفي يطير منك..

- صحيح.. اورفوار ولما اجي حا جيبلك هديتك وندردش سوى على سي عزت هو واستراليا.

- اورفوار.. مع السلامة.

انطلق عماد بالسيارة. دخلت سلوى المنزل. اتجهت الى الشرفة وما كادت تجلس على الكرسي، حتى دخلت شلت النادي عليها لتهنئتها بالنجاح. ومضى الجميع ليلة لا تنسى. لم تكن مستعدة لمثل هذه المفاجأة. لكن المحبة التي جمعت بينهم كشباب، جعلت من تلك الليلية حقيقة من ليالي العمر.. انضم عماد بعد عودته الى الشلة ولم يتحّث مع سلوى عن الدكتور عزت او استراليا.

بزغت شمس يوم جديد.. نهضت سلوى من نومها في حالة من النشوة والسعادة، بعد ان خرجت من الحمام، وجدت والدتها قد أعدّت طعام الافطار الذي تحب ان تُعده صباح كل يوم بنفسها ولا تترك الطباخة او السفرجي يتدخلان في هذا الشأن..

بادرت سلوى والدتها بالصباح..

- «بون جور» ماما.

صباح الخير يا حبيبتي.
ايه هو رأفت وعماد لسه نايمين ؟
- رأفت اتصل امبارح وقال انه حا ينام في «الاتيليه».. اما عماد زي ما انت عارفه يحب النوم طول ما فيش حاجه وراه.

- كانت مفاجئة حفلة امبارح.

- لما انت روحتي توصلي الدكتور عزت. اتصلوا بي زمايلك وسألوني، قلت لهم ما فيش مانع. وفعلا كانت مفاجئة جميلة.

- آه يا ماما.. يا احلى واجمل ام في الدنيا.

- احنا عندنا كام سلوى في العيلة؟

- والا في مصر كلها.

- ما تطلعيش فيها قوى.. احنا بس بنشجعك.. لكن فيه احسن منك كتير.

- عارفه، حسام وسامية ورأفت وعماد.

- انت في منتهى الشقاوة.. ربنا يخليكم ويهنيكم ويطرح البركة فيكم يا بنتي. انتوا اعز شيء في الدنيا.

- بطلى بكش يا ست ماما.. امال بابا يبقى ايه؟

- بابا هو الخير والبركة يا سلوى. الواحدة تحب جوزها، ولما تخلف عيال تحب عيالها.. لكن الراجل لازم يا بنتي يفضل هو الكل وحبه ما ينقصش ابدا.. اقولك الحق يا سلوى.. حبي لابوكم كل يوم بيزيد اكتر واكتر.

- انت كمان يا ماما ست عظيمة.. وقفتي جنبه تشجعيه وتسهري معاه وترعينا، على الرغم كلنا عارفين اد ايه حبك للفن والرسم. كان من الممكن جدا تكوني فنانة مشهورة، تكتب الصحف كلها عنك. لكن فضلتي البيت والزوج والاولاد. انكرتي ذاتك علشانا..

- يا عبيطة.. ما فيش انكار ذات ولا حاجة.. انتوا فني وهوياتي وشهرتي ومجدي.. نجاحكم.. نجاح لي انا شخصيا. كل ام فنانة، لانها بترسم صورة ومستقبل اولادها. وكل نجاح يحققوه الاولاد هو نجاح لها.. مش كل اللي ولدت تبقى ام.. لايا بنتي. ومش كل اللي معاها شهادة تبقى ام ناجحة في تربية وتنشئة اولادها.. وان كان علي انا.. اهو برضه بمارس هوايتي من وقت لآخر، وعلى العموم هانت.. اديكي خلصتي وعماد قرب يخلص وممكن اقدر اتسلى بعد كده.- - -ربنا ما يحرمناش منك انت وبابا، على فكرة يا ماما.. ايه اخبار سامية، ما شفتهاش من مده..

- تلاقيها مشغولة مع الأولاد.. يمكن تيجي هي والاولاد يوم الجمعة يقضوا النهار هنا.

في هذه اللحظة دق جرس الهاتف، نهضت سلوى وامسكت بالسماعة وسمعت صوتا يقول لها:

- صباح الخير.

- صباح النور

- انتِ عارفه مين بيكلمك؟

- لا صدقني.. مش واخده بالي.

- للدرجة دي نسيتيني.

- «في حدة خفيفة» لا.. الحكاية مش حكاية نسيتك او فكراك، لان دي اول مرة اسمع فيها صوت حضرتك على التليفون.

- عندك حق.. انا آسف.. انا يا ستي عزت اللي جه من استراليا.

- الدكتور عزت.

- ايوه.. انا بتصل علشان اشكر عمي على تعبه معايا، واشكرك انتِ كمان على توصيلك لي لمحطة مصر.

- يا سيدي.. احنا ما عملناش حاجة.. ده اقل واجب ممكن بتعمل.

- انا متشكر جدا..

- العفو..

- تعرفي اني ما نمتش امبارح طول الليل.

- احيانا الانسان من كتر التعب ما يجيلوش نوم.

- لا.. دانت مش محامية وبس.. دانت استاذة في علم النفس.

- لا ابدا.. انا معرفش حاجة كتير في علم النفس، صحيح يمكن ادرس علم النفس الجنائي، لكن دي مجرد فكرة.

- ربنا يوفقك..

ساد صمت قصير بينهما ثم استأنف عزت الحديث ثانية:

(يتبع)

ليست هناك تعليقات: