الثلاثاء، نوفمبر 24، 2009

الـتـمـيـيـز بـيـن الـبـشـر

هـيـثـم الـبـوسـعـيـدي

قضية "التمييز" بين البشر قضية متأزمة في جميع الاوطان والمجتمعات والدول مع تفاوت النسبة والمقدار من بيئة لآخرى، ولا تخلو بقعة على وجه الأرض من وجود تمييز بين أفرادها مع تعدد المظاهر وتنوع الأشكال من مكان للآخر، كما أن قضية التمييز بين البشر يمكن اعتبارها جرح أصيل ومشكلة كامنة في أعماق الذات الانسانية تتناقلها الجينات البشرية عبر الاجيال ولفترات زمنية طويلة تصل ربما إلى عشرات القرون.

ويمكن تعريف التمييز بأنه "شعور باطني" يجبر الإنسان على الاحساس بالفوقية والافضلية للعنصري البشري الذي ينتمي إليه سواءً على مستوى اللون أو الجنس أو الديانة أو على أي مستوى من الخصائص الإنسانية، ويتكون عن هذا الشعور سلوك ربما يكون عدوانيا في بعض صوره لأن الإنسان قد يعزز هذ الاعتقاد بوجود تمايز بينه وبين الغير والآخر، فتتشكل بعد ذلك نظرة مرضية هي أقرب إلى نظرة التفاوت بين الاجناس فيقرر المؤمن بهذه النظره أنه الأفضل وأن جنسه أعلى من جنس الآخر فيجد المبررات التي تدفعه نحو قهر الطرف الآخر ومحاولة الانتقاص من إنسانيته والحط من قيمته وكرامته، وربما يصل الأمر إلى الاعتداء والهجوم على الطرف الآخر بمختلف الطرق والوسائل.

وهنا نقسم أنواع التمييز بين البشر حسب المراجع التخصصية والكتب الحقوقية بحيث تندرج إلى ثلاث أنواع: (1) "التمييز الفردي" ضد فرد أو شخص بعينه وخصوصا عندما تختل العلاقة بين الطرفين ويختفي مبدأ المساواة في المعاملة.(2) "التمييز القانوني" دائما يظهر في حالة المنتميين لجماعة محددة أو فئة معينة تتقاسم مجموعة من الصفات والمشتركات، لذا يتم صناعة مجموعة من القوانين التي تحرم جميع أفرادها من الحقوق مثلما حدث للزنوج في الولايات المتحدة قبل عشرات العقود عندما حرموا من كثير من الحقوق كحقوق الملكية وحقوق العمل. (3) "التمييز المؤسسي" الذي يشير إلى عدم المساواة في المعاملة المترسخة في المؤسسات الاجتماعية الأساسية فيؤدي إلى إفادة جماعة واحدة على حساب جماعات أخرى.

وبعيدا عن واقع البشر فإن أغلب التشريعات الالهية العزيزة شددت على مبدأ المساواة بين البشر ومحاربة كل أنواع ومظاهر التمييز الذي قد تتمثل معانيه في عدة تسميات كالعنصرية والطائفية والمذهبية والقبلية، وتسمية العادل هي أحد صفات المولى عزوجل المرادفة لمبدأ "العدل" ذاك المبدأ الرئيس في الإسلام الذي بتحقيقه تسود المحبة والوئام والاتفاق بين أبناء الشعب الواحد لذلك يقال دائما العدل أساس الملك، كما أن كتب الأسلام الحديثة والقديمة شاهده على كثرة النصوص المقدسة التي دعمت هذا المبدأ فقد كانت ولازالت ترسخ في أذهان الناس تساويهم في الحقوق وأنهم كأسنان المشط، ولا فرق بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى، حيث أن قاعدة "التقوى" هي المقياس الوحيد لتصنيف البشر ومدى قربهم أو بعدهم عن طريق الصواب والصلاح.

وتأتي بعد ذلك كل القيم والمبادئ والمثل المنادية بالمساواة بين البشر وعدم التفرقة بينهم وهي ترتبط من الناحية التاريخية بمناهج الأنبياء والأولياء والمصلحين، لكن رغم ما بذلوه هؤلاء العظام من جهود كبيرة وما قدموه من تضحيات مسجلة عبر التاريخ لأجل تطبيق كل ما ينتمي لهذه المناهج الخيرة فهي لازالت في "عالم النظريات" وبطون الكتب ولم تخرج من هذه الدوائر ولم تأخذ حقها بشكل كافي على أرض الواقع.

لكن الواقع في وقتنا الحاضر يشهد بوجود أشكال متعددة ونماذج جديدة من التمييز الذي أدى في بعض الحالات إلى انتصار "التفرقة" وغلبة الخلافات بين أفراد المجتمع الواحد وتعميق أمراض مزمنة مثل الحقد الطائفي والضغينة المذهبية والكولسترول العرقي، وهذا الأمراض اللصيقة بالتمييز لا تؤدي لهدم وتمزيق المجتمع إلى أشلاء مبعثرة وطبقات متناحرة فحسب بل تؤدي إلى تعميق الانتماء الفئوي وتكاثر الفئات ذات المصالح المتضاربة.

الأمثلة كثيرة ومتعددة على أشكال العنف الناتج من "أمراض التمييز" المستشرية بين أجزاء عديدة من شرائح وفئات البشر، فالأمر لا يقتصر على بلد دون آخر فقد تجد تمييز ضد هذا الشخص لأنه اسود وقد تجد تمييز ضد ذلك الشخص لأنه مهاجر كادح قادم من بلاد بعيدة نتيجة ظروف قاهرة اجبرته على الهرب وقد تجد تمييز أيضا ضد شخص آخر لانه لا ينتمي إلى دين أو مذهب الاغلبية في هذا البلد أو ذلك المجتمع.

وهذا "التمييز المصطنع" الذي يظهر بحلل جديدة في عالم اليوم صادر من أماكن ومواقع متباينة، فمثلا بعض سياسات وأنظمة الدولة تعتبر تمييز ضد مواطنيها حيث تحلل لهذه الفئة ما تحرمه على فئة أخرى وتبيح لهذا القسم من الأفراد ما لا تبيحه للأخريين، كما أن غياب القانون الصارم واختفاء الإداري الملتزم وضمور الحس الأخلاقي واهمال الوازع الديني وترك الأمور تسير بدون تنظيم ومراقبة في جميع مؤسسات الدولة فيما يتعلق بتصرفات المسؤولين في مختلف الهيئات العليا في النظام الحاكم هي بمثابة مؤشر قوي لغلبة المصالح الشخصية وتقديم رغبة هذا الشخص على الآخريين، مما يمهد لانتشار آفات أخرى مثل المحسوبية والفساد التي هي نتائج طبيعية للتمييز في التعامل بين مختلف المواطنين في البيئة الواحدة.

وقد تأطر الدولة هذا التمييز من خلال سن "قوانين جائرة"، وتظهر تلك القوانين بشكل علني أو خفي حتى تلزم بها جميع المؤسسات والمنظمات في جميع أجهزة وخلايا الدولة، فينعكس ذلك بصورة سلبية على أفراد المجتمع فيتكون بمرور الزمان اعتقاد لدى أبناء المجتمع باتجاه تثبيت هذا الشكل من التمييز بين جنبات المجتمع، وهذا بحد ذاته يدفع نحو تكوين تصرفات فردية وسلوكيات جماعية تحمل على عاتقها مهمة تطبيق تلك القوانين في عالم الواقع.

وهذا بلا شك له آثار كبيرة وعواقب وخيمة على المدى القريب والبعيد على مستوى الروابط والعلاقات والتعاملات بين أفراد المجتمع الواحد، وفي هذه الحالة فإن الدولة تلعب دورا خفيا في "صناعة التمييز" فهي تعطي الامتيازات والهبات لأفراد بعينهم فتخلق بعد فترة ما يسمى بنظام الطبقات فهذه الطبقة غنية مرفهة وهذه الطبقة فقيرة كادحة.

وهذه الحالة دليل قوي على أن النظام المكون لهذه الدولة يعاني من نقص كبير وخلل واضح، كما أن تلك الدولة تفتقر للقادة الحقيقيون وأصحاب الإدارة الصحيحة لأن النظام المكون للدولة قائم بالتأكيد على أساس "طائفي أو قبلي أو عرقي أو مذهبي".

وفي المقابل هناك تمييز آخر هو موجود بالأساس في المجتمع يمارسه الأفراد في جميع تعاملاتهم وتصرفاتهم وهو وليد الماضي بكل عقده ومشاكله حيث يمكن اعتباره أحد مخلفات التاريخ وأحد العيوب القاتلة في نسيج المجتمع لأن الأفراد تناقلوه فيما بينهم عبر "وسائط متعددة" كالثقافة والتراث والتربية وهي وسائل تغذي التمييز وتوقد نيرانه بمزيد من الصور والمظاهر.

فالأب عندما يحابي ابن دون آخر فهو يمارس التمييز، وأفراد المجتمع من فئة الرجال عندما يضطهدون المرأة ويهضمون حقوقها فهم يمارسون شكل قاسي من "أشكال التمييز"، والمدرس الذي يقترب من طالب دون آخر لاجل منفعة شخصية فهذا هو التمييز، والمؤسسة التربوية التي تهمل المتفوقين مقابل احتضان شرائح من الطلاب أقل مستوى فهي تمارس صورة من صور التمييز، وحالة الاعتداء الناتج عن تعصب المشجعين لهذا الفريق أو ذاك في مباريات كرة القدم تعتبر حالة من حالات التمييز، كما أن فرد المجتمع الذي يحمل في أعماق نفسه كمية كبيرة من الكره والحقد ضد أخوه المواطن المخالف له في المذهب والدين والطائفة قد يترجم هذه المشاعر بعد فترة إلى سلوك وتصرف شاذ فهو بالتالي يمارس صورة من صور التمييز.

ولا ننسى الوقوف في هذا المقال أمام نوع جديد وخطير من التمييز ظهرت أنيابه على السطح منذ فترة ليست بالقريبة، ويعتبر أنتاج جديد من "انتاجات التمييز" ضد البشر ونموج للتأخر البشري في مجال الحياة الانسانية في ظل النهضة التكنولوجية ألا وهو التمييز بين البشر على أساس المال وهو يقسم البشر لنوعين فقراء وأغنياء ويسعى إلى افقار الفقراء وأثراء الاثرياء، ففي هذه الحالة قيمة الإنسان ترتبط بما عنده من أموال وثروة، أما الفقير فلا قيمة ولا قدر له ولا مكانة في هذا العالم الجديد.

وفي ظل وحشية المؤسسات المالية وتصاعد الازمات الاقتصادية بين مختلف شعوب الأرض وتزايد سيطرة رأس المال واستسلام الحكومات والمجتمعات أمام هذا "المد الخطير" فإن هذا النوع من التمييز في أزدياد ونتائجه المخزية ستفرض نفسها بقوة على أرض الواقع.

ورغم ما شددت عليه الأديان والشرائع والقوانين الإنسانية المحايدة كما ذكرنا سابقا باتجاه تفعيل معاني "المساواة بين البشر" فإن التمييز موجود وبقوة في كل بلدان ومناطق العالم حتى هذه اللحظة والقارئ الجيد لما يحدث في الواقع ولسير الأحداث وحركة الحياة يدرك جيدا أن القوانين والتشريعات الموجودة فشلت في الحد من أشكاله وصوره على الرغم من جهود كثير من المؤسسات والمنظمات الحقوقية وعدم جدوى تأثير ما يسمى باليوم العالمي لمكافحة التمييز بين البشر، لذا أمام الناشطون في مجال مكافحة التمييز أشواط ومساحات لابد من قطعها لزيادة جرعات العلاج "لآفات التمييز" مثل المساوة في الحقوق بين جميع الأفراد في البلد الواحد والسعي نحو تقزيم ما يسمى بصور الاضطهاد ضد الآخر لأن الاضطهاد واضح مهما اختلفت صوره، فتارة يكون ضد الديانة المخالفة وذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يحدث للمسلمين في الوقت الحاضر في بلدان الغرب ويتمثل في حوادث المضايقات ووقائع التحرش، وتارة ما يحدث من انتهاك لحقوق الاقليات الدينية والعرقية في كثير من الدول ومنها الدول العربية، وتارة يمنع الإنسان من الحصول على وظيفة في هذه المؤسسة لأنه من هذا الدين أو ذاك المذهب، وتارة لا يستحق المواطن هذا الامتياز لأن لونه أو عرقه مختلف عن بقية البشر المتواجدون في بقعة جعرافية محددة.

لذا "فمكافحة التمييز" تظل ممارسة ضئيلة وضعيفة على أرض الواقع ولازالت تحتل هامش بسيط من اهتمام أغلب المجتمعات والدول لانها غير مدركة للابعاد المختلفة والنتائج الايجابية لتراجع نسبة التمييز بين أفرادها وما هو الدور الحقيقي لمكافحة كافة الاسباب المؤدية لها المرض المستشري في جميع انحاء العالم.

عند هذه النقطة فإن "مسؤولية التمييز" ترجع بالأساس لأصحاب المصالح والمنافع الذاتية الذين ترعد قلوبهم وعقولهم من فكرة المساواة في الحقوق بين مختلف فئات وشرائح المواطنين لأن ذلك معناه تصدع مكانتهم المجتمعية واستلاب عوامل القوة والظلم التي يستخدمونها للتفرقة بين الناس وشق صف الوحدة بينهم حتى تنتصر مقولة فرق تسد وتبقى فترات زمنية طويلة تخدم مصالحهم الديكتاتورية.

أخيرا فإن "نسب التمييز" كما ذكرنا في أولى فقرات المقال تختلف من منطقة لآخرى فصور التمييز الذي تتعرض له المرأة والطفل وذوي البشرة السوداء وذوي الاحتياجات الخاصة والأقليات العرقية والدينية والمهاجرين في المجتمع الغربي الذي يتشكل – كما يقال- من دول قائمة على النظام والقانون والديموقراطية هي مختلفة تماما عن ما يحدث في العالم العربي، ورغم ما حققته بعض الدول الغربية فلازلت هناك جهود مستمرة ومبادارات شجاعة لتأسيس جمعيات جديدة ضد التمييز.

أما عمليات مكافحة التمييز في البلدان العربية التي لم تخرج حتى اللحظة من مرحلتها التكوينية في العقل العربي لأن العناصر الرئيسة للبلدان العربية " الفرد، المجتمع، الدولة" لازالت تستأثر بالسلطة المادية والمعنوية عند مواجهة الطرف الآخر وتستمر باداء كل أشكال التهميش والاقصاء ضده، بل تسهم في الترميم الدائم لممارسة شتى أنواع التمييز.

هذا بحد ذاته خلق صورة نمطية متدنية للواقع العربي وساهم في تكاثر "حروب التمييز" الملعنة وغير المعلنة وعطل عمليات البناء والاصلاح والنهوض والتنمية في كافة مجالات وأنشطة الحياة العربية.

ولا وجود فعلا في واقع الحياة العربية لحركة جادة توجه الجميع نحو المستقبل والامام في ظل غرق الجميع في مستنقع النظرة الدونية للغير والذي أسفر عنه بمرور الوقت غياب الوعي العام بمبدأ "الأخوة الإنسانية"، والذي يفترض بناء حس وسلوك المساواة في الكرامة الآدمية بين الناس، الأمر الذي سيجعل الجميع في مقبولية التسامح والتعايش فيما بينهم، وأن يكونوا في الواقع والحكم والقانون متساويين...وهذا ما يعتبر اليوم من أضغاث الأحلام في الواقع العربي.

ليست هناك تعليقات: