الاثنين، ديسمبر 28، 2009

عبقري اللغة العربية- سيبويه

نعمان إسماعيل عبد القادر
من منا لم يسمع عن سيبويه؟ ومن منّا لا يعرف العلم الذي برع بل وأبدع فيه صاحبنا سيبويه؟ ألم نسمع بالمثل الذي يُقال – أتجعل من نفسك سيبويه؟ وأين نحن من سيبويه؟ كثيرٌ ممن درسوا النحو وفشلوا في فهمه أو في فهم بعضٍ من أجزائه يُلقون باللائمة على سيبويه ويَعتبون عليه لوضعه كتابَه الشهير – "الكتاب" الذي أصبح مرجعًا أساسيًّا من مراجع كتب النحو بل ودستور اللغة العربية.. وكثير ممن يحبون النحو ويفهمونه، يثنون عليه كل الثناء، ويزيدون في مدحه، ويودون لو تنجب الأمة المئات بل الآلاف من أمثال سيبويه..
ولو قام اليوم صاحبنا من قبره وعاد ليكمل عقودًا أخرى من حياته، مثلما أفاق أهل الكهف من نومهم، ووجد الناس على الحال التي هم عليها اليوم، لدعا الله أن يعجّل في موته، أو لولّى هاربا إلى أبعد بقعة على الأرض حزنًا وغضبًا واستياءً من الوضع الذي آلت إليه اللغة ووضع الناطقين بها.. لوجدناه حتمًا يتساءل عن مكان الأعراب الصادقين الذين كان يسمع منهم الفصحى الخالصة التي لا تشوبها شائبة..
حين رحل سيبويه عن الدنيا لم يكن يبلغ السادسة والثلاثين من عمره.. وقد اعتبره البعض معجزة عصره إذ إنه رغم صغر سنّه فقد بلغ صيته كل الآفاق، وظلّ يردّد على ألسنة علماء النحو وغيرهم إلى يومنا هذا.. ورغم كونه من غير العرب فقد فاق العرب في نحوهم، ليس هذا فحسب بل إنه استطاع خلال فترة وجيزة أن يصبح من كبار النحاة وينافس شيوخهم حتى تمّ تتويجه زعيمًا للمدرسة البصرية.. وكُتبتْ ولا تزال تُكتب الأبحاث الجامعية والدراسات والمقالات عنه وعمّا اختص فيه هذا النابغة.
كانت أمّه تحب أن تدلّله وتراقصه، فأطلقت عليه اسمًا فارسيًّا: "سيبويه"- وهو اسم مركّبٌ ويعني رائحة التفاح.. إذن هو فارسي الأصل. وهكذا اشتهر بهذا الاسم. لكن اسمه الحقيقي هو عمرو بن عثمان بن قِنْبَر وكان يكنّى أبا بشر. ولد عام (140هـ 756 م) على أرجح الأقوال في مدينة البيضاء من بلاد فارس، وهي أكبر مدينة في إصطخر وتبعد ثمانية فراسخ عن شيراز. حين رأى النور أوّل مرّة، كان فارسيّ اللسان، ولكنّه سرعان ما تحوّل إلى العربيّة.. فجاء إلى البصرة ، قبلة المتعلمين وحاضرة العلم آنذاك.. كان غلامًا صغيرًا إذ ذاك وقد بلغ الرابعة عشرة من العمر؛ جاء لينشأ فيها قريبًا من مراكز السلطة والعلم، ومن حسن حظّه أن مجيئه إليها كان بعد أن رفعت الدولة العباسية الظلم عن الفرس وفسحت لهم المجال كي يتولوا أرفع المناصب وأسناها..
وها هو ينكبّ على العلم مع أقرانه فيتلقى علوم الفقه والحديث من أستاذه حماد البصري ويحاول الاجتهاد وإثبات قدرته اللغوية أمام شيخه وهو يملي عليه حديثًا للرسول محمد صلى الله عليه وسلّم "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء…"
لكنّ النحويّ الصغير كان يدرك أن الأفعال الناقصة- كان وأخواتها- ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، لذا لم يرق له أن تكون كلمة "أبا" في حالة النصب ما دامت قد وقعت بعد ليس، فانتفض وقرأ الحديث على الهيئة التي يعرفها: "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبو الدرداء …" فما كان من شيخه حماد البصري إلا أن صاح فيه: لَحَنْتَ يا سيبويه، إنما هذا استثناء؛ خجل الفتى من تصرفه وشعر بالإحراج الشديد فقال في نفسه: والله لأطلبنَّ علمًا لا يلحنني معه أحد.
مضى سيبويه وطلب من الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب كتاب العين- وهو أول معجم في اللغة العربية- وواضع علم العروض، أن يلزمه ويعلّمه مما آتاه الله من علمٍ في النحو.. تردد الخليل في بداية الأمر لكنه بعد أن رأى شدة إصرار الفتى وصدق عزيمته وافق على شرط أن ينتهج منهجه وأن لا يحيد عن الخطوط العريضة التي يسير عليها نحاة البصرة في فهمهم للنحو. كم كانت فرحة سيبويه عظيمةً حين أدرك أنه لن يلحن بعد اليوم ولن يقع في مواقف حرجة مثل الموقف الذي وقع فيه سابقًا.. ثم أخذ يتلقى الدرس تلو الدرس.. أحبّ سيبويه أستاذه الخليل حبًا شديدًا وتعلق فيه كثيرًا ولذلك ظلّ يَذْكُرُهُ في كل مجلس وكل حديث حتى روى عنه في كتابه "الكتاب" خمس مائة واثنتان وعشرين مرةً.. وهذا إن دلّ على شيء إنما يدلّ على محبّته له ومكانته الخاصة في قلبه.. ومع كل هذا ولم يكتف بهذا المدرّس بل لزم غيره من العلماء أهمهم- أبو الخطاب الملقب بالأخفش الكبير، وعيس بن عمرو، وأبو زيد النحوي، وأخذ يتعلم على أيديهم في معظم أوقات فراغه.
تحدثنا العديد من المصادر أن سيبويه بقي في البصرة منذ أن دخلها إلى أن صار فيها الإمام المقدم، وأن شهرته قد لاحت في الآفاق..
ويدعوه أحد الوزراء من البرامكة وكان يدعى يحيى بن خالد البرمكي وهو من المقربين من الخليفة العباسي هارون الرشيد.. فيلبي العالِم الشاب الدعوة ويسافر إلى بغداد حاضرة الخلافة آنذاك، وهناك أعدت مناظرة بين كبيري النحاة: سيبويه ممثلاً لمذهب البصريين والكسائي عن الكوفيين، وأُعلن نبأ المناظرة، وسمع عنها القريب والبعيد، ولكن الأمر كان قد دُبِّر بليل، فجاء الكسائي وفي صحبته جماعة من الأعراب.. ويذكر لنا عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه مجالس العلماء نقلاً عن شاهدٍ عيانٍ من المدرسة الكوفيّة يقال له الفرّاء فيقول: "لما حضر ذلك اليوم تقدمت والأحمر فدخلنا، فإذا بمثالٍ (أي فراش) في صدر المجلس فقعد عليه يحيى وقعد إلى جانب المثال ابنا الوزير وهما جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم وحضر سيبويه فأقبل عليه الأحمر فسأله عن مسألة أجاب سيبويه، فقال له: أخطأتَ. ثم سأله عن ثانية فأجابه فيها فقال له أخطأت. ثم سأله عن ثالثة فأجابه فيها فقال له أخطأت. فقال له سيبويه هذا سوء أدب.
قال الفراء فأقبلت عليه وقلت إنَّ في هذا الرجل عجلةً وحِدّةً، ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء أبون ) و ( مررت بأبين، ) كيف تقول على مثال ذلك من وأيتُ) و ( أَويتُ فقدَّر فأخطأ. فقلتُ أعد النظر! فقدَّر فأخطأ. فقلتُ أعد النظر! فقدَّر فأخطأ ثلاث مرات يجيب ولا يصيب. فلما كثر ذلك عليه قال لا أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره قال فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال تسألني أو أسألك فقال بل تسألني أنت فأقبل عليه الكسائي فقال كيف تقول: "كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي ) أو ( فإذا هو إياها ؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب. فقال له الكسائي: لحنتَ ثم سأله عن مسائل من هذا النحو نحو: خرجتُ فإذا عبد الله القائمُ أو القائمَ؟ فقال سيبويه في ذلك بالرفع دون النصب. فقال الكسائي: ليس هذا من كلام العرب والعرب ترفع ذلك كله وتنصبه فدفع ذلك سيبويه- أي رفضه- ولم يجز فيه النصب فقال له يحيى ابن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب ووفدت عليك من كل صقع وهم فصحاء الناس وقد قنع بهم أهل المصرين وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم فيحضرون ويسألون. فقال له يحيى وابنه جعفر: قد أنصفت. وأمر بإحضارهم. فدخل الأعراب وكانوا قد تآمروا عليه وفيهم شخص يقال له أبو فقعس وآخر يقال له أبو زياد وأبو الجراح وثالث يقال له أبو ثروان، فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه فوافقوا الكسائي، وقالوا بقوله، فأقبل يحيى بن خالد على سيبويه فقال له قد تسمع ما يقولون. وأقبل الكسائي على يحيى وقال أصلح الله الوزير إنه وفد عليك من بلده مؤملا فإن رأيتَ أن لا تردهُ خائبًا. فأمر له بعشرة آلاف درهم فخرج وتوجه نحو فارس وأقام هناك ولم يعد إلى البصرة..
نعم هنا تظهر خيوط المؤامرة وتأتي بثمارها؛ فقال الأعراب بقول الكسائي؛ فانقطع سيبويه واستكان، وانصرف الناس يتحدثون بهذه الهزيمة التي مُني بها إمام البصريين. كان سيبويه لا يتصور بفطرته النقية أن يمتد الشر مدنسًا محراب العلم والعلماء؛ فحزن حزنًا شديدًا وقرر وقتها أن يرحل عن هذا المكان إلى أي مكان آخر ليس فيه حقد ولا أضغان؛ فأزمع الرحيل إلى خراسان. وكأنما كان يسير إلى نهايته؛ فقد أصابه المرض في طريق خراسان، ولقي ربه وهو ما زال في ريعان الشباب، وذلك سنة (180هـ/ 796م) على أرجح الأقوال.
من الصعب جدًا أن نحصي تلاميذ سيبويه، خاصة لو وضعنا في اعتبارنا أن كل النحاة الذين جاءوا بعده غاصوا في بحور لغتنا الجميلة عبر كتابه، ولكن لو تعرضنا للتلاميذ بالمعنى الحرفي فإننا نقول: برز من بين تلاميذ سيبويه عالمان جليلان هما: الأخفش الأوسط (أبو الحسن سعيد بن مسعدة) (أي الأخفش الثاني) وقطرب (أبو محمد بن المستنير المصري).
ومات سيبويه رحمه الله وجل شيوخه على قيد الحياة!
naamankq@yahoo.com



ليست هناك تعليقات: