الأربعاء، ديسمبر 02، 2009

تنهدات جيوس: فراشة أم ضوء؟*



زياد جيوسي
1

تزحف الأيام وتتالى، تعصف الريح، يشدني الحنين (هناكَ .. كأني مرورٌ في اللاطريقِ)، أحلمُ.. لا أتوقف عن الحلمِ، أرنو بناظريّ (هناكَ .. حيث الأمل كأعمى جائعٍ يتحسس الظَّلالَ)، أستعيد الذكرى فيّ والذاكرة شوق إلى (لمساتِ جسدٍ هلامي الثَّمار)، تضمني جيوس بلدتي في هذه اللحظات، فأرى أن روحك (تكتبني بريشتها الضَّليلة رماداً على نارِ الورقِ)، أستعيد لون عينيك، تلك العينين اللتين (لهما طعمُ حريقِ اللحظات).

تشدني ذاكرتك التي تحمل الوطن مع نسمات جيوس، وأنا أجلس تحت فيء الزيتون، تنسكب في روحي كل ذكريات السنين، كل دفق الحنين، الشوق للوطن، فأنتظر أن يجمعنا الوطن ذات يوم، فأشعر بك تهمسين من البعيد: لو كان الأمر أمري لنثرت ورودك على كل العشاق! فأشعر بالهمسات (تتهجاني في غفلةِ اللقاءِ)، وأوراق الزعتر الأخضر (تسجلني فوق أسطرها)، فتتوالى همساتك: إنني أراك في البعيد، أحاول أن أشدك، لكني أعود وأقف أنتظر لقاءنا القريب! فأشعر بهمساتكِ (صباحاً مرتجفاً على مشارفِ غبطةٍ).

أنظر إلى الجدار البشع الذي يلتهم الأرض، أرى فيه (عتمةَ غدٍ.. بياضاً مزيفاً.. عُرياً قبيحاً)، فأستعيد ذاكرة تلك الأيام التي كنت أجول فيها الوديان والبيارات، أجلس تحت دالية العنب على بئر الماء في المروج، فتسقط دمعة و(يكتبني تشرينُ تعباً على سُحبه)، فتمسح أناملكِ الدمعة وتهمسين: إني أراك كعاشق يسير في طريقه متلمساً هائماً لم يذق ما تلمس، فأهمس لكِ: (هكذا أُريدني؛ يقين لحظة تأخذني إلى تنهداتِ نَداه)، أمسك بيدكِ وأشير بها إلى أرض جيوس المسلوبة خلف الجدار وأصرخ: (هي تريدني؛ بياض اسودادِ حبرٍ منقوشٍ على ظلالِ جسدهِ)، وأشير بإصبعي إلى قلبكِ وأهمس: (هو يريدني؛ اكتمال تبرعمِ رغبة)، وأكمل الصرخة من خلف الجدار: أرضنا تريدنا (تكونُ فراشة حُلمٍ.. فيكُون ضوءٌ؛ يجذبها لمدارهِ ولا تمل الدَّوران)، ولا تريدنا أبداً (شمساً مبحوحةَ الشعاع.. شاردةً من هدوءِ دورانِها)، ولا تريد الصرخات من فرسان الفضائيات (اشتعالَ فراغٍ في زوبعةٍ)، وتريد عشقاً للوطن وليس (اختصار لقاءٍ في لا مَكان).

أشعر بطيفك ينصهر فيّ (يتشبثُ بِظلَّ ظلَّي المرتسم على سرابِ الحقيقة)، أشعر بالزيتونات المتشبثات في الأرض خلف الجدار (أهداب لا تملُّ الانتظار) وبئر المروج (يفتشُ عن مساءٍ قادم).

في جيوس كنت وطيفكِ (صباحاً، أحاور السنين، أقطف رائحة نعناعها)، أصرخ فيرتد صدى صوتي (بقايا نشيدٍ مبحوحٍ يهاجم أمسياتِ هَذيِي)، أنظر إلى الطريق الوادي التي أغلقها الجدار في وجه أبناء بلدتي، أرى الدم يتدفق من بين حصاه فأصرخ: (أيها الأحمر: يا نزيف وجه الصباحِ يمسحه الليلُ بماءِ السوادِ)، ستعود الأقدام المتعبة لتعبرك من جديد، تقطف الزيتون وتروي بيارات الليمون والبرتقال التي جفت، وأهمس في أذنك إنني ما زلت أرى (أن صوتَ عينيك أروعُ من نضارة وردةٍ)، وأن للبيارات (رائحة جسد باكٍ، ولي ظل لون مؤقت).

أقف على شرفة تعانق النسمات الغربية، تلامس روحي أرض- المنطار- وسقيفة عمي الشيخ الكبير، فأراكِ طيفاً متمرداً يقفز في داخلني يسائلني: (كم رجفةً تكفي ليسقط قلبٌ على أثار خوفهِ)؟، أصمت وأواصل الالتحاف بنسمات باكية تحمل رائحة البحر، فيصر همسك الآتي من البعيد أن يجيب (لا عدد! لكن؛ من المؤلم أن تواصل السفر بين شقوقٍ، تتربص لك بصحوة العدمِ، تُصعد أنفاسك هباءً، لتتساقط طعنات بأفَّ الشفتينِ).

تصر روحي أن لا تتوقف عن التحليق، تجوس أزقة جيوس وتخترق الجدار والأسلاك الشائكة، تجول بين الزيتونات الباكيات، وروحك تخاطبني: دعني أعاني معك.. (كيفَ تستطيع أن تستثنيني من المعاناة؟)، فأنا كما أنتَ (كنتُ أنتظر فُتات اللقاءات)، وأحلم أن أجول جيّوس معك، فأنا (أحاول حفرَ مكانٍ لي هناك)، حيث أبار الماء التي استلبها الجدار جميعاً، وترك أرض جيّوس عطشى، فما زالت في ذاكرتي أحاديثكَ عن بئر غنيم، الذي تراه (قطرة تنسابُ من رعدِ السماءِ)، وآبار يوبك والشقفة والسطوح والكارة التي تراها (قطرات تغسل اللذات عندَ مُخملِ المساءِ)، فأهمس لكِ: دعي طيفك معي نجول الأراضي الزراعية التي حجبها ظلم الاحتلال وقسوة الجدار، نجول معاً أراضي الهدفة والمدكات وأم الحصر والدريمات والمروج ويوبك والسطوح والمنطار والحليص، ونستذكر معاً قصة ضبع الحليص التي أضافت لها ذاكرة الآباء الكثير من الأساطير، نستعيد ذاكرة عزف الناي للعم الناجي وهو يعزف بحنان وقوة، وأغنامه تغوص في الربيع، فأضمك طيفي (ليتراقصَ جسدكَ على موسيقى شبقةً).

هي تنهدات جيّوس أستمع إليها وأتساءل: تراها (فراشة أم ضوء؟)، فأغادر جيّوس وأنا (أبحث عن مشهدٍ آخر للصباحِ)، أتجه إلى رام الله وأنا أحلم من جديد بمعانقة ياسمينات متعربشة على الجدران، (أتهيأ للقاءٍ ينثر سوادَ كهولتي على مَقعدِه)، أحلم بيوم صباح أجمل، أحلم بلقائك بعدما طال الغياب كثيراً، وأستعيد همساتك (كم كنت خائفةً من هطول المطرِ، من قطرات الماءِ التي تهطُلُ عليَّ)، فيعزف لك قلبي أنشودة حب (تدندنك الموسيقى بروعتها)، أملاً وحلم لقاء.

* كلّ ما هو بين أقواس للشّاعرة رانية ارشيد، من مجموعتها الشّعريّة "فراشة أم ضوء؟"، 2008م.

ليست هناك تعليقات: