السبت، يونيو 28، 2008

الأيام الأخيرة في علاّج: رواية للكاتب الليبي محمد العريشية

د. عدنان الظاهر

(( الرواية مكتوبة وفق بعض الاساطير والخرافات المحلية ومن بينها الصل وهو من بين الاساطير التي تروى بأنه كبير الحجم ويلتهم الجمال والبشر وفي العادة هناك دائما من يتمكن من ترويض الصلال .
اشجار الرتم تنبت في ليبيا ولها ازهار فواحة تقتات عليها الاغنام في الربيع وله
احجام مختلفة اوراقها كأوراق اشجار الشعراية ان كنت
تعرفها
الفساد والصراع مع السلطة هو ثيمة هذا العمل وكذلك شحصية البطل القوي والشهم والمدنس ايضا كالبدري يجمع كل الصفات
دائما اقول اني ادفع شخصياتي لفعل ما لم افعله يوما واحبهم ان يقفوا قرب النافذة التي كان من الممكن ان اقف بقربها انا .
ما يهمني ان يستمتع كل من يقرا الأيام الأخيرة في علاج لانها جاءت بعد سنوات من
)). العمل في صمت والقراءة الماراثونية




هذا ما كتب الأستاذ الروائي محمد العريشية كتمهيد وتعريف بظروف روايته ودقائق عناصرها وكيف كتب ما كتب من وحي تأريخ وتقاليد وعادات أهل قرية علاّج فضلاً عن خبرته العميقة بعالم البحر وصيد الأسماك فيه بحكم قرب مكان إقامته عند سواحل البحر في شمال إفريقيا
( في ليبيا ) . تتحكم في تفاصيل هذه الرواية وتشعباتها عوالم ومؤثرات أساسية وزعها الكاتب على عدة محاور أكثرها أهمية ً :
أولاً / السحر والخرافة والأساطير والخوارق
ثانياً / صراع الناس البسطاء مع السلطة ممثلة ًً برجال الشرطة والأثرياء المستغلين الذين تخدمهم هذه الشرطة لكأنَّ ما بين الإثنين علاقة حياتية لا تنفصم ولا تتجزأ . الأثرياء المتمكنون يخلقون سلطة وشرطة ويشرعون القوانين لأجل إدامة تسلطهم وإستغلال الفقراء والضعفاء ، فالشرطة في كل زمان ومكان هي أداة تنفيذ إرادة وإدامة مصالح الأغنياء وهي وسيلة قمعهم وتكميم أفواههم وسجنهم أو قتلهم إنْ تمردوا وعصوا .
ثالثاً / البحر وصيادو الأسماك الفقراء وملاحقة الأثرياء لهم ومحاربتهم في رزقهم والشرطة هي أداتهم المنفذة الطائعة دوماً .
أولاً /
الرواية طافحة بالخوارق والأخيلة الخرافية التي برع محمد العريشية في توظيفها حتى دخلت في صميم نسيج أحداث الرواية حتى ليعجز القارئ عن معرفة كونها مجرد أساطير وخرافات بفضل قدرة الكاتب على الدمج الحيوي كأنه طبيب جراح يُدخل نسيجاً غريباً بدلاً من نسيج آخر في جسد إنسان حي بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر . عملية خياطة بلاستيكية بارعة ينفذها جراح إختصاصي خبير . غير أني وجدتُ بهذا الخصوص إستثناءً واحداً فقط وقفت عنده وسألت الكاتب عنه ... أعني ما قال عن خرافة ( صل ) يبتلع البشر رؤوساً وأجساداً ... وإعتراضي أنَّ المعروف عن الصل هو حية صغيرة ذكر شرس الطبيعة ، لذا فليس في مقدوره إزدراد البشر كما تفعل الأفاعي العملاقة المسماة لاكوندا المعروفة في أمريكا اللاتينية ( الصفحات 105 ـ 106 )

قلتُ إنَّ الرواية ملأى بقصص خرافية لم يختلقها الكاتب من عنده لكنه لا ريبَ سمعها من الناس الليبيين البسطاء من فقراء الأرياف والصيادين الزاهدين بالربح والكسب الحرام وبعض البدو . ذاكرة الكاتب قوية ونشطة وحرِكة ( ديناميّة ) مضافاً إليها قدرة خاصة به لتنشيط هذه الخرافات وبعث الروح القوية فيها أي تكبير ومضاعفة فعلها بالمبالغة المقصودة مستهدفاً خلق أقوى تأثير ممكن على حس وتصوّر وإستيعاب القارئ الذي لم يرَ ليبيا ولم يعايش سَكنة القرى والأرياف والبوادي الليبية. ثمة هدفٌ آخر لا يقل أهمية عن سابقه ألا وهو التهويل والإفراط في إخراج الأحداث بأعتى زخم فيزيائي ـ نفساني ليهز َ أعصاب القارئ ويريه ما لم يرَ في حياته . المبالغات هذه مطلوبة لتضخيم التأثير النفساني على القارئ بكافة اشكاله وطبائعه وتلوّناته . فلشدة كره الكاتب للسلطات جميعاً ونفوره من أدواتها القامعة ( الشرطة وضباط الشرطة ) جعل أحد شخصيات الرواية وإسمه البدري أن يقتل ثلة منهم وأنْ يقطع رؤوسهم ويعلقها على الأعواد ولم يتركهم هكذا ويمضي إنما يواصل عملية قتل إضافية تشفياً بمخالب السلطة وأدواتها الجرمية بحق الشعوب فيدعو أفعى صغيرة ( صل ) زيادة في تحقير الشرطة البوليس ويبالغ في تكبير حجمها وطولها 11 متراً ( الصفحات 105 ـ 106 ) ... يدعوها ويدعها تلتهم الأجساد والرؤوس أي إنها نفذت عملية قتل أخرى نفذها بدري في أحياء فجاءت الأفعى لتتم َّ العملية بإلتهام أجساد الموتى . خيال وخرافة لكنها تخدم هدفاً واضخاً في رأس الكاتب ورغبة دفينة تنطوي على الحقد المقدس على السلطات المستبدة الغاشمة التي تجثم على صدور المواطنين وتخنق أنفاسهم . محمد العريشية مناضل إجتماعي فذ كامل الإنسانية وثائر من الطبقة الأولى يحتل مكانا ً يليق به في صفوف من نعرف من ثوار عرب وعالميين .
كما بذل محمد جهداً خاصاً واضحاً ركزَّ فيه على فكرة وفلسفة إتصال الأجيال وأنْ ما نحن إلا تبَع ٌ وتتمة ٌ لآبائنا وأجدادنا ... نرثهم ، نرث أكواخهم ونرث بؤسهم ونرث شجاعتهم ونرث حتى عظامهم ونرث ما تركوا فينا من قيم وعادات وتقاليد وجيناتهم التي زرعوها فينا ونحن في أرحام الأمهات . علمونا وقد رحلوا أنْ لا نفارقهم وأن نظل َّ أوفياء لهم ولعاداتهم وما ألِفوا من تقاليد . وإنهم بدورهم لايفارقوننا فهم بنا محيطون كما الأسوارة في معصم اليد . نراهم عَياناً ونسمع كلامهم وصُراخهم ونرى ضوءا ً فيما يحملون من فوانيس ( الصفحة 21 مثلاً ). إنه الوفاء وفاء محمد لأجداده وإنشداده لهم يستمدُّ عزمه وقواه على مواجهة الحياة منهم . كيف يغيب والد ٌ عن بنيه ؟ ما معنى أنْ يموتَ الإنسان ؟ وماذا سيحلُّ به بعد الموت ؟ أسئلة محيرة جابهها الإنسان منذ أقدم العصور وما زال . هكذا يوظف الروائي محمد العريشية تراثه وأفكاره ومخيلته الخصبة ووفاءه لذويه الراحلين تخليداً لذكراهم من جهة وبعث الروح فيهم من الجهة الأخرى فهم بيننا خالدون نستلهم الصبر والقوة والإقدام منهم أمواتاً وأحياءً .
من مبالغات محمد الساخرة المضحكة إنه جعل لحية ( الهادي ) تحترق بحكها بسبابته لكي تتقد فتغدو ناراً يولّع ( البدري ) سيجارته منها . مصدر مجاني جديد للنار بلا وقود ... محمد الساخر مخترع وصاحب خيال نادر ( الصفحة 86 ) . تخفي هذه الصورة الكاريكاتورية المضحكة وراءَها لغزاً آخرَ أكثر سخرية منها . هذا اللغز يكمن في مصيبة الصبية إبنة الهادي التي كشفت ( رحمة ) الفحّامة العانس أمراً كان مستوراً ... أنَّ رجلاً دخيلاً على قريتهم دأب على إستباحة الصبية إبنة الهادي وظهر فيما بعد أن َّ هذا الوحش وإسمه ( التومي ) جاسوسٌ زرعه أحد الأثرياء الليبين بين ظهرانيهم في قرية علاّج ليجمع له ما يتداول الأهالي من أخبار وغير ذلك من الشؤون . ثم ظهر فجأة أنَّ الرجل القوي ومحرِّك أغلب وأهم أحداث الرواية ( البدري ) هو الآخر كان يغتصب الصبية وقد كشفه صديقه ( الزارعي ) في موقف ما كان البدري يتوقعه ( الصفحات 69 ـ 70 ) . دار حوار قصير بين هذين الرجلين بالشكل التالي :
الزارعي : ... ليس التومي وحده مَن يغتصب البنت المنكودة
البدري : ماذا تقول يا زارعي ؟
أشار الزارعي إلى البنت وهي ترتجف وقال :
إنها كالشاة القاصية وكل ليلة تتحلق حولها ذئاب علاّج .
البدري : لكنَّ رحمة الفحامة رأته فوقها
الزارعي : وأنا كنتُ أراك فوقها .

هذا على ما أحسب سر إستخدام الكاتب لصورة إحتراق لحية الهادي بإصبع سبابته لكي يولّع البدري بهذه النار سيجارته . الصور بالغة الدلالة عميقة التأثير ، لماذا ؟ لسببين ، الأول هو السخرية من رجل لا يقتل غاصب إبنته ثأراً لها ولا يقتلها غسلاً لعارها أي إنه ديوث قوّاد . السبب الثاني وهو الآخر ذو دلالة كبيرة ، في نظري ، تفسيره أنَّ البدري هذا كان هو الأخر من مغتصبي هذه الصبية ولقد كنى ورمز إلى هذا الفعل غير الشريف بحرق جزء ( إي نهش أو إلتهام ) جزء من بدن ( شرف ) والد الصبية المدعو الهادي . الذي يغتصب صبية كأنما يغتصب أمها وأباها . ناقص شعر اللحية كناقص الشرف الشخصي . إذا أراد بعض الناس في ريف العراق طعن شخص في شرفه تسللوا تحت جنح الظلام لمكان مبيت خيله فقصّوا جزءاً من صيوان فرسه . إشارة قوية إلى أنَّ صاحب هذا الحصان أو الفرس منقوص الشرف أو مطعون في شرفه .
ثانياً /
الصراع الصراع !!
صراع المحكوم والحاكم ، المغصوب والغاصب ، المسلوب والسالب ، المقتول والقاتل ... إنما هو صراع ضارب في القدم مذ ْ أنْ إنقسم البشر إلى فريقين فريق يعمل ويكد ُّ ويكدح وآخر يستثمر عمل مّن يعمل . أسس الذين يأكلون ولا يعملون وسائلَ وأدواتٍ لإجبار العاملين على مواصلة العمل حتى الموت عطشاً وجوعاً ومرضاً ومن ضربات الشمس وبرد الشتاء . طوروا هذه الوسائل بمرور الزمن وتغيّر الناس فأسسوا أجهزة متخصصة للمراقبة الصارمة أطلقوا عليها أسماءَ شتى كالشرطة والمحاكم والقضاء والحكومات ثم قننوا هذه المراقبة وشرّعوها بقوانين ودساتير. مهما تطورت الحياة ووسائل الإستغلال والعسف وجبروت سلطات المستغلين والمستثمرين فعبرت الحدود الوطنية والقومية وإمتد َّ سرطان توسعهم وتمدد وتضخم َّ هوسهم بالمال والسلطان ... فإن النزاع والصراع بين الفريقين المتقابلين والمتضادين يبقى أبداً في جوهره وإنْ تغيرت بعض سماته وملامحه العامة وتطورت وسائله وأشكال التعبير عنه .
ليس بعيداً هذا الكلام عن محمد العريشية وقد عاهد النفس على الوقوف بشجاعة مع الفريق المظلوم ضحية الإستغلال والتعسف . ولعل نشأته الأولى وأصول عائلته ووضعها في السلّم الإجتماعي ساعدته في أن يكتشف طريقه ونهجه الصحيح وأنْ يرى مواضع قدميه ومع مَن مِن الناس يقف ويتعاون وإلى مَن منهم ينتمي . فإذا أدرك وصمم على هذا الإنتماء وجد نفسه أو وضعها عامداً في مواجهة السلطات الحاكمة وشرطتها وأجهزتها السرية والعلنية ... الوجه المباشر الصفيق لهذه السلطات . قبل إستقلال ليبيا كان الطليان يحكمون ويستغلون ويتجبرون ويقتلون وقد قتلوا الزعيم الليبي الفذ الشهيد عمر المختار الذي ذاع صيته في عشرينيات القرن الماضي إذ قاد الثورة ضد الطليان الغاصبين المستوطنين بالقوة . لقد وقف الشاعر العراقي المرحوم معروف الرصافي مع ثورة الشعب الليبي هذه ـ كغيره من مثقفي العراق والعناصر الوطنية الواعية فيه ـ فنظم عدة قصائد يعرب فيها عن تضامنه مع ليبيا . كما أنَّ للشاعر المصري أحمد شوقي قصيدة معروفة يُرثي فيها الشهيد عمر المختار ويُشيد بالثورة وبالشعب الليبي الثائر البطل قال في مطلعها :

ركزوا رفاتكَ في الرمالِ لواءَ
تستنهضُ الوادي صباحَ مساءَ

نماذج من أشعار معروف الرصافي **
قصيدة ( إلى الحرب ) وهي قصيدة طويلة أختار منها ما يلي :
...
ألستَ تراهمْ بين مصر ٍ وتونس ٍ
أباحوا حِمى الأسلام ِ بالقتلِ والنهبِ

وما يؤخذ ُ الطليانُ بالذنبِ وحدَهمْ
ولكنْ جميعُ الغربِ يؤخدُ بالذنبِ

يعز ُّ علينا أهلَ بَرقةَ أنكمْ
تدورُ عليكمْ بالدمارِ رَحى الحربِ

أما والعُلى يا أرضَ بَرقةَ إننا
لنشرقُ من جرّاكِ بالبارد العَذبِ

ويا أهلَ بنغازي سلامٌ فقد قضتْ
صوارمُكمْ حقَّ المَواطنِ في الذبِّ

ومَن مبلغٌ عني السنوسيَّ أنهُ
يمدُّ لهذا الصدعِ منهُ يدَ الرأبِ

ويا معشرَ الطليانِ قبّحتَ معشراً
ولا كنتَ يا شعبَ المخانيثِ من شعبِ

كما أنَّ الرصافي هذا كتب قصيدتين أخريين حول ليبيا في مواجهتها للإحتلال وما قاسى شعبها من أهوال وقتل وعسف عنوانهما ( في طرابلس ) و ( رؤيايَ الصادقة ) . لم يذكر الرجل إسم عمر المختار فيما كتب ونشر من قصائد بينما ذكره أحمد شوقي في القصيدة سالفة الذكر أو أشار إليه إشارات واضحة الدلالة بل ، وربما حمل عنوان القصيدة إسم البطل الشهيد ... ليست القصيدة في حوزتي لذا لا أستطيع الجزمَ فأعتذر.
لم أشذ عن موضوعي وأنا في معرض الكلام عن الإستغلال والمستغلين وعن الظلم والظالمين ، ذاك لأنَّ الإستيطان والإستعمار هما من أقسى وأبشع أشكال الإستغلال وقد ذكر محمد العريشية الطليان بالإسم عدة مرات فقد ذكر على سبيل المثال السنيورة الإيطالية التي كانت تدير بيتاً للدعارة ثم رحلت إلى مالطة بعد أن خسر الطليانُ الحرب ( الصفحة 14 ). كما قال جملتين لهما أبلغ الدلالات فقد قال [[ قال الرجل وهو يُعطيه ظهره : الطليان قتلوا أمّي . ثم قال بعد قليل : مَن لا يبكي من أهوال الطليان يتهيأ للبكاء / الصفحة 45 ]] . تتعاون في العادة مع المحتلين فئات من المواطنين الذين يخدمونهم كجواسيسَ وخونة ثم َّ يفيدوا منهم مقابل هذه الخدمات فيكسبوا مالاً وربما يصيبوا ثراء ً . هذا النمط من البشر ما هم في الحق إلا أذلاء منبوذون أمام الأجنبي الذي يستخدمهم لكنهم كلاب نابحة وذئاب مسعورة على أشراف الناس ضحايا الإحتلال ولا سيما الأبرياء الضعاف منهم . كتب محمد على الصفحة 50 وصفاً لمشهد مواجهة بين أحد هؤلاء الخونة من خدم الطليان وصيادين فقراء إعتادوا ممارسة الصيد قربَ ميناء صغير ناءٍ لا يمكله أحد ٌ حتى جاء ذات يوم من يروم الإستحواذ بالقوة عليه :
[[ لم يمضِ عام ٌ حتى إستولى على الميناء نفسُ البدين الذي بسط نفوذه على رجل البقباق ، رجل ٌ فظ ٌّ لا يُطاق ُ يخاطبُ الليبيين بكل غطرسة وغرور و لكنه مع الطليان أذل َّ من كلب ومن بين نزواته التي لا تُحتمل كان إذا حدث وأنْ ثارت ثائرة الأمواج واضطرب البحرُ تضيق به الدنيا ويصب جامَ غضبه على الصيادين والويل ، كل الويل لمن ينظرُ إلى عينيه مباشرة ً أو لا يركض أمامه / الصفحة 50 ]] . الجديد الطريف في هذه المواجهة غير المتكافئة بين فقراء الصيادين ورجل من ( الكومبارادور ) الذين يخدمون الأجانب من جهة ويظلمون أفراد شعبهم ويمتصون ناتج جهدهم من الجهة الأخرى ... الجديد الطريف هو الربط بين هياج البحر وهياج هذا الصعلوك المستأسد على فقراء الناس وما هو في واقع الحال إلا خادم للأجنبي وكلب خاضع تابع له ذليل .
لقد كرّسَ محمد صفحات كثيرة واصفاً فيها كيف تواجه الشعوب قوات الشرطة التي تخدم الأثرياء المستغلين وأصحاب المشاريع الإستثمارية التي تطرد البائسين من أراضيهم ومن قراهم وتستولي على أو تحرق أكواخهم وما يملكون من حطام الدنيا . إنتصر البسطاء بعزيمتهم وإصرارهم على التمسك بحقوقهم الطبيعية في الحياة والكسب البسيط الشريف ... إنتصروا على فريق الشرطة بقيادة ضابط باغتَ أهل قرية علاّج بسيارة لاندروفر مدججين بالسلاح . ترجّل منها ضابط شاب وأمرهم قائلاً (( إسمعوا يا أهالي علاّج ، إنه إعتباراً من الغد أنَّ علاج ستصبحُ من ممتلكات الحكومة ، غداً بعد منتصف النهار عليكم بالرحيل الصفحة71 )). هذه هي المصادمة والمجابهة الملحمية بين الناس وقوات القمع ، بين أن يدافعوا عن حيواتهم ومصالحهم المتواضعة وأن يستسلموا للظلم والظالمين ، بين أن يظلوا أحياء رافعي الرؤوس شامخي الهمم وأنْ يرزحوا تحت أعباء الهوان وذل العيش في كنف مضطهديهم ومستغليهم. لا بدَّ من أن تنتصر إرادة الحياة وتسود الطبيعة السوية في أسوياء الناس كما عبّر عنها شكسبير في مسرحية هاملت على لسان والد هاملت القتيل إذ خاطب ولده قائلاً (( إذا كانت الطبيعة سويةً فيك فلا تسكت على حادث إغتيال أبيك )) أو أرفض القصة المزوَّرة التي إختلقها عمك لتفسير حادث موتي .
If thou hast nature in thee, bear it not.

كيف سخر محمد العريشية من الحكومة وممن أرسلتهم لإبلاغ أمر تخلية قرية علاج ؟ سخر من مجموعة الشرطة ومن ضابطهم بصور وأساليب شتى منوّعة وما إنتابهم من رعب وهلع وجبن أصابهم رغم ما يحملون من أسلحة وهم يواجهون مجموعة من رجال القرية عزلاء من السلاح الحديث . قتلوا جميعاً وفصلت رؤوسهم عن أجسادهم ثم أتاهم صل ليمحوهم من الوجود دون أن يتركوا لهم لا قبراً ولا أثرا ً ... إبتلعهم الصل فنفاهم من عالمي الأحياء والأموات فأية سخرية وظف محمد وأية نزعة ثورية في روح هذا الكاتب الإنساني المنفض جعلته يتمنى لو يستطيع أن يمحو ( يبتلع ) كل اشكال الحكومات وأدوات تسلطها وقهرها من شرطة وضباط شرطة وجيش وأسلحة . إنه لا يطيق أن يرى وجود ومنظر حكومة على وجه الأرض ولا قبوراً لقتلاها وهذا هو مصير حكام السوء وحكوماتهم وآلات قهرهم من شرطة وجندرمة وبوليس ومخبرين ومخابرات وأجهزة سرية وأخرى علنية .
ثالثا / محمد والبحر
للكاتب محمد العريشية ولع خاص بالبحر بل وغرام وهوى ، لذا فلقد نشأ معه وفيه سابحاً في مياهه مستلقياً على رمال شواطئه الممتدة مدَّ البصر أو حاملاً معدات صيد السمك على ظهر زورق صغير بسيط التركيب . أجل، صيّر البحرُ محمداً لا عابداً عاكفاً على تقديسه وإنما صيره صياداً ماهراً محترفاً ملماً بأدق دقائق الصيد ومستلزماته بل وخبيراً مختصاً بسلوك ما يصيد من سمك وردود أفعالها وكيف يراودها وكيف يخادعها وكيف يتعامل معها كما يتعامل مع مَن يهوى من النساء . هذه فلسفة محمد التي إكتسبها من حرفة الصيد وطول معاشرته للأحياء منها في عرض البحر وأعماقه . هنا أيضاً نكتشف محمداً الإنسان في جوهره وفي سلوكه حتى مع الحيوان . يعطي قارئه درساً في علم الأخلاق وفي أتكيت السلوك مع الحيوانات الجميلة المسالمة التي لا تؤذي أحداً إنما هي ضحية الأذى والعدوان وهي التي تدفع ثمن حريتها وحياتها دون أن تقترف َ ذنباً أو معصية أو جناية . سأنقل ما قال محمد في البحر فما قال يشكل لوحة فنية شعرية جميلة لا يرسمها إلا عاشقٌ عابدٌ للبحر وُلدَ بالقرب منه ونذر له نفسه . نقرأ في الصفحة 44 :
[[ ... في الصباح ، إكتشف أنه في قرية صيادين وشاهد أكواخاً أخرى من الخوص تنتشر بلا نظام . إقترب من قوارب مقلوبة بمحاذاة الصخور ، تحسس بأظافره القذرة دهانها الأزرق الباهت ، مشى فوق حبل مدفون تحت طبقة رمال وقفز حزمة مجاديف قديمة ثم جلس لبرهة فوق كومة شباك تتكوم على الرمال ونظر بإتجاه البحر ، كانت الأمواج تتكرر قبل أنْ تندفعَ نحو الشاطئ ، والقوارب تجمحُ مع التيار وقوة الرياح وتتوتر الحبال التي تشدها إلى الصخور وتصورها كما لو كانت خيلاً جامحة ]] .
نعم ، أنا هنا أمام لوحة فنية لساحل بحر ليبي رسمها فنان مقتدر لا بمعنى ( تكنيك ) الرسم وفلسفة الألوان وهندسة وتوزيع الخطوط والظلال ولكن بمعنى أنه فنان خيال قادر على التحليق في أيما فضاء وفي أيما ظرف وفي أيما مزاج بشري . إنه الكاتب ـ الفنان الذي يعرف جيداً موضوع ما يكتب وأساليب مقاربته وطرائق التعبير عنه بالشكل الذي يرضيه أولاً ويرضي قرّاءه من بعدُ . جمع محمد هنا أغلب عناصر البحر وما يمت ُّ له بصلة أو صلات . الساحل والرمل والقوارب ومجاديفها وحبال ربط القوارب إلى صخور الساحل من جهة ، وأمواج البحر وطبيعة حركتها مداً وجزراً من الجهة الخرى . لقد وضعنا أمام متقابلين لا ينفصمان : البحر ووسائل الصيد فيه . ففي البحر ما يقتات الصيادون عليه . وعلى الساحل الرملي ، والرمل من البحر ، نرى العامل الوسيط ما بين الصياد والبحر : قوارب الصيد . قوت الإنسان موجود ومتوفر بكثرة في عرض البحر ولكن للحصول عليه على الإنسان الجائع أن يوفر وسائل الوصول إليه في ماء البحر وليس على اليابسة . عليه تصنيع أو إبتياع قارب صيد وحبال لربطه على الساحل حين لا يحتاج الصياد إليه . القارب هو الوسيط بين الإنسان والبحر ... هو الوسيط بين الإنسان وسمك البحر الذي يسميه الليبيون ( حوت ) . هذا الخشب الجامد هو الذي يديم حياة البشر ويدرأ عنهم خطر الموت جوعاً . تأتي الحياة من الجماد أو بواسطته وقد قال أبو العلاء المِعرّي *** قديماً وأجاد فيما قال :

والذي حارت البريّة فيهِ
حَيوانٌ مستحدثٌ من جمادِ

وربما أشار المعري في بيته هذا إلى ما قرأ في سورة الروم من القرآن الكريم [[ يُخرِجُ الحيَّ من الميّتِ ويُخرجُ الميّتَ من الحيِّ ويُحيي الأرضَ بعد موتها وكذلك تُخرجون / الأية 19 ]] .

البدري والزارعي يصطادان السمك البحري / الصفحة 46

لوحة أخرى تتفجر بالحيوية والحركة والقدرة على الإلتحام بين الإنسان وبعض عناصر الطبيعة الأم إلتحام ود ٍّ وإلتحام صراع . لوحة تذكرني ببعض صفحات صراع الرجل الكبير في عرض البحر مع أسماك القرش في قصة ( الشيخ والبحر ) لهمنكواي . يكشف محمد العريشية في هذه اللوحة عن عميق ودقيق معارفه في عالمي البحر والصيد فيه . شخصان يتحديان البحر ووسيلة تحرّكهم فوق مياهه قاربٌ بسيط صغير . لا أنقل كل ما كنب محمد في هذه الصفحة ، 46 ، لأني أود أن أحيل القارئ الكريم إليها ليقرأها بنفسه ويتمتع بأجوائها ويشاركني إعجابي بما ورد فيها ولا سيما عنصر الحركة المتعددة الأشكال والمراتب والإتجاهات وهل الحياة إلا حركات ؟ لكنَّ الذي يستهويني في هذه الصفحة خاصة ً هو الحوار الثنائي بين هذين الصديقين البدري والزارعي أنقله بكلماته حرفياً دون التدخل فيما يُحتمل من إجتهادات لغوية :
البدري : قلْ لي يا زارعي لماذا لا تستعمل الديناميت في شاش ، هناك في الزعفران وفي مناطقَ أخرى كنتُ أسمعُ عن سهولتها في الصيد الوفير .
الزارعي : إسمع يا بدري ، أنا أصطادُ السمك بدافع شهوة في داخلي ، وأشعرُ حين أوقعها في شصّي كما لو أني أغويتُ إمرأة ً أما الديناميت فهو لجشع بعض الصيادين .
يجمع محمد في هذا الموقف بين السمكة في لحظات صيدها وبين المرأة . قصده واضح رغم كونه يحمل مقارنة طريفة لها أكثر من مغزى . مراحل إستدراج إمرأة للوقوع في حبائل أو حب رجل ثم مصيرها الأخير يشابه مصير سمكة يصطادها صياد في البحر . يُغريها بطعام تحبه ... تبتلعه فتبتلع الشص معه ... تتمنع وتدافع عن الحياة فيها ... تتألم وتتلوى دون أن تشكو وأن تتظلم ولمن تشكو ومَن يسمع شكواها ؟ تحاول الهرب في عرض البحر ولكنَّ الحديد المدبب البارد مغروس ٌ عميقا ً في فمها وربما في جوفها ... ومع شص الحديد هذا حبل يربطها بيد صيادها فاين المفر ؟ تمارس السمكة صراع موت أو حياة لتعتق نفسها من قوة أسر الحديد والحبال ... إنها تسعى لإستعادة حريتها في ماء بحرها الذي ولدت وعاشت حرة فيه ... ينهكها هذا الصراع غير المتكافئ ويهد ُّ قوتها نزف الدم فتستسلم لقوة شد ِّ الحبل حتى يسحبها الفارس اللئيم لقاربه وهي بين الحياة والموت وقد إستسلمت كما يستسلم قادة الميادين في الحروب بعد أن تنفد ذخائر جيوشهم ووقود دروعهم وعجلاتهم الحربية . .. إستسلام قادة أبطال لا إستسلام جبناء رعاديد . ما الذي أغوى كاتبنا في أن يتورط في مثل هذه المقارنة ؟ حبه للصيد أم حبه للمرأة أم لكليهما أم لا هذا ولا ذاك ؟ هل عانى محمد من مشاكل مع بنات حواء أم إنه خبير في شؤونهن َّ مثل الطلياني كازانوفا الذي لا شك َّ يعرفه محمد كما أحسب مثلما يعرف تفاصيل قصة الشيخ والبحر آنفة الذكر ؟ الطُعم ، الحاجة للغذاء لإدامة الحياة ، الإغراء ، الإستعداد للإنجذاب لما يغري ، الوقوع في الفخ ، محاولات الإفلات ، مرارة الصراع من أجل البقاء ، النهاية !! . في هذا المسلسل قد نجد القواسم المشتركة بين المرأة والسمكة والسمكة مؤنثة كالمرأة . ما زال الإنسان مشدوداً لمملكة الحيوان التي تحدّر منها .

رابعاً / الحكمة والأفكار الراقية
رغم الأجواء الخرافية والتفسيرات المغرقة في شعبيتها وفي قدمها وبالرغم من معاناة الكاتب مما يحمل في رأسه وقلبه وفوق كتفيه من عبء وهم ِّ المشاركة الحقيقية فيما يعاني بسطاء الناس فلقد بيّن أنه إنسان نقي الجوهر نادر المعدن ثاقب الفكر المتسربل بالحكمة والعمق مع منحى واضح لعالم الفلسفة فيما يفسر من ظاهرات وحوادث وما يُضيف لسرده في أبعاده الثلاثة من لمسات تأتيه إلهاماً فتغدو نصوصه صفحات ٍ من بعض كتب السماء . أمثلة على ما أقول وأعني :
[[ إسمع ْ يا بدري ، كلما تقسو الحياةُ تتحجر قلوبُ الناس وتتسلح إرادتهم للإستمرار في الحياة بجدار من أمل كذوب لا يلبث ُ أن ينقلبَ إلى لامبالاة. ذلك أنَّ قسوةَ الحياة في هذه الأنحاء تنخر القلوب وتضعفها ولهذا يكثر الخوف وتهاب الناس من الخروج عن المسار المحدد لها / الصفحة49 ]].
أمثلة أخرى / الصفحات 108 ـ 109 ، حوار آخر بين البدري وصديقه الزارعي:
[[ إنَّ الإنسانَ يتكدس في عمق أعماقه ركاماً تلوَ ركام من الظلم وإذا لم يظهر على دفعات كتنفيس يظهر بغتة ً في غير وقته لرد ِّ إعتبار سابق. إنَّ الإنسانَ يا بدري ما هو إلا إنسان قديم وردود أفعاله تجاه الظلم الذي يواجهه الآن قد تكون ُ رغبة دفينة في أعماق إنسانٍ ما ظُلمَ في وقت ما وفي مكانٍ ما ولم يتجسد رد ُّ الفعل إلا الآن على يدك أو على يد رجلٍ آخر ]].
نرى في هذا المنطق الجميل فلسفة ودايالكتيك يفسِّر لا تراكم رأس المال وفائض القيمة بل يفسِّر تراكم الغضب الكمي في نفوس المظلومين والثورة على الظلم والظالمين خلال مسيرة التأريخ . يقول الناس (( لا يضيع حق ٌ وراءه مُطالب أو مّن يطالب به )) . فإذا عجز جيل عن الثورة لأسباب خارجة عن إرادته فلسوف يأتي جيل بعده يقتص له وينتقم ممن ظلمه وقهره وسلب منه إنسانيته ولقمة عيشه وأبنائه . يتراكم غضب الناس في الخفاء كما تتراكم رؤوس الأموال في العَلن حتى تأتي لحظة الإنفجار ويأخذ كل ذي حق حقه ويعدّل التأريخ مسيرته . [[ ـ نعم ، إنَّ حلقات السلسلة الإنسانية تتماسك ، الرجلُ الذي لا يُنصفُ الآخرين في عصره يأتي رجلٌ آخر في عصر آخرَ وينالُ من القاتل اللئيم ]] .
نظرية محمد العريشية هذه تحاكي ما قال قبله الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي :

إذا الشعبُ يوما ً أرادَ الحياة َ
فلا بدَّ أنْ يستجيبَ القَدَرْ

والقدر هنا هو قوة التراكم في النفوس الأبية التي تأبى الضيم والذل والهوان .
ختاماً ، وجدتُ خير ما أختتم به قراءتي هذه لرواية " الأيام الأخيرة في علاّج " هو ما قاله صاحب الرواية على الصفحة 108 :
[[ إنَّ الحكومات بدلاً من أنْ تفتحَ أبواب الأمل أمامَ الناس تفتح أبواب السجون على مصراعيها ، إنها في ظاهر الأمر تسعى إلى صلاح الناس لكنها من الداخل تفرِّخ العنف وتنتج الظلم وما فعلته يا بدري ما كنتَ لتفعله لو أنَّ البدينَ وأمثاله كانوا بشراً . إنَّ الطمعَ والجشعَ دمّر الإنسانَ فيهم وجعلهم يُغمدون سكاكين أطماعهم في أرواق غيرهم ]] .
أحسنتَ يا محمد ... أحسنتَ .
هوامش
• * الأيام الأخيرة في علاّج / رواية لمحمد العريشية . الناشر : دار الفارابي، بيروت 2006 .
• ** ديوان معروف الرصافي . الناشر : دار العودة . بيروت 1972 .
*** ديوان سقط الزند لأبي العلاء المعري / الناشر : دار بيروت للطباعة والنشر 1980 ... قصيدة { ضجعةُ الموتِ رقدةٌ ... يُرثي فقيهاً حنفياً } .

ليست هناك تعليقات: