الاثنين، يونيو 25، 2007

جوهرة التاج الأمريكية: ( انطباعات رحلة أمريكية )


نبيل عودة

الولايات المتحدة الأمريكية – هذا الأسم يثير عصبيتنا السياسية في الشرق . . ومع ذلك هو أكثر عنوان مرغوب لدى من ينشدون تغيير واقعهم الأجتماعي والأقتصادي .. أو الوصول الى مركز علمي مرموق.
بعض الهاربين من فساد أنظمتهم وبطشها وعقلية القرون الوسطى التي تميز حكام بلادهم وأنظمة حكمهم ، يجدون الحرية السياسية والأجتماعية والشخصية لممارسة حياتهم بلا رقيب وقيود فكرية أو دينية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى أخلاقية .. والمفارقة أن بعض الهاربين من قيود القرون الوسطى وتخلفها الفكري والاجتماعي ، يحلمون بأن يفرضوا على المجتمع الأمريكي عقلية ماضوية لا تختلف عن العقلية التي هربوا منها !!
حقا قرأت الكثير عن المجتمع الأمريكي .. وهاجمت وما زلت سياسات أنظمته .. ولم أستطع فهم محركات عقليتهم السياسية .. ورغم اجتهادات كثيرة لمحللين عرب وغير عرب ، لتحليل دوافع السياسات الأمريكية ، الا أن ما استوعبته اثناء زيارتي ، التي استغرقت شهرا كاملا للولايات المتحدة ، أعطتني أجوبة ، شخصية على الأقل .. أفضل من كل ما ظل غامضا وغير مفهوم ، وربما لا يجد المحللين والمختصين أهمية لما وجدته أنا بيضة القبان !!
حقا انا غارق بالسياسة والثقافة كجزء لا يتجزأ من الحياة . ولست ممن يعومون على شبر ماء ، ولست من أصحاب الأحكام المسبقة ، أوالآراء النهائية المؤطرة. ولا أتعامل مع السياسة من منطلق " مكره أخاك لا بطل " ، انما كموضوع حياتي مؤثر ، موضوع يحتاج الى تفكير متوازن ، واطلاع جيد ، وعدم تردد في طرح الموقف ، حتى لو بدى مناقضا للاجماع .. ... حقا لو ملكت الخيار الأنساني ، لما كتبت كلمة في السياسة . ولكرست كل قدراتي في الابداع الأدبي . ولكن كيف يجوز لي أن أبتعد عن السياسة ، وشعبي ، وشعوبنا العربية تدفع الى خارج التاريخ ، ومبلية "بأنظمة شرشوحة" - على حد تعبير ممتاز للدكتور عزمي بشارة ( قبل أن يلجأ الى أصحابه في الأنظمة الشرشوحة ) تفتقد لمؤسسات الحكم المستقلة .. ؟!
قد يجوز لي أن أعتمد في الأبداع الأدبي والنقدي على تجربتي الذاتية وحسي الذوقي ، ولكن في رؤيتي ورؤايا السياسية والأجتماعية أحتاج أكثر من مجرد التجربة ، أحتاج الى القدرة على التفكير العملي غير المحكوم للمشاعر والرغبات . وقد أكون طورت رؤية تتميز بنمط لا تشده المشاعر الجياشة على مختلف انواعها ، من هنا واجهت نقدا لبعض مواقفي التي اعتبرها البعض عمى سياسي ، من رؤيتي المختلفة للمواقف الأمريكية مثلا الموقف في العراق ، المرفوض، والموقف في لبنان او من السلطة الفلسطينية ، الذي اراه صحيحا. احاول حسب نمط تفكيري ومنهجي أن أصل الى رؤية المضامين وليس الانفعال مع المرئيات والمشاعر والآراء المسبقة النهائية . السياسة في التلخيص الأخير ليست آيات مقدسة لا حراك عنها .
حقا الولايات المتحدة تتميز بأنها مجتمع المعلومات .. ولكن ما وجدته ان المواطن الأمريكي محدود المعلومات ، ليس لقلتها ، المميز هي كثرتها الهائلة ، ولكن نتيجة مباشرة لتسويق النظام كميه هائلة من المعلومات التي لا قيمة لها ، وما لاحظته ان المعلومات الضرورية وذات القيمة العليا ، هي معلومات للنخبة فقط ... وأكثرية الأمريكيين ، حتى من ينطبق عليهم المقياس الثقافي .. هم بلا معلومات ومعارف انسانية فكرية وسياسية وثقافية عامة ،هم لا يملكون أكثرمن اطار التقنية التي تلزمهم في نشاطهم الأنتاجي .. وتكاد معارفهم العامة تقارب أدنى درجات المعرفة الأنسانية ، بكل ما يتعلق بشؤون العالم ، والمخاطر التي تهدد الوجود الانساني ، أو المغامرات الحمقاء لنظامهم ، ولا ابالغ بقولي أن الجهل المعلوماتي والمعرفي هو جهل مخطط .
لماذا الاستهجان ؟
ان المجتمعات البشرية تملك الكثير جدا من المعارف .. .. والسؤال المطروح ، ما هي أنواع هذه المعلومات ، وما هو مدى تحولها الى قوة اجتماعية وسياسية وثقافية وفكرية فاعلة ومؤثرة داخل مجتمعاتها ؟
كنت على ظن أن المجتمع الأكثر تطورا في مجال المعارف والمعلومات ،المجتمع الأمريكي مثلا ... افراده هم الأكثر اطلاعا وفهما ووعيا للواقع الانساني العام . ولكن تبين بشكل قاطع ، انه لا علاقة بين المجموعة التي تملك المعارف الدقيقة والمهمة والمؤثرة في عالمنا ، وبين سائر قطاعات السكان . وأن المعرفة العلمية والمعلومات الصحيحة ، هي للنخبة التي تدير الدولة بكل مؤسساتها وتركيبتها ،في امريكا وغيرها من الاقطار ، لدرجة يمكن القول ، أن غياب الرئيس ورجال السلطة ، لن يؤثر على استمرارية عمل مؤسسات السلطة وأجهزتها المختلفة . بالطبع من الصعب ان نشمل دولنا العربية المحروسة ضمن هذه الدول التي تدار عبر المؤسسات والأجهزة .. فرقينا يجعلنا لا نسعل بدون اذن صاحب الفخامة أو صاحب الجلالة . حتى صار ترميم كنيسة في مصر يحتاج قرارا جمهوريا . واقامة واقي من الشمس في ساحة مدرسة غير مسلمة ينتظر اقراه ، أو رفضه على الأغلب ، عشر سنوات في أروقة السلطة .
حتى وجود الانترنت وانتشاره الواسع في بعض المجتمعات ، كأداة معلومات هامة لا تعني أن المعلومات الصحيحة والضرورية وصلت للمجتمع ، وأصبحت في متناول يد المواطن . ليس لأن الدولة تخفيها ، انما لأن الدولة ( النخبة ) تغرق مجتمعها والمجتمع البشري كله ببحار من المعلومات الخفيفة والمسلية والزائدة عن الحاجة – الزبالة .
هذه الحالة تسود كل المجتمعات البشرية .. وأعتقد ان نسبة صغيرة جدا في كل مجنمع ، هي التي تتحكم بالمعلومات الهامة والدقيقة والمؤثرة ، وتنشر معلومات فائضة ( زبالة ) ، غير اساسية بشكل واسع .
هذا جزء اساسي من الواقع الأمريكي . وقد نجد مجموعات سكانية في دول أقل تطورا ، أكثر قربا للمعلومات الهامة من المجموعات السكانية بدول متطورة . اذن القياس هنا لا يتعلق بمستوى التطور الاجتماعي والأقتصادي .
مع ذلك حياة الامريكيين تتميز بالاستقرار والانعزال . لا يوجد مجتمع مترابط ومتعاضد . حياة الأمريكي العادي هي حياة عمل وطعام ومنام .. وقد يجد بعض الوقت ليسمع المبشرين الدجالين على قنوات التلفزيون ، أو بعض الأخبار التي أيقنت ان الكثيرين منهم يفتقدون لخلفية تيسر لهم فهم مضمونها ، حتى بما يتعلق بالسياسات الأمريكية في العالم ... وحتى لو استوعبوا أن جنودا أمريكيين يسقطون في العراق ، فهم بحالة عدم ادراك عن اسباب قتلهم .. وأعترف اني فوجئت بجهل كامل لموضوع التورط الأمريكي في العراق .. فالأمر لا يبدو انه يخصهم .. ماداموا لا يدفعون الثمن الشخصي المباشر .
احد المواضيع التي اشغلتني ، هو العلاقة المميزة بين اسرائيل والنظام الأمريكي . قرأت الكثير .. وتكونت لدي أفكار عدة ، بعضها لا يمكن نفيه ، ولكني أعتقد ان الجميع لم ينتبهوا لحقيقة أساسية ، انه في أمريكا يوجد مجتمع متماسك ومتعاضد واحد لا غير ،مجتمع متآلف وفي أعلى سلم الرقي من حيث الوظائف والأدوار الآجتماعية لأفراده .. هو المجتمع اليهودي .
الحديث عن المجتمع الأمريكي ومعايير رقيه ، هو مقياس رقي المجتمع اليهودي . أطرح هذه الرؤية من زاويتها الانسانية . ان المجتمع اليهودي الأمريكي يستحق الاحترام بتنظيمه وادارته لشؤونه .مجتمع متعاضد ، ويدفع ابنائه نحو التميز . مستوى التحصيل العلمي في صفوفة أرقى من سائر المجموعات ، رجالاته يديرون عصب الاقتصاد الامريكي ماليا وتقنيا واعلاميا .. وهم من أبرز المختصين في مجالات عملهم .. يحافظون على ترابط اجتماعي ، داخل أحياء خاصة حيثما وجدوا .. ومؤسساتهم المختلفة تقدم خدمات لكل الامريكيين ، وتعتبر من أرقى وأفضل الخدمات ، وأغلاها .
بقية الأقليات القومية مبعثرة ، العرب لا رابط قوي يجمعهم .. المسيحيون العرب يندمجون بسهولة في المجتمع الأمريكي ، وهو مجتمع يحافظ على بعض الترابط ، ويتميز بانه الأكثر منافسة للمجتمع اليهودي في نسبة الأكاديميين من افراده ، وقد انطلقوا لتحقيق ذاتهم بعيدا عن الاضطهاد الديني والاقصاء في أوطانهم . الأجيال الجديدة من اولاد المهاجرين المسلمين يندمجون بتسارع أبطأ في المجتمع الأمريكي .... بعض المجوعات الاسلامية همها أسلمة الامريكيين ، الذين بدأوا بالانفضاض من كنائسهم ، واليوم كنائس كثيرة معروضة للبيع . وهمهم أبعد من تغيير دينهم الذي زهقوه بدين آخر . حقا المجتمع الأمريكي واقع تحت تأثير الدين ، ولكنه بات أكثر ابتعادا عن ممارسة الطقوس .. حتى التيار المسيحي اليميني هو ظاهرة هامشية ، ارتفعت أسهمها مع وصول بوش للرئاسة ، ومن الخطأ الظن انه تيار منقذ للايمان المسيحي .. الانفضاض عن الكنائس بات ظاهرة بارزة في حياة الامريكيين .
ولكن النظام الأمريكي ، بارادته أو بغير ارادته ، مرتبط مع المجتمع الأكثر تنظيما وتأثيرا على الواقع الأمريكي . قد نجد مئات آلاف الشخصيات الأمريكية من مختلف المهاجرين في اطار النخبة الأمريكية ، التي تتحكم بالمعلومات ومصادر المعرفة والقوة الاقتصادية والاعلام والسينما والثقافة ، ولكن لن نجد الا مجتمع مترابط واحد هو الأكثر تأثيرا ، والأكثر تنظيما وتعاضدا بين أفراده . ولا مفر للادارات الأمريكية الا باعطائه حقه الكامل مقابل دوره الهام والأساسي جدا في الواقع الأمريكي ..
المجتمع اليهودي هو جوهرة التاج للمجتمع الأمريكي . فهل هناك ملك يتخلى عن جوهرة تاجه ؟

نبيل عودة – كاتب ، ناقد وأعلامي فلسطيني - الناصرة
nabiloudeh@gmail

ليست هناك تعليقات: