الجمعة، يناير 30، 2009

الثقافة, الأدب, الفن والسلطة

د. حبيب بولس
ما يحدوني للكتابة في مثل هذا الموضوع هو النقاش الدائر اليوم في الأوساط الأدبية والفنية والثقافية. ففي ندوة عقدت في قرية الجش الجليلية قبل فترة من هذا العام حول قضية المسرح العربي المحترف الذي أقيم مؤخرا بدعم من وزارة الثقافة وبلدية حيفا, طرح موضوع دعم السلطة لمؤسساتنا الثقافية على اختلاف أنواعها على بساط البحث وبشكل حاد, وكان على المشتركين أن يجدوا الإجابة المقنعة على ذلك, ولكن الذي حصل كان انقساما في الآراء, فبرز هناك المؤيد لهذا الدعم والرافض له, وكان للطرفين ادعاءاتهما المتنوعة. من هنا ارتأيت أنه من الضروري أن أعرض وجهة نظري التي قلتها في حينه في الندوة المذكورة علّها تسهم في حسم هذا النقاش أو في إيجاد حلّ له.
بداية أقول: إننا نحن العرب الذين تشبتنا بأرضنا وبقينا في وطننا, عشنا مع بداية الخمسينات فترة صعبة, وقطيعة عن أشقائنا في الضفة والقطاع وفي المنافي, وقطيعة أكبر عن العالم العربي بكامله, كما عشنا حصارا ثقافيا رهيبا في ظل حكم عسكري لا يرحم, كان الهدف من ورائه تذويبنا وطمس معالم حضارتنا, والدليل على ذلك البرامج الإذاعية الهزيلة التي كان يبثها صوت إسرائيل بالعربية, والكتب المدرسية الرخيصة المستوى ومناهج التدريس الغثة. وتلك المهرجانات والاحتفالات التي كانت تقيمها السلطة في قرانا والتي كانت تهدف إلى إلهائنا وإبعادنا عن قضايانا الملّحة. ينضاف إلى ذلك أننا كنا محرومين من كلّ أسباب الثقافة الأخرى كالمسارح والنوادي والمكتبات والفنون على أنواعها.
ومنذ أوائل الخمسينات كانت فئة كبيرة من شعبنا تعي كل ذلك وأعني بها الحزب الشيوعي الإسرائيلي وقوى ديمقراطية أخرى هذه الفئة أخذت على عاتقها في تلك الفترة المبكرة من حياتنا مقارعة السلطة والعمل بدأب على ترسيخ جذورنا في أرض وطننا ونشر أدب وفن ثوريين بديلين في صحفها ومجلاتها بغية توعيتنا واطلاعنا على ما كان يدور في العالم من حولنا, خاصة العالم العربي الذي أخذ في تلك الفترة يتفتح ويتطور, وكانت كل هذه الأمور تتجلى بالمطالبة الفعالة والمثابرة غير الهيّابة بحقنا في ممارسة حياة كريمة كعرب مواطنين في بلادنا. وكلنا يذكر وثيقة كينغ الفضيحة وما أعقبها من هبّات جماهيرية وفعاليات في تلك الفترة تلك الوثيقة التي كمنت وراءها أهداف خبيثة أعلنت عن مخططات لترحيلنا ولمصادرة الأرض- شريان حياتنا- وتشديد القبضة والخناق علينا-كي نملّ ونيأس ونرحل. وكانت المطالبة بحقنا في ممارسة حياتنا الطبيعية تنبع من اعتقاد راسخ بأن هذا الوطن هو وطننا ولا وطن لنا سواه, وان كنا نعيش فيه كأقلية فهذا لا يعني أننا مستعدون للتنازل عن أي حق من حقوقنا فيه. وهكذا بدأت معركة حياتنا القاسية مع السلطة, ولكننا رغم كل ما كان يحصل من محاولات قمعية في حينه تشبثنا بحقنا وخضنا المعركة تلو المعركة من أجله ومن أجل تحقيق الانجازات, وفعلا مع بداية السبعينات وربما قبل ذلك بدأنا نرى أن نضالنا قد راح يثمر تدريجيا, وقد ظهر ذلك في مجالات عديدة كالمدارس والتعليم والنوادي والتأمين الصحي والقومي وما شابه. صحيح أن هذه الانجازات لم تكن كافية ولكن يجب أن نذكر أنه ما من شيء تمّ الحصول عليه إلا بعد معركة ونضال ضاريين.
في تلك الفترة بدأ الوعي بحقوقنا ينتشر ويزداد أكثر فأكثر بسبب الأخذ بأسباب التعليم والانفتاح الذي حصل على العالمين العربي والفلسطيني وبسبب مثابرة صحف الحزب الشيوعي, وبدأت مع ذلك وبشكل طبيعي لان الحياة دائما في تطور المطالبة بتحقيق المزيد من الحقوق للأقلية العربية, من منطلق أننا مواطنون نقوم بتأدية واجباتنا على أنواعها, لذلك لنا حق على السلطة بأن تهتم بنا وهكذا بدأنا نرى بعد صمودنا وإلحاحنا أن الأمور أخذت بالتحسن وأن الانجازات بدأت تكبر وتزداد, وقد مسّ هذا الأمر حياتنا في الصميم, بمعنى أن بعضنا لم يهضم هذا الانفتاح الحاصل والذي هو أقل بكثير مما نستحق, فوقف موقف الرفض منه مخافة أن تكون وراءه أمور أخرى تقود الذين استفادوا منه إلى التخلي عن مواقعهم والتحول من متراس النضال ضد السلطة إلى أبواق زاعقة تهتف باسمها وتسوق سياستها وتبرر أو تجمّل ممارساتها, وان كنا نقر لهؤلاء تخوّفهم, لكننا يجب علينا من ناحية أخرى ألا يغيب عن بالنا أن ما حصلنا وما نحصل عليه من هذه السلطة ليس منة منها علينا فنحن لنا الحق فيه أسوة بسائر المواطنين من جهة, كما يجب ألا يغيب عن بالنا أيضا أمر آخر وهو أن ما حصلنا عليه سابقا وما نحصل عليه اليوم لم يكن يقدّم لنا على صينية من فضة, أو حبا فينا, بل كان نتيجة المقارعات المتواصلة والمثابرة في النضال الذي حشر السلطة في الزاوية فاضطرها إلى ذلك.
من هنا, وارتكازا على ما تقدم أرى أن نقبل هذه الانجازات وأن نرحب بها لا أن نقف منها موقف الرفض لأننا إذا فعلنا ذلك نوقع أنفسنا في متاهة وفي إشكال كبيرين لا تفسير لهما. إذ كيف سنفسر هذا الموقف الرافض لهذه الإنجازات, طالما نحن الذين طالبنا بها وحققناها بشق النفس من جهة, ومن أخرى كيف لنا أن نفسر رفضنا لانجاز ما أو لحقّ ما وأن نقبل بآخر؟ بمعنى كيف لنا أن نقبل مثلا بحق لنا في إطار التعليم وأن نرفض آخر في إطار آخر؟! وكيف لنا من جهة ثالثة أن نطالب بزيادة في ميزانيات التعليم وميزانيات سلطاتنا المحلية وغيرها في مجالات أخرى وأن نقف في وجه السلطة إذا حاولت تقليصها, وأن نرفض موافقتها على ذلك فيما بعد؟! وإذا نحن فحصنا الأمر بهدوء وعلى أرض الواقع وبموضوعية تامّة نصل إلى نتيجة تقول: إن رفض البعض لحقوقنا في الأطر الثقافية المختلفة على اعتبار التخوف من السلطة لأنها عودتنا بممارساتها المختلفة ألا نثق بها, بمعنى أنها عودتنا ألا تعطي إلا بثمن, إن رفضنا هذا ليس في محله لأننا عندئذ سنفقد كل شيء وذلك لأن هذه السلطة التي نخاف من دعمها لجانب معين هي ذاتها التي تدفع ميزانيات السلطات المحلية وميزانيات المدارس والتعليم والصحة العامّة والخدمات الأخرى الكثيرة والمتنوعة, التي هي من ضروريات الحياة والتي هي ثالثة من واجباتها الأساسية ومن حقنا عليها.
صحيح أن ما تدفعه قليل ونحن نستحق أكثر بكثير مما نأخذه ولكننا نقول كيف يمكن لنا أن نقبل بمثل هذه الأمور التي هي من حقنا عليها وأن نرفض دعما للأدب والفن من جهة أخرى؟! كيف لنا أن نقبل دعم السلطة لكل مسببات حياتنا وضرورياتها الأساسية من جهة وأن نرفضه في المجال الثقافي؟! من هنا فان الادعاء بالرفض باطل, وما أراه في هذا المجال هو غير ما يراه الآخرون, فالأمر عندي مختلف, أقصد أن من حقنا الحصول على كل دعم وكل إطار ولكن شريطة ألا يرافق هذا الدعم أي شرط أو أي تنازل, وذلك لأننا مواطنون هنا ومن واجب السلطة أي سلطة تجاه مواطنيها تقديم الدعم اللازم دون اشتراط.
يجب أن نعلم أن ما تقدمه هذه السلطة من دعم لنا هو بالأساس من أموالنا. علينا أن نقبل بهذا الدعم إذا, لا بل علينا أن نطالب بالمزيد. علينا ألا نقبل بإقامة مسرح عربي محترف واحد مثلا, بل المطالبة بإقامة مسرح في كل بلدة عربية, فهذا حقنا.
علينا أن نقبل بدعم وزارة الثقافة لأدبائنا ولكتابنا ولمكتباتنا ولنشراتنا ولفرقنا الفنية على اختلافها لأنه هذا هو واجبها, ولكن علينا أيضا من جهة أخرى أن لا نكتفي بهذا الدعم بل المطالبة بما هو أكثر لأنه يحق لنا أكثر.
من هنا أرى إلى ضرورة إيقاف هذا النقاش الذي لا يفيد, ولا يثري لأنه لا يملك الرصيد الكافي والمصداقية. وأن نبدأ بالاهتمام بأنفسنا وبالمطالبة بالمزيد من الدعم لصالح أطرنا الثقافية والفنية, فنحن نستحق ذلك, وهذا واجب السلطة تجاهنا كمواطنين.
علينا أن نرى إلى هذا الدعم تجاهنا من الزاوية الواقعية الايجابية والموضوعية, من زاوية أنه ليس منّة بل واجب لا بل أكثر من ذلك.
علينا أن نقيم الدنيا ولا نقعدها حين نجد أن السلطة قد قصرت تجاهنا أو حاولت منع حقّ من حقوقنا: ونحن من جهتنا- وأنا واثق من ذلك- نعي تماما ونعرف كيف نميّز ولا نسمح ولن نسمح أن يكون هذا الدعم مشروطا بتغيير المواقف أو تسويقها لصالح صاحب هذا الدعم أي السلطة.
من هنا أنادي على أدبائنا وفنانينا وأطرنا جميعا خذوا الدعم وارفعوا من حركاتنا الثقافية فهذا حق لنا وواجب علينا.

حبيب بولس – ناقد أدبي ، محاضر في مادة الأدب العربي في الكلية العربية للتربية في حيفا وكلية اورانيم الأكاديمية

drhbolus@yahoo.com


ليست هناك تعليقات: