الأحد، يناير 06، 2008

قصيدة النثر وبوادر انتحارها !


سامي العامري

الشعر طامة العرب الكبرى ورأسمالهم الأوحد المتبقي كما يبدو ...
لقد انتظر أصحابُ ما اصطُلِحَ عليه بقصيدة النثر سنواتٍ عديدةً حتى استطاعوا كسب اعتراف بأنَّ في كتاباتهم ما ينتسب الى الشعر حيث وجدنا في ثنايا العديد من هذه التجارب متانة اللغة وجمال التصوير والدلالات الجديدة البديعة والخيال الخصب وهو ما يمكن أن يعوّض ويسدُّ ثغرة فقدان الوزن الشعري المعروف ولكن الذي تحصّل بعد فترة وجيزة أنّ كماً كبيراً من الوافدين الجدد قد ظنَّ أنّ الإتيان بقصيدة بات أمراً سهلاً فطفتْ على السطح تبعاً لذلك مئات الأسماء التي لم تكن معروفة من قبل أبداً , ظهرتْ بنوع من الخربشات الكلامية والهلوسات ظنَّاً منها أنّ هذا هو الشعر وهذه هي الحداثة وقد ساعدها في ذلك عدد لا يقلّ عنها من إمَّعات النقاد ومغرضيه من خلال الدفاع والتنظير والتبشير مما أدى الى الجرأة القريبة من الوقاحة او النزق والتمادي في السير بهذا الخط دون حساب للعواقب وانا بطبعي كقاريء أمنح الشاعر فرصةَ أن يُطلعني على نتاجه مرتين فاذا فشل في كسب تعاطفي خلالهما فلا أعود أقرأ له بعد ذلك لأنه عندي أنّ على الشاعر احترامَ لغتهِ فلا يستخف بها وكما قلتُ في مقال سابق إنك تعرف الشاعر الحقيقي من السطور الأولى فالشعر شأن أية عملية إبداعية أخرى يستوجب الصبر والموهبة والثقافة الواسعة والإحساس بالمسؤولية لذلك أصبحتُ قارئاً إنتقائياً أمرُّ يومياً على الكثير الكثير من الأسماء فلا أطَّلع على ما تكتب وهي المسؤولة عن ذلك دون شكٍّ فالعبث والإدعاء وما سمعتُ من حديث البعض
عن ( التجريب الإنفجاري ) ! أول ما يطالعنا
وهذا نلمسه من خلال بلادة إنفجاراتهم الكتابية ونتائجها المتمثلة بانفجارات العالم العربي بهذا الكم الهائل من ( الشعراء الفاتحين والشاعرات الفاتحات ) !
ولكن بالمقابل وجدْنا الشعراء الحقيقين والنقاد الحقيقين الذين أمهلوا هذه الإساءة لمعنى الشعر ومفهوم الكتابة الشعرية لسنوات , وجدناهم في الفترة الأخيرة يحسُّون بتحققِ ما توقعوه ألا وهو أنَّ هذه الثورة ( الشبابية ) التي فرّختْ مئات الثوّار الإنفجاريين دفعتهم هم أنفسهم الى عدم تصفُّح انفجاراتهم – قصائدهم ( إبنة المستقبل الشرعية )
فلا تكاد تمرُّ فترة قصيرة إلاّ ونطالع مقالاً او تصريحاً يشير الى علائم هذا التضعضُعِ والطريق المسدود لهؤلاء ومع مرور الأيام رأينا تصاعد وتيرة كتابة الشعر الموزون مرة ثانية كالعنقاء , وهكذا فهو باقٍ يتجدَّد , وهل يزول الأصيل ؟
ولقد قال الكثير من الشعراء والنقاد والمتابعين المهمين منذ بداية ظهورهذا النوع الكتابي ( الشعري ) المخاتل أنه اذا استمرّ دعاة قصيدة النثر بالغلو والإصرار على تسمية ما يكتبونه شعراً
فإنَّ هذا الإصرار غير المبني على أساسٍ سوف يحمل إنْ عاجلاً او آجلاً نعشَ ما يدافع عنه ويفضح نفسه لذا فالأسلم والأصوب يا أخوتنا في الإنفجار! إتِّفاقُكم وأصحابَكم على تسمية محددة لِما تكتبون ففي ظل التمزقات والجهالة والحروب يختلط بشكلٍ حتمي الصالح بالطالح والينبوع بالمستنقع وتغيب الرؤية الواضحة , ولكن مع علمنا باستمرار الواقع العربي كما هو مزرياً
فالحكمة تُعلِّمنا بأنَّ الزائف مهما كثُرَ يفضحه القليل الأصيل فالأصوات المنصِفة الحريصة لم تغبْ أبداً وإنْ كانت خافتةً نوعاً ما وكانت هذه الأصوات تقول :
ليتكم توقفتم عن هذه الخلط او فلتسمّوا كتابتكم بأي اسم إلاّ شعراً واذا قلتم : ليس كلُّ موزونٍ ومقفىً شعراً فاننا نردُّ بأنَّ هذا صحيح ولكن في ذات الوقت ليس هكذا يكون البديل ,
فالعرب في تراثنا ومنذ البدء فرَّقوا بشكلٍ حاسمٍ بين النَّظم وبين الشعر.
هناك في الكتابة الحديثة غير الموزونة جماليات هذا شيء أكيد ولكنها لكي تحافظ على هذه الجمالية وتكسب بالتالي جمهوراً ومتعاطفين أكثر , عليها أولاً المساهمة في الرد على هذا الخلط أيضاً بالدعوة الى احترام اللغة فاللغة كذلك كائن حيٌّ واذا آذوه او استهانوا به فإنهم إنما يستهينون بأنفسهم في المحصلة لأنهم أوصلوه الى هذا الدرك , فليسمّوا إذن ما يكتبون بأية تسمية حتى ولو كانت مشتقَّة من اللغات المنقرضة لكي نفهم ! سموّه مثلاً منثورات ! هذا واحد من الإقتراحات الوجيهة كما نظن ام أنَّه لا يروق لهم لأنه هو الآخر غير شعري , غير موسيقي ؟!
فهروب القراء الحقيقين المحبين للشعر – وهم قاعدة عريضة – من هذه الكتابة يشير الى أنّ هذا الهرب لم يكن بسبب كراهيتهم للشعر , أبداً ,
وإنما بسبب كراهية هذه القاعدة الكبيرة لمروِّجيْ ( شعرية ) هذه الصنف من الكلام البائس
وممّا لاحظته في السابق أيضاً أنه كثيرة هي المجلات والجرائد والدوريات التي أصبحت لا تحتفي بالقصائد الموزونة ولم تعطها حقها المطلوب , وحسن الضيافة العجيبة هذا والمتمثّل بانعدامِ استيعاب أكثر المُحرِّرين للحداثة الشعرية المنطلقة من قواعد الشعر الرئيسية المتعارف عليها لا عجب فيه فهم مترفِّهون وعشاق ضجات بالونية , أقول عاش هذه الضيافةَ جُلّ شعراء قصيدة الوزن الذين رغم استيائهم لم يخدعهم تزويقُ كلام فارغٍ أمامهم وتسويقه على أنه غاية ما وصل الشعر الحقيقي لحد الآن
ولكن بما أنّ عصر احتكار أبواب النشر ومنافذهِ قد ولّى فربما جديرٌ بي أنْ أذكِّر بالتفاتة دالّة وهي أنَّ المبدع الجميل والكبير محمد الماغوط صرّح قبل رحيله بفترة وجيزة قائلاً :
لا يضايقني أن لا يُطلقَ عليَّ شاعراً , فليقولوا عني كاتب نصوص .
عليه فالأحرى بهؤلاء أخذ الدرس والنصيحة من مبدع رائد كالماغوط .
انا لستُ ضد قصيدة النثر اذا كانت تحمل رؤىً وصوراً ومعانيَ مؤثرة وقوية وتلامس أعماق القاريء الباحث عن المتعة والمدرَكات الجديدة الوضيئة وعما يبعده عن أسباب سأمهِ من إفلاس الواقع ولكن !
غير أني أحسّ أنّ الأفعى راحت تلتفُّ تدريجياً على عنق الحاوي وبشدةٍ حتى ليكاد يختنق فهو لا يجد قارئاً له سوى واحد معروف سلفاً لذا فلا فائدة من التصريح باسمهِ ! وحتى لا تُشَمَّ من كلامنا هنا رائحةُ التشفي أقول : على العكس إني قلِقٌ وانا شخصياً على الجانب الآخر أكتب ومنذ سنوات طويلة نصوصاً غير موزونة جنباً الى جنب مع قصيدة الوزن ولكني لا أستطيع أن أُمضيَ على وثيقةٍ تقول بتساوي التافه من القول مع البديع منه وبأنْ يُحسبَ غثُّهُ سميناً ويُسمّى كلاهما شعراً ! وهذه نقطة جوهرية لمعرفة تذمُّر القاريء ممّا يضخُّهُ عددٌ لا بأس به من المواقع الأدبية او الثقافية في هذه الآونة وهذا بدوره شجَّع الكتابة الرخوة المائعة أكثر لِئَن تصبح بيادرَ وصارت لهذه البيادر مواسمها الدائمية ولكن ما مِن يجني !
لا أدري , فقد أثبتتْ السنوات الأخيرة هشاشة احتفائهم بهذا النمط الكتابي البارد بدعوى توفُّره على ( موسيقى داخلية ! ) وهم لم يتشدَّقوا بذلك إلاّ لعجزهم عن أن يفقهوا بحور الشعر ودورها السحري في الإمتاع وشدِّ القاريء مباشرة الى وجدان الشاعر وتسهيل الحفظ وأموراً عديدة غيرها فهذا السيل المخيِّب من الكلمات المتراصّة بإسلوب عشوائيٍّ ساذج لا أستطيع احتماله لا انا ولا أي قاريء عاقل ولا أريد الإتيان الآن بأمثلة فقد كنّا يوماً ما بحاجة الى أمثلة أمّا اليوم فـ ... !
إنْ هي إلاّ مجرد أمنياتٍ مسكينة في دواخلهم بأنْ يُطلق على أحدهم شاعراً !!
أرادوا بل جرَّبوا أن يحوِّلوا الشعر الى مهنة للعاطلين والفاشلين , ولكنّ الشعر هذا الحصان الوحشي صعبُ القياد وسرعان ما يلفظ غيرالماهر في أقرب وادٍ فهل سيبقى هؤلاء ماضين في هذا الميدان العقيم بغفلة ولا يسألون أنفسهم : أين موقعنا في خارطة الشعر الحقيقي ؟ وهم لو حاولوا بصدقٍ اكتشاف ذواتهم لبحثوا عن ( مهنة ) أخرى تناسب مؤهلاتهم
وأغنوا أنفسهم عمَّن يكيل لهم عبارات الشفقة وحتى الإزدراء.
وفي الختام عليَّ القول : إنّ الإشكالية لا تتعلَّق بالتسمية كتسميةٍ وإلاّ لَما رأينا مئات المقالات والأعمدة تشتبك مع بعضها في السابق ولكنها قضية رؤية مستقبلية للكثير من مناحي حياتنا وأوَّلها التوكيد على أهمية التخصّص .
فهل تأمَّلَ الإنفجاريون ؟!

ليست هناك تعليقات: