الأربعاء، مايو 30، 2007

صباحكم أجمل \ ذاكرة مخيم


زياد جيوسي


صباح الخير يا رام الله ..صباح آخر لعله يكون أجمل بعد مساء مشبع بالدم أمس، صباحك أجمل بعد أن لوث الغزاة ترابك وهواءك وجمالك وأنفاسك فاغتالوا شابا في عمر الورود على قارعة الرصيف بعد أن سحبوه وهو يتناول بعض الطعام في أحد المطاعم، أطلقوا عليه النار بدم بارد وأطلقوا النار على سيارة الإسعاف التي حاولت إسعافه، ووقف الجنود متمترسين بالزوايا وهم يطلقون النار في كل الاتجاهات ويلقون قنابل الصوت ولعلهم مرعوبين من الدم الذي ينزف، يخشون أن ينهض من سكرة الموت والشهادة ليقاومهم من جديد...
صباحك أجمل بعد أن عاث فيك الاحتلال تدنيسا وفي غزة قتلا وتدميرا فتتلاحق أرواح الشهداء أسرابا نحو السماء، ويغتالون ويستبيحون في جنين الدم وفي زوايا الوطن..فهاهو صباحك مشبع بالغيوم التي تغطي السماء ولعل الشمس قد مارست الحداد حزنا وألما.
صباحك الخير يا رام الله ولعل صباحك يكون أجمل وغدك أجمل من أمسك، صباحك خير والدم الفلسطيني رهينة الصراع ولعبة أجهزة الأمن والمصالح في مخيم نهر البارد، وكأن قدر اللجوء وذل المخيم لا يكفي فتستكمل الحلقات بسيلان الدم كشلالات في كل تواجد سكاني فلسطيني في الوطن وفي الشتات..
انه مخيم الشتات الفلسطيني الذي يلاحقه الدم والدمار والقتل أينما وجد في مخيمات اللجوء في الوطن أو خارجه، وهو العنوان الأسهل لمن يريد أن يقتل ويدمر ويستعرض مهاراته بالقتل أو أن يتدرب عليه، إنها استكمال حرب الابادة والتذويب والقهر التي لم تتوقف منذ بدايات القرن الماضي، فكان الدم الفلسطيني مستباحا لمن يريد أن يأخذ حصته من دمنا..وعذرا شاعرنا الكبير..يأخذون الحصة تلو الحصة ولا يرحلوا..
المخيم وله في الذاكرة الشيء الكثير فقسم من طفولتي عرفتها أزقة المخيمات ووحولها وقسوة العيش فيها، فأهل والدتي لاجئين إلى مخيم عرف باسم مخيم الوحدات وهي جمع لغوي للوحدة السكنية، وكانت سعادة طفولتي هي الذهاب للمخيم وحتى قبل أن أدخل المدرسة، فهناك كنت العب مع أترابي وأنفلت من قيود الوالدة ومن صرامة الوالد، وهناك كنت التجأ للجد الحنون رحمه الله الذي كان يدللني بشكل خاص وكنت أرتبط به بشكل كبير، حتى بعد وفاته وأنا في المعتقل كان أول ما فعلته حين نلت حريتي المؤقتة أن زرت قبره لأقرأ على روحه الطاهرة الفاتحة وأزرع له زيتونة وبقيت حريصا على هذا الواجب حتى عدت للوطن، كان يحميني من غضب الجدة الصارمة على مشاكسات الطفولة والمشاجرات في أزقة المخيم، ويحميني من والدتي وهي كبرى بناته وأولاده حين تصلها الشكاوى على المعارك الطفولية التي كنت أخوضها، كان بركان من الحنان والدفء، وكنت قد اعتدت معارك الحارات فكل شارع وزقاق من المخيم كان يمثل العديد من الحارات ولكل حارة شلتها من الأطفال ولكل شلة زعيم، ولعل أهم صلاحيات زعيم الشلة تحكمه بمن يسمح له أن يلعب "الشقلبة" على ماسورة الماء التي تزود الحارة بالمياه أيام توقف الضخ الذي كان لا يزيد عن ساعات طوال الأسبوع، وكان عليّ أن أكون أو أن لا أكون فقد كنت في عرفهم غريبا ابن مدينة مرفوض أن يكون في شلة الصبيان، ولعل من هنا كانت مشاجراتي الطفولية التي أدت الى أن تسجل ضدي عدة شكاوى لدى شرطة المخيم وأنا طفل لم يدخل الأول الابتدائي، فقد كنت أجيد قذف الحجارة التي أدت لسيلان الدم من رؤوس أطفال آخرين، وكان جدي الحنون يسعى لحل أثار إشكالاتي مع الجيران الذين كانوا يكنون له كل المحبة والاحترام، ويا ويلتي إن وقعت بين براثن جدتي الغاضبة دوما، فقد كان لعصا النخيل ذكريات لا تنسى على جسدي، وفي النهاية أصبحت زعيم الحارة بعد كل هذا الجهد، وبعد أن تغلبت على ابن الفران وصرعته أرضا وأبكيته أمام كل الأطفال، لأصبح زعيما للحارة وأشفي غليلي باللعب على ماسورة الماء التي كان يحرمني منها غريمي، الذي أصبح بعدها صديقي وبقيت على تواصل معه بعد أن كبرنا، نجلس سويا ونتذكر هذه المرحلة ونضحك بصوت عال...
كثير من ذكريات المخيم تجتاحني في هذا الصباح فأتذكر أترابي الذين سقطوا أثناء معارك الجنون وغياب الوعي ودفنوا في المقبرة الجماعية الضخمة بلا شاهد ولا أثر يدل على قبرهم المشترك، إلا ما أحفظه في الذاكرة وكأنهم أصروا أن يتوحدوا بالقبر كما توحدوا بالحارة فلهم الرحمة بعد هذه السنوات الطويلة التي لم أنساهم بها..زياد ومحمد الشقة وزعيتر..أكبرهم لم يكن يتجاوز الخمسة عشر عاما حين سقطوا برصاص الجنون.
هو المخيم والذكريات والطفولة المعذبة وطين المخيم وضيق العيش، صراعنا مع الحارات الأخرى وغبطتي لأترابي الذين كانوا ينالون وجبة طعام في مطعم وكالة الغوث على بطاقة اللاجئ التي لا أحملها، مما دفعني للتسلل عدة مرات لهذا المطعم لأنال وجبة، وخاصة يوم توزيع لحمة الكفتة المقلية وهي قرص يتيم كان يحتفل به وكأنه عرس، فأنجح مرات بالتسلل وأضبط مرات أكثر فان لم أتمكن من الهرب كنت أقع بين براثن الحارس المسمى بالغاوي فيشبعني ضربا.
هذا الغاوي الذي كان يبيع القطايف في رمضان والفلافل في الأيام الأخرى، وكان يرتدي قبعة لا يغيرها ممتلئة بنقاط العجين الذي يتناثرعلى ملابسه، كان طويل القامة وهو يرتدي المريول الأزرق الذي يداوم فيه في المطعم ولا يغيره فلعله لا يمتلك غيره، وكنت أحسده حين أسمع أغنية صباح التي اشتهرت بطفولتنا "الغاوي نقط بطاقيته..الغاوي" فقد كنت أظن أنها تغني له ولنقاط العجين المنتشرة على قبعته اليتيمة وهي قبعة شرطة، لعل شرطة المخيم تبرعت له بها على دوره في حفظ النظام في مطعم الوكالة وطرد ومعاقبة المتسللين من غير اللاجئين أمثالي..
أعود من ذاكرة المخيم وما زال في الجعبة الكثير لعلي أنزفه يوما، أنظر من نافذتي للمدينة المغلقة المحلات والمتاجر، فربما يكون إضراب تجاري اليوم كما جرت العادة كلما استشهد أحد من أبناء المدينة وبعد أن عدت من جولتي الصباحية..أتصفح صحيفة الصباح وأتتبع نشرة الأخبار، أحتسي كوب الشاي وأستعيد ذكرى طيف طال غيابه، أستمع لفيروز تشدو..
يا منشدين للغروب
يا هائمين في الدروب
غنائكم هاج دموعي
أدمى حنيني وولوعي
في البال تحيا دروبها السمر
سطوحها الحمر في البال
زهر التلال في البال دنيا
ترابها الشمس
الحب والقدس في البال
رغم المحال وليلة لا جمال
فارقها الجمال والعدل زال
واسود لون التلال

صباحكم أجمل.
رام الله المحتلة

ليست هناك تعليقات: