الأربعاء، مايو 16، 2007

صباحكم أجمل \ نكبتنا تتجدد بقياداتنا

زياد جيوسي

صباح آخر في رام الله
صباح آخر للوطن
الشمس تشرق كالعادة مع نسمات الصباح العليلة
ما زالت الحمائم والعصافير تهبط إلى نافذتي
أصحو ككل يوم على تسبيحها الخالق هديل وزقزقة
أمارس عبادة الفجر وأنتظر الشمس
فما زلت على عهدي أنتظر الفجر القادم
وما زلت رغم عتمة الليل وحلكته أرقبه وأنتظر
فما زلت أؤمن أن الفجر آت
*****
نبدأ اليوم عامنا الستون من نكبة فلسطين
بالأمس كانت الذكرى
خرجت المسيرات في كافة أرجاء الوطن وفي الشتات
تؤكد على أن فلسطين لنا
ولن ننساها
في رام الله تم نصب مخيم بجوار قصر الحمراء الذي يروي جانب من تاريخ المدينة
مقابل المقاطعة وقبر الرئيس الشهيد أبو عمار
كل خيمة تحمل اسم قرية أو مدينة
وسارت فرق الكشافة في مسيرات الطبول
وخرج المواطنون شيبا وشبانا رجالا ونساءا مؤكدين على عروبة الوطن
رغم الكم الكبير من الشهداء
ورغم الصمت الكبير الذي يكتنف العالم على أكبر جريمة ما زالت فصولها مستمرة
حاملين مفاتيح البيوت التي أجبر الآباء والأجداد على تركها
بفعل النيران والمجازر الصهيونية وتآمر بريطانيا التي كانت منتدبة على فلسطين
ولعبة تآمر من بعض القادة العرب
يا ترى متى تعود هذه المفاتيح لتفتح الأبواب وتبني فجر جديد
مسيرات وكالعادة
وجوه تتكرر لتتصدر كل المسيرات أمام عدسات الفضائيات والتلفزة والصحافة
ولا يغيب منهم إلا من قضى الله به أمرا كان مفعولا
لا يغيبون طالما وجدت الكاميرات
وما عدا ذلك لا نراهم لا في هم عام ولا في هم ثقافي طالما الكاميرات غائبة
أيتها البثور السوداء في وجوه الوطن
يا "أخوات الشلن..يا أخوات الهيك وهيك..حلوا عن ظهورنا فقد قرفناكم"
ألا ترى ذلك معي يا صديقي الشاعر طلعت شعيبات
بعد حوارنا الطويل على الهاتف أمس
*****
في الصباح الباكر كنت أقرأ مقالا كتبته الأخت والصديقة
شريفة العلوي الكاتبة والشاعرة من جيبوتي
أرسلته لي ولم أراه إلا صباحا وقالت في جزء منه
"إن الذي يحدث اليوم بين الإخوة أسوأ ما سيتبادر إلى ذهن التاريخ والذي لن يرحم فيه ضمير الماضي والحاضر وحتى المستقبل لاقتتال الإخوة وتوجيه الرصاص إلى صدور أبنائهم وإخوانهم وتدمير المقدرات الوطنية التي كان من الممكن أن تحرر الوطن أو على الأقل تواجه بصمود ضربات العدو الصهيوني من اجل الحفاظ على المواطن الفلسطيني حيا في وطنه أو شهيدا برصاص العدو ويتسع له اللحد داخل الوطن...هيهات يا إخوة لو عدنا إلى العقل والحكم "...
ما ذا أقول يا شريفة ردا على كلماتك والقلب ينزف دما وألما
وأنت تحملي همنا في تلك البقعة البعيدة في أطراف الوطن الممزق
وتتألمي كما نتألم
فها هي ذكرى النكبة تتجدد
لكن هذه المرة
في غزة كان لذكرى النكبة طعم ولون آخر
خرجت الجماهير تهتف
"نكبتنا صارت ثنتين"
فصراع الإخوة الأعداء يتجدد
وعلى مذبح الجنون قدمنا أمس سبع عشرة ضحية بشرية
نصفهم من قوات الأمن الوطني الذين قتلوا بدم بارد غيلة وغدرا
وهم يقومون بواجبهم في حراسة أحد المعابر
بعيدين عن نقاط الصراع الداخلي
فهناك من يلعب بقوة لجر هذه القوات لتكون جزءا من لعبة الصراع
وفي الليل كالعادة وبرعاية مصرية وكالعادة أيضا
تم توقيع اتفاقا لوقف القتال بنفس البنود ونفس اللون ونفس الرائحة
ليجري خرقه في الفجر بتقديم ست ضحايا جدد
على نفس المذبح
يا أيها القادة ما عدنا نحتملكم فكفانا الاحتلال
فنكبتنا تتجدد بكم أيها القادة اللئام
فقد أخذتم حصتكم من دمنا المتقاسم بينكم وبين الاحتلال
اذهبوا للجحيم ودعونا
فكفانا ما أصابنا من جنونكم وصراعكم الدموي على مصالح ومكاسب
اللهم إنا براء منهم ومن فتنتهم ومن جنونهم
*****
وعلى هامش الذكرى كان لقاء في بيت الشعر ضم عدد لا بأس به من المهتمين
بالشأن الثقافي العام ليناقش العلاقة بين المؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية
وتوجيه وتوحيد الجهد من أجل مصلحة الوطن
وكان المفترض حضور وزير الثقافة للحوار معه
ولكنه لم يحضر ولم يحضر أحد من الوزارة
كما غاب كم كبير من المثقفين والكتاب كالعادة
وفي النهاية شكلت لجنة للمتابعة
ورغم الجهد المشكور الذي يبذله بيت الشعر والصديق الشاعر مراد السوداني
في ظل توقف كافة أشكال الدعم المادي لبيت الشعر كما المؤسسات الأخرى
إلا أني لا أمتلك إلا أن أترنم مع فيروز
"لا تندهي ما في حدا"
*****
صباح آخر يا وطني المبتلى بالاحتلال وأصحاب المصالح
صباح آخر يا رام الله المدينة التي تسكنني وأسكنها
أخرج في السادسة والربع صباحا بعد أن تابعت نشرات الأخبار لأجول المدينة
في محاولة لتخفيف التوتر
يا طيفي البعيد
جلت شارع الإذاعة "الإرسال" مارا بخيام ثلاث بقيت من مخيم الأمس بجوار قصر الحمراء ومن خلف المقاطعة عدت إلى شارع نابلس
ثم إلى شارع النهضة الذي جرى التعارف عليه باسم شارع الشرطة حينا
وشارع "الفرندز" حينا آخر
مارا بحديقة القيقب الجميلة عائدا لصومعتي بعد ثلاثة أرباع الساعة من المشي السريع
لكن
كان للياسمين رائحة الدم
ولنسمات البحر السليب رائحة الدم
آه يا حبيبتي لقد تعبت من رائحة الدم الذي ينسكب على مذبح الاقتتال الداخلي
تعبت من البعد والغياب والفراق
أشعر بالاختناق
فهل سألتقيك يوما لعلي أرتاح إلى صدرك وحنانك
لعلي أستعيد شذا الياسمين وعبق البحر
أعود لصومعتي وحيدا كالعادة
أحتسي كوب الشاي بالنعناع الذي فقد طعمه في هذا الصباح الدامي
أرافق صوت فيروز

أحترف الحزن والانتظار
أرتقب الآتي ولا يأتي
تبددت زنابق الوقت
"ستون" عاما وأنا أحترف الحزن والانتظار
عبرت من بوابة الدموع إلى صقيع الشمس والبرد
لا أهل لي في خيمتي وحدي
"ستون" عاما وأنا يسكنني الحنين والرجوع
كبرت في الخارج بنيت أهلا آخرين
كالشجر استنبتهم فوقفوا أمامي
صار لهم ظل على الأرض
ومن جديد ضربتنا موجة البغض
وها أنا أستوطن الفرار
شردت عن أهلي مرتين
سكنت في الغياب مرتين
أرضي ببالي وأنا أحترف الحزن والانتظار

صباحكم أجمل

رام الله المحتلة

ليست هناك تعليقات: