الأحد، مايو 27، 2007

صباحكم أجمل \ قتل ونزوح وذاكرة وطن


زياد جيوسي


هو فجر آخر يجتاح المدينة فتبدأ حزمات ذهبية تتسلل من الشرق، هو الصباح المنعش الأجمل الذي اعتادت رام الله أن تمنحه لعشاقها، اللون الأحمر المختلط بالسواد في جهة الشرق له جمال غريب وأخاذ، حين تشهد العين الصراع بين الفجر وبين عتمة الليل فينتصر الفجر ويبدأ السواد بالزوال قليلا قليلا حتى يسيطر الفجر والنور فتبدأ عصافير الدوري الكسالى بالزقزقة فرحا والحمائم هديلها الموسيقي مسبحة الله على فجر جديد، وتبدأ هذه الحركة الصباحية الجميلة بحثا عن رزق وعن جمال..
أقف لنافذتي أتنشق عليل الصباح ونسماته محتسيا كوب الشاي مع النعناع، أشتم عبق النعناع الفواح من حوضه مختلطا بفوح الأزهار والقرنفل، باقة من زهور قرنفل بألوان عدة أهديت إلي تأخذ موقعها إلى جوار حاسوبي وكتبي، نسمات عليلة وروح تحلق في أرجاء الكون مع الصباح، تتجول كنسمة..كهبة ريح..كطيف أحترف التجوال..
هو الصباح إذن وجمال الفجر لا يقطعه إلا نعيق غراب بصوته النشاز على الأذن ما بين زقزقة عصافير وهديل حمائم، فأصحو من نشوة تأمل صباحية وأعود بذهني إلى الصومعة فأنظر للساعة فأراها تدق السادسة فأذهب لنشرة أخبار تعيدني إلى الواقع الذي نحيا ما بين دم ودم وتشرد وقتل وألم ودموع، غارات واشتباكات وأرواح شهداء تصعد للسماء وأنات جرحى تشق عنان السماء.
أكتفي بالربع الساعة الأول من نشرة الأخبار وأرتدي ملابس خفيفة وحذاء رياضي وأخرج لأمارس طقوس عشق جميلة مع دروب رام الله وأزقتها، أخترق شارع المستشفى حتى نهايته ومن هناك التف إلى دوار ما زال اسمه مجهولا بالنسبة لي، فهناك من يسميه دوار التربية نسبة للوزارة هناك وآخرون يسمونه دوار التشريعي نسبة لبناية المجلس التشريعي المعطل دوما والذي كان يشرع والحكومة لا تلتزم وأصبح لا يشرع ولا يجتمع، والبعض يسمونه دوار الشباب وهي التسمية الأرجح، فما زلنا نعاني من غياب أسماء الشوارع والميادين في كثير من الدروب في رام الله، ومن هناك أتجه إلى الماصيون مارا بمؤسسة عبد المحسن القطان ومن ثم التف عائدا إلى شارع النزهة والمعروف باسم شارع المكتبة لوجود مكتبة رام الله العامة فيه وهو الاسم الأجمل، وفي منتصف الشارع وبجوار البرج الأخضر أقف أنظر لرام الله وهذا المشهد الذي يسحرني متمنيا أن لا تصعد بناية إسمنتية في هذه البقعة فتضّيع الجمال في هذا المشهد الأخاذ، تمر ثلاث صبايا جميلات يمارسن رياضة المشي المبكر وهن يتضاحكن بمرح يزيد من جمالهن، فأبتسم وأقول لنفسي لست وحدك من يمارس طقوس العشق المبكر مع المدينة أيها العاشق، وأبتسم مرة أخرى واذكر قول الشاعر..ألا ليت الشباب يعود يوما..فأخبره بما فعل المشيب.
أكمل السير إلى دوار الساعة الذي ما زال يفتقد الساعة فميدان المنارة الذي لم تفلح كل المناشدات بإزالة هذا الخازوق المعدني البشع الذي يتوسطه ولا اليافطات الإعلانية الضخمة التي تحجب الرؤية والشوارع، فشارع بنت جبيل حتى العودة من شارع المعرض فشارع العودة فصومعتي، أشتم في الطريق رائحة الفلافل الساخنة فتثير شهيتي ولكني أكتشف أني خرجت بدون أن أحمل أي مبلغ من آخر مبلغ استدنته فأكتفي بالرائحة، عائدا للصومعة شاعر بالجوع الشديد فأكتفي بقلي بعض حبات بندورة مع الفلفل الأخضر وزيت الزيتون فآكل قليلا منها مما يسكت جوعي وآخذ حماما منعشا وأجلس لحاسوبي أكتب.
هو صباح رام الله وجمال رام الله وعشق رام الله، تذهب النشوة قليلا فأعود لأرى أرواح شهداء تصعد للسماء فالغارات منذ أيام لم تتوقف على قطاع غزة، فما أن هدأت حدة الاقتتال الداخلي الذي أسقط ما يقارب الستون ضحية وعشرات الجرحى على مذبح الجنون والصراع على السلطة تحت الاحتلال، حتى أكمل العدو ما بدأناه فشن الغارة تلو الغارة فحول ليل غزة ونهارها إلى جحيم آخر فتساقط الشهداء والجرحى وساد الخراب والدمار ولم نعد نرى "الأشاوس" الذين امتهنوا المعارك الداخلية يردون العدوان أو يوجهون ضربات موجعة للعدو واختفت الأسلحة التي مارسوا فيها كل أنواع القتل والبشاعة تجاه الدم المحرم.
أقف بألم أمام مشاهد المعارك في مخيم نهر البارد في شمال لبنان، ويؤلمني منظر النزوح من المخيم واللجوء لمدارس مخيمات أخرى وقرى ومدن، يا للفلسطيني وهو يدفع الثمن دوما من دمه واستقراره ولقمة عيشه، فينزح الألوف ويبقى الألوف رهينة صراع دموي ولا يعني أحدا مصير هؤلاء البشر في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، يعيدني المشهد لنكبة فلسطين قبل تسع وخمسون عاما كما رواه الآباء والأجداد، والنزوح عام النكسة والذي عايشته، وصراع جنون في السبعينات أيضا وحرب اجتياح لبنان وحصار بيروت ومأساة اللاجئين الفلسطينيين في العراق، حتى أصبح النزوح من منطقة لأخرى واللجوء لأبنية المدارس في مناطق أخرى سنة الفلسطيني في مسيرة العذاب، وهو يحمل بعض من أغراضه على رأسه كما يحمل هم الوطن على كتفيه، ويدفع دوما الثمن سواءا كان له علاقة أو لم يكن، فليس هناك غيره يدفع الثمن..حتى بت يخيل إلي أنه لو تزحلق قط من على تلة بعيدة في أقاصي الدنيا ووجد فلسطيني واحد هناك سيدفع الثمن ويهجّر أو يقتل أو يسجن...
ترى.. أهناك علاقة جدلية بين لجوء الفلسطيني المعذب لأبنية المدارس بحثا عن بقعة آمنة خوفا من القتل وبين ارتفاع نسبة التعليم والاهتمام به في أوساط الفلسطينيين..؟؟ أعود من هذه الأفكار لأسبوع حافل من الجهد والمتابعة لأسبوع حسين البرغوثي الثاني للثقافة الفلسطينية، بجهد مشكور من بيت الشعر الفلسطيني والأحبة هناك كالشاعر مراد السوداني والدكتور عبد الرحيم الشيخ والشاعر الباحث في جذور اللغة العربية مستخرجا الأجمل من الألفاظ مضمنا إياها شعره الصديق محمد الريشة وصديق الصومعة والحرف عبد السلام العطاري وغيرهم من الأحبة، فأخرجوا رغم قهر الظروف وضيق الحال أسبوعا حافلا تميز بالتكريم لمبدعين أحياء بيننا بعد تكريم الكاتب والشاعر حسين البرغوثي الذي أختطفه الموت مبكرا من بيننا، فجرى تكريم الروائي محمود شقير والناقد والروائي صبحي شحروري والمفكر الدكتور عادل سمارة وكان الختام بأمسية تكريم الشاعر والزاجل الفلسطيني موسى الحافظ الشاعر والزاجل الأشهر في هذا الفن الشعبي المتوارث شفاها أبا عن جد ويضيف له الأبناء والأحفاد الكثير، فتجلينا مع الشعر الذي يلامس الجرح والألم وأبيات العتابا والميجنا والشروقي والشاعر لا يستثني أحدا من أصحاب المعالي والقيادات التي انهمكت في صراعها بينما الدم الفلسطيني المقدس يسيل أنهارا، كان تكريم الأحياء لفتة جميلة من بيت الشعر فقد امتهنا تكريم الأموات ولا نذكر مبدعينا في حياتهم، كان الألم ينزف من فم موسى الحافظ ومثنى الجلماوي ونجيب الصالح وهم يتحدثون عن الجهد الضائع ورفض أولي الأمر جمع التراث وذاكرة الوطن في دفتي موسوعة تحفظ الذاكرة الشفوية للأجيال القادمة، بينما صرفت مبالغ كبيرة على مهرجانات وورشات عمل ومسائل غريبة عن مجتمعنا وتاريخنا وثقافتنا، وأجد نفسي أقف احتراما أمام الشاعر نجيب الصالح على جهوده المنفردة لجمع هذا التراث من أفواه الشعراء والزاجلين في كافة قرى الوطن والاغتراب بجهد فردي بدون أي دعم أو مساعدة.
أسبوع حافل ما بين الألم والنشاط والمناسبات الاجتماعية فمن حضور تسجيل حلقة متلفزة تناقش النظام السياسي في فلسطين إلى حفل تخريج ابن أخي المدلل عندي إلى فوز ابني الثاني بالذكور بميدالية ذهبية في بطولة أخرى في مسيرته المظفرة في رياضة التايكوندوا لتضيف لسجله المتميز والذي قارب الأربعين بطولة بطولة أخرى...
أعود من عالم أحلق فيه إلى نفسي والصومعة وذكرى طيف وحبيب غادر ولم يعد، أحتسي فنجان قهوة ولفافة تبغ أخرى فيقاطعني الهاتف باتصال من صديقي التوأم د. هاني الحروب ليسمعني نزف جديد من روحه المفعمة بالجمال..أعود لرفيقة صباحي فيروز وهي تشدو..
يا جسرا خشبيا يسبح فوق النهر
ضحك الفجر وحيا وصحا القمم الزهر
لونك فرح الماء وبك العذر يجن
أخشابك أفياء تحت الخطو تأن
وبصمت وصفاء ينطلق الأردن
يزرع في الأوجاء موسمه القدسي

صباحكم أجمل

رام الله المحتلة


زياد جيوسي عضو لجنة العلاقات الدولية في اتحاد كتاب الانترنت العرب

ليست هناك تعليقات: