الخميس، فبراير 28، 2008

فعاليات ثقافية سعودية ناجحة في مسقط



ملتقى ( الوعد الثقافي ) يسجل سابقة جديدة
الأفتتاح ، الشعر والتشكيل..


بعد فترة انقطاع عن تنظيم فعالياته المحلية ، انطلق ملتقى ( الوعد الثقافي ) قبل أسبوعين وتحديدا في 15 ديسمبر في مسقط بمهرجان إبداعي استضافته جمعية اتحاد الكتاب العمانية واستمر حتى 18 من الشهر ، وقد شارك في الفعاليات نخبة من مثقفي المملكة وأدباءها ، في صنوف عدة كالقص والسرد والشعر والتشكيل والمسرح .
وعلى أوتار العود ، ومع انسيابية الشعر وروعة الفن التشكيلي بدأت فعاليات مهرجان ( جسور .. فضاءات النص السعودي ) وقد دشنه رئيس الرقابة المالية في عمان معالي السيد عبدالله حمد البوسعيدي ، في حضور الملحق الثقافي السعودي لدى عمان الأستاذ أحمد الفريح.
بدأت الأمسية بكلمة ترحيبية للجهة المنظمة ألقتها عائشة الدر مكية ، وقالت فيها : ( منذ اللحظة الأولى لإشهار الجمعية العمانية للكتاب والأدباء في تشرين الأول ( أكتوبر ) الماضي ، ومجلس إدارة الجمعية يسعى بحرص شديد إلى ترسيخ كيانها الوجودي ، وها نحن هذا المساء نشهد تظاهرة ثقافية هي الأولى من نوعها بالنسبة للجمعية ، وتأتي في إطار رسم سياسة التواصل مع المثقفين الأشقاء ) وأشارت إلى أن ( الاختيار جاء على السعودية ، كأول دولة تمتد إليها جسور هذه الفعالية نظرا للحراك المميز الذي تشهده ).
بعدها قرأت الإعلامية السعودية شادن الحايك كلمة ملتقى الوعد الثقافي وقالت :
جئنا محملين بنص مختلف التحولات ورؤى ذات أبعاد و فضاءات لا حد لها ، وكما يعرف الجميع أن النص السعودي منذ الثمانينيات دخل الحداثة بمفهومها الغامض فهناك من طرق الحداثة متكئا على الخزين من الموروث وطوره ، وآخر دخل على النص مستسقيا قراءة ما وصل إلينا من الشام ومصر و العراق ، فجاء النص باهت الملامح وغريبا على محيطه ، في (جسور) .. فضاء النص السعودي هذا الأسبوع ، سنطرق الأبواب الجديدة في النص الجديد ، شعرا وسردا وتشكيلا ومسرحا ، وعليكم أيتها الأخوات والأخوة قراءة منجزنا برؤى منفتحة وأريحية سمحة .. وأردفت : ( إن قبول المبدع دعوة غير رسمية من ملتقىً إبداعي أهلي لزيارة بلد ما هو حالة حضارية لتفعيل حوار إنساني يحتاجه الكائن دائما ، وأن الحوار الثقافي الآن يعد أكثر السياقات التي تسعى إليها الأمم للتواصل وتعميق العلاقة مع العمق الأهلي والشعبي متمثلا في مكوناته فنيا وثقافيا ، لذلك سندعم كل حالة تواصل بين المبدعين لتنشيط الحوار فيما بيننا ومواصلة تعارفنا على الآخر خصوصا والعالم في تسارع مع الزمن ليصبح مع وسائط الاتصالات قرية صغيرة.. ثم شكرت الحضور والمنظمين وتمنت دوام التواصل.
وشارك في الأمسية الشعرية كل من : الدكتورة أشجان هندي وحسن السبع وزكي الصدير ومحمد الفوز ، إذ بدأت هندي الأمسية بقصيدة ( للساحرات تعاويذهن ) وأيضا ( مطر برائحة الليمون ) ، فيما اختار السبع قصائد من مجموعاته ( زيتها والقناديل ) و ( حديقة الزمن الآتي ) ، و ( ركلات ترجيح ) ، و ( بوصلة للحب والدهشة ) ، وقرأ الفوز من ( ملحمة ليل القرامطة ) ديوان تحت الطبع ) و ( بكاء النبيذ ) و ( آلام العناق ) ، أما زكي الصدير فكانت له ( ياسند ) الذي أدهش بها الحضور كثيرا ، وما أضاف جمالا على إبداع الشعراء هو مرافقة الفنان الجميل محمد الحلال على العود والذي تماها مع النصوص بشكل لافت وخلاق ، وقبل انطلاق هذه الأمسية كان الجميع على موعدا مع إبداع آخر وهو افتتاح المعرض الشخصي للفنان التشكيلي زمان جاسم والذي أقيم في قاعة التشكيل في النادي الثقافي وتضمن 20 لوحة تجريدية وحضره جمهور غفير من الفنانين والمهتمين ، بعدها دار حوار في مقهى الفندق حول بنية النص النثري وتداعيات القالب العروضي الخليلي ومدى تفاعله مع الإبداع الحديث.

الأمسية الشعرية

توالى الإبداع السعودي في إحياء أمسيات ثقافية متنوعة ففي اليوم الثاني ، حيث شهد مسرح الكلية التقنية العليا مسرحية تجريبية بعنوان (حين ينسكب الماء) من تأليف عبدالله الجفّال وإخراج محمد الحلال واعتمدت في التمثيل على شخصيتين مسرحيتين هما المسرحيان محمد الحلال وزكي الدبيس بالإضافة إلى مشاركة صوتية للفنانة شعاع ، واعتمدت على عنصري الإضاءة والإظلام بشكل رئيسي. تدور أحداث المسرحية حول معاناة الإنسان العربي وعرض قضاياه الخاصة ومطاحناته اليومية في صراعات لا منتهية متجاوزة للقضايا العامة والإشكالات الحياتية وما تفرضه من ضغوطات عليه ، وقد حدثنا الكاتب والمسرحي عبدالله الجفّال مؤلف المسرحية عن أن هذا العمل يعرض لأول مرة في سلطنة عمان وذكر بأن المعنى الرمزي لعنوان نص المسرحية يوحي إلى البعد الذي تشّكله أهمية الماء في إحياء الكائنات قبل أن يحلّ بها الموت وتضمحل، معبرا بذلك ما يعانيه جسد الأمة العربية من غياب الروح ، كما تحدث عن التجربة المسرحية في المملكة العربية السعودية، وما تعانيه من معوقات بسبب غياب البنية الأساسية بشكل كبير، وعدم وجود جمعية للفنانين ، وبرغم الخطوات الكبيرة والحضور الملموس على المستوى العربي ، إلا أنه يعاني من صعوبات وعقبات كمسرح اجتماعي داخل المملكة ويعزو ذلك إلى غياب المرأة في التمثيل وصعودها على خشبة المسرح.
وضمن الفعاليات أيضا أحيت الشاعرة البحرينية سوسن دهنيم والمشاركة مع الوفد السعودي كضيفة شرف أمسية شعرية ألقت فيها العديد من القصائد وصاحبها على العود الفنان محمد الحلال وكان القاءها ساحرا ومدهشا منها:
قلت وكانت في دم المعركة تتبذل الأحصنة تنتابها ضراوة مسبية لحوذي يلعب بسروجها كلما أضاع وجهته تنسج من هلامات صهيلها رداء للآلهة وتحبل برهان الظفر بجحيمه تغازل جرحه وتنهرها قداسة الأحجية تفض عصمتها وترسي الأجنحة على النبض أحصنة في المدى

حضور نخبوي غير مسبوق وشهادتان متألقتان في الرواية
أسدل بالنادي الثقافي مساء الأثنين الستار حول فعاليات المهرجان الثقافي والذي استمر ثلاث ليال ، توج خلالها النص السعودي منصات الساحة الثقافية العمانية وما تخللها من لقاءات بين المبدعين بكافة أجناسهم المختلفة من شعر وقصة ومسرح ورواية مشكلة تظاهرة أدبية فريدة وناجحة.
حيث القي مساء الاثنين عدد من النصوص لكل من القاص جبير المليحان وعبد السلام الحميد وفاضل عمران وآلاء أبوتاكي.


أما في الجزء الثاني من الأمسية فكان حول تقديم شهادتان حول الترجمة والرواية في السعودية لكل من الروائي يوسف المحيميد والروائية د.بدرية البشر ، حيث جاءت شهادة المحيميد معنونة ب"ترجمة الرواية السعودية بين ذهنيتي التشكيك والجهل" ، تناول فيها الخارج العربي تجاه ترجمة الرواية السعودية إلى لغات أخرى عبر دور نشر عالمية كبيرة (فخري صالح أنموذجا) ونظرة المثقف السعودي إلى آلية الترجمة وكيفية عمل دور النشر الأجنبية وجهله بها .


كما قدم في شهادته النظرة عند المثقف العربي عند قيام الغرب بنقل الرواية العربية وترجمتها إلى اللغات الحية وإدراج ذلك في نظرية المؤامرة ، وقد عبر المحيميد عن رفضه لنظرية المؤامرة وذلك لسبب الحذر الذي يداخل الرواية حول المسكوت عنه ، وتلك هي نظرة المؤسسات الرسمية والأنظمة إلى الكتاب ، حيث أثار المحيميد عدم قبوله تجنب الكتابة حول التابو فقط لأجل إرضاء المثقف العربي المسكون بوهم المؤامرة ، لأن هذه النظرة تلغي قيمة الأدب والإبداع الحقيقية.
كما انه لا يتفق مع جهل المثقف السعودي تجاه الترجمة واتقاده أنها تشبه عملية النشر في العالم العربي ، والمساومات المالية التي تدور بين رحاها للناشر العربي ، في حين أن العكس هو ما يفترض يكون سواء للكاتب أم للمترجم وذلك بتوقيع عقود واستلام مقدم نشر كما هو عند دور النشر الأجنبية.
كذلك تطرق المحيميد حول الحساسية تجاه اللغة عند ترجمتها إلى لغات أخرى وحدود السماح إلى التحرير في النص مما يؤدي أحيانا ً إلى تغيير مسمى العنوان وذلك بحسب ما يراه محرر العمل بعد الترجمة ، وينبغي على الكاتب العربي أن لا يتوجس في حالة تغيير عنوان العمل طالما يراه المترجم ومحرر العمل مناسباً وكيفية القبول عند المتلقي .

أما بالنسبة للشهادة التي قدمتها الدكتورة بدرية البشر فقد جاءت بعنوان (عالم مختلف .. حيوات عديدة!)وهي على هيئة نص تداعي حول تجربة الروائية مع الكتاب والكتابة مستفتحة بجملة قالها الروائي التركي أورهان باموق (قرأت مرة كتاباً فتغيرت حياتي كلها) ، وهي أيضاً قرأت كتاباً فتغيرت حياتها كلها ، كما روت لنا الكاتبة تجربتها وشغفها بالحكايا منذ طفولتها ، تلك الحكايات وكما تقول البشر بأنها كانت ترسم صورنا الصغيرة على هيئة خراف ضعيفة تنتفض خوفاً من شفرة الضياع وأنياب الذئاب.
منهية تجربتها بالتحرر الذي قدمته الكتابة للكاتبة وخروجنا من الواقع الضيق وهي صغيرة والظالم وهي شابة كما تعلمت قيم العدالة ومحاربة الظلم ورفع الحدود إلى مسيرة البشر الطامحين إلى عالم أفضل وهي واحدة من هموم الكتابة.
في نهاية الأمسية تحدث رئيس الوفد السعودي الأستاذ حسين الجفال وقال في كلمة مرتجلة وحميمة ، جئنا لنتحاور مع بعضنا البعض ونستكشف رؤى الآخرين ، وأثنى على المقهى الثقافي اليومي الذي عرف المثقف السعودي بالمثقف العماني عن قرب وقال إن ذلك احد أهم أهداف المهرجان وشكر الأصدقاء وجمعية الكتاب العمانية على الاستضافة والاحتفاء الكبير، وتحدث بعدها الأستاذ طالب المعمري رئيس جمعية الكتاب العمانية وقال ، نشعر بالفخر بتواجد نخبة من المثقفين السعوديين بيننا ، وحث على دوام التواصل ومزيد من التعاون بين الجمعية وبين ملتقى الوعد الثقافي ، بعدها تم تبادل الإصدارات بين الكتاب العمانيين وإخوانهم السعوديين ، كما تم تبادل الهدايا والدروع التذكارية بين الطرفين متمنين دوام مثل هذه الملتقيات الثقافية.

القصة القصيرة تتألق بالسؤال الجمالي في تطوان



سليمان الحقيوي

/المغرب
لقد شكل يوم الجمعة 22/3/2008 يوما مختلفا بالنسبة لمدينة تطوان، فقد توقف المطر عن الهطول،وتراجعت أمواج شاطىء مرتيل خلف أمواجه الذهبية،وكأنها ترحب برواد النقد و الإبداع بمختلف صنوفه،الذين حلوا ضيوفا على المدرسة العليا للأساتذة بمرتيل و كعادته كان الاستاذ عبد الرحيم جيران والشاعر الواعد أبو المصاعب محمد العناز في استقبال ضيوفهما الكرام(أحمد بـوزفـور، محمد أنقار، محمد عز الدين التازي ، عبد الطيف محفوظ، محمد مشبال)وغيرهم من المبدعين و النقاد الشباب،اللذين حضروا من مختلف مدن المغرب للمشاركة في هذا اللقاء الذي تميز بحظورالشاعر المغربي محمد الشيخي وثلة من الأساتذة الجامعيين بكلية آداب تطوان.


وسط هذا الجو البهي، نظمت شعبةاللغة العربية بالمدرسة العليا للأساتذة لقاء دراسيا حول موضوع :"أسئلة القصة القصيرة الجمالية بالمغرب"وقد كانت كلمت البداية للدكتور عبد الرحيم جيران، بعد ترحيبه بالحظورافتتح اللقاء بكلمة قال فيها: إن شعبة اللغة العربية بالمدرسة العليا للأساتذة تقيم هذا اللقاء الثاني وفق منظورها الثقافي الذي يسعى إلى جعل الثقافة مكونا من مكونات التكوين داخل المؤسسة، وإلى جعل أساتذة المستقبل يتعرفون على المبدعين المغاربة الذين أسهموا في رسم معالم الأدب المغربي المعاصر. كما أننا نقيم هذا اللقاء وفق منظور ضرورة تعرف الأجيال المبدعة الشابة على جيل الرواد، حتى يتأسس الحوار الإيجابي بينهما، وأساليب الاستفادة المتبادلة.ليعطي الكلمة للباحث المغربي: محمد عز الدين التازي الذي قدم مداخلة تحت عنوان: جمالية القصة القصيرة-التأسيس وأبعاد التمظهر-وقد ذكر فبي البداية بالأعمال الأولى التي كتبها الرواد في الأربعينيات والخمسينيات والتي قامت على الارتباط بالأهداف السياسية والروح الوطنية من دون احتفال بجمالية الكتابة معتبرا إياها مرحلة أولى في التأسيس وكذا ارتباطها بفئة معينة هي الفئة الوطنية،ثم انتقل الى الحديث عن المجموعة القصصية "وادي الدماء" لعبد المجيد بن جلون بوصفها مؤشرا على البداية الأولى الممثلة لفن القصة القصيرة بالمغرب.


ليعود إلى مرحلة التأسيس بالانتقال إلى مرحلة الستينيات والسبعينيات باعتبارها مرحلة ثانية، حيث اعتبرها مرحلة تطوير القصة القصيرة المغربية مع الإشارة إلى ارتباط السرد القصصي بالبعد الواقعي والاجتماعي.اما الروائ المغربي : محمد أنقار فقد تحدث في مداخته: تأملات في شكل القصة القصيرة.اللتي قدمها في شكل أسئلة قصد إثارة الإشكالات التي يرى أنها راهنية تحتاج إلى التأمل والتفكير.وقد تحدث كذالك عن ماأصبحت تعانيه القصة القصيرة،من انكماش على نفسها و ما ينتج عن ذلك من تقليص فنيتها، وقد ربط ذلك بسياق العولمة وما بعد الحداثة ثم انصرف بعد ذلك إلى الحديث عن بلاغة القصة القصيرة في الزمن الراهن انطلاقا من بلاغة الوجازة اما المداخلة الموالية: سؤال الحاضر والمستقبل فقد تحدث فيها : أحمد بـوزفـور: عن مفهوم القصة القصيرة محددا إياه انطلاقا من الحجم بحيث جعله منحصرا بين ثلاثة أسطر وتسعة لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن أهمية اللغة في القصة القصيرة والإمكانات التي تزخر بها ومن ضمنها فتح زوايا متعددة على مختلف المستويات الجماليةفيها.اما الناقد الفذ عبد الطيف محفوظ فقد انفرد في ورقته: البنية ولمكونات.بالحديث عن صعوبة تحديد مفهوم القصة القصيرة نظرا غياب دراسات أكاديمية دقيقة تنطلق من الوصف الدقيق للنصوص وتحليلها على نحو علمي،لينتقل بعد ذلك الى الحديث مفهوم التجريب،الذي جعله عنصرا حاسما في تبن هذه البنية، لكنه قبل أن يتحدث عن هذا الأمر انصرف إلى إيضاح المقصود من مفهوم التجريب، حيث اعتبره انزياحا عن التقليد الذي يسم الكتابة السائدة؛ وذلك بهدف تطوير الكتابة من خلال تطوير أشكالها.و في نهاية مدا خلته تعرض الباحث لمجموعة من خصائص القصة القصيرة الجمالية انطلاقا من نموذجين محددين هما: مجموعة " ققنس " لمحمد بوزفور. وتجربة أنيس الرافعي.


بعد ذلك كان الحظور مع موعد سماع لمجموعة من القراءات لمبدعين شباب تألقت في تقديمهم كل من الشاعرة لبنى الفقيهي والناقدة ابتسام مسكين ' حسن اليملاحي، محمد سعيد الريحاني،عبد السلام دخان، سعاد الناصر،عبد للطيف الزكري،خالد أقلعي، محمد زيتون،حميد البقالي،نجيب الكعواشي، نوال الغنم ،الهام امزيل.فتقدم الشاعر المغربي محمد الشيخي بتوزيع الشواهد التقديرية على المشاركين. وفي الكلمة الختامية ،قدم الدكتور عبد الرحيم جيران شكره الجزيل الي الحظور الكريم والى الاساتذة المشاركين في اللقاء ضاربا لهم موعدا السنة المقبلة.

الأربعاء، فبراير 27، 2008

صباحكم أجمل \ ذاكرة الهوى والانتظار


زياد جيوسي

شتاء رام الله 2008
"بعدستي الشخصية"


صباحك أجمل يا رام الله بعد أيام جميلة من المطر، صباحك أجمل وأنت تفتحين ذراعيك للربيع القادم، وأنا انظر في تجوالي اليومي بشائر الربيع والأزهار التي بدأت تتفتح والمساحات المكسوة بالعشب الأخضر الجميل، مشاعر مختلفة تجول في روحي وأنا أجول بين الدروب وجمالها، أقف في أكثر من نقطة تطل على الغرب فأرى البحر حين يصفو الجو، وأملأ صدري من نسائم تهب مع الريح الغربية معبقة ببحر يافا وحيفا وعكا، فأهمس لروحي، لقد طال البعد يا وطناً يسكن منا الروح والنفس.
بعد انتظار طويل قارب الأحد عشر عاماً من تاريخ عودتي للوطن، وبعد رفض أمني متكرر من سلطات الاحتلال، نلت الموافقة أخيراً على بطاقة الهوية الفلسطينية، ومنذ يوم الخميس الماضي بدأت نقطة تحول كبيرة في حياتي، بدأت في إجراءات استخراج بطاقة الهوية، تلقيت المئات من الاتصالات الهاتفية والرسائل عبر الشبكة العنكبوتية تهنئني، تلقيت العشرات من الزوار لصومعتي مهنئين، حتى أن نظام حياتي المعتاد تأثر بالكامل، لكني ما زلت أعيش تحت تأثير التناقض في المشاعر، وهذا يذكرني كيف حين نلت حريتي بعد خمسة سنوات اعتقال، واجهت مشكلة في التعايش مع جو الحرية، وبقيت فترة ما أن تغيب الشمس وأنا جالس في حديقة بيت أهلي أو في الشرفة، إلا ووجدت نفسي أدخل البيت فوراً، وكأنه موعد دخول الغرف في المعتقل، ولم أستطع أن أستوعب بسهولة البقاء لوقت طويل في استقبال وتوديع المئات من المهنئين ، مما سبب لي بفترتها نوبات من الصداع المزعج، وها أنا تنتابني نفس المشاعر بعد إحساسي أنني وبعد أن أضع البطاقة في جيبي، ربما يمكنني أن أتنقل بين المناطق المختلفة وأن أسافر أيضا بحرية، فيتغير نظام حياة استمر كل هذه السنوات.
والحقيقة أن الحصول على الهوية الفلسطينية كان هدف أصر عليه، وإن كانت البطاقة لا تغير في انتمائي شيئاً، فالوطن يسكن مني الروح، فمنذ عدت للوطن ودخلت بوابتة ، دأب الاحتلال على رفض الموافقة على الرقم الوطني وعلى لم الشمل وقام بسحب إقامتي وعدم تجديدها، حتى وصل هذا الرفض الأمني إلى ستة عشر مرة، ويمكنكم أن تقدروا كيف يمكن للمرء أن يبقى أسير مدينة لا يستطيع مغادرتها إلى أقرب قرية إلا بترتيبات وإجراءات عديدة، كيف يحرم من أسرته وأهله الذين يعيشون في الخارج، كيف يكون على أعصابه حين تدخل دوريات الخفافيش المدينة، وكيف يكون معرضا للاعتقال والتسفير في كل لحظة، رفضت المغادرة وأن أكون مع أسرتي، رفضت ذلك وقلت: أنا ابن هذا الوطن ولن أغادره، فأنا كالوطن سنديان ضارب الجذور فيه، ووجودي هو الشرعي وليس وجود الاحتلال، لذا سأبقى وأترنم بالأغنية القائلة: صامدون هنا صامدون هنا خلف هذا الحصار الرهيب، صمدت وتحملت حتى أن ابنتي الوحيدة تزوجت في الشتات ولم أحضر زفافها، والدتي منذ فترة بالمستشفى ولا أقدر أن أكون بجانبها، لكنه الوطن أغلى من الابن ومن الأم ومن الروح، كثيرون تساءلوا لما تبقى وبإمكانك أن تذهب لأسرتك وتعيش مع أسرتك وأهلك.. كنت أنظر لهم مستغرباً هذا الطرح وأقول لهم: صراعنا مع الاحتلال صراع وجود وإرادة.. فلا بد أن ينتصر الوجود في النهاية وتنتصر الإرادة.. فلا يجوز أبدا بعد هذه المسيرة الطويلة أن أحني هامتي، ولا يجوز أن أكتب عن الصمود والوطن وأخالف قناعتي بما أكتب.. أيها الأحبة جميعا..
إنها الإرادة وانه الوطن ولكل من عبروا عن فرحتهم بحصولي على بطاقة الهوية باقات من ياسمين رام الله وحبق الناصرة.. معكـم أبقى ومع صباحات الوطن ودوماً سأقول لكم.. صباحكم أجمل ولنحلم بيوم تمنح الهوية فيه لكل فلسطيني من خلال سلطة وطنية فلسطينية حرة في وطن حر وليس بموافقة الاحتلال، وللابنة جدل التي كتبت نصاً جميلاً تحت عنوان: صباحكم أجمل \هوية.. هوية، وقالت فيه من ضمن ما قالت:
" إلى الأستاذ زياد جيوسي أباً وصديقاً...وجزءً من سماء الوطن.. أردت أن استعير كلماتك فقط فاستعرت ذكرياتك وهواجسك وهمومك، أردت أن أصمت طويلاً وأن أكف عن ثرثرتي، ولكن ماذا أفعل للورق الأبيض الذي يحاصرني وينتظر منحه بعض الروح، يا صديقي، أعتقد أنك قريبا ستسافر إلى عمان، ستعبر الجسر مع العابرين، وترى حدود الدولة التي ما كانت، وربما ستشعر بالحزن عندما يبدأ القتلة بالتلصص على أشياءك الحميمة، وتكتب من هناك شيئاً من الفرح الممزوج بحزن الابتعاد عن رام الله ولقاء الأهل، وتشتاق لتفاصيل الحياة اليومية هنا، وأنا سأشتاقك، وأكف عن حساب احتمال لقاءك صدفة في الصباح، ولكني أعلم أنك ستعود وتقضي صيفا مفعماً بالحيوية في رام الله، أردت أن أقول لك مبروك الهوية ولكل منا طريقته في التهنئة..."، أقول: يا جدل هي رام الله كانت وستبقى.
هي رام الله العشق الأول والأخير، لا أستطيع أن أتخيل وجودي خارجها بسهولة ولو بزيارة، وحين اتصلت بي الأخت جانيت ميخائيل رئيس البلدية مباركة لي قالت: نبارك لك لكننا لن نسمح لك أن تغيب عن رام الله، فقلت لها: وهل عن رام الله من بديل؟ ما الحب إلا للحبيب الأول.. فمن بين الأربعة مدن التي سكنتني من بين عشرات المدن التي عرفتها، كانت رام الله وعمان هي المتميزة والتي أحملها معي أينما كنت وذهبت، بحيث أن المدينتين تتمازجان في روحي بطريقة غريبة.
أقف لنافذتي في هذا الصباح المبكر والبارد بعد جولة قصيرة في المدينة، أقرأ في ديوان شعر للصديقة الشاعرة الرقيقة إيمان عرابي، أقرأ قصيدة الغريب بترنم ومتعة، ورغم قراءتي الديوان مرات عدة منذ أن وصلني منذ عدة أيام مزينا بإهداء بخطها الناعم ، ورغم قراءتي للقصائد العديد من المرات قبل أن تجمع بديوان أنيق، وكان لي مع بعض القصائد فيه قراءات متعددة، ومع باقي القصائد تعليقات عبر الشبكة العنكبوتية، إلا أني كلما قرأت فيه مجددا أجد فيه شيئاً جديداً آخر، فأعود لأوراقي التي خططت فيها مشروع قراءة في الديوان وأجري تعديلا من جديد.
أمتع روحي بموسيقى الحمامات وهديلها في زيارتها الصباحية لنافذتي، وتعود بي الذاكرة لحديث الطفولة في هذه المدينة قبل أن نغادرها على اثر هزيمة حزيران لعام 1967، فأستذكر كيف كانت وكيف أصبحت، حتى أني حين عدت إليها وبرفقة شقيقي جهاد، أتينا من نابلس وأوقفنا سيارته بجوار البيت الذي كنا نسكنه في سطح مرحبا، وسرنا على الأقدام من هناك كما كنا نفعل صغاراً، فجلنا حي الشَرفة مستذكرين كل بيت من البيوت القديمة التي كانت، وكل ذكريات طفولتنا في الشوارع التي نسير، ومارسنا طقوس كنا نمارسها أطفالاً، فأكلنا شطائر الفلافل من مطعم عبدو في شارع القدس، مستذكرين كيف كانت الشرطة تضطر لوضع شرطي ينظم الدور ويمنع إغلاق الطريق من المنتظرين أن يشتروا بعض من أقراص الفلافل، وسرنا في شارع الإرسال مستذكرين كيف كانت الأشجار تتشابك بين الرصيفين، وكيف أصبح الشارع يشكو قلة الشجر بعد أن نمت هذه البنايات الضخمة كالفطر الأسمنتي، وسرنا في شارع ركب بعد أن عبرنا ما كان يعرف بدوار المنارة والتي هدمها الاحتلال، وأعيد بنائها من جديد في عهد السلطة الفلسطينية، وإن كانت تماثيل أسودها الأصلية قد سرق بعض منها الاحتلال، ولم ننسى أن ندخل محل البوظة الذي منح الشارع اسمه، لنتناول أطباق منها مستعيدين مرور ما يزيد عن ثلاثين عاما بين الجلستين، وأكملنا المسير حتى قلب بيتونيا مارين بالمدرسة وبيتنا الذي سكناه هناك، عائدين لرام الله مستذكرين كل بيت وكل شجرة عرفناها أطفالا، متحدثين عن كثير من الطرائف التي جرت معنا، فجهاد يمتاز بذاكرة ممتازة لتذكر هذه الطرائف وإضفاء جو من المرح بالإضافات والزيادة عليها حتى يكاد يثيرني أحياناً، جلت وإياه كثيرا في ذلك اليوم وكأننا كنا نريد أن نختزل غياب ثلاثون عاما في يوم واحد، وكان قد تميز عني أنه تمكن من زيارتها قبلي فهو ممن عادوا بالدفعة الأولى للعسكريين والضباط بعد توقيع اتفاق أوسلو، ولم نترك مكانا له ارتباط بذاكرة الطفولة إلا وزرناه، فوقفنا أمام مبنى سينما الجميل الذي كان مغلقا بعد تحوله لمسرح السراج والذي تحول لاحقاً أثناء إقامتي برام الله إلى مسرح القصبة، ووقفنا أمام مبنى سينما دنيا الذي هدم لاحقا وينشئ الآن مكانه مبنى تجاري يحمل نفس الاسم، وأمام مبنى سينما الوليد المغلق حاليا بانتظار هدمه وتحويله لمجمع تجاري آخر، وأمام ما كان يعرف بمطعم نعوم وأغلق منذ زمن، والبردوني الذي ارتبط اسمه بتاريخ رام الله وهدم من شهور ليتحول أيضا لمشروع مبنى تجاري آخر، وفي دوار المغتربين "الساعة" والذي ما زال يا بلدية رام الله بدون ساعة رغم كل الوعود، وإن كان لمتنـزه بلدية رام الله وقفة خاصة ففيه ذكريات طفولة مشتركة كثيرة، فهذه هي رام الله الجمال والشجر والحجر التي كانت في الذاكرة ولم تزل تسكن الروح رغم كل المتغيرات فيها، فكيف يمكن أن تسهل مغادرتها والغياب عنها ولو لفترات قصيرة.
هي رام الله ببردها ودفئها وأمسياتها الثقافية والفنية، فمن معرض بالأمس في المركز الثقافي الفرنسي الألماني للفنان شريف سمحان المحاصر في غزة، والذي أعادتني لوحاته وصوره الفوتوغرافية إلى ذاكرة المخيم، إلى أمسية موسيقية في قاعة السكاكيني مهداة من أصدقاء المرحوم الشاب وجد زعرور لروحه، وجد الذي رحل وترك في الروح غصة وفي النفس وجدا، أمسية جددت الدمع في المآقي والحزن في النفوس عليه، فقد كان وجد الغائب الحاضر كما ستبقى ذكراه في نفوس كل من عرفه، إلى محاضرة في مكتبة بلدية رام الله عن مذكرات سالم الزعرور ومدينة رام الله بدعوة من نادي القراءة في بلدية البيرة، وتقديم من الباحث سميح حمودة، أضاءت لنا عن نظام الحياة في رام الله بفترة الثلاثينات من القرن الماضي، من خلال مذكرات غير منشورة، إضافة إلى العديد من نشاطات لم أتمكن من حضورها لسبب وآخر.
صباح آخر يا رام الله ويا حروفي الخمسة التي بدأت ساعة اللقاء تقترب بعد طول غياب، صباح آخر يا طيفي الحلو الشقي أنت البعيد القريب، وحلم لقاء يقترب أكثر وأكثر، فنجان قهوتنا الصباحي الواحد ولفافة تبغنا ورام الله وشدو فيروزكما اعتدنا تشدو لنا ككل صباح:
"يا طير يا طاير على أطراف ألدني لو فيك تحكي للحبايب شو بني، روح اسألهن علِي وليفه بيسمعوا ومجروح بجروح الهوى شو بينفعه، موجوع ما بيقول عا اللي بيوجعه وبتعن عا باله ليالي الولدنه، يا طير وآخد معك لون الشجر، ما عاد في إلا النطرة والضجر، بنطر في عين الشمس على برد الحجر، وحياة ريشاتك وأيامي سوا وحياة زهر الشوك وهبوب الهوا، كنك لعندهن رايح وجن الهوا خدني ولو شي دقيقة وردني".
صباحكم أجمل.
رام الله المحتلة 27\2\2008

http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com

الاثنين، فبراير 25، 2008

المفاهيـــم الدينيـــة ومستقبـــل التسامــح الإنســـاني‮..‬


د‮. ‬عبدالحميد الأنصاري
أقامت جمعية المنتدى محاضرة بعنوان‮ »‬المفاهيم الدينية ومستقبل التسامح الانساني‮« ‬ألقاها الدكتور عبدالحميد الأنصاري‮ ‬أستاذ الدراسات الاسلامية بكلية الحقوق بجامعة قطر تناول فيها مجموعة من المفاهيم الفكرية وسبل تقويتها‮.‬

وفيما‮ ‬يلي‮ ‬نص الندوة‮:‬‮

*‬يعاني‮ ‬العالم من الارهاب الذي‮ ‬اصبح ظاهرة عولمية تستنزف الموارد والطاقات وتفرض الاستحكامات الامنية التي‮ ‬تقيد الحريات،‮ ‬غير آلاف البشر الابرياء الذين‮ ‬يسقطون ضحايا الاعمال الارهابية التي‮ ‬تجتاح العالم‮.

‬ان الارهاب وليد فكر متشدد ونفسية متوترة كارهة للحياة والاحياء لا تستطيع ان تنسجم مع التحولات المجتمعية المتسارعة بفعل تيار العولمة ولذلك فان الارهاب‮ - ‬في‮ ‬التحليل النهائي‮ - ‬ليس موجها ضد الاخر وان استهدفه،‮ ‬انه موجه ضد الذات،‮ ‬انه انتقام الذات الجريحة من نفسها ومن حاضرها البائس‮.

‬لا‮ ‬يمكن تبرير الارهاب بالصراعات السياسية ولا بالمظالم الغربية والامريكية ولا بالقهر السياسي‮ ‬العربي،‮ ‬ولا نستطيع تعليله بغياب الديمقراطية او بوجود البطالة وان اتخذ كل ذلك ذريعة لكسب التعاطف الشعبي،‮ ‬فالارهاب له تاريخ ممتد الى سبعينيات القرن الماضي‮ ‬في‮ ‬مصر باغتيال‮ »‬السادات‮« ‬كما ان للجزائر تاريخا عريقا مع الارهاب،‮ ‬وقد ضرب الارهاب السعودية بدءا من العام ‮٥٩٩١.

‬يولد الانسان محبا للحياة،‮ ‬فالحياة نعمة عظيمة من الخالق،‮ ‬لكن عوامل مجتمعية داخلية وخارجية عديدة تجعله شخصية كارهة لمجتمعها وعصرها منها‮: »‬الطفولة البائسة‮« ‬التي‮ ‬عاشها،‮ ‬وعدم كفاية التحصين الثقافي‮ ‬والديني،‮ ‬والمفاهيم الدينية الخاطئة،‮ ‬والفتاوى التحريضية‮.‬لقد اخفقت مناهج التعليم والمؤسسات الدينية في‮ ‬تحصين شبابنا ضد التطرف،‮ ‬وهذا هو الاخفاق الاكبر لمناهج الثقافة والتربية‮.‬‮]

‬كيف السبيل الى تقوية‮ »‬المناعة‮« ‬الفكرية و»التحصين‮« ‬المجتمعي؟‮

- ‬اولا‮: ‬علينا الاعتراف بمسؤولياتنا والكف عن لوم الاخرين،‮ ‬وقد اعجبني‮ ‬ما قاله سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في‮ ‬كلمته الختامية في‮ ‬حفل توزيع جائزة الشيخ زايد للكتاب‮ »‬ان هذا الواقع المؤلم‮ - ‬للقراءة والكتاب‮ - ‬ليس للشرق ولا للغرب علاقة بقدر ما نتحمل نحن مسؤوليته،‮ ‬بعيدا عن نظرية المؤامرة وشماعة الاخر‮«.‬

ثانيا‮: ‬علينا تبني‮ ‬الخطاب النقدي‮ ‬التحليلي‮ ‬الذي‮ ‬يقول ما لنا وما علينا،‮ ‬وما للاخر وما عليه،‮ ‬مصداقا لقوله تعالى‮: »‬ان الله لا‮ ‬يغير ما بقوم حتى‮ ‬يغيروا ما بأنفسهم‮«.‬

ثالثا‮: ‬علينا تجفيف‮ »‬الينابيع‮« ‬التي‮ ‬تسقي‮ ‬شجرة‮ »‬التعصب‮« ‬باعادة النظر في‮ ‬المفاهيم الدينية السائدة وما تبثه المنابر الثقافية والاعلامية وما‮ ‬يصرح به الدعاة عبر تبني‮ ‬استراتيجية للتنمية الثقافية المشتركة،‮ ‬كما فعلت‮ »‬المانيا‮« ‬بعد هزيمة‮ »‬هتلر‮« ‬اذ عكفت على دراسة الاسباب التي‮ ‬افرزت النازية فاكتشفت ان منابع الثقافة الالمانية باسرها‮ »‬مسمومة‮« ‬وكان لا بد ان تسفر في‮ ‬النهاية عن ظهور هتلر والفكر النازي،‮ ‬ولذلك ضربوا بمثل هذا التراث عرض الحائط،‮ ‬وكذلك فعلت اليابان بالتراث الامبراطوري‮.‬

ان اولادنا الذين اسرعوا الى الموت،‮ ‬فعلوا ذلك لاننا لم نحببهم في‮ ‬الحياة،‮ ‬ملأنا نفوسهم كراهية ونقمة على الحضارة،‮ ‬وصورنا العالم مؤامرة على المسلمين‮.

‬ان الارهاب لا‮ ‬ينتعش الا في‮ ‬مناخ ثقافة معادية كارهة لمعطيات الحضارة،‮ ‬تحرم النافع من الثقافات والفنون الراقية والموسيقى والمسرح‮.‬الارهاب فكر لكنه عدواني،‮ ‬وهو مرض لكنه‮ ‬يصيب النفس،‮ ‬ويميت القلب،‮ ‬وبيئة حاضنة لكن تسودها الكآبة والبؤس والاحباط،‮ ‬وصحيح ان هذا الفكر العدواني‮ ‬المنحرف،‮ ‬اساسه التنشئة الاولى وخبرات الطفولة القاسية ثم التعليم الاحادي‮ ‬التلقيني‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬ينمي‮ ‬العقلية الناقدة الا ان الخطاب الديني‮ ‬التحريضي‮ ‬وفتاوى التكفير والاشرطة والكتيبات المتعصبة واخيرا المنبر الالكتروني‮ ‬المتطرف والذي‮ ‬اصبح بوابة التنظيمات الارهابية،‮ ‬لها الاثر الاعظم في‮ ‬ترويج الفكر الارهابي‮.‬‮

‬ثقافة الخليج المتصالحة‮:

‬‮] ‬لم تكن مجتمعاتنا بهذا العنف،‮ ‬لقد عاش الاباء والاجداد في‮ ‬مصالحة مع الذات ومع الاخر،‮ ‬وتعاملوا مع جميع شعوب الارض من دون عقد ووساوس مرضية،‮ ‬فما الذي‮ ‬حصل لمجتمعاتنا؟

ولماذا اصبح بعض شبابنا عدوانيا ناقما على الحياة والاحياء؟‮- ‬ان ما حصل في‮ ‬الساحة العربية وبخاصة الخليجية خلال العقود الثلاثة الاخيرة من فكر متطرف معادٍ‮ ‬للحياة،‮ ‬اصاب بعض ابنائنا ودفعهم الى الهلاك،‮ ‬انما تم زرعه ورعايته من قبل‮ »٣« ‬تيارات سياسية ودينية نجحت في‮ ‬غزو الثقافة المجتمعية المتسامحة،‮ ‬وهي‮:‬‮

١- ‬التيار التكفيري‮ ‬الديني‮ ‬والذي‮ ‬يمثل فكرا اقصائيا قمعيا‮ ‬يشكك في‮ ‬معتقدات الاخرين،‮ ‬ويتهمهم بالبدعة والانحراف والضلالة بحجة ان العقيدة الصحيحة واحدة،‮ ‬اصحابها في‮ ‬الجنة وغيرهم في‮ ‬النار،‮ ‬ويرى هذا التيار ان استخدام العنف وسيلة مشروعة في‮ ‬فرض الرأي‮ ‬السياسي‮ ‬والمفاهيم الدينية الخلافية‮.‬‮

٢- ‬تيار الاسلام السياسي،‮ ‬وهو فكر‮ ‬يقوم على ابدية الصراع مع الغرب،‮ ‬باعتباره العدو الدائم المتربص والمتآمر على المسلمين،‮ ‬ولذلك فهو فكر اتهامي‮ ‬مسكون بهواجس التآمر العالمي‮ ‬وهو لا‮ ‬يكتفي‮ ‬باتهام العالم فحسب بل وايضا،‮ ‬يتهم‮ - ‬وهذا هو الاخطر‮- ‬كل الانظمة العربية الحاكمة بانها طائعة للغرب وتنفذ مخططات الغرب وما مجتمعاتنا الا العوبة بايديهم،‮ ‬ثم انهم‮ ‬يسحبون اتهامهم حتى على المثقفين والمفكرين من دعاة الاصلاح الديني‮ ‬والتعليمي‮ ‬والسياسي،‮ ‬فكلهم عملاء للغرب‮.‬

ويقدم هذا التيار نفسه للجماهير،‮ ‬باعتباره الحامي‮ ‬الوحيد لحمى الاسلام،‮ ‬المدافع عن الهوية الاسلامية،‮ ‬والاصالة والمقدسات،‮ ‬وهو تيار متلون استطاع بدهاء ان‮ ‬يخترق البيئة الخليجية ويكسب بعض ابنائها الى صفه،‮ ‬فكونوا مزيجا فكريا ايدلوجيا او توليفة متعصبة شديدة الخطورة‮.

‬‮٣- ‬التيار القومي‮ - ‬في‮ ‬جانب كبير منه‮ - ‬ويقوم فكر هذا التيار على اعتقاد جازم بان الغرب هو العدو الذي‮ ‬عوق نهضة العرب برسمه للحدود القطرية ودعمه لاسرائيل،‮ ‬واخطر ما في‮ ‬هذا الفكر انه‮ ‬يحتكر‮ »‬الوطنية‮« ‬ويخون الاخر المختلف معه،‮ ‬فاذا كان التياران السابقان‮ »‬التكفيري‮ ‬والاسلام السياسي‮« ‬يحتكران‮ »‬الجنة‮« ‬فان التيار القومي‮ ‬يحتكر‮ »‬الوطن‮«.

‬ثقافة الكراهية هي‮ ‬المحصلة‮:

‬ادى التلاقح والتفاعل بين التيارات الثلاثة على امتداد العقود الاخيرة الى افراز ثقافة متعصبة متطرفة هي‮ »‬ثقافة الكراهية‮« ‬ضد الاخر المحلي‮ ‬المخالف وضد الاخر الغربي‮ ‬وضد دعاة العقلانية والتحديث والمطالبين بتبني‮ ‬ثقافة المراجعة والنقد‮.‬‮»

‬ثقافة الكراهية‮

« ‬هي‮ ‬توليفة من عنصرين‮ »‬التكفير والتخوين‮« ‬فاذا كان الديني‮ ‬يكفر،‮ ‬فان القومي‮ ‬يخون في‮ ‬ادعاء شمولي‮ ‬يحتكر الدين والوطنية‮.

‬وما كان لهذه‮ »‬التوليفة المتعصبة‮« ‬ان تكون‮ »‬توليفة متفجرة‮« ‬الا بفعل التحريض المستمر من قبل منابر التحريض وبخاصة الفضائيات والمواقع الالكترونية المنتشرة،‮ ‬وكانت المحصلة النهائية تهيئة بيئية مجتمعة متعاطفة مع ثقافة الكراهية،‮ ‬ولا ادل من نجاح دعاة ثقافة الكراهية في‮ ‬اختراق البيئة المجتمعية من ‮٣٥‬٪‮ ‬من الجماهير قالوا في‮ ‬استفتاء‮ »‬ايلاف‮« ‬الالكترونية‮: ‬هل قطع الرؤوس في‮ ‬العراق من اعمال المقاومة؟ قالو‮: ‬نعم‮.‬‮]‬

وفي‮ ‬استفتاء صحيفة الاتحاد الاماراتية،‮: ‬هل توافق على فتوى قتل المدنيين المتعاونين مع الاحتلال في‮ ‬العراق؟‮ ‬‮- ‬فتوى الشيخ القرضاوي‮ ‬في‮ ‬نقابة المحامين بمصر وعبر الجزيرة‮ - ‬قال ‮٥٥‬٪‮ ‬نعم‮.

‬وفي‮ ‬ظل هذه البيئة المتعاطفة مع فكر الكراهية امكن تصور‮ »‬الزرقاوي‮« ‬شهيدا‮!!‬واصبح‮ »‬بن لادن‮« ‬مجاهدا اسلاميا‮!! ‬وصار‮ »‬صدام‮« ‬بطلا قوميا‮!!‬

ان التحريض الذي‮ ‬ساعد على انتشاره التقدم التقني‮ ‬في‮ ‬مجال الاعلام هو‮ »‬الوقود‮« ‬الذي‮ ‬ضمن استمرار ثقافة الكراهية‮.‬

العمل الارهابي‮ ‬نبْت بيئتنا ومجتمعنا،‮ ‬له بناء فكري‮ ‬معروف ومفاهيم دينية واضحة وان كانت مغلوطة،‮ ‬والارهابيون ابناء بررة لخطاب ثقافي‮ ‬مشحون بكراهية عميقة للحضارة الغربية وقيمها ونظمها ومفاهيمها،‮ ‬والارهابيون هم نتاج هذا الخطاب وليسوا حمقى او مرضى او جهلة او مغرر بهم من قبل الموساد،‮ ‬الارهابيون نتاج خطاب استعلائي‮ ‬تعصبي‮ ‬يحتكر الصواب المطلق والدين،‮ ‬وساهم على انتاجه منابر تربوية وتعليمية ودينية واعلامية عبر سنين طويلة،‮ ‬كان الهدف الرئيسي‮ ‬لهذا الخطاب المشحون،‮ ‬الحط من حضارة الغرب والترويج‮ ‬لعدوانيتها وماديتها واباحتها بهدف تنفير شبابنا منها وتحصينهم ثقافيا ودينيا ضدها،‮ ‬في‮ ‬مقابل تصوير ماضي‮ ‬المسلمين مجيدا زاهرا قويا عبر التركيز على اللحظات المضيئة في‮ ‬تاريخنا وتجاهل الف سنة من الظلام والحروب والدماء والفتن والجهالة والتخلف ظنا ان ازدراء الاخرين في‮ ‬مقابل استعلاء الذات فيه الحصانة لشبابنا،‮ ‬وثبت ان كل ذلك وهم كبير ندفع ثمنه الان‮.‬‮]‬

كيف اختطف الإرهاب بعض شبابنا؟

‮- ‬لطالما تساءلت مندهشا‮: ‬كيف امكن للارهاب ان‮ ‬يختطف شابا في‮ ‬عمر الزهور فيحزم نفسه بحزام ناسف،‮ ‬ويدخل مطعما مليئا بالعمال،‮ ‬فيفجر نفسه فيهم؟ لماذا‮ ‬يعتقد هؤلاء ان هذا العمل هو الطريق الى الجنة؟

ما هي‮ ‬العقيدة التي‮ ‬تدفع شابا‮ ‬يافعا الى الخلاص من الحياة؟‮

- ‬لاشك ان هناك خبرات طفولية قاسية وراء معظم هؤلاء الذين فضلوا الموت على الحياة،‮ ‬كما ان الفتاوى التحريضية من جانب والفضائيات الجهادية من جانب اخر والمواقع الالكترونية المتطرفة من جانب ثالث لها دورها البارز في‮ ‬توجيه هؤلاء الى ثقافة الموت،‮ ‬كما‮ ‬يجب علينا التنبه الى خطورة دور الاعلام التحريضي‮ ‬على الشباب،‮ ‬ضعيفي‮ ‬المناعة،‮ ‬وناقصي‮ ‬التحصين،‮ ‬فانه بمثابة‮ »‬الوقود‮« ‬الذي‮ ‬يضمن اشتعال الفكر المتطرف واستمراره،‮ ‬بالاضافة الى ترويجه لمفاهيم دينية مغلوطة عن‮ »‬الجهاد‮« ‬و»الولاء والبراء‮« ‬و»الامر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر‮« ‬و»الحاكمية‮« ‬و»الجاهلية‮«.. ‬الخ‮.‬

المفاهيم الدينية‮:

‬هناك جملة من المفاهيم الدينية التي‮ ‬أُسيء فهمها ولحقها التشويه بسبب التوظيف السياسي‮ ‬والايديولوجي‮ ‬في‮ ‬الصراعات السياسية بين الجماعات الجهادية والانظمة العربية الحاكمة‮.‬‮] ‬

اولا‮: ‬المفاهيم التراثية‮:‬

مثل‮: ‬الجهاد،‮ ‬الولاء والبراء،‮ ‬التكفير،‮ ‬الامر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر‮.‬‮

١- ‬الجهاد‮: ‬يحسن قبل الحديث عن الجهاد،‮ ‬الحديث عن موقف الاسلام من حق الاختلاف،‮ ‬اذ‮ ‬يرى الاسلام ان حق الاختلاف،‮ ‬حق اساسي‮ ‬للانسان سواء في‮ ‬المعتقد الديني‮ ‬او الثقافي،‮ ‬لان ارادة الله قضت بالتعددية الدينية والقومية،‮ ‬فلا‮ ‬يمكن فرض عقيدة واحدة او دين واحد على البشرية جمعاء،‮ ‬فذلك ضد ارادة الله،‮ ‬ومن هنا كان الجهاد وسيلة لحماية هذه التعددية‮.

‬يقول الله‮ »‬ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة،‮ ‬ولا‮ ‬يزالون مختلفين،‮ ‬إلا من رحم ربك،‮ ‬ولذلك خلقهم‮«.

‬حقيقة الجهاد‮:‬

الجهاد لغة بذل اقصى ما بالوسع والطاقة،‮ ‬لكن المدلول الفقهي‮ ‬للجهاد‮ ‬يخصصه بالعمل الحربي‮ ‬وذلك مخالف للمدلول القرآني‮ ‬والنبوي،‮ ‬اذ انه مدلول عام‮ ‬يشمل جميع انواع الجهد في‮ ‬سبيل نصرة الدين او اعلاء قيم الحق و العدل او مجاهدة النفس او التنمية او الاصلاح المجتمعي،‮ ‬ولقد سمّى الرسول جهاد النفس،‮ ‬بالجهاد الاكبر‮.

‬شرع الجهاد لهدفين‮:‬

أ‮- ‬رفع الظلم ودفع العدوان كما في‮ ‬قوله تعالى‮ »‬أُذن للذين‮ ‬يقاتلون بأنهم ظلموا،‮ ‬وأن الله على نصرهم لقدير‮«.‬

ب‮- ‬تحرير الشعوب المضطهدة والمستعبدة من قبل الانظمة الاستبدادية مثل شعوب فارس والشام ومصر والساحل الافريقي،‮ ‬مصداقا للاية‮ »‬وما لكم لا تقاتلون في‮ ‬سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين‮ ‬يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً‮ ‬واجعل لنا من لدنك نصيراً‮«.‬

تشويه مفهوم الجهاد قديماً‮:

‬تم تشويه مفهوم الجهاد حين قسم الفقهاء في‮ ‬القرن الثاني‮ ‬الهجري‮ ‬الجهاد،‮ ‬الى جهاد الدفاع وجهاد الطلب،‮ ‬وقالوا بمشروعية جهاد‮ »‬الطلب‮« ‬بناء على ان‮ »‬آية السيف‮« ‬نسخت ايات السلام،‮ ‬وقسموا العالم الى دار حرب ودار سلام‮.

‬تشويه مفهوم الجهاد حديثاً‮:

‬لقد امتد مفهوم الجهاد الى عصرنا على ايدي‮ »‬الخوارج الجدد‮« ‬الذين قاموا بسلسلة من العمليات الارهابية على امتداد ‮٣ ‬عقود بدءا بالجزائر ومصر ومرورا بالسعودية والكويت وقطر‮.‬والأردن والمغرب والشيشان وباكستان وماليزيا واندونيسيا ونيويورك ومدريد ولندن،‮ ‬وهذه الجماعات الجهادية تجمعها ‮٥ ‬عناصر هي‮:

‬أ‮- ‬ايدلوجية التكفير

ب‮- ‬استهداف المدنيين

ج‮- ‬بث اكبر قدر من الفزع والرعب‮

‬د‮- ‬الحرص على البروز الاعلامي‮ ‬في‮ ‬الفضائيات

هـ‮ - ‬مراجعها الاساسية عن الجهاد مصدرها كتب الاستاذين سيد قطب،‮ ‬المودودي‮.‬

تحليل أفكار قطب والمودودي‮ ‬عن الجهاد‮:

‬يرى الاستاذان،‮ ‬ان المسلمين اوصياء على البشرية،‮ ‬وهم‮ ‬يحملون تكليفا إليها بتحريرها من طواغيت الارض،‮ ‬وما الاسلام إلا فكر انقلابي‮ ‬هدفه قلب نظم الحكم لاقامة حكومة اسلامية تحكم الجنس البشري‮ ‬على امتداد المعمورة،‮ ‬والجهاد هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف،‮ ‬ولذلك فهو فرض عين على كل مسلم‮.

‬ويلاحظ ان افكار الاستاذين عن الجهاد،‮ ‬تنطلق في‮ ‬فراغ،‮ ‬فكأنهما لا‮ ‬يعيشان في‮ ‬دولتين مرتبطتين باتفاقيات سلام وتعاون مع دول العالم،‮ ‬وهما عضوان في‮ ‬منظمة الامم المتحدة،‮ ‬مع ان المقرر شرعا وفقها،‮ ‬ان حق اعلان الجهاد،‮ ‬هو حق من حقوق السيادة للدولة ووظيفة من وظائفها التي‮ ‬لا‮ ‬يجوز لفرد او جماعة ان تعلنه او تنادي‮ ‬به في‮ ‬تجاهل للدولة‮.‬

‮٢- ‬الولاء والبراء‮:‬

هذا المفهوم من المفاهيم التي‮ ‬اسيء فهمها من قبل الجماعات الجهادية،‮ ‬ويتحمل بعض خطباء المساجد وبعض الفضائيات والانترنت مسؤولية ذلك،‮ ‬فهؤلاء عندما‮ ‬يستشهدون بالآية‮ (‬لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء‮) ‬او الآية الاخرى‮ (‬لا‮ ‬يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء‮) ‬لا‮ ‬يفسرونهما التفسير المناسب،‮ ‬والمتفق مع المصلحة العامة،‮ ‬فيتسببون في‮ ‬بلبلة افكار الشباب،‮ ‬وبخاصة المتشدد منهم،‮ ‬الذي‮ ‬يسارع الى تحريم كل اوجه التعاون بين المسلمين وغيرهم،‮ ‬بحجة ان ذلك من الموالاة المحرمة،‮ ‬وهذا فهم سقيم في‮ ‬عصر تقارب فيه الشعوب واختلطت فيه المصالح واصبح الاعتماد المتبادل هو أساس العلاقات الدولية،‮ ‬فما هي‮ ‬الموالاة المحرمة؟

الاولياء جمع ولي‮ ‬وهو الناصر والمعين وموضوع السر والثقة،‮ ‬فالآيتان في‮ ‬النهي‮ ‬عن اتخاذ العدو وليا على حساب مصلحة المسلمين وكل الآيات الاخرى في‮ ‬نفس المعنى،‮ ‬ولا علاقة لها بما هو حاصل الآن من تعاون بين المسلمين مع‮ ‬غيرها من دول العال،‮ ‬فهذه العلاقات ضرورة لتنظميتها وتطوير اقتصادها وتحسين اوضاعها،‮ ‬ولو لم نتعاون مع الدول المتقدمة لعانت شعوبنا وتخلفت اوضاعنا‮.‬‮

٣- ‬التكفير‮:

‬التكفير آفة خطيرة‮ ‬يعاني‮ ‬منها المجتمع العربي‮ ‬وهي‮ ‬لا تقتصر على النخب الفكرية بل ان هناك بيئة مجتمعية تتقبل ظاهرة التكفير وهناك مناخ فكري‮ ‬يساعد عليها،‮ ‬وهناك اجواء تزرع ثقافة التكفير،‮ ‬ومنابر تحرض وتضلل وهناك جامعات تمنج الدكتوراه في‮ ‬التكفير مع مرتبة الشرف‮.‬

خطورة التكفير تكمن في‮ ‬انها المقدمة الاساسية لاستباحة دماء الآخرين واموالهم‮.‬

سلاح التكفير المسلط على رأس كل مفكر حر او مثقف ناقد هو السلاح الذي‮ ‬تستخدمه الجماعات الجهادية ضد كل من‮ ‬يخالفها في‮ ‬طروحاتها الظلامية المتشددة،‮ ‬ولا‮ ‬يكاد‮ ‬ينجو احد من سلاح التكفير لا مثقفا ولا فنانا ولا مفكرا‮.

‬من مقررات الاسلام انه لا‮ ‬يجوز تكفير المسلم اذا نطق بالشهادتين إلا اذا اخرج نفسه من الاسلام فعلا او اقر صراحة بذلك وجاهر بكفره وثبتت عليه الحجة والقاعدة العامة في‮ ‬الاسلام انه لا‮ ‬يفتى بكفر مسلم متى امكن حمل كلامه على محمل حسن،‮ ‬لكن رياح التكفير التي‮ ‬هبت على الخليج وعلى المنطقة العربية كانت قوية لدرجة انها اصابت وجرحت معتقدات كثيرة،‮ ‬وفي‮ ‬كل التحقيقات التي‮ ‬اجريت مع الذين قبض عليهم من المتطرفين،‮ ‬صرحوا بان المنبع التكفيري‮ ‬هو الاساس العقائدي‮ ‬للارهاب،‮ ‬وان عمليات التفجير هي‮ ‬الثمار المرة لايدلولجية التكفير‮.‬‮

٤- ‬الأمر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر‮:‬

لا شك ان قواعد ديننا،‮ ‬قاعدة الامر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر،‮ ‬ولا معروف اعرف من العدل ولا منكر انكر من الظلم كما قال الامام محمد عبده،‮ ‬والمسلم مطالب ان‮ ‬يكون ايجابيا في‮ ‬اصلاح مجتمعه وتطويره وتنميته وتقدمه عن طريق ممارسة فريضة الامر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر ولكن بالاسلوب السلمي‮ ‬وعبر القنوات الشرعية وفي‮ ‬ظل الهامش الديمقراطي‮ ‬الذي‮ ‬قد‮ ‬يضيق ويتسع حسب التطور السياسي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬للمجتمع،‮ ‬فليس من حق الافراد اللجوء الى العنف وإلا انقلب امر المجتمع الى فوضى ودمار وفساد،‮ ‬والدولة هي‮ ‬المؤسسة الوحيدة التي‮ ‬تحتكر حق العنف،‮ ‬وتمارسها لحماية المجتمع ضد العدوان الخارجي‮ ‬والداخلي‮.‬‮]‬

ثانيا‮:

‬المفاهيم المعاصرة‮:

‬وهي‮ ‬تشمل‮ (‬الحاكمية‮) ‬و(الجاهلية‮) ‬والعمليات الاستشهادية‮ (‬الانتحارية‮)‬‮

١- ‬الحاكمية‮:

‬ان اول من صك هذا المفهوم،‮ ‬هو الاستاذ‮ ‬ابو الاعلى المودوي‮ - ‬امير الجماعة الاسلامية في‮ ‬باكستان‮ - ‬في‮ ‬محاضرة بمدينة لاهور،‮ ‬اكتوبر ‮٩٣٩١ ‬للرد على القائلين بان الاسلام نظام ديمقراطي‮ ‬وليؤكد ان النظرية السياسية الاسلامية تقوم على‮ (‬الحاكمية‮) ‬مستدلا بالآية‮ (‬ان الحكم إلا لله‮) ‬و(ومن لم‮ ‬يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون‮) ‬ورتب على ذلك‮:

‬أ‮- ‬ليس لفرد او اسرة نصيب من الحاكمية فان الحاكم الحقيقي‮ ‬هو الله والسلطة الحقيقية مختصة به‮.‬

ب‮- ‬ليس لاحد من الامر التشريعي‮ ‬شيئا‮.‬

ج‮- ‬ان الدولة الاسلامية لا‮ ‬يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون الذي‮ ‬جاء به النبي‮ (‬ص‮) ‬من عند ربه مهما تغيرت الظروف والاحوال‮.

‬نقد وتحليل‮:‬

لا نعرف احدا قال بالحاكمية إلا الخوارج القدامى الذين قالوا للامام علي‮ ‬كرم الله وجهه‮ (‬لا حكم إلا لله‮) ‬كشعار سياسي‮ ‬يبررون به خروجهم المسلح،‮ ‬ورد الامام عليهم بقوله‮ (‬انها كلمة حق اريد بها باطل‮).‬

والحقيقة ان رؤية الاستاذ المودودي‮ ‬للحاكمية رؤية ضبابية فهو تارة لا‮ ‬يرى للبشر اي‮ ‬دور في‮ ‬التشريع او الامر السياسي‮ ‬وتارة اخرى‮ ‬يقول ان الاسلام لا‮ ‬ينافي‮ ‬تشريع الانسان وانما‮ ‬يحضره في‮ ‬حدود من القانون الالهي‮ ‬الاعلى‮. ‬كما في‮ ‬محاضرته في‮ ٨/١/٨٥٩١ ‬لكن اكثر من نظر لهذا المفهوم‮ - ‬ايدلوجيا‮ - ‬هو الاستاذ سيد قطب في‮ ‬كتابه‮ (‬معالم في‮ ‬الطريق‮) ‬فقال‮ (‬ان العالم‮ ‬يعيش اليوم كله في‮ ‬جاهلية تقوم على اساس الاعتداء على سلطان الله في‮ ‬الارض وعلى اخص خصائص الالوهية،‮ ‬نوهي‮ ‬الحاكمية،‮ ‬انها تسند الحاكمية الى البشر‮)‬،‮ ‬والحق ان شعار لا حكم إلا لله منذ رفعه الخوارج الى‮ ‬يومنا هذا كان مبعث فتنه وفوضى ومدخل تفرقة بين المسلمين‮) ‬انه لا حاجة لنا الى هذا المفهوم فقد ساعد على استشراء العنف،‮ ‬والاسلام إذ الزمنا بشريعته إلا انه اعطانا حق صياغة مجتمعاتنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بما‮ ‬يتناسب مع مصالحنا،‮ ‬وقد فتح باب الاجتهاد واسعا،‮ ‬وقال الرسول‮ (‬ص‮): (‬انتم اعلم بامور دنياكم‮) ‬والقرآن الكريم‮ ‬يجعل‮ (‬العرف‮) ‬حاكما للتشريع في‮ ‬كثير من احكام الاسرة‮.

‬‮٢- ‬الجاهلية‮:

‬هذا المفهوم صكه الاستاذ سيد قطب في‮ ‬كتابه‮ (‬معالم في‮ ‬الطريق‮) ‬حيث قال‮ (‬ووجود الامة المسلمة‮ ‬يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة‮) ‬ويضيف‮ (‬نحن اليوم في‮ ‬جاهلية كالجاهلية التي‮ ‬عاصرها الاسلام او اظلم،‮ ‬وكل ما حولنا جاهلية‮).‬

نقد وتحليل‮:

‬لقد اسرف الاستاذ سيد قطب على نفسه حين حكم على مجتمعاتنا بالجاهلية مع اننا مجتمعات تنطق بالشهادتين وتؤدي‮ ‬الفرائض والاركان فلا حجة لسيد قطب ومن رأى رأيه في‮ ‬تكفير مجتمعاتنا‮.‬

واضح ان منطلق الاستاذ سيد قطب في‮ ‬حكمه على المجتمعات الاسلامية بالجاهلية كما جاء في‮ ‬كتابه‮ (‬معالم في‮ ‬الطريق‮) ‬هو‮ (‬ثقافة الكراهية‮) ‬والنقمة والمرارة،‮ ‬ولا منطق عقليا او شرعيا او انسانيا،‮ ‬وراء كل الطرح الفكري‮ ‬البليغ‮ ‬والحماسي‮ ‬الذي‮ ‬تضمنه كتابه،‮ ‬ولكن خطورة هذا الطرح الفكري‮ ‬انها ضللت كثيرا من الشباب ودفعتهم الى مهاوي‮ ‬الهلاك،‮ ‬وهذا ما‮ ‬ينتجه تضخيم مفهوم الحاكمية‮.‬‮

٣- ‬العمليات الاستشهادية‮ (‬الانتحارية‮):‬

من اخطر الظواهر التي‮ ‬أبتليت بها المجتمعات الاسلامية‮ (‬العمليات الانتحارية‮) ‬او‮ (‬القنابل البشرية‮) ‬لقد وقع آلاف الشباب في‮ ‬براثن الارهاب واصبحوا قنابل بشرية ضد مجتمعاتهم بسبب الفتاوى الدينية المحرضة،‮ ‬وظاهرة ان‮ ‬يفجر الانسان نفسه في‮ ‬آخرين ابرياء،‮ ‬ظاهرة لم تعرفها البشرية من قبل،‮ ‬مثل هذه الظاهرة الوحشية لم تعرفها امة‮ ‬غير العرب والمسلمين‮.‬‮]‬

ما الذي‮ ‬جعل الإرهاب بهذه الوحشية؟‮

- ‬انها الفتاوى التحريضية من قبل منظمي‮ ‬الجماعات الجهادية و»ايضا‮« ‬فتاوى مشايخ الاسلام السياسي‮ ‬وعلى رأسهم الشيخ القرضاوي،‮ ‬الذي‮ ‬اعتبر العمليات الانتحارية ضد الاسرائيليين‮ - ‬لا فرق بين عسكري‮ ‬او مدني‮ - (‬اسمى انواع الجهاد‮) ‬بحجة انهم جميعا مغتصبون،‮ ‬وكذلك افتى في‮ ‬نقابة المحامين بمصر بان من تعاون مع المحتل في‮ ‬العراق‮ ‬يقتل‮ - ‬لا فرق بين مدني‮ ‬او عسكري‮.

‬نقد وتحليل‮:

‬ان هذه الفتاوى التي‮ ‬تبيح العمليات الانتحارية ضد المدنيين،‮ ‬فتحت ثغرة خطيرة في‮ ‬الاسلام لا سابقه لها،‮ ‬فالانتحار محرم في‮ ‬الاسلام،‮ ‬قولا واحدا،‮ ‬ولا اعلم فقيها اباح قتل النفس حتى في‮ ‬العدو قبل فتوى الشيخ القرضاوي،‮ ‬ولكن ما دافع الشيخ القرضاوي‮ ‬في‮ ‬هذه الفقوى؟‮

‬يريد الشيخ القرضاوي‮ ‬بفتواه هذه خدمة البرنامج السياسي‮ ‬لحماس باعتبار‮ - ‬حماس‮ - ‬جزءا من تنظيم الاخوان المسلمين،‮ ‬ولذلك رفض جميع ائمة السلفية هذه الفتوى ووقفوا صفا واحدا ضدها‮.‬

الخاتمة‮:‬‮] ‬التسامح‮: ‬وهل له مستقبل في‮ ‬مجتمعاتنا؟

‮- ‬التسامح،‮ ‬كلمة محببة الى نفوسنا،‮ ‬ونحن نعيد ونكرر ان الاسلام دين التسامح،‮ ‬ينبذ العنف والكراهية ويدعو الى التعاون والسلام والتعامل بالبر حتى مع المخالفين لنا في‮ ‬الدين،‮ ‬والبشرية في‮ ‬نظر الاسلام اسرة انسانية واحدة،‮ ‬وقد وصف الله المسلمين بانهم امة تدعو الى الخير والتسامح والمحبة‮. ‬وكلنا نعرف ان رسولنا عليه الصلاة والسلام ضرب اروع الامثلة في‮ ‬التسامح حتى مع اشد اعدائه عندما قال‮: ‬اذهبوا فأنتم الطلقاء،‮ ‬كما‮ ‬يحفظ التاريخ مواقف مجيدة لتسامح المسلمين مع اصحاب الاديان الاخرى ولكن السؤال المقلق والمحير لنا وللعالم المعاصر حولنا‮: ‬اذا كانت تلك القيم السامية والمواقف الانسانية هي‮ ‬من طبيعة ثقافة المسلمين وحضارتهم فلماذا لم تجد طريقها الى سلوكيات عملية تجسد تلك المبادئ والقيم سواء بين المسلمين انفسهم او في‮ ‬علاقاتهم بالآخرين؟‮!‬‮]

‬لماذا تستمر الأوضاع في‮ ‬المجتمعات العربية سيئة رغم تلك المبادئ والقيم؟‮!‬‮

- ‬وهو تساؤل طرحه منذ مدة المفكر البحريني‮ ‬د‮. ‬محمد جابر الانصاري‮ ‬في‮ ‬مقالة بعنوان‮: (‬أسوأ الاوضاع واسمى المبادئ‮) (١) ‬وقال فيها‮ (‬ان ما‮ ‬ينبغي‮ ‬تأكيده،‮ ‬ان التسامح ليس فطرة‮ ‬يولد بها الانسان بحيث نجد انسانا او شعبا متسامحا،‮ ‬وانسانا او شعبا‮ ‬غير متسامح بفطرتهما،‮ ‬ان التسامح ممارسة عملية من الدرجه الاولى وحصيلة لاسباب موضوعية قبل ان‮ ‬يصبح قيمة مجردة،‮ ‬وقد نجد فردا وشعبا متسامحا في‮ ‬لحظة من حياته واقل تسامحا في‮ ‬لحظة اخرى‮) ‬ويضيف الانصاري‮ (‬وعلى اهمية التبليغ‮ ‬والاقناع بل على اهمية التربية،‮ ‬فانه ما لم تكن البنية المجتمعية الشاملة،‮ ‬والبيئة الاجتماعية‮ - ‬الحضارية‮ - ‬العامة تسمح بالتسامح وتشجع عليه وتعتبره وظيفة من وظائفها الاساسية،‮ ‬وتقليدا متعارفا عليه من تقاليدها الراسخة في‮ ‬التعامل وادارة العلاقات بين الافراد والجماعات،‮ ‬فانه لا‮ ‬يمكن ان‮ ‬يتحول الى واقع والى تطبيق بالممارسة،‮ ‬وسيبقى مثلا اعلى معلقا في‮ ‬السماء،‮ ‬يحث عليه المفكرون والافراد المثاليون،‮ ‬ولكن دون جدوى‮).

‬ولقد دعى مجلس الوزراء السعودي‮ ‬الى محاربة فكر الكراهية على مستوى الاسرة والكلمة والموعظة والفتوى،‮ ‬ومن قبل ذلك تعهد زعماء العرب بمحاربة الارهاب مهن جذوره،‮ ‬واهم جذور الارهاب‮ (‬فكر الكراهية‮).‬

وفي‮ (‬قمة مكة‮) (٢) ‬التي‮ ‬تبنت وثيقتي‮ (‬بلاغ‮ ‬مكة‮) ‬و(خطة العمل العشرية لمواجهة تحديات القرن ‮١٢) ‬اكد زعماء العالم الاسلامي‮ ‬عزمهم على مواجهة الفكر المتطرف‮ - ‬المتستر بالدين والمذهب‮ - ‬رافضين كل المبررات والمسوغات المروجة له‮.‬

ولكن‮ ‬يبقى السؤال الاهم‮: ‬كيف تستطيع مجتمعاتنا تجاوز ثقافة الكراهية،‮ ‬وتكريس ثقافة التسامح عبر خطوات عملية ملموسة؟

ان نقطة البداية الموضوعية لمعالجة اي‮ ‬قضية،‮ ‬وهي‮ ‬الاعتراف بها‮ - ‬اولا‮ - ‬ثم اعلان قطعية معرفية مع كل موروث ثقافي‮ ‬يتنافى والمبادئ العليا مما هو اجتهاد بشري‮ ‬عمل به الاسلاف مهما كانت نظرتنا التبجيلية لهم ومهما علت مكانته القائلين به،‮ ‬وهذا‮ - ‬ثانيا‮ - ‬ثم‮ - ‬ثالثا‮ - ‬علينا دعم وتشجيع كل ثقافة تحتضن الانسان لانه انسان بغض النظر عن كونه مسلما او‮ ‬غير مسلم،‮ ‬سنيا او شيعيا او متصوفا او اشعريا‮.‬‮]‬

ورابعا‮: ‬علينا اعادة النظر في‮ ‬المفاصل الاساسية الحاكمة لثقافة المجتمع ومنها‮:‬‮

١- ‬المفصل التربوي‮: ‬واتصور ان التربية هي‮ ‬البداية الحقيقية في‮ ‬تعزيز قيم التسامح،‮ ‬في‮ ‬البيت،‮ ‬في‮ ‬الاسرة الصغيرة،‮ ‬في‮ ‬تسامح الابوين،‮ ‬في‮ ‬تسامج افراد الاسرة مع بعضهم ومع الخدم ومع الجيران‮.‬‮

٢- ‬المفصل التعليمي‮: ‬للبيئة التعليمية الشاملة للمنهج والنشاط والمعلم دور بارز في‮ ‬تكريس ثقافة التسامح،‮ ‬والمعلم له الدور الاعظم في‮ ‬المنظومة التعليمية باعتباره نموذجا هاديا للتسامح بين طلابه،‮ ‬كما‮ ‬يجب مراجعة المناهج الدراسية السائدة لضمان خلوها من بذور التعصب بكافة اشكاله،‮ ‬والتمييز بكافة صوره،‮ ‬والتعليم‮ - ‬عامة‮ - ‬رافد عظيم لثقافة وقيم التسامح‮.‬‮

٣- ‬المفصل الديني‮: ‬لا‮ ‬يمكن للخطاب الديني‮ ‬بكافة مظاهره‮ - ‬درسا دينيا او كتابا او فتوى او خطبه منبرية‮ - ‬ان‮ ‬يستمر في‮ ‬تغذية نوازع التعصب والكراهية ضد المخالفين لنا في‮ ‬مذهب،‮ ‬أ،‮ ‬دين او رأي‮ ‬سياسي‮ ‬او فقهي‮ ‬او اجتماعي،‮ ‬فان في‮ ‬ذلك اضرارا لمجتمعاتنا وهلاكا لابنائنا واساءة لاسلامنا وهدرا لمبادئنا الانسانية وتشويها لصورتنا امام العالم،‮ ‬كيف‮ ‬يمكن تصور خطابا دينيا من على منابر بيوت الله،‮ ‬يدعو للمجاهدين؟‮! ‬

من هم المجاهدون؟ أليسوا هم هؤلاء الارهابيون الذين‮ ‬يروعون الآمنين ويفسدون في‮ ‬الارض وقد ملأوا مجتمعاتنا كراهية؟‮! ‬هذا العبث‮ ‬يجب وقفه وعلى الخطاب الديني‮ ‬ان‮ ‬يتجدد وينفتح على ثقافة العصر ويتخلص من عقده وأوهامه ووساوسه المتمثلة في‮ ‬ان العالم لا شغل له إلا التآمر على المسلمين‮!!

‬ترى ما هي‮ ‬تلك القوة التي‮ ‬عند المسلمين حتى‮ ‬يرهبنا العالم فيتآمر علينا؟‮! ‬نحن الذين في‮ ‬اشد الحاجة اليهم في‮ ‬كل مقومات حياتنا بأكثر من احتياجهم لنا‮.‬على الخطيب الديني‮ ‬ان‮ ‬يكون عذورا للناس متسامحا ومعينا على‮ ‬غرس ثقاقة التسامح،‮ ‬على الخطيب الديني‮ ‬ان‮ ‬يتبني‮ ‬مسؤوليته تجاه الشباب فلا‮ ‬يحرضهم على الهلاك ولا‮ ‬يكرههم في‮ ‬الحياة وفي‮ ‬المجتمع،‮ ‬وبيوت الله،‮ ‬منابر للهداية لا‮ ‬يجوز توظيفها للاجندة السياسية كما‮ ‬يفعل زعماء ورموز الاسلام السياسي‮ ‬وبخاصة جماعة الاخوان المسلمين التي‮ ‬تغرر بالشباب وتدفعهم للمهالك باسم الجهاد والاستشهاد،‮ ‬كما لا‮ ‬يجوز للخطيب‮ - ‬ومهما كانت المبررات‮ - ‬توزيع الاتهامات على المخالفين له في‮ ‬الرأي‮ ‬السياسي‮ ‬او الديني‮ ‬بحجة انهم‮ (‬علمانيون‮) ‬او‮ (‬تغريبيون‮). ‬هل شق عن صدورهم؟‮! ‬على الخطيب ان‮ ‬يكون داعية للخير والتسامح،‮ ‬باعثا على الامل والمستقبل الافضل‮.‬‮

٤- ‬المفصل الاعلامي‮: ‬على الاعلام ان‮ ‬يكون متوازنا،‮ ‬يركز على القواسم الانسانية والايجابية المشتركة بين الاديان والمذاهب والشعوب،‮ ‬لا‮ ‬يكون هدفه السياسي‮ ‬الاثارة عبر تصعيد اخطاء الآخرين،‮ ‬عليه ترسيخ ثقافة التسامح الديني‮ ‬والسياسي‮ ‬بين طوائف المجتمع والتركيز على مفهوم المواطنة،‮ ‬على الخطاب الاعلامي‮ ‬إضاءة اوجه الشراكة النافعة بين الشعوب وتبني‮ ‬المنهج النقدي،‮ ‬والانفتاح على معارف العصر ونبذ التعصبات والطائفية وثقافة الكراهية‮.‬‮

٥- ‬المفصل التشريعي‮: ‬لا‮ ‬يمكن للتشريعات ان تكون معينة على ثقافة التسامح والمحبة اذا كانت مبنية على التمييز في‮ ‬الجنسية وهضم حقوق الاقليات،‮ ‬يجب مراجعة قوانين الجنسية العربية واحكام الاسرة من اجل انصاف المرأة وغيرها ممن‮ ‬يعانون انتقاصا في‮ ‬حقوقهم وحرياتهم الاساسية لا‮ ‬يمكن لثقافة التسامح ان تترسخ في‮ ‬النفوس والبنية المجمعية اذا كان قطاع من المجتمع‮ ‬يعاني‮ ‬تمييزا وظلما على ارض الواقع ولا‮ ‬يجد انصافا بانه من اقلية مخالفة للاغلبية،‮ ‬دينا او مذهبا او قومية‮.‬

هذه هي‮ ‬المفاصل الرئيسية التي‮ ‬يمكن تفعيلها بعد اعادة النظر فيها بما‮ ‬يضمن احياء النزعة الانسانية الشاملة في‮ ‬مضامينها الاساسية في‮ ‬التعليم وفي‮ ‬التنشئة وفي‮ ‬الاعلام والخطاب الديني‮ ‬والتشريعي،‮ ‬يجب علينا ان نحتضن الانسان لكونه انسانا كرمه الخالق مسلما او‮ ‬غير مسلم،‮ ‬ذكرا ام انثى،‮ ‬سنيا او شيعيا،‮ ‬سلفيا او متصوفا ويجب علينا تعزيز قيم المواطنة والانتماء،‮ ‬واعلاء حقوق الانسان واحترام التعددية،‮ ‬وعلينا اعادة الاعتبار لمفهوم الجهاد الاسلامي‮ ‬بعد ان شوهه دعاة الكراهية،‮ ‬وذلك بتبني‮ ‬مفهوم اسلامي‮ ‬رحب للجهاد،‮ ‬فالجهاد الاكبر في‮ ‬تصوري‮ ‬هو ان نحيا ونعمر وننتج ونتقدم وننشر الخير وندافع عن الحق ونساعد المظلومين في‮ ‬سبيل الله لا ان نموت في‮ ‬سبيل الله فحسب‮.‬

يجب علينا اعادة تثقيف الائمة والخطباء وتطوير المناهج الدينية وتخصيبها بافكار المجددين وتبني‮ ‬المنهج النقدي‮ ‬الذي‮ ‬يعصم شبابنا من الانزلاق الى التطرف والانحراف،‮ ‬ان‮ ‬غياب المنهج النقدي‮ ‬في‮ ‬مدارسنا ومساجدنا ومنازلنا هو المسبب الاول لضعف التحصين الداخلي‮ ‬للشباب،‮ ‬وضعف مناعة المجتمع العربي‮ ‬في‮ ‬مواجهة امراض الاستبداد والتطرف والتعصب،‮ ‬ومن هذا المنطلق علينا تدريس التاريخ الاسلامي‮ ‬لطلابنا بحسناته وسيآته،‮ ‬بايجابياته وسلبياته،‮ ‬مالنا وما علينا ولا‮ ‬يجوز تدريس التاريخ وفق منهج انتقائي‮ ‬ختزالي‮ ‬يركز على اللحظات المضيئة ويتغافل عامدا المساحة السوداء من المجازر والعنف والخلافات والاساءات بحق انفسنا وبحق الاخرين،‮ ‬هذا النوع من التدريس‮ ‬يخلق عقلية ماضوية ترى ان مستقبلها ماضيها المجيد،‮ ‬تخدع ذاتها وتنشغل عن مستقبلها،‮ ‬يجب علينا التمييز بين تاريخ المسلمين والاسلامي‮ ‬كدين وعدم الخلط بين ما هو دعوي‮ ‬وما هو سياسي‮ ‬وبين ما هو فقهي‮ ‬وما هو شرعي‮.

‬يجب تفكيك تحالف السلطة الدينية مع السلطة السياسية التي‮ ‬توظف الخطاب الديني‮ ‬لاهداف السياسة،‮ ‬وذلك بداية تفكيك ثقافة الاستبداد والكراهية‮.

‬على مر التاريخ الاسلامي‮ ‬كانت ثقافة الإقصاء والتهميش هي‮ ‬السائدة،‮ ‬وهي‮ ‬السياسية المستمرة من قبل كل طائفة مسيطرة وحاكمة ضد الطوائف الاخرى،‮ ‬وحينما تكونت الدولة الوطنية الحديثة ونصت دساتيرها على مبدأ‮ »‬المواطنة‮« ‬معيارا للحقوق والحريات،‮ ‬بثت نصا مجردا معطلا بعيدا عن حقائق الواقع المجتمعي‮ ‬والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الافراد،‮ ‬وكانت النتيجة تعميق الازدواج في‮ ‬الشخصية الفردية والجماعية العربية وفي‮ ‬ضعف الولاء للوطن وفي‮ ‬زيادة تعصب المواطن لقبيلته وطائفته ومن المزيد من التوتر الطائفي،‮ ‬ومن هنا علينا اعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة عبر المفاصل الرئيسية الخمسة وتفعيلها على ارض الواقع‮.‬

نعم‮: ‬التعددية نعمة لكنها تتحول الى نقمة في‮ ‬غيبة الانتماء الوطني‮ ‬وحضور الانتماء الادنى‮.‬

يجب علينا ضبط الفتاوى المكفرة والتصريحات المخونة ومحاكمة اصحابها وتجريم استخدام بيوت الله في‮ ‬غير اهدافها والحد من نفوذ السلطة الدينية التي‮ ‬تضخم دورها على حساب منظمات المجتمع المدني‮ ‬وحقوق الانسان‮.‬الاستبداد مرض خطير لكنه مزمن في‮ ‬الارض العربية،‮ ‬هو احد افرازات ثقافة الكراهية ولن تستطيع الحد منه او معالجته الا بتفكيك ثقافة الكراهية،‮ ‬وذلك لا‮ ‬يكون الا بإعلان القطيعة المعرفية مع الينابيع المسمومة والروافد التي‮ ‬تغذي‮ ‬تلك الثقافة‮.‬

يجب ان نتعلم كيف نختلف دون ان نتخاصم او‮ ‬يجرح بعضنا بعضا وان‮ ‬يتحلى كل طرف بشجاعة الاعتراف باخطائه تجاه الآخر،‮ ‬ومن ثم‮ ‬يسعى مخلصا لتصحيحها عبر النقد الذاتي‮ ‬وآلية المحاسبة والمراجعة المستمرة،‮ ‬ومن ثم ايضا تكون عنده الشجاعة للاعتذار،‮ ‬فذلك هو الذي‮ ‬يرسخ ثقافة المحبة بدلا من ثقافة الكراهية‮.‬
الايام

الأحد، فبراير 24، 2008

"الحب والجنس في حياة النبي" كتاب يثير ضجة في مصر


عمرو عبد الحميد
بي. بي. سي - القاهرة

لم يكن الإتفاق على اللقاء مع بسنت رشاد سهلا، فالكاتبة الشابة تركت منزلها الكائن بأحد الأحياء الشعبية في الإسكندرية وقصدت القاهرة عقب تلقيها تهديدات بالقتل بسبب كتابها (الحب والجنس في حياة النبي).
ترددت بسنت قبل الموافقة على إجراء أول حوار مع وسائل الإعلام، لكنها رأت في النهاية ضرورة إيضاح وجهة نظرها.
هي شابة في أواخر العشرينيات، تخفي شعرها بما إصطلح على تسميته (حجابا عصريا) زاهي الألوان، كذلك الذي يكاد أن يصبح زيا رسميا لغالبية الفتيات المسلمات في مصر.
عبر الهاتف، بدأتني بسنت بالسلام، فأخرجتني من التفكير في العديد من الأسئلة التي جالت لحظتها برأسي. ولكني آثرت أن تكون البداية منطقية، بقدر الإمكان، حتى لو جاءت تقليدية.
لماذا الحياة الجنسية للنبي؟ هل ندرت الموضوعات لتدخلي عالم الكتابة من هذا الباب؟
تجيب بسنت: "أعترف بأن اللغة التي إستخدمتها شكلت صدمة للقراء في العالم العربي، وأعذرهم في ذلك ! لكن حياة النبي الكريم ملك لنا جميعا. لابد أن نقترب منه ولا نصل به إلى مرحلة التقديس. إنه بشر. إنني أيضا أؤيد فكرة رفع الحظر المفروض على شخصية النبي الكريم في السينما، كي تتعرف عليه المجتمعات الأخرى التي تجهله."
تضيف بسنت مشيرة إلى ما تعتبره "عددا هائلا من الأحاديث المشكوك في صحتها، التي تظهر النبي وكأنه ذو قدرات جنسية خارقة".
وفي هذا الخصوص تتحدث الكاتبة عن شخصية الإمام البخاري، وتصر على أنه (شعوبي، مجوسي) لم تكن له مصلحة في إظهار النبي بصورة نقية.
أقاطعها: "أنت لا تكتفين بمهاجمة الإمام البخاري فقط ، بل تعرضين بصورة غير معهودة بشخصية السيدة عائشة، وتصفينها بأنها كانت (مدللة وشقية في مراهقتها)، ألا يعد ذلك إساءة لمشاعر المسلمين؟"
"إطلاقا"، تقول بسنت، وتضيف: "لقد نقلت فقط عن الدكتورة عائشة عبد الرحمن التي ذكرت هذا الكلام في كتابها (نساء النبي) ، كي أوضح أن السيدة عائشة أم المؤمنين كانت الأقرب إلى قلب النبي، لأنها عاشت معه فترتي طفولتها ومراهقتها، ولم أقصد الإستخفاف بها. وليس استخدامي تعبيرات بعينها، أني متفقة معها". - قناة الحكمة الفضائية
ورغم أن الكتاب طرح في الأسواق منذ عدة أشهر، إلا أن مسألة إهدار دم صاحبته، جاءت بعد حملة نظمتها قناة الحكمة الفضائية ذات التوجه الديني، حتى أن مجرد كتابة إسم (بسنت رشاد) على مواقع البحث في الإنترنت، يظهر مدى الغضب الذي يملأ صدور كثيرين.
من هؤلاء الشيخ محمد عبد العال، إمام مسجد السلام بالقاهرة، الذي يقول "إنه يتعين على بسنت التوبة، كما يورد الفقهاء، لأنها أتت بما ينتقص من قدر النبي الكريم. وإن لم تستتب، تقتل في غروب اليوم الثالث على إستتابتها. لكن بتنفيذ من الحاكم، وليس من قبل شخص آخر، حتى لا تستباح الدماء."
في المقابل، يدافع الداعية الإسلامي جمال البنا عما يعتبره حق تناول أي جانب من حياة النبي، ويضيف: "تكفير فرد ما، والحكم عليه بالإعدام، أمر خطير. نحن لا نمسك بمفاتيح الجنة والنار، والنبي نفسه يقول: هل كنت إلا بشرا رسولا ؟ والإسلام ندد بالذين اتخذوا أحبارهم آلهة، وليس في ديننا حساسية لتناول الجنس والعلاقة الجنسية." حوادث سابقة
القضية، من حيث نوعها، ليست الأولى التي تثار في مصر. فقد تعرض سابقا مفكرون وأدباء وصحفيون لمتاعب جمة نتيجة آراء وكتابات، منهم من قضى قتلا مثل فرج فودة ومنهم من أصيب كنجيب محفوظ ومكرم محمد أحمد. أما البعض مثل الدكتور نصر حامد أبوزيد، فقد آثر الرحيل عن البلاد.
اللافت أن الضجة حول كتاب بسنت رشاد، تتزامن مع عودة أزمة الرسوم الكاريكاتورية في الدنمارك. عن ذلك ثمة من يقول: مجرد مصادفة؟ وثمة من يطرح أسئلة من قبيل: ما الحكمة في شغل الرأي العام المصري بقضايا من هذا النوع، والآن بالذات ؟

السبت، فبراير 23، 2008

تمهَّلْ , هنا نفحة حُب


سامي العامري
-------
حديثٌ مع ربَّة الشفاء
-------

مثلَ خيوطِ بَكرة الخياطةِ
تنفرطُ الأعصاب في النهارْ
ويقضمُ الظلامُ زهرةَ الجُلَّنار !
-------------
ما خطبُك اليوم أيها العليل والحائر أبداً ! ؟ سألتْ الربة .
قلتُ وانا أستقبل ضوءها وعبيرها من نافذة الصباح :
اليوم عطلة وهذا يعني أنَّ الأطباء أقلُّ او في الحقيقة لا يتولّى شؤونَ هذا القِسم في أيام العُطل إلاّ طبيب واحد يأتي ظهراً , ولا أتحدث عن حاجتي له ولكن هذا القسم يحوي مرضى من طبقات وألوان مختلفة بدءاً من الغني صاحب المؤسسة الى الفقير المُشرد ومن الأستاذ الى الطالب ومن مدمن الخمر الى مدمن المخدِّر ومن إبن البلد الى الأجنبي وهذا بقدر ما هو مثير بقدر ما هو مُتعِب أحياناً فهذه الفتاة التي وصلتْ البارحة ملأت أدمغة النزلاء صراخاً : لقد اغتصبَني , الخنزير ! ... ولم تترك أحداً إلاّ وحكت له كاملَ قصتها وأخبرني أحدُهم أنها أيقظته من النوم لتسرد له حكايتها ! وكم أستمع اليها الباقون وعبِّروا لها عن تفهمهم وغضبهم ولكن هل سكتت ؟ وحين جاء دوري لتحكي لي عبَّرتُ لها عن أسفي وأصغيتُ وأصغيتُ ! وذلك زميلي في الغرفة , قبل أن تحكي له كان عارفاً بتفاصيل قصتها ولمّا بدأت تحكي له أكملَ لها هو حكايتها !
وبدأتْ الآن تسبُّ القِسْمَ والممرضات لعدم وجود طبيب !
إنها مسكينة ومشوَّشة عقلياً .
سألتْ الربة : إنها على أية حالٍ سيُنظَر في أمرها ولكن انت , ما الذي يجعلك تتذمَّر ؟
قلتُ : إنَّ رجلاً مثلي مِهما حاول , لا يستطيع إلاّ أن يعقد مقارنة . إنَّ هذه الفتاة اذا صحَّتْ حالتُها ففي سلوك مَن اغتصبها حِطَّةٌ وعُقَد وقد تكون هناك عوامل أخرى وراء حالة هذه الفتاة لكن كم هو ملفتٌ للنظر أنَّ قيمتها كإنسانة لا تسقط في نظرهم بل هم صريحون رجالاً ونساءاً في هكذا قضية لأنهم قبل هذا صريحون في هذه القضية الملِحَّة , قضية الحب , الجنس وعندما يتحدَّثون عنه فهم يتحدَّثون عنه بتلقائية كما يتحدَّثون عن الطعام وأكثر من هذا إنهم يسمَّون الأعضاء الجنسية بأسمائها !
بينما عندنا ...!
قالت الربة : حول النقطة الأخيرة – الأسماء - فمع أنها تبدو شكلية إلاّ أنه يمكن تخيُّلُ الكثير من الفظائع عندكم إستناداً اليها , المْ أخبرك مرةً بأنك مِهما امتلأ حوضُ تفكيرك بأسئلة ذات ملامح كونية او مصيرية تبقى تغرف من محيطك ؟ وهذا ليس سيئاً ما دام أنه لم يصل بك الى الغثيان .
عجَّلتُ بالقول : ولكنه يوشك أن يصبح هكذا !


حَدَّثْتُ بَنيْ جِلْدَتيَ
بِبَعضِ ذُنوبِ حياتي
فاستَعَرَتْ ضِدّي تُهَمٌ
وشناعةُ أقوالْ
وتَحَدَّثْتُ معَ الغَربيينَ
بكُلِّ ذُنوبِ حياتي
فَقالوا : روضةُ أطفالْ !
------

إنك قد تجدين العربي المسلم صادقاً في كلِّ شيءٍ إلاّ عندما يتعلَّقُ الأمر بحياته العاطفية وهو حتى لو تُركَ وحيداً فقد يكذب على نفسهِ !
إنه ليس إدماناً ولكنه تراكمٌ لا شعوريٌّ بدأ منذ أنْ حُجِرتْ المرأة العربية المسلمة بين عدد غير قليل من الحيطان , ملهاتُنا هي أننا في بلدنا نقرن الحُبَّ بالجنس وبما أن الجنس دنس من غير زواج فالحبُّ كذلك دنس ما لم يأتِ من رَحِم الزواج !
والرجل العربي بدلاً من أن يجلس ويحاول تحليل هذه العقدة – هذه الفانتازيا - بهدوءٍ , ترينه يقفزُ عليها ويصَوِّر لك نفسه فَطِناً وهذا تناقض صارخ وهذه العلة لا وجود لها إلاّ لدينا .
قالتْ الربة : مع ذلك فالفارق ليس فلكياً ولكن هناك نوع من البشر لا يُصرُّ على قول الحقيقة ويوصي الناس بها إلاّ لأنها تصبُّ في مصلحتهِ أمّا اذا كان قولها يضرُّ به فهنا السكوت من ذهب ! كما تقولون , وهذا رياء وعيب ولكنك تتحدَّث الآن عن مجتمعٍ مُعيَّن فأقول الإنسان بحسناتهِ وسيئاته في طريقه لأنْ يصبح واحداً .
قلتُ : نعم سيصبح واحداً ولكنني لن أشهد ذلك اليوم , لن أشهدَه فأستريح !
قطعتْ حديثنا ممرضةٌ شابة لطيفة وهي تصيح بي أنْ حلَّ وقت تناول الدواء اليومي والغَداء فشكرتها . لم ألحظ فائدةً من أدوية رتيبة وأمّا عن الأكل فليست لديَّ الآن شهية فاسترسلتُ :
إغفري لي فظاظتي أيتها الربة ولكن عندي سؤال : الديكم في عالمكم السماوي حُبٌّ كذلك يمكن تشبيههُ بما لدينا من حبٍّ , ولو تشبيهاً تقريبياً !؟
أجابت وهي تبتسم : بل نحن محض حُبٍّ , والذي تسميّه حُبَّاً لديكم مازال محاولات حبٍّ فالحبُّ الحقيقي لا تستطيعون احتمالهُ كبَشَرٍ لأنه يتطلَّب قلوباً كبيرة ولكنكم مُنحتُم نفحةً منه على قدر قلوبكم !
سألتُ ثانية بعد أن أحسستُ بالخجل من سؤالي السابق :
ولكن ألا يمكن أن تكون هناك استثناءات فإني أتأمُّل مثلاً وأقرأ شعراً واستمع الى موسيقى ...الخ من الفنون , فأجد فيها عمقاً عاطفياً يصل بي أحياناً الى الذهول او ما يطلق عليه البعضُ الإنخطاف ؟
أجابتْ : هذا ما عنيتُ تماماً فأنتم مُنِحتم نفحةً يسمو بها الفنان المرهف لذا فهو يُطلق على بعض تجلياتها انخطافاً بسببٍ من مرورها كالبرق في النفس بينما هي لدينا حضور دائم , أبدي ولكن لماذا سألتَ ؟
قلت : أردتُ أن أعرف ما اذا كان الحُب او هذه التي أطلقتِ انت عليها نفحة تكفي كتبريرٍ للحياة فإني أشك لأنني أرى بشراً لا يملكون هذه النفحة ولكنهم مع ذلك يَبدون قانعين وحتى سعداء !
قالتْ : أُنظرْ بعينٍ أخرى فهؤلاء ديناصورات ميؤوس منها وهذه الديناصورات ربما ضرورية لبناء العالم المادي !
قلتُ : ولكن لدينا في بلدنا نسبة كبيرة أيضاً من هذه الديناصورات ولكنها تُخرِّبُ ولا تبني !
قالتْ الربة بحزمٍ : لا تنسَ أنَّ هذه الديناصورات طالما خرَّبتْ هنا في الغرب , وما تراه عندهم من مدنيةٍ وتقدُّم لم يأتِ إلاّ على خلفية إحساسهم بعمق خرابهم !
وهذا بالمناسبة أحد أسباب اعتلالك , إنه هذا المضيق الذي أوصلتَ اليه روحك وعقلك ولكن لا بأس فهذه تجربة تُضاف , ورهانُك اليوم أنْ تعود كما كنت , إنسانَ أمل !
قلتُ : شكراً , ولكن هل يمكن أن يعود الرمادُ جمراً !؟
ثم أنشدتُ لها سطوراً كتبتُها في زمنٍ غير بعيد :

وخَبِرْتُ من بَعْدِ التباعُدِ والتَقاربْ ,
بَعْدِ احتداماتِ التجاربْ
أَنْ كُلُّ حِرْصِكَ كالطنينِ وأَنَّهُ
لا يُجْدي حَبْلُكَ يا مُحارِبْ
إلاّ على الغارِبْ !
----------
قالتْ الربة : قد يُجدي , وأجملُ ما في سُفُن الأمل أنها تحمل فناراتها معها !

-------
(*) نصٌّ من كتاب يجمع بين القصِّ والنثر الأدبي والشعر يحمل عنوان : حديث مع ربة الشفاء .

----
كولونيا
alamiri84@yahoo.de

الجمعة، فبراير 22، 2008

بحر بلا امواج


عيسى القنصل
كعاصفة ٍ
من الضوضاء ِ اعماقـــى
كبركان ٍ من القلـــــق ِ


افاعى الحزن تلسعنــــــى
بسم ٍ يقتل الاحلام فى الانسان والخلق
وصوت ُ الصمت يسُمعنى
اناشيدا من الارق ِ
فلا نوم ُ يلازمنـــــــــــــــى
ولا حلم ُ يروادنــــــــــــــــى
سوى خوفى من الافــــق
سوى خوفى من الايام قادمـــة ُ
محملة ُ
بموج ٍ ينتشى غرقـى
كعاصفة من الاحزان عاطفتــــى
تحاصرنى ..
بقصف الرعد والبرق
وامطار من الوحل ..
انا بحر من الاحزان سيدتى
انا نهر من الادران غاليتــــى
انا بحر ُ بلا عمــــــــق
فلا الاسماك تعشقنى ..لتسكننى
ولا الحسناء ُ سابحة ُ بشاطئنــــا
على مهل وفى الــــــق ِ
ومزمار ُ اناشيدى ..
غدا حطبا ً ومشحونا الى الحرق
فمعذرة لاشجانـــــى
ومعذرة ً لاشعار بكت حزنا على الــورق .
***&&&***
عيون القلب دامعة ُ
وخائفة ُ من الاسهاب بالخفــــــــــــــــــــــق
خيالى لم يعد طيرا
على الجنحان يحملنى ..
بعيدا فى مدى الافــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق
غدا خوفى ..غدى وجعى غدا قلقــــــــــــــــــى
غدا سوطاً من الافكار يجلدنــــى
كجلاد ٍ تناسى وصفة الرفــــــــــــــــــــــــــــــق
خيالى صار مركبة ً
محطمة ً ترامت فى مدى الطــــــــــــــــــــرق
فامسى مات منتحرا
ويومى حائرُ قلـــق ُ
وضؤ الفجر مخنوق ُ باحبال ٍ من الغســــــــــــق
هى الايام ُ مقصلتى
ثوانى الوقت منشار ُ على عنقـــــــــــــــــــــــــى
فيا خوفى ..على عمرى ..
بريئا ً سيق للشنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق

التنافس والمتنافسون ..


نجوى عبدالبر
التنافس له وجهان الشريف منه والمذموم , بل أحياناً يكون له العديد من الوجوه ، ولعل التنافس مع الذات هو أفضل أنواع التنافس من وجهة نظري المتواضعة فالمرء كلما تنافس مع ذاته كلما تقدم أكثر وقدم الأفضل لنفسه وللآخرين ، وبذلك فهو في صيرورة دائمة وكأنه منظومة تقدم الأحسن فلا اليوم مثل الأمس ولا الغد مثل اليوم .. فالأمس شيك بدون رصيد والغد شيك مؤجل الدفع إنما اليوم هو ما بين أيدينا فلنتوخى الحرص والحكمة في تدبيره أيا كان المضمون والمعنى .
أيضا لا يبقى ولا يمكث في الأرض ويعطي النتائج المرجوة الجيدة إلا الجيد من التنافس والعمل الشريف أما ما دون ذلك فهو مثل غثاء السيل فكل كثرة غير نافعة فهي كغثاء السيل .
ولكن التنافس بوجهه الآخر غير الشريف هو كمن اختار أن يدمر كل من حوله ليعلو بنيانه ويصير قرشاً يبتلع كل ما يصادفه دون رحمة أو هوادة على عكس من يبني نفسه وفي ذاته اقتناع تام أنه يريد أن يكون أعلى من غيره دون تدميره , فالمنافس غير الشريف هو من يحاول أو يريد أن يكون إنسانا ً ناجحاً إطاراً لا مضموناً دون أن يكون له قيمة والعكس يحدث مع المرء الذي يريد التنافس الشريف فهو يضع نصب عينيه القيمة ومن بعدها بالتأكيد يأتي النجاح .
لاشك أن طلب الشهرة والمال لا عيب فيه أبدا فالإنسان مجبول على محبة الدنيا والاستمتاع بمنافعها وعلى حب المال وتشغله مصالحه الدنيوية في الغالب أكثر من أي شيء آخر , ولكن العيب في أن يوظف حبه هذا في الطالح وليس الصالح ، وأن يمنعه حبه هذا من إيتاء الناس حقها فيتصور ما حرم الله عين الحق فيأخذ بالحرام ما يعتقد أنه الحلال .
السعي في الدنيا والتنافس وراء المال والشهرة وخلافه لا خلاف عليه ، ذلك أن التنافس المحمود المؤدي إلى الشهرة التي تجلب على الإنسان الخير والمنفعة دون أن تسيء إلى الآخرين هو أفضل أنواع التنافس .
وإنما التنافس المذموم الذي ُيؤثر الإنسان فيه الدنيا على الآخرة بل ويؤذي به المجتمع ، فالدنيا لا ينبغي أن تكون أكبر همنا ولا مبلغ علمنا وأيضا ً لا موضع تنافس وتسابق إلا على النافع من العمل الصالح الموصل بالإنسان إلى المكان المرموق في الآخرة وليس في الدنيا ( وفى ذلك فليتنافس المتنافسون ).
ومن الصور البغيضة في التنافس على الدنيا ( التكاثر ) بمعنى أن كل إنسان يحب الإيثار الدنيوي لنفسه ولكن على حساب الآخر فيتطاول عليه بشتى الطرق حتى يصل إلى مبتغاه من الشهرة وكسب المال .
وقد يكون التكاثر وحب المال والأولاد والغرق في الدنيا أحياناً سببا ً في الإلهاء والتقاعس عن ذكر الله وعن أداء حقوقه وحقوق الآخرين ، فيكون الهلاك ، فالإلهاء يؤدى إلى الهلاك ، ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) .
التنافس إن كان يعنى الإيثار فلنجعله إيثار الآخرة على الدنيا وليس العكس فالعكس سيؤدي بنا إلى المضي في التهلكة ، ( ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) وما المنفعة الدنيوية إلا شيء هلامي زائل ولا يبقى منه إلا ما كان ذخرا ً للآخرة ، فإن جعلتم الدنيا سوقاً وتجارة فلتكن تجارتكم مع الله وليست مع الشيطان فتكون ربحها طيبة في الدنيا والآخرة فما ارتفع أبدا ًسهم وعلا على سهم التجارة مع الله .
وقد حذرنا رسولنا الكريم - صلوات الله عليه وسلامه - من بسط الدنيا وشرورها والانغماس في ملذاتها فلا أخطر على الإنسان من بسط الدنيا فهي ابتلاء وفتنة ، فالفرح والبسط يكون بمقدار حتى لا يمهد لنا طريق إلى البطر والفسق والغرور والتقاتل والتباغض ...
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وإنما أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم ، أو فتلهيكم كما ألهتهم " ابن ماجه : الفتن (3997) , وأحمد (4/137(.وخلاصة القول أن التنافس نتيجة حتمية من نتائج بسط الدنيا وما نحن فيه الآن من تفرق وتشرذم وفتن وفقر لهو ناتج من نواتج بسط الدنيا ، وما الابتلاء إلا ابتلاء الغنى والبسط وليس الابتلاء ابتلاء الفقر , فأحسنوا التنافس الشريف في الدنيا يرد عليكم في الآخرة .
مسك الختام: إن ابتليتَ بالضراء رفعتَ الأكف بالدعاء إلى الله عز وجل راجيا ً صابرا ً محتسباً ًًًً، وإن ابتليت بالسراء مضيت في الدنيا دون التفات ونسيت من .. مِنَ النعم أعطاك َ ..الخالق الوهاب الرزاق المعطى بغير حساب .

كبرنا الف عام..

مريم الراوي
رأيت أحلامي تقف تباعاً عند حافة المقصلة..
"إنهم يحاولون قتلي لاني احلم بسماء اشد زرقة وزهور اجمل"
هكذا صرخت روحي هناك بين الالاف الجموع..
فتلقفت صرختها روح اخرى وقالت:
"إنهم لايرغبون بقتلي فقط , بل ويريدون حرق بيارات افكاري,
ويفكرون كثيراً بتمزيق اوراقي ودفاتري السرية"..
ألم يفهموا بعد؟ إني كبرت الف عام
الف عام,,"تمتم قديس الجرح بحزن"
والف زورق يموج في خاطري
وغربة الروح,منها ياويلتي
تنتزع بريق الحلم وتذبحني
فقد,,كبرت الف عام
هاهي باقات يقيني,
تدوسها المسافات الطويلة
تقتلعها الكائنات الكسيحة
تعلقهاالمشانق في قسوة غريبة
فماعاد كل شئ كما الفته ..
فقد,,كبرت الف عام
لوح الختيار الأعمى بعصاه الخشبية بوجه الريح قائلاً:
رؤياي الآن أشد خطورة عليهم من قطار هائج,
بسرعة حمقاء وسائق مخمور..
فبصيرة العقل لاتخطئ ابداً..
أيخطئ نور الله دربه, المدفون فينا؟!
نعم,,يقيني الان اشرس من ان يروض,
ويربت على افكاره,بجمل مزركشة,
ليهدأ الوجدان الثائر وجعا..
فقد,, كبرت الف عام
تنحت الصبية عن ظلها المرسوم ,
على حافة الجدار الحجري وصاحت بألم:
الشباك الحزين يلتقط دموعي ويهديها للطيور
وما أن تنام حتى يغافلها ويرميها للمطر
وانا لاازال انتظر
ان تعود لي دموعي ويتركني المطر
لاالدموع عادت ولاتوقف المطر!
فقد,,كبرت الف عام
ذاكرتي تتشظى امام ابواب المحطات
"جاء صوتها من بين النخيل الراقد على جدائل الشمس":
وماان ارى باباً حتى تستصرخ الروح العيون ان تغلق نوافذ البصر
لكن لاجدوى,فالجراح عيون,والألم درب لايغلق ولايختصر ...
إذاً,لافرار أيتها الأحزان..
فقد,,كبرت الف عام..

جميعنا كبرنا الف عام..
جميع من فكر بالغد,
طريقاً للياسمين المعلق على ابواب النجوم..
كبر الف عام..
جميع من غدى صرخة في فم الموانئ,
وهي تنتظر البحر ان يلقي بين اذرعها خبر العودة..
كبر الف عام...
جميعنا حزانى,أيها الليل..
والالف عام غداً عند بواكير الذكريات ستلد الف عام أُخر..
لنكبر ونكبر ونكبر ونضحى تواريخ مصلوبة برسم الاحتضار..
وكأننا لانفارق أجسادنا الا حين نموت,
وكأننا احياء مادمنا نسعى وقوفاً في ميادين الإنتظار..

الخميس، فبراير 21، 2008

شكرا لكُفري

الهام ناصر
.........

شكرا
لانك المدهش أبدا , المنتظم جدا , المستيقظ منّي دوماً
شكرا في المساءات الذابلة , في الصباحاتِ المستعجلة , في اللقاءات الخاطفة
شكرا في منديلك المشغول عن ماءِ عيني
في ياقتك المعطّرة لغيري
في ابتسامتك المسافرة عن وجهي
شكرا ,بعد كل بكاء وقبل كلّ قلق
شكرا سعادة الحبيب , معالي الصديق , فخامة البدلة
لا تنس أن تعلّق على صدرك
حضنًا سابقًا

شكرا
للجوارب , لغسّالة الوجوه , لحبال الزينة في المراسم
والنضال لثنائيٍّ ساحر
وشدّ الأصفاد على الأصابع
كما تقول الرّقصة لعميدٍ يطرحُ الغرامَ واجباً
كم أنت ماهر !!

شكرا لإخفاء الانزعاج
و إفشاءِ السّرّ
تحت الثوبِ الناعم


شكرا لوقتٍ
جعلت فيهِ الشكرُ
كُفرا



elhamnaser@hotmail.com

الأربعاء، فبراير 20، 2008

دروس من الحياة!!!

علي جبر

ما هي الدروس التي استنتجتها من خوضك غمار الحياة؟؟
و أنت تسير في مسالك الدنيا تستوقفك محطات عديدة تكسبك مفاهيم جديدة، تتعلم أشياء لا تقاس بالمال و قد لا تخطر لغيرك في البال.
فكلنا تلاميذ في مدرسة الحياة ، مدرسة لا يوقفنا عن أخذ الدروس منها إلا الممات، فيا ترى، ماذا اكتشفت و ماذا تعلمت و ماذا دونت في سطورك من خلاصة تجاربك؟
هذه بعض الدروس التي تعلمتها:
*قمة السعادة ، عندما تجاهد نفسك و تنتصر فعليها فتحس و لو للحظات أنك لا تمشي على الأرض.
*عش لحظة الفرح بكل أبعادها و لا تنتظر أن تأتيك لحظة أفضل، فالطموح أكيد شيء جميل و لكن لا تجعله يفقدك حلاوة الحاضر متشبثا بغموض المستقبل .
*الصديق الحقيقي هو من يعطيك النصيحة التي تبكيك ،فقد حملها لك من قلبه و بقلب صادق و لم يغلفها بغلاف المجاملة و لم يمش بها في طريق النفاق قبل أن يوصلها لك.
*من الأحسن أن تحتفظ بسرك في قلبك و لا تعطيه لصديقك، لأنه قد يضيق بسرك كما ضقت به أنت من قبل و لا يوجد سر في الدنيا يستاهل أن تفقد من أجله صديق عزيز.
*في علاقاتك مع الناس ، كن كالغربال لك من الكرم و سعة الصدر ما يسمح لك باستقبال كل شيء منهم و لك من الرزانة و رجاحة العقل ما يسمح لك بانتقاء ما يفيدك.
* جميل أن تمشي خطوات و الأجمل أن تعرف مقصدك، جميل أن تسمع كلمات و الأجمل أن تُغْنِيَ مُنْجِدُك، جميل أن تتكلم و الأجمل أن يستفيد منك غيرك، جميل أن تتعلم و الأجمل أن تتقوى به شخصيتك، جميل أن تصاحب و الأجمل أن يأنس الصاحب بصحبتك، جميل أن تعترض و الأجمل أن تدعم موقفك ،جميل أن تتغير و الأجمل أن يكون للأحسن تغيرك.
*حياة المرء: أيام ، شهور أو سنوات----شعوره : فرح ، حزن أو لا مبالاة-----عمله: حلال ، حرام أو أمور مشتبهات.كثُرت عنده الثلاثيات و لكن مآله من الثنائيات:فإما جهنم و العياذ بالله أو الجنة رحمة من الإله ، ماذا نعد؟قبل أن يحين الموعد؟ سؤال يجب نطرحه على أنفسنا يوميا حتى لا نفاجأ به يوم القيامة و نسأل الله السلامة.
*إن أردت أن تعرف وزنك فعز نفسك إلا أمام الله و امسك لسانك إلا على كلمة الحق .
* من حقك المنافسة و ليس من حقك أن تدوس على الغير لتصل، من حقك أن تحلم و ليس من حقك أن تسخط عندما تستيقظ على واقع مر، من حقك أن تحب و لكن ليس من حقك أن تستحوذ على من تحب، من حقك أن تبكي و لكن ليس من حقك أن تطالب الناس مشاركتك الدموع، من حقك أن يكون لك رأي و لكن ليس من حقك أن تعتبره من البديهيات أو المسلمات.
*الأسرة مدفأة حطبها المودة ، فأن رأيت أفراد أسرة يبحثون عن دفئ الشارع فاعرف أن مدفأة بيتهم لا تعمل .
واخيرا
*حاول أن تقع و أنت مبتسم حتى لا تترك الفرصة للأعداء يشمتون فيك

صباحكم أجمل\ أرض العالي تعلا

زياد جيوسي

منذ أسبوع والأرصاد الجوية والصحافة والإعلام تتحدث عن الثلوج وموجة البرد والصقيع القادمة، وما أن بدأت موجة الرياح والمطر أو أمس الاثنين مساء، إلا والكل استعد أن الغزو الأبيض قادم لا محالة صباح الثلاثاء، غزو قد يستمر عدة أيام ويعطل كل شيء تماماً، هكذا كانت أجواء رام الله النفسية وحديثها الوحيد تقريباً، وفي الأمس وفي السادسة والنصف صباحاً كانت الهواتف تدق عليّ تسألني كيف الوضع في المدينة، فبحكم أني تقريباً في وسط المدينة فقد حولني المعارف والأصدقاء القاطنين في الضواحي والمناطق الخارجية عن المدينة إلى نقطة استعلام، ولم تكن هناك من ثلوج أبدا بل قليل من حبات البرد وأمطار وبرد شديد، بحيث كان الجو لا يسمح بالمغامرة للخروج والتجوال كالعادة، لذا بقيت جالساً أحتسي الشاي تارة والقهوة تارة أخرى والتهم بعض من قطع حلويات دمشقية وصلتني بالأمس من هناك، من صديقة عزيزة وغالية فأخرجت من تلافيف الذاكرة ذكرى أيام دمشق والشام، التي عشت بها بعض من زمن لا ينسى، وأشعلت شوق لتلك البلاد الجميلة بعد غياب اثنان وثلاثون عاماً عنها، بقيت حتى الثامنة أتأمل المطر لتأتي موجة بسيطة من الثلج لم تستقر أبدا، ولأكتشف أن المؤسسات قد عطلت أعمالها، وأن المواطنين استعدوا للثلج فلم يخرج أحد، وأن الشوارع استمرت فارغة وكأنه حظر تجوال، ولم تفتح معظم المحلات أبوابها، فحرمنا من الحركة وحرمنا من الثلوج أيضاً، وإن لم يحرمنا الله من نعمة المطر الذي لم يتوقف حتى ساعة نومي.
كان الضباب يغطي المدينة، وكلما فتحت النافذة قليلاً لتغيير الهواء كان البرد يقتحم الصومعة، فلم أجد إلا أن أجدد طقوس الوالدة في طفولتنا، حين كانت تقاوم البرد بإعداد وجبة شهية من العدس الجميل، فمارست هذا الطقس الجميل وأعددت وجبة عدس جميلة لم يشاركني بها إلا صديقي التوأم الدكتور هاني الحروب، محاطة بالفجل والبصل والفلفل بنوعيه الأخضر الحار والشطة والليمون، فقد اختفى باقي أصدقاء الصومعة في أوكانهم ولم يحضر أحد منهم.
ورغم البرد الشديد قضيت أوقاتا جميلة خلف زجاج النافذة اتأمل المطر الذي ينقر زجاج نافذتي، وأتأمل الضباب الذي غطى المدينة فحجب الرؤية، وإن أزعجني أن الحمام لم يخرج ويزورني ويتناول وجبته اليومية، ويمتعني بهديله الجميل، فقضيت النهار بين وقفة إلى النافذة وقراءة في ديوان شعر جميل وصلني، والرد على بعض الرسائل حين تتكرم الشبكة العنكبوتية بالعمل، واستعادة ذكريات وحلم بحل وعدت به ينهي أسري الذي يكاد يكمل أحد عشر عاماً في مدينتي الجميلة رام الله، بدون أن أتمكن من الحركة حتى لأقرب مدينة، أو السفر لعمان الطفولة والشباب ورؤية الأهل والأحبة والأصدقاء وبيتي وأسرتي.
هذه الأجواء أعادت للذاكرة ذكريات الطفولة والرغبة بمواصلة الحديث عنها، فقد انتقلنا من بيتونيا إلى سطح مرحبا من أحياء البيرة شقيقة رام الله التوأم، في بيت واسع وجميل ومستقل، لكنه كعادة والدي بعيد عن الجوار، وهذا كان يسبب لي معاناة في إحضار الأغراض لوالدتي من البقالة الأقرب، والتي تكون بعيدة عن بيتنا عادة، ولعل هذا ما غرس في داخلي القدرة على المشي لمسافات، بحيث أصبح السير على الأقدام هواية يومية أمارسها أينما كنت، ولكن أكثر شيء أزعجني في بيتنا الجديد رغم جماله وسعته، أن المنطقة تفتقد الغطاء الشجري، وأن الأراضي متروكة لا تنبت بها إلا العواسج والأشواك، مما أدى لوجود الأفاعي التي قتلت منها والدتي العديد حين كانت تتسلل إلى شرفة البيت أو حديقته الجرداء، والتي استغلتها الوالدة بالزراعة بحيث أحالتها إلى حديقة جميلة معطاء، ولكني افتقدت الجلوس بين الأشجار وأكل الفاكهة الطازجة عن الشجر مباشرة في بساتين بيتونيا، فأصبحت أكتفي بالجلوس على الشرفة المطلة على شارع القدس أقرأ الكتب والمجلات، أو العب مع شقيقي الأصغر جهاد صديق الطفولة والمشيب.
النقلة من بيتونيا للسكن الجديد كانت نقلة حضارية كبيرة، فهنا لدينا كهرباء وليس "لمبة الجاز"، وبادر الوالد بإحضار ثلاجة لحفظ الطعام وموقد يعمل على الغاز، وأصبح لدينا مذياع نستمع منه إلى صوت العرب والمسلسلات الإذاعية، ولم أعد أسمع ضجيج "بابور الجاز" في إعداد الطعام والشاي، وأصبح لي ولأخوتي غرفة خاصة بنا، ولم نعد ننام وندرس في المطبخ كما كنا في بيتونيا، وصرت استحم بحوض استحمام "بانيو"وماء يسخن بواسطة "كيزر" يعمل على الحطب، بدلاً من الاستحمام ب "اللجن أو الطشت" المعدني، وتسخين الماء على "بابور الجاز"، والأهم بالنسبة لي كان أن الماء يضخ بواسطة مضخة كهربائية من البئر إلى الخزان فوق أسطوح البيت، فارتحت من انتشال الماء بالدلو ورفعه إلى السطح، فاكتشفت كم للحضارة ممثلة بالكهرباء من فوائد رائعة وعظيمة.
عام دراسي كامل بقيت في مدرسة بيتونيا رغم الرحيل، متحملا السير الطويل وبرد الشتاء وحر الصيف في الذهاب والإياب من المدرسة، فأكملت فيها ثلاث سنوات دراسية من أجمل سنوات الدراسة في حياتي، حتى انتقلت لدراسة الصف السادس الابتدائي في مدرسة البيرة الجديدة، والتي لم تترك في روحي أي أثر طيب، حتى أن مستواي الدراسي تراجع فيها، ولا اعلم إن كان السبب هو تغير الأجواء بين المنطقتين، أم تغير نمط المدرسين وقسوتهم في التعامل، أم تغير أسلوب المدرسين الذين اعتدت عليهم عن المدرسين الجدد، وإن كنت قد أحببت مدرس اللغة الانكليزية المرحوم الأستاذ هاشم، ولكنها فترة قصيرة حتى كان طريح فراش المرض لينتقل إلى رحمة الله تعالى بعدها، وسرنا في جنازته متأثرين ومتألمين، حتى واريناه الثرى في مقبرة البيرة، وحين عدت للوطن وقفت بجانب المقبرة لأقرأ الفاتحة على روحه، فمن المستحيل أن أعثر على قبره بداخل المقبرة بعد هذه السنين وأنا لا أعرف إلا اسمه الأول، والمقبرة قد توسعت كثيراً عبر ثلاثين عاماً من الغياب القسري.
عامان قضيتهما بهذا البيت الجديد حتى حصول حرب حزيران والهزيمة المنكرة التي لحقت بالجيوش العربية ووقوعنا تحت الاحتلال، لكن هذه الفترة شهدت مني عشق خاص لرام الله، فقد كان يحلو لي التجوال فيها، بيوتها جميلة وأشجارها وارفة وكثيفة، أهلها طيبون فلا مجال للشعور بالغربة فيها، شوارعها نظيفة وهوائها منعش وجميل، وفي الصيف كنا نشهد فيها مهرجان رام الله ومهرجان البيرة، وكانت بتلك الفترة مصيف فلسطين والأردن، وقبلة الزوار العرب وخاصة من الخليج، فكانت "الدشاديش" البيضاء تملأ شوارعها صيفاً، وفي تلك الفترة أيضاً سمعت عن الانطلاقة الأولى للثورة الفلسطينية، في الأول من العام الف وتسعمائة وخمس وستين، وسمعنا باسم الشهيد الأول في الثورة المعاصرة الشهيد أحمد موسى والأسير الأول محمود بكر حجازي، وفي هذه المرحلة الطفولية سمعت عن انقلاب في الجزائر ضد أحمد بن بيلا وخلعه من الحكم، فتألمت لأن بن بيلا ارتبط بذهني كمجاهد وقائد لثورة الجزائر التي تركت أكبر الأثر في روح طفل، ولعل الحدث الأبرز مشاركتي بمظاهرة ضد الاحتلال على اثر غارة السموع البشعة التي تركت العديد من الشهداء المدنيين الفلسطينيين والعسكريين من الجيش الأردني، إضافة لهدم بيوت بالعشرات ومدرسة ومسجد وعشرات الجرحى، فتحرك الشارع غاضبا بمظاهرات استمرت أسبوعين، وفي اليوم الأول الذي خرجت به مع الطلبة تعرضت للضرب بهراوة من شرطي، والحقيقة لم أكن أدرك لماذا أُضرب وأنا أشارك بمظاهرة احتجاجية، ولم أنسى شكل الشرطي حتى أتيح لي أن أراه بعد فترة يريد أن يصعد بحافلة ركاب، فسارعت بضربه بحجر انتقاما من ضربه لي وسارعت بالفرار، وشعرت أني استعدت كرامتي الطولية المهدورة على هراواته، وان كان هذا سلوك طفولي شعرت كم كان ردة فعل طفولية حين كبرت، فالشرطي يتلقى الأمر وينفذ حرصاً على راتبه ووظيفته لا غير.
صباح آخر يا رام الله مع المطر والبرد وفنجان قهوة جميل وقطعة حلوى دمشقية طيبة، وروح طيفي ترف في فضاء صومعتي، وفيروز تشدو بكل الجمال:
"يا حبي الراجع أهلا، يا غالي وغالي أهلا، صارت سمانا أحلا والجبال إليّ عنا أعلى، شفتك والدنيا قبالي، وأيام تعن عا بالي، ويا ثلج ثلوج عا العالي، ويا ارض العالي تعلا، عا الدنيا كلها تعلا".
صباحكم أجمل.
رام الله المحتلة 20\2\2008
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/

رحيل الروائي اللبناني المبدع سهيل ادريس


ديوان العرب تنعي الأديب الراحل

«صاحب الآداب» يترك زمنه يتيماً ويرحل عن ٨٣ عاماً

غيّب الموت يوم الثلاثاء 19 شباط فبراير 2008 في بيروت، الروائي والناشر سهيل إدريس عن 83 عاماً أمضى معظمها في الدفاع عن المشروع القومي من خلال رؤيا حداثية تراهن على الانفتاح. ظُهر اليوم، يودّع لبنان والعرب صاحب «الآداب» الذي يُصلّى على جثمانه في جامع الخاشقجي، ثمّ يوارى في ثرى جبّانة الشهداء
وفي مقال كتبه حسين بن حمزة في الأخبار اللبنانية بعنوان «صاحب الآداب» يترك زمنه يتيماً ويرحل عن 83 عاماً جاء فيه:
برحيل صاحب «الحي اللاتيني» تنطوي إحدى الصفحات الأخيرة في السجلّ الذهبي لجيل ومرحلة: جيل المؤسسين الذي ترك بصماته على مرحلة خصبة من التاريخ العربي الحديث. انسحب سهيل إدريس رافضاً أن يشهد على هزيمة مشروعه، وانحسار القيم التي آمن بها ووهبها حياته… مع سهيل إدريس (1925ـــــ 2008)، يأفل أحد آخر نجوم حقبة أدبية وثقافية عربية كاملة. معظم أقران إدريس ومجايليه سبقوه إلى الغياب. والباقون على قاب قوسين أو أدنى. ذلك الرعيل من الأدباء والمفكرين والصحافيين الذين يدينون، قبل كل شيء، لعصاميتهم وانكبابهم الجدي والعميق على تعزيز مواهبهم وتطويرها عبر التفاعل مع ما سبق من تراث عربي، وما هو راهن من آداب أجنبية تمرّر هواءً مختلفاً إلى رئة الثقافة العربية. كتب سهيل إدريس القصة والرواية والمقالة والدراسة النقدية والسيرة الذاتية. ترجم أعمالاً عدة عن الفرنسية. أنشأ مجلة «الآداب»، وأضاف إليها دار نشر بالاسم نفسه. خاض معارك ثقافية لا تُحصى، كانت أشهرها تلك التي دارت بين «الآداب» ومجلة «شعر»، ثم مجلة «حوار». أمضى سنوات في تأليف «المنهل» الفرنسي و«المنهل» العربي.
التنوع والموسوعية وتعدد المواهب والاهتمامات كانت سمة من سمات ذلك الجيل. وسهيل إدريس لم يتأخر في ابتكار سمات مشابهة ظلت ملازمة وملتصقة باسمه. لم يكن قاصاً فقط، ولا روائياً فقط، ولا ناقداً فقط، ولا مترجماً فقط. كان مؤسسة ثقافية بكاملها. بل هو أحد قادة الثقافة وروادها في النصف الثاني من القرن العشرين. كان كاتباً وصانعاً للكتَّاب. اشتغل عند نفسه كاتباً، وفتح صفحات «الآداب» لولادة مئات الكتّاب من شتى أنحاء الوطن العربي. كانت مجلّة «الآداب» تمنح جوازات مرور إلى عالم الأدب، ولاحقاً إلى عالم الشهرة. كان مجرد ظهور اسم فيها علامة على الموهبة والجدارة. وكثيرون نقلت إليهم «الآداب» لوثة الكتابة، وقدمت لهم شهادات ميلاد.
لعل صفة «صاحب الآداب» (المجلة ودار النشر)، هي الأكثر انطباقاً على سهيل إدريس. لقد صنعت «الآداب» جزءاً كبيراً من حضوره وشهرته، لكنها، في الوقت عينه، صنعت حضوراً وشهرة لأجيال من الأدباء والمثقفين العرب. الأرجح أن شيئاً كهذا لم يحدث إلا نادراً في تاريخ الأدب الحديث. أن يستحوذ أحد ما على صفة كاتب وصانع كتّاب في آن.
ورّط سهيل إدريس كثيرين في عالم الأدب وغيَّر حياتهم. ستظل أعناق هؤلاء مطوّقة بديونه عليهم. لكنه لن يطالب بها يوماً. ولذا، فإن غياب سهيل إدريس اليوم لن يكون رحيل كاتب بمفرده. إنه رحيل «مفردٍ بصيغة الجمع». ففي ثنايا هذا الرحيل، ثمة حكايات وقصص كثيرة سيتناوب كثيرون على استعادتها وسردها. سيحرّك غيابه ذكريات شخصية كثيرة في مخيلة الكتّاب الذين استقبلتهم مجلته. سيعود الذين ظلوا أحياءً منهم إلى لحظات «عمادتهم»، وحصولهم على الاعتراف فيها. ثم انطلاقهم منها إلى طموحات نصية ونبرات خاصة بلا عدد.
لا بدّ من أنّ «الآداب» تتقدّم على منجزات سهيل إدريس كلها، إن لم تكن قد غطَّت على حضوره كاتباً وروائياً. فهي في نظر كثيرين الأثر الذي سيخلِّد اسمه أكثر من أي عمل آخر. ولكن سطوة «الآداب» ونفوذها الرمزي والتاريخي الواسع، لا ينبغي أن يطمسا السيرة الأدبية والثقافية الذاتية لصاحبها.
فلنتذكر سهيل إدريس الشاب الذي تخرّج في الكلية الشرعية، ثم اضطرته ميوله المدنيّة وطموحاته التأليفية المبكرة إلى التخلي عن جبّة رجل الدين. لنتذكر ترجماته لسارتر وكامو، وتبني «دار الآداب» لنشر الكثير من المؤلفات الوجودية. لنتذكر جرأته حين أصدر الجزء الأول من سيرته الذاتية، وكشف فيها شذوذ والده. لنتذكر أنّه أحد رواد الرواية الحديثة في لبنان والعالم العربي، وأن روايته الأشهر «الحيّ اللاتيني» أسهمت مع روايات «أديب» لطه حسين و«عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقي و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح.. وغيرها، في سرد العلاقة الشائكة والملتبسة بين الشرق والغرب والفجوة الحضارية بينهما. وهو الموضوع الذي احتل حيزاً مهماً في المشهد الروائي والنقدي العربي.
دافع سهيل إدريس، بشراسة وحس مبدئي، عن أفكاره وآرائه. فعل ذلك في شبابه وواصل ذلك في كهولته وشيخوخته. في حوار أجريناه معه قبل سنوات في مجلّة «زوايا» (العدد ١٠/١١)، أصرّ على رفض «قصيدة النثر» التي لم ينشرها في «الآداب» طوال فترة تولّيه رئاسة التحرير، رغم اعترافه برواجها الواسع وإقبال الأجيال الشابة على كتابتها. وأصرّ على صوابية قراره برفض رواية محمد شكري الشهيرة «الخبز الحافي». رغم نجاحها النقدي والتجاري وترجماتها المتعددة، ظل على قناعته بأنها رواية غير متكاملة، وأن نبرتها الجريئة والفضائحية، لا يسعها أن تشفع للترهّل الروائي الذي فيها.
كان سهيل إدريس ابناً باراً لزمنه. صانعاً له وشاهداً عليه. ظل قومياً عروبياً حتى حين سقطت الأحلام الكبرى وانهزمت الإيديولوجيات. وها هو يرحل مورِّثاً أبنه وبنتيه التركة نفسها.

الثلاثاء، فبراير 19، 2008

كواكبُ الغد


سامي العامري


حديثٌ مع ربَّة الشفاء

شجرةُ نارنج ٍ
تتسلَّقُ جذعَها أوراقُ الخريف حنيناً أخضر
ويداً بيدٍ تتحلّقُ حولها العصافير!
وخيولٌ بِشَعرٍ رقراقٍ
وانا أکتبُ أغنيةً
او أحتطبُ أفياءاً , أنثرُها
وفوقي يمامٌ دائرُ الأجنحةِ ,
عيونُهُ على المراسي , وماذا ؟
إنهُ يسكبُ ظمأَهُ عليها أكواباً مترعةً
للقاءٍ لا يؤجَّل
والآن أسأل:
کيف يتسنّی لكَ التسلُّلُ
الی دمي بعدُ أيها الشتاء
وقد أصبح لي من العمر
ثلاثة ٌوأربعون مِرجَل !؟

***

كان هذا بعضَ ما أحبَّ قلمي أن يسجعَهُ قبل سنواتٍ , إنه حلمٌ او كأني وشَمْتُ به مَسامَّ حلمٍ
ولكني اليوم لا أملك أيتها الربة الرؤوفة إلاَّ أنْ أحاول الكَرَّة بأنْ أمدَّ علامة الإستفهام خطّاً مستقيماً : هل يحمل الإنسان في داخله بذرة خلودٍ فأثقُ بها ام إنها محض مُحفِّزاتٍ , محض تلويناتٍ كزهريةٍ على مائدةِ طعام ؟
أجابتْ الربة معاتبةً : نفس الناعورة !؟ نفس الضفة بينما النهر يجري ! نفس السؤال .
قلتُ لها : نعم !
سألتْ وهي توميءُ من نافذة المستشفى الى غيوم زرقاء وأخرى غير زرقاء :
أفهمُ ما تعني ولكن ألَمْ يخبركَ سَفَرُ الغيوم بعدُ ؟
: كلا , إشارات في إشارات .
: هذه ليست إشاراتٍ , حاولْ أن تتفحَّصها بعنايةٍ او دعها للغد .
: ليس بمقدوي بعد أن حاولتُ فانا إذا نالتْ مني هذه الفكرةُ اليومَ فكثيراً ما كنتُ هكذا , واذا مرَّتْ أغلبُ الفصولِ دون أن أحتفي بها فذلك لأنَّ مفكِّرتي تحمل تواريخ الكواكب البعيدة .
فقالت الربَّة متهللةً : قد ترى للغد كواكبَ هو الآخر , كواكب مؤتلقة يصنعها أطفالٌ كبارٌ هُم فنانون حميميون لتدور ضاحكةً سكرى وطبعُ السكران أنْ يمنح كلَّ ما يملك ,
هل تتذكَّرُ فراغَ جيوبكَ في الصباحات حين تصحو ؟!
وكم كنتَ تناديني فأجيب ؟
قلتُ : نعم , ولكني أتمنّى النسيان من الأعماق , أتمنّى لساعتي ألاّ تتذكَّرَ بندولاً عتيقاً !
فَرَدَّتْ الربَّة : ليس كلُّ ماضٍ ( عتيقاً ) ففي الماضي ما هو جديرٌ بالمعانقة دوماً وهناك ما يستوجب النبذ .
قلتُ : إنك تذكِّرينني بماضٍ كنتُ أحنُّ فيه الى ماضٍ آخر !

اليَّ بما مضى او فاتْ
انا المعدودُ للملهاةْ !
رَبابُ الحائرين أنا
وما بَرِحَتْ مَداراتي سِجالاً
يا سؤالاً كالمَباخرِ إِذْ تَدورْ
أَجِبْني بادئاً
مَن يدهسُ الأعشابَ من بَعدي
بِخُطْواتِ النهورْ !؟

***
ولكن ما تقولينهُ صحيحٌ تماماً هناك ما يستوجب النبذ والنسيان
ومنه أنني أرسلتُ هذه الكلمات وهي جزء من قصيدة الى عدد من المجلات في المغترب إلاّ أنَّ شخص الشاعر- الكاتب كان أهمَّ من نَصِّهِ وأوَّل بندٍ هو الصداقة زائداً ( مُستحسَناتٍ ) أخرى كالإنتماء الى نفس المدينة وأحياناً الى نفس الجيل وياحبذا لو كنتَ من نفس البُرج او فصيلة الدم ! الخ ...
سألتْ الربة : أوَتشغلُك هذه التُرَّهات ؟
قلتُ : كلا ولكني ذكرتُ لك ذلك لأنَّ قصيدتي هذه هي آخر عهدي بتلك الصحافة الشقية .
كنتُ أردِّد بيتاً يطلُّ كرؤيا او كأرجٍ غريبٍ من واحة الأمس حيث يصدق المنجمون وإنْ كذبوا :
يا رُبَّ مكنونِ علمٍ لو أبوحُ بهِ
لقيلَ لي انتَ مِمَّن يعبدُ الوَثَنا .
بل كثيراً ما دوَّنتُهُ في دفاتري غير أنني اكتشفتُ أنْ ليس لديَّ مكنونُ علمٍ وإنما هي انفعالاتٌ لا تلبث أن تقودني كالتائه ولكن الى متاهٍ آخر هو القصيدة , الى ساعاتِ تأمُّلٍ مُستثناةٍ من تيار الزمن او هي الزمن الآخر المتدفِّق دوماً والذي لا يمكن الإبحارُ مع أشرعتهِ إلاّ هذه الساعاتِ المعدودةَ في اليوم الواحد غير أنها لعظمتها تبدو وكأنها العمر .
أية خسارة !
علَّقتْ الربة : ليست في الأمر خسارة فهذه بالإمكان تجديدها دائماً إنما الخسارة الكبيرة بل
والحماقةُ أن تعتقد أنك كالساحر , إشارة ويأتيك كلُّ شيءٍ على طبقٍ كِسْرويٍّ !
هنا سألتُ عن مناسبة هذا الكلام فأجابت :
أقول لك شيئاً ,
يبدو أنك كالمتفلسف رغم كلِّ نفيكَ , والفيلسوف الإجتماعي هو ذلك المرء الذي يعطي المجتمع هذه الجهدَ من التفكير بينما لا أحد فيه مهتمٌّ به !
قلتُ : كان قلقي ذهنياً ولكنْ ...
سألتُ الربة : ولكن ؟
أجبتُ : ولكن أخشى أن أقول كنتُ ومازلتُ فريسة هذا الذهن !
قالت : بل انت فريستُهُ التي ما زالت تئنُّ , إنك تجعله كالرمال المتحرِّكة وأكثر من هذا فإنك تجعلهُ على نقيض ما تفكر به , تجعلهُ كالمجتمع لا يتغيِّر مضموناً والمجتمع حالةٌ خالدة او هو أشبهُ بالمحنة فإنْ كنتَ فيها فلا يعني أنك معها .
قلتُ : سأفكِّرُ بذلك , سأفكِّرُ بذلك , وأعتقد أنَّ كلَّ هذا راجعٌ الى إنهاكٍ جسدي .
حينذاك تدخَّل رجلٌ وهو من قُدامى المرضى المقيمين هنا فسألني باهتمامٍ : هل تُحدِّثُ أحداً ؟
أجبتُ : كلا وإنما كنتُ أردِّدُ شيئاً كالقصيدة .
قال : آهٍ , انا أيضاً من مُحبيْ الأدب وعندي قصةٌ بدأتها ولم أكملها , إنها تتحدَّث عن إنسانٍ تمنَّى كثيراً لو أنه وحيدٌ على سطح هذه الأرض ولو لمدة يومٍ واحد , ساعةٍ واحدة ليرى هل يخفُّ وزنُ الأرض فعلاً حين يكون الوحيدَ على سطحها ؟ واذا خفَّ وزنُها فهل ستجذبُها الشمسُ اليها فتبتلعُها ؟
ولكنه استدرك قائلاً : لا , فهذه الكائناتُ التي تُسَمِّي نفسها بَشَراً هي منذ البدايةِ لا وزنَ لها فعلامَ التمنّي ؟!!!
سألتْ الرَّبة : مع مَن تتحدَّث ؟
أجبتُ وقد استعدتُ انتباهي : لا أحد , لا أحد , مجرد فكرة طرأتْ او قصة او هلوسة .
قالتْ وكأنها تُحَذِّرُ : كلُّ كائنٍ إجتماعيٍّ غافلٌ ولأنه كذلك فهو ضحية او سَمِّهِ شهيداً ولا تخَفْ !
أمّا اذا كنتَ تنحاز الى الفرد فلا ينفع أنْ تقنط .
قلتُ : نعم الفرد , الفرد الذي اذا غادَرَنا غادَرَنا ونحن نرى الأشياء ناطقةً بلغةٍ أخرى :

الغايةُ أنْ تصمتَ
فالقلبُ هنا يزداد نقاءْ !
أنْ تتوقَّفَ انتَ للحظاتٍ
وتُشيحَ بأوجهها عنك الأشياءْ
فهناك تُحدّثُ عنكَ الوديانْ
فاذا ما كنتَ الغافلَ عنهُ
فاجأَكَ بطرفٍ ولسانْ
ما هذا شأنُ العاجز
لكنَّ المعنى حتى في حضن الديمومة
مسدولٌ ككيانْ !
***
قالتْ الربة : مسدولٌ ولكنَّ جوهرَه يأتيك دائماً حينما لا تتعمَّدُهُ !



------------------------
(*) نصٌّ من كتاب يجمع بين القصِّ والنثر الأدبي والشعر يحمل عنوان : حديث مع ربة الشفاء .

----
كولونيا
alamiri84@yahoo.de