الأحد، أبريل 02، 2006

جدار في مسجد!



د. إلهام مانع

دعوني أقص عليكم حكاية حقيقة، ستصبح وقائعها يوماً مادة لرواية جديدة.
حكاية حدثت في بلد أوروبي صغير، وبالتحديد في عاصمته القديمة.
بطل الحكاية مسجد.
أي والله مسجد!
مسجد بنته الجالية المسلمة في نهاية السبعينات، مسلمون من أقطار متنوعة: باكستانيون، وإفريقيون، أتراك، وقلة من العرب.
كان المسجد حينها يعكس مشهداً ملوناً، جميلاً، نظيفاً، ومتعدد الثقافات.
يجتمع فيه الرجال والنساء معاً أيام الجمعة، ليصلوا،
وفي الأعياد يحتفلون.
رجالاً ونساء.
كل يرتدي لباسه التقليدي. وكل يفد على المسجد بأطباقه الشعبية.
والنساء لا يرتدين الحجاب إلا وقت الصلاة.
وحين الصلاة، كان الرجال والنساء يصلون معاً، في نفس المكان!
صحيح أن الرجال كان يصلون في الصفوف الأمامية والنساء في الصفوف الخلفية (وددت لو صلوا معاً متجانبين، لكن هذه رؤية حيُزها المستقبل إن شاء الله) لكنهم على الأقل كانوا يصلون معاً.
تخيلوا!
في نفس المكان.

ثم بدأت بعض الأصوات ترتفع.
أصوات عربية.
أصوات يدعمها الممولون من بادية نجد الوهابية.
ارتفعت في البداية خافتة،
خجلة،
مترددة،
ثم تعالت مُلّحة مصرة.

تقول إنه لا يصح أن يصلي الرجال والنساء معاً... دون حاجز.
تقول إن وجودهما معاً في نفس المكان دون فاصل لا يجوز.
ثم تدفع بأن وجودهما معاً للصلاة حرام.
يا قحط الفكر والخيال.

ولأن المسجد تم بناؤه بتمويل سعودي، كان من الصعب مع الوقت تجاهل إلحاح تلك الأصوات كثيراً، فتوصل أعضاء مجلس الإدارة إلى حل وسط: وضعواً حاجزاً متحركاً من الزجاج بين الرجال والنساء وقت الصلاة.
كان رأي هؤلاء أنه من المهم للنساء أن يرين الأمام لا أن يسمعنه فقط.


فاطمأنت الأصوات العربية إلى حين.
ثم عادت بعد صمت قصير.
عادت ترتفع من جديد.
تقول إنه لا يجوز للرجال والنساء أن يصلوا معاً وبينهما حاجز زجاجي.
تقول إن الحاجز الزجاجي لا يكفي للفصل بينهما.
وتقول إن وجودهما في المسجد معاً حرام.
عادت هذه المرة أقوى من قبل.
وتلح أكثر من قبل.
أصبحت أكثر شدة... وبأساً.


فبدأ بعض أعضاء مجلس الإدارة يتململون،
يتضايقون،
يشعرون إن تلك الأصوات أصبحت نافرة غريبة،
وأنها تلكزهم كي يبتعدون،
فبدأوا يستقيلون،
يتركون مواقعهم، يا للحسرة، كي يحل بعض من تلك الأصوات العربية محلهم.
بدأ الاعتدال ينحسر.

حينها قرر المجلس بناء حاجز غير متحرك، شفاف صحيح، لكنه غير متحرك، يرتفع من أعلى السقف إلى أسفله.
بين الرجال والنساء.
ثم بعد فترة، وضعوا على الحاجز الشفاف ستارة كانت في البداية خفيفة،
ثم مع الوقت أصبحت كثيفة،
كثيفة،
كثيفة.
تحجبُ النساء عن الرجال خلال الصلاة، تمنعهن من رؤية الأمام، وتجعلهن يكتفين بسماعه فقط.
ومع بناء الحاجز، بدأت المساحة المحددة لصلاة النساء تتراجع،
ثم تتقلص،
ثم تنكمش.
يا للمصيبة.


بعد عشرين سنة، تغير المشهد كلياً.
حل محل الحاجز جدار،
أي والله جدار،
جدار بناه مجلس الإدارة، الذي أصبح اليوم جل أعضاؤه من تلك الأصوات الملتحية الغريبة.

جدار تم بناؤه بالحجارة والأسمنت،
جدار سميك،
جدار غليظ،
جدار كئيب.
حدد المسافة لصلاة النساء في غرفة صغيرة قصية،
تنفر بهن عن الرجال،
تنفر بهن عن الإمام،
وتنفر بهن عن الصلاة.

تغيرت الأشكال والطبائع.
وتغيرت النفوس.
لم يعد المرء يرى لباساً تقليدياً ملونا.
كلها أصبحت مظلمة سوداء كئيبة.

لم يعد يرى المرء نساءاً ورجالاً يقفون معاً يضحكون هم وأطفالهم.
أصبحت الوجوه متجهمة،
عابسة،
كظيمة.

وبقي الجدار بينهما.
الرجال يحتلون صحن المسجد، ونفر قليل قليل من النساء يقف بعيداً وحيداً في الغرفة الصغيرة القصية.
يصلين خجلات.
فالهمس أصبح صراخاً، يقول لهن إن صلاة المرأة في بيتها أدفع للشرور، وإنها تحسن الفعل لو لزمت بيتها بعيداً عن الزحام، بعيداً عن الرجال... بعيداً في الواقع عن الحياة.

تلك قصة حقيقية.
حدثت وقائعها في عاصمة أوروبية قديمة.
دونتها من أحاديث شهود عيان.
دونتها لأنها سجلت التغيير الذي حدث في نفوسنا.
في مجتمعاتنا.
وفي عقلياتنا.

جدار من الحجر والإسمنت أرتفع كي يفصل بين الرجال والنساء في المسجد، وتعالى في الوقت ذاته في مجتمعاتنا العربية كي يدعو إلى حجب النساء عن الواقع.
كي يقصيهن عن الحياة.
يهمشهن،
و يحول كل منهن: من امرأة كاملة تصلي مع الرجل أمام الله وهما متساويان أمامه في الحقوق والمسؤوليات، إلى شيء يجب عزله،
شيء يجب إخفاؤه،
شيء تجب عدم رؤيته.

تجسد في الواقع جداراً هو الأخر.
جدار بين الرجال والنساء.
يقول من بناه إن وجودهما معاً حرام.
ويقول إن ثالثهما الشيطان.
يقول ذلك حتى وهم يركعون أمام الرحمن.

أسألكم بالله وعزته، ألم يحن الوقت كي نكسر ذلك الجدار؟

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

لقد بنوا الجدار في قلوب المؤمنين الطيبين وليس في المسجد.. إنه جدار الفصل بين الطيبة والمؤمن، بين الحضارة والمسلم، بين الفرح والعائلة.
مقال رائع تشكر عليه
محمود ـ الإمارات