الثلاثاء، مايو 30، 2006

زمن رديء آخر


أمل زاهد

تأتي مجموعة الكاتب حمد العيسى القصصية الأولى ( أسبوع رديء آخر ) جريئة ، صاخبة ، ساخنة ، ومتدفقة ، يختلط فيها الهم العربي مع الهم السعودي مع الهم الإنساني في توليفة جميلة مفعمة بسخرية لاذعة تقطر مرارة وأسى ، تحفر وتنقب حتى تصل بالقاريء إلى أعماق ذلك الوجع الكامن وحيث مخابئه الدفينة . توحي ايقاعات الجمل السريعة ، الحادة ، والساخرة للقاريء أن الكاتب يريد أن يصوب طلقات نارية إلى عمق مشكلات أرقت الإنسان العربي عامة والسعودي خاصة بل تصل بعض القصص إلى تخوم المعاناة الإنسانية بمفهومها الشامل الذي يضعنا وجها لوجه أمام حقيقة أن الإنسان هو الإنسان في أي مكان تواجد ومن تحت أي عباءة ثقافية خرج.
كما يوجه الكاتب من خلال قصصه رشقات نبال إلى خاصرة النفاق والفساد والوصولية والازدواجية والأقنعة والزيف والرياء والتدين الشكلاني الكاذب ، فينفجر ما في ذلك الجسد من أمراض وعاهات مفرزا قيحه ومبرزا سرطانه . ويتجه الكاتب أيضا إلى حيث المسكوت عنه فيعمد إلى ستائره فيكشفها وإلى معالمه فيظهرها في جرأة متميزة تسمي الأسماء بأسمائها الحقيقية دون محاولة للمواربة أو الترميز أو الايحاء . وربما كانت هذه الجرأة التي أراد الكاتب بها فضح المسكوت عنه هي دافعه لانتهاج الأسلوب السردي التقريري في كثير من قصص المجموعة ، والذي يؤخذ عليها من ناحية التكنيك .
وهو يتطرق من خلال قصصه أيضا إلى الكثير من القضايا الاشكالية والظواهر الاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمع السعودي ، كنظرة الشاب السعودي للفتاة السعودية والتي يشوبها الغموض وسوء الفهم ،وهرب الشباب إلى أماكن يتم له فيها اشباع متعه الجسدية ، وظاهرة الإيمان بالسحرة والدجالين والتكسب من الرقيات الشرعية على حساب المريض والذي يعاني عادة من مرض نفسي أو عصابي ، ولبس مسوح الدين لاخفاء الفساد ، وأسلمة بعض الاستثمارات حتى ينجذب الانسان البسيط لها ثم يتم عبرها استنزاف جيوبه حتى آخر ريال فيها ، وانتخابات المجالس البلدية الجديدة على المجتمع السعودي والمخيمات التي لا ينتمي ما يدور فيها بصلة إلى المجلس البلدي !!واشكاليات اخرى مفصلية متعددة لا يمكن حصرها في مقال واحد فقط .
والقصص التي يصل مجموعها إلى الستة عشر والمتفاوتة طولا وقصرا تحكي معاناة جيل ، جيل تجرع الهزائم وازدرد الخيبات واتخم بالمصائب ، وشاهد أمام عينيه انهيارالاحلام وتهشيم الأماني العربية ، وراح يفتش عن الهوية الضائعة بين أنقاض الخرائب المتوالية . وفي محاولاته الدؤوبة تلك للبحث عن ذاته والنتقيب عن كيانه الضائع ، تاه منه الطريق وتسربت من بين يديه ذاته وفقد القدرة على الرؤية الثاقبة، وإذا به يلجأ إلى كل ما يلمح فيه بارقة أمل تعيده إلى مجده التليد وعزه السامق . ففي قصة عزيزي ماهر والتي تأتي بشكل رسالة يبعثها البطل إلى زميل دراسته في كلية البترول والمعادن ويستعيد خلالها ذكرياته في ذلك المعقل التعليمي يقول البطل : ( هل تذكر كيف تلقفنا الطلبة الملتزمون في ( الأورينتشن ) وهل تذكر كيف كان الصراع شديدا بين جماعات الاخوان والسلف والتبليغ على جذب الطلبة الجدد ؟ تخرجنا من ثانوية الدمام الشاملة مسلمين عاديين .. نصلي ونصوم ونحب الحياة والبلوت والموسيقى وكرة القدم كنت أعشق طلال مداح ، وأنت تموت في فيروز .. ثم فجأة أصبحنا سلفيين ملتزمين أو وهابيين .. لا فرق الآن يا عزيزي .. أعفينا اللحى ، وقصرنا الثياب إلى ما فوق الكعبين ، وبدأنا نؤدي الصلوات الخمس في المسجد ونصوم الاثنين والخميس ، وننكر الكثير من الأمور على أهالينا في منازلنا ، ونجتمع مع الشباب كل ثلثاء للدرس ، وأتلفنا أشرطة الأغاني ، ومنعنا أنفسنا من مشاهدة التلفزيون ، وصار لعب البلوت من خوارم المرؤة ) ثم يواصل الكاتب الذكريات التي تستعرض حقائق وتناقضات عايشها على ما يبدو الكاتب نفسه والمتخرج من كلية البترول والمعادن.
يبدو الكتاب محاولة للمكاشفة ورغبة حقيقية في التصادم مع الماضي والوقوف وجها لوجه أمامه ، وتهشيم تابوهات عانى منها جيل اكتوى بنيران الأصولية وتلظى بحر الأحادية ، ونفى ذاته داخل جدران اتضح له بعد معاناة أنها لم توفر له الأمان بقدر ما استلبت منه نفسه وأفقدته القدرة على النظرة الواقعية لما يدور حوله في العالم . ويتضح أيضا من خلال القصص الصراع القائم في نفس الكاتب وفي نفس كل مثقف بين اعجابه بمنجزات وتقنيات الحضارة الغربية و التي نرفل فيها ونستمتع بما توفره لنا ،وبين رفضه لسياسات القوى العظمى الخارجية وخاصة أمريكا والتي تنحو للهيمنة والسيطرة على عالمنا العربي !!
كما يتضح أيضا ذلك الصراع بين الحداثة والتقليد من خلال بعض القصص كقصة ( شكل ومضمون ) ، وكأني بالكاتب يقوم بمقابلة بين شخصية ( حسن ) الحلاق المصري البسيط المتخم بنظرية المؤامرة والمجيش المشاعر ضد كل ما هو أمريكي وغربي مع التركيز على المشاعر الانسانية والحميمية الخاصة التي تربطه ببطل القصة ، وبين شخصية ( انجي ) الحلاقة الأمريكية الجميلة والمتبعة لأحدث التقنيات في عملها ، بينما لا تجمعها مع البطل الا برودة وجفاف العلاقة المادية والرغبة في انجاز عملها على أكمل وجه يرضي الزبون فيعود لها مرة أخرى . وهناك أيضا مقابلة مضمرة بين دكان حلاقة حسن البسيط والبدائي وبين الصالون الذي تعمل فيه انجي والمزود بأحدث التقنيات وأفخم المعدات ، وكأني بالبطل يصل في النهاية إلى حل للمعادلة الصعبة بين التقليد والحداثة فيقول:
ياليت التي تحلق لي انجي والذي يحدثني أبو علي !
لم يعتمد الكاتب على الرمز أو التكثيف إلا في بعض القصص التي جاءت فيها لمحات متقدة من الخيال ومن الأفكار المبتكرة مثل قصة ( الجلد السميك دوت كوم ) . والتي تبدأ برسالة الكترونية موجهة للكاتب من رئيسة الجمعية العربية للجلد السميك توضح فيها السمات الواجب توافرها في أعضاء الجمعية . وسرعان ما يكتشف القاريء أن هذه السمات والملامح أضحت هي المهيمنة على كثير من الشخوص الذين يتعامل معهم في حياته اليومية ، ففي عالم لم يعد يعترف إلا بالبرجماتية والنفعية الخالصة والرغبات الجامحة في العب من المظهرية والوجاهة ، والرغبة الآسرة في الاستحواذ على السلطة لابد أن يتوارى الضمير وتحتجب الأخلاق وتنتهك القيم ويتم تقويض بنيان المثل والمباديء ، ليعتلي أصحاب الجلد السميك أعناق أصحاب الجلد الناعم فلم يعد هناك مكان لهم في عالم أضحى البقاء فيه للأقوى والاستمرار فيه فقط لمن يعرف من أين تؤكل الكتف . يأتي في المادة الحادية عشر مايأتي : (لا مجال لأي من الهرطقات المثالية ، التي مصدرها الزائدة الروحية الخبيثة المعروفة بالضمير، مثل : التواضع ، الصراحة ، الرحمة ، المروءة ، العدل ، الإخلاص ، حسن الظن ، الوفاء ، التضحية ، الصدق ، عدم الحسد، الفضيلة ، الأمانة ، الشهامة ، الكرم ، والحب بكل أنواعه) . وهنا لا بد أن يتساءل القاريء هل هناك مكان لأصحاب الجلود الناعمة في زمن احتجب فيه الحب !! في زمن رديء آخر !!
تأتي القصة الأخيرة في المجموعة والتي أخذ الكتاب عنوانها ( أسبوع رديء آخر ) لتدخل في ردهات وأروقة شركة أرامكو والتي يبدو أيضا أنها محاولة للمكاشفة وتسليط الضوء- فالكاتب أحد المنضوين تحت مظلة هذه الشركة كما هو واضح من النبذة الموجودة عنه في آخر الكتاب- على ما حدث ويحدث، ما كانت الشركة وما صارت إليه ، وكيف سادت الشعاراتية والمبادرات التطويرية بصورة فوضوية . تأتي المكاشفة صارخة وعنيفة وصريحة ، توضح معاناة الإنسان في عالم صار فيه مجرد ترس في آلة ضخمة تنصهر فيها ذاتيته وفرديتته ليدخل في عبودية من نوع جديد ، عبودية تنصهر فيها روحه وتتدمر قدرته على الانجاز ويضطر لتقديم التنازلات وإلى الرضا بمقاييس جديدة نظرا لطوباوية المقاييس وعدم قدرته على الالتزام بها . وينهي الكاتب قصته بمرارة لاذعة قائلا : خرجت لأمارس رياضة المشي حول مسجد العيد كعادتي بعد أن نزعت الساعة من
معصمي حتى لا أعلم كم بقي من الوقت على بداية أسبوع رديء آخر !!
Amal_zahid@hotmail.com

أنتَ ندٌ لي


د. إلهام مانع


لو قلت لك إنكَ، وأنت الذكر الأوحد في مجتمعاتنا المحافظة، لا تخيفني كثيراً أو قليلاً، فهل ستنزعج؟
لو قلت لك إنكَ، وأنت الرجل، لا تثير في أي إعجاب أو تقدير إلا بمقدار ما تستحقه من إعجاب وتقدير، فهل ستغضب؟
ولو قلت لك، إني لا أرى فيك، كنتَ ما كنت، إلا نداً لي، ورديفاً لي، مساوياً لي، أنا، فأنا المقياس هنا والنموذج لا أنت، فهل ستثور في وجهي؟

حديثي لا زال معك أنت عزيزي القاريء،
نعم،
أنت المبتسم،
الرجل في مجتمعاتنا العربية عامة،
المسلم تحديداً،
وإبن شبه الجزيرة العربية خصيصاً.
إبن شبه الجزيرة العربية لا غيره.

أحدثك من جديد، لأن حديثي معك طويل طويل، تاريخه قديم كالأزل، وهو لا ينقطع.
فالوجع، مادام لازال داميا،ً لا ينقطع.
وأنت وجعي.
ألمي.
جرحي الذي يأبى أن يندمل.
أنتَ.
لا أحد غيرك.

أصارحك اليوم بوجهك كما أراه.
بشع هو يا عزيزي.
كدملٍ منتفخ.
فأنا مرآتك اليوم.
أنطق بما تقوله له،
وأحكي بما تفعل بي.

وأسألك لذلك أن تنظر إلي ملياً،
أن تتمعن في بقوة،
ثم قل لي ماذا ترى؟

هل تراني كياناً مساوياً لك؟
إنساناً تحترمه؟
نداً لك؟
فعلاً؟
إمرأةٌ تفخر بها؟

أسألك وأنا أذُكرك،
أذكرك بأختك التي تقدم لك كوب الماء كي لا تتحرك من مكانك.
أذكرك، بصوت أبيك وهو يصرخ في وجه أمك لأن الملح زاد قليلاً في وجبته المفضله،
بمشهده وهو ينشها عنه كذبابة عندما يغضب،
وبصورتها وهي تتراجع عنه مذعورة، مكسورة، مدحورة.
خائفة، يا للمسكينة.
أذكرك، بالنقاب تسدله على رأس أخواتك وإناثك، كفن أسود تريد أن تمحي به وجودهن.
غطي جسدك، شعرك، ثم وجهك.
ثم وجهك.
ثم وجهك.
كي تكوني بلا ملامح.
إمرأة بلا ملامح.
كي لا تكوني.
إمرأة بلا وجود.
كي لا تتنفسي.
إمرأة لا تتنفس الهواء نقياً.
كي تتحولي إلى شبح لا يترك أثراً.
إمرأة بلا أثر.

أذٌكرك بجسدها.
أختك، إمرأتك، والغريبة.
أجسادهن.
عورة؟
بضاعة متعة؟
أم كيان تحترمه؟

أُذكرك بالأسطوانة التي تسمعها كل يوم مكررة، كل يوم في صورة دينية، مجتمعية، أو قانونية.
"هي ناقصة عقل ودين".
"بل خلقت من ضلع أعوج".
"العواطف تغلب عليهن".
"وشهادتهن لا تصلح"."بل هن أصل البلاء والويل".
"أين الوصي عليها؟"
"ضربهن جائز".
"تزوج عليها تكسر عينها".

أذكرك بكل ذلك وأسألك من جديد،
هل ترأني نداً لك؟
كياناً مساوياً لك؟
فعلاً؟

وأعرف جواب بعضك.
لا كلك.
فليس الكل كالبعض.
وهو مخجلٌ، خاصة وأننا نعيش في القرن الواحد والعشرين، لسنا في العصور الحجرية.
هل اندهشت؟
لكني على ذلك أكفيك رد السؤال وأقول لك،
لا تقلق.
فأنا أراك ندٌ لي.
نعم، فعلاً.
أنت ندٌ لي.
وفي كل الأحوال أعتبرك مساوياً لي.
نعم، مساوياً لي أنا.

صحيح أن عينيك لا زالتا تصرخان في بالقول إنك حقاً تعتبرني عورة، لكن هذا أمر متوقع، ولذا فإن جوابي يظل بسيطاً "هذا شأنك".
نعم.
شأنك الخاص.
والواقع، أن هذه مشكلتك أنت.
تعاني منها كمرض نفسي لا شفاء له.
فالعورة في عقلك أنت لا غير.
العورة ليست في جسدي.
ليست في كياني.
جسدي أفخر به.
وكياني كامل.
ولذا لن أُدخل نفسي إختياراً في شرنقة سوداء إرضاءاً لوساوسك الجنسية.
أن تكون مهووساً بالجنس تحديداً، لا يعني أن أصاب أنا أيضاً بالهوس الجنسي خصيصاً.
بل سأمزقها.
بيدي هاتين.
وأقطعها إرباً.
بأظافري هذه.
ثم أرميها في وجهك.
وإبتسامتي تسبقها.

العورة في عقلك وتفكيرك،
فحبذا لو غيرت تفكيرك إذن.
حان وقت إزالة عورتك من عقلك.
بمشرط حاد.
الآن لو تكرمت.

وصحيح أن لسانك يزعق في بلا صوت قائلاً إنك لا تراني إلا كياناً يحتاج إلى حمايتك، بيد أني مضطرة أن أخيب أملك وأنا أؤكد لك "لست في حاجة إلى حمايتك".
"فعلاً".
"لست في حاجة إلى وصايتك".
"في الحقيقة، لست في حاجة إليك إلا بمقدار ما تحتاجني".

ولأني أرى الأمر كذلك أقول لك بهدوء غير منفعل، بلا عواطف منزلقة، أو أحاسيس مخنوقة، إني لا أعترف بقوامتك علي.
لست قوام علي.
ليقل المجتمع ما يشاء، أنا من تقرر هنا، ولن أهبك طواعية تلك السلطة.

فأنا يا عزيزي امرأة حرة.
حرة.
لا تخيفُها كثيراً أو قليلاً،
لا تثيرُ فيها أي إعجاب أو تقدير إلا بمقدار ما تستحق،
ولا ترى فيك، كنتَ ما كنت، إلا نداً لها، رديفاً لها، ومساوياً لها.

فهل ستغضب؟
elham.thomas@hispeed.ch

الاثنين، مايو 29، 2006

الواقعية والوقوع



د. نصر عارف

مع انتشار وسائل الإعلام المرئية والمقروءة وتنوعها ومع اتساع مساحة البث التلفزيوني والكتابة الصحفية بصورة أصبح معها ملء الفراغ بالكمِّ أهمّ كثيرا من النوعية والمستوى، في ظل هذه الوضعية الضاغطة ظهر حشد من الخبراء والباحثين والاستراتيجيين الذين تتغير صفاتهم وتخصصاتهم طبقا للموضوع الذي يعلقون عليه، فإذا كان الموضوع في العنف أصبح المذكور خبيرا في قضايا الإرهاب وإذا كان الموضوع يتعلق بالموقف الأمريكي في العراق أصبح هذا "النفر" أو "الزول" أو "الزلمة" أو "المعود" خبيرا في الاستراتيجية الأمريكية بل قد لا يتورع أن يطلق على نفسه متخصصا في النظام السياسي الأمريكي.
هذا الحشد من الخبراء لا تعرف عنهم شيئا سوى مخرجاتهم التي يخرجونها علينا ليل نهار فلا تعرف أين تعلموا؟ أو من أين تخرجوا؟ أو في أي الموضوعات - إذا كان لديهم تخصص- قد تخصصوا ؟ وعلى الرغم من ذلك صار هؤلاء هم صنّاع الرأي وحرّاس بواباته والمتحكمون في تشكيله وتوجيهيه.
وأصبحت مقولاتهم وآراؤهم هي التي تحرّك النقاش وتتحكّم في وجهة الحوار ونتائجه، وللمرء أن يتخيل مآل حالنا إذا قاد أمتنا أنصاف العلماء أو أشباههم. فنصف العالم نصف جاهل كما كان يردد على مسامعنا منذ ربع قرن أستاذنا الدكتور رفعت المحجوب أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة القاهرة.
ويشارك هؤلاء الخبراء مجموعة من هواة العمل السياسي الذين دخلوا إلى السلطة من نوافذ الفساد أو المحسوبية أو الارتباط بمصالح دولية معينة. هؤلاء جميعا أصبحوا عباقرة "الواقعية" ومنظّريها ومراجع الفكر السياسي الواقعي ورواده، يصبون جام غضبهم واحتقارهم على أولئك الحالمين الرومانسيين الغارقين في الوهم المتمسكين بالثوابت والحريصين على المبادئ والمحافظين على هوية هذه الأمَّة وأمنها القومي ومصالحها العليا.
فدائما يزين هؤلاء الخبراء والسياسيون الهواة أقوالهم وتصريحاتهم بمفهوم "الواقعية" على أساس أنها الكلمة السحرية التي تعطي لآرائهم الشرعية والحجية وتدحض آراء معارضيهم وتنزع عنها المصداقية وتلقي بها خارج دائرة الحوار.
لذلك وجب أن نناقش هذا المفهوم ونميز بينه وبين نقائضه ومعاكساته، فإذا كان التعريف المتداول للسياسة أنها "فن الممكن" فالممكن لا يعني الموجود أو المتاح وإنما يعني نهاية حدود الإمكانيات والإمكانات، فهي "فن الممكن من أجل التمكين" كما يقول خالد الحسن السياسي الفلسطيني. لذلك تكون السياسة حركة تفاعلية مع الواقع تنطلق منه نحو تحقيق الأهداف باستخدام كل الوسائل المتاحة وتعظيمها واستنفاذ كل الإمكانات وتفعيلها. ومهما كانت الإمكانات ضعيفة فإن العنصر الإنساني يلقي عليها معنى ويحولها من شيء عديم القيمة إلى قيمة تفوق طاقة الأشياء، فالحجر والحصى في يد الطفل الفلسطيني له معنى غير تلك الحصى التي يلعب بها آخرون "السيجة"، والملابس عديمة القيمة ضعيفة المستوى على جسد غاندي لها معنى يفوق طيلسانات أعظم الملوك.
ومن ثم فالواقعية تعني الانطلاق من معطيات الواقع والابتكار في تفعيلها من خلال رؤية نافذة تخترق حجب الزمن وتغوص إلى ما وراء الواقع لتخلق واقعا أقدامه على أرض الواقع ورأسه فوق السحاب، ولولا هذه الرؤية البصيرة ما كانت معجزة دبي واقعا ملموسا يتجاوز كل محدوديات وقيود الواقع العربي والواقعيين العرب.
فالواقعية التي يتشدق بها أنصاف العلماء من الخبراء والاستراتيجيين وهواة السياسة ليست واقعية بل هي "وقوع"، أي هي حالة من وقوع الرأس تحت القدم بحيث أصبحت العيون لا ترى إلا حوافر ولا تلامس إلا التراب وتقبل بالأدنى لأنها في الأدنى، وتتنفس الهوان لأنها ملتصقة بالثرى والطين وتسعى إلى تبريره واعتباره الحد الأقصى للطموح.
فذلك الفكر الوقوعي وليس الواقعي يدعو أمّتنا إلى الرضا بالموقع الأسفل وتقبيل اليد التي تهيمن حتى يصبح التفاعل مع المحتل، المنتهك لسيادة الأمَّة وحرمتها وحريمها الناهب لثرواتها والمدمر لإمكاناتها، شرفا يتشدق به الوقوعيون ويفاخرون به بل يعتبرونه نضالا ومقاومة وجهادا.
ولو تخيلنا أن هذه الفصيلة البشرية الوقوعية كانت هي السائدة في التاريخ البشري لخلا هذا التاريخ من الثورات وحركات التحرير والابتكارات والاختراعات وكل الفعاليات التي كانت تمثل خروجا عن المألوف، ولتمَّ اعتبار المخترعين الكبار والفلاسفة العظام مجانين أو حالمين أو سفهاء، ولما تقدمت البشرية خطوة إلى الأمام ولما حصلت الشعوب على حقوقها ونالت حريتها وكرامتها.
ولو طالبنا الأفارقة في الولايات المتحدة بالوقوعية لما كان هناك مارتن لوثر كنج ومالكوم أكس ولما كانت هناك حركة لتحرير السود من نير العبودية ونيلهم لحقوقهم الإنسانية.
ولو كان زعماء حركات التحرير في العالم الثالث واقعيين بالمعنى الوقوعي لما كانت هناك ثورات تحرير ولما نالت هذه الشعوب استقلالها وتخلصت من الاستعمار.
لذلك لن يكون واقعيا مطالبة الفلسطينيين بقبول الواقع المتغير (المتجدد) الذي تفرضه يد الاحتلال الغاصب على أرضهم، ولصارت هناك واقعيات مختلفة؛ فالواقع الذي صنعته اتفاقية أوسلو وقبله الواقعيون حينذاك هو غير الواقع الذي صنعته اتفاقيات طابا وشرم الشيخ وخريطة الطريق وقبله الوقوعيون حينها، وذلك كله غير الواقع الذي صنعه الجدار ويطالب الفلسطينيون بقبوله.
فأي واقعية ينبغي أن يكون عليها الفلسطيني، أو بعبارة أخرى لا بد أن يكون وقوعيا حتى يقبل بالواقع كما يحدده عدوه.
والحال هكذا بالنسبة للعراقيين ولغيرهم من الشعوب المقهورة المضطهدة. لذلك وجب علينا أن نحرر الفهم والعقل من فلسفة الوقوعية ونتفاعل مع الواقع كمعطى مادي تستطيع يد الإنسان أن تحوله وتغير معانيه ودلالته
.

السبت، مايو 27، 2006

المغرب .. بهجة الحواس، يسكنها الزائر .. فتسكنه



حسن العاصي

لا تستطيع مغادرة المغرب دون أن تصاب بحمى عشقها , فعلى تلك الأرض الطيبة مر الرومان والبيزنطيون , ومنها انطلق ابن خلدون والإدريس وابن بطوطة وابن رشد وابن طفيل , وفيها أدار طارق بن زياد ظهره للبحر وقال عبارته الشهيرة واقتحم .
بعد غربة طوت سنواتها شهورها , كان المغرب أول بلد عربي يفتح أحضانه لاستقبالي ,
غربة قسرية طالت أكثر مما توقعت حالت بيني وبين ذاك المكان الفسيح بجغرافيته ويضيق بأحلامنا ويسمى وطنا , لا يفوتني هنا أن أسجل التقدير لطاقم السفارة المغربية في كوبنهاغن التي سهلت أمر زيارتي .
من مدينة ماربيلا الجميلة في أقصى الجنوب الإسباني توجهت عبر ميناء الخسيرة على ظهر باخرة صغيرة أقلتني إلى الضفة الأخرى , إلى بلاد المغرب , البلاد التي تعبق بحضارات الموحدين والمرابطين والأدارسة في مساحة تقع بين الأطلسي والمتوسط , بلاد تمتزج فيها الأصالة العربية بامتدادها الإفريقي بتطلعات أوروبية , لوحة سريالية تمتزج فيها الأبعاد الأندلسية والمغاربية والأمازيغية , عنوان انصهرت فيه جميع تلك الثقافات بخصوصية رسمها التاريخ ويلونها الحاضر بتفاعلاته الفريدة .
قدمت إلى المغرب وفي مخيلتي انطباعات شتى يختلط فيها السحر بأجواء ألعاب الحواة في مراكش بالشواطئ الطويلة , تميز الجغرافيا بالنهضة الحديثة التي يقودها الملك الشاب والتي تجعل من المغرب يتفرد بأول تجربة ديمقراطية في الوطن العربي تتسم بالشفافية والجرأة وقدرة على قراءة متطلبات الألفية الثالثة .
امتلك أيضا مخزونا معلوماتيا ذهنيا عن المغرب من خلال الكثير من التقارير التي تصلني والتي تصدرها منظمات وهيئات دولية مختلفة , ومن خلال ما كنت قد قرته عن المغرب , على سبيل المثال بعض من كتابات عبد الله العروي عن تاريخ المغرب , ومن محمد عابد الجابري حول الخصوصية المغربية , لكن ما إن وطأت قدماي تلك الأرض حتى تلاشت رويدا رويدا تلك الانطباعات ليحل مكانها إحساس بالانتماء , مزيج من المشاعر يولدها عبق المكان , يسحرك ذاك التصالح بين الناس وبيئتهم .
في المغرب فقراء وتباين اجتماعي , في المغرب مشكلة البطالة وإشكالية الهوية , لكني لم المس أبدا التطرف أيا كان نوعه في تلك البلاد , بل لمست توازنا وتصالحا لفتني , انه المشروع الثقافي المغربي الداعي إلى تأصيل الحداثة وتحديث الأصالة , انه بلد تعايش الثقافات , عناق الجغرافيا الذي يجعل من المغرب حالة متميزة في العالمين العربي والإفريقي .
إذن زيارتي كانت في وقت مفصلي حيث التغيير والمصالحة الوطنية وإعادة الصياغة لمفهوم المواطنة وتصويب العلاقة بين الدولة والمواطن وتوسيع الهامش الديمقراطي وبناء مؤسسات المجتمع المدني , وكذلك البدء بعملية النهوض التنموي هو عنوان المرحلة , حيث قطعت الحكومة المغربية خطوات على طريق الإصلاحات الاجتماعية , والتخفيف من حدة وتيرة البطالة والبدء في مشروع نوعي لإصلاح التعليم في البلاد , كما يجري العمل على تأسيس ديمقراطية جديدة تتناسب مع روح العصر وتقوم مقام الديمقراطية المغربية التقليدية التي كان قوامها نظام المشورة , والانتقال إلى ديمقراطية المؤسسات .
وإذا كانت إرهاصات هذه المرحلة قد بدأت في أواخر عهد الراحل الملك الحسن الثاني , إلا أن الملك الشاب محمد السادس امتلك الشجاعة السياسية والأخلاقية بطي صفحة الماضي واصدرا المرسوم الملكي الشهير القاضي بتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة الوطنية والتي أنهت أعمالها بعد ثلاث سنوات من البحث والاستماع وأصدرت تقريرها النهائي التي تم نشره علنيا , هذه الشجاعة بلغت حدا لا سابق له في تاريخ المغرب , بل انه باتت تشكل نموذجا يحتذى ومرجعية لكثير من دول المنطقة .
وتتجلى أهمية الدلالات السياسية لما يحدث الآن في المغرب, أن النظام السياسي المغربي اقدم على هذه الخطوات الجبارة دون إكراه , بل بدوافع محض إرادية متعلقة بالرغبة في مصالحة البلاد مع نفسها , أي إنها عملية تصويب من داخل النظام السياسي نفسه دون أية ضغوط من أية جهة كانت , بل هي مصالحة وطنية تقوم على المكاشفة والشفافية والإحساس بالمسؤولية , هي "بروست رويكا " على الطريقة المغربية , تجربة فريدة وجريئة ورائدة في العالم العربي يستحق المغاربة عليها كل تقدير واحترام .
المغرب هي أم المواسم والموالد والاحتفالات والمهرجانات , حيث تتسم المواسم المغربية بالطرافة والسحر والجمال والتنوع والأصالة , وكثيرا من العرب لا يعرف شيئا عن النموذج المغربي المتفرد في توازنه بين الصحراء والبحر , وتصالح الناس مع الجغرافيا , في خليط تتناغم فيه الأصوات والألوان والروائح , فللجغرافيا معانيها ومراميها , هكذا هو المغرب الذي يقف على شاطئ المحيط الأطلسي العارم وتخوم جبال الأطلس الخضراء الوعرة وساحل المتوسط من جهة أخرى .
قرأت وسمعت عن كتاب كثيرون وفنانون انبهروا بأرض المغرب لكني تفاجأت بوصول الشاعر والكاتب الدنمركي الشهير " هانس أندرسن " إلى ارض المغرب عام 1862 , وقد قضى أسبوعا كاملا في مدينة طنجة قادما من إسبانيا ,وهنا اقتطف فقرة مما كتبه هذا الشاعر الذي يوصف لحظات رحيله بحزن على متن باخرة حربية فرنسية باتجاه عودته إلى بلاده " بضعة ساعات سيكون علي أن أغادر هذا الموطن الذي وجدته , أنا الغريب فيه في هذا الجزء من العالم , كان علي أن أودع أناسا ظلوا طوال المدة القصيرة التي قضيتها بينهم حريصين كل الحرص على توفير أسباب الفرح لي " .
طنجة , أولى المدن التي عرجت إليها , مدينة ساحرة وميناء مهم , وموقع جيوسياسي بالغ الأهمية , وجسر تعبر منه تيارات وثقافات وأعراف متعددة , من هنا مر الفينيقيون والقرطاجيون والبيزنطيون والرومان والبرتغال والاسبان , طنجة مدينة الروائي المغربي الشهير محمد شكري صاحب رواية " الخبز الحافي " .
طنجة مدينة تقف على مفترق طرق , فهي أقرب بوابات القارة السوداء إلى أوروبا , وهي ركن الإطلال على لقاء المتوسط بالأطلسي , يقول الطنجاويون أن سفينة نوح رست هناك .
فيها شارع إسبانيا الشهير بنخيله وازدحام المتنزهين على كورنيش البحر مع نسائم الغروب .
مقاهي ومطاعم جميلة وأنيقة تمتد بامتداد الشاطئ وفي الجانب الآخر من الطريق تنتصب الفنادق الفخمة , ارتشفت الشاي المغربي المثقل بحلاوة السكر والنعناع في مقهى الحافة الذي تتراكم على درجاته النباتات والأزهار بموقعه المتميز الذي يطل على مياه الأطلسي من مرتفع وتبدو أمامك القارة الأوروبية طيف يمتد مع البصر .
طنجة نبدو كمدينة مولودة من رحم الأساطير , احبها الكثيرون من الشعراء والكتاب والفنانون أقاموا فيها , مدينة لا تنام , كل دروبها تقود إلى البحر وجميع طرقاتها تأتي من البحر .
الرباط كانت محطتي الثانية , العاصمة الإدارية للمغرب , شوارع واسعة ونظيفة تزينها أشجار النخيل الباسق , ومنها انتقلت إلى المدينة القديمة التي يفضي إليها شارع الحسن الثاني , وعرجت على أقدم مساجد الرباط ويعود تاريخ بناءه إلى 1150 ميلادية .
بين السلا والرباط يمضي نهر رفراف متجها نحو المحيط , هنا كان يقف البحارة الفينيقيون ومن بعدهم الرومان الذين أسسوا مدينة شالة وكانت أهم الموانئ واندثرت بانهيار الإمبراطورية الرومانية , في القرن العاشر للميلاد أسست قبيلة أمازيغية من المسلمين مدينة " سلا " على الضفة اليمنى من النهر بينما شيدت على الجانب الأيسر حصنا دفاعيا أسموه
"رباطا " وأعطى الحصن المدينة اسمه فيما بعد .
وفي القرن التاسع عشر أصبحت الرباط مركزا كبيرا إلى أن تحولت رسميا إلى عاصمة إدارية عام 1912.
في مدينة الرباط التقيت بالمخرجة المسرحية المبدعة الصديقة "نعيمة زيتان " التي عرفتني على الأستاذة الظريفة أمينة الصحفية في وكالة المغرب للأنباء وكذلك على الصديقة نعيمة المنشغلة بعلم الآثار , ورغم العارض الصحي الذي ألم بصديقتي المخرجة لكنها أبت إلا
أن تقوم بواجب الضيافة تجاهي وهو كرم تلمسه في المغاربة , واقتطعت من وقتها لمرافقتي .
انتقلت من الرباط المدينة الهادئة إلى مدينة الدار البيضاء أو " كازا " كما يحلو للمغاربة أن يسموها , الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمغرب , مدينة كبيرة وغضه , تنامت أكثر من مائة مرة منذ إنشاءها , وزاد عدد سكانها ليغدو نحو ثلاثة ملايين , مدينة " بيزنس " بطرق واسعة وأبراج سكنية وفنادق فاخرة وأحياء شعبية عند الأطراف , ولعل أبرز ما يميز تلك المدينة مسجد الحسن الثاني الكبير , الأعجوبة الإسلامية العصرية المطلة على الأطلسي , مسجد يكتنز بين حنياه لمحات عتيقة من روح المغرب على امتداد العصور , وقد طبعت مئذنته الشاهقة الموشاة بفيروزية الزخارف المدينة كلها بطابعه . يزنر المدينة الكورنيش ومطاعم المأكولات البحرية والمقاهي العصرية .
في الدار البيضاء التقيت مع الصديقة ليلى بارع الصحفية في الأحداث المغربية , والتي عرفتني بدورها على محرري وصحفيي الجريدة , وكانت فرصة الحديث عن شجون المهنة .
وتلمس المشهد الإعلامي في المغرب اليوم من خلال ازدياد عدد الصحف اليومية وشغف المغاربة بمتابعة ما يحدث في بلدهم وفي فضاء الخارج .
من ازدحام الدار البيضاء انتقلت على متن القطار إلى مدينة مراكش أو جوهرة الجنوب كما يحلو للبعض تسميتها .
مراكش مدينة مفتوحة على الأفق بفتنة وشاعرية , كل يأتيها من حيث اشتهى , في مراكش تبدو كالعاشق يزداد ولها في حضور الحبيبة , الشمس ومراكش توأمان , والنساء الجميلات كن على موعد مع مراكش يحملهن الغروب عبر عبر شوارع وأسواق المدينة فتلمس سحرا من السماء هبط يتهادى في الأزقة المراكشية .
تمضي نهارك في مراكش متجولا في أسواق المدينة التي تعج بأناس جاؤوا من أماكن مختلفة من هذا العالم .
ليل مراكش ليس كنهارها , في النهار تستريح المدينة في انتظار قدوم الليل الساحر , ليل مراكش يغري بالسهر , ساحة جامع الفنا التي تعج بحلقات الحواة والموسيقيون والألعاب وتمتلئ بأصناف الطعام المغربي الشهير , لوحة لن ترى مثيلا لها في أي مكان من العالم ,
مراكش كبقية المدن المغربية مدينة آمنة تتجول فيها حتى ساعات الصباح الأولى .
تحوي المدينة أيضا مقابر السعديين وقصر البديع وقصر الباهية وحديقة ماجوريل ,
في المدينة القديمة نجد صومعة الكتيبة التي شيدها عبد المؤمن في القرن الثاني عشر , وفيها كذلك مدرسة بن يوسف ومتحف مراكش .
في طريق عودتي مررت بمدينة القصر الكبير , وهي من اعرق المدن المغربية تقع على ضفاف نهر " لوكوس " على الطريق الواصل بين مدينتي فاس والرباط , كانت المدينة مستعمرة يونانية ثم مر عليها البيزنطيون والرومان , وفي العهد المريني ازدهر العلم في المدينة التي زارها ابن خلدون , وأكثر ما تشتهر به المدينة حدوث معركة القصر الكبير أو معركة الملوك الثلاثة على أراضيها عام 1578م إذ قضت هذه المعركة على أمل الصليبيين البرتغال في ضم المغرب إلى أراضيهم .
ومنها إلى تطوان , واحدة من أجمل المدن المغربية , اكتسبت خلال العهد الإسلامي أهمية كبرى , إذ كانت بمثابة نقطة عبور ما بين شبه الجزيرة الايبيرية والمغرب .
تحتوي تطوان على عدة أزقة رئيسية تربط ما بين أبواب المدينة وساحاتها ,وفيها أحياء تجارية وأخرى للحرف التقليدية , ويحيط بالمدينة جدار دفاعي طوله خمسة كيلو مترات يخترقه سبعة أبواب , في المدينة كذلك جامع القصبة التي يقع وسط المدينة القديمة , وحصن السقالة بناه مولاي عبد الرحمن السلطان العلوي , وتتسم كثير من بيوت المدينة بزخارف أندلسية رائعة حيث يشار إلى تطوان أنها وليدة غر ناطة .
في طريق عودتي أيضا تعرفت على الأستاذ أحمد الجفيري عضو مجلس المستشارين , رجل ناضج , هادئ , استمتعت بالحوار معه طوال الفترة التي قطعها القطار حول قضايا متعددة , لفتني عشقه لوطنه المغرب كبقية المغاربة , وحديثه الموضوعي وكذلك أدبه الجم وتواضعه .
آخر محطة لي كانت في شفشاون , مدينة ساحرة تقع على ارتفاع 660 مترا عن سطح البحر , تقع في قلب جبال الريف المطلة على المتوسط , شفشاون تعني باللغة الأمازيغية " قرون الجبل " , تأسست عام 1471 على يد مولاي علي بن راشد , حيث كانت قلعة للمجاهدين ضد الاستعمار , تتسم هذه المدينة الجبلية الجميلة بتضاريس صعبة , وقد عرفت وصول الفاتحين العرب كموسى بن نصير الذي بنى فيها مسجدا , وطارق بن زياد الذي لا يزال مسجده يحمل اسمه , أهم معالمها , القصبة وساحة وطاء الحمام والمسجد الأعظم الذي بوشر الآن بأعمال ترميمه بتكليف من الملك محمد السادس , وكذلك نبع الماء .
شفشاون مدينة هادئة , رائعة , مدينة تعانق الأحلام بعد أن تهجع الطيور ويغادر العشاق الأرصفة .
غادرت المغرب متوجها إلى كوبنهاغن حيث أقيم , وتركت قلبي ورائي على أمل العودة إليها , هكذا هي المغرب , تجعلك تتمتع ببهجة الحواس , بلاد تأتيها زائرا أو سائحا فتسكنك .
بلاد تشهد ولادة جديدة , تعيد ترتيب الأشياء في ظل أجواء من التسامح والمصالحة .

* صحفي وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك

نوال السعداوي: اسمي الان نوال زينب السعداوي!



الكاتبة المصرية الشهيرة تدعو للتوقيع بالأسماء مقرونة بالأم والأب وتؤكد ان الازهر لا يحتكر فهم الاسلام.
ميدل ايست اونلاين
القاهرة - اتخذ مجلس تحرير مجلة "اتحاد نساء مصر" التي تصدر عن منظمة تحت التأسيس تحمل الاسم نفسه وتتزعمها الطبيبة والروائية المصرية المثيرة للجدل د. نوال السعداوي، قرارا بأن يوقع المحررون والمحررات باسمائهم مقرونة بالأم والأب، وهي خطوة من المتوقع أن تثير رفضا دينيا واجتماعيا.
يأتي ذلك بعد أسابيع من مفاجأة ابنتها د. منى حلمي بتغيير اسمها الى منى نوال حلمي وتقديم نفسها للأوساط الاجتماعية والصحفية والفكرية بذلك الاسم الذي أثار اندهاشا وردود فعل منتقدة لها.
وفي حديث مع المذيع المصري هشام فريد في "اذاعة الشمس" الناطقة باسم الاقلية العربية في اسرائيل من مدينة الناصرة اكدت السعداوي أنها شخصيا ستوقع اسمها من الآن فصاعدا باسم أمها ووالدها ولا ترى في ذلك مدعاة للانتقاد والرفض، لأن ذلك لا يتعارض مع الدين.
ووصفت قرار مجلس تحرير المجلة الذي يشمل النساء والرجال العاملين فيها بأنه يأتي في إطار حملة تقودها د.منى حلمي واتحاد نساء مصر - تحت التأسيس - لاحترام اسم الأم وحتى يحظى بالشرف نفسه الذي يحظى به الأب.
وأضافت "نطلب الحق لمن يشاء في أن يحمل اسم الأم والأب، فمثلا هي سيصبح اسمها منى نوال حلمي وأنا سيصبح اسمي د.نوال زينب السعداوي وجميع المحررات في مجلس تحرير مجلة اتحاد نساء مصر سيوقعون باسم الأم وكذلك المحررون، فمثلا د.محمد فتوح سيكون محمد عزيزة فتوح، وهذا قرار اتخذناه في مجلس التحرير".
وأضافت "بعض المجلات والجرائد التي نكتب فيها لا توافق على أن نوقع بهذه الطريقة، فمثلا د.منى حلمي عندما أرادت ذلك في مقالها الأسبوعي الذي تكتبه بمجلة روز اليوسف، رفض رئيس التحرير عبدالله كمال على أساس أن عقدها مع المجلة باسم منى حلمي، لكنها من الآن فصاعدا ستوقع على كتبها باسم منى نوال حلمي، وأنا سأوقع نوال زينب السعداوي".. مشيرة إلى أن ذلك على خلاف ما نشر في الصحافة باننا سنوقع باسم الأم فقط.
ورفضت القول بان هذا الاتجاه غير معروف في أي مكان من العالم موضحة أنه "في أوروبا وأمريكا واسبانيا وتنزانيا وبلاد كثيرة جدا يتسمى الأطفال باسم الأم فقط أو باسم الأم والأب. الاختيار حر ومن يحمل اسم الأم له نفس الشرف، فلماذا يقال عنه هنا في بلادنا إنه ابن زنا".
العرف الاجتماعي لا يرفض الانتساب للأم
وتؤكد أن هذه الخطوة لا تتعارض مع العرف الاجتماعي العام وتقول "عندنا في مصر تراث كبير جدا في هذا الجانب، فقديما كان الأطفال يتسمون بأمهاتهم، إضافة إلى أن اسم الأم محترم جدا عندنا، ويتمشى ذلك مع الإسلام الذي جعل الجنة تحت أقدام الأمهات، وهناك مشايخ كثيرون أيدوا ذلك ولم يروا في ذلك مشكلة دينية".
واستطردت: "طبعا البعض اعتبر ذلك منافيا للإسلام، عملا بالنص القرآني الذي يقول (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمً) .. مبررة ذلك بأن هذه الآية نزلت لسبب معين ولا يجب تعميمها، وأن النسب الأبوي فقط وتحريم أن يحمل الأطفال اسم الأب هو قانون سياسي لا علاقة له بالأديان.
وأكدت نوال السعداوي "من الآن فصاعدا سأوقع مقالاتي وكتبي باسم (نوال زينب السعداوي، نوال السعداوي سابقا) مشيرة إلى أن بعض الصحف التي تكتب فيها ترفض ذلك". ولا تتوقع أن يثير هذا الاتجاه ثورة من الأزهر والرموز الإسلامية متساءلة: لماذا الثورة، ولماذا يثار الأزهر، فهل هو الوحيد الذي يفهم الإسلام؟ نحن أيضا نفهم الإسلام جيدا ونعرف أن ما نقوم به لا يتعارض معه".
وأضافت "لم اتعرض حتى الآن لأية حملات بسبب ذلك.. هناك اناس ابدوا بعض الغضب على د.منى حلمي عندما استضافوها بالتليفزيون وحصل جدل معها، ولكنه جدل موضوعي من المفروض أن يحدث".
وكشفت د.نوال السعداوي أنها تكتب حاليا رواية جديدة "تتناول ما نعيش فيه من مهازل، تلك الحياة المزدوجة، نعمل كل الموبقات في الخفاء، ونتظاهر في العلن بالتدين والأخلاق وأنا ضد هذه الازدواجية".
وترى أن هناك آراء فقهية متقدمة وحركة تجديد كتلك التي أبداها د.حسن الترابي في فتاويه الأخيرة "أرحب بأي تجديد فكري طالما استند الى العلم والتاريخ وكان محترما وهادئا يخاطب العقل والمنطق، فهذا هو المطلوب. نحن في حاجة إلى إبداع فكري في السياسة والاقتصاد والثقافة وفي الخطاب الديني والطب. تجديد الفكر يعني تجديد المجتمع. أنا مع الابداع والجدل الحر المحترم".
وقالت "يدهشني أن يقول شيخ فتوى مختلفة أو رأيا جديدا فلا يرد عليه ويناقش بل يهاجم ويتهم بالكفر أو الردة ويهدد بالقتل، لماذا لا يفندون الحجة بمثلها.. هذه همجية، الإنسان له عقل والاختلاف في الرأي ينبغي أن يولد الجدل الملتزم وأدب الاختلاف".
وترى د. نوال السعداوي أن هناك عودة إلى الوراء في "أوضاع الحرية والابداع الفكري في العالم العربي، وما يظهر على السطح سواء من المعارضة أو الصحافة حرية غير حقيقية وديمقراطية زائفة لمجرد التنفيس عن الغضب على غرار الديمقراطية الأمريكية. لقد قمت بالتدريس 13 عاما في الولايات المتحدة ومن واقع معرفتي للممارسة الديمقراطية هناك أرى شبها كبيرا بيننا وبينهم في هذا الزيف".
وقالت "النظرة العربية الى المرأة كمتاع جنسي لم تتغير بسبب الردة السياسية والثقافية الخطيرة، بل هي ردة في جميع نواحي الحياة، وكذلك بسبب تهديد المفكرين – نساء ورجال - فعندما أكتب انا من أجل تحويل المرأة من جسد يعرى أو يغطى إلى انسان، أقابل بالتهديد لكي أكف عن هذا الفكر. كذلك فان السياسة سبب من الأسباب، خاصة أن بلادنا اصبحت تابعة للاستعمار الأمريكي، فهو رغم تحريره للمرأة، يريد لنا ان نظل متخلفين، والدليل على ذلك الفتنة الطائفية الحاصلة في العراق".

الأربعاء، مايو 24، 2006

الانقلاب على يوم انتصار المقاومة في لبنان


صبحي غندور*

25 أيار/مايو عام 2000، كان يوم ذل ومهانة لإسرائيل ولجيشها ولعملائها في الشريط الحدودي مع لبنان. لكن هذا اليوم كان بدون أي شك، يوم كرامة واعتزاز لدى عموم اللبنانيين والعرب في أوطانهم كما في أي بقعة من الأرض تواجدوا فيها.
ففي هذا التاريخ انهزم الاحتلال الإسرائيلي في لبنان بعد مقاومة متواصلة بدأت مع احتلال إسرائيل لبيروت عام 1982، ثم تصاعدت هذه المقاومة وقويت حتى حرّرت الأراضي اللبنانية واستعادت ما احتلته إسرائيل منذ آذار/مارس 1978.
ولعلَّ قيمة هذا الحدث أو الإنجاز بالنسبة إلى العرب ككل، أنه لأول مرة منذ بدء مسيرة المفاوضات العربية مع إسرائيل، ومنذ بدء معاهدات الصلح معها، ومنذ بدء الاعتراف بها، تضطر إسرائيل وللمرّة الأولى في تاريخ الصراع العربي/الإسرائيلي للانسحاب الكامل من أرض عربية، دون تفاوض أو اتفاقيات… فقط تنسحب بسبب المقاومة لهذا الاحتلال، وما سببته هذه المقاومة على مدار سنوات من خسائر بشرية كبيرة في الجيش الإسرائيلي وضباطه وجنوده وعملائه، حيث أنّ هذه الخسائر فاقت حجم مجموع ما خسرته إسرائيل في حروبها المتعددة مع الجيوش العربية.
كان درس المقاومة في لبنان مهمّا لكلّ العرب: فبعد سنوات من مراهنات وحيدة على عملية السلام، وعلى المفاوضات مع إسرائيل، وعلى تطبيع العلاقات معها قبل استرجاع الحقوق العربية وقبل حل جوهر الصراع، أي القضية الفلسطينية.. جاء درس المقاومة اللبنانية ليؤكّد أن "الحرية تؤخذ ولا تعطى"، وبأنّ "الحقّ بغير قوّة تدعمه هو حقّ ضائع".
فالحقّ اللبناني بتنفيذ القرار رقم 425 كان عمره أكثر من 22 عاما، لكن إسرائيل لم تستجب إلى هذا "الحقّ اللبناني" المدعوم بالشرعية الدولية إلا حينما رافقت هذا الحق قوة المقاومة للاحتلال، هذه المقاومة التي استندت أيضا إلى قوة نهج العطاء والتضحية والبناء التنظيمي السليم، والى قوة التضامن الوطني اللبناني الشامل معها وحولها على المستويين الشعبي والرسمي. أيضاً، استفادت هذه المقاومة من دعم أنصار هذا الحقّ عربياً وإقليمياً ثم التضامن العربي معها الذي تجلّى بصورة واضحة خلال شهر آذار/مارس عام 2000، حينما تضافر العرب عموماً بالوقوف مع لبنان ومع حقّه بالمقاومة المشروعة، بعدما حصل في هذا الشهر من عدوان إسرائيلي كبير على لبنان ومنشآته والبنى التحتية فيه.
لقد خرجت أصوات وكتابات لبنانية بعد عدوان آذار/مارس 2000 على لبنان تطالب بتسريح المقاومة اللبنانية وبعدم جدواها وبأنها تكلف تضحيات كثيرة للبنان وشعبه، بينما الآخرون العرب في مسار آخر! وترافقت هذه الحملة آنذاك مع تصريحات أمريكية وفرنسية وإسرائيلية تصف المقاومة بالإرهاب، وتحاول زج التناقض بينها وبين المنطقة العربية وحكوماتها وشعوبها من خلال وصف المقاومة بأنها (حالة إرهابية إيرانية). لكن كان الرد العربي آنذاك واضحاً ومهماً ومن مستويات رسمية عالية جاءت إلى لبنان تؤكد دعمه وحقه بالمقاومة، بل إنّ بعضاً منها اجتمع مع مسؤولين بالمقاومة لأول مرة كاللقاء الذي حصل مع ولي العهد السعودي آنذاك الملك عبد الله.
يوم 25 آيار/مايو 2000 كان شرفاً عظيماً للبنان ولمقاومته الوطنية المؤمنة بأن يحصل هذا الانسحاب الإسرائيلي بدون اتفاق أو مفاوضات تحفظ ماء وجه المحتل حينما ينسحب، كما حدث على جبهات عربية أخرى.
إنها الهزيمة الكاملة التي لم ترد إسرائيل إطلاقا أن تحدث لها بهذا الشكل. فإسرائيل راهنت على أن انسحابها المفاجئ والسريع سيكون حالة مشابهة لما حدث بعد انسحابها من الجبل اللبناني عام 1983، حيث استتبع الانسحاب معارك عسكرية واسعة بين الأطراف اللبنانية المسلحة هناك، وبطابع طائفي دفع لبنان ثمناً غالياً له.
لكن كل هذه المراهنات سقطت. وقد أضاف الأداء السليم للمقاومة في التعامل مع لحظة الانسحاب الإسرائيلي السريع والمفاجئ إلى ما حققته المقاومة من رصيد هام جدا على مدار السنوات الأخيرة، حيث حرصت هذه المقاومة على الاستفادة من سلبيات تجارب أخرى حصلت في لبنان والمنطقة والعالم. فقد حرصت المقاومة اللبنانية على حصر عملياتها في الأرض اللبنانية المحتلة ولم تذهب في عملياتها إلى عواصم العالم ومؤسساته المدنية، بل حتى لم تستبح قتل المدنيين في الشريط الحدودي رغم تعاونهم مع إسرائيل. كذلك حرصت المقاومة اللبنانية على التأكيد أن الانتصار هو لكل اللبنانيين ولكل المناطق ولكل الطوائف، وبأنها لن تكون مرجعية أمنية بديلة عن الدولة اللبنانية.

ما بعد التحرير!

إن الهزيمة العسكرية الإسرائيلية في لبنان لا تعني هزيمة كاملة للمشروع الصهيوني فيه، فإسرائيل لم تتراجع بعد عن مشروعها الهادف إلى تقسيم لبنان وتشجيع الصراعات المحلية المسلحة فيه.
لقد كانت السنوات الست الماضية حافلة بالتطورات والمتغيرات اللبنانية والعربية والدولية، ولعل أبرزها في الساحة اللبنانية هو إغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وتداعيات ذلك على العلاقات السورية/اللبنانية وعلى مصير سلاح المقاومة اللبنانية.
وكم هو مؤسف الحال اللبناني الآن حيث تصدّعت وحدة عناصر كثيرة (لبنانية وعربية وإقليمية) كانت وراء الانتصار على الإحتلال الإسرائيلي. وتحوّل سلاح المقاومة اللبنانية وقوى عربية وإقليمية دعمته إلى مشاكل يبحثها ويبت فيها مجلس الأمن الدولي!
إن سلاح المقاومة لم يحرر لبنان فقط من الاحتلال الإسرائيلي، بل كان له الفضل فيما يشير البعض إليه الآن من أهمية السيادة اللبنانية على كل الأراضي اللبنانية. فإنهاء الاحتلال الإسرائيلي كان هو المدخل لسحب القوات السورية على مراحل ثم إنسحابها الكامل من لبنان تنفيذاً لاتفاق الطائف. ثم هل كان ممكناً مطالبة المسلحين الفلسطينيين بعدم الانتشار المسلح خارج المخيمات لو كانت هناك قوات إسرائيلية محتلة في مناطق هذه المخيمات؟
ولا أعلم ما هي الحكمة اللبنانية من تصعيد التوتر السياسي الآن حول موضوع سلاح المقاومة، فمن هو الطرف الذي سيقوم بنزع هذا السلاح، لو سلّمنا جدلاً بضرورة ذلك؟! إن هذا المطلب الأميركي/الإسرائيلي كان مفهوماً خلال فترة وجود القوات السورية في لبنان، لكن من الجهة الممكن تكليفها حالياً بهذا العمل؟ هل هي إسرائيل التي أصلاً كانت تحتل لبنان وإنهزمت فيه واضطرت للانسحاب منه؟ أم هي قوات أميركية ودولية تتعثر وتفشل في العراق وأفغانستان وتبحث عن مخرج لائق لها؟. إن المراهنة ليست حتماً على قوى خارجية لتنفيذ هذه المهمة، بل على قوى لبنانية تقبل من جديد مسؤولية تفجير الوضع الداخلي اللبناني من أجل مصالح ومشاريع خارجية.


*(مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن)
E-mail: alhewar@alhewar.com

الثلاثاء، مايو 23، 2006

صفحة يوسف فضل


لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

مقالات يوسف صادق




لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة د. نوري الوائلي


لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجة اليسرى:

صفحة نبيل عودة


لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة ناصر الحايك


لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في آخر هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

يحــدث عندنـا في‮ ‬البحـرين‮!!


لك الحمد‮.. ‬والأحلام ضاحكة الثغر
لك الحمد‮.. ‬والأيام دامية الظفر
هو مطلع القصيدة الشعرية الرائعة التي‮ ‬اعادت نشرها‮ »‬الأيام‮« ‬أمس للوزير السعودي‮ ‬الدكتور‮ ‬غازي‮ ‬القصيبي‮ ‬رداً‮ ‬على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن،‮ ‬بعدما وصفه بن لادن أنه أحد رؤوس الليبرالية الذين اعتبرهم من‮ »‬المستهزئين بالدين‮«.
‬لقد أبدع الدكتور‮ ‬غازي‮ ‬القصيبي‮ ‬كعادته في‮ ‬هذه القصيدة،‮ ‬وأبدع أكثر في‮ ‬رده هذا على زعيم الإرهاب العالمي‮ ‬بقوة الكلمة وهو سلاحه الوحيد والجميل في‮ ‬مواجهة آلة القتل والدمار التي‮ ‬يستخدمها بن لادن،‮ ‬والتهديدات التي‮ ‬يطلقها لإرهاب الكتَّاب والمثقفين التنويريين‮.‬
إن الشعراء والأدباء والكتّاب والمثقفين‮ ‬يقفون دائماً‮ ‬في‮ ‬طليعة المقاومة ضد الإرهاب والتشدد والتطرف،‮ ‬وبن لادن وزمرته في‮ ‬كل مكان‮ ‬يعون جيداً‮ ‬هذه الحقيقة،‮ ‬ولذلك فليس‮ ‬غريباً‮ ‬هذا الهجوم على الصحافة والكتاب ورميهم بالتهم الباطلة‮.
‬إن‮ »‬التلاميذ‮«.. ‬استوعبوا توجيهات‮ »‬استاذهم‮« ‬بسرعة ففتحوا أكثر من معركة مع الكتاب والصحفيين حتى‮ ‬يكسبوا رضى‮ »‬الأستاذ‮«‬،‮ ‬ويا ليتهم وقفوا عند ذلك فقط،‮ ‬فنحن على استعداد لتحمل هجومهم وصد سهامهم المسمومة،‮ ‬ولكن تعالوا معاً‮ ‬نستعرض كيف‮ ‬يُمَجَّدُ‮ ‬رمز ورأس الإرهاب عندنا في‮ ‬البحرين،‮ ‬اقرأوا معي‮ ‬ذلك‮:‬‮
*أيها الذر‮.. ‬أسامة جبل شامخ‮.. ‬أسامة كالبحر‮
* ‬شيخ المجاهدين أسامة‮
* ‬الشيخ أسامة رمز ومجاهد ومناضل‮
* ‬الشيخ أسامة رمز إسلامي‮ ‬ونموذج للمقاومة‮
* ‬بن لادن لم‮ ‬يجر على الأمة المصائب‮.. ‬بل المصائب والويلات تداعت على الأمة من‮ ‬يوم وسد الأمر إلى‮ ‬غير أهله،‮ ‬فتولى أمر الأمة الخونة والمرضى والحمقى‮!!
‬‮* ‬بن لادن قدم كل ثروته وما‮ ‬يملك للدفاع عن أعراض وديار المسلمين‮!‬‮
* ‬بن لادن شئتم أم أبيتم‮..‬ هو رمز وبطل‮.. ‬وسيبقى كذلك عبر التاريخ‮!‬
هذه هي‮ ‬فقرات من مقال مطول‮ - ‬ليس الأول من نوعه‮ - ‬نشر عندنا في‮ ‬البحرين وفي‮ ‬صحيفة بحرينية للأسف،‮ ‬ولا خيار لك وأنت تقرأه إلا أن تتخيل نفسك في‮ ‬قندهار تتصفح صحيفة طالبانية‮!!
‬أرأيتم كيف‮ ‬يمجد الإرهاب لدينا وفي‮ ‬صحفنا البحرينية؟‮! ‬وإذا لم‮ ‬يكن هذا الإرهاب بعينه فماذا تسمون ذلك؟‮!
‬ألا تخشون على أطفالكم وشبابكم من مثل هذه السموم الإرهابية؟‮!
‬ألا تخشون على وطنكم؟‮!
‬تحاربون الفن والثقافة في‮ ‬الفضائيات بتهمة الخلاعة وتصمتون عما هو اخطر‮!!
‬أيعقل أن‮ ‬ينشر مثل ذلك في‮ ‬البحرين وهي‮ ‬التي‮ ‬ستكون مركزاً‮ ‬إقليمياً‮ ‬لمكافحة الإرهاب وتعقب الإرهابيين؟‮!
‬إن الإرهاب سواء كان فكرياً‮ ‬أو عملياً‮ ‬فهو واحد،‮ ‬وتمجيد الإرهاب هو إرهاب‮.
‬لسنا ضد حرية الرأي،‮ ‬ولكننا ضد تمجيد الإرهاب وتصوير رموز الإرهاب‮ »‬أبطالاً‮« ‬أمام شبابنا وأطفالنا الذين نخاف عليهم أن‮ ‬يجرفهم ذلك إلى ما لا‮ ‬يحمد عقباه،‮ ‬لذلك لاتدفنوا رؤوسكم،‮ ‬حتى‮ ‬يوم تتحسرون فيه،‮ ‬ذلك اليوم الذي‮ ‬تصبحون فيه بلا رؤوس‮!!‬
تستغلون المنابر الدينية فقط في‮ ‬الهجوم على الصحافة والكتاب والدعاء عليهم بـ‮ »‬شل اياديهم‮« ‬وتلفيق الاتهامات الباطلة لهم بالاساءة الى المسلمين،‮ ‬وتغمضون اعينكم عن الترويج للارهاب والارهابيين‮!!‬
نعم‮.. ‬ان البحرين دولة ديمقراطية،‮ ‬وحرية الصحافة متاحة،‮ ‬لكن لا لاستغلال الحرية في‮ ‬تشجيع الارهاب والتشدد والتطرف،‮ ‬ولا لنهج التكفير والتخوين الذي‮ ‬ستقف‮ »‬الأيام‮« ‬في‮ ‬مواجهته بكل قوتها،‮ ‬ليس دفاعاً‮ ‬عن نفسها،‮ ‬لكن دفاعاً‮ ‬عن البحرين وعن سماحة شعبها،‮ ‬ومن اجل وطن الحرية والسلام‮.‬
‮ ‬عيسى الشايجي

لما جت الحزينة تفرح ملقتشي لها مطرح


لطيفة الشعلان


بينما الفئة التي تحتكر الحديث باسم الدين والمجتمع والمرأة والفضيلة قد سخرت منتدياتها ومنابرها للاستنكار والتصعيد ضد قرار وزارة العمل بتوظيف السعوديات في محلات بيع اللانجري، وبينما الكاتبات اللواتي ينهلن من فكر جهيمان وقد أغناهن الله من واسع فضله بعملهن في سلك التعليم يصرخن بأعلى أصواتهن بأن المرأة السعودية تنام قريرة العين لا تفكر في مصروفها لأن الإسلام قد ألزم الرجل بالصرف عليها، وبأن بنات الحمايل لا ينبغي أن يشتغلن بائعات في المحلات لأن البيع باب شر يراد منه اخراج المرأة من بيتها ومخالطتها للرجال في خطوة لتغريب المجتمع وتحويله إلى (شقة حرية) كبيرة، أقول في هذه الأثناء دارت معركة حاميةلم يلتفت لها أحد في سوق (حجاب) الشعبي بحي النسيم شرق الرياض استخدمت فيها النساء الحجارة والعصي والمواسير ضد مراقبي البلدية للدفاع عن مباسطهن التي يبعن من خلالها اللانجري الرخيص والقمصان القطنية ولعب الأطفال، وانتهت المواجهة حسب صحيفة (الوطن) بتهشيم النساء لزجاج سبع سيارات، وبإصابة عدد من مراقبي البلدية الذين كان اعتراضهم على مخالفة المباسط للشروط النظامية.
طبعا من زيارة واحدة للسوق وبحكم طبيعته وموقعه ستعرف أن هؤلاء النسوة بدويات أي بنات حمايل من الدرجة الأولى ! والمؤكد أنهن لا يقرأن زوايا الصحف ولايعرفن أحدا اسمه غازي القصيبي ولا آل زلفة، والمؤكد الآخر أنهن يعتقدن أن الحرية والليبرالية والموساد والماسونية خلطات جديدة لتطويل الشعر وتنحيف الأرداف يعرضها عطار الكويت أو عطار البحرين المقابل لبسطاتهن. أما المنطق فيقول بأن هؤلاء النسوة اللواتي يفترشن الرصيف من الرابعة عصرا وحتى العاشرة مساء سواء كان الجو حارا أو باردا أو مغبرا يفعلن ذلك ليكسبن قوتهن لا ليختلطن بالرجال أو ليمارسن التغريب أو التحرر. فمنذ القدم والنساء يزاولن البيع في مباسط الأسواق الشعبية ولم يمانع أحد لأسباب دينية، فالعين المتشددة مصابة بفوبيا الجديد فلا تقف عند الشيء الذي ألفته. والمرأة النجدية ولم يُعرف هوس الفصل الحاد بين النساء والرجال قبل خمسين عاما خرجت إلى الأسواق للبيع، وللبرية للحصاد والاحتطاب والسقاية، ولم يكن القوم يعرفون ما التحرر أو ما الليبرالية، لكن قد حكمتهم المحددات الاقتصادية. وهي المحددات ذاتها التي جعلت اليوم كثيرا من الأمهات المتحدرات من منطقة الوشم (قلب نجد) لا يعبأن بخطاب المحرم والقوامة وهن يلجأن للانتقال والسكن منفردات مع بناتهن اللواتي يعملن معلمات في قرى وهجر نائية حتى وصل بعضهن إلى أقصى قرى الجنوب. وحين يقال بأن السعوديين متنوعين وليسوا كتلة اجتماعية واحدة، فإن النجديين ذواتهم ليسوا كلا متجانسا حتى يختطف الخطاب (أهل منطقة واحدة) أو فئة يشيعون تزمتهم على أنه رأي الأغلبية في ظل انعدام أي استطلاعات موضوعية.
إن المبادئ النظرية عن المرأة المكفولة لها النفقة هي لغة رجال مكتفون ماديا مع حريمهم، أو لغة النساء (الشبعانات فلوس)، أي تبقى كلاما عليه أن يهبط للواقع ويدخل بيوتا دخلها الشهري لايتجاوز الألفين وفيها خمس بنات عاطلات يحملن درجة البكالوريوس، وأخرى المرأة فيها هي العائل الوحيد. إنه مجتمع التناقضات الذي يتحدث متشدديه عن حياء المرأة وألوان التنكيل بها في الآخرة وشكل عباءتها وماذا يجب أن يكون عليه صوتها نغمة ودرجة إذا حادثت الأجانب، ثم تثور الثائرة إذا قيل: لتبيع المرأة للمرأة قطع الثياب الصغيرة المخرّمة بدلا من الفتى اللبناني أو السوري. تناقض مشابه لمنعها من قيادة سيارتها وإلزامها باستقدام فلبيني أو هندي. لا أحسبه سوى من المضحكات المبكيات أننا نعيش معركة توظيف المرأة في عمل فطري يناسب فطرتها ونحن قوم فطرة .. معركة توظيفها في محلات اللانجري التي لفرط خصوصيتها هي حكر على النساء في بقاع الأرض باستثناء البقعة ذات الخصوصية ! أما المناداة بعمل (يناقض طبيعة دورتها الشهرية) كما في مناجم الفحم وبناء الجسور فهي من اللطائف التي يشيعها الخطاب الصحوي عن خصومه.
بعد إلتقاء المصالح أو نجاح حلف المتشددين مع التجار ضد اصلاحات غازي حق لأعضاء المنتدى الإماراتي الإرهابي المسلط على أكثر مجتمعات الأرض محافظة، لا على انفتاح دبي أو (فسادها)، حق لهم أن يبتهجوا ويحتفلوا خاصة بعد عملهم الجبار في التحشيد. مع ذلك لابد من القول إن الفساد الذي يُخوف الناس به لن يجيء من خطط غازي في توظيف السعوديات بل إن أتى فمن البطالة والحاجة المادية. لقد عرفت قصصا لفتيات تورطن أخلاقيا وهن بنات حمايل في سبيل الحصول على مال يمكنهن من شراء حذاء صيني أو بلوزة بأربعين ريالا، وأعرف من وقفن بحكم أعمالهن أو اختصاصاتهن على قصص كان الثمن فيها زجاجة عطر أو جهاز جوال، غير أننا قد نحتاج إلى عشر سنوات قادمة حتى نتحدث بشفافية في هذه الحكاية الكبيرة كما احتجنا إلى أزمان حتى تفشى العنف الأسري وقبله الإدمان على المخدرات وأصبح الحديث ممكنا. إن كنا مقبلين على كارثة فمؤكد أن سببها ليس مؤامرات غازي بل الارتفاع المهول في أعداد المتعلمات اللواتي ينتهي بهن الحال في بيوتهن يمضغن الفراغ في بلد تصل فيه نسبة العمالة من غير المواطنين إلى رقم ضخم. لنكن أكثر صراحة ونقول بأن مشكلتنا هي هذه المرأة، التي لا نعرف أين ندسها أو نذهب بها أو نحجر عليها. حفصة الجهني التي كانت تستعد للعمل في بيع اللانجري صرحت لـ (الشرق الأوسط) يوم الاثنين الفائت بعد (قرار تأجيل القرار) قائلة بلغة مشوبة بالحزن: " لما جت الحزينة تفرح ملقتشي لها مطرح "، وفي تصوري أن المطرح لن يوجد إن كنا نتقدم خطوة ونتراجع ثلاثا، وكأن الماضي لم يعلمنا أن مطالب التشدد ليس لها من نهاية أو سقف، وأن الاستجابة لها بعد حادثة الحرم المكي كانت من بين الأسباب التي جعلتنا بعد ذلك بسنوات نحصد المر و العلقم في تفجر الإرهاب.
إن الإرداة السياسية لازمة لفرض بعض الإصلاحات حتى مع توقع ممانعة بعض التيارات، فهل بإمكان أحد أن يتخيل الطامة الشاسعة لوكانت الإرادة لم تقف يوما بحزم في وجه الممانعين لتعليم الفتاة، وقس على ذلك عشرات الأمثلة التحديثية التي وضعتنا على بوابة العصر وقد رغمت أنوف، فلم نعدم في الزمان الغابر أباء هؤلاء ممن استنكروا البرقية و(السيكل) وقاوموا إدخال السيارة والراديو
.

الأحد، مايو 21، 2006

صفير رعى تدشين متحف جبران في الذكرى 75 لوفاته‏

الديار

دشنت لجنة جبران الوطنية برئاسة رجل الاعمال الشيخ جوزف الحكيم رحمة، وبرعاية البطريرك ‏الماروني مار نصرالله بطرس صفير، ممثلا بالنائب البطريركي العام المطران رولان ابو جوده، ‏متحف جبران ومحيطه بحلتهما الجديدة في احتفال حاشد من كل مناطق لبنان.‏
حضر الاحتفال شخصيات رسمية وشعبية واجتماعية وتعليمية، وعسكرية، تقدمهم وديع رفول ممثلاً ‏وزير الثقافة الدكتور طارق متري، الدكتور مصطفى حلوة ممثلا وزير الاشغال العامة الدكتور ‏محمد الصفدي، النائب السابق الدكتور جبران طوق، الشيخ روي عيسى الخوري ممثلاً الوزير ‏والنائب السابق قبلان عيسى الخوري، قائمقام بشري نبيل خبّازة، رئيس اتحاد بلديات جبة ‏بشري نوفل الشدراوي، رئيس «تجمع شبيبة جبّة بشري» الزميل ملحم مطانيوس طوق رؤساء ‏بلديات قضاء بشري ورابطة مختاري القضاء.‏
بداية اقيم قداس احتفالي في ساحة «ماري هاسكل» الفخمة في الباحة الخارجية للمتحف المنشأة ‏حديثا، ترأسه النائب البطريركي العام المطران رولان ابو جودة، عاونه المونسنيور يوسف ‏طوق امين سر البطريركية المارونية، والاب شربل مخلوف كاهن رعية بشري، بعد تلاة الانجيل ‏المقدس القى المطران ابو جودة كلمة اهم ما جاء فيها:‏
ان ما قدمه الرسام، والاديب، والفيلسوف جبران خليل جبران للحضارة والانسانية جمعاء، ‏مفخرة كبيرة «لمدينة المقدمين» بشري وللبنان في آن. ان الذي انجزته لجنة جبران الوطنية ‏برئاسة رجل الاعمال الشيخ جوزف الحكيم رحمه من اعمال كبيرة، ظهر جليا على الارض مدى ‏فخامتها، ودقتها، وتطورها، نعتز بهكذا رجال اشاوس، حتما، سيتحدث التاريخ عنهم بكل ‏اجلال، وكبرياء، واعجاب، كما ارسل عبر هذه المناسبة تحية الى الكاردينال البطريركي صفير الى ‏قادة جبة بشري السياسيين، الذين اختاروا بالتزكية اعضاء لجنة جبران الوطنية.‏
ثم القى حافظ متحف جبران البحاثة والاديب وهيب كيروز كلمة ابرز ما جاء فيها: ‏
لم يشأ جبران ان تكون محبسة ودير مار سركيس مثواه الاخير ومتحفا لفنياته، الا ايمانا منه ‏بانه يستكمل الارث الروحي في هذه الفلذة التاريخية. فمن الناسك الى الراهب الى الانسان في ‏لوحة فنية قصة التعري من الذات الارضية الكثيفة الى الانفراج على الذات الروحانية ‏اللطيفة.‏
هذه الحقيقة هي التي تحتم تأبيد متحف جبران حيث هو.‏
هكذا شاءت كل العنايات والارادات،
ولجنة جبران الحاضرة سمعت بدقة صوت التاريخ وتململ في كيانها همس التراث الروحي. ومن الداخل ‏بدأت. وفي الملأ ظهرت. وها التحفيات تستقبلكم. ‏
ومن تراه يعرف لغة هذه التحفيات اكثر من ذلك الذي عاشها ذرة وعدها، يوميا، تفصيلا ‏وتفصيلا وشرع صدره لتحمل مسؤولياتها بمؤازرة رفاق خلص متواحدين في ادارة؟
ويسلم الكلام الحق نفسه لمن خدم الحق ونهض بالمسؤولية وكفه من ثلج لبنان. كلمة رئيس لجنة ‏جبران الوطنية الاستاذ جو رحمه.‏
واخيرا القى رئيس لجنة جبران الوطنية الشيخ جوزف الحكيم رحمه كلمة اهم ما جا فيها: تصادف ‏هذه السنة الذكرى الخامسة والسبعين لوفاة جبران وخلوده، وفي هذه المناسبة تفتخر اللجنة ‏بان المتحف قد اصبح في مستوى المتاحف العالمية بتجهيزاته الحديثة والمتطورة، وقد تمت جميع ‏الاعمال بواسطة شركات تتمتع بمستوى احترافي جيد ودون المساس بالشكل العام للبناء احتراما ‏لقيمته التراثية والتاريخية ولن ندخل اكثر في تعداد تفاصيل الموقع تاركين لكم متعة ‏التجول في ارجائه وكلنا امل في ان ينال اعجابكم.‏
ويطيب لنا ان نتوجه بالشكر والامتنان الى كل من ساهم معنا في هذه الورشة الكبيرة ونخص ‏منهم بالذكر السفارة اليابانية ومؤسسة الصفدي الثقافية وبنك انتركونتيننتال وشركة ‏دباس والسيد جوزف عون وغيرهم ممن يضيق المجال بذكرهم جميعا.‏
كم كانت اللجنة الحالية تتمنى ان تشعر باستراحة المحارب وهي على ابواب انتهاء ولايتها ‏وتستعد لتسليم مهامها الى لجنة جديدة في الايام المقبلة. وقد اردنا احتفال اليوم قداس ‏شكر الله عز وجل لاننا تمكنا من انجاز الكثير مما كنا ننوي تحقيقه ولنا ملء الثقة بان ‏اللجنة الجديدة ستكون على مستوى المسؤولية وتكمل المسيرة. ونتمنى لها كل التوفيق والنجاح.‏
واسمحوا لي، وانا اقف للمرة الاخيرة رئيسا للجنة، ان اتوجه بالشكر العميق:‏
باسمي الشخصي الى رفاقي في الهيئة الادارية، وباسم الهيئة الادارية الى رفاقنا في هيئة ‏المندوبين، باسم اللجنة، الى المجتمع البشراوي نوابا وفعاليات وهيئات رسمية وخاصة ‏وافرادا، الى حافظ المتحف الذي كان له الفضل الكبير في جمالية الموقع، الى عموم الموظفين ‏الذين اظهروا تفانيا في اعمالهم واستحقوا التقدير.‏
واخيرا، الى هذا العظيم الذي يطل علينا من سكونه الابدي، اردد اليوم ما قاله الشاعر ‏نوفل الياس منذ سبعين سنة وفي هذا المكان بالذات: اني اكره الله والارز وجبران لانهم خالدون ‏وانا فان.‏
‏ بعده قام المشاركون جميعا وتفقدوا سوياً الاعمال المنجزة داخل متحف جبران، بينما تولى ‏آخرون توزيع كتيب اصدرته لجنة جبران بالمناسبة يتحدث باسهاب ودقة عن منجزات لجنة جبران في ‏كل الميادين.‏

الجمعة، مايو 19، 2006

الشّخصيّة المزدوجة في "النّموذج اللّبناني"!




صبحي غندور*

يشكّل لبنان " حالة نموذجيّة " فريدة في المنطقة العربيّة. فهو كان قبل بدء الحرب الأهليّة في 13 نيسان/أبريل 1975، نموذجاً للعرب في ممارسة الحياة السياسيّة الدّيمقراطيّة، والتّعدّدية الحزبيّة، والانفتاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولمجتمع الحرّيات العامة بشكل عام.
لكن بعد اشتعال الحرب الأهليّة في منتصف السبعينات في القرن الماضي، انكشفت مساوئ هذا "النّموذج اللّبناني" وما كان فيه من أمراض طائفيّة هدّدت الجسد اللبناني أكثر من مرّة بخطر الانتحار الّداخلي أو القتل المتعمّد من الخارج.
ودارت الأعوام والأحداث في لبنان حتّى رست على صيغة اتّفاق الطائف عام 1989 ، والّتي أثمرت وفاقاً لبنانيّاً مدعوماً بوفاق دولي/عربي على إعادة إحياء التجربة اللّبنانيّة القديمة بطبعة جديدة منقّحة!
وهكذا عاد "النموذج اللّبناني الصّالح" إلى الوجود بالمنطقة العربيّة رغم التّشوّه الّذي حدث له بفعل سنوات الحرب في عقدي السبعينات والثمانينات.
وعلى مدار ربع قرن من الزمن (من العام 1975 إلى العام 2000) كان الخنجر الإسرائيلي هو الأكثر إيلاماً في الجسم اللّبناني، بل كان هذا الخنجر المسموم يستهدف قتل "النموذج اللّبناني" الّذي أعطاه عام 1974 من على منبر الأمم المتّحدة الرّئيس اللّبناني الرّاحل سليمان فرنجيّة كبديل عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وكنموذج لتعايش الطوائف المتعدّدة في ظل دولة ديمقراطيّة واحدة.
وقد استطاعت المقاومة اللّبنانيّة الّتي برزت عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 أن تردع هذا الخنجر وأن تقطع يد الاحتلال الّتي حملته، فكان الانتصار اللّبناني على الاحتلال الإسرائيلي عام 2000 بداية لنموذج لبناني جديد في المنطقة العربيّة وفي الصّراع العربي الإسرائيلي. فإذا بتعبير " اللّبننة " يتحوّل من معنى الإنذار بحرب أهليّة والتحذير من مخاطرها، إلى معنى المقاومة النّاجحة ضدّ الاحتلال والقدرة على دحره.
لكن لبنان في العام الماضي، شهد الذّكرى الثلاثين لاندلاع حربه الأهليّة، والذّكرى الخامسة لتحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي، في ظل أجواء سوداويّة ما زالت تحوم فوق ربوعه نتيجة ما حدث من اغتيالات وتفاعلات سياسيّة وأمنيّة، جعلت "النّموذج اللّبناني المقاوم" يتراجع لصالح "النّموذج اللّبناني" المتصارع مع نفسه!
وهاهي اليوم مناسبة الذّكرى 31 لحرب نيسان/ إبريل 1975، تعود على لبنان وهو يتأرجح بين دفّتي الاستقرار والفوضى، بعد أن أصبح المستهدف الأوّل هو رأس النّموذج المقاوم ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، ليكون المنتصر بعد ذلك "نموذج الاقتتال الدّاخلي" وصراع الطّوائف والمذاهب والمناطق، وصيغ الكانتونات الفيدراليّة الخاضعة للهيمنة الخارجيّة والمتشابكة مع المصالح والغايات الإسرائيليّة في المنطقة العربيّة.
لكن حسم هذا التأرجح في الخيارات القادمة للبنان، لن يتوقّف فقط على مقدار التفاهمات الدوليّة والإقليمية بشأن لبنان، ولا فقط على "حكمة" المتحاورين في مجلس النواب، بل سيكون العامل الأهم هو مقدار وعي الشّعب اللبناني عموماً، وجيل الشباب تحديداً، بالذي أمامه من احتمالات وخيارات، وبما عليه من مسؤوليّة ودور في ضبط أتباع الصراعات الدّاخليّة والمشاريع الخارجيّة، وعدم الانجرار من جديد إلى أتون الصّراعات المسلّحة والحرب الأهليّة.
فجيل الشّباب في لبنان هو أداة أي صراع مسلّح أو تفجير أمني، وقد حدث ذلك عام 1958 بعد 15 سنة على استقلال لبنان عام 1943. ثمّ كان جيل لبناني آخر هو ضحيّة بدء الحرب الأهليّة عام 1975 والّتي استمرّت لمدّة 15 سنة.
اليوم، هناك جيل لبناني جديد بعد 15 سنة من الاستقرار النّسبي والتّعايش الوطني، لم يعرف جيّداً مآسي الحرب وثمنها الباهظ على نفسه وعلى أهله ووطنه ومستقبله. وهذا الجيل الحاضر للأزمة السياسيّة الرّاهنة الآن بإمكانه حسم الخيارات، فهو وقود أي أزمة كما هو طليعة أي حلّ.
الجيل اللّبناني الجديد مطالب الآن في الذّكرى 31 لاندلاع حرب عام 1975، بأن يعطي النّموذج السّليم للّبنانيين أوّلاً قبل الحديث عن "النّموذج اللّبناني" للعرب عموماً. النّموذج السّليم في الإصرار على إعادة بناء النّظام السياسي على أسس وطنيّة ديمقراطيّة غير طائفيّة أو مناطقيّة. فعطب الدّاخل هو الّذي يسهّل دائماً تدخّل الخارج، وبإصلاحه تتعطّل فاعليّة التأثيرات السّلبيّة الخارجيّة.
الجيل اللّبناني الجديد قادر على صنع "نموذج لبناني" يقوم على الديمقراطيّة السليمة في الداخل وعلى التحرّر من أي هيمنة خارجيّة في ظل الحفاظ على "نموذج لبنان المقاوم" الّذي حرّر الوطن من الاحتلال الإسرائيلي، فذلك هو المدخل الصحيح لإنهاء أي وجود مسلّح غير لبناني شرعي على الأرض اللّبنانيّة. إذ طالما هناك احتلال إسرائيلي لأي أرض لبنانيّة, ستكون هناك حاجة أو مبرّرات أو أعذار لسلاح إقليمي آخر.
الجيل اللّبناني الجديد مطالب اليوم بأن يعطي نموذجاً في الاحتكام للمؤسّسات المدنيّة وللوسائل الدّيمقراطيّة في العمل الشّعبي والسياسي وفي رفض أسلوب العنف أو الاحتكام للسلاح مهما كانت سخونة القضايا الدّاخليّة أو صعوبة التّوافق حولها. فليكن الاحتكام إلى المؤسّسات الدّستوريّة وليكن العمل المدني أو التّحرّك الشعبي من أجل انتخابات سليمة تفرز مندوبين حقيقيين عن القطاعات الشّعبيّة وليس ورثة إقطاع سياسي ومالي في هذه المنطقة أو تلك، أو في هذا الكانتون الطائفي أو ذاك.
الجيل اللّبناني الجديد قادر على إيقاف التّعامل مع النّاس وكأنّهم قطيع من الغنم يسوقهم الرّاعي الطّائفي بعصا أو بفتات من العشب، ثمّ يورث القطيع لمن بعده في أسرته. فيبقى الغنم غنماً والرّاعي راعياً!!
المطلوب الآن في لبنان: نموذج من الجيل اللّبناني يحسم ازدواجيّة الشّخصيّة في الحالة اللبنانيّة، ليكون لبنان المستقبل هو شعلة نور لنفسه ولمن حوله، لا شعلة نار تحرق الأرض والشّعب والوطن.


*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن.
alhewar@alhewar.com

أنسي الحاج في مؤتمر قصيدة النثر: فتحنا الغرفة الممنوعة


هل لا تزال قصيدة النثر تحدياً بعد مرور نصف قرن على انطلاقها، هي التي واجهت طوال هذا الوقت جداراً من سوء الفهم والاتهام.
هل لا تزال منبوذة أم باتت عضوا عاديا في الصالون الأدبي.
هل انتهى عصيانها أم هي تواصل انشقاقها وتمردها.
هل لا تزال موصومة بالاعتداء على اللغة والتراث وبالتالي على الذاكرة القومية وعلى عمود الأمة، لم يكن الانتقال سلساً الى قصيدة النثر، فباختيارها هي وإرادتها هي تحولت الى قلق دائم في الضمير الأدبي. بل قلق دائم في الضمير الثقافي والسياسي أيضا.
دُمغت منذ ولادتها بالعقوق والتمرد، فهل بقيت مساحة فعلا للعقوق والتمرد أم دخلت في بيت الطاعة، ولم يعد هناك مجال للفضيحة التي غدت، كما قال بروتون، مستهلكة وعادية.
مؤتمر قصيدة النثر رغم كل هذا الوقت لم يكن مألوفا. لم يعرف أهله إذا تأخروا فعلا أم هم لا يزالون قبل الوقت. لقد ربحت قصيدة النثر وسادت اليوم لكنها مع ذلك متهمة بأنها جرّت الشعر الى عزلة مقيمة. لقد انتصرت، لكن هذا دوّخ النقد وجعله متخلفا عن لحظتها، وبقيت في انتصارها كما في بدايتها اليتيمة، وحيدة.
على كل حال، إنها خمسون عاما، ما يعني أجيالا على أجيال وأسئلة على أسئلة. ولا نعرف كيف يمكن لمؤتمر قصيدة النثر المنعقد في الجامعة الأميركية، بتنظيم برنامج أنيس المقدسي، أن يخوض في هذا الركام العملاق من النسيان ومن الإرجاء.
كان الافتتاح لأنسي الحاج الشاعر الذي كان ديوانه <<لن>> بنصه ومقدمته أحد البيانات المدوية لقصيدة النثر، ومنذ ذلك الحين طبع أنسي الحاج بشعره وشخصه وجها أساسيا لقصيدة النثر، والأرجح أن الشاعر الذي زلزل الجو الأدبي والثقافي بمغامرته الفنية التي بدأها وهو في الرابعة والعشرين لا يزال فتى خالدا، ولا تزال هذه الطاقة الشابة التي أطلقها هي نفسها بحجم تمردها وعنفها.
كان أنسي بهذا الشباب الأبدي صالحا ليتوسط أجيال قصيدة النثر، وليصل بين ضفافها العديدة، وليتكلم على تقاطع اتجاهاتها وتجاربها.
ذكر ماهر جرار بأنه تعلم قصيدة النثر على متكآت أنسي الحاج وأسعد خير الله في تقديمه لأنسي استعاد بعضا من نهايات شعره <<الشعر التام نسيان الشعر>> كانت هذه العبارة تصل أوائل أنسي بأواخره، كما تصل أوائل قصيدة النثر بأواخرها. بدأ أنسي بمعالجة سؤال خالد ما هي قصيدة النثر. كان جوابه هذه المرة إشكاليا <<مخلوق دخيل>>، <<كوكب الحرية>>، <<عشية طلعت من بركان أسود>>، <<بنت التمرد على أوزان القضاء والقدر>>.
الأجوبة معلقة كما الأسئلة، الحرية ليست شيئا محددا. والحرية تقيم في التناقض <<إيقاعية، وفالتة، متوترة، مرسلة، غنائية، منفلشة وقائلة ما لا تقوله الأوزان>>.
سؤال خالد آخر هو المباراة بين النثر والوزن. وأنسي يقرر مجددا أن ليس بين الوزن والنثر مباراة وأن قصيدة النثر لا تطمح في أن تحل محل الوزن وأن أهلها يحبون الأوزان حبهم للأغاني. إنها إرادة تعايش بين القصيدتين، الأولى الشعبية المقبولة المكرّسة، والثانية الشقية المتمردة.
مع ذلك فإن أنسي الحاج لا ينسى أن في النثر إيقاعا واحتمال أوزان جديدة. بل يسمى النثر <<بحراً>> لا حدود له. ليست قصيدة النثر بلا شروط، لكن شعراءها يخترقونها. إنها خيانات ضرورية. تقول القواعد شيئا وتقول الحياة شيئا آخر. من العام الى جانب يزداد خصوصية. إنها مأساة الرواد. مأساته الشخصية إذا جاز القول. ليسوا عمالقة ليكونوا عوالم كاملة وتكوينات تامة مغلقة. لقد وجدوا مفاتيح لأبواب لم يملكوها ولم يغلقوها على أعمالهم. وضع مؤلم كما يقول أنسي بل يرشح ألماً عندما يسمى جيله أقزاماً ويرجو أن تتخطاهم الأجيال الجديدة بل تدفنهم. من المأساة الى نشيد القيامة والانتصار. هكذا يتطلع أنسي الى كتابة تشفي، تنقذ، تخلص. لا تنكر بل تضيف إضافة النعمة. كتابة هي وليمة للقوة التي تغلق البؤس واليأس، وليمة الخلاص. خليط من نيتشوية ومسيحية، بل لغة نيتشوية ومبنى مسيحي. هكذا ينهي على وقع تصفيق حاد خطابه بنشيد النعمة والقوة والخلاص. جمهور غير معتاد في هذه القاعات بعدده ومصادره انجذب الى العالم الخاطف الذي فتحه أنسي وجعله يدفق على الجميع، قبل أن ينهي كلمته ويعود كل شيء الى مكانه الأول.
السفير

معلومات عامة عن (مركز الحوار العربي) في واشنطن


في خريف عام 1994، دعت مجلة "الحوار" التي تصدر في واشنطن منذ العام 1989، الى تأسيس "مركز الحوار العربي". أمور كثيرة أدركها المتفاعلون مع تجربة "مركز الحوار" في مسيرة السنوات الماضية، وفي ندواتٍ تجاوز عددها ال 630 ندوة، بدايةً في الحوارات العميقة حول الهوية وحول مفاهيم المصطلحات وحول الثقافة العربية والحضارة الإسلامية، ثم حول أوضاع الجاليتين العربية والإسلامية في أميركا وقضايا سياسية وإقتصادية كثيرة شملت العلاقات العربية/الأميركية وشؤون عربية عامة إضافة إلى مواضيع تعاملت مع خصوصيات بلدان عربية. ينتمي المشاركون في ندوات "مركز الحوار"، إلى أوطانٍ عربية متعددة وإلى اتجاهاتٍ فكرية وسياسية مختلفة، وإلى تنوعٍٍ أيضاً في الطوائف والمهن والأعمار والمستويات العلمية، لكن يشترك الجميع في الحرص على الهوية الثقافية العربية وعلى أهمية أسلوب الحوار للتعامل مع الموضوعات ولتبادل الأفكار والآراء.
في مسيرة السنوات الماضية، أقام المشتركون في المركز حالةً نموذجية لما يحلمون به للمنطقة العربية من مراعاة للخصوصيات لكن في إطارٍ تكاملي عربي وبمناخٍ ديمقراطي يصون حرية الفكر والرأي والقول. فلقد جسَّدت تجربة المركز حالة مختبريََّّة (تماماً كما هي المختبرات العلمية التي تقيم التجارب لتصل إلى القوانين الصحيحة) لِما هو منشود للعرب جميعاً. والحمد لله، نجحت هذه التجربة في الاختبار، بل أصبحت الآن قيد التطبيق في أماكن أخرى عديدة داخل أميركا وخارجها، فهناك مراكز ونوادٍ تأسست الآن في أكثر من مكان (ولا علاقة لها من الناحية التأسيسية أو الإدارية مع مركز الحوار)، كلّها تبنَّت الفكرة وأخذت من "مركز الحوار" ومطبوعاته وموقعه على الإنترنت ما هو أساس لبدء تجارب شبيهة. مركز الحوار هو الآن ندوات دورية أسبوعية في منطقة واشنطن، وهو أيضاً مطبوعة دورية فصلية تصدر باللغتين العربية والإنجليزية تصل إلى أفراد ومؤسسات مهمة داخل أميركا وخارجها، كما يوجد للمركز أيضاً موقع على الإنترنت فيه توثيق لتجربة "الحوار" ولبعض ندوات المركز وبعض مواد المجلة، والكثير من المواضيع باللغة الأنكليزية والتي تساهم في طرحٍ صحيح للقضايا العربية. هذا هو المثلث الذي يعمل من خلاله الآن "مركز الحوار العربي" في واشنطن، وهو مثلث متكامل في عمله وفي نتائجه وفي آثاره، إذ لولا وجود مجلة "الحوار" منذ عام 1989، لَما أمكن وجود تجربة "مركز الحوار العربي" عام 1994، ولولا موقع "الحوار" على الإنترنت (بدأ في خريف عام 1996) لَما وصلت وتصل هذه التجربة إلى عشرات الألوف الذين يتابعونه دورياً في أميركا وأوروبا والمنطقة العربية. أنّ وجود تعددية فكرية في أي مجتمع تتطلب أيضاً تعددية سياسية في حياته العامة.
فوحدة الانتماء الحضاري ووحدة الانتماء الثقافي لا تعنيا إطلاقاً وحدة الانتماء الفكري أو وحدة الانتماء السياسي.. ولا يجوز أن يكون اختلاف الفكر والتوجه السياسي سبباً للخلاف بين الأشخاص أو لصراعات عنفية بين الجماعات في المجتمع الواحد. إن تعميق الهوية الثقافية العربية ومضمونها الحضاري النابع من القيم الدينية، أساس لبناء أي دور عربي مستقبلي أفضل في أي مكان. كذلك بالنسبة للعرب في أميركا حيث لا يمكن تحقيق دور عربي فعّال في المجتمع الأميركي ما لم نحقق أنفسنا أولاً.
وتحقيق الذات لا يمكن أن يتم في فراغ فكري وثقافي، ف"فاقد الشيء لا يعطيه"، ولا يمكن تحسين "صورة" العرب والمسلمين في أميركا ما لم يتحسن وضعنا أولاً: فكراً وأسلوباً. فتحسين "الأصل" هو المدخل لتحسين "الصورة".
لذلك هي أولوية موازية لأولوية التعامل المعرفي مع "الآخر"، بأن يعمل العرب والمسلمون في أميركا والغرب على تعميق معرفتهم بأصولهم الحضارية والثقافية وبالفرز بين ما هو "أصيل" وما هو "دخيل" على الإسلام والثقافة العربية.
كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية في أميركا والغرب، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار المباشر عبر الإعلام والإنترنت واللقاءات الخاصَّة. هي مهمَّة مزدوجة الآن أمام العرب والمسلمين في أميركا والغرب وفي كل مكان: تحسين وإصلاح "الجسم" (الواقع) بشكلٍ متزامنٍ مع تحسين وإصلاح "الصورة"، وبناء الذات السليمة مع بناء المعرفة الصحيحة لدى الآخر. وهذه المسائل كانت من دواعي تأسيس "مركز الحوار العربي" عام 1994 ..
فالمرحلة الآن – وربّما لفترةٍ طويلة - هي مرحلة إقناع المواطن الأميركي والغربي عموماً، بمن نكون "نحن" أكثر ممّا هي "ما الذي نريده"، خاصة في ظل الحملات الداعية الى "صراع الحضارات" . ان "مركز الحوار العربي" هو تجربة متواضعة بإمكاناتها وبمقر ندواتها، لكنها تعتز بدورهاالنوعي وبأسلوب الحوار فيها القائم على مخاطبة العقل والفكر، بدون أي قيد، إلاّ شرط الاحترام المتبادل للأشخاص والآراء معاً.
صبحي غندور
(مدير "مركز الحوار العربي")
**
لمزيد من المعلومات عن مركز الحوار
الأنشطة القادمة لمركز الحوار
لائحة الأنشطة الماضية
مختارات من مواضيع ندوات سابقة في المركز - باللغتين العربية والأنكليزية
مختارات من مقالات لناشر مجلة الحوار (صبحي غندور) - باللغة العربية
صفحة أراء ومقالات - باللغتين العربية والإنكليزية
صفحة خاصة عن العرب والإسلام - باللغة الإنكليزية
صفحة خاصة عن حقوق الشعب الفلسطيني - باللغتين العربية والإنكليزية
صفحة خاصة عن جمال عبد الناصر - باللغتين العربية والإنكليزية
صفحة خاصة عن جبران خليل جبران وأمين الريحاني - باللغة الإنكليزية
حول الإشتراك في الحوار

الخميس، مايو 18، 2006

حنا مينه: أود أن أموت أو أجد من يقتلني


دمشق: سعاد جروس
الشرق الأوسط
الطريق إلى منزل حنا مينه يتطلب صعود ما يشبه تلة. ثمة هواء نقي يشكل متنفسا لبحار الرواية السورية، وكأنه في ابتعاده عن مركز المدينة، يستعير بقعة فسيحة يرتاح فيها من الضجيج والتلوث، على طرف مساكن «برزة».
منزل بسيط، يشبه إلى حد بعيد صاحبه، الذي أمضى عمره يكتب عن الفقراء والبحر. إلا أن بساطة حنا مينه ليست متأتية من فقر، فهو لا يفتأ يكرر جملته: «أربح الكثير وأصرف الكثير». ومن يطأ عتبة بابه، لا بد يدرك معنى هذه الكلمة، من حسن الاستقبال إلى كرم الضيافة.
«لا قيمة لشيء سوى الكلمة»، هكذا قال لنا حنا مينه حين احتد الحوار، ونحن نجالسه في مكتبه الصغير تتناثر حوله كتبه وحاجياته: «أهم شيء عندي الكلمة، أنا لم أكتب يوماً حرفاً لم اقتنع به، ولا أكتب للسلطة». عشقه للكلمة جعله يتأنق بها، فتدفقت في رواياته سلسلة، تؤدي رقصتها الشعرية برشاقة نادرة. كتب عن نفسه وعائلته التي تشردت من لواء اسكندرون.. عن والدته ماريانا ميخائيل زكور، قبل أن يمخر عباب الرواية مواجهاً عين العاصفة، أبطاله من لحم ودم، نراهم حيث تلفتنا؛ قبضايات وشجعان، فقراء المال وأغنياء النفس، بطلاته عاهرات الجسد عزيزات الروح. كتب عن العوالم السفلية للمرافئ ومدن الساحل المفتوحة على أهوال البحر، وانتقم لطفولته البائسة، ولأخواته الخادمات، انتقم للقهر والتشرد الذي لقيه في ميعة الصبا، لكنه انتقام المحب المتعاطف، لا الحاقد الناقم.
ها هو الآن يعيش سنته الثانية بعد الثمانين، ويقول وكأنه يتحدث عن شخص آخر: «حنا مينه، هذه الأيام، يتذكر ماضيه وأخواته». هذا الماضي يعرفه كل من قرأ رواياته التي سعى من خلالها إلى إبراز الوجه الإنساني في عوالم تنتهك فيها الحقوق الإنسانية وينحطّ البشر. هذا سر الشغف برواياته التي لا تزال على قوائم الكتب الأكثر مبيعاً محلياً وعربياً. أكد مينه دائماً، وها هو يقول لنا من جديد، إنه مرتبط بعقد مع «دار الآداب»، ورواياته تدر عليه مالاً وفيراً، ينفقه بالكامل، ولا يحتاج إلى شيء سوى معرفة: «ما الذي أريده من الحياة؟! لغاية الآن لا أعرف ماذا أريد؟! رغم بلوغي أرذل العمر»، ويتابع «لدي رغبة وحيدة هي أن أموت أو أجد من يقتلني، وأنا مستعد لدفع نصف مليون ليرة سورية مكافأة لمن يقتلني». الأمر يبدو لنا عبثياً فنبدي استعدادنا لنشر إعلان يقول: «حنا مينه يبحث عن قاتل يخلصه من نفسه»، هذا إذا لم يتراجع عن رغبته. ينتفض حنا مينه ويغضب من قولتنا هذه ويجيب: «حنا مينه لم ولن يتراجع أبداً عن كلمة يقولها».
لم يتوقف حنا عن الكتابة، له في كل عام رواية جديدة، آخرها كان «الذئب الأسود». يأتي قراؤه بالعشرات إلى معرض الكتاب السنوي في دمشق ليحصلوا على رواية ممهورة بتوقيعه وبضع كلمات يعتبرونها أثمن ما تحتويه مكتباتهم، رغم ما يوجه إليه من نقد لاذع، حول تكرار نفسه في السنوات العشر الأخيرة. فمنذ بدأ العمر يتقدم به نحو العقد الثامن، لم تعد علاقته بالعالم الخارجي كما كانت، بات يمضي جل وقته في المنزل بعدما غادر عمله في وزارة الثقافة منذ عدة سنوات، عدا ظهر يوم الخميس حيث يقضي بضع ساعات في مقهى البرازيل بفندق الشام، يلتقي الأصدقاء والصحافيين الذين يستقبلهم في بيته أيضاً.
يحدثنا مينه عن صحافي نشر معه حواراً كاملاً، دون أن يلتقي به.. يضحك مستهزئاً: «أنا أتفهم لماذا يفعلون هذا، يعتقدون أنه لا بد له من إجراء حوار معي وحين لا أعطيهم حواراً، يجرونه وحدهم». نعلق منتهزين الفرصة: «عندما ننشر حوارنا معك لا تقل إنك لا تعرفنا». مع أن زيارتنا لشيخ الرواية لم تكن لغايات صحافية، لكن إغواء الكتابة عن عالم هذا المبدع يكاد لا يقاوم.
يتنهد قليلاً ويجيب واصفاً نفسه: «حنا مينه طويل البال، عندما أصدرت دار الحوار للنشر كتاباً يقول إنني سرقت حكاية بحار، أشار علي الأصدقاء برفع دعوى قضائية، لم أفعل لأني طويل البال. هناك شاعر صرف خمساً وعشرين سنة وهو يشتمني، وعندما لم يجد فائدة من ذلك جاء الى في بيتي، فاستقبلته وقبلته. كانوا يقولون حنا كافر، وأنا أقول لا يوجد إنسان كافر، كل واحد يؤمن بشيء، الشيوعيون أيضاً لديهم قضية يؤمنون بها».
يرشف من فنجان القهوة ومن كأس بجوارها. لم يكن فنجان القهوة هو ذاته الذي أخبرنا في مرة سابقة أنه فنجان قهوة أمه الذي ما زال يحتفظ به منذ خمسين عاماً، نسأله عنه فيجيب: «إنه في المتحف، انكسر ورممته ووضعته في الفيترينا، كان لدي أحلام كبيرة كان همي إقامة متحف بحري».
لكن رواياتك هي خير من وثق حياة البحر والمرافئ، يقاطعنا: «ما نزلت البحر إلا والعواصف هائجة».
على طاولة صغيرة احتلت زاوية جانبية من غرفة المكتب المكتظة بالكتب واللوحات والصور التذكارية والعائلية، اصطفت علبتا دخان احداهما وطنية؛ تبغه المفضل، والأخرى فرنسية، الى جانب فنجان القهوة وكؤوس ماء وشراب. يستل سيجارة ليشعلها، ونسأله: كم علبة تدخن في اليوم؟ يجيبنا: «الذي يسكر لا يعد الأقداح». نعاود ونسأله: لماذا تدخن نوعين من التبغ في وقت واحد. يقول: «لأني مجنون... رزقت أمي بثلاث بنات كن في ذلك الوقت ثلاث مصائب، فطلبت من ربها أن ترزق بصبي كيف ما كان يكون، فجئت أنا هكذا كيفما اتفق».
تعيّن على الطفل الذي جاء الى الدنيا كيفما اتفق عام 1924 أو بالخطأ، كما يعود ويؤكد، أن يهاجر مع عائلته من اللاذقية الى مدينة السويدية في لواء اسكندرون، ومن ثم الى الريف ليدخل في الثامنة من عمره المدرسة، وينال الابتدائية عام 1936، ويوقف دراسته. لم يكن بالإمكان إرساله لمتابعة تعليمه، بالكاد كان لديه «صندل» ينتعله شتاء، فيما يمضي شهور الصيف حافياً. فالأب كان حمالاً في المرفأ، وأحياناً بائعاً للحلوى أو أجيراً في بستان؛ وكثيراً ما كان يترك عائلته ويرحل بحثاً عن عمل، لتبقى الأم تعاني مع أطفالها من الخوف والجوع، ما اضطر حنا للعمل في سن مبكرة، فاشتغل مثل أبيه حمالاً في المرفأ وكسب قروشاً زاد دخل الأسرة المؤلف من قروش أخرى هي أجرة أخواته، وغلة أبيه. ولاحقاً اشتغل في دكان حلاق، واقتصر عمله على شد حبل مروحة كرتون مكشكشة بالورق الملون لإبعاد الذباب وتجفيف عرق الزبائن.
في الدكان تفتحت مواهبه فاحترف كتابة الرسائل للجيران، كونه الوحيد الذي يفك الحرف في حي «المستنقع» الذي عاش فيه، قبل أن ينتقل من اللاذقية الى دمشق 1947، ويعمل في الصحافة، والأدب وتبدأ رحلة تشرده من أوروبا الى الصين. وكان لأولى رواياته «المصابيح الزرق» عميق الأثر وبالأخص لدى الشباب الثوري.
قلت له: روايتك «المصابيح الزرق» كانت أول رواية سورية أقرأها، و«بقايا صور» أثرت في كثيراً، لكن الرواية التي أبكتني هي «الربيع والخريف» حين وصفت نكسة حزيران. علق على كلامي: «أما أنا فالرواية التي أبكتني كثيراً هي «حمامة زرقاء في السحب» إنها قصة ابنتي التي أصيبت بالسرطان، وأخفيت الأمر عن أهلي لمدة عامين، عندما أخذتها للعلاج في الخارج، قالت لي: لا أريد ان اضيع مستقبلي..». لا يخفي حنا مرارة الذكرى ولا تلك الدموع التي خطرت على شفير الجفون، تهدج صوته برعشة حزينة: «لم اعرف ربي إلا عندما شال ابنتي سنة 1982...». تعثرت الكلمات في فمه. حاولنا الهرب من ذكرى مؤلمة عاودته إلى الحديث عن بناته الثلاث سلوى وسوسن وأمل، طبيبتين ومهندسة، متزوجات ولا ينقطعن عن زيارته. ثم سألناه عن وحيده الممثل سعد مينه، الذي استقل في بيت آخر استعداداَ للزواج، جميع أفراد العائلة حوله مع زوجته الطيبة مريم التي لم تفارقه أبداً، «البيت حوله ممتلئ دائماً، إلا ان حبي الأكبر لسعد، الدنيا ليس فيها سوى سعد».
نسأله عن الأصدقاء فيتحدث عن لحظة تلقيه نبأ وفاة محمد الماغوط: «كنت مستلقياً بعد الظهر حين رن الهاتف هرعت لأستطلع من المتصل، جاءني صوت مراسلة صحافية، تخبرني أن الماغوط توفي، فأجهشت بالبكاء غير مصدق، فقالت لي دع البكاء لوقت آخر أعطني الآن تصريحاً صحافياً!! محمد صديقي، أحبه كثيراً، سألته إن كان يقبل أن أرشحه لنيل جائزة، وكان عنده أنفة وعزة نفس، قال لي: لا ترشحني إذا تذكروني كان به. وفعلاً تذكروه ونال جائزة، الله يرحمك يا محمد».
تداعت الذكريات لتصل إلى نزار قباني فترحم عليه مردداً قول بدوي الجبل فيه «إنه آخر سيف دمشقي معلق على الجدار»، كما مر على ذكر المرحوم القصاص البارز سعيد حورانية فوصفه بـ«الزكرت» (أي الشهم). ثم سألناه عن الأحياء وقصته مع اتحاد الكتاب. فرمقنا بنظرة من خلف دخان سيجارته قبل أن يعود ويطرق بنظره: «أنا أسبح في السياسة كما تسبح السمكة في الماء. لقد انسحبنا من الاتحاد أنا وسعد الله ونوس من أجل أدونيس. كان همه الحصول على جائزة نوبل ومستعد لأي شيء من أجل ذلك».
يشرد قليلاً، ويعيد ممازحاً، كلاماً لسعيد عقل سمعه منه مستحضراً نبرة صوته الأجش: «إلياس أبو شبكة قال عنك إنك عبقري؟ ولذا لم أزره بالمستشفى، لأن ليس هناك سوى عبقري واحد هو سعيد عقل. أنت يا حنا تستحق جائزتي، لكنك سوري. يتبع كلامه بضحكة قصيرة: أحب سعيد عقل».
يتشتت الحديث مع ندف الذاكرة، وتحضر الأسماء والشخصيات لأكثر من ساعتين كانت خارج سياق المألوف، في تدفق حر وعفوي لمبدع لم تهدأ جذوة الثورة في أعماقه، كذلك لم تخل استشهاداته من أبيات شعر للمتنبي، لنصل الى سؤال مزمن يلقى على مسامعه، من قبيل المزاح أو الجد، وهو كيف يكرر دائماً أنه لم يحب امرأة في حياته، ورواياته تعج بالمغامرات العاطفية؟ ينتفض متحديا: «حنا لم يحب في حياته...».
لكن هناك نساء أحببنك؟
«هذه هي البلية... أنا حساس تجاه المرأة! لو أنني كنت حساساً وقادراً، شيء جيد. لقد كتبت بجرأة وعلَّمت الجرأة. أسهل طريقة للتحرر من الخطيئة، هو الاعتقاد بأن كل ما نفعله بصدق هو أخلاقي».
مضت ساعات اللقاء، وكأنها لفرط متعة الصحبة لم تكن سوى لحظة، ودعناه وفي النفس توق للبقاء. وعلى طريق العودة كان في البال بعض من أشعار رددها على مسامعنا:
أحمامة تبكي على الصيف
المودع أم علينا
كنا الملوك على الشباب
وكانت الدنيا إلينا
كنا الغصون الخضر
في كف الملاحة والتوينا.

الثلاثاء، مايو 16، 2006

صفحة مريم الراوي


لقراءة جميع مقالات الكاتبة انقروا على اسمها الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

الاثنين، مايو 15، 2006

صفحة عصام يوسف


لقراءة جميع قصائد الشاعر انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة شربل بركات


لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة سعيد علم الدين


لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة سعيد الشيخ



لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة زياد جيوسي



لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة رشا ارنست


لقراءة جميع مقالات الكاتبة انقروا على اسمها الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

الأحد، مايو 14، 2006

مقالات حسان الباهي


لقراءة جميع المقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة جمال الدلة


لقراءة جميع المقالات انقروا على اسم الكاتب الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة الياس بجّاني


لقراءة جميع المقالات انقروا على اسم الكاتب الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

صفحة إلهام ناصر


لقراءة جميع القصائد انقروا على اسم الشاعرة الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

مقالات أشرف عزت


لقراءة جميع المقالات انقروا على اسم الكاتب الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

مقالات ابراهيم علي


لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

مقالات إبراهيم عباس نتّو


لقراءة جميع المقالات انقروا على اسم الكاتب الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى:

السبت، مايو 13، 2006

لا.. للهجوم على الصحافة المستقلة في البحرين

شجبت قيادات صحافية عربية وبقوة محاولة تكميم الصحافة الحرة في البحرين بعد قيام عدد من سياسيي التيار الإسلامي بهجوم مغرض واستفزازي ضد رئيس تحرير صحيفة رائدة في البحرين.

وأدان اجتماع نظمه الاتحاد الدولي للصحفيين بهذا الصدد أمس في بيروت برئاسة الأمين العام للاتحاد إيدن وايت، أدان موجة التهديدات والإساءات التي تستهدف شخص رئيس تحرير صحيفة الأيام عيسى الشايجي، بعد مهاجمة عدد من النواب صحيفة الأيام لصراحتها واستقلاليتها في الطرح والتغطية.

وفي الوقت الذي استهدفت فيه الصحيفة يوم أمس في عدد من خطب يوم الجمعة في المساجد في كافة أنحاء البلاد، تم نشر عدد من البيانات والتصاريح التي تنتقد رئيس التحرير في عدد من المواقع الالكترونية والصحف الإسلامية، كما استلم الشايجي 40 رسالة تهديد وشتم.

وقال المشاركون في اجتماع بيروت: "إن هذا الهجوم على زميل محترم وبارز في عالم الصحافة لهو نموذج صارخ للسلوك غير الديمقراطي وغير المتسامح للسياسيين المتطرفين، والذي بات يمارس بازدياد ضد الصحافة الحرة". وأضافوا:" نحن نطالب السلطات في البحرين بالتدخل لوقف هذه الاهانات في حق الصحافة الحرة المستقلة".

كما دعا الاجتماع وبالإجماع الاتحاد الدولي للصحفيين إلى التدخل على مستوى الأمم المتحدة واليونسكو لشجب هذه الحادثة.
وقال الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين إيدن وايت:"إن هذه الحادثة تظهر وبوضوح مدى هشاشة وضع حرية الصحافة في المنطقة"، وأضاف:" إننا كصحافيين أصحاب حق في ابداء استياءنا وغضبنا من هذا الشكل من الارهاب المنظم ضد صحافي معروف، ونريد من السلطات موقفا إزاء هذه الحملة، وفي حالة بقاءهم صامتين، فإن ذلك سيشجع على مزيد من التطاول والهجوم مستقبلا".

وأكد الاجتماع إن صحيفة الأيام قد تعرضت لهذا الهجوم بسبب توجهها الليبرالى والتعددي، وقد كانت محل تركيز لانتقادات الاصوات المتطرفة مثل، المنبر الإسلامي، والأصالة.

وقد ضم الإجتماع قيادات صحافية من الجزائر، العراق، إيران، فلسطين، لبنان، المغرب، تونس، الأردن، الإمارات العربية المتحدة والبحرين واليمن، بالإضافة إلى ممثلين لاتحادات الصحفيين في بريطانيا وإيرلندة، ألمانيا وبلجيكا

نكتة عراقية


بقلم حسن عبدالرزاق
نقلاً عن دروب
1- كلما مرت من أمامي وهبتني نظرة خاطفة .
2- عقب النظرة المح على شفتيها شبح ابتسامة تشبه العطر الناعم.
3- انا معلم وسيم وزوجها ضابط شرطة له وجه يشبه الحرب العالمية الثانية.
4- (وهذا اهم سبب يدعوني للتيقن من عشقها لي ) انها من العاصمة .. وبنات بغداد - كما قيل لي – يعشقن سمرة الرجال الجنوبيين حد الجنون.اذن ، عصر هذا اليوم سوف اتابعها حين تخرج للتبضع.. وسأرمى قرب اذنها فراشة اعجاب ذات الوان كطلاءات وجهها .. سافعل هذا في زحام السوق وانا امر بمحاذاتها .. ولن التفت صوبها خشية من عيون المقهى المليئة بالرجال المراهقين . فلربما يكون واحد من الشرطة العاملين تحت امرة زوجها موجودا هناك بملابس مدنية وتحصل الكارثة.الزحام هو الوحيد الذي يساعدني علىتنقيط قطرة الندى الاولى عليها .. لان مدينتنا صغيرة والعيون تلتقط كل شيء وذلك لا استطيع مفاتحتها في الشوارع الهادئة.
× × ×
واضع هذه الخطة هو يوسف سليم المعلم في مدرسة ابتدائية ..الاعزب لحد السنة الرابعة والثلاثين .. والهارب كل ليلة من برودة الفراش إلى نادي الخمور الاوحد في المدينة .والشهادة لله إن يوسفا من اادب الرجال واكثرهم خجلا إلى الحد الذي يرتد بصره حالاعن وجوه النساء بدون إن يتمعن به ولو لثوان.كما نوّقع معه على انه وسيم رغم إثر الجرح القديم في خده والذي سبب له عقدة مستمرة انطبق عيها المثل المصري الشائع (الحلو ميكملش).
× × ×
انتظر يوسف خلف الشباك خروج جارتهم الجديدة ..وحينغادرت دارها المقابل لدارهم انسل بخفة وطفق يتابعها على بعد رصيف ونصف ثم قرر إن يضيق المسافة بينهما عندما وجدها تقترب من السوق.
× × ×
طوال تلك الارصفة التي قطعها لم تنقطع التفاتاته إلى الخلف.. فقد ظل يسمع خطوات زوجها وهي تقرع الأرض بحذائه العسكري القاسي وكلما اطمان من وهمه عاد وتوهم ثانية والتفت مستطلعا .. فوجه ذلك الرجل ممكن إن ينبثق في اية لحظة حتى وان كان هذا اليوم ذاهبا بمامورية إلى احدى المدن المجاورة.
× × ×
اسمع يا يوسف:
1- هي الان دخلت في السوق.
2- ستكون انت إلى جانبها بعد ثلاث دقائق فقط.
3- قل لشفتيك إن يتشجعا مرة واحدة ولايمارسان الارتعاش عند الاقتراب من النساء.
4- موسق صوتك حين ترمي الكلمة عيها.ركز على الوصية الثالثة بالذات .. ووجد إن حبة الفاليوم التي تناولها سوف تتولى امر السيطرة على الارتعاش .. وسرّع خطواته لعل الزحام الذي سيحتويه يخلصه من هذا الكلب ابن الكلب زوجها.داخل السوق كان الزحام يولد ضوضاء كالطنين وهذه مؤازرة رائعة من الحظ له فهو سيرمي كلمة الاعجاب قريبا جدا من اذنها .. ويمرر جهة خده من طرف عينها لتلحظه .. أما رد الفعل فسوف يقراه في وجهها عندما تعود وتجده واقفا بباب الدار وقد اتخذ (بوزشن) مبتكر لا يشبه الذي اتخذه البارحة. تسارعت خطواته اكثر وزاغ عن الاجساد التي تعيقه واطمان إلى إن زوجها المتجهم غاب عن خياله ثم صار على بعد خطوتين منها ورتب الوان فراشة اعجابه والقاها وهو يمر بمحاذاتها:- كل النساء في هذا السوق ورق يابس وانت الوردة الوحيدة .
× × ×
فعلا كانت جملة شعرية لايجيدها الا المولهون .. وفعلا احس بانتشاء عندما القاها .. وكاد ان يطير إلى الفضاء منتعشا .. مزهوا في اعقابها .. لولا الصوت الاجش من فرط التدخين الذي زعق به من الخلف والكف التي سحبته من ياقة قميصة المعطر:- انت أيها الحيوان.. قف ولاتهرب. يا للمصيبة .. الصوت جاء عاليا بحيث اسكت كل ضوضاء السوق وحوّل عيون المقهى صوبه .. والغضب الذي فيه لايشبهه الاغضب الشرطة.توقف يوسف وهو على حافة الانهيار .. وارتعشت ليست شفتاه وحدها بل كل جسده .. وخلع في تلك اللحظات كل كبريائه وكرامته ووضع على لسانه عبارة اعتذار ذليلة ليقدمها إلى صاحب الصوت الاجش .. لكنه حين استدار لم يتمكن لسانه من فعل أي شيء .. ووجد نفسه بلمح البرق مترنحا ودوار شديد يرجرج راسه.فقد تلقى صفعة قاسية جدا .. اطارت انتعاش روحه .. وكبرياءه الذي يتباهي به دائما وجعلته يندفع مسرعا إلى خارج السوق وهو لايفكر الا بطلب النقل إلى مدينة اخرى.
× × ×
ما الذي جرى حتى حصل هذا ؟:
1- كانت الفتاة التي القى عبارة الغزل عليها هي جارتهم نفسها.
2- لم يكن صاحب الصوت الاجش زوجها لانه كان فعلا خارج المدينة.
3- كان الصوت الاجش للفتاة نفسها والصفعة قد جاءته منها.
4- (وهذا هو السبب الذي قاد يوسف إلى الوصول إلى هذا المشهد المحرج ) إنه اكتشف للمرة الاولى إن الغادة البغدادية التي ارتضت بزوج مرعب الوجه كانت حولاء وان كل نظراتها السابقة لم تكن موجهة له ابدا.
× × ×
إن هذه النكتة لو حصلت في أي مكان آخر لانتهت عند هذا الحد .. لكن النكات العراقية لابد إن تجعل الدموع تسيل من فرط الضحك وهذه خاصية تتفرد بها. ففي ضحى اليوم التالي .. وبينما كان يوسف يفكر بالمدينة التي يكتب اسمها في ورقة طلب النقل .. كان الضابط يتخذ قرار اعلان الحرب العالمية الثالثة على هذا المعلم فقط انتقاما لشرف زوجته (الارتست ) سابقا . فبعد مكالمة تلفونية لاغير وجد يوسف داره محاطة بحلقة حديدية من الشرطة .. ثم وجد نفسه يمضي وهو مسور بها نحو المركز .. وتهمة الانتماء للشيوعية تدون في أوراق التحقيق قبل الوصول إلى هناك .. أما دليلهم الذي سوف يساعدهم في إرغامه على الاعتراف قسرا فهو إن يوسفا كان حليق اللحية والشارب ليس الا
.

الجمعة، مايو 12، 2006

زواج المرأة على زوجها



د. إلهام مانع

أحلامنا لن تتحقق بالصمت.
صمتنا يخنقها.
ولأن الأمر كذلك، أعود بكم من جديد أعزائي إلى موضوع المرأة.

هذه المرة أوجه حديثي إلى عزيزي القارئ.
نعم.
أنتَ،
إليك أنت َ عزيزي الرجل... المسلم تحديداً.
أنت أحدثك.

تخيل عزيزي أنك تجلس في بيتك بعد يوم عمل طويل.
تجلس راضياً، سعيداً، هانئاً.
تجلس بين أطفالك، وهم يمرحون، يلعبون، ويضحكون.
وأنت تنظر إليهم، نفسك مطمئنة.
العالم كله بين يديك في هذه اللحظة.
ثم تدخل عليك زوجتك.
شريكة عمرك على مدى 15 عاماً، عشتما فيها على الحلوة والُمرة، حتى أنعم الله عليكما بالراحة وإن كانت مغموسة بالجهد.

إذن، دخلت عليك زوجتك، وهي تبتسم نصف ابتسامة، فيها حرج، وفيها تثاقل.
عيناها تتواريان عن عينيك، تنفران منهما ... خجلتان.
تقول لك "علي أن أفاتحك في موضوع ثقيل علي نفسي".
تقول لك ذلك وهي تبتلع ريقها بصعوبة.
وأنتَ مدهوش، لا تدرك ما الأمر.
ثم تقول لك "لقد قررت بعد تفكير طويل أن أتزوجَ عليك".
مذهول أنت الآن لا تنطق.
وتكمل قائلة "لا تخشى شيئاً حبيبي، فحقوقك ستكون مصانة. سأقسم الأسبوع بينكما، ثلاث ليال ونصف يوم مع رجلي الجديد، وثلاث ليال ونصف معك أنت يا أبو الأولاد".
لسانك سُحب منك أيها المسكين، لا تدري ما تقول، أو لعل الكلمات فرت من عقلك، فأصبح عقلاً لا يتكلم، بلا كلمات!
تُردفُ محتدة قليلاً وهي ترى وقع الطعنة التي وجهتها إليك على معالم وجهك "لا تنسى أنك في الفترة الأخيرة أهملت في نفسك كثيراً. ولم تقم بواجباتك الزوجية كما يجب. وأنا بشر، لدي احتياجاتي، يجب أن أشبعها، ولا أرى أفضل من الحلال طريقاً لإشباعها. لكن لا تقلق، فكل مطالبك المادية سأوفيها لك بالتمام".

تقول لك ذلك، ثم تقوم من أمامك سريعاً قبل أن تعود إليك الكلمات.
وذهنك في الواقع محموم.
لا يفكر سوى في كلمة "زوج جديد"، كفردةِ حذاء جديدة.
"رجلٌ أخر"، كعجلة سيارة احتياطية حلت محل العجلة القديمة.
رجل تذهب إليه زوجتك لتقضي معه ثلاث ليال ونصف يوم بأكملها، تدخل إلى فراشه بعد أن تخرج من فراشك، رائحتك لا زالت ملتصقة بجلدها، لكنها على ذلك لا تتواني عن أن تداعبه، تضاحكه، ثم تمارس الحب معه، تماماً كما تمارسه معك.
ثم تأتي إليك وعلى جلدها رائحته.
زوجتك.
امرأتك.
شريكة عمرك.
حبك.
هي مع رجل أخر، يعيشان معاً وأنت مركون في زاوية لكن بصورة شرعية.
زواجهما شرعي.
أنت وهو شرعيان.

هل تبتسم الآن عزيزي القارئ؟
معك حق. فأنا أكاد أبتسم أنا الأخرى.
أي كلام فارغ هذا؟
المرأة لا تتزوج على رجلها.
تفعل ذلك في بعض قبائل الأمازون. لكن هذا شأن أخر.
الرجل هو الذي يفعل ذلك في مجتمعاتنا.
وأدرك أن بعضاً منك يريد أن يلملم تلك الكلمات ثم يرميها في وجهي.
تلك صورة ذهنية لا تصح للرجل.
لم توجد للرجل.
بل وجُدت، وضُعت، وصممت للمرأة.

وأنا أسألك لماذا؟
لماذا يجب على المرأة أن تقبل بهذا الوضع، إذا كنت لا تقبلَ حتى بمجرد تصور الوضع مقلوباً، على رأسك.. إذا سمحت.
لماذا يجب عليها أن تقبل بذلك؟

لماذا يجب عليها أن تقبل لا بامرأة جديدة... لا... بل بثلاثة.
لماذا يجب عليها أن تستنشق روائحهن، في كل مرة تُقدم فيها عليها.
لماذا؟
ثلاثة، ومعهن هي، يصبحن أربعة.
وتطالبها بعد ذلك أن تبتسم لك عندما تُقضي معها حصتها من الليالي.
وتطالبها بعد ذلك أن تقبل بقرارك، حدِ سيفك،
تحني رأسها،
راضية،
تدحرجه أمامك... كي لا تغضب،
كي لا تنقلب عليها... هي وأولادها.


سيقول لي بعضٌ منك، "لا تجادلي فيما أحله الله لي".
"هذا حق لي".

وفي الواقع أعرف أن هذا الحق مذكور في القرآن. لن أقول إنه غير موجود. بل هو موجود.
كما لن أجادل بالقول إن الآية التي تشير إلى إمكانية نكاح ما طاب للرجل من نساء، مثنى وثلاث ورباع، تنبه إلى إنه في حال خوف الرجل من عدم عدالته مع زوجاته، فعليه أن يكتفي بواحدة. هذا الكلام لم يعد مقنعاً لي اليوم، لأنه يريد أن يمسك العصا من الوسط، لا يريد أن يواجه المشكلة. بل يلتف عليها.
"ننصحك بعدم الزواج بأكثر من واحدة، لأنك قد لن تكون عادلاً".
وأنتَ تأخذُ بالنصيحة أو لا تأخذ.
مسألة فيها نظر.
فمن قال إن البشر ملائكة؟
ومنذ متى كانوا يستمعون إلى النصح؟
الرجل مباح له الزواج بأربعة، وهو يريد الأربعة، مادام ميسوراً، وقدراته الجنسية تساعده. والحاج متولي هو القدوة.

لا لن أجادل بهذه الطريقة.
تظل غير مقنعة في الواقع.
بل أشير إلى أن نفس هذه الآية التي تبيحُ وتقيدُ للرجل من الزواج من أربعة، تفتح له أيضاً مجال التسري بالجواري عندما تذكر عبارة "أو ما ملكت أيمانكم"!
الجواري!
التسري بالجواري حقٌ للرجل وفقاً للنص. نفس النص الذي يبيح تعددية الزوجات.
لكنه معطل وفقاً للمنطق، للعقل، والقانون.

اليوم، لا يخطر على بال بشر أن يشير إلى عبارة "ما ملكت أيمانكم" كحق للرجل. هل سمعنا أحد يكمل الآية كلما أسُتدل بها على شرعية الزواج بأربعة؟
سُيزج بالرجل إلى السجن إذا أكتشف أحدٌ أنه يملك جارية ويتسرى بها.
التسري بالجواري أمر يعود إلى الماضي.
كلنا يعرف ذلك.
كان مقبولاً في الماضي.
كلنا يحترم تاريخية هذا الأمر.
لكنه أصبح مرفوضاً قطعاً اليوم.
ومادمنا نحترم تاريخية هذا الجزء من النص، لما لا نحترم تاريخية القسم الأول منه؟
ما دمنا نُحرم الثاني بالقانون، ولا نعتبر ذلك خروجاً على ديننا الحنيف، لما لا نحرم الأول بالقانون، كما تفعل تونس وتركيا، وأظن أن الدولتين مسلمتان.
لماذا لا نفعل ذلك؟
لعل المشرع كان دائماً رجلاً، يراعي مصالحه وشهواته.
ربما.
ولعلنا أعتدنا على هذه الممارسة، نعرف أنها ظالمة، مجحفة بحق المرأة، لكننا نداري عليها،
ولا نطرح عليها علامات التساؤل.
ومنذ متى كنا نطرح علامات التساؤل؟
ألم نعتد على الظلم من حكامنا؟
أو لعلنا لا نتعامل مع الزواج كرابطٍ يجمع بين الرجل والمرأة على الحلوة والمرة، يقوم على المودة والرحمة، في الصحة والمرض، حتى يفرقُ الموت بينهما؟
ألم ينشرح صدرك لهذه العبارة عزيزتي القارئة؟
وأنا كذلك.

لا أريده رباطاً مقدساً.
فالزواج علاقة يمكن حلها.
بل أريده رباطاً نحترمه،
نُجله،
ونتعامل مع طرفيه، الرجل والمرأة، بما يستحقاه من الاحترام.

إذن أعود إليك عزيزي الرجل، المسلم تحديداً.
أسألك وأنت تبتسم،
أن تتخيل،
للحظة،
لثانية،
تتخيل زوجتك في حضن غيرك،
تضاحكه،
تداعبه،
تبتسم في وجهه،
ثم تمارس الحب معه.
ثم قل لي،
لما يجب على امرأتك أن تقبل بهذا الخيال واقعاً عليها؟

*كاتبة يمنيه