السبت، مايو 27، 2006

المغرب .. بهجة الحواس، يسكنها الزائر .. فتسكنه



حسن العاصي

لا تستطيع مغادرة المغرب دون أن تصاب بحمى عشقها , فعلى تلك الأرض الطيبة مر الرومان والبيزنطيون , ومنها انطلق ابن خلدون والإدريس وابن بطوطة وابن رشد وابن طفيل , وفيها أدار طارق بن زياد ظهره للبحر وقال عبارته الشهيرة واقتحم .
بعد غربة طوت سنواتها شهورها , كان المغرب أول بلد عربي يفتح أحضانه لاستقبالي ,
غربة قسرية طالت أكثر مما توقعت حالت بيني وبين ذاك المكان الفسيح بجغرافيته ويضيق بأحلامنا ويسمى وطنا , لا يفوتني هنا أن أسجل التقدير لطاقم السفارة المغربية في كوبنهاغن التي سهلت أمر زيارتي .
من مدينة ماربيلا الجميلة في أقصى الجنوب الإسباني توجهت عبر ميناء الخسيرة على ظهر باخرة صغيرة أقلتني إلى الضفة الأخرى , إلى بلاد المغرب , البلاد التي تعبق بحضارات الموحدين والمرابطين والأدارسة في مساحة تقع بين الأطلسي والمتوسط , بلاد تمتزج فيها الأصالة العربية بامتدادها الإفريقي بتطلعات أوروبية , لوحة سريالية تمتزج فيها الأبعاد الأندلسية والمغاربية والأمازيغية , عنوان انصهرت فيه جميع تلك الثقافات بخصوصية رسمها التاريخ ويلونها الحاضر بتفاعلاته الفريدة .
قدمت إلى المغرب وفي مخيلتي انطباعات شتى يختلط فيها السحر بأجواء ألعاب الحواة في مراكش بالشواطئ الطويلة , تميز الجغرافيا بالنهضة الحديثة التي يقودها الملك الشاب والتي تجعل من المغرب يتفرد بأول تجربة ديمقراطية في الوطن العربي تتسم بالشفافية والجرأة وقدرة على قراءة متطلبات الألفية الثالثة .
امتلك أيضا مخزونا معلوماتيا ذهنيا عن المغرب من خلال الكثير من التقارير التي تصلني والتي تصدرها منظمات وهيئات دولية مختلفة , ومن خلال ما كنت قد قرته عن المغرب , على سبيل المثال بعض من كتابات عبد الله العروي عن تاريخ المغرب , ومن محمد عابد الجابري حول الخصوصية المغربية , لكن ما إن وطأت قدماي تلك الأرض حتى تلاشت رويدا رويدا تلك الانطباعات ليحل مكانها إحساس بالانتماء , مزيج من المشاعر يولدها عبق المكان , يسحرك ذاك التصالح بين الناس وبيئتهم .
في المغرب فقراء وتباين اجتماعي , في المغرب مشكلة البطالة وإشكالية الهوية , لكني لم المس أبدا التطرف أيا كان نوعه في تلك البلاد , بل لمست توازنا وتصالحا لفتني , انه المشروع الثقافي المغربي الداعي إلى تأصيل الحداثة وتحديث الأصالة , انه بلد تعايش الثقافات , عناق الجغرافيا الذي يجعل من المغرب حالة متميزة في العالمين العربي والإفريقي .
إذن زيارتي كانت في وقت مفصلي حيث التغيير والمصالحة الوطنية وإعادة الصياغة لمفهوم المواطنة وتصويب العلاقة بين الدولة والمواطن وتوسيع الهامش الديمقراطي وبناء مؤسسات المجتمع المدني , وكذلك البدء بعملية النهوض التنموي هو عنوان المرحلة , حيث قطعت الحكومة المغربية خطوات على طريق الإصلاحات الاجتماعية , والتخفيف من حدة وتيرة البطالة والبدء في مشروع نوعي لإصلاح التعليم في البلاد , كما يجري العمل على تأسيس ديمقراطية جديدة تتناسب مع روح العصر وتقوم مقام الديمقراطية المغربية التقليدية التي كان قوامها نظام المشورة , والانتقال إلى ديمقراطية المؤسسات .
وإذا كانت إرهاصات هذه المرحلة قد بدأت في أواخر عهد الراحل الملك الحسن الثاني , إلا أن الملك الشاب محمد السادس امتلك الشجاعة السياسية والأخلاقية بطي صفحة الماضي واصدرا المرسوم الملكي الشهير القاضي بتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة الوطنية والتي أنهت أعمالها بعد ثلاث سنوات من البحث والاستماع وأصدرت تقريرها النهائي التي تم نشره علنيا , هذه الشجاعة بلغت حدا لا سابق له في تاريخ المغرب , بل انه باتت تشكل نموذجا يحتذى ومرجعية لكثير من دول المنطقة .
وتتجلى أهمية الدلالات السياسية لما يحدث الآن في المغرب, أن النظام السياسي المغربي اقدم على هذه الخطوات الجبارة دون إكراه , بل بدوافع محض إرادية متعلقة بالرغبة في مصالحة البلاد مع نفسها , أي إنها عملية تصويب من داخل النظام السياسي نفسه دون أية ضغوط من أية جهة كانت , بل هي مصالحة وطنية تقوم على المكاشفة والشفافية والإحساس بالمسؤولية , هي "بروست رويكا " على الطريقة المغربية , تجربة فريدة وجريئة ورائدة في العالم العربي يستحق المغاربة عليها كل تقدير واحترام .
المغرب هي أم المواسم والموالد والاحتفالات والمهرجانات , حيث تتسم المواسم المغربية بالطرافة والسحر والجمال والتنوع والأصالة , وكثيرا من العرب لا يعرف شيئا عن النموذج المغربي المتفرد في توازنه بين الصحراء والبحر , وتصالح الناس مع الجغرافيا , في خليط تتناغم فيه الأصوات والألوان والروائح , فللجغرافيا معانيها ومراميها , هكذا هو المغرب الذي يقف على شاطئ المحيط الأطلسي العارم وتخوم جبال الأطلس الخضراء الوعرة وساحل المتوسط من جهة أخرى .
قرأت وسمعت عن كتاب كثيرون وفنانون انبهروا بأرض المغرب لكني تفاجأت بوصول الشاعر والكاتب الدنمركي الشهير " هانس أندرسن " إلى ارض المغرب عام 1862 , وقد قضى أسبوعا كاملا في مدينة طنجة قادما من إسبانيا ,وهنا اقتطف فقرة مما كتبه هذا الشاعر الذي يوصف لحظات رحيله بحزن على متن باخرة حربية فرنسية باتجاه عودته إلى بلاده " بضعة ساعات سيكون علي أن أغادر هذا الموطن الذي وجدته , أنا الغريب فيه في هذا الجزء من العالم , كان علي أن أودع أناسا ظلوا طوال المدة القصيرة التي قضيتها بينهم حريصين كل الحرص على توفير أسباب الفرح لي " .
طنجة , أولى المدن التي عرجت إليها , مدينة ساحرة وميناء مهم , وموقع جيوسياسي بالغ الأهمية , وجسر تعبر منه تيارات وثقافات وأعراف متعددة , من هنا مر الفينيقيون والقرطاجيون والبيزنطيون والرومان والبرتغال والاسبان , طنجة مدينة الروائي المغربي الشهير محمد شكري صاحب رواية " الخبز الحافي " .
طنجة مدينة تقف على مفترق طرق , فهي أقرب بوابات القارة السوداء إلى أوروبا , وهي ركن الإطلال على لقاء المتوسط بالأطلسي , يقول الطنجاويون أن سفينة نوح رست هناك .
فيها شارع إسبانيا الشهير بنخيله وازدحام المتنزهين على كورنيش البحر مع نسائم الغروب .
مقاهي ومطاعم جميلة وأنيقة تمتد بامتداد الشاطئ وفي الجانب الآخر من الطريق تنتصب الفنادق الفخمة , ارتشفت الشاي المغربي المثقل بحلاوة السكر والنعناع في مقهى الحافة الذي تتراكم على درجاته النباتات والأزهار بموقعه المتميز الذي يطل على مياه الأطلسي من مرتفع وتبدو أمامك القارة الأوروبية طيف يمتد مع البصر .
طنجة نبدو كمدينة مولودة من رحم الأساطير , احبها الكثيرون من الشعراء والكتاب والفنانون أقاموا فيها , مدينة لا تنام , كل دروبها تقود إلى البحر وجميع طرقاتها تأتي من البحر .
الرباط كانت محطتي الثانية , العاصمة الإدارية للمغرب , شوارع واسعة ونظيفة تزينها أشجار النخيل الباسق , ومنها انتقلت إلى المدينة القديمة التي يفضي إليها شارع الحسن الثاني , وعرجت على أقدم مساجد الرباط ويعود تاريخ بناءه إلى 1150 ميلادية .
بين السلا والرباط يمضي نهر رفراف متجها نحو المحيط , هنا كان يقف البحارة الفينيقيون ومن بعدهم الرومان الذين أسسوا مدينة شالة وكانت أهم الموانئ واندثرت بانهيار الإمبراطورية الرومانية , في القرن العاشر للميلاد أسست قبيلة أمازيغية من المسلمين مدينة " سلا " على الضفة اليمنى من النهر بينما شيدت على الجانب الأيسر حصنا دفاعيا أسموه
"رباطا " وأعطى الحصن المدينة اسمه فيما بعد .
وفي القرن التاسع عشر أصبحت الرباط مركزا كبيرا إلى أن تحولت رسميا إلى عاصمة إدارية عام 1912.
في مدينة الرباط التقيت بالمخرجة المسرحية المبدعة الصديقة "نعيمة زيتان " التي عرفتني على الأستاذة الظريفة أمينة الصحفية في وكالة المغرب للأنباء وكذلك على الصديقة نعيمة المنشغلة بعلم الآثار , ورغم العارض الصحي الذي ألم بصديقتي المخرجة لكنها أبت إلا
أن تقوم بواجب الضيافة تجاهي وهو كرم تلمسه في المغاربة , واقتطعت من وقتها لمرافقتي .
انتقلت من الرباط المدينة الهادئة إلى مدينة الدار البيضاء أو " كازا " كما يحلو للمغاربة أن يسموها , الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمغرب , مدينة كبيرة وغضه , تنامت أكثر من مائة مرة منذ إنشاءها , وزاد عدد سكانها ليغدو نحو ثلاثة ملايين , مدينة " بيزنس " بطرق واسعة وأبراج سكنية وفنادق فاخرة وأحياء شعبية عند الأطراف , ولعل أبرز ما يميز تلك المدينة مسجد الحسن الثاني الكبير , الأعجوبة الإسلامية العصرية المطلة على الأطلسي , مسجد يكتنز بين حنياه لمحات عتيقة من روح المغرب على امتداد العصور , وقد طبعت مئذنته الشاهقة الموشاة بفيروزية الزخارف المدينة كلها بطابعه . يزنر المدينة الكورنيش ومطاعم المأكولات البحرية والمقاهي العصرية .
في الدار البيضاء التقيت مع الصديقة ليلى بارع الصحفية في الأحداث المغربية , والتي عرفتني بدورها على محرري وصحفيي الجريدة , وكانت فرصة الحديث عن شجون المهنة .
وتلمس المشهد الإعلامي في المغرب اليوم من خلال ازدياد عدد الصحف اليومية وشغف المغاربة بمتابعة ما يحدث في بلدهم وفي فضاء الخارج .
من ازدحام الدار البيضاء انتقلت على متن القطار إلى مدينة مراكش أو جوهرة الجنوب كما يحلو للبعض تسميتها .
مراكش مدينة مفتوحة على الأفق بفتنة وشاعرية , كل يأتيها من حيث اشتهى , في مراكش تبدو كالعاشق يزداد ولها في حضور الحبيبة , الشمس ومراكش توأمان , والنساء الجميلات كن على موعد مع مراكش يحملهن الغروب عبر عبر شوارع وأسواق المدينة فتلمس سحرا من السماء هبط يتهادى في الأزقة المراكشية .
تمضي نهارك في مراكش متجولا في أسواق المدينة التي تعج بأناس جاؤوا من أماكن مختلفة من هذا العالم .
ليل مراكش ليس كنهارها , في النهار تستريح المدينة في انتظار قدوم الليل الساحر , ليل مراكش يغري بالسهر , ساحة جامع الفنا التي تعج بحلقات الحواة والموسيقيون والألعاب وتمتلئ بأصناف الطعام المغربي الشهير , لوحة لن ترى مثيلا لها في أي مكان من العالم ,
مراكش كبقية المدن المغربية مدينة آمنة تتجول فيها حتى ساعات الصباح الأولى .
تحوي المدينة أيضا مقابر السعديين وقصر البديع وقصر الباهية وحديقة ماجوريل ,
في المدينة القديمة نجد صومعة الكتيبة التي شيدها عبد المؤمن في القرن الثاني عشر , وفيها كذلك مدرسة بن يوسف ومتحف مراكش .
في طريق عودتي مررت بمدينة القصر الكبير , وهي من اعرق المدن المغربية تقع على ضفاف نهر " لوكوس " على الطريق الواصل بين مدينتي فاس والرباط , كانت المدينة مستعمرة يونانية ثم مر عليها البيزنطيون والرومان , وفي العهد المريني ازدهر العلم في المدينة التي زارها ابن خلدون , وأكثر ما تشتهر به المدينة حدوث معركة القصر الكبير أو معركة الملوك الثلاثة على أراضيها عام 1578م إذ قضت هذه المعركة على أمل الصليبيين البرتغال في ضم المغرب إلى أراضيهم .
ومنها إلى تطوان , واحدة من أجمل المدن المغربية , اكتسبت خلال العهد الإسلامي أهمية كبرى , إذ كانت بمثابة نقطة عبور ما بين شبه الجزيرة الايبيرية والمغرب .
تحتوي تطوان على عدة أزقة رئيسية تربط ما بين أبواب المدينة وساحاتها ,وفيها أحياء تجارية وأخرى للحرف التقليدية , ويحيط بالمدينة جدار دفاعي طوله خمسة كيلو مترات يخترقه سبعة أبواب , في المدينة كذلك جامع القصبة التي يقع وسط المدينة القديمة , وحصن السقالة بناه مولاي عبد الرحمن السلطان العلوي , وتتسم كثير من بيوت المدينة بزخارف أندلسية رائعة حيث يشار إلى تطوان أنها وليدة غر ناطة .
في طريق عودتي أيضا تعرفت على الأستاذ أحمد الجفيري عضو مجلس المستشارين , رجل ناضج , هادئ , استمتعت بالحوار معه طوال الفترة التي قطعها القطار حول قضايا متعددة , لفتني عشقه لوطنه المغرب كبقية المغاربة , وحديثه الموضوعي وكذلك أدبه الجم وتواضعه .
آخر محطة لي كانت في شفشاون , مدينة ساحرة تقع على ارتفاع 660 مترا عن سطح البحر , تقع في قلب جبال الريف المطلة على المتوسط , شفشاون تعني باللغة الأمازيغية " قرون الجبل " , تأسست عام 1471 على يد مولاي علي بن راشد , حيث كانت قلعة للمجاهدين ضد الاستعمار , تتسم هذه المدينة الجبلية الجميلة بتضاريس صعبة , وقد عرفت وصول الفاتحين العرب كموسى بن نصير الذي بنى فيها مسجدا , وطارق بن زياد الذي لا يزال مسجده يحمل اسمه , أهم معالمها , القصبة وساحة وطاء الحمام والمسجد الأعظم الذي بوشر الآن بأعمال ترميمه بتكليف من الملك محمد السادس , وكذلك نبع الماء .
شفشاون مدينة هادئة , رائعة , مدينة تعانق الأحلام بعد أن تهجع الطيور ويغادر العشاق الأرصفة .
غادرت المغرب متوجها إلى كوبنهاغن حيث أقيم , وتركت قلبي ورائي على أمل العودة إليها , هكذا هي المغرب , تجعلك تتمتع ببهجة الحواس , بلاد تأتيها زائرا أو سائحا فتسكنك .
بلاد تشهد ولادة جديدة , تعيد ترتيب الأشياء في ظل أجواء من التسامح والمصالحة .

* صحفي وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

Very pretty design! Keep up the good work. Thanks.
»