السبت، مارس 25، 2006

البحرين... أرض الحياة والتسامح




بقلم د. أحمد عبد الملك

ما قام به البعض مؤخراً لا يمكن اعتباره من صفات أهل البحرين الذين كانوا دوماً مع الحياة ضد الموت، ومع الإعمار ضد الهدم. إن مشاهد العنف التي نشرتها الصحف في الآونة الأخيرة لا يمكن اعتبارها دليلاً حضارياً، أو مشهداً يعبّر عن أهل الحياة! فالخلافات تحصل بين أفراد الأسرة الواحدة، والأطفال يستشعرون مَيْلَ أحد الوالدين إلى أحد إخوانهم وتتملكهم الغيرة، لكنهم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوموا بحرق منزلهم، أو تحطيم أثاثه، أو إرهاب إخوانهم الآخرين. ووجهات النظر تختلف بين أفراد الشعب الواحد، فالذي يفكر به الديني أو المتديّن، لا يمكن أن يكون صورة عما يفكّر به الليبرالي، أو المؤمن بالانفتاح الاجتماعي والسياسي والقيمي. وممارسة رجل الدولة الروتيني، المحبّ للأوراق والاختبارات، لا يمكن أن تكون هي نفسها ممارسات الرجل الديناميكي، خرّيج الجامعة الراقية والمتعامل مع الإنترنت. لذلك فالاختلاف موجود منذ الأزل، وهل هنالك من اختلافات أكثر من قتل ثلاثة من أصل أربعة خلفاء راشدين، رضي الله عنهم جميعاً! عموماً، نحن ندرك أن البحرين بلد الحياة والحرية، والحرية لا يمكن أن تصل إلى حد قتل حرية الآخرين، وإن كان تاريخ شعب البحرين قد حفل بنماذج وطنية قاومت الاستعمار، وأكدت على أن البحرين للبحرينيين، وأن تاريخ الاحتجاجات طويل جداً، إلا أن الاحتجاجات لم تكن لتصل إلى قتل مظاهر الحياة العامة، أو العبث بأموال وممتلكات الغير من البحرينيين. إن الاعتصام داخل أماكن عامة وتعريض حياة الناس للمضايقة، ولربما الخطر لا يجوز، كما أن المجمّعات العامة ليست أماكن الاحتجاج أو التظاهر، ما لم تكن هنالك نيات مبيتة للتدمير والسرقة، كما أن محاولة "إجهاض" منجزات وطنية على خلفية قضايا في أروقة المحاكم لا تجوز إذا كان المواطن يتّصف بالوطنية! كما أن حكومة البحرين تسمح بالاعتصام والاحتجاج طبقاً للقوانين المحلية وله فترة محددة. لكن تجاوز الفترة المطلوبة، وتجاوز القانون بالهتافات غير المتسقة مع القانون، واستفزاز قوات الشرطة واستدراجها للالتحام مع المعتصمين أو استخدام المواد المتاحة لتفريقهم، كل هذه الأمور لا تصب لا في مصلحة المعتصمين، ولا في مصلحة البحرين. وإذا ما أخذنا رواية وزارة الداخلية (حيث اندسّ المتظاهرون بين المتسوقين الآمنين، وقاموا بتكسير الممتلكات العامة والخاصة ببعض المحال التجارية مما اضُطر رجال الأمن للدخول إلى المجمّع بقصد إخراج المشاغبين وإعادة الوضع إلى طبيعته)، مع حضور وزير الداخلية إلى "مسرح العمليات" للتأكد من سلامة المواطنين الموجودين في المجمّع، فإننا نعتقد بأن حق المواطن على الدولة أن تحمي ممتلكاته وأرواح ذويه وضمان عدم تعرضهم للأذى على يد أي من كان! كما أن البرلمان البحريني -ممثل الشعب- قد استنكر ورفض الأحداث التي جرت في أحد المجمّعات التجارية، خصوصاً وهو موسم الاحتفالات التي يتكسّب منها أهل البحرين، ولما لهذه الأحداث من تأثيرات سلبية على موقع البحرين الاقتصادي. نحن نعتقد، إن كانت هنالك قضايا معلقة، فإن الحل الأمثل هو اللجوء إلى الحوار، ولكل شعب البحرين ممثلون في البرلمان. إذ لو قامت كل عائلة -أينما كانت- بتكسير الممتلكات العامة وترهيب الناس إثر حكم جنائي يصدر بحق أحد أفرادها لسادت المجتمع فوضى، ولسقطت حُجج الحوار والديمقراطية، ولعدنا إلى حياة الغاب. في دول العالم الثالث دوماً تصطدم حرية التعبير بعائق الجهل والأمية. وإذا كان الحنين يأخذنا أحياناً إلى "بطولات" شبابية، ويقوم البعض باستحضار مواقف "البطولة" التي جرت في الخمسينيات إبّان مقاومة الوجود الأجنبي في المنطقة، فإن هذا العصر، الذي بدأت فيه الحكومات الخليجية بتلمس احتياجات المواطنين، وأرخت بعض الدول الرقابة، ووضعت بعضها الدساتير، وفتحت السجون لمراقبي حقوق الإنسان، وأنشأت هيئات للرقابة على المال العام، وأصدرت قوانين لحماية المرأة والطفل، كما قامت بمحاولات عديدة لحل مشكلة البطالة المرتبطة بالجهل والأمية أيضاً. إذا كانت الدول قد قامت بكل ذلك، أليس من الحكمة الوقوف معها، ومطالبتها عبر الحوار والمنابر العقلانية بالمزيد من الإصلاحات والمزيد من الحريات؟ ومن سيتضرر من تهشيم المحال التجارية، أو تخريب المطار أو الميناء، أو جرح رجال الشرطة وهم من المواطنين؟! أسئلة لابد وأن تُطرح بكل شفافية، وأن نتقبل الحوار على كافة المستويات، وأن الحكومة -أي حكومة- لزام عليها الاستماع إلى صوت الشعب، وتوفير الأمن والطمأنينة لجميع الناس. إن العُنف لا يولّد إلا العنف! وهل يتوقع الذين حطموا المحال التجارية وخَسّروا أصحابها الأبرياء، هل يتوقعون أن يصفق لهم الناس، وتعتبرهم الحكومة أبطالاً؟ أنا هنا لا أطالب بقمع الحريات، أو إبطال مفعول الاحتجاجات التي تتم ضمن الأطر القانونية، لكنني أقف مع المتضررين! إذ لا تُعالج المشكلة بمشكلة أخرى، ولا فائدة من توسيع رقعة الخلاف المحدود ليصبح قضية أكبر، ويصل "الغوغاء" إلى حرق البلاد. نحن ندعو لإخواننا في البحرين بالأمن والطمأنينة، وأن يعم الرخاء كل أفراد الشعب، وأن يكون البرلمان مكان النقاشات والمشاكل التي تحتاج إلى حلول. ولئن وقع ظُلم على عائلة أو فرد، فالقضاء موجود، والصحافة موجودة، بل والإنترنت موجودة. نحن يعزّ علينا أن يُشوه وجهُ مطار البحرين، أو تقلق العائلات الخليجية من ارتياد المجمعات الجميلة، أو المطاعم، أو الفنادق. البحرين أرض الحياة.. ولابد من الوقوف في وجه كل من يحاول قتل الحياة فيها.

ليست هناك تعليقات: