الثلاثاء، مارس 14، 2006

نايلة تويني: هذه كلمتي.. ومضى


نايلة تويني
اتاه اللبنانيون من اجل شهدائهم ثم من اجله استشهدوا، انه 14 آذار.
يوم لم يمضِ الى التاريخ بل مضى الى الخلود، مثل شهدائنا وآلامنا، مثل ارزنا وحريتنا.
يوم اضاء مستقبل لبنان، يوم جاءته وجوه مفعمة بالكرامة والعز، هادرة بقسم اليمين، مسلمين ومسيحيين، ان نبقى موحّدين الى أبد الآبدين.
أَسمعت جيدا ايها القاتل الطليق؟ أشاهدت ملء عينيك الحاقدتين؟
انك بالطبع لم ولن تنسى صوت القسم وصاحبه، ولا صورة الجموع في 14 آذار. فهم جاؤوا ليقولوا لك: هذه رسالتنا الوحيدة اليك، جميعنا مستعدون للاستشهاد، فكم من لبناني ستقتل؟
لكن واصلت القيام بالفعل الوحيد الذي تجيده، واصلت القتل وها نحن كما ترى، ذبحتنا ولم نمت، أحياء بشهدائنا، بجبراننا وقسمه الذي سيبقى يؤرقك ما بقيت، ما بقي لك من أيام وأوهام!
أوَتظن نفسك طليقاً؟
لا، أنت السجين، ونحن وشهداؤنا الاحرار، خذ من دمنا ما استطعت، انك بقتلنا تحيينا.
وصلنا باكرا الى "النهار"، كانت النافذة في مكتبه، على وسعها، أضيق من ان تروي عطشه الى صورة الحرية وهو يراها تتعاظم في الساحة لحظة بعد لحظة.
أصعدنا والزملاء الى الطابق العلوي، أراد أن يملأ نظره بالنصر والتحرير.
كلما شاهد موكباً إضافياً يدخل ساحة الحرية، اتسعت ضحكته وازدادت حماسته.
كان أشبه بفارس هزم جيشاً بمفرده.
أخذ نفساً عميقاً وعاد الى المكتب مرة أخرى، انتقى ورقة صغيرة، دوَّن بعض العبارات وقال: "هذه كلمتي". سأله احد الزملاء عن مضمونها، ابتسم، ولم يجب، وناداني لننزل معاً الى الساحة.
شقّ الطريق بصعوبة الى حيث المنصة. تحية من سيدة محجبة، دعاء من راهبة، شباب شبكوا قبضاتهم معه، فتيات هتفن له، عشرات، مئات، بل آلاف المشاهد ضخت الأمل في روح الوطن... والفرح في عيني جبران.
جاؤوا يقولون نريد وطننا. جاؤوا يقولون ان لبنان لن يبقى اسيراً في السجن الكبير.
همس لي: "انه شعب جبّار". قتلوا قادته، نكّلوا به، هجّروه، اعتقلوه، خطفوه، استرهنوه، ولم... يستسلم.
شعب جاء الى 14 آذار ليقول لشهدائه ان دماءهم لم تذهب سدى.
كأن جبران ماثل امامي.
اعتلى المنصة، قال كلمته، طلب ان نقسم معه ليوصي بالوحدة ويجزم عالياً بأن الحرب الاهلية لن تعود. فقد شاهد الاستقلال الحقيقي بأم عينيه.
لكنه أبى ان يصنعه بحبره فقط، بل قرر ان يسيّج حدود لبنان بدمائه.
لم ندر يومها ان يده المرفوعة كانت تودع الوطن وجماهير 14 آذار، لم نعلم انه كان يستعد لمنازلة أخرى.
اطمأن الى وحدة اللبنانيين وحريتهم، ومضى على عادته، وحيدا وجريئا، الى الصفوف الامامية لمعركة الاستقلال. هناك كان القتلة في انتظاره، أعزل إلا من حبره ودمه. هناك استشهد جبران كما أراد... دفاعا عن لبنان العظيم.
لن نحقد ولن ننتقم، الحقد للصغار، فكيف بالحقد على الصغار؟ تبقى العدالة امانة في عنق الدولة والقضاء... ننتظرها ولا ننسى.
للاعلام اللبناني فضل كبير في 14 آذار. والذين قرروا الانتقام من 14 آذار انتقموا من الاعلاميين اكثر ما انتقموا. سمير، مي والقلب جبران، ظنوا ان الموت نهايتهم، ولكن فاتهم ان الابطال يكسرون الموت. أليس كذلك يا مي؟
فليذكر كل لبناني، كل اعلامي، في لبنان والعالم، ان الصحافيين اللبنانيين هم من أجرأ الصحافيين وأكثرهم استعدادا للتضحية. تحية في هذا اليوم الى كل حرف تكتبونه، الى كل صورة ومقالة من أجل لبنان.
أي أمانة أغلى من أمانة 14 آذار؟
وأي مسؤولية أكبر من مسؤولية وطن صنع حريته وسيّج حدوده بدماء شهدائه؟
لا يمكن ان يبقى لبنان متعدد الخرائط وممزق الولاءات.
ان الشابات والشباب والآباء والأمهات الذين صنعوا المجد في يوم الحرية أثبتوا انهم سيلبون نداء الوطن في أي وقت.
ان لـ14 آذار، لهذا اليوم التاريخي، حقا على جميع السياسيين الذين يتفاوضون باسمنا بألا يخذلوا الآمال المعقودة عليهم.
لقد تمرد اللبنانيون في 14 آذار على لغة القتل والدم والتدمير، ولن يكون صعبا عليهم تجاوز الانقسام الى الوحدة.
لبنان أهم من كل أحزابه وسياسييه، فلنواصل منحه و14 آذار والشهداء ما يليق بهم
.

ليست هناك تعليقات: