‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف رزوقة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف رزوقة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، مارس 11، 2009

كتّاب من تونس وإسبانيا في لقاء ما بين الضّفّتين



بطلب من أولياء التلاميذ وبتمويل من وزارة التّربيّة والثقافة الإسبانيّة: كتاب "الأزرق نفسه"، في آلاف النسخ، بين الإسبان والعرب

نصوص منتخبة لكتّاب إسبان وعرب، تهدف إلى تبديد غشاوة الأحكام المسبقة عن عيون تلاميذ أبيلا (الواقعة بمنطقة قشتالة القديمة بأسبانيا) إزاء العالم العربيّ.
تلك هي الغاية من" الأزرق نفسه"، الكتاب الذي جاء بمبادرة من كاتب إسبانيّ من مدينة أبيلا وسيقدّم في أبيلا نفسها، في العشرين من أفريل/أبريل 2009. هذا المشروع، موّلته وزارة التربية والثقافة " تحت عنوان " التّربية من أجل السّلام و حوار الثّقافات"." إسبانيا / تونس: أدب ما بين الضّفّتين" وهمزة الوصل في هذا المشروع الطّموح هو الكاتب ماريو أنطولين والّذي يسجّل حضوره هو الآخر، بنصوصه، في هذا الكتاب.
هذا المشروع، ما كان ليتحقّق لولا أولياء التّلاميذ بمدينة أبيلا، إذ قدّموا طلبا في الغرض، إلى سلطة الإشراف الوزاريّة، عبر "اتّحاد جمعيّات الأمّهات والآباء، أولياء تلاميذ المعاهد العموميّة" فتمّت الموافقة عليه، ليصار إلى تنفيذه على مرحلتين، في المرحلة الأولى، تمّ إصدار هذا الكتاب :" الأزرق نفسه"، في انتظار إصدار كتاب ثان ضمن سلسلة "دروس تطبيقية"، وهو كتاب ذو صبغة تعليمية يشرف عليه فريق بيداغوجيّ من أجل الإسهام في ترسيخ ثلاثة أسس: جسور حضاريّة، ثقافة من أجل السّلام وحوار ثقافات.
في ترجمة للشاعر العراقي المقيم بإسبانيا عبد الهادي السعدون: نقلا وتعريبا، صدر "الأزرق نفسه" باللغتين عن دار "لا ناف" ( السّفينة)، جاء القسم الإسبانيّ في 117 صفحة وضمّ نصوصا لمؤلّفين ذوي أسلوب مخصوص ومن مدارس مختلفة، في تأطير جماليّ للمبدعة ماريان مونتاسديوكا التي جسّمت "أزرق السّماء" و"المتوسّط" وبينهما شاطئان . مؤلّفو هذا القسم هم: ماريو أنطولين ( ناقد )، خوسي ماريا مونيوث كويروث (شاعر)، غوستافو مارتن غارسو ( قاصّ) والمدريديّة ماريا فيكتوار رجسابل ( مسرحية).
أمّاالقسم العربيّ فقد جاء في 89 صفحة وضمّ نصوصا لكلّ من الشاعرين المنصف الوهايبي ويوسف رزوقة، والكاتب القصصيّ والروائيّ حسونة المصباحي والنّاقدة رجاء بن سلامة.
كلّ هؤلاء، سيكون لهم موعد، في عاصمة أبيلا، في 20 أفريل / أبريل 2009، لتقديم هذا الكتاب الذي سيتمّ تقديمه أيضا في تونس، في غضون شهر ماي / مايو 2009، في مناسبتين، بمعهد سرفنتس وبالجامعة التونسية.وسيوزّع الكتاب مع الكتاب التعليميّ المزمع إصداره على الجمهور المستهدف من تلاميذ المعاهد الثانوية في البلدين.
صدر الكتاب في آلاف النسخ وسيكون في متناول القراء في المكتبات في حين سيوزّع الكتاب التعليميّ الذي سينشر في آلاف النسخ، لاحقا، على المكتبات التابعة للفضاءات التربوية .
ويذكر أن مدينة أبيلا تبعد عن مدريد 115كيلومتر وتقع على إرتفاع 1137متر فوق سطح البحر على ضفاف نهر "أداخا".

الأحد، يوليو 13، 2008

إطلاق سراح انغريد بيتانكور



أمين عام حركة شعراء العالم:
نأمل أن يشمل "أوكسيجين الحريّة" بقيّة المحتجزين

بعد أكثر من ست سنوات من الأسر على أيدي جماعة حرب العصابات المعروفة باسم "القوات المسلحة الثورية الكولومبية"، نالت زعيمة حزب "الأوكسيجين الأخضر" انغريد بيتانكور، يوم 2 يوليو /تموز 2008 حريتها.وتعليقاً على ذلك، قال أمين عام حركة شعراء العالم، الشاعر التونسيّ يوسف رزوقة: " أسعدنا نبأ إطلاق سراح انغريد بيتانكور ونأمل في الآن نفسه أن يطال هذا الأوكسيجين بقية أسرى آخرين ما زالوا محتجزين في أدغال كولومبيا". وللتذكير فإن انغريد بيتانكور اختطفت منذ 23 فيفري 2002 من طرف العصابة المسلّحة بكولومبيا وقد قامت حركة "شعراء العالم"، في صائفة 2007 ، إلى جانب أصوات أخرى ذات حساسيات مختلفة، نادت بحريتها، " قامت بجولة تضامنيّة في شكل قافلة جابت فرنسا وما جاورها كنداء وجهه "شعراء العالم" عبر بيتانكور الرهينة من أجل تحريرها وسائر الرهائن في العالم من مثل هذه الاعتداءات السّافرة والعاصفة بأنبل ما في الذات الإنسانيّة من حرية هي شرط وجودها.كما يذكر أن انغريد بيتانكور من مواليد بوغوتا بكولومبيا في 25 ديسمبر 1961 وهي ابنة غابريال بيتانكور وزير تربية سابق وسفير كولومبيا لدى اليونسكو بباريس، أمّها تدعى يولندا بولاسيو ملكة جمال سابقة ثم أصبحت عضوا بمجلس الشيوخ.و انغريد التي تمّ تحريرها هذه الأيام، شخصية مثقفة ، كانت تربطها علاقة متينة بالشاعر الشيلي بابلو نيرودا إلى حين وفاته سنة 1973 وهي أيضا مناضلة سياسية عاشت بين فرنسا وكولومبيا ( تحمل الجنسيتين ). عملت بوزارة الماليّة الكولومبية ثمّ انتخبت نائبة برلمانيّة سنة 1994 لتؤسس حزبها "الأوكسيجين الأخضر" وفي العام نفسه، عينت عضوا بمجلس الشيوخ وبدأت من ثمّة تتحفّز لخوض غمار الانتخابات الرئاسيّة عندما استهدفتها العصابة المسلّحة واختطفتها في 23 فيفري2002.
وبعد؟
نالت بيتانكور حريتها أخيرا وهي تتطلع كما صرّحت بذلك لفرانس 24 إلى استعادة دورها وتوازنها، حيث قالت:سأسترجع حياتي وسعادتي، وسأعمل أكثر على مساعدة الآخرين، وعلى الجميع العمل على إيصال رسالة للرهائن الذين ما زالوا في قبضة "فارك" تقول لهم: "لن نتخلى عنكم" وتعترف انغريد بالمناسبة: الأدغال فتحت أمامي آفاقا جديدة، أريد خدمة بلدي كولومبيا بشكل مختلف وليس بالضرورة كرئيسة للجمهورية ولكنني لا أستبعد فكرة ترشحي للرئاسة في يوم ما.
يورز براس

الثلاثاء، يوليو 01، 2008

عز الدين المناصرة،شاعر المكان الفلسطينيّ الأوّل


كتاب أعدّه وقدّمه يوسف رزوقة
- يورز براس / صدر حديثا عن دار مجدلاوي بعمّان - الأردن، كتاب "عز الدين المناصرة: شاعر المكان الفلسطينيّ الأوّل"، أعدّه وقدّم له الشاعر التونسي يوسف رزوقة، ويقع الكتاب في 451 صفحة من القطع الكبير.
في الباب الأول، وردت "دراسات نقدية" تقارب أعمال عز الدين المناصرة الشعرية من زوايا نظر مختلفة، حيث تناول المغربي د. محمد السرغيني "كنعانياذا" في قراءة حسب المنهج المقولاتي وركّز العراقيّ د. فيصل القصيري على أسلوبية التقطيع في التشكيل الجمالي والتعبيري للقصيدة لدى عز الدين المناصرة، وتوقّف الجزائريّ د. عبد القادر سلاّمي عند "لالاّ حيزية": سحر المكان وألقُ الفكر وهو ذات الهاجس الذي تملّك مواطنه د. محمد الصالح خرفي في مقاربته للمكان الجزائري في شعر المناصرة.
من جهته، وانطلاقا من "مذكرات البحر الميت" (1969) و"(كنعانياذا"(1983)، تطرق الناقد العراقيّ د. حاتم الصّكر إلى شعرية قصيدة النثر، في حين جاءت دراسة الأردنيّ د. طارق المجالي لتنبش في اللهجة المحكية والاشتقاق في شعر المناصرة وتحت عنوان "عز الدين المناصرة، ومنادمة النص الغائب" وردت دراسة الفلسطيني د. إبراهيم نمر موسى أمّا مواطنه د فاروق مواسي ، فقد ارتأى أن يمهر مقاربته بالكنعنة الشعرية: من المفردة إلى التجليات في شعر المناصرة كما تناول ثالثا مواطنه د. يوسف رزقة ديوان "جفرا" أسلوبيا، لينتهي بنا المطاف مع الجزائري د. وليد بو عديلة عبر دراسته "البنية الدرامية والأسطورية في الشعر العربي المعاصر: (المناصرة أنموذجاً)".
أما الباب الثاني من الكتاب، فهو ينطوي على "شهادات ومقالات نقدية" في شعر المناصرة، لكل من: هارون هاشم رشيد، سامح الرواشدة، شاهر خضرة، أحمد دحبور، وليد سليمان، محمد الجالوس، محمد ناجي العمايرة، يعقوب قورة، خليل سجاع، طلال رحمة، محمد المشايخ، آمال ناضر، محمد ناصر الخوالدة، عبد الرحمن ياغي، أحمد المصلح، فوزية كحّول يوسف الحاج، خليل شكري هيّاس، محمد عبيد الله، عزيز باكوش، إدريس الواغيش، عبد السلام المساوي، بيرغيت امبالو وقصيدة للشاعر اللبناني إلياس لحّود بعنوان: "جفرا إبراهيم جفرا"، مهداة إلى المناصرة، جبرا إبراهيم جبرا.
في مقدمته للكتاب، قال يوسف رزوقة بأنّ عنوان الكتاب، تمّ اشتقاقه من بعض الدراسات الواردة في الكتاب، حيث تبيّن أن المناصرة، هو الأكثر تفاعلاً مع المكان الفلسطيني من بين اثني عشر شاعرا فلسطينياً أساسياً، على رأسهم: محمود درويش، وسميح القاسم، رغم أن المناصرة في مجلّدي أعماله الشعرية، لم يستخدم لفظة "فلسطين"، سوى خمس مرّات فقط. ليشير إلى أن هذه الحقيقة، لم تصل عبر الوسائط الإعلامية المختلفة إلى الجمهور المستهدف من قرّائه.
وعن لقائه بالمناصرة، يقول رزوقة: كان ذلك في تونس بين سنتي 1982 – 1983 عندما التقيته أوّل مرّة ، على أرض الواقع وبعدما قرأت له : يا عنب الخليل، الخروج من البحر الميت، مذكّرات البحر الميت، قمر جرش كان حزينا، بالأخضر كفّناه وجفرا لتنجم بيننا صداقة لم تزدها الأيّام القادمة إلاّ رسوخا ولأعايش بحدب خاصّ مراحل حصاده الإبداعيّ الزّاخر، شعرا ونقدا، نصّا وحياة .
ويرى في تعريج مشوب بشيء من الذكرى: لعلّ ما زاد تعلّقي به شاعرا لا غبار عليه إصغائي ذات مهرجان حاشد بتونس في مستهلّ تسعينات القرن الماضي إلى مطوّلته الشّعريّة " حيزيّة" الّتي كانت من الحبكة والعدول بحيث صنعت الحدث على نحو مدهش وآسر، ولم يغفل رزوقة راهن المناصرة، مشيرا إلى تتالي عطاءاته الشّعريّة ، فكانت كنعانياذا، حيزية، رعويات كنعانية، لا أثق بطائر الوقواق إلى جانب مجلّدي أعماله الشعريّة اللّذين أعيد طبعهما مرارا ليعضد مدوّنته الشعريّة هذه ببذل تنظيريّ، لافت استهلّه بعلم الشّعريّات ليردفه بمقاربات نفدية شتّى نذكر منها: حارس النص الشعري، الجفرا والمحاورات – قراءة ﻓﻲ الشعر اللهجي ﻓﻲ فلسطين الشمالية، جمرة النص الشعري، شاعرية التاريخ والأمكنة ، إشكالات قصيدة النثر وغيرها إلى جانب مشاركاته العديدة، مراجعة وتحريرا، في مؤلّفات أكاديمية ، في صلب جامعة فيلادلفيا بالأردن على خلفيّة أنه يعمل منذ سنوات أستاذا بها.
في كلمة لي، ببوّابة " شعراء العالم" بالتشيلي، يضيف رزوقة، قدّمته كالتّالي: عز الدين المناصرة شاعر فلسطيني كبير ذو حضور لافت في الساحة الشعرية والنقدية العربية. له عديد التنظيرات الإشكالية الهامة وغير المسبوقة في حقل قصيدة النثر الآن وهنا وهو أيضا حارس البوّابة الفلسطينية بامتياز ومهرّب ذاكرتها الأوّل حسب منطق المبادرة بالمغامرة ترسيخا وأسطرة لاسمها الجريح وتجذيرا لهويتها في الكلمات واسألوا في هذا السياق " كنعانياذا" وما جاورها من نسل إبداعيّ، حافّ.
وما هذا الكتاب :"شاعر فلسطين الأوّل"، يختم معدّ الكتاب ومقدّمه، إلاّ إحالة على تمظهرات مرجعية ناطقة منهجيّا بزمكانها الفلسطيني المخصوص وبناء عليها وعلى مشروعيّة المشروع الشعريّ الطموح لدى عز الدين المناصرة، يهمّنا أن نقول بأكسيوليوجيا التمكين، تمكينه كشاعر كبير في مرتبه، ناطق باسم عصره وباسم عبق كنعانيّ لم يزده غليان الفضاء الاتصالي المعولم إلاّ تأجّجا وذكاء.

السبت، يونيو 14، 2008

فنطر والماجري يقدّمان 'أصوات قرطاج'


عندما يحتفي حاضر الكلام بماضي الزمان
تونس - "أصوات قرطاج"، المسرحيّة الشعريّة، الصادرة حديثا عن دار 'تبر الزّمان' والتي التقى في تأليفها الرّوائيّ عبد الواحد براهم والشّاعر يوسف رزوقة، كانت محور لقاء نظّمته مكتبة آرت- لبريس في صلامبو/ الكرم (إحدى ضواحي تونس العاصمة) وذلك يوم الجمعة 13 يونيو/جوان 2008 في السّادسة والنّصف مساء.تداول على مقاربة الكتاب،بحضور مؤلّفيه وجمهور هذه المناسبة، كلّ من الدكتور محمّد حسين فنطر، مختصّ في دراسة الحضارات الفينيقية وحضارات ما قبل الميلاد في شمال إفريقيا وهو إلى ذلك، رئيس كرسيّ بن علي لحوار الحضارات والأديان و صاحب عديد المؤلفات في مجال اختصاصه والدّكتور محمود الماجري، باحث وناقد، يعمل أستاذا في المعهد العالي للمسرح، انصرف باكرا عن كتابة الشعر إلى دراسة المسرح . من تآليفه في المجال المسرحي، مسرحية " وقائع حرب لم تقع".
امرأة تصنع التاريخ
أشاد د.فنطر بهذه المسرحية الشعريّة ، مشيرا إلى أن مأتى إعجابه بها كون المسرحية متمحورة حول قرطاج التي هو عاشق لها ثمّ أفاض في الحديث عن قرطاج التي أسهمت في بناء المتوسّط وفي دمقرطة المعرفة عبر شيوع أبجديتها لتدخل من ثمة غربيي البحر الأبيض المتوسط إلى التّاريخ في إشارة إلى أنّ الفينيقيين ابتدعوا الإنسان الفرد الذي يصنع مصيره بنفسه، دون لجوء إلى القبيلة، معلّقا على ذلك بقوله: لم تكن هناك قبائل في قرطاج بل كان هناك الفرد القرطاجنّيّ، متوقّفا عند 'دستور قرطاجة' الذي اعتبره متقدّما على 'دستور أثينا'، موضّحا أنّ أثينا كانت في ذلك الوقت مجرّد قرية مقارنة بقرطاج التي كانت في عنفوان نفوذها.واستخلص أنّ قرطاج هي المدينة الوحيدة في المتوسط التي تنسب إلى امرأة هي عليسة التي كانت لها كلمة في صناعة تاريخ شمال إفريقيا.وفي معرض حديثه عن 'أصوات قرطاج'، ركّز د.فنطر على ضرورة العودة إلى الأصول بعين ثاقبة، مستشهدا بفلوبار الذي استوحى عمله 'صلامبو' من التراث القرطاجنّيّ ومعلّقا على 'أصوات قرطاج' بأنّها هي الأخرى تنطلق من تراثنا الزّاخر، فهي 'ملحمة شعريّة رأيت فيها أثرا لأثر فطربت وغمرتني سعادة من يؤمن أنّ التّراث يثري الخيال ويخصب المبدعين'.
شعرية احتفاء الكلمة بالتّاريخ
أمّا الدكتور محمود الماجري، فقد اعترف في مداخلته الواردة تحت عنوان 'أصوات قرطاج أو شعريّة احتفاء الكلمة بالتّاريخ'، بأنه أسير كتابة شعرية متشابكة بين القديم والحديث، بين عمود شعريّ عتيق وأفق كلام جديد ينهلان معا من ماض فينيقيّ مازال يسكننا ولا نزال حيارى أمام أمجاده الغابرة.وأضاف: النّصّ هو استعراض لتاريخ قرطاج، من مرحلة التأسيس إلى يوم انتحار حنّبعل، حاول المؤلّفان من خلاله تقديم مسيرة المدينة دون ارتباط بتفاصيل الأحداث وأعطيا الكلمة فيه لثماني عشرة شخصيّة من بينها ثلاث شخصيّات نسائيّة وقطّعاه إلى تسع لوحات تنطلق من الأطلال لتنتهي إلى بريق أمل.يفتح النّصّ بسيدي محرز واقفا على الأطلال، لا ليبكيها بل ليعطي إشارة البدء في قصّ تفاصيل الحكاية. إنّها حكاية فرار علّيسة، ديدون المرأة الهائمة كما سمّاها أبناء البلد، لتأسيس مملكة أخرى على مساحة جلد ثور ولحكاية جلد الثور هذه قصّة أخرى، إذ تنقل لنا كتب الفولكلور أنّ هذه الأسطورة خرجت من شمس المتوسّط وانتقلت إلى ثلوج الشمال ليصنّفها المصنّفون ضمن حكايات الخداع.أرضا نريد بحجم جلد الثّور تكفيكي نكون معاونحلم بالقمرهل خدعت علّيسة ملك البربر أم برهنت على قدرة فائقة في الهندسة؟لئن حشر دانتي علّيسة في جحيمه بدعوى شهوانيّتها فلا شكّ لأنها عذبت آنيوس وفرضت على الرّومان فحولة المرأة أمام ضعف الملوك، فحولة دفعتها إلى الارتماء في لهيب النّار احتراقا وإضاءة لما سيأتي من شؤون. تفاصيل أخرى غصّ بها النّصّ، فيها سيفاكس وصوفونيبا ولكنّ قمّتها حنّبعل الذي يبقى، على انهزامه وانتحاره في نهاية النّصّ، بطلا إيجابيّا موسوما بهالة من الشّجاعة والإقدام.ويستشهد الماجري بما جرى على لسان حنّبعل:أمّا أنافلم يعد لي في هذه الدّنيا ما أمدّ له يداأو ما به أحياإذن، إليّ بالسّمّ الزّعافلقد تخيّرت انتصار المنهزملأمت لتكتب لي الحياة (ص 141)ليخلص في استنتاجه إلى أنّ 'أصوات قرطاج' هي 'نصّ شعريّ وسمه كاتباه بمسرحية شعرية فلم يخطئا في ذلك ولعل انسياب الشّعر فيه هو الذي جعله ينأى عن ضوابط النّصّ المسرحيّ، التقليدي الذي يقوم على جانبين اثنين، جانب الحوار حيث نسمع الشخوص تنطق وجانب الإشارات الركحية حيث نقرأ إرشادات المؤلّف. أليس في هذا الاختيار تأكيدا على ما يذهب إليه المسرحيّون من أنّ النّصّ المسرحيّ النّموذجيّ هو النّصّ الذي يولد وهو في حالة انتظار إخراج محتمل؟إنّ 'أصوات قرطاج' لتحتوي على إمكانات عديدة لتدخّل مشهديّ يجعل منه نشيدا ركحيّا مليئا بالصّور ومزدحما بالحركة والجمال.ويتساءل الماجري: هل نصدّق الكاتب حينما يدّعي أنّه كتب نصّا تاريخيّا؟ أم نصدّق المسرح حين يرتبط بالآن وهنا؟ هل من معنى لكتابة نصّ تاريخيّ لا يجعل منّا قرّاء لدقائق حاضرنا؟ كيف يمكن أن نقرأ أو نؤوّل تلك الخاتمة الجميلة، المربكة ضمن لوحة ' لا بدّ من أمل' ؟ ، جاء فيها: انظري أيتها الآلهةلا ضمير لهم هؤلاء الملوكعبيد وإن توجوهموهم خدم طيعون لروماأذلاّء أنفسهم قبل أن يفرض الذل فرضا عليهمتموت المدائن لكنّ نبع المبادئ لا، لن يموت (ص 141)ولأنّ النصّ مسبوك سبكا شعريّا، رقيقا فإنّ خير ما نختم به هو هذا الخطاب الرّاقي في صوره وبليغ معانيه وفي مشهديّته ذات التّفاصيل السّينمائيّة:على غير عادته، باكرا حلّ فصل الخريف ليغمرنا الثّلج من كلّ صوب / رياح الصّقيع اخترقت – وهي تعصف عصفا – جلود الجنود. / بدأنا التّسلّق والألب يبدو عنيدا على غير عادته.. النّتوءات أدمت أصابعنا ومناكبنا / لنواصل ! يمنع حتّى التّلفّت نحو الوراء ! / الصّفوف الطّويلة تصعد، تصعد.../ تهوي الصّخور العظيمة من تحت أقدام بعض الجنود / يفرّ الأدلاّء / أمّا الدّوابّ فكانت تنوء بما حملت / فهي لا تتقدّم إلاّ لتجفل نحو الوراء / وقد نتلفّت حينا لنبصر حينا بكلّ حمولته يتخبّط في هوّة فيضجّ الجميع ويعلو الصّراخ./ أخيرا وصلنا، نعم../ من على قمّة الألب، لاح لنا الأفق الأزرق اللاّنهائيّ / فلننحدر حذرين ! هو السّفح أخضر، أخضر يبدو لنا وقريبا / ولكننا للوصول إلى ذلك السّفح، لا بدّ من بعض صبر ! ولا بدّ أن نهزم العقبات: الجليد، الصّخور، إلى غير ذلك../ صبرا إذن ! هذه الألب عشرين ألفا من الجند قد أكلت /وتركنا بها نصف ما عندنا من خيول ومن فيلة / جبال هي أم هي عين الجحيم؟ / ولكننا رغم كلّ الصّعاب، انتصرنا على الجبل المستحيل / نعم وكأنّا أطحنا بأعتى الجيوش ./ افرحوا الآن يا جند قرطاج.. يا من قهرتم معا جبل المستحيل ! إلى قلب روما الطّريق أمامكم الآن مفتوحة / فازحفوا نحوها / فهي منّي لكم هبة فادخلوها.(ص 89).إنّ احتفاء حاضر الكلام بماضي الزمان، يختم الماجري، لهو من بين أسباب ارتياحي إلى هذا النّصّ وما أكثر الأسباب الأخرى التي تدعو إلى الإقبال عليه قراءة وتحليلا وتجسيدا مشهديا.
ذاكرة الجرح
من جهته، أشار يوسف رزوقة إلى أنّه أراد من خلال هذه المسرحية التي ساهم في صوغها شعريا أن ينتصر لجدته عليسة ولجده حنبعل فكلاهما جرح في تلافيف ذاكرته وهو يفعل ذلك ثأرا من الرومان على خلفية أن هذه المسرحية تنفض الغبار عما لم يقله مؤرخو روما.في حين ذكّر عبد الواحد براهم بدوافع إنجاز هذه المسرحية وبالظروف التي حفّت بها حتى تستوي نصّا مسرحيّا.ويذكر أنّ عبد الواحد براهم ، واضع النّصّ الأصل لهذه المسرحيّة هو كاتب روائيّ، عمل سنوات في مهنة التّعليم ، في وزارة الثّقافة ثمّ بالألكسو، أرسى قواعد عدّة مؤسّسات للنّشر كما ترأس اتّحاد النّاشرين لثلاث سنوات و ترأس شركة تصدير الكتاب التّونسي لمدّة ست سنواتنشر على مدى 40 سنة عددا لا يحصى من البحوث والقصص والرّوايات نذكر منها: في بلاد كسرى، ظلال على الأرض، مربّعات بلاستيك، حب الزّمن المجنون، بنزرت تاريخ وذاكرة، بحر هادئ سماء زرقاء، تغريبة أحمد الحجري كما حاز على العديد من الجوائز الأدبيّة منها الجائزة الأولى لمسابقة مدينة "المدينة" للرّواية لسنة 2002 عن رواية " قبة آخر الزمان ".أمّا الطّرف الثّاني، مسوّغ هذا التّأليف المسرحيّ شعريّا فهو الشّاعر يوسف رزوقة، باحث في الشّعريّات وأمين عام شعراء العالم بأمريكا اللاّتينيّة وصاحب العديد من المؤلّفات الشعريّة نذكر منها: أمتاز عليك بأحزاني ، برنامج الوردة ، إسطرلاب يوسف المسافر، الذئب في العبارة، بلاد ما بين اليدين ،أزهار ثاني أوكسيد التاريخ، إعلان حالة الطوارئ، الأعمال الشعرية (الجزء الأول)، يوغانا : كتاب اليوغا الشعرية، الفراشة والديناميت ، أرض الصفر والأعمال الشعرية في جزئها الثاني إلى جانب مؤلفات أخرى بالفرنسية والإسبانيّة والبرتغاليّة.

الجمعة، يونيو 06، 2008

رزوقة: إن مجرّد ابتسامة زائفة قد تنسف مشروعا ديمقراطيّا من أساسه


حسّان الباهي
جوزيف عيساوي: يكتب رزوقة قصيدة الهنا والآن، هدفه أن يخلق لغة تخصّه داخل اللّغة.
شوقي بزيع : تعتبر تجربة رزوقة من أهمّ التجارب الشعرية العربية الحديثة فهو يقدم مقاربة جديدة للشعر وصورا مدهشة، غير مسبوقة .




ضمن البرنامج الحواريّ الشّهير "قريب جدّا" الّذي ينشّطه مساء كلّ سبت الإعلاميّ اللّبنانيّ جوزيف عيساوي، استضافت قناة "الحرة" العالميّة في لبنان مؤخّرا الشاعر التّونسيّ يوسف رزوقة بصفته أمين عام شعراء العالم بأمريكا اللاّتينيّة و"باحثا في الشّعريّات" ، قاصدا بذلك إضفاء مدلول أوسع على الدّور الوظيفيّ الّذي قد يلعبه شاعر اليوم في الألفيّة الثّالثة.
في البداية، قدّم عيساوي ضيفه بقوله : هو" كالقطّ البرّيّ، كان يهرب من الناس، صادق الطبيعة وأعشاب الأرض إلى أن صارت الكلمة وجهه وعينيه. بين الشّعر والسّياسة، تنقّل يوسف رزوقة بحثا عن الحياة، الحياة، يكتب قصيدة الهنا والآن بالعربيّة وبلغات أخرى أحبّها وأحبّ شعراءها. هدفه في كلّ ما كتب أن يخلق لغة تخصّه داخل اللّغة، لكن من هي المرأة الّتي دفعته إلى التّنكّر للشّعر لعشر سنوات كاملة؟ وما هو رأيه في الزّواج بعد زوال الحبّ؟ لماذا انتقد رزوقة المتنبّي ثمّ يقبل مثله على السّياسة، طامحا في البرلمان، مدافعا عن السّلطة والنّظام في تونس؟ ماذا يقول عن العلمنة في بلاده، في وجه من يصفها من المتطرّفين بالكفر؟ وكيف يوسّع الشّاعر فضاء الأنترنات عبر مواقعه الكثيرة وانفتاحه على أدباء العالم؟".
تلا هذه المقّدمة ريبورتاج تمّ تصويره بالمناسبة في تونس ، في بيت الشّاعر مع عائلته وفي أماكن أخرى لها صلة بتحرّكاته اليوميّة وبنشاطه الأدبيّ.
تمّ ردّا على سؤال يخصّ الهويّة والجذور، تحدّث رزوقة عن قصور السّاف، مسقط رأسه وعن زردة، القرية الّتي تعني له العالم والتي هاجر إليها والده بعدما رفضت إحدى عائلات المدينة تزويجه بإحدى بناتها بذريعة أنّه لا يملك بيتا يشنق فيه نفسه، أمّا أمّه فقد تزّوجت والده وعمرها لا يتجاوز 13 سنة وتحدث عن طفولته وعيشه بمنأى عن والديه، لدى جدّته هناء الّتي كانت تغذّي خياله بخرافات محمّد بن السّلطان ورأس الغول والمخبّلة في شعورها وتحدّث عن أيّام الحرمان وكيف حفظ عن ظهر قلب قاموس لاروس الفرنسيّ وهو يرعى الأغنام، في وقت فراغه، بتكليف من والده الذي أجهش، على صرامته الظّاهرة، بالبكاء حين ذكر لأوّل مرّة اسم ابنه ككاتب في برنامج إذاعيّ يعدّه الفنان عمر خلفة.
وتحدّث عن حبّه الأوّل وكيف كان يربط شعر حبيبته تلك، في غفلة منها، إلى المقعد وكيف بالجائزة الّتي نالها عن كتابه الأول " أمتاز عليك بأحزاني" تزوّجا لاحقا، وهما طالبان في الجامعة وعن الحب، قال: بعد سنوات،يتآخى اللّحم مع اللحم ليحلّ محلّه إحساس آخر لعلّه الألفة التي يقتضيها الواقع المعيش والبناء الأسرويّ، الرّتيب أمّا بخصوص العلاقة مع أخريات، إن وجدت، فهي في رأيه ليست خيانة وإنّما "فسيفساء علاقة" في إشارة إلى أنّ الخيانة لن تكون كذلك إلاّ متى تسبّبت في انهيار بيت ما على ساكنيه.

الشعر ومتغيرات المرحلة

تناول الحوار قضايا تتعلق بالتجربة الشعرية الزّاخرة لرزوقة وعلاقته بالسلطة والحياة السياسية وموقفه من المرأة ومن التكنولوجيا وأثرها في حياته ونتاجه الإبداعي.
على امتداد ساعتين، وبين ريبورتاج مصوّر وآخر حول ضيف اللّقاء، استمرّ الحوار، من الألف إلى الياء، في نسق تصاعديّ ، ساخن شارك فيه من خارج الأستوديو، عبر الأقمار الصّناعيّة، الشاعر اللّبناني شوقي بزيع الّذي استهلّ حديثه حول الضّيف بقوله " تعتبر تجربة الصّديق يوسف رزوقة من أهمّ التجارب الشعرية العربية الحديثة لا سيّما في تونس فهو يقدم مقاربة جديدة للشعر وصورا مدهشة وغير مسبوقة خصوصا عندما يكون متطابقا مع ذاته حيث أنه شاعر غني وثري لكنني أؤاخذه على محاولته السير باتجاه العالم التكنولوجي وهذا يناقض روح الشعر الفطرية والبدائية والتي تستفيد من البراءة غير الموجودة بالتكنولوجيا".
وأشار بزيع إلى أنّ أشعار رزوقة ذات منحيين: الأول داخلي ومنطلق من الذات بصورة تلقائية والثاني مبنيّ على فكرة مصممة مسبقا قائمة على علاقة الشاعر بالتكنولوجيا ليضيف: "وهذا المنحى الأخير بحاجة إلى إعادة نظر ودراسة لأنني أرفض الشعر المنطلق من نظريات مسبقة قصد تطبيقها على اللغة".
وعن هذه المراوحة بين الشعر والتكنولوجيا، قال رزوقة: "نعم، أنا أزاوج بين الكلمة والمنتج التكنولوجي لأنني في النهاية جزء من هذا العالم الذي أصبح عبارة عن قرية كونية ولا أبالغ إذا قلت إننا نعيش جميعا في ظل جمهورية مايكروسوفت، لذا من حقي ، بل من واجبي أن أسوّغ هذا المنتج التكنولوجي وأن أقرّبه من الشعر والأدب".
وأكّد رزوقة أنّه لا يرغب في أن يكون شاعرا بل باحثا في الشعريات وأضاف "أحاول أن أكون الناطق الرّمزي باسم المرحلة وأن أعبّر عن كل التداعيات الإنسانيّة المختلفة ومنها ما هو مرتبط بالثورة التكنولوجية التي نعيش في ظل تأثيراتها وهكذا أخلق تواصلا بين العلوم والآداب بردم الهوّة بينهما".

سياسة الشاعر، دولة الكلمات

وعن علاقة رزوقة بالسياسة والسلطة، سأله عيساوي فأجاب "أنا أتعامل بودّ مع السياسة ولا يوجد عندي عقدة تجاه السلطة والدولة لأن الشاعر في النهاية جزء من النظام العالمي الجديد بكل تجلياته .
وأكد رزوقه أنّه يسعى للاستفادة من عمله بالسياسة من أجل تحقيق مكاسب للمثقفين في بلاده، مشيرا إلى رضاه عن مستوى الحريات العامّة وحرية الرأي والتعبير والنشر في تونس.
"سيماؤنا على وجوهنا وعلينا أن نحلّل بالسيميولوجيا كلّ شيء فنحن إزاء أزمة أكسيولوجيا مزمنة، اختلطت فيها معايير القيم" قال رزوقة ليخلص إلى الإقرار بأريحيّة تامّة بأنّه لا يرى حرجا في الانتماء إلى حزب بعينه ما دام لهذا الحزب مقولات فكريّة وبرنامج طموح يتناغم وتطلعاته، محتكما إلى ابن خلدون الّذي يرى أنّ "الخير أساس السّياسة" وإلى جدّه نيتشه ( هكذا قال) في طرحه الاستشرافي بقوله " كفى! سيجيء يوم يصبح فيه للّسياسة معنى آخر" وهو ما فسّره رزوقة بلزوم المشاركة السّياسية تواصلا مع راهن المرحلة ليرى أنّ السّياسة ، إلى جانب كونها فنّ التّعاطي مع الممكن، هي فنّ التّعاطي مع اللاّ متوقّع.
وأمام مقاطعة عيساوي له بخصوص تموقعه في الحزب الحاكم دون الأحزاب الأخرى، أجاب رزوقة بأنّ ما يهمّه هو الأداء السّياسيّ الّذي ينطوي على مشروع كبير وواضح وقد تجسد هذا في الحزب الذي ينتمي إليه وبخصوص عمّا إذا كان هذا يتعارض مع أطروحات الشاعر الملتزم بالحرّية والديمقراطيّة، نفى رزوقة أن يكون هناك ما يمنع مثل هذا الالتزام بمبدأ الحرّيّة ونحوها ليضيف بأنّ الحرّية حرّيّات ، لها أقانيم خصوصيّة، بمعنى أنّ لكلّ بلد مقولته القائمة في هذا السّياق مشيرا إلى أن العدالة هي الأخرى تختلف من بلد إلى آخر، مستندا إلى النّموذج التّونسيّ الّذي هو قائم بخصوصيّته التّونسيّة دون ضرورة القول بتسويقه، تحت أيّ سياق، إلى بلد آخر.
قاطعه عيساوي: إلى السعوديّة مثلا؟ استدرك رزوقة: لا للسعوديّة ولا لأيّ بلد آخر، لماذا؟ لأنّ للسّعوديّة مثلا مقوماتها الخاصّة وحريتها في التّعاطي مع مقولة الحرّيّة ولها من ثمّة خصوصيتها القائمة. كلّ شيء علينا أن نماحكه سيميولوجيا وبعين أخرى.
يسأله عيساوي: لا تريد أن تصبح بنات السّعوديّة مثل بنات تونس؟
يجيب رزوقة: لبنات تونس، وبمنأى عن أيّ طرح مستهجن، واقع مختلف اكتسبنه بعد معركة السّفور التي خاضها، غداة الاستقلال، الزّعيم بورقيبة ومن معه من المصلحين لأجل أن تقف المرأة التونسية بندّيّة تامّة مع نظيرها الرجل وتشاركه الفضاء "الهابرماسيّ"، العموميّ وقد ساعدتها البيئة التونسّية على ذلك.
يستطرد عيساوي: لكنّ البيئة التّونسيّة يحكمها كغيرها من البيئات منطق التحولات فلماذا لا تريد لبيئة أخرى، أن تتغيّر؟ وجواب رزوقة أن ذلك يظل رهين رغبة أهل الذّكر في البلد نفسه فلا يحقّ لأيّ كان أن يقتحم المجال الحيويّ للآخرين ليملي عليهم ما يتعارض، إن بشكل أو بآخر، مع سياساتهم. لكلّ واحد حريّته المخصوصة وأمنه الحضاريّ، فما يحدث في تونس ليس بشرطه أن ينسحب على بلدان أخرى.
واستفسر عيساوي منه عن موقفه مع سائق التاكسي في الأردن والذي قال له إن تونس خضراء ولكنّ شعبها كافر فقال: "بالفعل كنت مع الشاعر عز الدين المناصرة متجهين إلى إحدى الفعاليات الشعرية في عمّان وإذا بسائق التّاكسي يسألني: حضرتك من تونس؟ إنّ بلادكم خضراء لكن شعبها كافر ، فأجبته: نعم وهذا صحيح! نحن كافرون بمقولات المكفّرين الذين يقفون حجرة عثرة في طريق التّطوّر والانطلاق نحو الآفاق الأرحب ونحن كافرون بالتقاليد الرّثّة والأفكار والقيم البالية.
ويضيف رزوقة: لا يخفى على أحد وبلا أدنى مزايدة منا، أنّ لتونس إيقاعها الخاصّ فالعين تثقّفت بما يكفي والغريزة أيضا. بإمكان أصيل المكان أن يمرّ بشاطىء بوجعفر بالساحل التونسي أو بأيّ شاطىء آخر وأن يعاين أجسادا ممدّدة، على عري عظيم فلا يعيرها أدني اهتمام، ما دامت له مثل هذه العين المثقّفة، أمّا في أمصار أخرى، فإنّ الواقع مختلف تماما عن تونس.
سأله عيساوي: في تونس، هناك فصل بين الدولة والدين، بمعنى أن الدين لله والوطن للجميع...فهل تدعو إلى أن تشمل العلمانية كلّ البلدان الأخرى؟
أجاب رزوقة : يا ريت! بل أتمثل قولا مأثورا لأقول :"أمطري يا علمانيّة حيث شئت، فخراجك لنا"..نأمل ذلك، دون غمط الجانب العباديّ، الجميل للمؤمنين من عباد اللّه، ذلك الجانب الذي يخاطب فيهم الروح والوجدان معا.
من مقولاتك، يسأله عيساوي، أنّ اللّه وردة، كيف ذلك؟ ويجيب رزوقة، نعم، هو كذلك في المجاز، فالله هو الوردة العبقة والوردة هي المعادل الموضوعيّ والمجازيّ لكلّ شيء جميل وناهض ضدّ الشيطان والجريمة والتطرف بأنواعه بمعنى أن الله هو أن نكون جميلين في الأرض فلا نعيث فيها فسادا، أن نجامل امرأة بحلو الكلام فيكون لنا ثواب عند الله، أن نزرع حدائق، إلى غير ذلك...
يسأله عيساوي: أنت تقول إن مجرّد ابتسامة زائفة قد تنسف مشروعا ديمقراطيّا من أساسه، كيف ذلك؟
أجاب رزوقة: نعم، تكفي ابتسامة زائفة كي تنسف مشروعا ديمقراطيا من أساسه، متى انتفى الصدق من أيّ أداء سياسيّ، منذور لتحقيق حلم ما.
أنت خضت تشريعية 1999 ولم يحالفك الحظ في الفوز بمقعد في البرلمان؟
أضاف رزوقة، نعم ترشّحت بصورة حرّة وموازية لقائمات حزبي، كمحاولة منّي لامتحان نفسي ويبقى الفوز من عدمه، شأنا ثانويا بالنسبة إليّ فالعبرة بالمشاركة في مثل هذا السياق.
وكيف تمّ تعيينك "رئيس جمهوريّة ليوم واحد"؟
أجاب رزوقة: هي تخريجة تونسية، رمزيّة أملاها سياق انتخابيّ، حيث ارتأت اللجنة المنظمة لانتخابات 2004 أن تخصص "يوما مفتوحا" يلعب فيه المثقّف رمزيّا دور الرّئيس، عبر قيامه بزيارة استطلاعية إلى أحدى الولايات التونسية والوقوف من ثمة على ما تحقق من مكاسب، إلى غير ذلك.. وقد قمت بالمهمّة في ذلك اليوم ( إلى جانب نظراء لي تمّ إرسالهم إلى ولايات أخرى) وزرت ولايتي صفاقس وقابس بصفتي الرمزية تلك..
يعلّق عيساوي: السّلطة تلاعبكم "مليح" في ملعب الرّمز والمجاز...
يستطرد رزوقة: هي لا تلاعبنا ، بل قل نتبادل اللعب بالمعنى الغاداميريّ للكلمة ( على خلفية أن "اللعب نفسه يتضمن جدية خاصة به" تعني "التحول الذي من خلاله يبلغ اللعب البشري كماله الحقيقي، وهو الاستحالة إلى فن).
أمّا لماذا اعتزل الشعر لعشرة أعوام كاملة فيوضح رزوقة أن ذلك جاء بسبب امرأة استكثرت عليه أن يكون له حضور في مجال ذي صبغة سياسية ليكون موقفها ذاك والذي اختزلته بقولها : " لم يعد ينقصنا إلاّ الشّعراء" بمثابة القشّة التي قصمت ظهر الشاعر فيه فتوقف عن كتابة الشعر من 1992 إلى حدود 2002 ليعود إلى سالف حبّه الأوّل ويثأر من تلك السنوات العشر العجاف.

الاثنين، ديسمبر 31، 2007

شاعران على عتبة عام جديد

* يوسف رزوقة من تونس : سنة 2007،الكلّ واقع تحت الضّغط العالي حتّى الطّيور. بي ثقب من الأوزون بحيث لا أذكر كلّ شيء.
*غراسيالا مالاغريدا من الأرجنتين: هذا العالم ضاجّ وأنا مجرّد نملة بسيقان صغيرة تفعل ما تريد.
**
لاجئ شعريّ
يوسف رزوقة / تونس
طيور شتّى تهاجر، قبل هجوم الشّتاء، إلى الشّمال

وأنا أيضا
سامحيني أنا غائب منذ قرن

ومنذ قرن وأنا ساهم تماما

لا تتخيّلي مدى ما يعصف بي

غامض جدّا هو

وهو ضرب من سخريّة لا أدريها

بي ثقب من الأوزون بحيث لا أذكر كلّ شيء.
سنة 2007،

الكلّ واقع تحت الضّغط العالي

حتّى الطّيور

الأضواء منطفئة


ومع ذلك، مازلت أذكر هجرتي من المتوسّط إلى الضّفاف اللاّتينيّة


لأمكث فيها لثوان فقط لكنّني، كما أنا، باق


وسأعود قريبا جدّا


يأسرني هذا العالمعالمك الخاصّ يأسرنيوإلى عالمك البعيد عائد أنا.
اتّكئي عليّ


بفضائحيّة، أحبّك تعالي إلى حدائقي المعلّقة


كي تسمعي عطر الياسمين


وألبارتو مركادو يغنّي:" لو رأيتها يوما


قل لها بأنّي مررت بالدّيار أتسوّل عبر الشّوارع ذكرياتها


بأنّ صورها لمّا تزل في الذّاكرة


بأنّ روحي طاعنة في وحدتها


وبأن حياتي بلا معنى


ما دامت ليست لي"
هذا عام على وشك الرّحيلد


و ري مي فا صو


ليختبئ القطّ هنا،


أسفل المكان


أحتاجك تكفيني ابتسامتك الخفيفة


آه لو كنت أكثر قربا كم يسعدني أن أنهض مع عطر الياسمين بفضائحيّة،


أحبّك ولكن أين أنت؟


تونس في 30 ديسمبر 2007


**
العبق الأخير – الحبّ الأوّل


غراسيالا مالاغريدا / الأرجنتين

توطئة:
( اليوم الأخير من السّنة وأوّل شعاع شمس أهديكه ما سترى هذا العالم ضاجّ وأنا مجرّد نملة بسيقان صغيرة تفعل ما تريد في كنف الصمت التّامّ ولكنّي أحبّك..).
هناك أجناس تترك شيئا منها مشدودا إلى الجذوع


وأخرى تغيّر ما بجلدها


وأكثر من أيّ وقت مضى نضرم، أنا وأنت، هذا الأتّون فماذا تقول لي؟


أحيانا يبدو جيّدا هذا،


تعطيل ساعة الوقواق


لاختبار إن كانت عقاربها ستكفّ عن الدّوران


ولكن من حين إلى حين فقط


مرّة أخرى وأنا أقرؤك، تطالعني النّجوم


كما لو أنّ الوقت ما مرّ بيننا


لكنّ هذه المرّة صوتك كان يرنّ جلجلا من برجك العاجيّ


صرخة حرّيّة


مضمّخة بكلّ الياسمين


ماذا يحدث لك؟
أنا هنا مهاجرة مع حمائمي إلى عشّ آخر


في ظلّ جناح شعريّ


ورفقة أشعارك ذات المنقار


نحيي معا ذكرى النهر
يا أنت..


خلف طريق الصّمت الطويل


تختفي شمس بين الظّلال المسماريّة


ثلاث علامات مرصّعة


وفي مدرّج عملاق


هناك مزيد من الحبّ


الحبّ الذّي تتخيّله.


الأرجنتين 31 ديسمبر 2007


إشارة: هذان النّصّان كتبا في الأصل بالإسبانيّة وقد عرّبهما ي ر.

الأربعاء، ديسمبر 19، 2007

ريبورتاج شعريّ: هنا البتراء



يوسف رزوقة

كنّا هناك ، في المدينة الورديّة، أغسطس 2007، جنوب البلاد ، بين عمّان و العقبة ، مدينة الأنباط الوردية، حيث قلعة الأسرار، وغير بعيد عنها جبل هارون وينابيع موسى السبعة . البتراء، إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة.
رحلة أولى
مع لويس أرياس مانسو، محمد علي شمس الدين، إلياس لحّود، ميسون أبي بكر، حكمت النوايسة
سليمى وآخرين.
حدّثنا لويس أرياس مانسو، قال:
في مسلك العودة من البتراء

شعر لويس أرياس مانسوعرّبها عن الإسبانية يوسف رزوقة
في قحولة الصّحراء

تنهض فجأة واحات الوجود الخضراء
هنا ينهض العالمبين أودية وأودية
ويعود الماضي.

شيئا فشيئا، نرتاد المكان
أيّ معنى؟أيّ معنى للموت؟
رجل يمشي وحيدا

وطفلان ما انفكّا يحدّقان فينا
ونحن نمرّ حذوهماللوحدة عينان
وللصّمت شدو

يسوس الحادي قطيعه
أنا أيضاأمعن في التّحديق
والرّيح
وهي تقتفي خطانا

لا تني تكيّف هبوبها

شيئا فشيئا، نرتاد المكان
أيّ معنى؟
أيّ معنى للحياة؟ بعيدا
يرسم الضّوء أطيافا
هو التّاريخ إذ يتحرّك ويشرع في الدّورانيدي راجفة
يتسارع النّبض منّي
وعن أكل علفها، تنقطع الجمال
بعيدا جدّا، هناك أرى معركة مقاتلي الأمس البعيد في الصّحراء والشّاعر يرمقهم وهم يعبرون

يتوامض السّراب الرّمليّ
إلى حين انكشاف الصّخر المنحوت
نقوشا على الحيطان
تهبّ الآن لواقح قلبي
لكأنّني هنا كنت !
نعم وهو كذلك
حفرّيات تذيّل مسالك الزّمن

مقصّات لا تني تمطرق الذّكريات وللحبّ عبير ما..

يتسمّر الذّهن حياله.

نعم، أدري ذلك.
حين لامست حجارة المكان
دميت يدايومن ذعر فرّت
عصافير كانت في جيبي

لأظلّ وحيدا مع الذّكريات أهي دورات الحياة

أم هي دوائر الزّمن؟
حين نظرت من زاوية طفل هناك

عدت أنا أيضا إلى طفولتي الصّخريّة سماء عينيه السّوداوين تخطف خيالاتي الورديّة فيستوي الغبار نورا وعميق الصّمت سطحا
كلّ شيء يضجّ تحت حذائي

كلّ شيء ينشد توازنه كلّ شيء إلى توقّف

يتماسك كلّ شيء
كم مرّة كنت هنا؟

نعم، أدري ذلك.
بالكونات تتدلّى من الصّخور
وفي صمت، تطيل الأعمدة انتظارها
لتعد الحياة
وآن للشّاعر أن يعود كي يغنّي

وماذا بعد؟ تخرس الصّحراء
والبحر يموت

كانت تلك أزمنة صعبة
والشّاعر لا يزال ينتظر
لقد عاد فعلا
نعم، وهو كذلك.

**
رحلة ثانية
مع عادل القرشوليّ، زلهاد كلوتشنين، سميرة عوض، هيام الفرشيشي وآخرين.
ياسائق الباص، تمهّل !
يفي عادل القرشوليّ بالوعد:
يمضي إليها بكلّ هواه الدّمشقيّ،
في العمق منه عناقيد ظمأى
وشمس
وأشياء أخرى
وزلهاد ما بين نومين، يفتح عينا
ويغمض أخرى
يا سائق الباص تمهّل!
نتورّط في السّيق،
هذا المضيق الذي يتثعبن بين الصّخور الكتيمة،
ننشد ظلاّ
فتدهمنا الشّمس حيث اتّجهنا
ونوغل في الزّمن النّبطيّ
نقرأ الخربشات، الرّسوم، الظّلال القديمة والأثر النبطيّ
من صخور المكان المدينة قدّت
وبين ابتسامة ميسون أبي بكر
ينهض نبع
وتشرق شمس
يرنو عادل القرشولي إلى الفتى النبطيّ عند الصخرة العالية
فيوافيه هذا الأخير بنايه
يعزف عادل إحدى قرشوليّاته الشّجيّة
ثمّ يقرأ "حوارا مع موت معلن":
"يتقدم مني الموت ـ مازال لدي أمور لم أنجزها ـ فيقول سينجزها غيرك يوما ـ لست وحيدا فوق الأرض ـ أقول لدي نصوص لم أكتبها ـ فيقول سيكتبها غيرك بعد رحيلك في الفجر ـ أقول أنا لا يعزفني أحد غيري".
بأعلى صوتي،
أقتفي أثر البوسنيّ الذي نأى عنّا،
في متاهة البتراء:
زلهااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااد !
فيعود إلى الوراء
ويقرأ " للعذاب أربعة حيطان وبابٌ يؤدي إلى اتجاهٍ واحد"
يهاتف عادل القرشولي فيصل درّاج:
- لن نتأخّر !
ما أذكره أيضا

أنّنا حين عدنا
تراءى لنا في شفق الأشياء

ذئب يصعّد عواءه في اتّجاه ما.

ّكم كان قريبا وهو ينأى عنّا - يا سائق الباص، تمهّل !

المرفقات للتحلية:
* ديابوراما "البتراء، إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة" ( نسخة إسبانية) مع أغنية " كلمه حلوه وكلمتين، حلوه يا بلدى".
* صورة تذكارية، من اليمين إلى الشمال: اللبناني محمد علي شمس الدين، الشيلي لويس أرياس مانسو، التونسي يوسف رزوقة واللبنانية سليمى.

الاثنين، ديسمبر 17، 2007

رقصة الكبش الذبيح

يوسف رزوقة


في مثل هذا العيد،
سيق الكبش من قرنيه ،
تلك إرادة الأقوى،
إلى غده الّذي هو يومنا وعلى يد الرّاعي الوحيد لقرية خرساء،
جيء بالكبش الّذي هو كبشنا في هذه الصّحراء من أرض المجاز
وأزهقت بطريقة الكاوبوي المحنّك روحه.
لم يشعر المتفرّجون بلذة الأضحى
ولا بشماتة الأعداء في عيني وحيد القرن،
تلك حكاية أخرى
وليس لنا ونحن نجدّد الذّكرى
سوى هذا الشّعور البخس بالمعنى وبالتاريخ تصنعه الوحوش.
وكلّ أضحى والطّريق إلى "أنا...بوليس" سالكة
وكبش العيد تذبحه يد الراعي الوحيد بمدية مثلومة.
عذرا رفاق الدّرب إن ألقيت بالحلوى بعيدا
وانتبذت تشاؤمي في مثل هذا العيد
كي أنسى قليلا من أكون.

السبت، ديسمبر 15، 2007

الجسد تحفة فنّيّة ليوسف رزوقة في ورشة فرنسيّة






حسّان الباهي



- الجزائر

عندما يلتقي الشعراء في "غرفة" بالتوس

حول قصيدة " الجسد تحفة فنّيّة" لصاحبها الشاعر التّونسيّ يوسف رزوقة، المنشورة بمجموعته الشّعريّة بالفرنسية "ابن العنكبوت"2005، التقت مؤخّرا مجموعة من الشّعراء الفرنسيّين الهواة ليكتبوا من وحيها، ضمن ورشة شعريّة، قصائد لهم تمحورت حول لوحة "الغرفة" للرّسّام الفرنسيّ بالتوس ( من مواليد باريس 1908) والتي تناولها رزوقة في قصيدته هذه، موضوع الاشتغال.
جاء في قصيدة رزوقة "الجسد تحفة فنّيّة" ( نترجمها هنا إلى العربية ):
على الكرسيّ تتمدّد حديقة تستغيث
مفتوحة على مصراعيها
هذه الحديقة، ما من أحد يجرؤ على إشباعها.
في "الغرفة"، ريشة وظلال باذخة
وحديقة خاصّة،عبقة، وهّاجة، شهوانيّة، واسعة، مقبّبة، غائبة، كريمة، بخيلة، مربكة، متراصّة، تعيسة، مبتهجة، فائضة، هاوية
تعتزل، تتقشّر وتتضوّع
لا أحد في "الغرفة".
ما من أحد يدقّ الباب.
فقط بالتوس يسدل السّتائر.
ضوء ما، بوقاحة يبهر الحديقة:
هذا الجسد الحرّ، المرتعش على كرسيّه المستغيث.
يلقي بالتوس ريشته
يرسم خطّا ويرتمي في أفق "التّجريد".
فرامبوازين، إحدى شاعرات الورشة، كتبت في قصيدة أولى:
عبر ألوان هذه اللّوحة، يتجلّى سحر قصيدتك في صرخة هي الهرمونيا المتناغمة.
ما ألذ هذا السّفر الدّاخليّ إلى عالم الرّسّام في بحثه الباهر.
تموّجات ريشتك تترك في العمق منّي إيحاءاتك المبهرة.
وكتبت قصيدة ثانية، جاء فيها:
كيف أصف لك مدى رحابة هذا الأفق في شتّى حلله؟
انسياب المياه الشجيّ يدفعني إلى قلب الرّغبة
أهبك كلّ هذه الألوان
أيّها البحر الهادر واللاّنهائيّ، إلى أين تحملني؟
عندما تنبجس الأسرار من بين أعماقك، في أضمومة ضوء،
أحسّ في العمق منّي شيئا كأنّه الفتنة.
في حين كتبت زميلتها ليان، حول نفس السياق، تقول:
فتحت النّافذة / وقطفت ندى الرّبيع وكنت أيّها البستانيّ تمرّ ويداك محمّلتان بأزهار تفتّحت للتّوّ وأنت بالتوس، يدك ارتفعت لتضيء اللّوحة وأنت تدعو الكلمات إلى الغناء / ألوان الحديقة التحمت بالقصيدة، جوار مدخل النّور.
ويذكر أنّ هذه الورشة تشرف عليها الشّاعرة الفرنسيّة جوزيان دي جوزي بارجاي شاعرة فرنسية، مولعة بالثقافة المتوسطية. صدرت لها عديد المجاميع الشعرية نذكر منها : لا ترافقني، أنا في عجلة من أمري2001 ، كاعترافات أحجار الجزائر2003 (ترجمه إلى العربية محمد الرفرافي)وغيرهما.

الأحد، ديسمبر 09، 2007

جمهوريّة بلا رأس أو حديقة أرسطو

يوسف رزوقة
* يمكن مشاهدة صورة الشاعر ضمن الشريط المعروض في أعلى الصفحة
شهيّ فراغ الحديقة هذا المساء
استراحة حارسها لن تطول
ولن يتكرّر هذا الفراغ الجميل غدا، في حدائق أخرى
لذا سنمارس هذا المساء هواياتنا
ونؤثث هذا الفراغ بأروع صمت يمارسه عاشقان
ما ألذ الهدوء الذي يسبق العائلات السعيدة، هذا المساء، إلى البحر
ما أعذب الماء يجري إلى مستقرّ له نحو جمجمة دون مخّ.
بلا زوجة أتخيّل هذا المساء
بلا عودة نحو بيت له جدران وسقف وأرضيّة ونوافذ شتّى وباب تشقّق بعد الزّواج بعشرين عاما لتدخل ريح وتعبث، من حيث شاء الهبوب، بمحتويات المكان. ...
ونحن مجانين هذا الفراغ المنظّم في غير ظلم
سنفرغ أنفسنا من نفائسها الذهبيّة كي نتفرّغ، هذا المساء، قليلا لأنفسنا وهي حبلى بأبهى فراغاتها.
في الفراغ المنظّم في غير ظلم
امتلاء بما هو منفى وبحر ولي أن أجازف هذا المساء
بإفراغ رأسي المنظّم في كأس فودكا
وفي امرأة لا أحبّذ أسلوبها في الحياة
ولي أن أجازف بالقفز نحو الحديقة في مثل هذا المساء
فليس مداها مدى داخليّا لأسرى المكان فلي فيه أيضا تماثيل ذكرى وموطئ حلم وأشياء أخرى ولي فيه أيضا خطى جدّتي
ما استظلّت بأرزتها تلك إلاّ لترحل بحرا إلى صفر مجهولها
حيث لا فيء إلاّ الفراغ
شهيّ فراغ الحديقة هذا المساء
بإمكاننا أن نموت قليلا وننسى نقيق الضفادع، لغط الجماهير في الشارع، البحث عن موقع في الضباب المؤدّي إلى القبر، شكل الإقامة في نقطة ما، التّسوّل من أجل شيء زهيد...
بإمكاننا أن نموت قليلا
وننسى الحياة الجديدة، كابوس أيّامنا المتشابهة، الغشّ في عشّ عصفورة غادرتها البراءة وهي ترى اللغم يأكل من حيث لا تشتهي بيضها، كلّ ما صنعته الثقافة من سلع، كلّ شيء يعولمه أثرياء الخريطة من أجل فيلم جديد بعنوان "دراما الدمار".
بإمكاننا أن نموت قليلا
ونفرغ أنفسنا من نفائسها الذهبيّة كي نتفرّغ، هذا المساء، قليلا لأنفسنا وهي حبلى بأبهى فراغاتها.
لا حقيبة في الرّأس إلاّ الفراغ
شهيّ فراغ الحديقة في شكله
غير أنّ الحديقة يحرسها، وهي شاغرة، عاشقان أرسطو المكان
وسيّدة تطلق النحل في رحلة الألف ميل وحتّى يعود إليها بأشهى رحيق
تقلّم أظفارها وتشذب أزهارها
ثمّ تفتح باب حديقتها لأرسطو.

الخميس، نوفمبر 29، 2007

رزوقة في افتتاح الأيام الشعرية بتونس: اقتلوني إن استطعتم


ناجية بوبكر / تونس

* لهم المتنبي والشابي ودرويش وآخرون كي يدجّجوا بأسمائهم ثقافتهم العامّة إلى جانب نجوم الكرة وعارضات الأزياء ، أمّا الأسماء الأخرى القريبة منهم جدا إلى حدّ أنهم لا يرونها فهي تضيء في أصقاع أخرى وهم لا يفقهون.
انطلقت الثلاثاء 27 نوفمبر / تشرين الثاني 2007 بكليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعية بتونس "الأيّام الثقافية والشّعريّة" التي جاءت تحت عنوان "لو أنّ للريح جوربا" بتنظيم من الشاعرين فريد السعيداني وجميل عمامي وقد قدّم هذا الأخير الشاعر يوسف رزوقة، ضيف الافتتاح، بكلمة جاء فيها : لو أن للريح جوربا أو هكذا تشتعل الحرائق لإثارة ضجّة ما، لكسر إيقاع صمت، نحتاج لأكثر من ناي ومطرقة لنغنّي...المسألة تحتاج لأكثر من ذاكرة وجرح من أجل إعادة اللون إلى طبيعته والحقيقة إلى بئرها..لكننا سنبقى أحفاد فجر لا يشيخ وفي هذه اللحظة الحاسمة تحديدا، ستولد قصيدة على تماس هاويتين، هناك حيث كلّ شيء أحمر، تضيئه نجمة لا يخفت ضوؤها.. سنبني للريح بيتا وسندعوه لحفل شاي وسنمشط بالحكايا ليلة.. هكذا هو الشعر دائما، وليد الساعة الصفر، لا يهادن ولا يصالح وإن خبّأ أنيابه وراء المجازات والاستعارات وهل من سلاح للشعر غير اللغة؟ لا بدّ من تربة صالحة إذن لنجفف عرق الولادة. لو أن للريح جوربا، لكان الإيقاع مختلفا وفي إطار بحثنا عن الاختلاف دائما وعن خلق لغة بديلة، بلّوريّة الأفق، لا خشب في أحشائها ولا بوليس، استضفنا اليوم شاعرا لا يكتب إلاّ واقفا".
بعد هذه الكلمة، افتتح رزوقة اللقاء بقصيدة " حكومة ظلّ" من ديوانه " أرض الصفر" : تلك المنطقة المحظورة من مدينة ذات الأبراج: يورك الجديدة، جاء في مطلعها : " ما أكتبه، ليس الشعر الموزون أو الشعر المنثور / و ما هو بالإعجاز / فقد ولى زمن الشعراء المنتفخين بأنفسهم - زعماء النظم الزائف و الزلفى- / ما أكتبه بالفحم - هنا و الآن – / محاولة للحلم و للتحريض عليه / و فلسفة للثأر من امرأة ...ولدت هذا الأسطول الهائل من حمقى العالم / و انتظرتهم حتى أثموا !" ليقتحم الشّاعر جمهوريّة ميكروسوفت ويرقص في قلب الليزر، على ضقاف وادي السّيليكون، رقصة الإنسان الجديد بأكثر من قناع.
من مناخات هذه المطوّلة الشّعريّة، هذا المقطع وفيه تجسيد لمحاورة بين سقراط وأفلاطون:
في القرن الخامس قبل الميلاد، استدعى سقراط محاوره المتألق أفلاطون..
و قال له بالحرف الغائب :
حاورني و كأنك مجنون !.
لكن محاوره المتألق أفلاطون..
تعلق بامرأة في القرن الحادي و العشرين
فلم يأبه برؤى سقراط
و لا بفلاسفة الماضي و الحكمة و القانون..
رأى المستقبل في كلمات تكتبها امرأة :
رقصا في قلب الليزر
حتى استرخاء مفاصلها و النوم عميقا في عينيه..
.. و كان يراودها من زاوية الزمن القاصي
و يردد :
كيف تعملق ميكروسوفت و أعدم فلسفتي..
لتراقصه امرأة الأضواء بكامل أحرفها..
عوضا عني ؟..
آه مني !
كم كنت بعيدا عن شفتي !
ووحيدا في لغتي !
الآن فقط
ستعاودني في القرن الخامس قبل الميلاد، الحمى..
لأعود إلى سقراط و من معه : أعمى
أعمى، أعمى ..
فارأف بي يا سقراط
أنا لم أقفز من زمني..
إلا من أجل محاورة أسمى
لكني خبت و خابت فلسفتي
لم ألق مكانا لي في جمهورية مكيروسوفت
و لم أجد امرأة تحبوني يدها كي ألثمها..
و أعود إلى نفسي
مرتاح البال و ممتلئا بشذى الأنثى/
بأظافرها في فلسفتي ‍.
لم أحظ بغير الليزر
يدفق مؤتلقا من عينيها، كالسيف..
(أقلت " السيف"؟..)
أأقصد أن الليزر أكثر إنباء في الشاشة..
من سيف يزن الـ..
بل يلزمه في الواقع، كي يزن الآتي بالماضي
آلاف الجزر الضوئية و السنوات…
كن نفسك.. كي تعفى
من وضع العبد و خذ ما يكفي من حلم
كي تشفى
من منفاك…
دمك المتدفق.. أسرع من ضوضاء الطابعة المجنونة،
غير بعيد عنك..
تقوس ظهرك أكثر مما يلزم
و الأكتاف ؟
تلاحمت الأكتاف/ تصلبت الرقبه
اجلس في وضع آخر :
في كرسي دوار مثلا…
لا‍! لا تخش المنفى ‍!
و اطرد فوبيا الكمبيوتر / كل الخوف المتراكم فيك
و لا تخش المنفى:
و اطرد متلازمة الكومبيوتر :
لا تقلق :
دع عنك نقاط الشاشة / لا تهتم بها
و اترك كومبيوترك..
كي تتفسح في البستان قليلا
لا تخش المنفى
و اطرد متلازمة السيليكون
و لا تهرب للداخل، مما يحدث أحيانا، في
الخارج..
لا تخش المنفى ‍!
لا تخش الإجهاد البصري
و هذا الماء الأزرق في عينيك!..
زمن الحمى و.. الكوليرا :
طفل يبكي ، يبكي ، يبكي..
تتناسخ صورته عبر الأصقاع بآلاف النسخ..
الكون بأكمله أعذاق نخيل خاوية..
و يد تمتد لتخمش أقصى الأرض، أظافرها…
أين الخنساء ؟
هل ابتلت في القبر بدمع الطفل، ضفائرها؟…
بعض النقده
من ديناصورات الزمن الحجري
جثوا في الشارع تحت الشرفة…
ينتقدون العالم :
كيف ترقمن ؟
و الأنموذج كيف طغى ؟
و الشاعر من عدمه ..
و الشاعر وهو يرى ما لم يره النقده
أغواه الشيطان
و لم يك- وهو يبارزه بالليزر و الكلمات- من العبده..
أغوته اللعبة :
وهو يدير حكومته العملاقة ..
من ردهات المكتبة الرقمية
يستدعي البواب ، مراجعه المتقاطعة، الموسوعة، كل فهارسها و خرائطها و بنوك المصطلحات
(وقد) تدعوه إلى المستقبل عبر الألياف الضوئية فائقة السعة امرأة من أنسجة و دم..
فيبادلها في الوقت الضائع دردشة خضراء بدردشة..
تتمدد صورته عبر المسح الضوئيّ …
ليرسلها للتو إلى معشوقته…
و أنا في الموقع ..
في صلب الترويج المتقاطع للـ"بستان"،
لـ"ثاني أوكسيد التاريخ"، لـ" أعمالي الشعرية"، لي …
ثمّ مهّد لقصيدته الثانية "ملحمة الخاتم" بما مفاده أنّ " تدحرجنا إلى ما نحن فيه اليوم، من أزمات باتت مزمنة قد تكون بدأت عوارضه، حسب الاحتكام إلى وقائع التاريخ، مع ثالث الأجداد الرّاحلين، بضياع خاتم الرسول (صلعم) في بئر أريس واندلاع "واقعة الجمل" الشهيرة وما إليها، والخاتم كما تعلمون هو رمز هويّتنا التي بضياع الخاتم، ضاعت، يقول رزوقة:
هو خاتم ضيّعته
أو ضيّعته يد من الأيدي الطّويلة
ذات زهو
ذات لهو
ذات سهو
عند بئر أريس
حتّى أنّني غادرت صحرائي
وجئت إلى هنا...
الوضع ليس ملائما أبدا
لأيّ تلاعب
بمشاعر امرأة
تعاني منذ "بئر أريس"
وضعا خارج الموضوع
ضاع الخاتم
الأجداد ضاعوا كلّهم
وكذلك الأحفاد
ضاعت جنّة أولى وثانية وثالثة
وضاع البحر بين يدي وحيد القرن
ضاع المنجنيق
وضاعت البصمات
ضاعت في الحريق مدينة أولى وثانية وثالثة
وضاع الخاتم، الإنسان والتّاريخ
ضاع الخاتم، القسمات والينبوع
ضاع الخاتم، المعنى الذّي فينا وفي الموضوع
ضاع الخاتم، الكلمات والجغرافيا
امرأة فقط
ظلّت على قيد الحياة
و منذ بئر أريس
وهي تعيش وضعا خارج الموضوع
بل هي تلك زرقاء اليمامة
أمعنت في سمل عينيها
لترحل بين عاصمة وعاصمة وعاصمة وعا...
عمياء
ذاك أقلّ فداحة
من رؤية امرأة تعسّر وضعها
حتّى انحنى لصراخها نخل العراق
وذاك، ثانية...
أقلّ ضراوة
من رؤية "السّيّاب" في تمثاله
وقد انحنى ليلمّ بين شظيّة وشظيّة أشلاءه
بل ذاك ، ثالثة...
أقلّ شراسة
من رؤية الإنسان : "رعد مطشّر" والآخرين
فريسة التّمساح والمارينز".
لغة مشفرة
مباشرة بعد فراغه من إنشاد القصيدتين، تلقّفه جمهور الطلبة بفيض من الأسئلة المربكة والمحرجة أفاض رزوقة، على امتداد أربع ساعات كاملة، في الإجابة عليها بأريحيّة الشّاعر الذي لا يهمّه، حسب تعبيره، إلاّ النّصف الفارغ من زجاجة الواقع، أمّا الجزء الملآن بما ينطوي عليه من مآثر وانتصارات، إن وجدت، فلا يهمّه على الإطلاق، داعيا في الآن نفسه محاوريه إلى ضرورة قتله، إن استطاعوا، كما يفعل هو مع نظرائه الشعراء الذين هيمنوا منذ قرون على ذائقة الجمهور المستهدف بإيقاع متخلف عن عصرنا هذا وبمضامين موغلة في القدامة وفي التغني المبالغ فيه بالأنا المريضة فقد آثر منذ البداية أن يقتل، من باب الحبّ، المتنبي وأبا تمّام ومن لفّ لفّهما حتّى يظلّوا على قيد الحياة، على خلفيّة أن شاعر أية مرحلة لا يمكنه أن يكون المتنبي أو غيره في النصّ أو في الحياة، فلكلّ شاعر يولد كبيرا خصوصيته وصوته وإيقاعه الخاصّ المتناغم مع عصره. ويتساءل:هل بإمكان شاعر من هذا الزمان أن يشهر سيفا وأن يتغنى بالناقة أو بالفرس كما فعل الشعراء القدامي وهو يعيش واقع الآلة بضغطها العالي وما يداخل الحالة البشرية من هبوبات التشيئة والهستيريا والعولمة الشرسة؟
لذلك، يضيف رزوقة، من واجبنا، كي نحقق ذاتنا وتوازننا في عصرنا هذا، أن نهدم ما بناه الآخرون، شرط أن نبني على أنقاضهم بدائل أخرى وأن نجهز من ثمّ على إحساسنا المتوارث فنصهر تراث الأجداد صهرا فلا نبقي منه للأجيال المتعاقبة إلاّ ما يبدو مضيئا، يخدم الإنسان في تطلعاته الراهنة.
وحول كيف نفهم مدى ثوريّة النصّ الإبداعيّ من عدمها ، أفاض رزوقة في تبيان البعد المتعدّد لدى شاعر المرحلة، مضيفا أنّ شاعر اليوم يمارس السياسة بالعمق الذي أعلنه نيتشه ذات فلسفة حين قال " كفى! سيجيء زمن يصبح فيه للسياسة معنى آخر" بمعنى أنّ السياسة لم تعد فن التعاطي مع الممكن كما لدى القائلين بها عادة ممارسة وخطابا بل أضحت، بالتوازي مع ذلك، لغة مشفرة يلهج بها الشاعر والفيلسوف ورجل الشارع أيضا ومن ثمّة انتهى كلّ شيء سياسة، حسب الطرح السيميائيّ والبعد المتعدد للظاهرة.
وليس صحيحا أنّ إبداعنا ظلّ رهين محبسه المغاربيّ، يدحض رزوقة ما ذهب إليه أحد المحاورين، فمع قيام "القرية الألكترونية" التي بشّر بها مارشال ماكلوهان، تلاقت الأطراف وقام واقع تواصليّ، جديد ليصبح المغمور مشهورا والقاصي في متناول العين. بل إنّ هذا الواقع الجديد قلب المعادلات ليصبح الواحد منّا عابرا للحدود بإبداعه الذي كان قديما محكوما عليه بالنوم طويلا في الدهليز.لكن مع ذلك، تظلّ مقولة "لا نبيّ في قومه" أو "زمّار الحيّ لا يطرب" قائمة لدينا على نحو مرضيّ، فادح لأسباب يعرفها ذوو القلوب الصغيرة المنتصرة بحكم العادة والانعكاس الشرطيّ البافلوفيّ للآخر المكرّس على حساب مبدع المكان ولو كان هذا الأخير "فلتة زمانه".
شخصيّا، أربأ بنفسي عن الانخراط في أيّ عمل دعائيّ من شأنه أن يحسّس أبناء وطني الكبير بمدى أهميتي، مكتفيا باستراتيجية الإبداع في صمت مع ابتسامة ملجومة على الوجه الباكي في الوقت الذي يراني فيه آخرون بأمريكا اللاتينية مثلا بعين الانبهار إلى حدّ جعل كاتبة مكسيكية تكتب ثلاثية روائية من وحي ما نشرته من شعر بالإسبانية وتجعلني بطلا محوريا فيها.
لكنّ هذا التغاضي من أهل المكان الذي ننتمي إليه روحيا وتاريخيا وجغرافيا، لا يزيدنا في الواقع إلا إصرارا على التحليق عاليا وبعيدا وضحكا على ذقون الجهلة من صغار النفوس، تاركين لهم المتنبي والشابي ودرويش وآخرين كي يدجّجوا بأسمائهم في كلّ مناسبة ثقافتهم العامّة إلى جانب نجوم الكرة وعارضات الأزياء دون أن تكون لهم أدنى موهبة في تحيين ما بالذاكرة لاستيعاب أسماء أخرى، قريبة منهم جدا إلى حدّ أنهم لا يرونها لكنها طليعية ورائدة في أصقاع أخرى وهم لا يفقهون.
تشعبت أسئلة المحاورين حول الهدم والبناء، طقوس الكتابة، المرأة كمصدر إلهام دائم، الكتابة والعري،إلى جانب أسئلة أخرى، حارقة أجاب عليها يوسف رزوقة بكلّ تلقائية لتسلّمه في ختام اللقاء إحدى الطالبات رسالة جاءت في شكل قصيدة تقول في أحد مقاطعها" قد رأيتني مصلوبة في هيكل شعر ورأيت أحد عشر قربانا والحرف والأبجدية لي يسجدان، فكيف لي بنبوءتك وأنت قابع في كهف أفلاطون تسبح بالعشق لظل اله؟" لتختمها بتمنياتها بقتله، بناء على دعوة ضيف المكان إلى ذلك في بداية اللقاء..
شعر ورسم ومحاضرة حول التخلف الآخر
هذا والتقى الجمهور الطالبيّ في اليوم الثاني مع الشّعراء التونسيين المنصف الوهايبي الذي قرأ قصائد جديدة من ضمنها قصيدة "المائدة" مهداة إلى شوقي أبي شقرا، فتحي النصري، صلاح بن عياد إلى جانب الشاعر اليمنيّ أحمد السلاّمي الذي رافقه الشاعر يوسف رزوقة إلى الأمسية حتي يتواصل مع نظرائه من الشعراء التونسيين ومع الجمهور من خلال قراءات شعرية له.
وفي اليوم الثالث، ألقى عالم الاجتماع الدكتور محمود الذوادي محاضرة بعنوان " التخلف الآخر: أزمة الهويات الثقافية في تونس والوطن العربي" مع فسحة موازية للشعر والرسم.
وبرمج اليوم الختامي، الجمعة 30 نوفمبر / تشرين الثاني2007، للشعراء شاكر اللعيبي من العراق، هادي دانيال من سوريا ومحمد الهادي الجزيري من تونس.

السبت، نوفمبر 24، 2007

حسن السوسي وابراهيم الحضراني في ذمة الخلود

يوسف رزوقة

زاره الصالون المتنقل لشعراء العالم قبل شهرين
حسن السوسي في ذمّة الخلود

عن 83 عاما، رحل عنّا في ليبيا الخميس 22نوفمبر 2007 أحد أعلام الأدب والثقافة الشاعر حسن السوسي الذي ولد حسب معجم الشعراء الليبيين لمؤلفه عبد الله سالم مليطان عام 1924 بالكفرة – ليبيا.
تلقى تعليمه بمصر وكان ضمن الأسر المهاجرة إلى هناك في زمن مبكر.
هاجر صغيراً قبل احتلال الكفرة من قبل الطليان وأقام مع أسرته بمرسى مطروح و قرأ القران على يدي و الده ثمّ دخل المدرسة الأولية بمطروح ليلتحق بالأزهر وينال الشهادة الأهلية 1944، وحضر بعدها دورات تربوية في كل من بيروت وتونس.
عاد إلى ليبيا أواخر عام 1944 وعمل في حقل التدريس في مناطق مختلفة معلماً بمدرسة الأبيار القريبة من بنغازي ، ثم تنقل في وظائف التعليم فعمل مديراً لمدرسة وموجهاً .. إلى أن أحيل على التقاعد عام 1988.
مقيم بمدينة بنغازي ومتحصل على جائزة الفاتح التقديرية. شارك في مهرجانات الأدباء المغاربة والأدباء العرب في كل من طرابلس و تونس و الجزائر و القاهرة و بغداد .
من أبرز رواد القصيدة الكلاسيكية في الأدب الليبي الحديث فهو يكتب القصيدة الكلاسيكية بكل مقوماتها ويخوض في نفس الوقت موجة الحداثة بكتابة نصوص شعرية ذات إهاب حداثيّ.
نشر قصائده في العديد من المطبوعات الليبية والعربية والعالمية ومن مؤلفاته:
- الركب التائه ، وزارة الإعلام 1963،
- ليالي الصيف ,دار الخراز 1970،
- نماذج ، الدار العربية للكتاب 1981،
- نوافذ ، الدار العربية للكتاب 1987،
- المواسم ، الدار الجماهيرية 1986،
- الزهرة و العصفور ، الدار الجماهيرية 1992،
- الفراشة ،مجلة الثقافة العربية 1988،
- الجسور، الدار الجماهيرية 1998،
- ألحان ليبية، الدار الجماهيرية 1998،
- تقاسيم على أوتار مغاربية ،الدار الجماهيرية 1998
وقد خصت أعماله وإبداعاته بدراسات أدبية ونقدية مستفيضة قدم لها كبار الشعراء وأساتذة الشعر والأدب.
وكان حبه للوطن لا يضاهيه حب فهو القائل في قصيدته "معنى الوطن":
لبني أمتي وعشق بلادي
لهما صبوتي وخالص حبي
ووفائي وشقوتي ورشادي
ويذكر أنّ الصالون المتنقل لشعراء العالم قد زار قبل شهرين فقيد الشعر الليبيّ حسن السوسي في بنغازي ببادرة من شعراء الحركة: من ليبيا، خلود الفلاح سفيرة الحركة و إهليل البيجو ورزان مغربي و الفنان التشكيلي علي العباني ومن تونس حافظ محفوظ و محمد الجزيري وشمس الدين العوني و سمير العبدلي.
وتبادلوا مع الفقيد حديث العائلة الواحدة حول تجربته الشعرية وكيف أن الكتابة برأيه ضد النسيان وفي نهاية هذا اللقاء قدم الراحل حسن السوسي لزوّاره نص "امرأة فوق العادة" وفيها يقول:
من أعنيها لا تشبهها امرأة أخرى
يضحك في عينيها فرح الدنيا
وعلى شفتيها يندى الورد…
وترسم البشرى
تلك امرأة أخرى
تلك امرأة فوق العادة.
حركة شعراء العالم تخصّه بباقة ورد من باب "الوفاء فوق العادة" ولن تنساه عائلته الموسعة من شعراء العالم ما دامت " الكتابة ضد النسيان".
**
إبراهيم الحضراني شاعر كبير لا غبار عليه
رحل عنّا يوم السبت 24 نوفمبر2007 كبير شعراء اليمن إبراهيم الحضراني بعد عمر سخيّ أثثه بالتضحية كلمة وممارسة ليكون من ثمّة ذاكرة حيّة تعكس ثراء التربة اليمنية الزكية وتجذر الكلم الطيب فيها.
كفى إبراهيم الحضراني أنه قال "كل فجر مر فجر كاذب.. فمتى يأتي الذي لا يكذبُ"، هو مناضل في سبيل الحرية. كلماته ترانيم كانت، يرتلها الملتزمون من الثوار قبيل إعدامهم ، رحل ولكن لن ننسى أبياته الشهيرة:
كم تعذبت في سبيل بلادي
وتجرعت كأس المنون مرارا
وأنا اليوم في سبيل بلادي
أبذل الروح راضياً مختارا
أو تجليات الشاعر الممتلئ بالحب والحلم والحياة كما في هذه القصيدة بعنوان"كلهم يحدثني عنـك"
حبُّكِ! ما أَقْوى، وما أعمقا
قد علّم الأشياءَ أن تنطِقَا
قالت لي الصخرة: لا تنسه
وكيف أنسى حبي الأسبقا!
والنهر لما جئته مفرداً
يسألني عن موعد الملتقى
والروض حتى الروض ما لم
تكن بجانبي ينظرني محنقا
نسْمته في مسمعي عاصف
وزهره يوشك أن يحرقا
والعطر يأبى كلما رمته
من غير أنفاسك أن يعبقا
علمت ما حولي حديث الهوى
وكيف يُضني قلبِيَ الشيّقا
ويذكر أنّ حركة شعراء العالم وجّهت قبل أيام قليلة وبمناسبة احتفاء بيت الشّعر اليمنيّ بالرّعيل الأوّل من شعراء اليمن رفيعة حبّ إلى الشّاعر الكبير إبراهيم الحضراني، إكبارا منها لدوره التاريخيّ والفاعل في الشعر وفي الحياة وأدرجته ضمن بوّابتها علامة شعرية فذة لا يطالها النسيان.
بكثير من الورد نودّعه وبكثير من الوفاء نتغمّده فهو بيننا سيظل شاعرا كبيرا لا غبار عليه.
يوسف رزوقة
الأمين العام لحركة شعراء العالم / ممثل العالم العربي

الأحد، نوفمبر 18، 2007

يوسف رزوقة: من لا يحترم الشّعر وأهله، ستخونه نفسه وزوجته والآخرون!



ناجية بوبكر/ تونس
في لقاء نظّمته دار الثّقافة / ابن زيدون بالعمران، إحدى ضواحي تونس العاصمة، الجمعة 16 تشرين الثّاني 2007، أدان الشّاعر التونسيّ يوسف رزوقة، أمام جمع من التّلاميذ والطلبة، شرائح معيّنة من المجتمع العربيّ لا ترى للشّعر، فنّ العربيّة الأوّل، أهمّية في حياتها ولا تقيم لأهله، من ذوي الثّقافة المنفجرة، وزنا على افتراض أنّ أهل الأدب لا يرجى منهم غير الفقر ومشتقّاته وقلّة الأدب وهو العكس تماما، حسب رزوقة ليستدرك أنّ الّشعراء يتبعهم الواعون من جماهير المرحلة وهذا يكفي، في رأيه، للقطع مع تلك النظرة العدائيّة السّائدة الّتي ما انفكّت تنتصر، على حساب الأدب وبمعزل عنه، لحقول معرفيّة، أخرى كالرّياضيّات وغيرها، بدعوى أنّها الأهمّ في حياة الواحد منّا، وهي معادلة خاطئة بالتّأكيد، يؤكّد رزوقة، لا يقول بها إلاّ الجهلة من ذوي العقول الإسفنجيّة، الرّاكدة، مركّزا في الآن نفسه، وهو يقرّ بما يراه خلفيّة معرفيّة لا بدّ منها، على ضرورة المراوحة بين سائر الحقول ومن ضمنها الأدب للإفادة منها جميعا، لا فضل لأيّ حقل على آخر لكن شرط اعتبار الّشعر، بما ينطوي عليه من رسائل مشفّرة هي خلاصة امتلاء نوعيّ بتلاوين الوجود، اعتباره ركيزة النّفس ذات الزّوايا الشّائكة وهي تبحث في حيرتها عن أسلوب حياة يجنّبها الموت والتّأكسد والاغتراب.
وكان الشّاعر يوسف رزوقة استهلّ اللّقاء باستعراض مسيرته الطّويلة في مجال الكتابة الأدبيّة، مشيرا إلى أنّ أوّل نصّ شعريّ كتبه بالفرنسيّة كان بعنوان " من أكون؟"، نشرته مجلّة "الطّموح" الّتي كان يصدرها المعهد الثّانوي بقصور السّاف، حيث يدرس، بإيعاز من أستاذته الفرنسيّة روز ماري جوري، تلاه نصّ قصصيّ نشرته له مجلة " الإذاعة والتّلفزيون" التّونسيّة وقتها تحت عنوان "شيء اسمه الحرمان" وكان عمره إحدى عشرة سنة وقد عانى طويلا من أجل أن يرى محاولاته القصصية والشعريّة منشورة إلى جانب نصوص المتقدّمين من أدباء المرحلة، في المجلاّت والصحف التّونسية ويتوجّه رزوقة إلى الحضور من التّلاميذ والطّلبة ليعرّج على أنّ ما كان يزعجه آنذاك هو عدم اهتمام زملاء الدّراسة وحتّى المجتمع بما كان يكتبه من أشياء ذات صبغة أدبيّة، معتقدين أن لا مستقبل إلاّ للمتّجهين غربا، حيث اينشتاين ونيوتن ومن هو في حكمهما، وهم بذلك " قد سقطوا من عينه" وفي الفخّ فلم يزده ذلك الاتّجاه المعاكس إلاّ اعتدادا وامتلاء بما يكتب وانصرافا عن زملاء " البيوت المكيّفة" إلى حيث يسكن الشّيطان فالشّيطان أرحم، على حدّ تعبيره، من الّذين يدّعون في العلم فلسفة وأشياء أخرى.
وردّا على سؤال حول أسباب تسويغه الشّعريّ للمنجز العلميّ والتكنولوجيّ والرّقميّ عبر مجموعاته الشّعريّة الأخيرة : أزهار ثاني أوكسيد التاريخ، إعلان حالة الطّوارئ، الفراشة والديناميت، كتاب اليوغا الشّعريّة وأرض الصّفر، أجاب رزوقة بأنّه لم يفعل ذلك إلاّ نكاية في أصدقائه من المتعصّبين للعلم دون غيره، في محاولة شعريّة منه لتحقيق المعادلة العادلة بين ما يبدو حكرا على العلماء وهو ليس كذلك وما يبدو حكرا على الأدباء وهو ليس كذلك أيضا، فكلاهما، هاوي الأدب وغاوي العلوم، في رأي رزوقة واحد وعليهما من ثمّة أن يلتقيا في القاسم المعرفيّ والإنسانيّ المشترك، من أجل شيء استثنائيّ، قادم له مواصفات الإنسان الجديد الّذي بوسعه أن يرقص مع المتنبّي في قلب اللّيزر ليخلص في هزل كأنّه جدّ إلى نتيجة مفادها أنّ الّذي لا يحترم الشّعر وأهله، ستخونه نفسه أوّلا وزوجته ثانيا والآخرون!، ذلك أنّ الشّعر، يستطرد ضيف اللّقاء، ليس فقط مجرّد تهويمات ذاتيّة أو تجلّيات وجدانيّة رجراجة أو إيقاع شيطانيّ للإيقاع بامرأة غير واقعيّة أو هروب من واقع أو جنوح إلى ما وراء الأسوار حيث المدينة الفاضلة، بل هو إلى ذلك، يكرّر رزوقة ما قاله سابقا، أسلوب حياة نمارسه جميعا، كلّ على طريقته وبالشّكل الّذي يقتضيه الموقف والحال والواقع، فأن تكون شاعرا، بالممارسة النصّيّة أو بشاعرية السّلوك، يعني أن تكون إنسانا كما ينبغي فلا تتأذى بجهل أنت مصدره ولا تخون ذاتك فيخونك أقرب الناس إليك وأنت آخر من يدري. إنّ عالما كبيرا، على سبيل المثال، أعماه علمه عن زهرة جميلة في متناول نظرته فلم يرها كما ينبغي ولم يشعرها بأنها جميلة، ستخونه هذه الزهرة بالتأكيد يوم لا يجدي ندم أو تكفير عن تقصير، إلى غير ذلك من السلوكات اليوميّة المماثلة والتي لن تستوي لتؤتي أكلها على الوجه الأكمل والأمثل والأجمل إلاّ بشاعريّة الحركة قولا وفعلا وبكلّ شيء جميل كالابتسامة في غير زيف، كالنّظرة العميقة للأشياء، كشاعريّة الشّعار، كفنّ الصّمت والكلام، كالتواصل مع الآخر وحتى مع الأعداء إن وجدوا، كالوقوف بتواضع أمام المرايا المتعاكسة، كالعطاء بلا ضفاف، كالإحساس الصادق بامرأة تشاطرك الطريق أو الكلمات أو الهموم، كالتكيّف مع الواقع على نحو تسوّغه رؤية الّشاعر الذي فيك، إلى غير ذلك، كلّها أطروحات قابلة للتحقق على أرض الواقع، أمّا الذي يمانع، عن مكابرة أو جهلا وهو لا يرى في ما يرى إلا ذاته المتورّمة منعكسة على ماء المستنقع أو في سراب الصّحراء فإنّه لن يسمع وهو في برجه العاجيّ إلاّ نقيق الضفادع ونعيق الغربان، مشيرا إلى ما قاله ذات يوم في إحدى محاضراته من "أن مجرّد ابتسامة زائفة قد تنسف أيّ مشروع ديمقراطيّ من أساسه" ليستشهد بكلمات للفيلسوف نيتشة تقول " سيجيء زمن يصبح فيه للسياسة معنى آخر" وهو ما يراه متجسّدا بشكل ما في المقول الشعريّ ، فالشعر سياسة في العمق وهو يرى بالتالي
" إذا كانت السّياسة فنّ التّعاطي مع الممكن فإنّ الشّعر هو بامتياز فنّ التّعاطي مع اللاّ ممكن الّذي بإمكانه أن يكون ممكنا".
وفي ختام اللقاء، قرأ الشّاعر يوسف رزوقة مقاطع من مطوّلته الشعرية "الذئب في العبارة"، مقاطع من "أزهار ثاني أوكسيد التّاريخ" وقصيدة تحيل على عالم الطّفولة بعنوان "ذاكرة الماء".

الخميس، نوفمبر 15، 2007

بين "حكاية" يوسف رزوقة و"صرخة" محمود درويش




ناجية بوبكر / تونس
ناقد على أرض محايدة

أثناء تصفّح بعض المواقع ذات الصّلة بالإبداع الأدبيّ، استرعى انتباهي تعليق خاطف على مسألة تخصّ " التقاء شاعرين، وهما يكتبان قصيدتها، في تقنية واحدة" وممّا جاء في التّعليق: "لعلّه من باب التّخاطر أن يلتقي شاعران في شرك التّقنية نفسها سواء على صعيد معمار المعالجة الفنية أو في مستوى النسق الإيقاعي لقصيدة كل واحد منهما إلى جانب ما ينتظم هذه القصيدة وتلك من قواسم مشتركة مضمونا وروحا تبدو خاصّة في تسويغ الأسلوب الحكائيّ، شعريّا حيث تتناسل الجملة الشعرية من نظيرتها السّابقة على نحو سرديّ، يضفي على المقول الشّعريّ وبما انطوى عليه من انزياح هو من خصائص الشّاعرين، يضفي عليه أكثر من ظلّ إيحائيّ يستدعي التّأويل مدخلا للقصيدتين. لعلّه من باب التّخاطر الشعريّ ( ولا نقول التّناصّ فشاعرنا هنا لا تعوزه الكلمة ومفاتيحها في مسيرة عمر شعريّ بأكمله) أن تلتقي قصيدة محمود درويش " البنت / الصرخة" الواردة في "يوميّات" التي كتبها درويش في رام الله / تموز 2006 مع قصيدة " الحكاية" ليوسف رزوقة، نشرت بديوانه "بلاد ما بين اليدين" الصّادر عن الإتحاف، تونس 2001
يقول يوسف رزوقة في "الحكاية" : في الحكاية بيت وفي البيت بنت / وفي البنت باء ونون وتاء / وفصل الشّتاء / على قاب قوسين أو لست أدري من الجسم / والجسم يهفو/ إلى ما به يصبح الجسم فجرا / وللفجر جسر/ وللجسر سحر/ يقود المغنّي إلى غابة/ ليرى ما يرى:/ حفرا وينابيع فادحة وقبابا / وعشبا عظيما وأشياء أخرى / وبابا / فلا يملك الذّئب إلاّ عواء/ على صخرة في خلاء اللّغه.
في الحكاية بيت وفي البيت بنت / ولا بيت لي في الحكاية ../ ما دام في البيت صمت / وفي الصّمت غار/ وفي الغار نار/ وفي الّنار قلب / وفي القلب قنبلة وقبيله/ يثور هنا و..هناك غبار/ وقبل اشتعال الفتيل/ - كما في الحكاية إلاّ قليلا -/تسافر روح القتيله. ( انظر قصيدة: الحكاية، بلاد ما بين اليدين،دار الإتحاف،تونس 2001 ).
في حين يقول محمود درويش في"البنت / الصّرخة": على شاطئ البحر بنتٌ، وللبنت أهل / وللأهل بيتٌ / وللبيت نافذتانِ وبابْ / وفي البحر بارجةٌ تتسَلَّى بِصَيْدِ المُشَاةِ / على شاطئ البحر: أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ / يسقطون على الرمل والبنتُ تنجو قليلاً / لأنَّ يداً من ضبابْ / يداً ما إلهيَّةً أسْعَفَتْها. فنادتْ: أبي / يا أبي! قُمْ لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا / لم يُجِبْها أَبوها المُسَجَّى على ظلِّهِ / في مهبِّ الغِيابْ / دَمٌ في النخيل، دَمٌ في السحابْ / يطير بها الصوتُ أعلى وأَبعدَ من شاطئ البحر. تصرخ في ليل بَرّية،/ لا صدى للصدى / فتصير هي الصَرْخَةَ الأبديَّةَ في خَبَرٍ عاجل / لم يعد خبراً عاجلاً عندما عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وبابْ. ( انظر قصيدة: البنت / الصّرخة، يوميّات، رام الله، تموز 2006).
خارج المدح، خارج القدح:
ما حفزني على تحبير هذا المقال هو الأسلوب النّقديّ الهادئ الّذي عولج به مثل هذا "الالتقاء التخاطريّ، إن جاز التّعبير، بين شاعرين" فلم تعقبه، كما حدث مثلا بين إبراهيم نصر الله وسعدي يوسف، شوشرة تزيّنها شهوة تشويهيّة لرمز من رموز الشّعر العربيّ الحديث بل اكتفى البعض من نقّادنا بالإشارة عرضا إلى هذا التخاطر ، بتنزيله في سياق عهدناه في منهاج الأدب المقارن.
نسوق على سبيل المثال ما كتبه في هذا السياق الناقد والشّاعر العراقيّ علي حسن الفواز تحت عنوان" خيانة الذّاكرة أم تلاقي المجسّات؟"، فأورد رأيه الموضوعيّ، وفق المقاربة التالية للقصيدتين، يقول: "تحت يافطة اختلاط ما يمكنه أن تصنعه الذاكرة من اشتباكات وتلاق في التخاطرات والحوافر، نحاول ان نلقي الضوء على قصيدتين لشاعرين مهمّين في مشهدنا الشعري العربيّ هما محمود درويش ويوسف رزوقة، اذ تعمد هذه المحاولة إلى مقاربة شهوة التخاطر !! و التناص أو التحافر بين القصيدتين !! وهل أن هذه الشهوة ومولداتها هي التي جعلت هذين الشاعرين يشتركان في قماشة شعرية/ صورية متقاربة وتركيب تفعيلي يهدج بالغناء رغم اختلاف زمن كتابتهما !...
القصيدتان تثيران فينا النزوع إلى وقع كتابة بصرية لها التماهي في التشكيل والمناخ وكثافة جريان الشعر المخفي بسردية الحكاية ، تفتحان لنا فضاء للتأويل ومراودة في الكشف عمّا بعد هذه الكتابة البصرية / الشعرية، فضلا عن حساسية الشاعرين إزاء كتابة نصين يوظفان تقنية التوالي واللذين يبدوان وكأنهما يشتركان في محاولة تجلية الجوهر الحرّ الذي تجسده الرغبة في الإمساك بالسرّ الخفيّ الذي تشي به روح القتيلة والصرخة الأبدية) ...
القصيدتان تبدآن باستهلال حكواتي بحرف الجر (في) و (على) والذي يفضي إلى ( زمن موحش) يشتركان في تجنيسه المكاني الشكلي ، لكنهما يختلفان في خاصية التلمس، رزوقة هو الأقرب إلى الصوفي الباحث عن سرّه العرفانيّ الذي يبدأ من ظاهر الحكاية إلى باطنها المغلول إلى لذة الكشف عن التورية والمعنى وتوالي ما توحيه هذه اللذة من استغراقات لغوية/ استعارية باهرة ومكثفة. درويش يمارس لعبة المحترف الذي يسحب النص من سرده الحكواتي ، الى كتابته التأمليّة التي لا تنزع إلى الفضاء الصوفي قدر نزوعها إلى المتن المرجعي الأثير ( فضاؤه الفلسطيني ) الذي يعيد إنتاجه عبر صيغة التوالي الحكائي ، وهذا ما يجعل درويش الأقرب إلى الإنحاء على نموذجه (البنت) باعتبارها موّلد الحدث وشفرته في الكشف عن يوميات الفلسطينيّ التائه والمكشوف لاصطياد البارجات والمغلول إلى أمكنته القديمة / الأليفة في آن معا.... وإزاء هذا، فان المتن الذي تنزاح إليه القصيدتان مختلف إلى حدّ ما ويعمد إلى توظيف مرجعيات متباينة رغم استخدام نص الحكاية وثيمة التوالي، اذ نجد نزعة الرائي الكاشف الساحر عند رزوقة بكل استدعاءاتها التي ينحني عليها الشاعر ساردا ومتأملا رؤيويا و كاشفا وتلك أغلب مجسات رزوقة في التعاطي مع المقول الشعريّ الذي يجعل من القماشة اللغوية / الشعرية جسدا متوترا يمور بالسيولة المكثفة التي تنداح فيها التوليدات الصورية كمقابل رمزي للبنية السردية للحكاية ، وأعتقد أن هذه المعالجة الشعرية لسردية المعنى تؤشر حيوية (الشعريّ) في تجربته المميزة في الشعر التونسي والعربي إذ هو شاعر تصويري ، يشحذ من اللغة توهجها العميق ويتركها في نوبة من الجريان الباهي . النص رغم كثافته، فهو يحتشد باشتباك المعاني والدلالات، النزوع من الكتابة السرانية الى المقول الشعري ،هي ذاتها الكتابة التعويضية المتعالية التي ترمم الفراغ والبحث عن السر الذي لا يمكن الإمساك به، وكأنه سر كلكامش أو شفرته التي تجعل الشاعر راحلا في ( أوديسات ) متعددة وشاقة ..
شعرية هذه القصيدة تكمن في تركيبها البنائي الذي ينكشف على بنية تصويرية عميقة ، تجعل من الشاعر أركولوجيا في المعنى وفي اللغة وصانعا أيضا لذاكرة مكان افتراضي فيه (البيت / البنت / فصل الشتاء/ الجسر/ الذئب / الغابة / النار/ القباب) وهذه كلها محمولات شفروية لانزياح شعري، يمنح الحكاية/ دالة السرد إيقاعا خاصا له جمله وأصواته التي تجعل من البناء التفعيلي يلتقي مع البناء السردي في توليفة مشدودة متواترة وكأنها تشي بنص توليدي له روح الأنوثة وهي تمارس إغواء العرض والكشف عن العري اللغوي الذي يقود نص اللذة عبر نص التوالي :
في الحكاية بيت وفي البيت بنت / وفي البنت باء ونون وتاء../ وللفجر جسر/ وللجسر سحر/ يقود الى غابة / ليرى ما يرى (...)/ ما دام في البيت صمت / وفي الصمت غار/ وفي الغار نار/ وفي النار قلب / وفي القلب قنبلة وقبيلة..
ان قصيدة يوسف رزوقه مكتوبة تحت هاجس الرؤيا الذي يختلط فيه السرد المفضي إلى تبئير الشعر مع النزوع العرفاني الذي تصنعه تلك الرؤيا، رؤيا العارف ، ورؤيا الرائي الذي ينزع أغطية السر عن جسد اللغة / المعنى ليكشف جوهر المعنى / جوهر القلب ولا شك أن هذا الهاجس يظل هو الأقرب في مقاربة ما تصنعه اللغة وما يصنعه العواء كبنية انزياح، إذ تتحول الشفرة السردية إلى مولدة للاستعارات مثلما تتحول إلى نداء استحضار تعويضي يوازي ما تصنعه الحكاية من توال سردي ينتهي يقوم على تقابلات بنائية تبدأ بإشارة حضورية قوية ( في الحكاية بيت وفي البيت بنت وفي البنت باء وتاء ونون) وتنتهي بحضور مضاد لفعل الموت، وهذا الحضور/ التقابلي هو نوع من الحلول الذي أراد الشاعر أن يترك خلفه الفراغ الموحي للدلالات أو ما يمكنه أن يصنعه الانزياح كبنية في المقول الشعري..
وفي قصيدة محمود درويش ( البنت/ الصرخة) الواردة في اليوميات 2006، نجد ثمة بنية سردية /تكوينية متقاربة إلى حد ما !!! رغم أن درويش أعطى لهذه البنية نزوعا أقرب إلى الواقع منها إلى الإيهام ، فالبنت!! مفردة طالما تتكرر في نصوص درويش، لكن السياق الذي اعتمده درويش التقى (في الاستهلال) مع السياق الذي استخدمه رزوقة في قصيدته (الصرخة) والتي كتبها عام 2001 في مجموعته بلاد ما بين اليدين، دار الاتحاف تونس .. وهذا التلاقي يقع في إطار ما يمكن أن تبثه الذاكراة من إغواءات وتقاربات، ليس في إطار التراسل أو التخاطر حسب وإنما في إطار التلذذ بما قد يبتكره الآخرون ،،، اذ ليس كل ما يكتب في الشعر هو ابتكار خالص وصناعة لغوية لا مرجعية تشكلية وبنائية ولا حتى استعارية لها !!!
على شاطىء البحر بنت، وللبنت أهل/ وللأهل بيت / وللبيت نافذتان وباب / وفي البحر بارجة تتسلى بصيد المشاة / على شاطىء البحر أربعة، خمسة ، سبعة / على الرمل والبنت تنجو قليلا / لأن يدا من ضباب / يدا ما إلهية أسعفتها فنادت أبي.
إن شاعرا بحجم محمود درويش صاحب السيولة اللغوية المعروفة،لا أ ظنه يحتاج لتقليب أوراق الذاكرة أو النبش في صناديقها السرية بحثا عن ثيمة حكواتية ،، فهذا الشاعر اعتاد أن يغني لوحده ،وربما يصنع لقصيدته مزاج العاشق والمريد، إذ هو شاعر (صنايعي) بامتياز ، في قصيدته تنفرش الحكاية دائما وكأنه لم يتخلص من ذاكرة الراوي الفلسطيني السريّ الذي يلامس جوهر المعنى، يحرض على إثارة شهوة القراءة عبر استخدام تقنيات الحضور والغياب ، التلاقي والافتراق!!، التوتر والاسترخاء، وهو عبر كل هذا، شاعر استعادات، استعادة التعامل مع رموزه، أمكنته، تفاصيله، روائحه، شخوصه( البنات،الأمهات ، الآباء)
وأعتقد أنه في هذه القصيدة (على افتراض) التلاقي والتخاطر!! كان في المقطع الثالث تأمليا في لحظة طاعنة بتضاد الواقع المرعب ( تتسلى.. بصيد المشاة) عاد بعدها في مقاطعه الأخرى إلى تدفقه وانثيالاته .....
إن قصيدتي الشاعرين (يوسف رزوقه ومحمود درويش) وما يمكن إن تثيراه لدى البعض من أسئلة أو إشكالات في (التناص والتراسل) كما يقصدها البعض !! تكشف في حقيقية عن حساسية الشعرية العربية المفرطة إزاء قماشة لغوية كثر التداول فيها !!مثلما تكشف عن الكثير من اشتباكات (الذاكرة الشعرية) وان حدود انزياحاتها في التجريب وفي اعتماد التقنيات السرد كمحركات للمقول الشعري تظل محدودة مهما اتسعت وتنوعت !! بحكم تلك الحساسية المفرطة ...
أعتقد أن الشاعرين يملكان مجسات دقيقة في التقاط ما يبثه الشعريّ من حيوات سرية ومن تشكلات عميقة ومتوالدة ولا يمكن أن تلتقطها إلاّ الخفقة الشعرية المسكونة بالإغواء والمراودة والافتراس..."لقد عالج هنا علي حسن الفواز ما توارد من خواطر تيمية أو تقنية بين درويش ورزوقة بعين ناقدة ومنصفة، في غير تهويل منه أو تشهير فسوّغ اشتباك الشّاعرين في نقطة ما، بالاحتكام إلى خلفيّة كل واحد منهما في المقول الشّعريّ الذي قد يعكسه التثاقف، عبر الذّاكرة، بشكل أو بآخر ليشتبك أكثر من ظل على أرض البياض.

الجمعة، نوفمبر 09، 2007

ألف قصيدة و قصيدة بين يوسف رزوقة وهيرا فوكس


* بقلم: شانتال موركرات، ترجمة: ناجية بوبكر
مائة أغنية وأغنية هي أوّل الغيث من مهر شعريّ سيبلغ ألف أغنية وأغنية، كلّها منذورة للحبّ.
في مجموعاته الشّعريّة السّابقة، عاين يوسف رزوقة، آدم الأزمنة الحديثة، واقع الاستلاب في هذه الألفيّة الثّالثة فروى لنا، على نحو غير مألوف، احتمالات التّلاشي التّدريجيّ للهويّة ومخاطر ضآلة الكائن ليقترح في "أزهار ثاني أوكسيد التّاريخ" مثلا:" نهرا جديدا وحبرا جديدا لعصر جديد" كي ينأى عن قرية ماكلوهان وعن العولمة في أبعادها المرعبة وكي يعود إلى الإنسان، إلى جوهره وإلى مقوّماته الأصليّة.
وقلمه على الطّاولة، جنب التّفّاحة، يكتب الشّاعر رغبته في الحياة ويدعونا، بكلّ تأكيد، إلى الالتحاق بالجوقة الإنسانيّة وبأغنية الوجود. في "مائة قصيدة وقصيدة"( أغاني حبّ )، يدغم الزمان والمكان كي يعقد حول نقطة ما خيطا للحبّ، متناهي الدّقّة كشعرة. وفي الوقت الذي تتجلّى فيه بدائله الشّعريّة في صورة طفل مجنون حينا وفي صورة ذئب أبيض حينا آخر، يتوخّى يوسف رزوقة خطابا عاشقا حتّى يدنينا أكثر فأكثر وقدر الإمكان من الينابيع الحيويّة. فهو يكتب المدنّس والمقدّس، الجسد والرّوح، العلاقة وتوتّرها، ليروي على طريقته " معجزة الوردة".
فالتّفّاحة تغذّي آدم، في حين يعصف الحبّ في حركته بالجبال وبالأنهار وفي "يوطاليا"، يزحزح الشّاعر الجبل كي يدخل النّور وهو الآن، يبحث عن نهر بلا ضفاف كي يعود معه إلى حيث الينابيع المنشودة. إنّه يتابع هنا مثله الأعلى في الحبّ من أجل عالم أفضل، لا يني يبني، كعادته دائما، هذا الجسر القائم بين غرب وشرق، هذا البرزخ الشعريّ الممتدّ بين إفريقيا وأوروبا من أجل لقاء أكثر إخاء ويوسف رزوقة في هذا السّياق، لا يعدو خلف الحبّ بل هو يجري مع الحبّ تماما كما في السّباق، حيث النّفس والحماس محرّكان لا بدّ منهما للجسد المنطلق نحو خطّ الوصول.
تحت قلم رزوقة، يتحوّل العالم، يتحرّك، يتقلّص، يتمدّد، ينفتح، يتضخّم، "يفركح" كطفل. فالشّاعر يمتصّ كلّ شيء: الخرافة، الإشاعة، أحداث السّاعة، أحوال الرّوح، الطّبيعة، الرّغبة الرّغبة الرّغبة، منضبط الأشياء ومؤجّلها، الزّاوية، التّفصيل، الّزاوية الكبرى، الآنيّ، اللاّ شكليّ، القبيح، الجميل، الرّغبة الرّغبة...
إنّه يرصد الوقائع العادية جدّا للحياة الرّاهنة أو الأحداث الأكثر شائكيّة للبشريّة، على السّواء، بشعر مربك حينا أو طفوليّ وغريب حينا آخر، كي يعود بها في النّهاية، واحدة تلو أخرى ومنهجيّا، إلى الحبّ. هكذا يخفق القلب على إيقاع العالم كي يروي لنا ضرورة الحبّ، ضرورة ملحّة بالنّسبة إليه وبالنّسبة إلى البشريّة، أيضا.
وهو يمحو الزّمان والمكان، يدني الكائنات من بعضها، فوحدها، عبر المؤثّرات، تؤخذ الأبعاد الإنسانيّة بعين الاعتبار، ذلك أنّ مجموع الانفعالات الأساسيّة تمرّ عبر المحبّة، الحماسة، الحرقة، الرّباط، الغريزة، الحنان، الإحساس، الغبطة، التّفاؤل، التّسامح، الرّغبة الرّغبة الرّغبة... كلّ هذه الأحجار البيضاء ما وجدت إلاّ لتجمع في قاع نهر فسيح يفتحه لنا.
بحثه العاطفيّ هو مغامرة داخليّة، خارجيّة، عاديّة أو غير عاديّة، يباعد إلى الأقصى بين حدود حلمه، بين الميكرو والماكرو، بين البساطة والتّعقيد، الكلاسيكيّة والمعاصرة، الشدّة والانفراج، المضمون والشّكل، الألوان والأضواء، الهندسة والنّمطيّة.
يستحوذ الحبّ، شيئا فشيئا، على كلّ شيء، بشيء من فوضى ليست سوى ظاهريّة. يحيلنا، بغبطة اليوميّ، على الغرابة، على التّجاوز أو على هوى رغباته الفطريّة.
فالحبّ إلى الأبد وهو إلى الأبد، في كلّ مكان، هكذا يراه يوسف رزوقة.
هذه البساطة الظّاهريّة تحيل على أصالة يوسف رزوقة وعلى عريه. فهو يمرّر رسالته في الحبّ كما يفعل أيّ طفل، يكفيه أن يقول أشياء بسيطة، بسرعة فائقة وباختزال أحيانا. يشاطر الحيوانات أسراره، يملي مرسومه في الحبّ على الطّبيعة، برؤية عملاقة وبانوراميّة، فحلمه الأكبر كونيّ، بلا ضفاف وبلا عقبات مبدئيّة، يقول:
فلأهتك سرّا
وأنا أملي مرسوم حبّي
على القمر
وعلى الطّيور المهاجرة
لكن الظّلّ منعكس من كلّ الأزمنة ومن كلّ الجهات، الآن وهنا، غدا وهناك، لا يني يبحث، بشراهة، عن هذه النقطة المضيئة حيت يمكن لكلّ شيء أن يتلغّم وينطوي.
إنّه يستنزف عاطفته في المرأة كقوّة أصليّة، كي يقول المعنى الصّحيح للحياة وينأى عن اللّصوص.
حسب يوسف رزوقة، فإنّ الحلم هو حياة صغيرة والحبّ أمبراطوريّة طبيعيّة وبلا حدود وهي ما تبقّى لنا لنفتحها.
في الشّريان ذاته من يوطاليا، تشاطر هيرا فوكس نظيرها رزوقة همّ الكتابة لتمنحه من ثمّ جوابا ولتكون نسخة ثانية تلوّن الخطاب العاشق المشترك فاقتحمت بعمقها الحلم من الدّاخل لتصبح الممثّل والمتفرج في آن، شيئا وموضوعا، عبر القراءة / الكتابة الّتي تمارسها مع آدم، كي تسبح معه في نهر يجري عكس التّيّار.
هي امرأة لا توصف في المرحلة الأنثى للغة، وهي أيضا الشّاهدة المشاركة في هذا النّهر المتدفّق.
وعبر هذه الوظيفة الرّمزية الهادرة، تتلقّى هيرا فوكس مهرها الشّعريّ في رابط من "أنا" عملاقة وبنّاءة، مبحرة بين مضمون وشكل، مرسل ومرسل إليه، شرق وغرب، في صيرورة يوطاليا الكامنة.
لقد تمازج الصّوتان بحميميّة تامّة كحبر سرّيّ .
مع يوطاليا، يتنحّى الجبل، شيئا فشيئا والآن يجري النّهر نحو ينابيعه المحلوم بها ، لكنّ المدّ لا يخلو دائما من الشّوائب، فقد يسفر الالتحام عن تنافر أحيانا والشّاعران يكشفان لنا عن عراقيل نهر بلا ضفاف غير أنّ التّيّار، يتابع دائما، عودته إلى الينابيع كما في حلم غريب حيث المضمون والشّكل يتراكبان كي يعطيا رسالة كونيّة ومشفّرة.
يكمن اللاّ مألوف هنا في التعدّد الشّعريّ، في الكمّ الهائل من الانزياح، في الغرابة أحيانا وفي التّوازن الذي يبدو ظاهريّا هشّا بين ما هو لقاء وما هو مواجهة.
.إنّ معادلة الكتابة للحياة، تبرز في أحايين كثيرة، على نحو لا منتظر. كلّ شيء ينوس، كلّ شيء يخفق، يشكّ، يطمئن، يصعّد، ينمو، ينبش، يلامس. الرسالة ومتعة الحواسّ. الحركة دائبة والجنون عارم مع شطط في التكهنات.
يوسف رزوقة وهيرا فوكس يواصلان حلمهما المشترك بردم الهوّة بالشّعر بين شرق وغرب وهما ينسفان المسافة كي يدحوا أراضي لهما متجاورة في ملتقى طرقات شرق – غربيّة، حيث تلتقي، في كنف السّرّ، أصداف، عصافير، قطط، سحالى، كلاب، ذئاب، جياد، فراشات، النّملة والصّرصار..
في هذا الكتاب، يقترح يوسف رزوقة ميثاق حبّ وفيه يكشف عن تحدّيات شتّى لعلّ أهمّها: تشفير رسالته وتحديد جمهورها المستهدف عبر العالم، الاستحواذ على لغة جديدة في كلّ أبعادها، تحرير جنونه الإبداعيّ من خلال كتابة جديدة مع شاعرة من ضفّة أخرى، كتابة نهر بلا ضفاف بل والعمل على تحويل وجهته والتصدي لعوامل العولمة المزيلة لذاتيّة الإنسان.
* مقدّمة الشاعرة الفرنسية شانتال موركرات للمجموعة الشعرية المشتركة بين التونسي يوسف رزوقة والفرنسية هيرا فوكس والصادرة حديثا، في 120 صفحة، عن سوتيبا بتونس.

الاثنين، نوفمبر 05، 2007

جحيمان في القلب ليوسف رزوقة إلى الانجليزيّة



قصائد مختارة ليوسف رزوقة ترجمتها إلى الانجليزيّة خولة كريش، خرّيجة المعهد الأعلى للعلوم الإنسانيّة بتونس، لتصدر مؤخرا عن سوتيبا للنشر تحت عنوان " جحيمان في القلب".
جاء الكتاب في 65 صفحة، تتخلّله صور فوتغرافيّة عن عبقريّة المكان، مهداة من صاحبها الفنّان السّويديّ أندرس ساندستروم ( سفير السّويد بتونس، سابقا ) وقد ضمّ هذه المختارات الشّعريّة قسمان: قسم أوّل وفيه توزّعت قصائد غير معنونة، من نوع الهايتو ( الهايكو تونسيّا )، ومن مناخاته هذه الومضة التي تحمل عنوان الكتاب:
جحيمان في القلب
أنت
وفصل الشّتاء.
أمّا القسم الثّاني، فقد جاء تحت عنوان "جذور ووشم" وينطوي على القصائد التّالية: أنا العالم، أكواريوم، لغة المغارات القديمة، مواء الصّمت، ويبقى الأثر، اتجاهات ملتبسة، بطاقة حبّ، الجهة المستحيل ومن مناخاته، قول الشاعر في قصيدة "الجهة المستحيل":
للقصيدة أن تقصد الجهة المستحيل / كأنّ المسافر تنقصه دائما / رحلة نحو أقصى اللظى، كي يكون / كأنّ المسافة تفّاحة تختلي بحلاوتها دودة الفلسفه / كأنّ المسافر يفصله دائما عن بلوغ الكمال سؤال / كأنّ البياض الذي لم يطأه هو المعرفة.
أو قوله في قصيدة "أنا العالم":
من أنا ؟/ ما صلة العالم باسمي ../ و أنا العالم / و العالم في قارة جسمي / ليس إلاّ قرية من ضمن آلاف القرى تهتف باسمي ؟ / قريتي العالم / هذا سبب كاف لتمتدّ يد العالم / - من حيث أنا أعلم -/ كي تكتبني ../ فليكن العالم وجهي و قناعي / و لأقم لي دولة عظمى بحجم الكلمات/ سأسميها كثيرا : وطني ..
على سبيل التّوطئة، أورد الشّاعر قصيدة "لو تسألني" للسّويدي غونار إيكيلوف في حين تمّت تحلية الغلاف الأماميّ بعمل فنّيّ للتايوانيّ وون سان لونغ.