‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد العناز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد العناز. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، نوفمبر 18، 2009

الكتابة ورحابة المحلي


محمد العناز

افتتحت شعبة اللغة العربية بالمدرسة العليا برنامجها الثقافي لموسم 2009- 2010 بالحلقة الحادية العشرة من سلسلة تجارب إبداعية، وذلك يوم الجمعة 13- 11- 2009 بقاعة الندوات بالمؤسسة نفسها. وقد استضافت لهذا الأمر الناقد والروائي المغربي د. شعيب حليفي ليعرض تجربته المتميزة في الكتابة أمام حضور مكثف من الطلبة والأساتذة والمبدعين. وقام بتأطير اللقاء الباحث الشاب د. عبد الرحيم الصليعي الذي بسط في كلمته مختلف المحطات التي مرت منها تجربة الكاتب المحتفى به، مع الإشارة إلى أهم إنجازاته في مجال الكتابة الروائية والنقد.

تناول بعد ذلك الكلمة د. شعيب حليفي، فاستهلها- وفي نوع من التلقائية والشفافية- بالحديث عن نشوئه وسط منطقة الشاوية وما تتميز به طبيعتها البدوية من احتفاء بالكلام وصناعته والتفنن في إخراجه في هيئات مختلفة وألوان متعددة، ليعرج بعد ذلك إلى التطرق إلى تشربه فتنة الكلام وصنعته من التصاقه بجذوره البدوية مفتخرا بما أمدته تربيته وسط الفلاحين من شغف بالكتابة عنهم وعن عوالمهم بكل ما تزخر به من سحر ورحابة. لم يقتصر د. شعيب حليفي في رد عنايته بالكلام إلى أصوله البدوية، بل عمل على مطارحة مسألة الكلمة وقوتها وما تتميز به من سلطة لا تضاهيها أية سلطة أخرى عادا حرفة الكتابة نوعا من السلطة الموازية، لكنها سلطة تمنحه القدرة على تكليم الحلم من خلال اللغة وممكنات الصورة. وعد شعيب نفسه مماثلا في الكتابة للصوفي في ملاءمة كلامه مع روحه وباطنه وللثوري في فضحه الخفي.

انتقل بعد ذلك شعيب حليفي إلى وسم نفسه بكونه كاتبا محليا توسعيا؛ أي أنه انطلق في البدايات، وهو يحاول ممارسة الكتابة من الالتصاق بمكان التنشئة الأصلي "أولاد سليمان" ليوسع بعد ذلك منظوره المحلي كي يشمل الشاوية برمتها. فهو كاتب لا يكتب إلا من خلال ارتباطه بجذوره. لكن ذلك كان يحدث انطلاقا من غنى الحياة وتعدد مداخلها، لذلك عد نفسه شخصا مثل كل الناس والغيوم والغابات يحيا وبداخله عشرات الأشخاص، منهم الكاتب والفلاح والأستاذ والمواطن والأب والساكن والمتمرد.

بعد أن حدد شعيب حليفي تصوره لذاته في علاقتها بالكتابة انتقل إلى عرض تجربته الروائية عبر نصوصه: "مساء الشوق"، و"زمن الشاوية"، و"رائحة الجنة"، و"مجازفات البيزنطي" و"أنا أيضا". وإذا كان شعيب حليفي في الروايات الثلاث الأولى يميل إلى الالتصاق بالمكان المحلي وتاريخيته، فإنه في روايتيه "مجازفات البيزنطي" و" أنا أيضا" يجنح إلى جانب ذلك إلى الاهتمام بسؤال فعل الكتابة؛ حيث يبدو الإلحاح على التجريب مطلبا قويا بما يعنيه ذلك من انكباب على مسألة الذات.

ولم يفت شعيب حليفي أن يشير إلى مرحلة الصمت التي انقطع فيها عن كتابة الرواية لإحساسه بأن التجربة التي خاضها في نصوصه الأولى قد استنفذت الحاجة إليها؛ ولم يعد إلى ممارسة الكتابة الروائية في نصيه الأخيرين إلا بعد أن ألح عليه سؤال الذات في علاقته بالمجتمع. كما ألمح إلى تجربته الجديدة التي حاول أن يدرجها في نمط اليوميات حيث يتجه به صوغ الكتابة إلى التقاط الظرفي والعابر، أو الاحتفاء بالجزئي ويجعل من ذلك معبرا نحو الكل من دون هوس بالحبكة. وكأنه في ذلك يسعى إلى الاحتفاء بالحياة في جريانها من ارتهان بما يجردها في محططات سابقة تكبح دفقها الحيوي. ومنم ثمة عد رحلته مع السرد مغامرة مع لعبة التخييل وطرائق التعبير المتنوعة، الشيء الذي جعله يتحول قي الكتابة من النص الذي يُكتب كاملا وقد تُصوِّر من قبل إلى النص الذي إلى النص يُكتب في أجزاء وفصول منفصلة تتخللها فترات زمنية متقاربة أو متباعدة. هذا التحول هو ما يسم تجربته الجديدة التي تتطلب من القارئ أيضا أن يقرأ نصوصه انطلاقا من الجزء نحو الكل، والعكس وارد أيضا.

انتقل شعيب حليفي في الشطر الثاني من مداخلته إلى بسط أهم المحطات التي سلكها في تجربته النقدية، فعد كتابه الأول ذا صلة بالبحث العلمي وفرصة لتملك أدوات البحث في الفانتاستيك كقيمة وموضوعة. أما كتابه الثاني فهو تأسيسي عبر فيه عن رؤية نقدية تعبر لجنس الرحلة السردي في الأدب العربي البحث، وكانت غايته منه محددة في ضبط الأشكال التعبيرية المميزة لهذا الفن. وتناول في الكتاب الثالث الرواية العربية وهوية العلامات والعتبات والتأويل من خلال مساءلة مجموعة من النصوص العربية. وفي الكتاب الرابع "مرايا التأويل" حاول شعيب حليفي استنطاق تاريخ النسيان والتخييل والحكاية والمجتمع وأشكال توظيف الذات.

حاول شعيب حليفي، وهو ينهي عرض تجربته في الكتابة، أن يختتمه باستخلاص عام أقرب إلى الحكمة منه إلى أي شيء آخر قائلا: " إن النصوص التي نكتبها فيها الكثير من أحلامنا إننا كائنات تحيا وسط الرموز".

بعد أن أنهى المحتفى به كلمته تدخل الناقد عبد اللطيف محفوظ ليشير إلى تميز سعيب حليفي بكتابة تجمع بين الوضوح والعمق الفكري مما يجعل علاقته بالقراء متسمة بالتواصل بعيدا عن التعقيد. كما وصف كتابة المحتفى به بتمتعها بقدرة هائلة على التركيب بين توجهات نظرية متعددة في وجازة تامة على المستوى النظري، وبين نصوص مختلفة على المستوى التطبيقي. هذا إلى جانب الجدة في الطرح والنزعة الموسوعية. ولم يفت عبد اللطيف محفوظ استخلاص ما تتميز به روايات شعيب حليفي من خصوصية مؤكدا على ارتباطها بما هو محلي، وعلى أن محلية نصوصه لا تعني انقطاعها عن الصلة بالعالم. فهي تسعى إلى التعبير عما هو وطني وعربي وإنساني من زاوية المحلي. وانتقل بعد ذلك إلى التجربة الجديدة لشعيب حليفي على مستوى السرد، والتي أطلق عليها تسمية المذكرات الشهرية، وعدها شكلا جديدا في التخييل السردي المنفتح على الحقائق المعيشة للكاتب، ولفت الانتباه إلى تميز لغة هذه المذكرات بالشفافية والقدرة على التعبير بسلاسة عن تفاصيل وأحداث تستعصي على اللغة.

الثلاثاء، أكتوبر 13، 2009

الزجال المغربي محمد الراشق يفوز بجائزة حسني الوزاني


محمد العناز

نظمت مؤسسة المسرح الأدبي بتطوان مؤخرا بتنسيق مع جمعية تطاون أسمير حفلا للإعلان عن نتائج الجائزة الوطنية الأولى لشعر الزجل بالمغرب: جائزة حسني الوزاني. وقد افتتح هذا الحفل بجلسة نقدية، تألق في إدارتها الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي، خصصت لمقاربة تجربة الشاعر حسني الوزاني الزجلية، بدءا بمداخلة د. حسن بن زيان التي اقتصرت "حصريا" على محاولة مقاربة نص مسرحي زجلي للشاعر الزجال حسني الوزاني، نشره ضمن مجموعته المسرحية "النشرة الجوية" بعنوان"بنت الحومة" متوقفا عند الشخصية المسرحية بوصفها قناة بين النص/ والمؤلف والمتلقي، منبها إلى عملية الضفر عند الوزاني والتي يتداخل فيها جملة فنون تنتمي في حقلها الإحالي إلى عالم صناعة الفرجة هي فنون: المسرح والزجل والأوبرا"، ذلك أن الضفر-بحسب الباحث- يتميز بتراكم التجربة الفنية لدى المؤلف الذي يعمد البعد المسرحي منها إلى إحكام رسم الشخصيات المتحاورة داخله والمتصارعة في مسارات خطه المتناهي، والمبلورة لفكرته المراد تقديمها إلى المتلقين، باعتبار النص دعوة إلى التأمل في ظواهر العلاقات القائمة بين الشخوص بغاية قراءتها قراءة عميقة تتجاوز تلك الظواهر، من جهة، والاستبطان الكاشف عن مقصديات الحوار الثنائي أو الفردي الجاري على ألسنتها، من جهة ثانية. كما أن هذه الشخصيات تتسم باستعمال الرمزية إلى شريحة تمثلها.إنها شخصيتا "المعلم" والبنت"، على محدودية المساحة المخصصة لها في نسيج النص، هذا إلى جانب الشخصيات الأخرى التي ساهمت في بلورة فكرة المؤلف من أمثال شخصية " المتسول "و " المجذوب" و" الآب. أما مداخلة الدكتور عبد الواحد بنصبيح فقد تناولت الأسس الفنية والجمالية في ديوان "رياض العشاق" للشاعر الزجال حسني الوزاني، منطلقا من المكون الإيقاعي الذي ينظم كتابة الوزاني الزجلية، والتي تعتمد الوزن والقافية جعلها تشبه زجليات ابن قزمان. كما ركزت المداخلة على الإيقاعات الداخلية من قبيل توازيات صوتية، وتركيبية ومعجمية وتكرارات وجناسات ومقابلات، اندغمت في التجربة أفقيا وعموديا بخاصة في زجليتي: "بريق مستعار" و"طاب زماني ". وكذا اهتمامه ببناء النص المعماري لقصائده بدءا من وعيه بتطريز المطالع والخواتم والأدوار، والبناء والصور ذات الشحنة الشعورية الكبرى بمفهوم باشلار.

ليعود الدكتور محمد المعادي من جديد، باعتباره منشطا للقاء، ليعلن عن بداية الشق الثاني من هذا الحفل الختامي، مذكرا بهذه الجائزة التي تعتبر بالفعل، جرأة وطموحا وحلما جمعويا تمسكت به الجمعيتان إلى أن أصبح واقعا ملموسا، وكيف أن العمل ظل مستمرا على مدى أربعة أشهر كاملة استجاب خلالها الكثير من رجالات الزجل بالمغرب، مشيرا بعين الرضى، إلى الدعم الإعلامي الوطني والدولي الكبير الذي كان وراء نجاح هذه التظاهرة. ليبدأ الحفل باستعراض قراءة زجلية وحيدة من ريبرطوار الفقيد الزجال حسني الوزاني هي زجلية " قفطان الحب منقط بالهوى "، أداها الفقيد، على الشريط المسموع بصوته الأجش تفاعل معه الحضور بشكل كبير.ثم أسلم المنشط المبادرة الثانية للفنان المبدع مصطفى مزواق باعتباره مطربا وملحنا جمعته نصوص كثيرة مع الراحل قدم خلالها المبدع مزواق زجلية" سامحتك " فألهب حماس الحضور، بهذا التناغم الهرموني بين الكلمة المعبرة"حسني الوزاني"واللحن الساحر"مصطفى مزواق ". هذا وقد أعلنت لجنة التحكيم عن فوز الزجال المغربي محمد الراشق بالجائزة الوطنية الأولى لشعر الزجل بالمغرب: جائزة حسني الوزاني من الخميسات، فيما عادت الجائزة الثانية إلى الزجال سعيد مهمة من آيت باها، أما الجائزة الثالثة فكانت مناصفة بين الزجالين لحسن باديس من القنيطرة، ومحمد اجنياح من تازة. لينختم الحفل بقراءات الزجالين الفائزين في هذه التظاهرة الوطنية التي أعلن منظمو الجائزة أنها ستتحول إلى مهرجان وطني ابتداء من العام القادم.

الأحد، يوليو 12، 2009

تيفلت تحتفي بشاعرها الزجال ادريس أمغار مسناوي


محمد العناز

نظم النسيج الثقافي الجمعوي (جمعية الإشعاع الثقافي، جمعية ربيع تيفلت للإبداع والتنمية، جمعية الأمل للتنشيط الاجتماعي والثقافي، نادي كشوفات) بدار الشباب 9 يوليوز بمدينة تيفلت (إقليم الخميسات) مؤخرا حفلا لتوقيع الإصدارين الشعريين الجديدين "مقام الطير"و"أل جسد" للزجال إدريس أمغار مسناوي بحضور وازن لمجموعة من المبدعين : الناقد الإدبي محمد رمصيص، والقاص حسن البقالي والقاصة ليلى الشافعي، والشاعر محمد البلبال، والقاص اسماعيل البويحياوي، والزجال محمد الراشق، والزجال خالد الموساوي.. وتميزت الجلسة النقدية التي تألق في إدارتها الشاعر والباحث عبد الحميد شوقي الذي استطاع بأناقته اللغوية أن يفتح ضفافا نقدية لتهييئ المتلقي لإكتشاف عوالم إدريس أمغار مسناوي الشعرية، خاصة أن عبد الحميد شوقي المهووس بالإشكالات الفلسفية جعل بومة أثينا تحلق في سماء تيفلت عبر الإنصات العميق لأسئلة الزجل المغربي من خلال تجربة مسناوي الساحر الفائق برائحة الحياة والنور والضياء الذي احتضن في عينيه الإشراق والتجليات، واعتنق المستحيل وفتح بوابات الأساطير، واستطاعت ذات مسناوي الشاعرة أن تتحرر من الظلال الأفلاطوني لتطأ عالم الشمس والجمال. ليعطي بعد ذلك الكلمة للنسيج الثقافي في شخص الفاعل الجمعوي بالمدينة عبد الحميد الغيطافوري الذي أكد في كلمته على ضرورة إعادة الاعتبار للعمل الثقافي في ظل سيطرة السياسي، واعتبر أن حضور النسيج الجمعوي اليوم للاحتفاء بمبدع عنوان إجماع في المدينة ضدًا على هذا التغييب، وضداً على التهميش، و على انعدام شروط العمل الثقافي، وهي رسالة للمطالبة بالإعتناء بالثقافة في ظل غياب البنيات التحتية بالمدينة، التي تتوفر على مبدعين وفاعلين جاديين، يطمحون إلى تحقيق نهضة ثقافية بالمدينة وإنصاف مبدعيها ولعل أولى هذه الخطوات هي إصدار كتاب نقدي يجمع الدراسات التي أنجزت بصدد منجز إدريس أمغار مسناوي في مجال الكتابة الزجلية. وانطلق الناقد نور الدين بوصباع في مداخلته المعنونة ب: "تجليات الجسد في ديوان ال جسد"من الإحتفاء بالصمت الذي يشيده عالم مسناوي بكتابته التي تحاكي الواقع اليومي، وتاريخ الناس بوصفه أعمق من أي تاريخ آخر، وهذا العمل وملتصقا بقضايا الأرض عن طريق إعادة الاعتبار إلى اللغة الأم وللغة المحكي الشعبي، فادريس إمغار مسناوي حسب نور الدين بوصباع لا يفصل الكتابة عن الإنسان، ويجبر لغة الأم على إنتاج الجمال، وبفضله وبفضل زجالين آخرين أصبحنا ننظر للزجل بوصفه شعرا حقيقيا. كما توقف الباحث عند المغامرة الصوفية التي تبدأ بالجسد وتحريره من كل مضافاته باعتباره لغة هوية، تزخر بصدقها الباذخ وهي لغة تعبر عن نظرة الإنسان لذاته الأقرب إلى عقله ووجدانه، وهذا العمل ينفتح على فلسفات الجسد من قبيل الفلسفة النتشوية التي أعادت الاعتبار للجسد من خلال الجسد يتم إثبات الآخر والذات والعالم. وقدم الناقد نور الدين بوصباع صورة للجسد في الثقافة الإنسانية والدينية وربط بين هذا الحضور القوي للجسد في هذه الثقافات وبين حضور الجسد في جديد أشعار إدريس أمغار مسناوي الذي يتميز برؤيته الخاصة له بخاصة وأنه ذو مرجعية صوفية واضحة. وإدريس أمغار مسناوي صاحب تجربة طويلة في هذا الباب مما جعل زجله يلقى كل هذا الإهتمام نظراً لتنوعه ولتميزه. وربط الباحث عبد السلام دخان في مداحلته التي حملت عنوان"حوارية الجمالي والميتولوجي في ديوان" ا ل جسد" لحكيم الزجل المغربي إدريس أمغار مسناوي" بين التراث الزجلي المغربي ومنجز مسناوي على صعيد البناء الفني والأبعاد التاريخية والبلاغية. واعتبر أن ديوانه "ا ل جسد" هو إبراز لتفاصيل الحلم ولإنشغالات الذات الشاعرة الطامحة لتحقيق الممكن الأنطلوجي عبر حوارية شفافة بين الجمالي والأسطوري بخاصة وأن أركولوجية الجسد تعكس أهميته في الأديان والثقافات والمعارف. ولعل رغبة مسناوي الربط بين الذات الشاعرة والآحر تنبع من رغبته في توحيد هذا الإنسان عبر المحبة الإنسانية في نزعة صوفية واضحة بالرغم من أن حكيم الزجل المغربي لا يكتفي بالرؤيا الصوفية بل ينفتح على السوسيولوجيا من أجل إئتلاف المتباعد وتجانس المختلف (المكان، العدم، الفراغ، النهار، الليل) ، كما ربط الشاعر إدريس أمغار مسناوي بين عوالم الصوفية والموجودات(الأرض، الألواح، الحرف)، وعمل الباحث عبد السلام دخان على تحليل دقيق لشواهد شعرية مختلفة من الديوان لتبيان الإبدلات الدلالية والسمات البلاغية المهيمنة في هذا العمل ولجماليات الفضاء الكاليكرافي لهذه النصوص، والرغبة في ترك هذا الأثر على حد تعبير عبد السلام دخان هي استجابة لنداء الحياة فلا وقت للشاعر للضياع المرادف للعدم. واعتبر الباحث عبد السلام دخان أن هذا العمل الشعري الزجلي يراهن على كشف تضاريس الجسد بلغة شفافة تستند لطاقة تعبيرية متوهجة معهودة في كتابات الشاعر ادريس أمغار مسناوي. والجسد الذي يشكل المكون المهيمن في هذا العمل الشعري لاينبع من ا لتصور الإيروتيكي، بل من تجربة روحية ذات منحى إشراقي، فللجسد على حد تعبير الشاعر" أسماءه الحسنى مايعرفهم غير الشاعر الفنان واللي طال على سر جسده مزيان". وهذا الاهتمام انعكس على فهرس المجموعة الشعرية التي تضم :حرف الألف، حرف الام، حرف الجيم، حرف السين، حرف الدال.وقد زاوج الشاعرادريس أمغار مسناوي بين البوح الشعري الزجلي والرؤية المنهجية المتجلية في كتابة "ا ل جسد" وفق مخطوطات،كل مخطوط يحمل عنواناً خاصاً مثلما ورد في مخطوط رقم 3:"مايكونش الإنسان حوتَهْ وتاهت فالبرْ؟". ومثل العمل الشعري السابق "مقام الطير" يتسم "ا ل جسد" بحضور الإحالات والهوامش، واستتمار الإرث الثقافي للحضارات القديمة مثل الحضارة السومارية والفرعونية مما يعكس الجهد الفكري الذي بذله - حكيم الزجل المغربي- من أجل عمل زجلي يحقق مزية التأمل، ومزية الإمتاع على نحو جمالي، بخاصة وأن ادريس أمغار مسناوي يكتب برؤية بصرية ليس في المستوى التركيبي، والمستوى الدلالي فحسب، بل في طرائق توزيع الأسطر الشعرية والشواهد والإحالات، تأكيداً منه على انتماء نصوصه إلى التربة المغربية الخصبة أما كلمة الزجال مولاي ادريس أمغار مسناوي فقد انصبت على لحظات تاريخية دقيقة في حياته الإبداعية تميزت بمشاركة ابنه نفيس الذي شاركه هذا الهم منذ سن السابعة أو الثامنة من عمره الذي كان يرافقه في رحلاته وأسفاره لذلك فهو يستحق أن يهدى له هذا اللقاء. يقول مسناوي"هذه المرحلة التي استطعت أن احكيها..معنديش أصدقاء في هذه المدينة، ولا خارج هذه المدينة..عندي أولياء الإبداع الصالحين أنتما..أولياء بإبداعكم، بشموخكم، وكرمكم الإنساني..نتما كبار في عيني وقلب في هذه المدينة..وأنا في حضرتكم، في مقامكم العالي بالإبداع الغالي بالمحبة. ميمكنش تصوروا شحال ادريس بكم..فيكم..ليكم ثم انحنى للقاعة التي لم تجد غير الوقوف لهذا المبدع الإنسان والتصفيق له بحرارة لأزيد من عشر دقائق ودموع سافرت بالحاضرين إلى سدرة الشعر الحقيقي، ليقرأ بعد ذلك عددا من النصوص الشعرية الزجلية التي تؤرخ لمساره وتخفي قصصا بدأها بمقتطفات من عمله القادم "شهوة الشهادة" ثم نص" الحرية الذي يعود إلى 1968التي عاش فيها مرحلة الوعي، تلتها قصيدة "الفكر والعين" أول قصيدة شارك بها في أمسية مع أحمد لمسيح وأحمد حافظ، كما قرأ أيضا نص" بلادي" الذي يعتبر أول نص يشارك به خارج المغرب، ليختم بنصين يؤرخان لأول مهرجان للزجل نظم في مكناس سنة1991" ما في الصدور" و" الغبينة".

وأعقب هذا اللقاء حفل لتوقيع ديوان" ا ل جسد" وديوان " مقام الطير".

الأربعاء، يونيو 17، 2009

الإبداع والترجمة والنقد الأدبي تواصل حضاري


محمد العناز
كلية الآداب بفاس-المغرب

نظم مشروع البحث النقدي ونظرية الترجمة بروتارس3 بفضاء مدرج ابا حنيني بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز بفاس، وعلى مدى يومين 10 و11 يونيو، ندوة وطنية في موضوع:"الإبداع والترجمة والنقد الأدبي تواصل حضاري" بمشاركة ماستر الكتابة ومهن الكتاب لمناقشة خمسة إصدارات.

واستهلت الجلسة الافتتاحية بكلمة عميد الكلية عبد الرحمان طنكول الذي شكر كل الفعاليات المشاركة، وبخاصة رئيس المشروع الدكتور حميد لحمداني، معتبرا أن موضوع الندوة يخدم الطلاب بالدرجة الأولى. أما كلمة رئيس شعبة اللغة العربية الدكتور عبد الرحيم الرحموني فقد انطلقت من عنوان الندوة لكونها تحمل بعدا حضاريا وثقافيا كبيرا، مشيرا إلى الدور الهام الذي تلعبه مثل هذه الندوات في تحقيق التواصل الحضاري وبناء علاقات على مستوى الكليات. وانصبت كلمة الدكتور محمد أوراغ على الروابط التي تجمع بين مشروع البحث النقدي ونظرية الترجمة وماستر الكتابة ومهن الكتاب بحكم التقاطع من حيث الأهداف والاهتمامات الكبرى، إذ يسعى هذا الأخير إلى ترسيخ ثقافة الكتاب في عالم يعرف تحولا في التقاليد والأعراف المتعلقة بإنتاج النص والمعلومة والولوج إليها والاستفادة منها، عن طريق التقدم السريع والهائل الذي يفرضه عالم المعلوميات وتكنولوجيات الاتصال الحديثة، بالرغم مما قد يثيره هذا التحول من تساؤلات أنطولوجية حول الكتابة والكتاب، حيث سيظل الحامل الورقي للمعرفة في اعتقاده الأسلوب المفضل للكتاب يقومون به في مواجهة عمل صناعي يراد له أن يكون شموليا. في حين ذكرت مداخلة مدير مشروع بروتارس الدكتور حميد لحمداني بأهداف المشروع ومراحله، مشيرا إلى سياق الندوة وأهدافها وآفاقها، كما ركز على الجانبين العلمي والتنظيمي، وثمن مجهودات كل الفاعلين من أجل إنجاح هذه الندوة من أطر إدارية وتربوية وطلبة، مجددا الشكر لرئاسة جامعة سيدي محمد بن عبد الله وعمادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز وماستر الكتابة ومهن الكتاب والأساتذة المشاركين في الندوة والطلبة الباحثين.

الجلسة الأولى ترأسها الدكتور عبد العالي بوطيب مبديا سعادته بإصدارات الندوة التي جمعت مؤلفات لمؤلفين من خارج شعبة اللغة العربية، ليقدم الدكتور الأستاذ محمد مشبال مداخلة انصبت حول ترجمته لكتاب" صورة الآخر في الخيال الأدبي" لطوني موريسون، وسمها ب"الخيال الأدبي والإيديولوجية العرقية"، متحدثا عن السياق الذي جاءت فيه ترجمة الكتاب، ونافيا أن تكون هذه الترجمة انسياقا وراء الموضة من الدراسات النقدية والثقافية اللاتينية، موضحا أهمية كتاب طوني موريسون الذي يقترح مقاربة أفلحت في أن تحقق التكامل المنشود في الدراسات الأدبية، والذي تجلى في الاستجابة لجوهر الأعمال الأدبية بوصفها مجالا يتلازم فيه التخييل والإيديولوجية. كما أبرز المترجم محمد مشبال موقف البيض من السود أثناء الكتابة ومكانة السود في المجتمع الأمريكي، مؤكدا في ذات الوقت على أن السود يمكن أن يدل على نقيضين عكس البياض فلا قيمة لديه، وبالتالي فإن تأثير الإيديولوجية العرقية في بناء الرواية يبرز تعاطي النقد الأدبي مع النصوص الأدبية بدأ يعرف صعود اتجاهات نقدية ونصية مخالفة أعادت إلى الواجهة النص بوصفه تجربة تاريخية. وفي معرض تحليل الدكتور عبد الرحيم مودن لكتاب"صورة الآخر في الخيال الأدبي" أكد قيمة هذا العمل الذي سيغني الخزانة المغربية، منطلقا من أطروحته المركزية التي تقوم على استقصاء خصيصة مركزية في الأدب الأمريكي، مجسدة في ما أسماه ب"الأفريقانية" africamisme، أي الحضور الأفريقي في الأدب الأمريكي. والكتاب بمقالاته الثلاث تحليل لهذا الحضور من خلال السرد الروائي حيث تلح الكاتبة على غياب أو تغييب هذه الخصيصة؛ لأسباب عديدة منها ما تعلق بنزعة الهيمنة البيضاء، وكذا ما يتعلق بالعمى النقدي، وفي الحالتين نتج عن ذلك نفي السُّود وعزلهم من الحياة الأدبية بالرغم من المفارقة الواضحة بين النصوص القانونية والدستور الأمريكي التي تعترف بالسود اجتماعيا وسياسيا أيضا، ولكنها لا تترد في تهميشهم إبداعيا، مما يشوش على" الخارطة الموضوعية" للأدب الأمريكي، والتي اقتصرت على البيض من دون السُّود، تبعا لذلك تطرح الكاتبة أسئلة مركزية: ما علاقة الأفريقانية بالخيال الأدبي؟ كيف اشتغلت هذه الأفريقانية داخل هذا الخيال؟ ألا تؤدي النظرة الدقيقة إلى السّواد الأدبي بها لضرورة إلى اكتشاف طبيعة" البياض الأدبي"؟ الجواب عن هذه الأسئلة جاء من خلال تفكيك النصوص البيضاء لكبار كتاب أمريكا(بُّو، همنجواي، هنري جيمس، مارك توس، ملفيل. وقدم الدكتور سعيد العمري كتابه "الرواية من منظور جمالية التلقي" منطلقا من طرح ظاهرة أدبية محيرة في تاريخ الدراسات الأدبية النقدية، هي استئثار عمل أدبي واحد باهتمام تيارات نقدية متعددة رغم تعارضها وتباينها. ووجد في رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ نموذجا، كما وجد في نظرية جمالية التلقي عند" هانس روبيرت ياوس" منهجا قادرا على معالجة تلك الظاهرة وذلك بإعادة كتابة تاريخ" أولاد حارتنا" بدءا بالوقوف عند الطريقة التي فهمت بها من قبل القراء الأوائل مرورا بالقراء اللاحقين وصولا إلى تقديم قراءة خاصة به. والغاية من ذلك ربط الحاضر بالماضي، والاطلاع على التجارب القرائية السابقة للاستفادة منها والاحتكاك بها، والقراءة الخاصة تهدف إلى البرهنة على مدى قابلية الرواية للإجابة عن سؤال يخص الباحث أي عن تأويل خاص ينضاف إلى الفهم التاريخي، وخلص الباحث في النهاية إلى أن نظرية التلقي تدعو إلى التحلي بالمرونة في التحليل ونهج مقاربة تفاعلية تشاركية تقوم على تقاسم بناء المعنى بين النص والمتلقي. وكذا أن رواية" أولاد حارتنا" خيبت أفق انتظار جمهورها الأول لكنها أصبحت مألوفة بفضل القراء المتأخرين. في حين يظل منهج جمالية التلقي صورة حية للواقع الأوروبي المتميز بالديمقراطية والحريات العامة، ولذلك اعتمد النسبية في الطريقة التي يعالج بها الظاهرة الأدبية. أما الواقع المغربي مثلا؛ فالسنوات الأخيرة من التسعينيات باتت تربة خصبة لاستقبال منهج جمالية التلقي بفضل هامش الديمقراطية والحريات العامة. لينتهي إلى استحالة منهج جمالية التلقي في جوٍّ تسوده الديكتاتورية والظلامية. لأنه يعطي الحرية للناقد لتأويل النص؛ شرط أن تكون مقاربته تشاركية تستحضر الحدود التي يجوز إجراء التأويل فيها. أي الاحتكام إلى النص. أما مداخلة الدكتور محمد مساعدي فقد انصبت على تحليل كتاب"الرواية من منظور جمالية التلقي" لسعيد العمري، متطرقا إلى أهمية نظرية التلقي باعتبارها مشروعا يرتكز على أسس فلسفية متعددة المشارب، وعلى جهاز مفاهيمي متماسك، جعل منها إبدالا نظريا جديدا يعتمد على التفاعل والاعتراف بالدور الفعال للمتلقي في المساهمة في إنتاج المعنى، متحدثا عن ضرورة إثبات اشتغال مفاهيم جمالية التلقي من خلال حرص الدكتور سعيد لعمري على تتبع ردود أفعال القراء المتعاقبين على نص أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، ثم بعد ذلك تقديمه لقراءته الخاصة التي وأجابت فيها الرواية عن سؤال التكامل بين العلم والقيم الإنسانية الروحية والعقدية للدين. في حين اعتبر الدكتور عبد النبي ذاكر إصداره الجديد"مدارات الترجمة" يدخل ضمن قضايا نظرية الترجمة ونقدها وممارستها، ويطمح من خلاله إلى مجاذبة بودلير، متوقفا عند المشاكل التي قد تعترض عملية العبور نحو الترجمة بخاصة عند ترجمة النص المقدس، والنصوص الإبداعية. ليناقش بعد ذلك الدكتور محمد القاسمي كتاب" مدارات الترجمة" لعبد النبي ذاكر، مبديا أهمية المشروع العلمي الذي انخرط فيه مشروع بروتارس3 بوصفه مشروعا سيثري الثقافة المغربية من جانبها الرصين، مقدما قراءة أولية في"مدارات الترجمة" الذي يتأطر ضمن سياق الندوة: ترجمة الأعمال الأدبية والفلسفية باعتبارهما ضرورة ثقافية، وتواصل بين الحضارات والثقافات المختلفة، مشيرا إلى قيمة الكتاب التي تتجلى من جانبين: الأول يرتبط بطبيعة النص المترجم، والثاني يتعلق بدربة الذات بالفعل الترجمي، ومحاولة هذه الذات التفاعل مع هذا الفعل الذي يختلف من النص الحقوقي والنص المقدس. ليتحدث بعد ذلك عن عنوان الكتاب، وأهمية الحوار بين النص الأصلي والنص المترجم والمقارنة بينهما، والكشف عن الآليات الحقوقية المراعاة في الحفاظ على النص الأصلي والنص العربي، وتطويع الفرنسي ليستجيب للمصطلحات المأخوذة من الحضارة الإسلامية، متوقفا عند فصل" الإشهار" الذي اقتحم موضوع الترجمة الإشهارية وتعلقها بطبيعة المتلقي للنصوص الإشهارية الخطيرة، منتهيا إلى أن الخطاب الإشهاري يتخذ من الشرق موضوعا له خطاب إيديولوجي، له أهدافه.

أشغال اليوم الدراسي الثاني أطرها الدكتور الأستاذ محمد مشبال، وافتتحت بمداخلة المترجم الجيلالي الكدية حول إصداره "مختارات من روائع القصة العالمية"، الذي أثار في تقديمه لكتابه مجموعة من الاستفهامات من قبيل: كيف تشكلت هذه المجموعة؟ ما هي المراحل التي مرت منها؟ هل من معايير معتمدة في الانتقاء؟ ليجيب الباحث أن المعيار الذاتي تحكم فيه الذوق الشخصية، ومراعاة المكونات القصصية أثناء عملية الاختيار. رغم اختلاف النصوص وتنوعها بفعل خصوصية كل كاتب على حدة، ومن ثمة المساهمة في تطوير وبلورة القصة القصيرة وتطورها، متوقفا عند التطور الذي عرفته القصة سواء على مستوى الرؤية أو المنهج، حيث حقب كرنولوجيا فن القص الذي ظهر في القرن التاسع عشر مع موبسان وإدغار ألان بُّو وكافكا، حيث حقق استقلاليته كجنس أدبي دخل في تنافس مع الشعر والرواية. أما في القرن العشرين فقد انكب الكتّاب على إبداع استراتيجيات جديدة، والنزوع إلى استعمال الحوار، واللحظة، مؤكدا سمة التطور التي تميز القصة على مستوى الأساليب، وصعوبة تحديد هذا الجنس المتسم بالحربائية. ليطرح بعد ذلك سؤالا: هل هناك رؤية أو فلسفة تؤطر العمل؟ مبينا أن فعل الترجمة يروم ردم الهوة وانصهار الثقافات.وهذا ما يمكن أن تحققه ترجمة الأعمال الأدبية، وليس إقصاء حضارة على حساب أخرى، داعيا في الوقت نفسه إلى تزكية الحوار المثمر بين مبدعين همهم الوحيد التواصل والحوار عبر الفن. فالنصوص التي قام بترجمتها تكوِّن نسيجا واحدا، وتشكل فسيفساء واحدا. كما أنها تتغيا الدفاع عن القيم الإنسانية التي تسمو عن القيم الدينية والعرقية، إن هذه النصوص-بحسب المترجم- لا تشكل إلا صورة لمعاناة الإنسان ومحيطه. لنستنتج أن الأستاذ الكدية يحمل تصورا نقديا جماليا للقصة. وانصبت مداخلة الدكتور عبد العالي بوطيب في مناقشته لكتاب الجيلالي الكدية على تجاوز مسألة تقويم الترجمة في ظل غياب النص الأصلي، مكتفيا بإيراد ثلاث نقط رسخت في ذهنه أثناء عملية القراءة. المسألة الأولى تتعلق بكلمة مختارات التي تقتضي الإحاطة بالعمل الأدبي، والإلمام الكبير بكل التجارب القصصية العالمية، وهذا لايتأتى-بحسب بوطيب- إلا لباحث متمكن، متوقفا عند القصص التي يتضمنها الكتاب، والتي وصلت إلى أربع وعشرين قصة تعود لخمس قارات، وأربعة عشرة دولة، وأيضا لأبع وعشرين تجربة قصصية تغطي كال التجارب. أما المسألة الثانية فترتبط بمسألة الترجمة، والتي اعتبرها تأتي من الرغبة في تعميم المتعة وإشراك أكبر عدد من القراء من لدن باحث متخصص في القصة العالمية. أما المسألة الأخيرة فتخص القيمة المعرفية والأدبية التي قدمها العمل، والتي لخصها في قراءة ومتعة قراءة أشهر كتاب القصة العالمية. وكذا تقديم صورة مصغرة عن تاريخ كتابة القصة القصيرة في أبرز تجاربها العالمية. في حين أشار الدكتور حميد لحمداني في معرض تقديم لكتابه "الفكر النقدي الأدبي المعاصر" إلى الطموح الذي يصدر عنه؛ لأنه يتناول أهم المشاريع النقدية في التنظير الأدبي من جهة، ونزوعه نحو التعليم من جهة أخرى، متحدثا عن الاتجاهات الأدبية التي استطاعت توجيه الأدب ونظرياته، متوقفا عند كل من نظرية الالتزام لسارتر، ونظرية التفكيكة عند دريدا بوصفهما نظريتين مؤثرتين في الدراسات الأدبية والنقدية المعاصرة، مؤكدا أصول النظرية العالمية التي بدأت مع اليونان والعرب، وإبرازه لبعض خصوصيات النقد العربي القديم المرتبطة بالتركيب، الذي يقول بوجوده في الفكر النقدي العربي؛ انطلاقا من أن كل النظريات النقدية العالمية لها طبيعة تركيبية؛ مستشهدا بالتفكيكية. لينتقل إلى الحديث عن بعض المسائل المنهجية في الكتاب، بدءا من مرتكزاته المتمثلة في إعادة النظر في تاريخ الفكر النقدي، وضرورة ربط الصلة بين الماضي والحاضر، وكذا اعتماد منظور تطوري شامل لتاريخ النقد الأدبي وخلفياته المنهجية الممتدة بين الماضي إلى الحاضر، ودراسة تطور النظريات والمناهج النقدية، والقول بعدم إقامة الحدود الصارمة بين الثقافات. ثم تطرق إلى مجال الفكر النقدي العربي معتبرا أن البلاغة قد شكلت بمختلف فروعها ومباحثها قمة ما وصل إليه الدرس النقدي في تاريخ الثقافة العربية، وأن النقد الإخباري مثَّل فرعا مهما من الدراسات النقدية للأدب بكل ما كان يتميز به من موسوعية وشمولية، كما أنه كان الحاضن لجميع المناهج الأدبية الممكنة التي تبلورت في ما بعد. كما توقف لحمداني عند كل من إشكالية اللسانيات وانفتاح آفاق الفكر النقدي، وأهداف تطويره والتي أجملها في تجاوز النظرة المعيارية التي هيمنت على البلاغة القديمة، وتوسيع دائرة وصف البنيات النصية، والاهتمام المضاعف بالقارئ وأنماط القراءات. لينتهي في عرضه إلى الأساس الإبستمولوجي في الكتاب انطلاقا من استخدام الوصف، والتحليل، وأيضا اعتماد الكفاءتين النظرية والعلمية. الأولى تنبني على الانسجام، وعدم التناقض، والشمول وليس الإطلاق، أما الثانية فتقوم على المردودية معرفيا وإنسانيا. ليخلص إلى تقويم طرح فيه سؤالا مركزيا: ما القيمة المعرفية والعملية التي يمكن أن يجنيها الإنسان عند تطبيق المناهج النقدية؟ إن البحث إبستومولوجيا في المناهج هو النقيض التام لما يسمى ب" المنهج التكاملي" الذي اعتبره لحمداني من أخطر المناهج لأن الهدف منه هو إعفاء الذات من مهمة البحث المعرفي، وإرضاء النقاد جميعا أو" إصلاح ذات البين بينهم"، كما أكد أن المنهج التكاملي لا تقف خلفه أي مبادئ معرفة إبستمولوجية ولا معرفة إنسانية أو سيميائية. مداخلة الدكتور محمد أمنصور تناولت بالدرس والتحليل كتاب"الفكر النقدي الأدبي المعاصر" للباحث حميد لحمداني انطلاقا من كونه عملا يتأطر ضمن نقد النقد. كما أنه يشكل مدونة نقدية لرسم معالم الخريطة النقدية الغربية بهدف التعريف بها؛ انطلاقا من الأرضية الإبستمولوجية التي يقف عليها لحمداني باعتبارها أرضية متجذرة موضوعية؛ تتسم بالصلابة، وكذا وجود المسافة، وانعدام التشيع المنهجي، بدءا من إبرازه لجوانب القصور والتهافت دون الخضوع إلى ميل أيديولوجي أو عقدي، كما أبرز الباحث موقف لحمداني الصريح من التفكيكية بوصفها تتسم بالعبثية.إنها مقاربة إدخال الجانب الإنساني ومجمل القيم.يضيف-الباحث أمنصور- هناك نقطة تحسب للحمداني لأنه لا ينطلق من مركب النقص أو وهم التخوف؟ وإنما من منظور متوازن ورؤية شمولية لتطور تاريخ الفكر النقدي العالمي ترى أن"المعرفة المعاصرة ليست غريبة بشكل مطلق وأن الإرث العربي الإسلامي وثقافات جميع حضارات الأمم السالفة تشكل فيها مكونا أساسيا". وإذا جاز لي تكثيف أقوى مفاصل الكتاب فإنني أوجزها في نقاط: صهر ثلاث أبعاد في نسيج واحد:البعد التاريخي، والبعد الإبستمولوجي، والبعد البيداغوجي، وكذا تحرير الظاهرة الأدبية من النظرة الأحادية ووضعها في قلب تعددية زوايا النظرة المنهجية، ونبذ التعصب لأي منهج على حساب منهج آخر، وضع النقد في سياق إشكالية الإنسان والقيم، القطع نهائيا مع ما يسمى بالمنهج التكاملي.

وعنون الدكتور عبد الواحد المرابط في الجلسة التي ترأسها الدكتور عبد الرحيم المودن مداخلة ب"تحليل الخطاب من مدارج التجريد إلى قيم التواصل" منطلقا من إشكال تخلص مناهج التحليل من العبء الإبستمولوجي، وإبرازه للجوانب التي تميزها عن الخطاب التواصلي، مشيرا في الوقت نفسه للتحول الذي بدأ في ما يخص مناهج التحليل المتمثلة في توقف الإبستمولوجيا عن اعتبار الرياضبات مرادفا للعلم، والتي تحولت إلى رياضيات خالصة، وإلى مبحث إنساني خالص، مركزا على مبحثين: الأول يتعلق باللغة، توقف فيه عند المسار الذي قطعته فلسفة اللغة من مطلب التجريد إلى مطلب القيم. والثاني يتعلق بمبحث الدراسة الأدبية يرتبط بالمسار الذي قطعه النقد الأدبي من البنيوية إلى ما بعدها. كما تطرق الباحث إلى تحول البنيات الكونية المجردة إلى قضايا الثقافة، نافيا أن يكون هناك أدبا ما بدون قيم إنسانية، لينتهي غي مداخلته إلى ثلاث مقاربات تتصل الأولى بالنقد الحواري الذي أعاد الاعتبار إلى السوسيولوجيا، أما الثانية فترتبط بالنقد الثقافي الذي يعترف بالخصوصيات الثقافية الملحة، وأخيرا جمالية التلقي التي أعادت الاعتبار إلى النصوص والمتلقي.

الأربعاء، يونيو 03، 2009

عيد الكتاب بتطوان وبلاغة اللقاء بتطوان

محمد العناز
الأديب المغربي أحمد المديني: "أريد أن أصبح كلاسيكيا وليت لي"

احتضنت ساحة الفدان العريقة مؤخرا بمدينة تطوان، وضمن فعاليات الدورة الثانية عشرة لعيد الكتاب، ويشرف على تنظيمه كل من وزارة الثقافة، واتحاد كتاب المغرب، والحكومة الأندلسية بتعاون مع ولاية تطوان والجماعة الحضرية لتطوان لقاءا نقديا لتقديم مجوعة من الكتب الصادرة لهذه السنة، والذي ترأسه الباحث محمد العناز معتبرا أن اللقاء لحظة نادرة بالنسبة له للجلوس في طاولة واحدة مع رموز من العيار الثقيل في مسارات الأدب والإبداع المغربيين، مؤكدا في ذات الوقت على أهمية عيد الكتاب بوصفه نقطة مضيئة ضمن الأجندة الثقافية للمغرب، ليعطي الكلمة بعد ذلك للناقد المغربي سعيد يقطين الذي قدم المجموعة القصصية "خريف وقصص أخرى" للأديب أحمد المديني الحائز على جائزة المغرب للكتاب لسنة 2008 منطلقا في مداخلته الموسومة ب"خريف وقصص أخرى..
فتنة السرد وفطنة المعنى" من المسار الذي واكبه مولاي أحمد المديني في مجال السرد والنقد والشعر، بوصفه مسارا متسما دائما بالاشتغال والقلق، والتوتر والبحث، واعتبر أن كتاباته في كل مرة تقدم جديدا على المستوى الزمني أو على المستوى الموضوعي، ليتوقف عند الخصوصية التي تميز المجموعة لكونها تتخذ من الفضاء الفرنسي فضاء لأحداثها عوض الفضاء المغربي هذا من جهة، والتزام المديني في هذا النص بالتخلي عن التجريب الذي أسهم به في القصة والرواية من جهة أخرى إحساسا منه بضرورة إيقافه والدخول في حقبة جديدة على حد تعبير الناقد المغربي سعيد يقطين، متحدثا عن سياق ورطة الكاتب التي ما هي إلا صورة الراوي المهووس بالكتابة. "خريف" وهي نص البؤرة، تحيل إلى رؤية فلسفية؛ هل هو خريف العمر، أم خريف الكتابة، أم الاقتراب من الموت؟
لأن حواراته مع ماركريث في المقهى اتسم بالبرودة. وهي لها رؤية مختلفة إذا أراد أن يغير جلدته عن هؤلاء الغربيين. يضيف –سعيد يقطين-"خريف"سيرة ذهنية مختصرة تبين لنا رؤية وجودية مختصرة عن العالم، ويعتبرها إنها محاولة البحث عن دلالات الأشياء أو فطنة السرد.
إن منطق العالم أو الواقع كان في فترة سابقة محاولة كسر الواقع، ففي هذا الخريف سنجد العالم بلا منطق، يريد الراوي أن يبحث له عن معنى وعن منطق، هذا العالم بلا منطق هو الذي حاول الراوي أن يرصده لنا في قصص أخرى، كل شخصيات المجموعة فوق الخمسين، إما متقاعدون فاتهم القطار. فالراوي يعيش في هذين فضائين هما: المقهى والحانة، يريد من خلالهما أن يقف على جزئيات وتفاصيل الواقعية التي فيها تسلسل. ومن ثمة يمكن اعتبار خريف تعبيرا عن الفرد لأن الراوي موجود كشاهد ويندمج في العالم، ويتواصل معه بالرغم من هذا التواصل غير حقيقي.
أما كلمة الأديب المغربي أحمد المديني فقد عبرت عناء الشوق إلى مدينة الحمامة البيضاء بوصفها أضحت مركزا للثقافة المغربية مؤخرا، وأنه سعيد باللقاء مع صاحب رواية "باريو مالقه" للأديب محمد أنقار الذي لم يلتقي به منذ أربعين سنة، ليقرأ جزءا من مقدمة المجموعة القصصية" خريف وقصص أخرى" ثم يهدي نصا إلى مدينة تطوان تحت تصفيقات الحضور المكثف والنوعي وسمه ب" في هذا الخريف، ربما خريف سابق". أما كتاب " الاغتراب في الشعر العربي الحديث" للأديب ابراهيم السولامي، فقد تميز بتقديم الناقد عبد الفتاح الحجمري الذي اعتبر السولامي أحد رواد الدرس الأدبي بالمغرب، معترفا بأياديه البيضاء على عدد من المبدعين والكتاب بقلعة ظهر المهراز متسائلا: كيف يمكن أن نستدل على قيمة كتاب ما؟
ليبدي أربعة ملاحظات حول كتاب" الاغتراب" أولها أن اهتمام دراسات الأستاذ السولامي كقيمة وجودية ووعي يربط هذا الاغتراب بمكونات خاصة. وثانيها أن السولامي لا يهتم بظاهرة الاغتراب من خلال مفهوم الانعكاس أو التماثل الذي يقرب الدراسة من سوسيولوجيا الأدب. أما ثالثها فيعتبر السولامي أن الاغتراب والإحساس مدخلا لفهم ملامح الشعر العربي، وأن الحداثة التي توازي موضوعا واحدا للقلق الوجودي. وأخيرا انتباه السولامي إلى أن هناك وعيا جماليا بالاغتراب في العلاقة مع الذات والمجتمع. كما أشار الناقد الحجمري إلى أن الاغتراب يشكل رحلة في ديوان الشعر العربي، لأنه يكتب تاريخا للأدب من خلال موضوع الاغتراب، ليخلص في النهاية إلى أن كتاب" الاغتراب" يتضمن ثلاث رحلات: رحلة في عالم الاغتراب..الاغتراب في الشعر العربي موحش وجارح؛ لأن هناك أزمنة شعرية عربية متعددة، والاغتراب يحقق ملمحا شعريا للقصيدة العربية بوصفه بديلا للتمدن.
وفي كلمته أكد الأديب ابراهيم السولامي ضرورة الاتصال بالكتاب نفسه، متحدثا عن تجربته في هذا الكتاب الذي كتبه بروح الشاعر العاشق. فالشعر هو ذاك العالم الذي يجمع بين الروحانيات. في حين قرأ الناقد محمد المعادي كتاب"النور والعتمة" للكاتب العراقي المقيم بالمغرب العالم اللغوي علي القاسمي، والذي تطرق في مداخلته" خصوصية الاشتغال النقدي في النور والعتمة" منطلقا من ثلاث مزايا للكتاب: ثراؤه المعرفي المختلف والمتنوع، وبساطة لغته المعرفية، والمرونة والمتعة في تقديم رصيده المعرفي وسموق الشخصية والأخلاق وهو يدارس مجموعة من الكتاب والنقاد. متسائلا عن الجنس الأدبي الذي يمكن أن يتنمي إليه هذا العمل بوصفه عملا نقديا يدور حول مفهوم الحرية وحقوق الإنسان. إنه كتاب في نقد النقد مرتبط بالأعمال الأدبية وليس بذاته، فالممارسة النقدية حسب الناقد تستدعي عددا من العمليات الحدسية بالرغم من صعوبتها.
لينتقل تخت هاجس الحفر في كتاب" النور والعتمة" عند متنين: متن إبداعي وآخر غير إبداعي، لينتهي إلى المنهج الموضوعاتي الذي يتوسل به علي القاسمي، واعتماد هذا الأخير المرجعية النقدية المنفتحة على كل المنهج. أما كلمة الدكتور علي القاسمي فقد اعترف أنه ليس أديبا لأنه رجل معجمي مصطلحي، متسائلا عن تأثير المثقف في تسيير الأحداث، وكيف يتسنى له تنمية المعجم، واعتبر في كلمته أن لجوءه إلى كتابة الأمور السياسية، وتطرقه إلى إشكالية الحرية وحقوق الإنسان لن تتراعى ما لم تكن هناك حقوق التنمية، لأنه يرى أن جميع البلدان تتقدم وأن البلدان العربية ما تزال قابعة في تأخرها، لينتهي إلى كيفية الوصول إلى التنمية البشرية بوصفها أساس التنميات الأخرى من قبيل الثقافية والاجتماعية والسياسية، مؤكدا على خيار الديمقراطية منهجا وسلوكا، وضرورة الأخذ بمعطيات العلم والتكنولوجيا. أما الكتاب الأخير لأحمد لميهي"التربية على قيم المواطنة" الذي قام بترجمته رشيد برهون، ووضع مقدمته د. عبد الله ساعف فقد قدمه الأستاذ جمال الدين العمارتي، ممهدا الحديث عن الطبعة الفرنسية الصادرة سنة1997، عن دار ديكلي بباريس، متوقفا عند المسار الذي جعل من الدكتور أحمد لميهي يحظى بتقدير على المستوى الدولي لكونه أول عربي يكتب بالفرنسية عن فكر كوتشاك، لينطلق من العنوان" التربية على المواطنة" في إحالة على قيم ومبادئ الدستور في الغرب التي تتأسس على الحرية والديمقراطية والمواطنة، مشيرا في هذا السياق إلى أن المترجم حين عمد إلى هذه الترجمة فإنه يتغيا من ذلك التعبير عن المسافة الفاصلة بين الدساتير العربية والمواطنة، ليسجل الهوة بين دولة الحق والقانون على حد تعبير العمارتي، هذا الأخير حاول إثارة بعض الأفكار التي يتضمنها كتاب من قبيل فكرة لكونتشاك" لا وجود لنظرية بدون ممارسة"، داعيا إلى التأكيد على حقوق الطفولة وليس الطفل يضيف-العمارتي- إن الكتاب دعوة مفتوحة إلى اكتشاف أفكار كونتشاك كطبيب خاص للأطفال وكاتب للطفولة، إنها مجموعة من الأفكار التربوية التي أبدع لها كونتشاك مجموعة من التقنيات، فالتربية على الحرية بوصفها أساس المواطنةـ ليخلص في النهاية إلى أن الطفل يعرف كيف يموت بكرامة.
أما كلمة الدكتور أحمد لميهي فقد تحدث بلغة موليير عن تجربته مع يانوش كونتشاك وكتبه التي تأثر بها أيام دراسته بباريس سنة 1985بخاصة كتابه"حقوق الطفل وراهنيتها"، كما أشار إلى أهمية العمل التربوي انطلاقا من ضرورة إيلاء الاهتمام به.

الثلاثاء، أبريل 07، 2009

الببوش أو أكلة الحلزون: مسرحية محمد أنقار




محمد العناز

يجرب محمد أنقار في عمله الإبداعي الجديد كتابة النص المسرحي بعد أن جرب في مناسبات عديدة سابقة القصةَ القصيرة والرواية. ولعل ما يمكن أن يثير فضول القارئ في هذا العمل غرابة عنوانه، لكن ما أن يتوغل في القراءة حتى يكتشف أن الأمر لا يعدو استعمال كلمة شعبية مرادفة لكلمة الحلزون الفصيحة. ذلك أن المسرحية مكتوبة بكاملها باللغة الفصحى، وأن كلمة "الببوش" الواردة في العنوان ثم في المتن إنما تُوظَّف من أجل غايات دلالية وبلاغية عوض أن يكون القصد من ورائها التغريب أو التلغيز أو طمس المعنى. لذا لا تصبو هذه المسرحية إلى أن تثير من جديد الإشكال الأزلي للفصحى والعامية.
تتشكل المسرحية من ثلاثة فصول يدور أولها في قرية غير مسماة. وفي بداية هذا الفصل يبتلع رجل دبوساً إنجليزياً أثناء تناوله صحبة زوجته أكلة الحلزون المطبوخ بالزعتر. ويسقط الرجل مغشياً عليه ويتأخر الإسعاف. وخلال ذلك يتوه بنا الحوار في سبل شتى نزداد خلالها معرفة وإدراكاً لأعماق الرجل المنكوب وزوجته وبعض شخصيات القرية.
ويطالعنا في الفصل الثاني الرجل الضحية وقد نجا من حدث الابتلاع، وأُدخل المستشفى وتمدد في الفراش فاقداً القدرة على الكلام، بينما يحتد الصراع الخفي بين زوجته والممرضة المكلفة بالعناية به.
وفي الفصل الثالث من المسرحية ثمة عودة إلى نفس قرية الفصل الأول. لكن هذه العودة ليست تكراراً قدر ما هي محاولة ثانية من قبل المؤلف من أجل زيادة التغلغل العميق في نفوس شخصيات الفصل الأول وعقولها.
وإذا كان محمد أنقار في أعماله القصصية والروائية السابقة قد صدر عن فكرة رئيسة تتمثل في تصوير مدينة تطوان وضواحيها اعتماداً على التخييل؛ فقد تطلع في عمله المسرحي الأخير إلى التحليق في أجواء الفضاءات المجردة، والمعاني الإنسانية المتصارعة، من دون أن يسهو عن استثمار التفاصيل الشعبية التي وسمت باستمرار أعماله السردية.
إن "الببوش أو أكلة الحلزون" دعوة ممسرحة إلى القارئ من أجل أن يتأمل عمليات تشريح المشاعر، وتصوير القلق، والغيرة الأنثوية، وبث روح الفكاهة، بغض النظر عن المكان الذي قد نوجد فيه.
* كاتب وباحث وإعلامي من المغرب

السبت، فبراير 02، 2008

رواية "باريو مالقه" لمحمد أنقار







محمد العناز



/المغرب
في أواخر السنة الماضية (2007) صدرت رواية جديدة للكاتب المغربي محمد أنقّار بعنوان "باريو مالقه". وقد سبق للكاتب نفسه أن أصدر عديداً من الأعمال الإبداعية والنقدية. ففي مجال الإبداع صدرت له ثلاث مجاميع قصصية: "زمن عبد الحليم"(1994)، و"مؤنس العليل"(2003)، و"الأخرس"(2005)، و رواية"المصري" (2003)، فضلاً عن سلسلة قصصية للأطفال(2006). وفي مجال النقد صدر له "بناء الصورة في الرواية الاستعمارية"(1994)، و"بلاغة النص المسرحي" (1996) و"قصص الأطفال بالمغرب"(1998) و"صورة عطيل" (1999)، و"التركي: الرجل الذي طار بالدراجة" (2000)،و"ظمأ الروح أو بلاغة السمات في رواية «نقطة النور»لبهاء طاهر"(2007).
يمكن اعتبار "باريو مالقه" بمنـزلة رواية تصور ميلاد حارة شعبية واقعة في الضاحية الغربية لمدينة تطوان خلال فترة الحماية الإسپانية على المغرب (1912-1956). تبدأ الوقائع في عقد الخمسينات من القرن العشرين، ولكنها تتراجع إلى ما قبل ذلك التاريخ، ثم تمتد إلى ما بعد استقلال المغرب (1956)بسنوات قليلة. و خلال هذا الفضاء الزمني والمكاني الواسع يصور الكاتب الرعب الذي عاناه مجموعة من فتيان تلك الحارة جراء تسلط بعض الفتوات ووسطائهم، كما تصور جوانب من شظف عيشهم، وغرامياتهم، وأحلامهم، وقراءاتهم، ومشاهداتهم السينمائية، وما اكتنف ذلك من وصف لحياة سكان الأكواخ القصديرية، وتعايشهم مع الإسپان القادمين من الأندلس، والبائعين المترددين على حارتهم، فضلاً عن تصوير بعض عاداتهم، وحكاياتهم، وأغانيهم، ومهنهم. غير أن تصوير كل ذلك لم يخل من منغصات ومآس وعقد درامية ضمنت للرواية القدر المناسب من التشويق.