‏إظهار الرسائل ذات التسميات حبيب بولس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حبيب بولس. إظهار كافة الرسائل

الخميس، مارس 11، 2010

الشعر العامي/الشعبيّ، ميزاته, فنونه ونوادر شعرائه

د. حبيب بولس
بداية أشير الى انه منذ كانت اللغة العامية كان الشعر الشعبي أو الزجل. فالشعر الشعبي وليد العامية والشعرية في ان معا. هو شعر أنشده الزجّالون ورواه الرّواة وحفظ في ذاكرة الناس قرونا عديدة, ولم يحظ باهتمام او تدوين الا في ايام الاندلس, حيث هناك وجد المناخ المناسب كفن شعري فأكثر فيه الاندلسيون نظما وقرضا وتصنيفا, ويكفينا في هذه العجالة الاشارة الى شاعره الكبير "ابن قزمان".
وان كان الاندلسيون يعتبرون السباقين في هذا المجال, الا اننا لا نعرف شعبا كالشعب اللبناني عنده ثروة ضخمة وفنون متعددة من الوان الشعر الشعبي. ولعل في طبيعة لبنان الساحرة, وفي لغته العامية المموسقة الطيّعة يكمن سر انتشار وازدهار هذا اللون.
و "لئن كان الشعر الشعبي نتيجة طبيعية لظهور اللغة العامية, فانه من الثابت ان تطوره في لبنان كان ب
تأثير الألحان السريانية الكنسية" (1). و "لما كانت جبال لبنان قاب قوسين أ


أدنى من جبال الجليل كان الطقس الزجلي الذي يظلّل لبنان ويظلّلنا واحدا" (2).
فالحداء أو الزجل في فلسطين كما في لبنان فن قديم أيضا وشاهدنا على ذلك تلك الأشعار الشعبية التي شكّلت شواهد على أحداث تاريخية مهمة منذ أيام الجزار والظاهر عمر وغيرهما.
ونحن اذا تقصينا شعراء هذا اللون الشعري في لبنان وفلسطين منذ ار هاصاته الأولى ولغاية الان تفجأنا قائمة طويلة. وكي نتعرف على ألمع الزّجالين في البلدين ما علينا الا أن نعود الى خمسة كتب تناولت الشعر الشّعبي بالبحث والتأريخ هي: كتاب منير الياس وهيبة, وكتاب أمين القاري, وكتاب سعود الأسدي, وكتاب مارون عبود, وكتاب جبور عبد النور (3).
ومع أن هذا اللون الشعري تخطى حدود لبنان وفلسطين الى سائر الأقطار العربية كالعراق ومصر وغيرهما الا أننا هنا سنعرض عن هذا اللون في الأقطار العربية الأخرى- ذلك لأن لكل قطر مناخا خاصا به وميزات تختلف عن شعرنا الشعبي وتبعده عن ذائقننا الأدبية, فصوره مستمدة من واقع كل قطر وحياة أبنائه. ومع ما فينا من مشترك الا أن المختلف قائم والفوارق كثيرة تجعل استساغتنا بعيدة صعبة.
مع تطور الحياة وتزايد الوعي تطور شعرنا العامي وازداد الاقبال عليه والحرص على توثيقه. فالزجل اليوم يتناول جميع أغراض الشعر الفصيح من غزل ومدح, ورثاء, وحكمة, وحماسة, وهجاء, وفكاهة, ومسرحيات, وملاحم. كما أنه يطال جوانب الحياة جميعها ويعكس الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومع تطوره صار فنا قائما بذاته له ما يميّزه عن الفصيح. اذ له تعابيره وصوره واستعاراته ورجاله, وخياله وتشبيهاته وكناياته, وبديعه, وأوزانه, وعروضه, وأساليبه.
ونحن هنا لن يكون في وسعنا الالمام بكل جوانب هذا اللون الشعري ذلك لأنه بحر واسع كبير متعدد الجوانب والأبعاد. ولكننا سنحاول أن نقف على بعض خصائصه التي تعطيه فرادة وتميزا وتفردا. ومن هذه الخصائص:
1. الأوزان
من المعروف أن شعرنا الرسمي-الفصيح التزم الوزن الواحد والقافية الواحدة الى ان جاء الموشح فكسر رتابة هذا الوزن وانطلق ينوع في الاوزان والقوافي. وما الزجل سوى موشح ولكنه نظم بالعامية, وكما نظم الموشح أصلا للغناء هكذا نظمت الزجلية أيضا. لقد تتبع الباحثون قصائد الزجل قديمها وحديثها أعني تتبعوا أوزانها وأنظمة تقفيتها فوجدوا أنها تشترك مع القصائد الفصيحة في بحور معينة وتختلف عنها في أخرى. وأرى من المفيد هنا أن أسجل ولو بشكل طائر هذه الاوزان التي درج عليها شعرنا الشعبي وامتنع عن سياق النماذج, ذلك لأنها موجودة في الكتب المشار اليها سابقا (4).
ان معظم شعرنا العامي نظم حسب البحور التالية:
• البحر الأسواني.
• البحر المتساوي.
• البحر المتوسط.
• البحر المتقارب.
• البحر المزدوج.
• البحر المتفاوت.
• البحر المتناهي.
• البحر السريع.
• البحر البسيط.
• البحر اليعقوبي.
• البحر الوفائي.
• البحر المتوازي.
• البحر الكامل*.
2. أنواع الشعر الشعبي وفنونه
ومثلما تنوعت بحور هذا اللون الشعري, تنوعت فنونه أيضا, فكان من أشهرها:
• العتابا: وهي مأخوذة من العتاب أي العتب بمعنى الموجدة. ويروي بعضهم حكاية شعبية حول "العتابا" تقول (5): ان فلاحا كان يقيم في جبل الأكراد وكانت له امرأة جميلة اسمها "عتابا", راها اقطاعي المنطقة, فأحبها وانتزعها من زوجها, ولما لم يكن الفلاح يستطيع استردادها منه, أو كتمان غيظه, أو نسيانها, هجر قريته, وما زال ينتقل من مكان الى اخر حتى استقر به المطاف في عكّار في شمالي لبنان, وفي غمرة ألمه غنّى:
"عتابا بين بَرمي وبين لَفتي
عتابا ليش لغيري ولَفْتِي
أنا ما روح للقاضي ولا افتي
عتابا بالثلاث مطلّقا"
ولعل العتابا تعتبر من أهم فنون الشعر الشعبي وأحبه على الناس وذلك لما يلازم هذا الفن من الكثير من العواطف والحب الى جانب العتاب, نظرا الى الهوة التي تفصل عادة بين أمل المحب والواقع, أو الى شدة اهتمام المحب بمن يحب. ولذلك تحتل العتابا مكانة بارزة في الاغنية الشعبية عندنا, التي تدور على قاموس الحب المؤثث بالعذول, والعتاب, والصدود, والوصال والسهر والأرق, والحنين, والشوق, واللهفة والقلق, الخ... وما يجعلها محببة أيضا كونها تقوم على فن الجناس, وعلى الايجاز, وعلى حشرها لقصة صغيرة أو معنى جميل في بيتين. وبيت العتابا يتكون من بيتين أو من أربعة أشطر الثلاثة الأولى قافيتها مجنسة والرابع ينتهي عادة بالباء الساكنة المسبوقة بالألف أو بالفتحة. أما أوزانها فأربعة هي: المتناهي (18 مقطعا), السريع وهو الغالب (20 مقطعا), البسيط (22 مقطعا) واليعقوبي (24 مقطعا).
والنماذج على العتابا كثيرة جدا نختصر منها ما يلي بهدف التدليل:
أ‌- المرج ع خمرها سكّر نباتو
نسي ع شفافها سِكَّر نباتو
السبع لما شافها سكّر ناباتو
لأنُّو العين سِطْيِتْ عَالنياب
(بطرس ديب)
ب‌- جمال السحر من عينك مين يجيب
بَعَتنا كتاب ما لقينا مين يجيب
اغنجي ولا تلبسي الا ميني جيب
الدهب للعين أغلى من الثياب
(موسى زغيب)
ردّ عليه أحدهم فقال:
مين يجيب بِرِقّة وْرِقّتين
وبدل الورقة بمضيلك وَرَقتِين
حوا الماضية لبست ورق تين
منيح البنتها لبست ثياب
ت‌- ناوي على ايدين حبّك انتشي
ونشوان فيكي وبعد بدي أنتشي
الحلوين كلن شي بعيني, وانتي شي
يا أجمل وأحلى ما صوّر ربّنا
(أسعد سعيد)
ث‌- اغمزيني بجاوبك بال (يس) بال (وي)
ارقصي برقص والوي الخصر بلوي
واذا قالو هوى الحلوين بَلْوِي
ابعتولي ألف بَلْوِي عالحساب
ج‌- يا دنيا ما غراني كثر مالك
ولا لفتة عبلة بنت مالك
واللي كان برّ وبحر مالك
طلعت حصّتو حفنة تراب
(أبو سعود)
• الميجنا: اختلف الدارسون في المصدر الذي جاءت منه كلمة ميجنا. هنالك من قال: جاءت من يا ما جانا- ما أكثر ما جاءنا- (مارون عبود) وهنالك من يقول انها من عبارة يا ماجنة- ايتها العابثة المستهترة- (لحد خاطر), او من اللفظة السريانية الارامية "نجن" بمعنى اللحن والغناء (انيس فريحة). او من عبارة يا ما جنى- ما اكثر ما ظلم- (انطوان طوق). ام انها اسم لابنة امير كان اسمها "ميجنا". (انطوان عكاوي) (6) الخ... من هذه الاجتهادات. مايهمنا معرفته هنا ان الميجانا توأم للعتابا, لذلك تحتل هي الاخرى مكانة بارزة في الاغنية الشعبية عندنا. وبنيتها تبدأ بمطلع أي بيت شعريّ شطره الاول: يا ميجنا, يا ميجنا, وعجزه جملة تامة. بمعناها, مستقلة. في هذا المعنى عمّا بعدها. على أن تنتهي بالمقطع الصوتي (نا), وهي تتركب من (12 مقطعا). امّا البيت فهو أشبه ببيت العتابا, مؤلف من بيتين شعريّين كل واحد منهما مؤلف من شطرين الرابع ينتهي بلفظة (ن) أما نهاية الأشطر الثلاثة الأولى فنوعان:
1. مجنسة وهو الشائع.
2. مقفّاة دون تجنيس.
والميجانا كالعتابا عليها نماذج كثيرة نقتطف منها ما يلي:
أ‌- يا ميجنا, يا ميجنا, يا ميجنا
يحيا الزمان اللي جمعنا وْلَمِّنا
يا بنت عشر سنين شعرك جدلي
واحكي المزح للغير خلي الجدّ لي
لو تعلمي بغيابكن شو جدّ لي
مجنون ليلى ما تعذب قدنا
(أدوار حرب)
ب‌- بْغَمْزات عينيكي عْلّيي اجهزي
وْنَقِّي لَعُرْسِك من فؤادي أَجْهِزِة
بِمْخَابَرات الحب عندك أجْهِزِة
عَمْ يِسْهَرُوا تَ يُقُبْضُوا عْليّي أنا
(جورج خليل)
ت‌- لو طار عمري وصار جسمي بالبلي
وْعملوا بْمَوْتِي الناس فوضى وْبَلْبَلِة
وِسْمِعْت حدّ القبر نغمة بُلْبُلي
بْشُقِّ الكفن وبْقُوم من طيِّ الفنا
(جورج خليل)
ث‌- جروح قلبي من الليالي وَزَّمِن
وكَلُّو من جور الليالي والزّمنْ
النار ال في قلبي يا عشيري وَزَّمَن؟
غير التباعد والتجافي الْبَيْنَنا
(توفيق الريناوي)
• الموشّح: شبيه بنظام الموشح الأندلسي الفصيح ومثاله:
ضاق البحر حواليكي وما استرجى هاجْ
لما شاف بعينيكي بحر بلا مواجْ
قلتِلك يا حورية قلبي موجوعْ
قسيتي وعبستي فِيِّي وقِلتي ممنوعْ
كُنَّا نْمُرّ بْحِنِيِّة نْزَمِّر عَالْكوعْ
صار يْمَرِّك عَالميِّة الكيلو متراجْ
ألف اسم الله حْواليكي ما فيكي لَوْ
وْلَوْلا لَمْبِة خدَّيْكِي ما طلِّ الضَّوْ
وْلَو صَوَّبْتِي عَيْنَيْكي عاسْلاح الْجَوْ
بِتْنِخ تْبَوِّس دَيْكي رْفوفِ الْمِيراجْ
(بطرس ديب)
• المعنّى: سريانية وتعني المغنى أي أغنية. وهو أنواع عديدة منها: العادي, والقصيد, والموشح والمجنس. العادي يتألف من مطلع ودور والمطلع بيتان, قافية الصدر وعجزه في الاول وقافية البيت الثاني واحدة, أمّا قافية صدر الثاني فحرّة.
والقصيدة أنواع: الأول يتألف من عدة أبيات, قافية صدر البيت الأول, وقافية عجزه وقوافي أعجاز الأبيات الأخرى واحدة, أما قافية صدر البيت الثاني وما يليه فواحدة وغالبا ما تكون هناك خرجة قافيتها حرة. ولكن قافية البيت الأخير من القصيدة تعود الى القافية العامة.
والنوع الثاني تكون فيه قافية الصدور جميعها واحدة, وقافية الاعجاز واحدة أيضا. أما مْعَنَّى الجناس فيتألف من عدة أبيات, قافية صدر البيت الاول وبقية الأعجاز واحدة. وصدور الأبيات التي تلي هي عبارة عن لفظة متشابهة في اللفظ مختلفة في المعنى, اما قافية عجز البيت الأخير, فتعود الى القافية العامّة.
من المعنّى اخترت النماذج التالية:
أ‌- يا جارتي بالحب وِلْيالي الهوى
يا ريت فينا بهالعمر نبقى سوى
بذكر وقت ما الخصر عازندي التوى
وخمر الدمع من كاس عينيكي كوى
من يومها قلبي على حبك نوى
وبين السعادي عشت عمري والنوى
تاصِرت اسمع صوتك بنبض الحياة
والمح خيالك كل ما هب الهوى
(أنطوان عكاوي)
ب‌- عاخدود ليلى شفت للتموين سوق
قهوي وحليب وقشقوان ولبن نوق
خدودها عزمو شفافي عالغدا
صرخت سهام العين, شِم ولا تدوق
(زين شعيب)
ت‌- يا دير يا مهجور شو عندك اخبار
الاجيال عاشبابيك السمرا غبار
حتى الجرس والحبل نسّل واهترى
والعشب عاسطحك نبت داير مدار
وبالعنكبوت مْلَتّمي حروف الصور
والتريا ما بقي منها اثر
وارضك تركها الدلف مفروشي جُوَر
العقد فسَّح والشتي عرّا لِحجار
(اسعد السبعلي)
• القرادي: وهي لفظة من القَرَد أي لجلجة اللسان, ووزنها خفيف سريع وهي كثيرة الأنواع: العاديّ, المخمس المردود, المحبوك, المطبق, المغصوب, المرصود, كرج الحجل, طرق النمل, المرصع, المهمل, المنقّط, القلاب, المجزّم. ونحن نمثّل القرّادي بما يلي:
جسمك شاعل مثل النار
وخَلْقَانِه تِحْفِة عَصْرِك
وكيف بْيِقْدَر هالزّنار
يْطَوّل بالو عَ خَصْرِك
(مخمس مردود)
أو:
لمّا النّهر زْرَعتوا دْياب
شَعرو شَاب وخافِ الدهر
خاف الدهر وشعرو شاب
لمَا دْياب زرعتِ النّهر
بْلَوْحِ وْمِسْمارَيْن وْباب
سَبعِ الغابْ حْبَستو شَهْر
حْبستو شَهْر لَسَبْع الغاب
بْمِسْمار وْبابيْن وْلَوْح
وْباب وْلَوْحَيْن وْمِسمار (7)
وبالتالي لا تقتصر فنون الشعر الشعبي على ما ذكرت وانما هناك العديد ولكنني أكتفي هنا بما أوردت وهو أشهرها (8) مع أن ألوانا أخرى من هذا الشعر لها أهميتها كالشروقي, والبغدادي, والروزانا, وأبو الزلف, والقصيد, والندب وغيرها (9).
بعد وقفتنا التي طالت عند أوزان الشعر الشعبيّ وأنواعه وفنونه يرتفع السؤال ما السّبب الذي جعل الناس تحب هذا الشعر وتُقبل عليه؟ بمعنى لماذا نجد مثل هذا الشعر مرغوبا فلا تكاد تمر مناسبة الا وكان له فيها صولة بل صولات؟ الاجابة عن السؤال المذكور انفا تتطلب الوقوف عند ميزات هذا الشعر وخصائصه فهي تحمل في طياتها الأسباب.
في رأيي أن أهم ما يميز هذا الشعر ما يلي:
*كون هذا الشعر ينبثق من حياة الناس, ومن لغته التي تصور محيطهم أصدق تصوير, وكذلك لهجتهم التي ترسم الصورة بارزة.
" وما الألفاظ الا ألوان وأصوات وأحياء وحركات عند من يحسّها ويدركها", كما يقول مارون عبود (10), ويضيف: "ان الشعور بالحياة وادراكها الكامل لا يكونان تامين اذا عبّرت عنهما بغير اللغة الدائرة على الألسنة, وبهذا يثير شاعرنا العاميّ النفوس اثارة يعجز عنها اكبر شعرائنا الرسميين" (11). والأمر الذي يجب ان يحذّر الشعراء منه- أعني شعراء العامية- هو التفاصح, لأن التفاصح في هذا الشعر يضر به ويحرفه عن مذاقه وطعمه اللذيذين في نفوس السامعين أو القراء. يقول الجاحظ:
"متى سمعت حفظك الله, بنادرة من كلام الاعراب, فاياك وأن تحكيها الاّ مع اعرابها ومخارج حروفها, فانك ان غيرتها بأن تلحن في اعرابها وأخرجتها مخرج كلام المولّدين والبلديين, خرجت من تلك الحكاية... وكذلك اذا سمعت بنادرة من نوادر العوام, وملحة من ملح الحشوة والطعام, فاياك وأن تستعمل فيها الاعراب... فان ذلك يفسد الامتاع بها ويخرجها من صورتها..., وتذهب استطابتهم اياها واستملاحهم لها"(12).
ولعلّ ما يوحيه الينا الشاعر الشعبي لا يستطيعه شاعر الفصحى, وذلك لأن الأول يعبر للناس عن الحياة بألفاظ يدركونها تماما أما الثاني فيعبر بألفاظ يدركونها ربع ادراك.
"سال الفرزدق أحد الرواة ولعله شيخهم عمرو بن العلاء: من أشعر أنا أم ذلك الكلب جرير؟ فأجابه أنت عند العلماء, وهو عند العوام. فارتاح الفرزدق لحكمه. ولما بلغ هذا القول جريرا ضرب فخذيه بكفيه وصاح: غلبته والله فليس في الألف من الناس عالم واحد" (13).
وقال الاخطل: في هذا المعنى: "قلت بيتا لم يقل مثله شاعر قبلي, فما دار على لسان أحد, ونقضه جرير فلم تبق سقاة الا وروت ما قال" (14). وما هذه الأقوال سوى أدلة على ما ذكر سابقا.
• ولعل امرا اخر يميز الشعر العامي ويقربه للناس هو كونه ذا صورة حية نابضة راقصة ملونة مسحوبة من الحياة ومن تجارب الانسان, من أفراح الناس وأتراحها, من واقعها, لذلك هو قريب منهم يمتح صورة ومركباتها وألفاظه من حياة القرية, وبساطتها وعفويتها, فالقرية بكل ما فيها من سهل ووعر, من ناس وحيوان وطيور, من الحياة الوادعة الهانئة البكر تشكّل مصدر الايحاء لهذا الشعر ومقلع ألفاظه الدالة الموحية. يقول جبران: "... وعندي أن في "الموالي" و "الزجل" و "العتابا", و "المعنى" من الكنايات المستجدة, والاستعارات المستملحة, والتعابير الرشيقة المستنبطة, ما لو وضعناه بجانب تلك القصائد المنظومة بلغة فصيحة... لباتت كباقة من الرياحين بقرب رابية من الحطب, أو كسراب من الراقصات المترنمات قبالة مجموعة من الجثث المحنطة" (15). وللتدليل على جمال صور الشعر العامي وايحائية ألفاظه نسوق ما يلي:
"حدِّ البحر شُفتِك عارملو مْشَلْقَحا
بْتِحلَمي أحلام بَيْضا مْفَرْفِحا
والليل عِمْبِيْشِلْحِك فُسْطان نور
ويقول وَيْن الكون؟ والكون انمحا"(16)
أو هذه الصورة:
يا ليلى فوق زنودك زهرة نيسان
وتغنّى بْمَشْقِة عودِك شاعر لبنان
وْلما طلِّ مْنِ جعودِك ليل الحرمان
تْفَرْفَط عَكْراسي خْدودِك جوري وْمَنتور" (17)
وهذه الصورة الرائعة:
" يا سارقة يا ناهبِي وْمِنين
زْغاليل جوز بْداخل عْبابِك
رَح يِفْطَسوا فِكّيلْهِن زِرين
مْناقِيرهُن بِتْخَزِّق ثْيابِك" (18)
وصورة أخرى:
"بدر السما لمِّن هل
قِلنا عقلاتو جنُّوا
كيف لو عِيْن عْلِيْنا يْطِلّ
وفي عنّا أحلى مِنو" (19)
وقال الشاعر مارون كرم هذين البيتين الرائعين:
نَحْلاتكُن مِدري كِفِنِّي صايرين
علَّموا عَ الشَيْطَنِة نَحْلاتنا
بْيِتْقَوشَعوا ما بِيْسْتِحوا هالدَّاشْرين
بْيتغامزوا مِن بْعيد عَ وِرْدَاتنا" (20).
أما بالنسبة لايحاء اللفظة, فقد روي عن الأديب الكبير مارون عبود أنه قال حين استقبل مطران الضيعة الجديد, الذي جاء الضيعة ماشيا, وقد كان بدينا:
الله يخلي ريّسنا, وريّسنا الله يخليه
جاي عَ الضيعة ماشي ناتع جرسه منُّه وْفيه
أرأيت الى كلمة "ناتع" في هذا السياق كم هي محمّلة بالايحاء لدرجة تعجز معها أية رديفة أو لفظة فصيحة أن تطرح نفس الايحاء. وينسجم مع هذا ما يقوله اللبناني في تعبيره عن صموده أمام محن الزمن وويلاته: "كسَّرت مناخير الدهر"
ان الايحاء الكامن في ألفاظ الشعر العامي هو أهم ما فيه فالشعر, أي شعر وليس مهما نوعه يقوم على الايحاء. وايحاءات الشعر العامي في رأيي تبزّ ايحاءات الفصيح وذلك لأنه "منبثق من قلب الحياة والواقع, يستمد خياله الحلو من محيطنا الذي ألفناه, والمرء على ما يألف" (21). والشاعر أي شاعر هو ابن زمانه ومكانه, والشاعر الشعبي قادر أن يعبر عن زمكانيته بصورة صادقة أصيلة لدرجة أن شاعر الفصحى يقصّر في تصوير العواطف وفي رسم الصور, وتوقيع الموسيقا المتناغمة المنسجمة, واختيار اللفظة الناعمة التي صقلها الاستعمال عن شاعر العامية.
يقول ميخائيل نعيمة: ".. فمن الطبيعي أن يكون الشعر المنظوم بلغة المخاطبة أحب الى قلبه (أي قلب الشاعر), وأفعل في روحه من ذلك المنظوم بلغة سيبوية, وطبقا لعروض الخليل" (22).
كما ويقول حنا الفاخوري: "... الشعر هو النغمة السحرية التي تتصاعد من القلوب والنفوس, وتعبر عنها الشفاه, وأحسن ما يكون التعبير الشعري بلغة الحياة التي هي مراة صادقة للحياة في جميع دقائقها ومنعرجاتها. ولغة الحياة في البلاد العربية اليوم هي اللغة العامية, التي اعتمدها الزجل, فكان, والحق يقال, من أصدق الشعر وألصقه بالعواطف الانسانية الخالدة" (23).
*وميزة أخرى يتحلى بها هذا الشعر هي التكثيف, فنحن قلما نجد قصيدة عامية يعتورها الترهل, سواء أكان ذلك في مضمونها أو في صورها, فهي تحاول ان تختزل تجربة كاملة بعدد من الصور المكثفة الموحية. وهذا الامر جعلها في الكثير تتكىء على المثل الشعبي الرامز الدال.
ومثالنا على ذلك هاتان القصيدتان:
" يا شعر: لا تحزن معي وانسى الاسى
وْرُش الفَرَح عَ الناس في صُبحِ ومسا!!
ان طال عمري, وجابها الله معي
لاعَلّقَك يا شعر بصدور النّسا" (34)
والمقطوعة الثانية:
"ليش بْتِنِكري يا ترى؟
شو صار؟ ايش اللي جرى؟
مَ ألف مرّة قلت لِك, وأِمك تْغَربِل قمح
والشمس أعلى من الرمح:
ايش اللي عني بِشْغِلِك
قلبي بحبك أَشْكَرى!!" (25).
يضاف الى ذلك العظة التي تحملها الزجلية, والنهايات المتفجرة التي تفتح هذا الشعر على مصراعيه ليعانق الحياة والخلود من أوسع باب.
وأحسن مثال على هذه النهايات قصيدة يونس الابن التي يقول فيها:
" شو بْيِكِذْبوا! مين قال حبَّيتو؟
عُمرو لا حاكاني وْلا حاكَيْتو!
صدفة تْلاقينا, ومن غير ما حْكَيْنا
كُل مين مِشي بْدربو. بس عيْنِيْنا
اتْلفتوا على بَيْتو.
مْشيت ومشي حدّي بدّي... وما بدي
الاّ مِسِك ايدي...
أَي ما قْدِرِت هدِّي, ولا قْدِرِت هدَّيتو
ومن غير ما نحكي, غِصَّيت بالضحكة,
مِرِقنا عَ بِركِةْ مَيِ تْفَرْكَشْت بِالبِركة
تْزَحلَقْت.. ضَمَّيتو
وْعِند هَ الضّمي, صرَّخت: يا امي".
أَزعر! وما بعرف كيف, تِمو لِحِق تِمّي,
ولا كيف عضيتو!
وْمِن يومها ما بنام, وبعيش بالاحلام
وْصِرلي عَ هالحالي شي خمس ست أيام
شو بكون حبّيْتو؟
بيكذبوا!!.. مين قال حبيتو؟!" (26).
*ولعل روح النكتة الساخرة التي تلف معظم هذا الشعر, طبعا عدا الحزين منه (الندب والنوح)- ميزة حبّبته الى النفوس فاستساغته وطلبت منه المزيد والمزيد. هذه النكتة أو ما- يمكن تسميتها بالقفشة ملفتة للنظر لما فيها من ذكاء وسرعة خاطر ولمعة. والأمثلة على ذلك كثيرة أقبس منها بعضها لما فيها من خفّة دم كما ذكرت املا أن تلقى الاستحسان, مع المعذرة اذا كانت هنالك بعض الكلمات التي من الممكن ان تخدش الحياء, قليلا, لكنه الشعر, والشعر كما قلنا يزول عنه جماله اذا تصنع أو مكيج ذاته, أو تقنع بما لا يستسيغه.
أ- طبع الراهب يوسف الصوراني, وهو راهب خفيف الروح, طبع عند أحدهم كرتات أو كما يسميها اللبنانيون "كروت". وأراد دفع الثمن, فتمنّع صاحب المطبعة أن يقبض منه. فشكره الراهب ارتجالا بقوله:
مِمْنونك, كثّر خَيْرَك
طابعلي اسمي عاكروت (27).
ب- قال نعمان شبلي في سيدة بشعة:
كل البشاعة ربّا
جَبَلها وفيها صبّا
اللي تْجَوَزْها محيِّرني
من أيّا مَطرَح حبّا (28)
ت‌- وجّه أحدهم الى الشاعر مجيد صفير الردة التالية:
ناتع قرعه طولا دْراع
لا بْتِنشرى ولا بْتِنْباع
لا مِن برّا فيها شَعر
ولا مِن جُوّا فيها نْخاع(29)
ث‌- قال الحملاوي للمحيط الاطلنطي في رحلته الاولى الى امريكا:
بتتمرجل يا أطلنطيك
والحملاوي مسافر فيك
ان الله لقّطني الشّط
وِمْسِكت الدف بْفَرجيك (30)
ج‌- رأى أحدهم غادة تبترد عند نبعة ماء فيها شلال وتمد فمها الرقيق الشفتين للشرب فقال:
" يا حِلوه بِللّي شْفافِك بِالمَيْ شْوي
بِطلَعلو يِسكَر مرّة شلال الميْ"
ح‌- وقال احدهم لانسة تحمل شمسية:
"عيونك لو لمسوني لمس
بِحْيا لِوْ كَنِّي بالرّمس
الله يعين الشمسية
الفوقا شمس وتحتا شمس" (31)
خ‌- قال الشاعر يوسف ابو ردة لسيدة لم يشاهد في وجهها غير منخارها:
" يا الله شو هالمنخار
أطول من جسر الفيدار
ما بين وجا ومنخارا
بتمشي السيارة مشوار" (32)
د‌- التقى الشاعر علي الحاج صبية تلبس "طقم فرنجي" وتقلد الرجال, فقال:
" لبستي طقم فرنجي عال
انشالله ولا عين تصيبو
بهالطقم عملتي رجال
الباقي منين بدنا نجيبو" (33)
ه- قال الشاعر جورج هبر في مارلين مونرو:
" تبسيمتك رجفة على شفاف الهوا
والعين علة حب والغمزة دوا
والبدر جارك والغزالة جارتو
وتنينهم عالخد بيطلو سوا(34)
*هذا غيض من فيض من قفشات والتماعات واشراقات شعرائنا العاميين, وهي وان دلت على شيء تدل على ليونة الكلمة وايحائها وطواعية اللغة وخفة دمها وبساطتها وعفويتها, وهذا عندي هو الشعر الصحيح.
والشعر العامي لا ييقتصر على ما تقدم, وعلى ما ذكرناه, انما هو يمتد ليطال جوانب عديدة اجتماعية واقتصادية وسياسية, ونظرة طائرة لدواوين الشعراء امثال ميشيل طراد وطليع حمدان وسعود الاسدي وغيرهم تشي بذلك, كما وتشي بان هذا الشعر صار جزءا من حياتنا لا نستطيع الاستغناء عنه, نستخدمه ونستسيغه في مجالسنا وفي حفلاتنا وفي مواسمنا, في افراحنا وفي اتراحنا. كما تجدر الاشارة الى ان هذا الشعر يحتوي في فنونه على فن الندب وفن هدهدة الاطفال والمهاهاة وغيرها, ولم نعرض لها هنا لضيق المجال, مع جمالها وايحائها وروعتها. شعر كهذا قد ادمنّا عليه وقد الفناه اعتقد انه صار بحاجة الى الدراسة والبحث. وكان الاستاذ سعود الاسدي قد سبق الى ذلك مشكورا عام 1976 في كتابه "اغاني من الجليل", وامل ان يقفو اثره اخرون واخرون.
وخير ما اختتم به قصيدة بالعامية كان قد حفرها السجين عوض على حائط سجنه في عكا. وهذه القصيدة تعتبر من الروائع لما فيها من صدق واصالة وعاطفة جيّاشة وتصوير للوضع بصورة غير مباشرة ولا صارخة, حيث فيها يقول قبل اعدامه وبعد اعدام صديقيه او اخويه:
يا ليل خلي الاسير تايْكمّل نواحو
راح يفيق الفجر ويرفرف جناحو
تايْمَرجِح المشنوق في هبةِ رياحو
يا ليل وقِّف تافضِّي كل حسراتي
يمكن نسيت مين أنا ونسيت اهاتي
يا حيف كيف انقضت بيديك ساعاتي
وْشَملِ الحبايب ضاع وتكسّروا قْداحوا

لا تظن دمعي خوف دمعي عا أوطاني
وعا كمشة زغاليل بالبيت جوعاني
مين راح يطعمها بعدي, واخواني
تنين قبلي شباب عالمشنقة راحوا

بكرا مرتي كيف راح تقضي نهارها
وِيْلها علَيِّي أو ويلها عاصغارها
يا ريتني خليت في ايدَيْها سْوارها
يوم الدعاني الحرب تا اشتري سلاحو


ظنيت النا ملوك تمشي وراها رجال
تِخسا الملوك ان كان هيك الملوك انذال
والله تيجانهُم ما يِصْلَحوا النا نعال
احنا اللي نحمي الوطن ونبوِّس جراحو (35)
ومن الجدير ذكره هنا أن شعراء فلسطين الذين نظموا بالعامية اشعارهم لم يعدموا القفشة الحلوة والنادرة اللطيفة واللمعة السريعة. اذ يحكى عن احد شعرائنا انه كان يقف في صف السحجة فجاء صاحب العرس ونبهه الى قدوم ضابط في الجيش من ال شنان المعروفين في جليلنا مع صديقين وفي الحال ابتكر شاعرنا ردة. جميلة مطعمة بالعبرية كي تلائم الضيف, قال:
"منحيّي ابو شنَّان ومنحيِّي سْجان سجانو
ويروى عن الشاعر عوني سبيت في احدى صولاته في كفر ياسيف انه ابتكر ردّة رائعة ما زال الشباب يرددونها الى اليوم في كل سحجة, حيث قال:
"ان دبّ المرض فيي/ عْيونك فرمشيه".
واخر ولا اذكر اسمه كان يصول في صف السحجة في قرية ما فطلع بردّة تقول: "ضَرَبتِ الصخر بايدي عصرماي"
وهربت منه الشطرة الثانية, فلم يجد مناصا الا في أحد الحضور فأكمل قائلا: "وشْواربَك أبو فلان عَ صُرماي"...
فغضب عليه صاحب العرس لاهانته أحد ضيوفه, فنام شاعرنا ليلتها دون أن يأكل بيضة السخل او معلاقه جريا على العادة, ولولا تدخل (الأوادم) ليلتها لتعشى من الصفع ما طاب وما خبث ومن النعال ما صلح وما اهترأ.
ويروى أيضا عن شاعر اخر خفيف دم كان كلما وصل صف السحجة دار أحدهم وكان متزوجا من اثنتين, أوقف الصف أمام داره مدة كان فيها يصدح بهذه الردّة التي كانت تلهب حماس الشباب: "وفايز عندو ماتورين" وتشبيه المرأة بالماتور شيء طريف حقا.
وبالتالي هذا هو شعرنا العامي, شعر نابض, حي مفعم بالواقع وبحيثياته رائع الصور, رائع الايحاء, يخاطب الناس بلغتهم ويدغدغ حواسهم وعواطفهم ومن هنا شاع وانتشر وصار على كل فم, ومن هنا ايضا تجدر العناية به وبحثه وتوثيقه. وامل ان اكون في مثل هذه العجالة قد وفيت هذا الشعر حقه, او على الاقل اضأت زاوية من زواياه ونفضّت عنها غبار السنين.

الاشارات:
1. مارون, عبود: الشعر العامي, دار الثقافة, ودار مارون عبود, بيروت, 1968, ص 53. وأمين القاري: روائع الزجل, جروس, برس, طرابلس, 1998, المقدمة للدكتور اميل يعقوب. ص 5.
2. سعود الاسدي: اغاني من الجليل, مطبعة الناصرة 1976, ص 28.
3. منير الياس وهيبة: الزجل, تاريخه, ادبه, اعلامه, المطبعة البوليسية حريصا, 1952. وكتاب الاسدي, وعبود, والقاري سبق ذكرهم.
جبور عبد النور: في الشعر العامي اللبناني, الجامعة اللبنانية, بيروت, 1957.
4. أغاني من الجليل, ص 28-ص 34.
*للاستزادة والتوسع راجع كتاب أغاني من الجليل. مصدر سبق ذكره.
5. روائع الزجل ص 51.
6. ن.م. ص 55
7. النماذج أخذت من روائع ومن أسدي.
8. للاستزادة راجع أسدي ص 53- ص57.
9. عنها اقرأ: روائع.
10. عبود, ص 63.
11. ن.م. ص63.
12. ن.م. ص 65.
13. ن.م. ص115.
14. ن.م. ص 116.
15. روائع. ص14.
16. عبود ص 192- الشعر للشاعر اسعد سابا من ديوانه "من قلبي".
17. روائع ص 81, الشعر لمشال قهوجي.
18. ن.م ص 14.
19. ن.م. ص14.
20. ن.م ص14.
21. عبود ص 65.
22. عن روائع, ص13.
23. ن.م. ص13.
24. سعود الاسدي, ديوان شبق وعبق-الناصرة 1999, ص7.
25. ن.م. ص20.
26. روائع, ص 329.
27. عبود, ص72.
28. روائع ص399.
29. ن.م. ص400.
30. ن.م. ص405.
31. ن.م. ص 407.
32. ن.م. ص411.
33. ن.م. ص417.
34. ن.م. ص 427.
35. عبد الرحمن ياغي: حياة الادب الفلسطيني, المكتبة التجارية, بيروت 1968, ص264.
الدكتور حبيب بولس ناقد ومحاضر جامعي
drhbolus@yahoo.com


الخميس، مارس 04، 2010

شعر نزار قباني السياسي بين الفنية والجماهيرية

د. حبيب بولس

لا شك في ان شعر نزار قباني يشكل معلما هاما من معالم المشهد الشعري المعاصر. فشعره اخترق كل البيوت العربية وتربع في صالوناتها ومكتباتها وحتى في مطابخها كباقة ورد, من الماء الى الماء. ولأن شعر نزار كذلك يتحتم على كل مقاربة له ان تنبع من امرين او ان تسير وفق معيارين:
الاول: المعيار الفني والثاني: المعيار الجماهيري. وأعني ان دراسة شعر نزار يجب ان تكون ضمن هذين المعيارين, ذلك لأن شعره يتمتع بجماهيرية واسعة من جهة, اما من جهة أخرى ففيه العديد من المزالق الفنية, التي تعتبر ضريبة هذه الجماهيرية. من هذه النقطة بالذات-الفنية والجماهيرية, رأينا أن معظم النقد الذي دار حول شعر نزار يقع هو الاخر في مدرجين: الاول: نقد متحمس له والثاني: نقد متحمس عليه. وواضح ان النقد الذي تحمس لنزار اقام حماسيته على هذه الجماهيرية الواسعة, اما الاخر فاقام حماسيته على المزالق الفنية. وكي نرى الى هذا المشهد النقدي المتضارب سنتوقف عند بعض المقالات التي تناولت شعر نزار باقلام عدد من نقادنا الكبار. بداية الفت النظر الى ما في بعض هذه المقالات من تضارب في الاراء, ولعل الامر ناشيء من كون نزار ظاهرة شعرية متميزة كسرت طابوات كثيرة منذ انطلاقها.
فهذا زعيم نقدنا مارون عبود يقول: "وبعد, فهذا شاعر في كلامه حلاوة كلام جرير, ولكنه يفوقه خيالا لأنه يصور بكلمة واحدة ما يصوره غيره بكلام. وفي اعتداده بنفسه هو مثل عمر بن أبي ربيعة, هو المحبوب دائما والتارك لا المتروك.." (عبود, ص 71).
وفي مكان آخر يقول: "ففي شعرك قصص ابن أبي ربيعة, وحسن ختام قصص أبي نواس, وحلاوة كلام جرير, وفتك بشار العقيلي" (عبود ص 70).
ويقول: "قال غيري: النثر مشي والشعر رقص فأرقص لنصفق لك. أنت في سامبا وطفولة نهد أولا". (عبود, ص 69).
واضح من هذه الاقتباسات حماس مارون عبود لشعر نزار, أما سهيل إدريس فتبلغ به الحماسة لشعر نزار حدا أكبر من الذي ذكر, فهو من خلال مقارنته لقصيدتين ألقيتا في مهرجان تكريم طه حسين في القاهرة الأولى لنزار والثانية لسعيد عقل يقول " تشرب قصيدة نزار قباني كالماء الزلال, وترتشف أبياتها بعذوبة لأنها متفجرة من نبع التدفق والطبيعة. إنها كالشجرة الغضة, تستمد نسغها من تلقائية الجذور السمحاء, وعفوية الأرض المعطاء, بعيدا عن أي تصنع" (إدريس, ص 140).
ويقول أيضا: "نزار قباني... يعتمد البساطة في اختيار الكلمة وتركيب العبارة, وهذه البساطة هي التي خلقت له ذلك الرصيد من الشعبية الذي يكاد لا يدانيه فيه شاعر عربي معاصر". (إدريس, ص 40).
ويستمر في حماسه لقصيدة نزار فيقول: "هذه الكلمات النثرية تتحول فجأة إلى كلمات شعرية, في غير ضعف أو تهافت, لأن البساطة فيها مقترنة بصدق العفوية أو عفوية الصدق, وهي التي لا تناقض بينها وبين العمق". (إدريس, ص 141). أو: "وفي هذه الأبيات لا تحول البساطة والوضوح دون المتانة في التراكيب والغنى في التصوير والتجنيح في الخيال". (إدريس, ص 141).
يقول د. عمر الدقاق عن شعر نزار: "نزار اليوم شاعر متعدد الجوانب. انه شاعر الحواس والمتع, أشعاره كأنهار من البهجة واللذة والحبور, وهو الطائر الصداح الذي يمرح بألحانه المطربة في حقل الحياة المشرقة يتنقل بين رياحينها ويتمرغ في عطورها". (الدقاق, ص 438).
وهذا سامي الكيالي يقول: "كتب ذاته بصدق وحرارة, وبواقعية لا تتلاءم ومحيطه الذي تكتنفه شتى التقاليد, أي لم يشأ أن يكون صوت فكرة من الفكرات أو صدى مذهب من المذاهب بل كان مرآة نفسه وصدى شعوره وحسه. كتب تجاربه, وصور ذاته بشتى انفعالاتها... خرج في تعبيره على أساليب القدماء وعلى جميع الشعراء الكلاسيكيين الذين عاصرهم, وحتى على شباب جيله.." (ألكيالي, ص438).
وفي مكان آخر يقول: "رمزية نزار تشع بالأضواء... قد تكون أضواء معتمة ذات غبش... ولكنها تشع ببريق متلألئ ينفذ إلى النفس, لا تختلط أمسياته بأصبوحاته... فالصفاء أظهر ألوانا.. أريد أن أقول إن شعره يحافظ على جزالته.. على لونه المتميز الذي يربك أعمق مشاعره ويقص قصص حبه وحكايات وجده بأسلوب رمزي لا ينقصه الوضوح". (الكيالي, ص 441).
ولعل جبرا إبراهيم جبرا كان أكثر النقاد حماسا لشعر نزار قباني, حيث يقول: "ان ينطق الشاعر اليوم بلسان التجربة الأزلية شرط أساسي للشاعرية: وان ينطق في الوقت نفسه بلسان النصف الثاني من القرن العشرين شرط أساسي للديمومة, وفي شعر نزار هاتان القوتان فاعلتان معا. الحب هنا قديم قدم كلكامش والإلياذة, وحديث حداثة جريدة اليوم". (جبرا. جبرا, النار والجوهر ص 118).
ويقول: " شعر نزار قباني شعر الإيجاب, شعر الإصرار, شعر تمجيد كل ما هو حي, فيه فاكهة بكر تجنى كل يوم من شجرة كأنها بكر كل يوم. والمعجزة في كل ذلك هي أن يلتصق الشاعر بعصره ومكانه, فيتجاوزهما, ويبقى صوت اليوم هو صوت الغد وبعد الغد, ويكون الشعر والعشق صنوين في اتحاد الشعر بالكون, وتغدو زمانية التجرية خارجة على الزمان نفسه". (جبرا. جبرا, النار والجوهر, ص 179).
وعن جماهيرية وشعبية شعر نزار يقول: "هذا الشعر الذي يستجيب له حتى الذين لا يفقهون الشعر, فتراه في كل بيت وعلى كل لسان, لا يمكن أن يكون مجرد لعبة لفظية يتلهى بها هؤلاء الناس. لا بد أنها حاجة, ظمأ جوع, من نوع ما. ومن استطاع ان يجعل من الشعر حاجة وظمأ وجوعا لكل من له أذنان, لا بد أنه وضع اصبعه على سر خفي في اعماق النفس". (ن.م, ص 119).
ويبلغ الحماس بجبرا أن يجعل الشاعر فوق كل شعراء الحب من العرب والغربيين على حد سواء. يقول: " لا احسب شاعرا في تاريخ أي أدب في العالم كتب غزلا بمقداره". (ن.م, ص 199).
ما ذكرناه غيض من فيض من أقوال المتحمسين لشعر نزار ويلاحظ أن تركيزهم على شعره يقع في خانتين: خانة البساطة, وخانة العصرنة. ولكن بقدر ما شكلت هاتان الخانتان مثار اعجاب المتحمسين له, بقدر ما كانتا ايضا المنفذ لهجوم المتحمسين عليه. بالاضافة الى نقاط أخرى أضافوها تتلخص في قضية تأثره بل نقله عن سعيد عقل, وفي تكراره, وفي قلة ثقافته التي يقتضيها الشعر المعاصر, وفي برجوازية شعره. فهذا مارون عبود يقول في شعر نزار: "قلد الشاعر سعيد غقل الشاعر العامي ميشال طراد في موضوعاته الشعرية فناجى ما ناجى من أشياء وأنت (يقصد نزار) قلّدت الاثنين" (مارون عبود, ص 68). وفي مكان اخر يقول: " أنت في الأدب العربي رابع ثلاثة عبدوا اللحم وليس عندهم للروح شيء, الصوفية والميتافيزيقية لا محل لهما في شعرك". (ن.م, ص 71).
أمّا امطانيوس ميخائيل فيرى في شعر نزار شعرا برجوازيا عاجزا, يقول: " اما نزار قباني فانه يعجز في قوقعته الذهنية العبقرية عن ممارسة التصور الاستاتيكي العفوي". (ميخائيل, ص 142).
ويضيف: " وفي قصيدة (فستان التفتا) يكرر الشاعر الصور الحسية والعبارات والتشبيهات التي استعملها في مؤلفاته السابقة, وهي في ذاتها امتداد للصور الشعرية التي التي وردت في الشعر العربي الجاهلي وشعر عصر الانحطاط والشعر الاندلسي, فاصبحت تقليدا شعريا يتوارثه الخلف عن السلف". (ن.م, ص 142). ويقول ايضا: " ان نزار يعتبر شاعر الطبقة البرجوازية والعقلية البرجوازية". (ن.م ص 152). وهو "يعيب عليه هذا الامر لأن مخيلته البرجوازية قصيرة النظر عن قضايا الشعب الحقيقية". (ن.م, ص 152). ويتهم نزار لكونه يستعمل لغة الحديث اليومي العادي, بأنه "حول الشعر الى نكتة أو الى مجموعة من النكات الصغيرة التافهة والتي يمكننا أن نتحسس أهميتها ونتذوقها بشكل أفضل من المهرجين أنفسهم بدلا من شعراء عمالقة وسادة.. كنزار قباني!". (ن.م, ص 165).
ولعل ايليا الحاوي كان أشد النقاد طعنا واستخفافا بشعر نزار, فهو يتهمه بالنقل الحرفي عن سعيد عقل, حيث يقول: "على ان سعيد يستولي على خاطر نزار, ويستأثر على حواسه وذهنه, حتى نرى أن هذا الاخير لا يتخذ من سعيد فنيته وذهنيته وصوره وحسب, بل صياغة العبارة أحيانا" (الحاوي, ج (1) ص 20). ويضيف في مكان اخر من دراسته: "ويقيني أن شعر نزار ما برح يجري في كثير من قصائده على ذلك النوع من الغلو العامودي الذي يتفلت له الشاعر من حدود المعقول تفلتا كاريكاتوريا اعتباطيا". (ن.م, ص 29). وفي موقع اخر يتهم الحاوي نزار بافة التكرار حتى النسخ التام. (ن.م, ص 32). ويقول: "فنزار هو سعيد واضحا ومبسطا وربما منثورا". (ن.م ص 41). وفي معرض دراسته لديوان (طفولة نهد) يقول: "ايكون الشعر هكذا جمعا للالفاظ في الصدفة النفسية والاتفاق الفكري مثيرا في نفس القارىء شعورا بالحيرة والاندهاش أمام معنى لا معنى له وصورة لا شكل لها, وقصة تجري حوادثها في عالم اللاواقع..." (ن.م, ص 52). وعن التكرار يقول ايضا: "ومهما يكن من امر فان الشاعر يكرر ذاته ويمضغ أفكارا واحدة". (ن.م, ص 106). ويخلص في دراسته الى ما يلي: "ومهما يكن فان مشكلة نزار ليست في النهاية مشكلة موهبة, فهو شاعر موهوب, لكنه قاصر, متخلف ليس لديه الثقافة التي يقتضيها الشعر المعاصر, وهو كذلك ليس لديه المعاناة العميقة كحقيقة الوجود, لانه لا يرتبط بها ذلك الارتباط المصيري الحاسم". (ن.م, ص 113).
وهكذا وبعد هذه الوقفة مع اراء المتحمسين سلبا وايجابا يجد الدارس نفسه في حيرة من أمر شعر نزار. لذلك يعود هو الاخر الى ذينك المعيارين اللذين ذكرناهما سلفا, أي الفني والجماهيري, اذا أراد أن يرى شعر نزار بموضوعية. ومن هذين المعيارين وقبل الولوج فيهما تنهض مساءلة مهمة على خلفية النقد الذي وجه لشعر نزار والذي أوردنا بعضا منه في هذه المقاربة: ماهي مهمة الشعر؟ هل مهمته تقريب الامور للقارىء العادي والنزول الى مستواه, فكرة وصورة ولفظا؟ أم مهمته رفع مستوى القارىء والأخذ بيده الى مستويات رفيعة ترى الى ما وراء الظاهرة والعادي والمألوف؟ انها مسألة شائكة لم يستطع النقد النظري أن يحلها لغاية الان.
مما تقدم نرتأي اذا أردنا الحديث عن شعر نزار أن نضع لنا تصورا معياريا للشعر من الناحية الفنية كي نقيس عليه شعر نزار ومن ثمّ أن نقف على أسباب جماهيرية هذا الشعر رغم عدم صموده أمام المعيار الفني الحديث كما سنرى. من هنا فان المعيار الفني الذي سنتكىء عليه يقوم على مفهوم الحداثة كما نراها رغم عدم الحسم فيها هذا من جهة, أما من أخرى فيقوم على مفهومنا المتواضع للشعر المعاصر. وكي نكون منهجيين في الحديث نرى بداية أن نحدد باختصار هذين المفهومين.
الحداثة أو الشعر الجديد "عبارة عن ابداع وخروج بالشعر عن السلفية, أي يكون رؤيا, والرؤيا بطبيعتها ثورة خارج المفهومات السائدة" (أدونيس, ص 9). لهذا فان أهم ما في الحداثة "أنها موقف كياني من الحياة" (الخال, ص 23).
وهذا يعني أن الحداثة او الشعر الجديد له حقيقته الخاصة, حقيقة العالم الذي لا يعرف الذهن التقليدي ان يراه ولكن الذي يراه ويكشف عنه هو الشعر "فالشعر الجديد يرى في الكون ما تحجبه عنا الالفة والعادة ويكشف وجه العالم المخبوء كما يكشف علائق خفية ويستعمل لغة ومجموعة من المشاعر والتداعيات الملائمة للتعبير عن هذا كله". (أدونيس, ص 9). وقوام الحداثة من هذا المنطلق "معنى خلاق توليدي لا معنى سردي وصفي", اي الكشف عن "عالم يظل ابدا في حاجة الى الكشف". كما يقول رينيه شار. لذلك هو يعبر عن قلق الانسان, فيصطدم في عملية الخلق الشعري بتحديين: حدود اللغة-قواعدها وأصولها- وأساليبها أي الموروث" (الخال, ص 19). وبقدر ما يصطدم بهذين التحديين بقدر ما يكون التحديان امتحانا لاصالة الشاعر وموهبته الابداعية. ان أهم ما يميز الحداثة: "التضمين", وتلاقي الضداد, والتلميح (الخال, ص 23), فمع الأول تكتسب القصيدة الجدة والطرافة ومع الثاني تكتسب الزخم والتوتر وترتفع عن مساق الكلام العادي ومع الثالث تكتسب الضبابية والسرية اللتين تثيران في القارىء حب الاستطلاع والتشويق والمغامرة والتحدي. وهذا في مجمله يعني "كسر المألوف وتفتيق العادي والانطلاق الى ما وراء الظاهرة" (بولس, ص 91).
ان حجارة هذا البناء الموضوعي المبين سابقا هي الألفاظ "لأنها في الشعر تؤدي الى ما وراء المعاني فتنضاف اليها أبعاد جديدة, وبذلك تتجدد وتحيا وتصبح اللغة في معنى الشعر لا في مبناه فقط" (الخال, ص 23).
ويلخص (أدونيس, ص 10-ص13) مهمة الشعر الحديث بقوله: "أولا, عليه أن يتخلى عن الحادثة, وثانيا أن يكف عن أن يكون شعر وقائع اي أن يبتعد عن النثر العادي, وعن المألوف من دلالات الكلمات, وثالثا التخلي عن الجزئية واحتواء رؤيا للعالم ليست مباشرة. ورابعا, التخلي عن الرؤية الأفقية كما هي في الشعر القديم بحيث يتجاوز السطح ومعاناة الوجود من الخارج بل التحول الى محايئة هذا الوجود: (امطانيوس ميخائيل, المقدمة). وخامسا, التخلي عن التفكك البنائي, أي عن التشقق في الهيكل, وعن الخطابية والمباشرة والاستعاضة عن ذلك بالصورة التركيبية, أي الصورة الرمز". (أدونيس, ص 10-13).
وهذا يقود الى أن يكون الشعر الجديد ذا غرابة والجميل غريب دائما. كما يقول (بودلير) والغرابة هنا بمعنى الجدة.
على الشعر الحديث ان يقود الى "الادهاش والشدهة وان يسعى الى مظاهر ذات صيرورة وديمومة كي يستطيع أن يحطم العرض الايضاحي, الأيديولوجي المباشر ليصير تعبيرا عن التجربة الانسانية". (بولس, ص 91 وما بعدها).
وكي يصل الشعر الى ذلك كله عليه أن يوظف عددا من الاليات أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: "التراث, لغة مؤثثة بمفردات منزاحة, التناص الذي يغني الخطاب الشعري, والأسطرة". (بولس, ص 94).
هذا هو مفهوم الحداثة كما نراه, أما مفهومنا للشعر عامة فيقول: لقد كان الشعر منذ البدء شعر قضية, اذ أنه "يصدرعن المعاناة والمنازعة والرفض والثورة. اذا ركد فيه الانفعال الذي تنثال به العواطف وتتحدد المولقف, فانه يعود شعر وصف ورصف, يتبارى فيه صاحبه على الألفاظ والمعاني أو انه يلعب على حبالها ويتعابث بتعقيدها وتوليدها ومدّ أبعادها والتفتق لها بحيل الغلو والاحالة" (حاوي, ص 5, ج 2).
من هنا فالشعر محاولة لانتزاع الوجود الاخر الحقيقي من قلب الوجود الأليف, الزائف, المطروح على أديم المظاهر والمتلبس بالحقيقة أو المخادع بها, انه سعي الى هدم ما علق به وتطين عليه". (حاوي, ص5, ج 2). وهكذا فان كل تجربة شعرية تحتضن قضية, امرا ما تعلنه أو تنتقض وتتعارض به, تحله محل يقين اخر, قضية متصلة بفهم الحياة ومعانقة الحقيقة أو السعادة أو الكرامة, أو أية قيمة انسانية أخرى. الا أن ذلك كله لا يلج فيها باب الجدل والنقاش والبينة والأخذ والرد على الأشياء والأحياء, وانما هو والج ومقيم في حدود المعاناة حيث تتحد الذات بالموضوع وتغدو الحقيقة حضورية. (حاوي, ص 6, ج2).
الشاعر اذن راءٍ يشاهد الحقيقة ويتصل بها ويحل فيها ويمثلها بالرؤى والرموز والاستعارات والاطياف القريبة والغريبة التي تحدث في خياله وانفعاله المدهشين. الحقيقة الشعرية, هي حقيقة انفعالية دون شك ولكنها لا تصدر عن الانفعال المهووس الفاقد البصيرة, والذي يسفح ذاته بالترهات العاطفية والأباطيل. انما هو انفعال عاقل رزين, يستمد من العقل جديته ومن العاطفة يقينها وحرارتها وحياتها وحيويتها, كما يقول "رامبو".
على ضوء ما تقدم من معيار فني ومن مفهوم الحداثة سنفحص في هذه المقاربة شعر نزار, وكي لا تنفلت هذه المقاربة وتتسيب وتتشطى مروحيا وتفقد بالتالي أهميتها- لأن شعر نزار غزير متنوع- سنسيجها بجانب واحد من هذا الشعر, هو جانب الالتزام السياسي, الذي بدأه نزار عام 1955 بقصيدو "خبز وحشيش وقمر". وتوطد عنده بعد نكسة عام 1967. مع التأكيد على أن ما سنقوله في هذا الشعر ينطبق تماما على شعره الاجتماعي (المرأة), لأن معين الشاعر واحد.
بناء على ما تقدم يتبرعم سؤال وتنهض مساءلة تقول: كيف كان شعر نزار المشار اليه؟ هل كان انفعالا أهوج مخادعا هائجا يطفر من ذاته طفرة لا يهتدي بالعقل ولا يهديه؟ بمعنى أنه انفعال لا تلجمه رؤية ولم ينر أحداقه التأمل؟ وهل صدر هذا الشعر عن معاناة حقيقية. ومن ثم هل قارب هذا الشعر مفهوم الحداثة الذي ذكرناه سابقا؟
الاجابة عن مساءلة كهذه تحتم الوقوف على قصائد نزار السياسية, وهي كثيرة لا شك, لذلك ستستمد هذه المقاربة بيناتها, وستشيد على قصائد اربع هي: قصيدة "لا", وقصيدة "جميلة", وقصيدة "الوصية", وقصيدة "أطفال الحجارة".
ولكن قبل الولوج الى لب الموضوع تفرض علينا الموضوعية ان نرى الى ما في هذا اللون من الشعر من مزالق كثيرة, وقع فيها معظم الشعراء الذين اقتربوا منه وقاربوه, وذلك لأمرين: الأول: لنفحص هل تنطبق هذه المزالق على شعر نزار, والثاني: هل استطاع نزار بشاعريته أن يتخلص من هذه المزالق؟ أم أنه علق بها ودار في اسارها.
أهم المزالق الملتصقة بهذا اللون من الشعر هي: أولا: ان الكثير من الشعر السياسي العربي الحديث تعوض فيه الشاعر عن الانفعال الخالق المهتدي الى الحقائق والحال فيها بالأحلام, والأوهام. "فهذا الضرب من الانفعال هو حماسي عصبي يطغى عليه النزق, فتفوته المعاناة المسؤولة المتمالكة لروعها والتي لا ترضى عن اليقين الجدي بديلا". (حاوي, ص8, ج2). ومن هنا فان افة هذا الشعر الايهام الشعوري الفاقد الرؤية, الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها في سبيل امر طارىء لا تناسب فيه بين السبب والنتيجة.
ثانيا: ثمة شيء اخر في هذا اللون من الشعر, هو افة "الرصف" وهو "ضرب من الحماس اللفظي" حيث تحشد العبارات وتترادف وتتكاثف لتوهم بعظم الانفعال, دون ان يتفطن الشاعر الى انه لم يترجم الانفعال ولم يكشف أبعاده". (حاوي, ص12, ج2).
ثالثا: "الوصفية", وهي ضرب من شعر المحاكاة, فهي "حيث يركد الانفعال ويفقد صموده وينقاد الى المظاهر والخوطر ويغدو اداة للنقل والتقليد في حدود اللفظة والصورة". (حاوي, ص10, ج2).
رابعا: "التقريرية" وعدم اقامة هذا التوازن الذكي بين المتخيل والواقعي.
على ضوء ما تقدم فان نظرة متمعنة لشعر نزار السياسي تشي بأنه عالق في الكثير منه بهذه المزالق. فقضية الانفعال الحماسي الذي يطغى عليه النزق, وقضية تفويت الرؤية نتجت عند نزار في رايي من كونه تناول في شعره احداث العالم العربي الساخنة, اي انه كان يخطو في شعره على ارض ملتهبة, مليئة بالبثور. "ان الالتقاء بالراهن السياسي يعني مواجهة الشاعر لاسئلة محرقة لا تحتمل الارجاء-لانها اسئلة تنبىء عن المأزق العام للمجتمع وتضع موضع التساؤل مجموعة القيم والمثل والمبادىء والمراهنات التي كانت تخلق دينامية ما وترسم افقا نتطلع اليه. ان الشاعر يجد نفسه وجها لوجه مع ركام الاشياء, ركام من الظواهر المرضية والسلوكية والاجتماعية, ركام من الاحداث والاخبار والنوادر والكلمات. وكل هذه المواد المتفجرة عن صلبنا وأحشائنا تشكل جسدا فيزيقيا هلاميا لا يمكن أن نحكيه بنفس الوتائر والنبرات واللغات السابقة. وهذا هو مأزق الشاعر: كيف يخطو ويحدد موقعا لأقدامه فوق أرض ساخنة مليئة بالندوب, مليئة بيقنيات تنهار وأخرى تتبرعم وتتأسس". (بولس, ص 78). هذا من جهة, أما من أخرى فقد نتجت القضية المشار اليها من تعمده اثارة القارىء أو المستمع, الذي من أجل ارضائه سفح فنيته على مذبح المضمون.
ولنأخذ مثالا على ذلك الانتفاضة. فالانتفاضة حين اندلعت غمرت النص الأدبي وفاجأته على أكثر من صعيد. لقد فاجأته في أعز ما يملك بداية: الاستلهام التأملي البطيء. لذلك لم يعد أمام النص من مجال للمناورة سوى التلقي والانفعال ورد الفعل, دون حساب للفنية. ولكم استدرت الاحداث السياسية من قصائد دوّت وشاعت وتذيعت في عصرها أو في الحقبة التي رفدتها واسترفدت منها, ثم ركد الحماسي وانطفأت شعلة الانفعال, فاذا بتلك القصائد تذوي لانها لم تكن تستمد حياتها من نسغ الفن, بل من الصخب. ودليلنا على ذلك قصيدة نزار "اطفال الحجارة". اين هي الان؟ وهل ما زالت تدوي في وجداننا كما كانت تفعل في وجدان قارئها من الزمن؟ طبيعي انها فقدت لونها, وذلك لانها استمدت قيمتها من موضوعها فيما تقتضي الفنية ان تمده, توكأت عليه بدلا من أن يتوكأ عليها. فهي لم تكن قائمة بذاتها بل به, فلما استكان تهاوت, وذاك هو التباين بين الانفعال العصبي الشديد الهياج والانفعال الفني المتمهل.
الشاعر الحق ينطلق من الموضوع ولا يرده الى ذاته ولا يتجول في حدوده المألوفة ومعانيه المعروفة بل يتولاه كمهماز عبر رؤيا عامة ينتظم بها الوجود وهي رؤيا تأنف من التقرير والمباشرة والتعميم والغلو (1).
وقضية اخرى في شعر نزار تنبجس من خاصرة الاولى هي "الرصف" فهو عنده كثير الامر الذي يشي بكثرة التكرار عنده. فكأن شعره نسج على نول واحد. فمفرداته هي هي يلمها ثم يبعثرها, يجمعها ثم يوزعها حتى بات القارىء المثقف يعرف قاموس نزار المؤثث بحفنة من مفردات تشير الى الماضي واخرى تؤشر الى الحاضر, ولا يستوقفه منها شيء جديد فهي تتمحور وتتبوأرعلى عباءة, ومسبحة, وخنجر وحريم وجواري, ونفط, وخنجر وياسمين وتفتا ونهد ولوز وكل ما يتفتق عنها منظرا ولونا ورائحة وأبعادا وايحاءات (2). ومن هنا من افة التكرار والرصف هذه اطلقت الشاعرة والناقدة العربية العراقية نازك الملائكة على شعر نزار شعر "الهيكل المسطح" الذي يخلو من الحادثة ويعمد الى ملء الفجوات بالتشابيه والصور المكرورة. (نازك, ص209 وما بعد).
وقضية ثالثة في شعر نزار تعود الى الوصفية, التي ذكرناها سابقا, وأقصد تكرار الصور لدرجة الملل, فصوره في هذا الاطار مبذولة مكرورة, صار القارىء العارف الناقد يتوقعها قبل قراءتها (3).
واخيرا النثرية والتقريرية, وهي افة شعر نزار عامة, ولكنها تبرز واضحة في شعره السياسي. فالكثير من كلامه يقع على مدرج النثرية والخطابية, بحيث يفقد الكلام رونقه, وتتسطح الصور ويخبو بريق الايحاءات.
ودليلنا على ذلك عدد كبير من القصائد, تمثلها قصيدة "جميلة بوحيرد", حيث فيها اعطانا الشاعر واقعة يحسن اداءها للتهيج والاثارة دون ان يلج الموضوع من الداخل, اي وقف على البراني دون ان يدخل الى الجواني, وذلك بجمل نثرية تقريرية بعيدة عن روح الشعر (4).
واذا قسنا شعر نزار السياسي بمقياس الحداثة الذي بيناه سابقا نقع على عديد من الامور التي يبتعد فيها شعره عن مفهوم الحداثية, عدا النثرية والخطابية. منها مثلا عدم توظيف الأسطورة بالشكل الصحيح, وعدم كسر العرض الايضاحي الأيديولوجي وغير ذلك.
ولكن وكي ننصف الشاعر نجد عنده أيضا الكثير مما يتعلق بالحداثية, خاصة توظيف التراث بشكل ذكي, رغم ما فيه من تكرار, هذا من جهة, أما من أخرى وانصافا اخر للشاعر يجب الا يغيب عن بالنا حذقه ومهارته في عدة قصائد حيث فيها ابتعد عما ذكرناه وجاءنا بصورة جميلة وبمقاطع نافذة متفوقة وليس أدل على ذلك من قصيدته "لا"(5) و"الوصية"(6).
ورغم ما قلنا, يظل سؤال محير اخر يلوب على الشفاه, وهو اذا كان شعر نزار السياسي كما صورناه, يفتقر الى الفنية والحداثية, فما الذي يجعله رغم ذلك محبوبا بل معشوقا من الجماهير اكثر من أي شعر اخر لشاعر اخر؟ وهنا نأتي الى الشق الاخر من مساءلتنا في البداية.
سؤال محير وعندي أنّ النقد عاجز عن الاجابة عنه, ولكنني أغامر وأقول: "ان ما حبب الناس في شعره السياسي بالذات, ما يلي:
أولا: كونه يصور واقع عصره, نافذا الى الجذور التاريخية فيه الممتدة عبر الزمن, مزاوجا بين صورتين: صورة البعث, وصورة التخلف والخمول, وهي الأشد وقعا في النفس. التي منها ينطلق دون أن يدع وجها من وجوه الخزي العربي حتى يلم به ويجلده بغضبه, هاجيا الحاكم البهلوان, الذي يعلف رعيته بلاغة وبيانا. وهذه صورة تستهوي القارىء كثيرا. وصورة اخرى يستلطفها القارىء ويجري وراءها بحكم مازوخية الشاعر هي صورة الشعب العربي الخامل الذي يجلس القرفصاء على بوابة التاريخ, يشاهد الداخلين الى حرمه يبنون ماثرهم وهو قابع مكانه مخدرا يبيع الشعارات. بالاضافة الى ان الشاعر ينعى على العربي استلقاءه على سرير التاريخ ينفق عمره باللهو الغيبي, كأنه حي مائت, لا حضور له على مسرح التاريخ والحضارة. وما يزيد من محبة القراء الى مثل هذه الصور رغم تكرارها اتكاؤها على التراث وانطلاقها من التقاليد والأساطير وميلها الى الدين والسياسة مصحوبة بنار الغضب, ذلك الغضب الذي اخترق طابوات كثيرة مغلقة, ظلت قرونا لم يجرؤ أن يقترب منها الانسان العادي, فكأن نزارا بهذا يدغدغ حواسه ويفتق له جرحا طالما فكر هو في تفتيقه فلم يستطع (7).
الأمر الثاني: استخدامه لرموز بسيطة يعرفها القارىء جيدا, لذلك ينسجم معها ويستوعبها, وربما يضيف اليها من عنده, كما ويستلذ في عملية تعريتها, لابتعادها عن التركيبية (8).
ولعل الامر الثالث يكمن في الصور المسطحة البسيطة المسحوبة من عالم القارىء العادي, فهي صور معروفة له, ولكنها رغم ذلك تسحبه وتأخذه الى عوالم ساحرة عجز عن دخولها لافتقاره الى سحر الكلمة والى الاثارة الشعرية (9).
وأمر اخر, اللغة البسيطة المفهومة ولكنها المؤثثة رغم بساطتها بايحاءات يستلطفها القارىء, ثم أمر اخر مهم هو الايقاع الجميل النابع من التكرار والموسيقا الداخلية للكلمات, فمفرداته رشيقة أنيقة منتقاه بذائقة من عالم مترف, بحيث تسحر قارئها لأنها تجيء من عالم يحلم به ولا يستطيع الاقتراب منه(10). ويتبع ذلك اللعب والتحول من الصورة العامة الى الجزيئات (11).
ولعل الامر الأهم, هو المتح من العامية البنانية وتوليد الصورة منها (12). ثم يلي ذلك الاسطرة على بساطة تركيبها في شعره (13). ثم تفاؤله في قصائده حتى تلك القصائد التي يعتريها سخطة الشديد, فهو دائما ينتظر ذلك العربي المنقذ الوافد من رحم الزمن, من اليرموك, من حطين, من بدر, من القادسية (14).
وأخيرا, النقد السياسي/الاجتماعي, الصارخ والهادف الى النهوض والتجدد وهو ما يعيش من أجله العربي اليوم, بعد أن تمرغت جبهته بالوحل (15).
أخلص الى القول بعد هذه الوقفة مع شعر نزار. هل استطعت أن أجيب عن المساءلات التي طرحتها؟
أحسبني فعلت. فما ذكرته يبين أن نزارا سفح الكثير من فنيته على مذبح جماهيريته, ثم هل يحتاج كلامي هذا الى براهين واثباتات كي تتضح مصداقيته؟ ربما؟! ولكن القصائد التي اعتمدت عليها, والتي ذكرتها في البداية معروفة لقارىء شعر نزار, والرجوع اليها يعطي البرهان الكافي لما قلته والاحالة اليها موجودة في نهاية هذه المقاربة.
وأخيرا, هذا هو نزار شاعر الغضب, المنفعل بقضايا شعبه, والذي لا يرحم أحدا, ولا يكف عن جلد الذات, هادفا الى انهاضها لتلحق بالركب الحضاري العصري.
هذا هو نزار في شعره السياسي الملتهب حماسة الذي من أجله ضحى بالكثير من أسباب الفن والحداثة.
وهكذا اذن يكون نزار بعد الذي قلناه قد عاش حياته بين التزامين مهمين: اجتماعي وسياسي. الاول اعرضنا عنه هنا لأنه يحتاج الى وقفة أخرى-رغم ما في الالتزامين من تشابه على الصعيد الفني- وقد جسّد نزار الالتزامين شعرا بحيث أصبح على كل فم عربي.
عاش ظاهرة شعرية, ومات ظاهرة فريدة.
كان مدرسة في التزاميه, بحيث حبا على بيادره الكثير من الشعراء, وسيظل مدرسة "متفردة" مهما حاول النقد العلمي أن يقول مقولته فيه سلبا أم ايجابا.
الاحالات
(1)
قاوموا
وانفجروا
واستشهدوا
وبقينا دببا قطبية
صفّحت أجسادها ضد الحرارة
قاتلوا عنّا
الى أن قتلوا
وبقينا في مقاهينا
كبصاق المحارة
واحد يطلب مليارا جديدا
وزواجا رابعا
ونهودا صقلتهن الحضارة
واحد
يبحث في لندن عن قصر منيف
واحد
يعمل سمسار سلاح
واحد
يطلب في الخانات ثاره
(2)
أدخل مثل البرق من نافذة الخليفة
أراه لا يزال مثلما تركته
منذ قرون سبعة
مضاجعا جارية رومية
أقرأ ايات من القران فوق رأسه
مكتوبة بأحرف كوفية
عن الجهاد في سبيل الله, والرسول
والشريعة الحنيفة
أقول في سريرتي:
تبارك الجهاد في النحور, والاثداء
والمعاصم الطرية.
يا حضرة الخليفة
أعبر عن سرادق الحريم كالمنيّة
أمشي عللى الأبدان, والغلمان
والأساور المرمية
أمشي على
توجع الحرير والقطيفة.....
من بيت مال المؤمنين... كل ما أطلبه
عباءة من قصب
وساعة من ذهب
ومن نساء قصره محظيّة
*نلاحظ هنا ايضا النثرية والتقريرية.
(3)
الاسم: جميلة بو حيرد
اسم مكتوب باللهب
مغموس في جرح السّحب..
العمر اثنان وعشرونا
في الصدر استوطن زوج حمام
والثغر الراقد غصن سلام
امرأة من قسطنطينة
لم تعرف شفتاها الزينة..
(4)
مقصلة تنصب والاشرار
يلهون بانثى دون ازار
وجميلة بين بنادقهم
عصفور في وسط الامطار
الجسد الخمري الاسمر
تنفضه لمسات التيار
وحروق في الثدي الايسر
في الحلمة
في..في.. يا للعار..
الاسم: جميلة بو حيرد
تاريخ: ترويه بلادي
يحفظه بعدي أولادي
تاريخ امرأة من وطني..
(5)
قتلناك!..
يا حبنا وهوانا..
وكنت الصديق, وكنت الصدوق,
وكنت أبانا
وحين غسلنا يدينا.. اكتشفنا
بأنا قتلنا منانا
وأن دماءك فوق الوسادة
كانت دمانا
نفضت غبار الدراويش عنا
أعدت الينا صبانا
وسافرت فينا الى المستحيل
وعلمتنا الزهو والعنفوانا
ولكننا
حين طال المسير علينا
وطالت أظافرنا.. ولحانا
قتلنا الحصانا
فتبت يدانا
فتبت يدانا.
(6)
أو حين يقول في "الوصية"
أفتح تاريخ أبي,
أفتح أيام أبي
أرى الذي ليس يرى:
أدعية.. مدائح دينية
ادعية حشائش طبيّة
أدوية للقدرة الجنسية
أبحث عن معرفة تنفعني
أبحث عن كتابة
تخصّ هذا العصر أو تخصني
فلا أرى حولي سوى
رمل وجاهلية.
(7)
أرفض ميراث أبي
وأرفض الثوب الذي ألبسني
وأرفض العلم الذي علمني
وكل ما أورثني
من عقد جنسية
أرفض ألف ليلة
والقمقم العجيب, والمارد,
والسجادة السحرية..
أرفض سيف الدولة المغرور
والقصائد الذليلة الغبية
أحرق رسم أسرتي
أحرق أبجديتي..
(8)
أفتح صندوق أبي
فلا أرى..
الا دراويش ومولوية
والعود, والقانون, والبشارف الشرقية
وقصة الزير على حصانه
وعاطلين يشربون القهوة التركية
أسحب سيفي غاضبا
وأقتل المعلقات العشر والألفية
وأقتل الكهوف, والدفوف,
والأضرحة الغبية
(9)
أبا خالد.. يا قصيدة شعر..
تقال
فيخضّر منها المداد
الى أين؟
يا فارس الحلم تمضي
وما الشوط حين يموت الجواد؟
الى أين؟ كل الأساطين ماتت..
بموتك.. وانتحرت شهرزاد
(10)
أنا بمحارتي السوداء..
ضوء الشمس يوجعني
وساعة بيتنا البلهاء
تعلكني وتبصقن..
*وهذا ما نجده في الكثير من قصائده الاجتماعية
(11) كما نجده في قصيدتي "لا" و "الوصية" بحيث يتدرج الشاعر من العام الى الجزء.
(12)
..
وتعرى
وتشقى
وتعطش وحدك
ونحن هنا نجلس القرفصاء
نبيع الشعارات للاغبياء
ونحشو الجماهير تبنا وقشا
ونتركهم يعلكون الهواء.
(13)
لماذا ظهرت؟
فنحن شعوب من الجاهلية
ونحن التقلب
نحن التذبذب
والباطنية
نبايع أباءنا في الصباح
ونأكلهم حين تأتي العشيّة
*الاشارة هنا الى الاسطورة الجاهلية المعروفة التي شاعت في بني تميم والتي تشير الى الغدر والأنانية والغريزية, كما يقول ابن الكلبي في كتابه الاصنام: كان بنو تميم يعبدون التمر ويمجدونه ويجمعون فضله ويقيمون منه تمثالا, حتى اذا روّعهم الجوع وأملقوا هجموا عليه فأكلوه.
(14)
...
اه يا جيل الخيانات
ويا جيل العمولات
ويا جيل النفايات
ويا جيل الدعارة
سوف يجتاحك-مهما ابطأ التاريخ- أطفال الحجارة.
...
*وفي قصيدة الوصية يقول:
قم يا طويل العمر من حجرتك الوردية
وافتح شبابيكك
للشمس, وللعدل وللرعية
فما راك الشعب من اخر أيام بني أمية
هل أنت حقا من بني أمية؟
أخرج الى الشارع يا أميرنا
واقرأ
ولو صحيفة يومية
اقرا..
عن السويس, والاردن, والجولان
والمدائن السبية
عن الذين يعبرون النهر
نحو الضفة الغربية..
(15) في معظم قصائده السياسية.
الاشارات:
1. الحاوي, ايليا: نزار قباني, دار الكتاب اللبناني, بيروت, 1973, في جزأين.
2. جبرا, ابراهيم جبرا: النار والجوهر, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت, ط3, 1982, مقال "الحب معاصرا, الحب خارجا عن الزمن". (ص117- ص 156).
3. الكيالي, سامي: الادب المعاصر في سورية, دار المعارف بمصر, القاهرة, ط 2, 1968, ص 438-ص 449.
4. الدقاق, عمر: فنون الادب العربي المعاصر في سورية, دار الشرق العربي, بيروت, دون تاريخ, ص 373- ص 378.
5. ادريس, سهيل: مواقف وقضايا ادبية, دار الاداب, 1977, مقال: "ملاحظات على قصيدتين", ص 140- ص 148.
6. عباس, احسان: اتجاهات الشعر العربي المعاصر, دار الشروق, ط2, بيروت, 1992. فصل "الموقف من الحب", ص 135- ص 141.
7. ميخائيل, امطانيوس: دراسات في الشعر العربي الحديث, المكتبة العصرية, صيدا, بيروت, 1968, فصل "التجاه الجمالي", ص 138- ص 170.
8. عبود, مارون: نقدات عابر, دار مارون عبود, ودار الثقافة, بيروت, 1967. مقال "قصائد" ص 67- ص 72.
9. ادونيس: زمن اشعر, دار العودة, بيروت ط2, مقال "الكشف", ص 9- ص 23.
10. الخال, يوسف: الحداثة في الشعر, دار الطليعة, بيروت, 1978, فصل: "مفهوم القصيدة الحديثة", ص 18- ص 31.
11. الملائكة, نازك: قضايا الشعر العربي المعاصر, مكتبة النهضة, بيروت, دون تاريخ, فصل : "هيكل القصيدة", ص 201- ص 229.
12. بولس حبيب: قضايا ومواقف أدبية, المعهد العالي للفنون, وبيت الكاتب, الناصرة, 1997. فصل "شعرنا والحداثة", ص 91- ص 104.

drhbolus@yahoo.com

الجمعة، يوليو 03، 2009

ثلاث محاضرات في شعر محمود درويش ـ3

د. حبيب بولس

المرحلة الثالثة - مرحلة الكون والانسان ونبش الذات

في هذه المرحلة وخاصة في باريس تزداد تجربة محمود درويش الشعرية غنى وثراء، فهو في وحدته هناك يملأ الوقت بالقراءة والتبصر في الذات الانسانية وفي الكون فيجنح شعره الى تغور الذات والنبش في خفاياها وفي خفايا الكون وحين يدهمه المرض ويضطر الى الرضوخ لعملية جراحية معقدة في قلبه ثم الى عملية اخرى ويستشعر محمود خطورة المرحلة في حياته وعلى حياته تزداد قراءاته وتزداد تأملاته في الحياة وفي الكون وفي القضية وفي النفس البشرية، فيمتلئ شعره بالفلسفة ويمتح من الثقافتين العربية والغربية، وحين يتاح له القدوم الى الوطن ورؤية البلاد من جديد ومقابلة الاهل والاصدقاء القدامى، ينفتح الجرح ويدفق قصائد رائعة تصور لهفته وحنينه ولكنها لهفة الفلسطيني التي لا تخلو من المرارة.
هذه الوحدة وهذا الانكفاء على الذات ولّدا شعرا معمّقا لا يتسكع على السطح ولا يحايئ الوجود من خارج بل يتغوره ويسبر خفاياه، في هذه المرحلة يخفت ايقاع القصائد ويجنح نحو ايقاع داخلي، متآلف متجانس ليعبر من خلاله محمود بصور مركبة تتوالد لولبيا عن مراراته وعن احساسه الداخلي بعبثية الحياة كما يعبر من خلاله عن مواجهة الموت. والموت كموتيف يرافق قصائد محمود في هذه المرحلة بشكل بارز،وقد كبس عليه الحنين في هذه المرحلة:
يقول محمود:

"امي تعدّ اصابعي العشرين عن بعد
تمشطني بخصلة شعرها الذهبي، تبحث
في ثيابي الداخلية عن نساء اجنبيات،
وترفو جوربي المقطوع، لم أكبر على يدها
كما شئنا: انا وهي، افترقنا عند منحدر
الرخام.. ولوّحت سحب لنا ولماعز
يرث المكان، وانشأ المنفى لنا لغتين
دارجة.. ليفهمها الحمام ويحفظ الذكرى
وفصحى.. كي افسر للظلال ظلالها (لماذا تركت الحصان وحيدا)
وفي مواجهته للموت يصر محمود على الحياة ويصر على فلسطينيته وعلى امتلاك الاشياء المنتزعة من ذاكرته ووجوده من ماضيه وحاضره ويقول:

"هذا البحر لي/ هذا الهواء الرطب لي/ هذا الرصيف وما عليه/ من خطاي وسائلي المنوي.. لي/ ومحطة الباص القديمة لي/ ولي شبحي وصاحبه/ وآنية النحاس وآية الكرسي، والمفتاح لي/ والباب والحراس والاجراس لي/ لي حذوة الفرس/ التي طارت عن الاسوار../ لي ما كان لي/ وقصاصة الورق التي انتزعت من الانجيل لي/ والملح من أثر الدموع على جدار البيت لي" (الجدارية)
وحين يحدث الانقسام في صفوف شعبه يتعذب محمود ويشعر ان كل ما بنيناه قد صار آيلا للسقوط فيطلق زفراته المؤثثة بالمرارة والمحملة بالكثير من العتاب واللوم ويقول:

"سنصير شعبا إن اردنا، حين يؤذَن للمغني ان يرتل آية من "سورة الرحمن" في حفل الزواج المختلط. سنصير شعبا حين نحترم الصواب، وحين نحترم الغلط" (أثر الفراشة)

وحين يعود الى حيفا عشيقته الاولى قبل وفاته، حين يمكث في الجليل فترة طويلة نسبيا لأنه كان يستشعر على ما يبدو قرب اجله يقول لحيفا:

"حيفا: يحق للغرباء ان يحبوك، وان ينافسوني على ما فيك، وان ينسوا بلادهم في نواحيك، مِن فرط ما انتِ حمامة تبني عشها على انف غزال! حيفا تقول لي: انتَ منذ الآن انتَ!" (اثر الفراشة)
يقترب الموت من محمود ويزداد استشعاره به فيزداد تأملا وتلبس قصائده حالة من العمق الصوفي والفلسفة الانسانية العميقة كقوله:

"الصمت اطمئنان الصاحب للصاحب/ وثقة الخيال بنفسه بين مطر وقوس قزح/ قوس قزح هو تحرش الوحي بالشاعر، بلا استئذان.. وافتتان الشاعر بنثر القرآن/ فبأي آلاء ربكما تكذبان/ وغائبان انا وانتَ، وحاضران انا وانت، وغائبان/ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان" (في حضرة الغياب).
او كقوله:

"سيري ببطء، يا حياة، لكي اراك بكامل النقصان حولي، كم نسيتك في خضمك باحثا عني وعنك. وكلما ادركت سرا منك قلت بقسوة: ما اجهلك!/ قل للغياب: نقصتني/ وأنا حضرت لأكملك. (كزهر اللوز او ابعد)
في مطولته الاخيرة يرتفع السؤال حارقا عند محمود درويش "من انا؟ من أنا؟" لأنه لا يستطيع ان يخيب ظن العدم كما كان يحسب، وفعلا ينتصر هذا العدم في النهاية فيقول:

"كان يمكن لو كنت ابطأ في المشي ان تقطع البندقية ظلي عند الارزة الساهرة/ كان يمكن لو كنت اسرع في المشي، ان اتشظى وأصبح خاطرة عابرة/ كان يمكن، لو كنت اُسرف في الحلم ان افقد الذاكرة/ ومن حسن حظي اني أنام وحيدا فأصغي الى جسدي وأصدق موهبتي في اكتشاف الألم/ فأنادي الطبيب، قبيل الوفاة بعشر دقائق/ عشر دقائق تكفي لأحيا مصادفة وأخيب ظن العدم/ مَن انا لأخيب ظن العدم؟ من انا؟ من انا" (لاعب النرد).
في مرحلته الشعرية الاخيرة يصل محمود الى ما بعد الحداثة ويصل فيها الى تأملات تحاول ابداعيا ان تجد صيغا غير مألوفة لحوار الانسان مع نفسه، مع الطبيعة ومع الخالق، فالانسان هنا محور تدور حوله التناقضات والثنائيات.
في قصائده في هذه المرحلة يلتقي محمود درويش مع الفيلسوف "هيدجر" الذي قال: "اذا اردنا لأنفسنا ان نصل الى مرتبة الوجود الاصيل فلا بد لنا من ان نرتد الى ذواتنا لكي نأخذ على عاتقنا مسألة وجودنا". في شعر محمود درويش نلتقي مع مقولة الشاعرة والناقدة اميلي ركنسون التي تقول: "اذا ما بدأت اقرأ وشعرت ان قمة رأسي قد انتزعت، فانني حينئذ اقول ان ما اقرأه شعر".
وانتزاع قمة الرأس في شعر محمود يعني نجاحه في نقل مأزومه الينا لنصير وإياه واحدا ولندخل معه جرن التجارب ولنتعمد في المعاناة، او لم يقل تولستوي: "الفن عملية انسانية فحواها ان ينقل الانسان للآخرين واعيا مستعملا اشارات خارجية معينة الاحاسيس التي عاشها فتنتقل عدواها اليهم فيعيشونها ويجربونها".
ان شعر محمود درويش الدافق يشعرك انه قطعة منك، شعر جديد، له حقيقته الخاصة، حقيقة العالم الذي لا يعرف الذهن التقليدي ان يراه، ولكن الذي يراه ويكشف عنه هو الشاعر، فشعره في مرحلته الثالثة خصوصا يرى في الكون ما تحجبه عنا الالفة والعادة ويكشف وجه العالم المخبوء كما ويكشف عن علائق خفية ويستعمل لغة ومجموعة من المشاعر والتداعيات الملائمة للتعبير عن هذا كله، كما يقول "يوسف الخال" هذه هي بعض سرية شعر الدرويش، وهذا هو امتيازه في الخروج عن التقليدية، فقوامه شعر خلاق توليدي لا معنى سردي وصفي، أي قوامه الكشف عن عالَم يظل دائما في حاجة الى الكشف كما يقول "رينيه شار". من هنا يصير شعر الدرويش ذا خاصية تلتصق به تعني انه يعبر دائما عن قلق الانسان ابديا.
ومحمود شاعر شاعر يعرف كيف يوازن بين حدود اللغة قواعدها وأصولها واساليبها المتواررثة وبين الجديد، فهو شاعر موهوب يعترف بقواعد لغته واصولها وبمبادئ الاساليب المتأثرة بهذه اللغة المتوارثة في تاريخها الادبي، وفي الوقت ذاته يأخذ لنفسه قدرا كافيا من الحرية لتطويع هذه القواعد والاساليب لينفخ شخصيته فيها. يقول "روزنتال": "الشعر الجديد في اقوى دفقاته يعتمد على الصلة بالتقاليد وانجازاتها الجمالية، والطرافة في القصيدة ليست وحدها التي تحدد مدى اصالة الشاعر وانما ما يحددها كذلك قدرتها على الافادة من التراث الشعري. اذ لا نجد شعرا قديما له قيمته دون ان يكون له ما يمثله اليوم".
من هنا، ليس غريبا ان نجد اكثر الشعراء نشاطا – كما الحال مع الدرويش -، في مجال الابداع والتجربة هم كذلك اكثرهم تأثرا بصوت الماضي. فالماضي ليس عبئا بل مصدرا رائعا ذا معين لا ينضب، يقول تي.إس.اليوت: "نجد ان خير اجزاء القصيدة، بل نجد اكثرها تميزا، تلك التي تؤكد فيها آثار اسلاف الشاعر الموتى". وهذا يعني ان الدرويش كشاعر كان عليه في خلقه ان يجتاز عملية صراعية مع اللغة والاسلوب ليخرج سيدا منتصرا، لأنه في قدرة الشاعر – وهذا امتحانه – ان يتناول اللغة والطريقة المتوارثة ويرغمهما على التفاعل كمعنى مع المعنى الفردي والفريد الذي جاءت به تجربته، وهذا الشيء هو بالذات الذي يأسرنا في شعر الدرويش، فشعره بناء موضوعي ذو معنى ينعم بوجود خاص به وهذا البناء يتميز بثالوث الشعر العميق الجيد، اعني: "التضمين وتلاقي الاضداد والتلميح" لانه بالتضمين تكتسب القصيدة الجدة والطرافة وتعالج القضايا في ضوء تعقيداتها الحقيقية، وبتلاقي الاضداد تكتسب التوتر والزخم وترتفع عن مساق الكلام العادي، وبالتلميح تكتسب الضبابية والسرية اللتين تثيران في القارئ حب الاستطلاع والتشويق والتحدي والمغامرة في المجهول، وحجارة هذا البناء الموضوعي عند الدرويش الالفاظ لأنها في الشعر تؤدي الى ما وراء المعاني فتضاف اليها ابعاد جديدة وبذلك تتجدد وتحيا.
"ان ابرز مظاهر الفرق بين اسلوبي الشعر القديم والحديث ليست ناجمة كما هو الاعتقاد السائد عن التحول من التعبير الواضح الى لغة الاحاجي،وانما هي ناجمة عن انتقال من الصيغة الشكلية الى البساطة وصراحة التعبير. فالشعر الجيد يتصف بألفة لا صنعة فيها ولا تكلف وادراك لحقائق الحياة اليومية بصورة لم تكن معهودة من قبل" كما يقول "روزنتال":
شعر الدرويش يتجه نحو التخلي عن الحادثة والوقائعية ويستخدم كلمات منزاحة "ليست وفقا لدلالاتها المألوفة، كما انه يتخلى عن الجزئية ليتبنى رؤيا للعالم ولكنها رؤيا ليست مباشرة.
يقول "مارلو": "الاثر الشعري الذي لا يكون الا شكلا من اشكال المديح والهجاء هو في الحقيقة ضد الشعر". لذلك الشعر عند الدرويش ليس انعكاسا بل فتحا، وليس رسما بل خلقا، الشعر عنده يتخلى عن الرؤية الافقية كما الشعر القديم الذي تمترس ووراء بستان من الالفاظ وتغطى بزخارف عديدة تركت لنا القصيدة اللعبة، القصيدة الجلية وتستّر بكابوس من التشبهات والاستعارات ليتغلّب على افقيته، لذلك ظل القديم على السطح كما يقول ادونيس، في شعر الدرويش لا نجد شعرا يتسكع على السطح ويعاني الوجود من خارج، بل يتحول الى محايأة هذا الوجود" كما يقول "امطانيوس ميخائيل".
شعر الدرويش وارتكازا على ما ذكر يقوم على تنافر بين الشاعر والواقع يوازيه تنافر بينه وبين القارئ، وهذا التنافر هو ابرز خصائص هذا الشعر، والتنافر شعريا هو الغرابة، و"الجميل غريب دائما" كما يقول "بودلير".

* ملاحظة (1): قدمت هذه المحاضرات ضمن شهر الثقافة الذي كرس هذا العام لأمير الكلام الشاعر الكبير محمود درويش

* ملاحظة (2): ارتكزت هذه المحاضرات بشكل مباشر بايجاز حينا وبتصرف احيانا على المراجع التالية:

1. ادونيس: "الشعر والثورة"، مجلة الهدف، العدد 20، 1969
2. محمد دكروب: "الادب الجديد والثورة"، الفارابي، بيروت، 1980
3. حسين مروة: "الموقف الثوري في الادب"، دار الفكر العربي، بيروت 1976
4. رجاء النقاش: "ادباء معاصرون"، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1968
5. الياس خوري: "دراسات في نقد الشعر"، مؤسسة الابحاث العربية، بيروت، طـ 3، 1986
6. احمد جواد مغنية: "الغربة في شعر محمود درويش"، الفارابي، بيروت، 2004
7. بسام قطوس: "مقاربات نصية في الادب الفلسطيني الحديث"، مؤسسة حمادة، ودار الشروق، اربد – عمان، 2000
8. نعيم عرايدي: "الجدارية" – مجلة مشارف، العدد 18، حيفا 2002 ص 184 – 197
9. حسين حمزة: "العين الثالثة"، مواقف، 2005 مقال: "موثيف الموت في شعر محمود درويش"
10. ادونيس: "زمن الشعر" دار العودة ط 2، بيروت، 1978
11. يوسف الخال: "الحداثة في الشعر" الطليعة، بيروت، 1978
12. ميخائيل، امطانيوس: "دراسات في الشعر العربي الحديث"، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، 1968
13. يمنى العيد: "في القول الشعري"، دار توبقال، الدار البيضاء، 1987
14. عبد الواحد لؤلؤة: "منازل القمر"، دار رياض الريس، لندن، 1990
15. اليزابيث درو: "الشعر كيف نفهمه ونتذوقه"، ترجمة محمد ابراهيم الشوش، مكتبة منيمنة، بيروت، 1961
16. احسان عباس: "اتجاهات الشعر العربي المعاصر، دار الشروق، ط 2، عمان، 1992
17. حبيب بولس: "قضايا ومواقف ادبية" المعهد العالي للفنون وبيت الكاتب، الناصرة، 1997

الخميس، يوليو 02، 2009

ثلاث محاضرات في شعر محمود درويش ـ2

د. حبيب بولس

المرحلة الثانية - مرحلة المنفى والحصار والخروج من بيروت

مع بداية السبعينيات اشتد الخناق على محمود درويش، فالسلطة لم تكف عن مضايقته وملاحقته وتوقيفه واحتجازه في البيت وعن سجنه ايضا، حتى ضاقت به السبل فقرر ان يهجر هذا الوضع. ترك محمود الوطن الى منفاه الاختياري، وهناك بدأت مأساته الحقيقية، مأساة اللامكان، مأساة الرحيل، والموانئ، ومحطات القطار، والمطارات. (وطني حقيبة) كما يقول، حتى استقر في بيروت. في بيروت راح الجرح يتعمق والمعاناة راحت تتضاعف وتتثلث، والتجربة انفتحت واغتنت وتوسعت فكرا وثقافة، هناك رأى المأساة الفلسطينية عارية على حقيقتها. رأى الفقر في المخيمات، رأى حياة القهر والذل، كما شاهد المذابح والحرائق في تل الزعتر في صبرا وفي شاتيلا، ولكنه شاهد ايضا صمود الفلسطيني ونضاله وكفاحه وصبره وإصراره وايمانه بانتصار قضيته التي حمل السلاح لأجلها ولأجل عودة شعبها وتحريرها. ومثلما رأى الصمود والمذابح رأى الانكسار وعايش حالة الحصار الوحشية في بيروت، ثم شاهد خروج الفلسطينيين الفاجع منها، من منفى الى منفى والتجربة تتسع وتتعمق والهم يكبر. من هنا صارت القصيدة العادية التي الِفها محمود وبرع في نظمها في المرحلة الاولى ضيقة، وعاؤها الاستعاري ضاق عن تفاصيلها، وبنيتها صارت اكثر تعقيدا وصورها اكثر تركيبا، لذلك نراه في هذه المرحلة يميل الى المطولات ذات النفس الملحمي وتكفي الاشارة الى ثلاث مطولات من روائعه في هذه المرحلة هي: احمد الزعتر/ وقصيدة بيروت/ ومديح الظل العالي.
في هذه المرحلة تميل قصائد محمود درويش الى المسرحة والى الدرامية القصصية فالمبنى صار قصصيا، كما مالت القصائد الى كثير من التجريد والى توالد الصور بحيث صارت قراءة القصيدة هي متابعة للصور التي فيها وتفكر بعلاقات الصورة ورمزيتها (كما يقول "الياس خوري" في كتابه "دراسات في نقد الشعر" الصادر عن مؤسسة الابحاث العربية، بيروت طـ 3، 1986).
فكثرت الاستعارات الطريفة والتشبيهات المولدة والايقاع المتقافز النابع من التكرار ومن الترادف والاختلاف والتضاد. في هذه القصائد يجنح نحو التجريب غير هياب، أي الى اللحظة المتوترة دراميا داخل بنية شعرية مركبة. القصيدة في هذه المرحلة هي كثافة الشعر في تجربة كلية متماسكة والصورة تصبح هنا جزءا من كل توتري أي انها تتحول من لحظة توقف تأملية مفاجئة الى سياق بحيث تصير شبكة من السياقات تضمها وحدة بنائية تتداعى داخل حركة لولبية. القصيدة هنا هي محاولة اختصار الحركة بالصورة المتوالدة والبناء الشعري يكتفي بالتلميح والاشارات مرتكزا على عاملَي التداعي الصوري والجملة الشحنة الممتدة لتشمل بناء عالم من اللحظات المتتابعة والتي تشكل بينها وحدة داخلية.
تتميز القصيدة في هذه المرحلة بأصواتها المتعددة الجوانب والمختلفة، بحيث تختلط هذه الاصوات داخل البناء لتلح على توترها وعلى مبناها الدرامي الشعري في محاولة للوصول الى القصيدة الشبكية المعقدة التي تتجاوز الانفعال المباشر والصراخ الواضح في محاولة ايضا للابتعاد عن الموضوع كمقدمة والنظر اليه ككل متكامل.
وهذا المبنى يركز في قصائد محمود درويش على شخصية واحدة هي البطل ويقيم حوارين المباشر وغير المباشر، كما ويجلد السلطة المسيطرة ويدينها دائما وهذه السلطة هي التي تشكل الاطار الثابت في القصيدة. كما وتتميز القصائد بحالة من النبوءة، حالة يمتزج فيها الحلم بالوعي، فتصبح القصيدة سيالة دافقة لا شيء يعثرها في مسراها الحريري. كما ان اللغة ايضا في هذا البناء الجديد تتغير وتتوالد وتتآلف وتتخالف وتبارح مرجعياتها السابقة فكلمة الارض مثلا كمفردة وكإيحاء لا تعود معطى كما المرحلة السابقة ولا اطارا للحنين وللتواصل انما هنا هي تتفجر في علاقة جدلية مع عنصر ايديولوجي بحيث تصير هنا يدا ورصاصة وتفارق ثبوتها. وعنصر الزمن ايضا لا يعود مجرد اطار ساكن انما يصير قاعدة للمسار العام وجزءا اساسيا من البنية الداخلية للقصيدة.
فلنستمع الآن الى بعض المقاطع من شعر هذه المرحلة، وأبدأ بملحمة "احمد الزعتر" يقول محمود:


ليدين من حجر وزعتر
هذا النشيد.. لأحمد المنسي بين فراشتين
مضت الغيوم وشردتني
ورمت معاطفها الجبال وخبأتني
نازلا من نحلة الجرح القديم الى تفاصيل
البلاد وكانت السنة انفصال البحر عن مدن
الرماد وكنت وحدي
ثم وحدي
آه يا وحدي! وأحمد
كان اغتراب البحر بين رصاصتين
مخيما ينمو وينجب زعترا ومقاتلين
وساعدا يشتد في النسيان
ذاكرة تجيء من القطارات التي تمضي
وأرصفة بلا مستقبلين وياسمين..
....
في كل شيء كان احمد يلتقي بنقيضه
عشرين عاما كان يسأل
عشرين عاما كان يرحل
عشرين عاما لم تلده امه الا دقائق في اناء الموز
وانسحبت
يريد هوية فيصاب بالبركان
سافرت الغيوم وشردتني
ورمت معاطفها الجبال وخبأتني

هذا المقطع الذي قبسناه يشي بما تقدم يشي بالتجريد "نازلا من نحلة الجرح" "لم تلده امه الا دقائق في اناء الموز" ويشي ايضا بالبناء الدرامي المتلاحم وبالصور المتوالدة المركبة وبالترميز وما ينتج عنه. كما ان المقطع والذي بعده يزخران بالتوتر – يريد هوية فيصاب بالبركان.
يستمر محمود قائلا، لا بل راويا:

"راح احمد يلتقي بضلوعه ويديه كان الخطوة – النجمة/ ومن المحيط الى الخليج- من الخليج الى المحيط/ كانوا يعدون الرماح/ واحمد العربي يصعد كي يرى حيفا ويقفز/ احمد الآن الرهينة/ تركت شوارعها المدينة، أتت اليه/ لتقتله/من الخليج الى المحيط، من المحيط الى الخليج/ كانوا يعدون الجنازة/ وانتخاب المقصلة.
انا احمد العربي – فليأت الحصار/ جدي هو الاسوار – فليأت الحصار/ وانا حدود النار – فليأت الحصار/ وأنا احاصركم/ احاصركم/ وصدري باب كل الناس فليأت الحصار.

ما يجعل هذه المطولة جميلة تهز قارئها او متلقيها هو تعدد الاصوات فيها وثنائية الخطاب القصصي كما في المقطع التالي:

يا ايها الولد المكرس للندى/ قاوم!/ يا ايها البلد – المسدس في دمي/ قاوم/ الآن اكمل فيك اغنيتي/ وأذهب في حصارك/ والآن اكمل فيك اسئلتي/ واولد من غبارك/ فاذهب الى قلبي تجد شعبي/ شعوبا في انفجارك. ويختتم محمود درويش هذه الملحمة بصوت يصرخ ألما وحلما وبنبرة "واثقة" حيث يقول: كتبتْ مراثيها الطيور وشردتني/ورمت معاطفها الحقول وجمعتني/ فاذهب بعيدا في دمي! واذهب بعيدا في الطحين/ لنصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين.
يا احمد اليومي!/ يا اسم الباحثين عن الندى وبساطة الاسماء/ يا اسم البرتقالة/ يا احمد العادي!/ كيف محوتَ هذا الفارق اللفظي بين الصخر والتفاح/ بين البندقية والغزالة!/ لا وقت للمنفى واغنيتي/ سنذهب في الحصار/ حتى نهايات العواصم/فاذهب عميقا في دمي/ اذهب براعم/ واذهب عميقا في دمي/ اذهب خواتم/ واذهب عميقا في دمي/ اذهب سلالم/ يا احمد العربي قاوم!
فاذهب عميقا في دمي واذهب عميقا في الطحين/ لنصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين.

ثم يتبدل الصوت وتتبدل النبرة فيخاطبنا الشاعر عن احمد الزعتر ويقول:

وله انحناءات الخريف/ له وصايا البرتقال/ له القصائد في النزيف/ له تجاعيد الجبال/ له الهتاف/ له الزفاف/ له المجلات الملونة/ المراقي المطمئنة/ ملصقات الحائط/ العَلم/ التقدم/ فرقة الانشاد مرسوم الحداد/ وكل شيء كل شيء كل شيء/ حين يعلن وجهه للذاهبين الى ملامح وجهه.
يا أحمد المجهول!/ كيف سكتنا عشرين عاما واختفيت/ يا احمد السري مثل النار والغابات/ اشهر وجهك الشعبي فينا/ واقرأ وصيتك الاخيرة؟/
أخي احمد!
وأنت العبد والمعبود والمعْبد
متى تشهد
متى تشهد
متى تشهد؟

واذا انتقلنا الى "قصيدة بيروت" سنجد نفس الظواهر والسمات التي وجدناها في "احمد الزعتر"، بمعنى سنجد وتلاقي الاضداد والنص الملحمي والصور المركبة والتجريد والزخم والتناص والاتكاء على الرمز، فلنسمع مقاطع منها، تقطر حزنا لأنه سيفارق المدينة التي احب يقول:

تفاحة للبحر، نرجسة الرخام/ فراشة غجرية. بيروت شكل الروح في المرآة/ وصف المرأة الاولى، ورائحة الغمام/ بيروت من تعب ومن ذهب، واندلس وشام/ فضة. زبد. وصايا الارض في ريش الحمام/ وفاة سنبلة. تشرد نجمة بيني وبين حبيبتي بيروت/ لم اسمع دمي من قبل ينطق باسم عاشقة تنام على دمي.. وتنام/ من مطر على البحر اكتشفنا الاسم، من طعم الخريف وبرتقال القادمين من الجنوب، كأننا اسلافنا نأتي الى بيروت كي نأتي الى بيروت.
من مطر بنينا كوخنا، والريح لا تجري فلا نجري، كأن الريح مسمار على الصلصال تحفر قبوَنا فننام مثل النمل في القبو الصغير كأننا كنا نغني خلسة/ بيروت خيمتنا/ بيروت نجمتنا/ سبايا نحن في هذا الزمان الرخو/ أسلمنا الغزاة الى اهالينا/ فما كدنا نعض الارض حتى انقض حامينا على الاعراس والذكرى فوزعنا اغانينا على الحراس/ من ملك على عرش/ الى ملك على نعش/ سبايا نحن في هذا الزمان الرخو/ لم نعثر على شبه "نهائي" سوى دمنا/ ولم نعثر على ما يجعل السلطان شعبيا/ ولم نعثر على ما يجعل السجان وديا/ ولم نعثر على شيء يدل على هويتنا/ سوى دمنا الذي يتسلق الجدران/ ننشد خلسة بيروت خيمتنا/ بيروت نجمتنا.
هذه المرارة القاسية التي تفوح في ارجاء القصيدة هي المسيطرة ولكنها تنفرج في النهاية وتنفتح على الاصرار حيث يقول:

احرقنا مراكبنا، وعلقنا كواكبنا على الاسوار
نحن الواقفين على خطوط النار نعلن ما يلي:
بيروت تفاحة/ والقلب لا يضحك/ وحصارنا واحة/ في عالم يهلك/ سنرقّص الساحة/ ونزوّج الليلك.
ثم يقول:

لم نولد لنسأل: كيف تم الانتقال الفذ مما ليس عضويا الى العضوي؟ لم نولد لنسأل:
قد وُلدنا كيفما اتفق/ انتشرنا كالنمال على الحصيرة/ ثم اصبحنا خيولا تسحب العربات/ نحن الواقفين على خطوط النار/ احرقنا زوارقنا/ وعانقنا بنادقنا/ سنوقظ هذه الارض التي استندت الى دمنا/ سنوقظها، ونخرج من خلاياها ضحايانا/ سنغسل شعرهم بدموعنا البيضاء/ نسكب فوق ايديهم حليب الروح كي يستيقظوا/ ونرش فوق جفونهم اصواتنا:
قوموا ارجعوا للبيت يا احبابنا/ عودوا الى الريح التي استلت جنوب الارض من اضلاعنا/ عودوا الى البحر الذي/ لا يذكر الموتى ولا الاحياء/ عودوا مرة اخرى/ فلم نذهب وراء خطاكم عبثا/ مراكبنا هنا احترقت/ وليس سواكم ارض ندافع عن تعرجها وحنطتها/ سندفع عنكم النسيان، نحميكم/ بأسلحة صككناها لكم من عظم ايديكم/ نسيجكم بجمجمة لكم/ وبركبة زلقت/ فليس سواكم ارض نسمّر فوقها اقدامنا/ عودوا لنحميكم/ ولو انا على حجر ذبحنا/ لن نغادر ساحة الصمت التي سوّت اياديكم/ سنفديها ونفديكم.
ثم يختتم بقوله:

نحن الواقفين على خطوط النار نعلن ما يلي: لن نترك الخندق/ حتى يمر الليل/ بيروت للمطلق/ وعيوننا للرمل/ في البدء لم نخلق/ في البدء كان القول/ والآن في الخندق/ ظهرت سمات الحمل.
وبعد خروج الفلسطينيين من بيروت يطل محمود درويش مع ملحمة رائعة هي "مديح الظل العالي" وهي تحتوي ايضا على نفس موتيفات وتقنيات القصائد السابقة، يقول فيها:

بحرلأيلول الجديد/ خريفنا يدنو من الابواب
بحر للنشيد المر. هيأنا لبيروت القصيدة كلها
بحر لمنتصف النهار/ بحر لرايات الحمام، لظلنا، لسلاحنا الفردي/ بحر للزمان المستعار/ ليديكَ، كم من موجة سرَقتْ يديك/ من الاشارة وانتظاري
ضع شكلنا للبحر. ضع كيس العواصف عند اول صخرة
واحمل فراغك... وانكساري
.. واستطاع القلب ان يرمي لنافذة تحيته الاخيرة،
واستطاع القلب ان يعوي، وان يعد البراري
بالبكاء الحر
ثم يقول مخاطبا الفلسطيني المقاوم:

خذ بقاياك، اتخذني ساعدا في حضرة الاطلال. خذ قاموس ناري وانتصر/ في وردة ترمى عليك من الدموع/ ومن رغيف يابس، حاف وعار/ وانتصر في آخر التاريخ/ لا تاريخ الا ما يؤرخه رحيلك في انهياري/ قلنا لبيروت القصيدة كلها، قلنا لمنتصف النهار/ بيروت قلعتنا/ بيروت دمعتنا/ ومفتاح لهذا البحر/ كنا نقطة التكوين/ كنا وردة السور الطويل وما تبقى من جدار/ ماذا تبقى منك غير قصيدة الروح المحلق في الدخان قيامة وقيامة بعد القيامة.
خذ نثاري/ وانتصر فيما يمزق قلبك العاري/ ويجعلك انتشارا للبذار/ قوسا يلم الارض من اطرافها جرسا لما ينساه سكان القيامة من معانيك.
انتصر/ ان الصليب مجالك الحيوي، مسراك الوحيد من الحصار الى الحصار.
بحر لأيلول الجديد. وأنت ايقاع الحديد تدقني سحُبا على الصحراء، فلتمطره لأسحب هذه الارض الصغيرة من إساري.
لا شيء يكسرنا/ وتنكسر البلاد على اصابعنا كفخار، وينكسر المسدس من تلهفك. انتصر، هذا الصباح، ووحد الرايات والامم الحزينة والفصول بكل ما اوتيت من شبق الحياة،
بطلقة الطلقات/ باللاشيء/ وحدنا بمعجزة فلسطينية..
بيروت قصتنا/ بيروت غصتنا/ وبيروت اختبار الله/ جربناك جربناك. من اعطاك هذا اللغز؟ من سمّاك؟
وفي مقطع آخر منها يهاجم الحكام العرب الذين وقفوا متفرجين على جراح الفلسطيني وموته يقول:

هي هجرة اخرى/ فلا تكتب وصيتك الاخيرة والسلاما/ سقط السقوط، وأنتَ تعلو/ فكرة/ ويدا/ و... شاما!
كسروكَ، كم كسروك كي يقفوا على ساقيك عرشا
وتقاسموك وأنكروك وخبؤوك وأنشؤوا ليديك جيشا
حطّوك في حجر.. وقالوا: لا تسلّم/ ورموك في بئر وقالوا: لا تسلم/ وأطلت حربك، يا ابن امي، الف عام الف عام، الف عام في النهار/ فأنكروك لأنهم لا يعرفون سوى الخطابة والفرار.
ثم يجلد العرب على تقصيرهم وخياناتهم فيقول:

نحن البداية والبداية والبداية. كم سنة
وأنا التوازن بين ما يجب؟/ كنا هناك. ومن هنا ستهاجر العرب/ لعقيدة اخرى وتغترب
قصب هياكلنا/ وعروشنا قصب/ في كل مئذنة حاو ومغتصب/ يدعو لأندلس/ ان حوصرت حلب.
وأنهي بهذا المقطع الذي يلخص مأساة الفلسطيني، يقول محمود في نفس القصيدة:

"وطني حقيبة/ وحقيبتي وطني/ ولكن... لا رصيف، ولا جدار/ لا ارض تحتي كي اموت كما اشاء/ ولا سماء حولي/ لأثقبها وادخل في خيام الانبياء.

واخيرا هذا هو شعر درويش في المرحلة الثانية مرحلة المنفى والحصار والخروج من بيروت. وقد رأينا كيف تطور هذا الشعر وانفتح ليعانق كل تقنيات القصيدة الحديثة مع محافظته على الموسيقا والايقاع وهذه هي فرادة محمود وتفرده وتميزه.

( يتبع )

الثلاثاء، يونيو 30، 2009

ثلاث محاضرات في شعر محمود درويش

د. حبيب بولس

المرحلة الاولى - مرحلة الوطن الام

ان تلج عالم محمود درويش الشعري امر ليس سهلا لأنك تصاب بالرهبة وبالتهيب، ذلك لأنه عالم غني واسع متنوع متلون، لا يستقر على مدرج واحد، فهو دائم الاغتناء، دائم التطور، عالم متقافز قفزاته سريعة وواسعة تمتح من الموروث الشعري العربي ومن الشعر المضارع عربيا وعالميا. هذا من جهة، اما من اخرى فان محاصرة هذا العالم الشعري الدافق والمتجدد امر غير ممكن لا بل مستحيل في محاضرات ثلاث فشاعر بقامة محمود درويش بحاجة اذا اردنا حقيقة ان نستكشف شعره وان نتغور مبانيه ومعانيه ولغته وتقنيات قصائده وتجديده وتحولاته، بحاجة الى محاضرات ومحاضرات ولكنها محاولة اولية للوقوف على بعض محاور شعر امير الكلام المعاصر محمود درويش.
في معرض رده على الشاعر ادونيس الذي اتهم في دراسة له بعنوان "الشعر والثورة"، نشرها في مجلة (الهدف) العدد 20 1969 شعر محمود درويش وشعر اخوانه بانه شعر غير ثوري ومحافظ وذلك لأنه شعر يصف حركة المقاومة ويغنيها وليس شعرا يواكب الحركة ويخلق معادلا ثوريا باللغة ويفكك البنية العادية العربية الموروثة، حيث يقول ادونيس: "فان كانت مهمة المقاومة ان تفجر الواقع السياسي/الاقتصادي وتغيره. فان مهمة الشاعر العربي الثوري هي ان يفجر نظام اللغة (الثقافة/القيم السائدة) ويغيره". في رده على ذلك يقول "محمد دكروب" في كتابه "الادب الجديد والثورة" الصادر عن دار الفارابي سنة 1980 "ان كلام ادونيس تصور ذهني ميكانيكي، لا يرى الارتباط العضوي والتأثير المتبادل بين حركة الواقع وحركة الشعر. وكون حركة الشعر والثقافة اجمالا هي شكل نوعي متميز لحركة الواقع ككل، أي هي انعكاس معقد ومتحول في المخيلة والاحساس والدماغ الى شعر وفن وثقافة صادر اساسا عن حركة الواقع نفسه، وعن حركة الصراع الاجتماعي، وحركة الثورة بالتالي. هذا التحول هو الذي يعطي للشعر والفن والفكر اجمالا تلك الصفة النوعية المميزة، فلا تبقى مجرد انعكاس ميكانيكي لحركة الواقع المادي.
بناء على ما تقدم، فان كل شعر حقيقي اصيل هو ثورة داخل حركة الشعر نفسها، هو تجدد دائم الغنى لنظام اللغة ونظام القصيدة (العمل الشعري). وكل انكار تعسفي لحركة التجدد هذه ولضرورتها وللثورة داخل الشعر التي هي تعبير عن ضرورة الحركة يؤدي الى جمود قاتل، الى موقف رجعي، الى مراوحة في المكان، بينما حركة الشعر مستمرة في تجدد دائم، وهكذا لا يكون الفن ثوريا لمجرد ان يحاول الفنان ان يخلق باللغة معادلا فنيا للثورة، بل بمقدار ما يملك هذا المعادل الفني نفسه ان يمارس تأثيره الثوري ولو داخل قسم من جماهير الثورة.
من هنا تنبع اهمية محمود درويش كشاعر، بمعنى من كونه استطاع ان يخلق معادلا فنيا للمقاومة الفلسطينية وللثورة الفلسطينية في شعره، وفي الآن معا ان يمارس هذا المعادل الفني نفسه تأثيره الثوري والا كيف سنفسر عشق الناس لشعر محمود؟! وكيف سنفسر التطور الذي اصابه على مدى خمسة عقود من الزمان.
يقول المفكر الكبير "حسين مروة" في كتابه "الموقف الثوري في الادب منشورات دار الفكر العربي سنة 76 ملخصا نجاح شعر المقاومة، يقول ان نجاح هذا الشعر ينبع من ثلاثة اصول:
1. كونه نابعا من الجماهير، فالشعراء هم ابناء هذه الجماهير فهي ربتهم واعطتهم الجذور.
2. الاندماج والالتحام بين الشاعر وواقعه وسمة هذا الامر الفنية صدق التجربة والاصالة في تصوير صراع الانسان الفلسطيني.
3. الشروط المعرفية أي المنطلق الفكري الثوري الذي يصدر عن هذا الشعر، وينفذ الى الاعماق مؤثثا بالطاقات المتحفزة دائما لصياغة نفسها من جديد بأشكال ومضامين متطورة باستمرار. وهذا المنطلق الفكري عند درويش هو تبصره بالنظرية الثورية. هذه النظرية التي حررت شعره وعالمه الفني من كوابيس الاوهام وجعلته يتخطى ذاته باستمرار بحيث صار محمود درويش ظاهرة شعرية جديدة بمفرده لا فلسطينيا فحسب ولا عربيا فحسب، بل عالميا، وذلك بما تحمله ابداعاته من الطاقة الفائقة لتخطي الذات المستمر سواء باكتشافاته الرؤيوية ام بصياغاته الفنية لهذه الاكتشافات.
تأسيسا على ما تقدم سنحاول ان نلج عالم محمود درويش الشعري على رحابته، وكي نسيّج هذا الحديث ونمنعه من التشظي والتسيب من جهة، وكي نسهل على انفسنا عملية استبطان هذا العالم من اخرى، سنقسم عالم درويش الشعري الى مراحل ثلاث هي:
1. مرحلة الوطن/ الأم، مرحلة شعر المقاومة حتى عام 1969
2. مرحلة المنفى والحصار والمذابح حتى الخروج من بيروت
3. مرحلة نبش الذات حتى وفاته
نبدأ بالمرحلة الاولى ونمثل لها بديوان "عاشق من فلسطين" الصادر عام 1966.
ان اول ما يجابهه قارئ ديوان "عاشق من فلسطين" هو صدق التعبير الفني واخلاص الشاعر في الحديث عن قضيته/قضيتنا أي عن القضية الفلسطينية، لا كقضية فردية متميزة فريدة – وهي كذلك – انما الصدق الفني الذي ينتشل القضية من خصوصياتها ليجعلها قضية عامة يمكن ان يحسها الانسان في أي مكان فوق الارض. وهذا التعبير الفني الصادق يأتي بسيطا وعميقا في آن معا وهذه هي سحريته، شعره في "عاشق من فلسطين" حار متفجر ذو حيوية هائلة، ينتفض (على حد تعبير رجاء النقاش في كتاب "ادباء معاصرون" الصادر عن مكتبة الانجلو مصرية في القاهرة عام 68) ويمتلئ بالرغبة في الحياة والتحرر من المأساة سواء المأساة الشخصية او في واقع مجتمعه. ومذاق هذا الشعر مذاق انساني رحب لاذع. وللحقيقة اقول: ان شعرا كالموصوف معرض للانزلاق والوقوع في براثن الخطابية والنثرية والضوضاء الفنية والكليشيه الجاهز ولكن اصالة محمود كفنان وأصالة ايمانه بقضيته يحميانه من ذلك.
لنسمعه يرد على النغمة التي سادت الادب الاسرائيلي الدعائي حتى ادب الاطفال منه في اواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، تلك النغمة التي تحاول ان تقنع العالم، بان العربي همجي بعيد عن الحضارة وهو انسان من درجة ثانية يقول محمود في قصيدة "نشيد للرجال" من الديون:


"لأجمل ضفة أمشي/ فلا تحزن على قدمي/ من الأشواك/ ان خطاي مثل الشمس/ لا تقوى بدون دمي
لأجمل ضفة أمشي/ فلا تحزن على قلبي/ من القرصان/ ان فؤادي
المعجون كالارض/ نسيم في يد الحب/ وبارود على البغض.
ويستمر قائلا: "لأجمل ضفة نمشي/ فلن نُقهر/ ولن نخسر/ سوى النعش الى الاعلى/ حناجرنا/ الى الاعلى/ محاجرنا/ الى الاعلى/ امانينا/ الى الاعلى اغانينا/ سنصنع من مشانقنا/ ومن صلبان حاضرنا وماضينا/ سلالم للغد الموعود/ ثم نصيح يا رضوان/ افتح بابك الموصود.
ويقول فيها ايضا: "سنطلق من حناجرنا/ من شكوى مراثينا/ قصائد كالنبيذ الحلو/ تُكرع في ملاهينا/ وتنشد في الشوارع/ والمصانع/ في المحاجر/ في المزارع/ في نوادينا.
ويختتم بهذه الصرخة المدويّة الثائرة:
"سنخرج من مخابينا/ ويشتمنا اعادينا: "هلا.. همج هم عرب/ نعم! عرب/ ولا نخجل/ ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل/ وكيف يقاوم الأعزل/ ونعرف كيف نبني المصنع العصري والمنزل/ ومستشفى/ ومدرسة/ وقنبلة/ وصاروخا/ وموسيقى/ ونكتب اجمل الاشعار/ عاطفة وافكارا وتنميقا".
بمثل هذه العاطفة المليئة بالتفاؤل والثقة والاستعداد للنضال والصبر على الجراح يواجه درويش واقع المأساة.
ولعل اعذب ما في شعر درويش في هذه المرحلة الرؤية الانسانية الخاصة التي تنعكس على بناء قصائده. فهو يرى الناس والاشياء بطريقة تختلط فيها كل العناصر. ففي قصيدة واحدة نراه يتحدث عن حبيبته، وفي مقطع آخر منها نجد هذه الحبيبة قد تحولت الى معنى مختلف هو الوطن، ثم تنقلب الى الام او الاخت، وهكذا فالحب والوطن والحرية والطبيعة كلها معان تختلط ببعضها البعض، انها ذات ملامح متشابهة فالحدود بينها تلتغي كليا. في شعر محمود نوع من وحدة الوجود، من ذوبان الكل في واحد. هذا الامتزاج الكامل بين الصور والمعاني في رؤية درويش للعالم والذي يتحقق على اجمل صورة في شعره يحدث بعفوية وبصورة شفافة. فقصائده عالم رقيق مشرق، رغم تشابك العناصر والرؤى، لذلك قصائده هنا اشبه بحلم ولكنه ليس حلما رومانسيا هروبيا عاجزا، انما هو فيض مشاعر حية كبيرة تملأ وجدان الانسان وتسيطر عليه. وهذا النوع من الحلم هو الهام وحيوية وقوة واقتراب من النبوة، وتعبير عن الاندماج الكبير في الواقع وفي حركته واندغام بين الانسان وعقله الباطن. هذا الحلم هو الذي يفسر لنا انكسار المنطق العادي في شعره وولادة منطق آخر ينقلنا من اللحظة الراهنة الى مناطق الشدهة والاندهاش. ذلك لأن تجارب الشاعر روحية عامرة تملأ مشاعره فتفيض القصيدة عن وصفها للعادي النثري للظاهرة وتأخذنا الى ما وراء الظواهر وهذا هو الشعر الحقيقي بعينه. لنسمع مقاطع من رائعته "عاشق من فلسطين" للتدليل على ما ذكر. يقول في مطلعها: "عيونك شوكة في القلب/ توجعني واعبدها". ويستمر قائلا بعد هذا المطلع الرائع: "كلامك كان اغنية/ وكنت احاول الانشاد/ ولكن الشقاء أحاط بالشفة الربيعية/ كلامك كالسنونو، طار من بيتي/ فهاجر، باب منزلنا/ وعتبتنا الخريفية/ وراءكِ.. حيث شاء الشوق/ وانكسرت مرايانا فصار الحزن الفيْن/ ولملمنا شظايا الصوت/ لم نتقن سوى مرثية الوطن/ سنزرعها معا في صدر قيثار/ وفوق سطوح نكبتنا، سنعزلها/ لأقمار مشوهة واحجار/ ولكني نسيت يا مجهولة الصوت:/ رحيلك اصدأ القيثار ام صمتي".
ثم يتابع ليشعرنا ان حبيبته هذه ليست فتاة عادية وانما هي فلسطين – يقول: "رأيتك في جبال الشوك/ راعية بلا اغنام/ مطاردة في الاطلال/ وكنت صديقتي/ وانا غريب الدار/ ادق الباب يا قلبي/ على قلبي/ يقوم الباب والشباك والاسمنت والاحجار.
رأيتك في خوابي الماء والقمح/ محطمة/ رأيتك في مقاهي الليل خادمة/ رأيتك في شعاع الدمع والجرح/ وانت الرئة الاخرى بصدري/ انتِ انت الصوت في شفتي وانت الماء، انت النار".
ثم يتابع: "رأيتك عند باب الكهف عند الغار/ معلقة على حبل الغسيل ثياب ايتامك/ رأيتك في الموقد/ في الشوارع/ في الزرائب في دم الشمس/ رأيتك في اغاني اليتم والبؤس. رأيتك ملء البحر والرمل/ وكنت جميلة كالارض كالاطفال كالفل/ واُقسم: من رموش العين سوف اخيط منديلا/ وانقش فوقه شعرا لعينيك/ وإسما حين اسقيه فؤادا ذاب ترتيلا/ يمد عرائش الأيك/ سأكتب جملة اغلى من الشهد، من القبل/ فلسطينية كانت ولم تزل".
هكذا نلاحظ كيف تتلاحم المحبوبة مع الوطن وكيف تختلط العاطفة الخاصة بالوطنية، وكيف يصير الخاص عاما والفرداني جمعا.
ثم يختتم بقوله: "فلسطينية العينين والوشم/ فلسطينية الاسم/ فلسطينية الاحلام والهم/ فلسطينية المنديل والقدمين والجسم/ فلسطينية الكلمات والصمت/ فلسطينية الصوت/ فلسطينية الميلاد والموت/ حملتك في دفاتري القديمة/ نار اشعاري/ حملتك زاد اسفاري/ وباسمك صحت في الوديان/ خيول الروم اعرفها/ وان تبدل الميدان/ خذوا حذرا/ من البرق الذي صكته اغنيتي على الصوان/ انا زين الشباب/ وفارس الفرسان/ انا ومحطم الاوثان/ حدود الشام ازرعها/ قصائد تطلق العقبان/ وباسمك صحت بالاعداء/ كلي لحمي اذا ما مت يا ديدان/ فبيض النمل/ لا يلد النسور/ وبيضة الافعى/ يخبئ قشرها ثعبان/ خيول الروم اعرفها وأعرف قبلها اني/ أنا زين الشباب وفارس الفرسان.
هكذا تتفجر المعاني وتتوالد بين يدي محمود درويش ويسرح التضاد وتمرح لغة تلاقي الاضداد وهما من اعمدة الشعر المصفى. ونلتقي في شعر درويش في هذه المرحلة بصور شعبية حميمية لو صاغها آخرون لما اعطتنا شعرا، ولكنها بين يدي محمود تقول ما لم نتعوده منها يعتصرها فنا جميلا مليئا بالسحر والشعر والعذوبة.
وفي هذه المرحلة ايضا نجد عددا من الموتيفات التي يوظفها درويش رموزا وايحاءات في شعره ولكنها جميعا تصب في خانة التلاحم بين الأنا والقضية/ الأنا وفلسطين/ العاطفة والوطنية/ الحب والحرية. كموتيف الاسرة مثلا: الأم، الاب، الاخت. وفي الديوان الذي نحن بصدده نلتقي بقصيدته التي سارت على فم الزمن، وأعني قصيدة الى امي التي يقول فيها: "احن الى خبز امي/ وقهوة امي/ ولمسة امي/ وتكبر فيّ الطفولة يوما على صدرِ يوم/ وأعشق عمري لأني/ اذا متّ/ اخجل من دمع امي".
والأم هنا خير دليل على ما ذُكر، هي الام الشخصية والوطن، هي ام الجميع. ومن الجدير القول: ان معنى الاسرة عند درويش لا يعني الاسرة العائلية المألوفة، انما هي الانتماء، والجذور التي تمده بالصمود وبالتحدي وبالاصرار، والاسرة عنده دائما ممزقة تحاول ان تلتئم. هي اشبه بجثة اوزوريس التي مزقها اشلاء إله الشر (ست) و"ايزيس" الزوجة الوفية الباكية المناضلة تعيد اجزاءها المبعثرة وترد الروح الى الجسد الممزق. وهذا الجسد طبعا هو فلسطين التي لا بد وان تلتئم ويعود ابناؤها وتتحرر.
ثم نلتقي في شعر محمود في هذه المرحلة كثيرا برمز الصليب واستخدامه للصليب كرمز له مبرراته، ففلسطين هي ارض المسيح، ومأساة المسيح اقترنت بالصلب، لذلك الصليب مقترن بفلسطين قديما وحاضرا، من هنا يتخذه الشاعر رمزا ليعبر به عن المأساة الفلسطينية، وهي مأساة معادلة لمأساة الصلب ولتاج الشوك والمسامير في اليدين وفي القدمين، يقول درويش في قصيدة "صدى الغابة": "من غابة الزيتون/ جاء الصدى/ وكنت مصلوبا على النار/ اقول للغربان:/ لا تنهشي/ فربما ارجع للدار/ وربما تشتي السماء ربما/ تطفئ هذا الخشب الضاري/ لانزل يوما عن صليبي/ ترى/ كيف اعود حافيا عاري؟!
ومحمود درويش يرى في المسيحية روحا دينية مقاتلة "ليست صليبية، فتفسيره لها تفسير نضالي فهي في وجدانه دعوة الى التقدم والانفتاح والى النضال والوقوف في وجه الآلام الكبيرة وكما يقول السيد المسيح في انجيل متى "الاصحاح العاشر العدد 34": "لا تظنوا اني جئت لألقي سلاما على الارض ما جئت لألقي سلاما بل سيفا". يقول درويش في احدى قصائده (مع المسيح):
"ألو/ اريد يسوع/ نعم! من انت؟/ انا احكي من اسرائيل وفي قدميّ مسامير واكليل/ من الاشواك احمله/ فأي سبيل/ أختار يا ابن الله أي سبيل؟/ أأكفر بالخلاص الحلو/ أم امشي/ ولو امشي واحتضر؟/ اقول لكم يجيبه السيد المسيح: اماما ايها البشر. وكما يوظف السيد المسيح رمزا يوظف النبي العربي محمدا كذلك فهو يقول في قصيدة "مع محمد": "ألو/ اريد محمد العرب/ نعم! من انت؟/ سجين في بلادي/ بلا ارض/ بلا علم/ بلا بيت/ رموا اهلي الى المنفى/ وجاؤوا يشترون النار من صوتي/ لأخرج من ظلام السجن/ ما افعل؟ ويجيبه الرسول العربي: تحدّ السجن والسجان/ فان حلاوة الايمان/ تذيب مرارة الحنظل.
هذا هو محمود درويش في مرحلته الاولى، شاعر صاغته النكبة وصقلته المأساة التي شرب مرها وذاق معها عذاب الفقر وذل العوز وغاص في مقلاتها. هذا هو محمود الذي ينحاز في كل ما صدر عنه الى فقراء الوطن، والذي تبصّر منذ تفتحه بالرؤية الثورية وتسلح بالفكر الاشتراكي التقدمي، ومتح من الموروث الفلسطيني والعربي والعالمي المنفتح، فولج عالم الشعر واثقا صادقا مخلصا مؤمنا بعدالة قضيته، يعاني ويتحدى ويسجن من اجلها. انه شاعر مأساة. فلسطين همه وهاجسه يوظف لأجلها كل طاقاته الشعرية وكل طاقته الفنية بصور رائعة و"مبنى استعاري" جميل متجدد وموسيقى عذبة دافقة ومفردات انيقة متناغمة منسجمة فيصير العادي بين يديه دهشة يلتحم الأنا بالقضية، وتندغم الذات بالوطن، ويمتزج الخاص بالعام، ويتوحد العدل بالحرية، ولا نهاية للنضال الفلسطيني لأنه عادل حتى التحرر فها هو يقول: "مليون عصفور/ على اغصان قلبي/ يخلق اللحن المقاتل".
كفى محمود درويش هذه المرحلة ليصل الى القمة، ولكنه ليس شاعرا من هؤلاء الذين يتغيون الشهرة ويتربعون على القمم، انما هوطامح الى المزيد فالمزيد وحين سئل مرة ما هي القصيدة الاجمل التي قلتها يوما، قال تلك التي لم اكتبها بعد.
(يتبع)

السبت، يونيو 13، 2009

الأدب العربي الفلسطيني في إسرائيل: واقع وتصورات

د. حبيب بولس
أ- في الشعر:
بداية تحتم علي الموضوعية قبل التطرق إلى الموضوع أعلاه، الالتزام بجملة من الأمور هي:

أولاً: إن ما سأقدمه حول الأدب العربي الفلسطيني في إسرائيل، سيكون بعيداً عن الاستعراض المألوف في مثل هذه المقاربات، وذلك لسببين:
1. ثقتي في أن القارئ يعرف جيداً المسيرة الأدبية وتأرختها فلسطينياً ومحلياً، وأسماء أعلامها.
2. دفعاً للملل الناتج عن ذكر الإحصائيات والأسماء والتآليف والتصانيف والاقتباسات المكررة.

تأسيساً لما ذكر ، فإن هذه المقاربة السريعة ستحصر نفسها في طرح بعض القضايا الأساسية والمسائل الملحة الساخنة التي تدور على الساحة الأدبية، ومن ثم ستطمح وهي تسعى إلى ذلك إلى تقديم انطباعات خاصّة وتصوّرات للمستقبل.

أما الأمر الثاني: فهو إن هذه المقاربة ستتركز في الأدب العربي الفلسطيني ضمن حدود (1948)، أي ما اصطلح على تسميته بالأدب المحلي.

والأمر الثالث: الذي أرى إلى ضرورة تحديده هنا، هو أن هذه المقاربة وفي قسمها الأول ستسيج نفسها ضمن مساءلتين أساسيتين، الواحدة منهما تنبع من خاصرة الأولى، وذلك كي لا ينفلت الحديث ويتشظى مروحياً ليطال جوانب أخرى، هي ليست في صلب الموضوع أساساً. أما المساءلتان فهما:

ما هي الفلسفة أو الدوافع التي كمنت وراء شعرنا العربي الفلسطيني في حدود (1948)؟ من جهة، ومن أخرى، أين يقف هذا الشعر اليوم من مجمل الحركة الشعرية العربية؟ وبالتالي من مشروع الحداثة؟ تستمد المساءلتان المذكورتان الشرعية من قلة الدراسات التي كتبت في هذا الخصوص. ولكن نحن نقف عند هاتين المساءلتين يترتب علينا أن نشير إلى أنّ شعرنا رغم ما فيه من خصوصية وفرادة فرضتهما عليه خصوصية وفرادة الظروف والمرحلة، هو في الأساس رافد من روافد النهر الأدبي العربي، سواء في مدّه أو في جزره، من هنا فهو يشترك رغم تميزه في الكثير من السمات العامة والملامح مع الشعر العربي عامة.

وبعد
ما هي إذن الفلسفة الكامنة وراء شعرنا العربي الفلسطيني؟ وإلى أي مدى استطاع شعرنا تحقيق متطلبات وجودنا فنياً، والتعبير عن قضايانا بشكل فني؟ ولكن ونحن في غمرة البحث عن إجابة، يجب أن نسأل وهل للشعر بشكل عام فلسفة؟ وإن وجدت فما هي الفلسفة التي تكمن وراء حركة الشعر العربي الحديث عامة؟
الإجابة عن مثل هذا السؤال تكمن في المقولة التالية: " لا شك أن كل عمل فني يفترض فلسفة مسبقة وخطة فكرية ( واعية أو لاواعية)، تؤدي إلى إنجاز هذا العمل وتحقيقه إبداعياً وفكرياً. ولو افترضنا جدلاً انبثاق بعض الأعمال الفنية عن عفوية وتجارب خاصة، ولو افترضنا جدلاً مرة أخرى وجود (اللامعقول في الوجود)، فإن العمل الفني – أي عمل فني، يعكس ظروفاً وأوضاعاً اجتماعية وسيكولوجية خاصة على اعتبار أن الوعي الإنساني هو المقياس المطلق في الوجود. وأن موقف اللاموقف ( وهو موقف اللامبالاة تجاه العالم الخارجي) يفترض وعياً مسبقاً بلا جدوى الوجود وعبثيته، فهو موقف متفكر واع في انسياقه وراء اللاوعي وتسكعه في دروب العدم والمطلق والفراغ".

إذا سلمنا بهذه المقولة، ( وهي عندي صحيحة)، علينا أن نعود إلى الوراء لنرى إلى المستجدات التي طرأت على شعرنا العربي عامة والفلسطيني خاصة، لنقف على الفلسفة الكامنة وراء هذه المسيرة الشائكة والشائقة في آن معاً خلال أكثر من خمسة عقود من الزمن، مع الملاحظة أن الشعر الفلسطيني لم يكن نبتاً شيطانيًا منبتًا عن مسيرة الشعر العربي رغم خصوصيته.

على الصعيد العربي، تميزت المرحلة بما يلي:

1. تململ فكري كان نتيجة لما بذره الروّاد في المرحلة التي سبقت.

2. مدّ قومي عربي دعا إلى العودة إلى التراث والتشبث به كأمة لها رصيدها الحضاري والتاريخي.

3. تململ اجتماعي أدى إلى تغير الكثير من المفاهيم الاجتماعية.

4. تبع ذلك تململ أدبي واضح فقد واكبت حركة الشعر العربي الحديث تاريخيًا ثورة شاملة في الذي ذكر – كان الشعر إيقاعاً لها وتفجيراًً لرموزها الحضارية والإنسانية وتجليًا لحركة هذه الثورة وتناقضاتها واندفاعاً للتحقق والاستمرار.

وكان نتيجة لما تقدم وعنصراً أولياً له، ثورة الشعر الحديث على الصعيد الشكلي حيث حطم الشعر القواعد التقليدية والقوالب الجاهزة للقصيدة العربية واستعاض عن البيت بالتفعيلة كوحدة أساسية في بناء القصيدة، وعن القافية الواحدة بعدد من القوافي. الأمر الذي جعل القصيدة تتحرر من روتينية النغم وتنطلق مع التموجات الإيقاعية الهارمونية والتوزيع الموسيقي. ولم تقتصر الثورة على الشكل بل امتدت إلى المضمون فتغيرت موضوعات الشعر القديمة وتحولت إلى أفكار عصرية إنسانية واقعية تحولت من شعر يتسكع على السطح ويعاني الوجود من خارج إلى محايئة هذا الوجود والتزام بالواقع، فصار الشعر ديمقراطيًا يشخص الهموم والأوجاع البشرية العامة، ويتناقل مشاكل القرن وأمراضه الحضارية ومشكلات الإنسان العربي عامة وواقعه المتحول وإمكانياته في البعث والنضال لتحقيق واقع مستقبلي منشود.

إلا أن هذه الثورة لم تلتزم اتجاهاً فكرياً واحداً على صعيد المضمون مع أنها التزمت اتجاهًا واحدًا على صعيد الشكل. ومحصلة التجارب العديدة تشير إلى عدد من الاتجاهات في هذا المضمار، أولها:

الاتجاه الماركسي أو الرومانسية الجديدة، أو الواقعية الاشتراكية، ولا تهمنا التسمية هنا . وقد تميز هذا الاتجاه بالتزامه التام والصريح بالواقع وبقضايا الشعب، واعتبر أن الوضع التعبيري هو الضرورة القصوى في المعركة الكبرى مع الأوهام والقدرية والأفكار البرجوازية والوجودية. وقد أطلق "العقاد" على شعراء هذا الاتجاه اسم ( الشعراء القرمزيون).

يمثل هذا الاتجاه: " بدر شاكر السياب " و " عبد الوهاب البيامي" وغيرهما.

أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الميتافيزكي أو الوجودي، أو الفني أو اللامعقول، أو الفن للفن أو الاتجاه الرمزي . وأيضًا التسمية هنا لا تهمنا. هذا الاتجاه تبنته مجلة "شعر" اللبنانية أو الشعراء "التموزيون" في بعضهم وقد ألح على ضرورة معانقة الشعر للوجود وانفتاح التجربة الشعرية على معضلات العصر ولا معقوليته وعلى المطلق الذي لا يمكن تحقيقه إلا بالاتجاه المباشر نحوه والحنين الأبدي إليه. وقد تفرّع عن هذا الاتجاه شعراء الفن للفن، الذين آمنوا بأن العالم غابة من الرموز والكلمات، لذلك قدسوا عبقرية الكلمة الشعرية والجمال الشعري، ولذلك أيضًا جعلوا الجمال المطلق والاستطيقا أنطولوجيا جديدة حلت محل اللاتناسق في العالم وتؤدي إلى مواجهة الجذور الإلهية في أعماق الذات يمثل هذا الاتجاه "توفيق الصايغ"، و "يوسف الخال"، و "سعيد عقل"، و "أدونيس" ، وغيرهم.

والاتجاه الثالث والأخير، هو الاتجاه القومي العربي أو الثوري وهو اتجاه يتميز بالاندفاع الحماسي الثائر المتجه نحو الجماهير والذي يتغنى بالقضية العربية وأمجادها القديمة وانتصاراتها الجديدة. وقد تفرعت عنه مدرسة الشعر الحضاري التي تحررت من الغموض والسطحية وحاولت أن تكتب ملحمة حضارية للقضية العربية ذات رؤيا عصرية جديدة من خلال عبثية الحصار الذاتي ولا معقولية الوجود ككل دون الوقوع في التشاؤم والعبثية.
وقد صور شعراء هذا الاتجاه المأساة العربية ككل وعكسوا في أشعارهم الواقع وصوروه تصويرًا صادقًا على أنه صراع "سيريفي" حاد بين متطلبات الواقع الحضاري ورؤياه المستقبلية، وبين الواقع ذاته كتناقض وديناميكية وصيرورة. يمثل هذا الاتجاه "سليمان العيسى"، و "يوسف الخطيب"، وغيرهما.

هذه هي الاتجاهات الثلاثة بفلسفاتها التي سيطرت على شعرنا العربي الحديث منذ انطلاقته عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين والسؤال الذي يرتفع الآن وماذا مع الشعر الفلسطيني الذي نحن بصدده ؟

على صعيد الشعر العربي الفلسطيني المحلي الذي نحن بصدده وبالرغم من اشتراكه في العديد مما ذكر، إلا أنه يظل له تميّزه وفرادته. لذلك تميزت المرحلة فلسطينيًا في حدود (1948)، بما يلي:

1. حيرة سياسية خلفتها النكبة، تشريد \ حكم عسكري \ مصادرة الأرض \ إنكسار اللجوء \ ذل العوز\ الخوف \ الترقب.

2. تغير في البنية الاجتماعية بسبب هذه المستجدات، من مجتمع فلاحين إلى أكثرية عاملة في السوق اليهودية.

3. محاولات متكررة لطمس ولتغييب الشخصية العربية والتراث العربي والهوية القومية.

4. تحوّل بالنسبة للموقف من المرأة. فقد فرض الوضع الجديد خروج المرأة إلى العمل وإلى التعلم لكسب لقمة العيش.

5. لقد تبع ذلك حيرة في الأدب، فبسبب الظروف انقسم أدباؤنا إلى قسمين:
قسم آثر الصمت فكسر قلمه وتقوقع، وآخر آثر التحدي، صمت فترة ثم لملم جراحه وعاد للكتابة وخاصة إلى نظم الشعر. وهذا القسم الثاني انقسم أيضًا إلى قسمين: قسم دمج الخطاب السياسي التاريخي الأيدولوجي مع الخطاب الفني الإبداعي لضرورة المرحلة. وقسم فصل بينهما مؤثراً الابتعاد عن السياسة وإشكالاتها. الأول وجد المنبر أما الثاني فأصاب أدبهم شيء من التعتيم.

من هنا نجد أن معظم ما نشر عندنا من شعر كان يحمل النبرية والوعظية والنزعة التعليمية إلى جانب التوثيقية والتسجيلية، وذلك بسبب الذي ذكر آنفا.
هذه الوعظية استلزمت شعرًا واضحًا مباشرًا خطابيًا. وعندي أن أي ناقد أو دارس لا يستطيع أن ينكر اليوم ما مر به، شعرنا منذ النكبة والشعر بطبيعته يتأثر بالظروف ويعكس المرحلة. منذ النكبة التي حلت بنا عشنا حصارًا واستلابًا ثقافيين مذهلين، بحيث أدّى هذا الحصار إلى أن يتخذ الشاعر موقعًا وطنيًا فوق موقعه الشعري، بمعنى أنه أدّى إلى أن يكرّس الشعراء أدبهم في خدمة قضايا شعبنا وإن كان ذلك على حساب قضية الأدب وأدبيته، أي على حساب شعرية الشعر.

من هنا سيطر نوع معين من الشعر على معظم إنتاج شعرائنا، هو شعر المقاومة وشعر المقاومة هذا جمع الموقف والتعليم معًا . والشعر في هذه الحالة التي بيناها يتدفق ليثور وليثوّر، ولأنه كذلك يصير خطابيًا مباشرًا صريحًا. صاحب مهمة وصفية قريبة من النثر. وشعر المقاومة المذكور انبثق من التأثّر بالتيارين العربيين الفكريين الأول والثالث المذكورين آنفًا.

الظروف إذن هي التي دفعت بمعظم شعرنا وشعرائنا إلى اتخاذ موقف لا مهرب منه ولا حيدة عنه. الظروف هي التي وجهت شعرنا وشعراءنا تلك الوجهة التي نتحدث عنها وأملت عليه فلسفة خاصّة فحتى هؤلاء الذين هربوا من المعركة وابتعدوا بشعرنا عنها بحجة الفنية. نبذ شعرهم وابتعد عنه القراء والناس لأنهم رأوا فيه تزييفًا للمرحلة.

والسؤال الآن ألا يجب على هذا الشعر وبعد قرابة نصف قرن من الزمان أن يبارح نثريته وخطابيته ووعظيته، وأن ينطلق نحو التجديد، ليقترب نحو الحداثة، وليواكب تطور الشعر العربي عامة؟

في رأيي أن الظروف التي أحاطت بشعرنا قد تغيرت، من هنا فعلى هذا الشعر أن يغير نفسه وأن يسعى نحو الشعر الجديد الحداثي. ومع تغير الظروف تغير مفهوم الشعر وتغيرت غايته. فقد كان المفهوم السابق للشعر الذي شاع واحتل مرحلة زمنية طويلة، والذي عبر عنه الشاعر "الزهاوي" بقوله:
"إذا الشعر لم يهززك عند سماعه فليس خليقًا أن يقال له الشعر" هذا المفهوم الذي شرحه "شوقي" بقوله:
"الشعر إن لم يكن ذكرى وعاطفة أو حكمة فهو تقطيع وأوزان".

بمعنى أن غاية الشعر هز الوجدان والعقل وطريقته إلى ذلك الوزن والقافية وما يتبعهما. هذه الغائية قد تغيرت عربيًا وعليها أن تتغير فلسطينيًا أيضًا. لأن هذه النظرة للشعر بطبيعة الحال تجعل مهمته تعليمية إخبارية أو وصفية كالنثر. ومع تنامي الوعي ومع دخول آليات الثقافة الغربية التي حولت هذا المفهوم وهذه الغائية إلى شيء آخر ومن خلال تأثرنا بها ومع زوال المسبب أرى لزامًا على شعرنا اليوم أن يتغير وأن يفارق سلفيته ليصبح فنًا غايته التعبير الجميل عن الذات في لحظة الكشف والرؤيا، يخاطب العقل ولا يخضع لقوانينه . غايته اختراق المألوف وتفتيق العادي إلى الإدهاش والشدهة. على هذا الشعر أن يسعى إلى ترسيخ الضبابية والسرية كميزتين أساسيتين تثيران حك الذهن والتشويق والتحدي والمغامرة وحب الاستطلاع والكشف شريطة ألا تقود هذه السرية إلى الغموض والتعمية. عليه أيضًا أن يسعى إلى كسر حدود اللغة وحواجزها وتحدي الأساليب المتوارثة، عليه أن يستشرف ويتداعى وأن يكون محملاً بالحلم مشتملاً على رؤيا. هذه الأمور مجتمعة تحدد الشعر بآليات وعناصر بدأ شعرنا العربي عامة ومنذ أواسط الستينات يدنو منها ويحاول الوصول إليها- بينما ظل شعرنا في معظمه يراوح مكانه. من هذه الآليات الترميز شريطة ألا يكون الرمز نبتًا شيطانيًا منبتًا عن القصيدة أو منغلقًا. بل عليه أن يكون نابعًا عن ضرورات فنية.

والترميز يستلزم أن تتحول اللغة في الخطاب الشعري من التصريح إلى التلميح، من الوضوح إلى الإيحائية، من الترهل إلى التكثيف . وهذا يقود إلى التضمين، ذلك التضمين الذي بواسطته تكتسب القصيدة جدتها وطرافتها. والتضمين بطبيعة الحال يستدعي تلاقي الأضداد الذي يعطي للقصيدة زخمها وتوتراتها، بحيث نرتفع معها فوق مساق الكلام العادي. وهذه الأمور تقود بالتالي إلى صور تركيبية رامزة ليست بالمسطحة، وإلى لغة نابضة حية، ومفردات وألفاظ منزاحة تؤدي إلى ما وراء المعاني. وهذا معناه أن تكون الألفاظ بعيدة عن المباشرة بحيث تتجنب التقريرية من جهة، وأن تخلو لغة القصيدة من الثرثرة والكلام الفائض واللغو من أخرى.
على شعرنا اليوم أن يسعى إلى مظاهر ذات ديمومة وصيرورة كي يستطيع تحطيم العرض الإيضاحي الأيديولوجي المباشر ليصير تعبيرًا عن التجربة الإنسانية، كاسرًا الرؤية الأفقية ليغوص في الأعماق معلنًا فردية القصيدة وفرادتها وتميزها. هذا بالإضافة إلى توظيف التراث بشكل ذكي تلميحي بحيث يولد هذا التراث تداعيات تضفي على القصيدة جوًا ورونقًا. كذلك توظيف لغة خلاقة مؤثثة بمفردات تقول ما لم نتعوده منها.

ويضاف إلى ذلك آلية التناص الذي يغني الخطاب الشعري ويؤكد على بعد رؤية وعمق طروحاته، وتوظيف كل ذلك يستدعي أيضًا الأسطورة شريطة أن تتفاعل الأسطورة مع ما تقوله القصيدة، لا أن تتحول إلى عبء عليها.

ارتكازا على ما ذكر ينهض سؤال مفاده: أين شعرنا من كل ما ذكر؟ وهو سؤال مهم، لا بل الأهم في هذه المقاربة.

الإجابة عن هذا السؤال تستلزم الصراحة من جهة، والحذر من أخرى الصراحة لأننا نبغي من هذا الحديث توضيح مسألة مهمة تلح على واقع شعرنا ومستقبله، والحذر لأننا ونحن نتحدث عن حداثية شعرنا لا ننفي وجودها، بل نؤشر على قلتها.

إن الاستقراء العميق والنظرة الفاحصة لمجمل شعرنا يشيران بأن هذا الشعر في معظمه ما زال يدور في خانة السلفية، والقليل منه استطاع مع الزمن أن يرتفع إلى المستوى المطلوب الذي يتلاءم مع ما ذكرناه سابقًا. والحقيقة تستوجب القول إنه رغم كل ذلك استطاع عدد من شعرائنا أن يفلتوا من إسار النبرة التعليمية والمهمة الوصفية لينطلقوا إلى الجديد. وهذا جهد يسجل لصالح هؤلاء الشعراء الذين على قلتهم استطاعوا بمهارة وبذكاء رغم ضرورة المرحلة التي بيناها سابقًا أن يطوروا قصيدتهم وأدواتهم وحتى القصيدة المقاومة منها. وأن يكسروا حواجزها وحدودها وأن يقدموها بشكل جديد ارتفع عن المباشرة والتصريح والإخبارية والتسطيح، آفة هذا النوع من الشعر. لكن هؤلاء قلة كما ذكرت والحركات الشعرية لا تقاس بالأفذاذ أو بالقلة. من هنا أرى إلى أنه رغم التطور الذي حصل فإن عددًا كبيرًا من شعرائنا ولغاية اليوم لم ينجحوا في كسر النبرة التعليمية الوصفية في قصائدهم لينطلقوا إلى الشعر الجديد \ شعر هذه المرحلة. من هنا يستمدّ هذا الكلام شرعيته، ومن هنا أيضًا نعود إلى ما قلناه: إن معظم شعرنا ما زال يدور في خانة السلفية. ومن هنا ثالثًا نقول: على هذا الشعر اليوم وكي يكون صادقًا وأمينًا للمرحلة الجديدة أن يحاول الإفلات من إسار الماضي وقيوده والاتجاه نحو الجديد \ نحو الحداثة ليلائم روح العصر. على هذا الشعر اليوم أن ينطلق ليعانق الحداثة، ومعانقة الحداثة لا تعني بالضرورة أن يطلق الشاعر تراثه الشعري ولا أساليبه القديمة المتوارثة، ولكنها تعني أن يستفيد منها من ناحية، وأن يخترقهما من أخرى. وهذا لا يمنع فرادته ولا فرديته إذ أنهما لا توجدان إلا ضمن هذين العبئين. وفي قدرة الشاعر- وهذا امتحانه - ، أن يتناول اللغة والطريقة المتوارثة وأن يرغمهما على التفاعل كمعنى مع المعنى الفردي والفريد الذي جاءت به تجربته.

في تصوري أن على الشاعر اليوم ونظرًا لتطور المرحلة أن يطور مجاله الأنطولوجي لتتسع مضامينه ولتتلون أفكاره ليصبح شموليًا رحبًا، عليه أن يكف عن الدوران على محور ثيمي واحد لينطلق إلى رؤية شاملة للكون. عليه أن ينتشل شعره من التسكع على السطح ومعاناة الوجود من خارج، وأن يحوله إلى محايئة هذا الوجود.

عليه أن يعرف أن الشاعر الحق يرى الكون في حركته وفي حيويته، ويرى فيه ما تحجبه عنه الألفة والعادة. فالشاعر الشاعر هو الذي يكشف العالم المخبوء كما ويكشف علائق خفية ويستعمل لغة ومجموعة من التداعيات الملائمة للتعبير عن ذلك. بالإضافة إلى الآليات التي ذكرت سابقًا.

وبالتالي، هكذا فقط نستطيع انتشال قصيدتنا الفلسطينية المحلية من الرتابة والمباشرة ومن الخطابية والإخبارية والوصفية والنثرية التعليمية.

هذا هو ما أراه وهو قابل للتحقق، وقد بدأنا نرى بعض الثمار في شعر الشباب.


ب- في القصة القصيرة والرواية:
ب. 1. القصة القصيرة:
بداية أقول: إن قصتنا القصيرة قطعت شوطًا لا بأس به من التطور خلال مسيرتها بعد النكبة، وكادت بذلك أن تنافس أكثر الفنون التصاقًا بحياتنا، وأعني الشعر. وإن كنا هنا نحاول الحديث عنها والتأشير على بعض النواقص، فهذا لا يعني أننا ندينها، بل يعني أننا نريد لها المزيد من التقدم لتصل إلى حداثية المرحلة، هذا من جهة، أما من أخرى، فإن التأشير على النواقص لا يلغي الإيجابيات والإنجازات الفنية، بل يحاول إغناءها وإثراءها لتستقيم القصة مع كل ما نطمح إليه أدبًا كان أم قضايا فنية أخرى.
يقول "تشيخوف": " القصة القصيرة كذبة متفق عليها ضمنيًا بين القاص والمتلقي" ، ولكن رغم ذلك فإن القصة بقدر ما هي كذبة ، هي أيضًا تجسيد للحقيقة، وذلك لأنها فن. والفن أسمى أنواع الحقائق، فهو لا يطيق الكذب. " تستطيع أن تكذب في الحب وفي السياسة وفي الأدب وأن تخدع الناس كلما أردت ذلك، فهذه أمور معروفة – إلا أنك لا تستطيع أن تلجأ إلى الخداع في الفن". هكذا يقول "تشخوف" ويصادق على قوله هذا "كيبلينج" بقوله: " الحقيقة شقيقتها الكبرى الحكاية" . وطالما أن الفن مرتبط بالحقيقة، طالما أنه يضاهيها في السمو، فمن الطبيعي أن يكون الفن محاكيًا للواقع مستمدًا من الحياة عاكسًا قضايا المجتمع. وطالما أن القصة القصيرة جزء من هذا الفن، يصبح القول النقدي المعروف الذي يقول: " إن صورة البنى والأشكال الأدبية متشارطة ومترابطة مع صورة البنى والأشكال الاجتماعية" . أمرًا بديهيًا. ولكن هذا التشارط وهذا الارتباط ليسا مباشرين آليين بالضرورة بحكم تمايز واستقلال كل من الصيرورتين عن الأخرى كما يرى الدارسون.

انطلاقًا من هذه البدهية يمكن لنا أن نعاين وأن نرصد التحولات والتفاعلات الاجتماعية والأيديولوجية من خلال رصدنا للتحولات والتفاعلات الشكلية والبنيوية والمضمونية، التي عاشتها قصتنا القصيرة منذ انطلاقتها إلى الآن. ومن هنا يرى عدد لا بأس به من الدارسين والنقاد أن " ظاهرة القصة القصيرة تعتبر دليلاً قويًا على التحول الذي أصاب المجرى السوسيو ثقافي للمجتمع". وهذا الكلام يعني أن تطور القصة القصيرة مترابط ومتفاعل مع الأحداث والمستجدات، منذ الأربعينات. وإذا نحن أردنا أن نرى إلى ما طرأ على القصة من تحولات، علينا أن نرى إلى ما طرأ على الساحة السوسيو ثقافية السياسية من تحولات أيضًا، وإلى ما أصاب ساحة الفعل عندنا، هذا الفعل الذي يتلخص بالتشبث بالوطن وفي البحث عن الهوية الاجتماعية الوطنية، وفيما بعد عن الهوية الاجتماعية الثقافية . وإذا أردنا التحديد نقسم مسيرة القصة عندنا إلى مرحلتين: الأولى منذ النكبة حتى أواسط الستينات، والثانية من أواسط الستينات إلى بداية الألفين.
هذا التقسيم يساعد على متابعة المستجدات والمؤثرات ولا يتغيا إلى التحقيب. ولن ندخل هنا في رسم المميزات للمرحلتين سياسيًا واجتماعيا وثقافيًا وذلك لأمرين: لأن معظمنا عاش المرحلة أو قرأ عنها أو سمع بها، وثانيًا لضيق المجال. ولكننا رغم هذا وذاك نجد أنفسنا مضطرين إلى رصد مضامين القصص في المرحلتين لنرى إلى ما كانت تمور به الساحة من جهة وإلى ما استطاعت القصة محايئته واستيعابه من أخرى.

تمحورت قصص المرحلة الأولى حول المضامين التالية:
- الولاء للأرض والارتباط بها.
- النضال ضد الاضطهاد القومي، وضد كل أشكال القمع والإرهاب ومصادرة الأرض.
- إظهار الظلم الواقع على الطبقات المستغلة.
- فضح مؤامرات السلطة.
- الصراع النفسي \ السياسي، كقضية التسلل واختلاف المنطقين العربي والإسرائيلي.
- التغني بالبطولات العربية والعالمية والانحياز إلى حركات التحرر.
- التأكيد على الهوية الفلسطينية، وعلى الانتماء العربي.
- التغني بالأمجاد الفلسطينية والعربية كاستلهام لماض ناصع.
- الكبت العاطفي والحرمان من كل أشكال الحياة.
وما ميز مضامين المرحلة الثانية، مع أن ما ورد في الأولى متواجد في الثنايا، ما يلي:
- التركيز على لقاء طرفي الشعب الفلسطيني.
- المقاومة بكل أبعادها وتفريعاتها وأشكالها وبطولاتها.
- البطالة، أسبابها ونتائجها.
- هموم المثقف على تنويعاتها.
- الانفتاح على معاناة الشعب الفلسطيني في المنافي.
- تصوير المجتمع الإسرائيلي بكل صراعاته.
- مهاجمة الأنظمة العربية الرجعية.
- تعرية سلبيات المجتمع الفلسطيني.
- رصد الأحداث العالمية.
- شخصية اليهودي التقدمية.
- قضايا المرأة بكل ملابساتها وتشظيّاتها وأبعادها.
- الانتفاضة أثرها وأبعادها.

لكن ونحن نسجل ما حوته القصص من مضامين يجب ألا تغيب عن بالنا بعض الشروخ التي تخللت قصتنا في مسيرتها، ومنها:
- النبرة التعليمية الوعظية الإخبارية.
- المباشرة والخطابية إلى حد الكليشية الجاهز والشعارات وهذان أمران فرضتهما الظروف.
- عدم الموازنة بين الخطابين: التخييلي \ الإبداعي\ القصصي\ وبين الواقعي\ الإيديولوجي\ التاريخي. بحيث يشعر القارئ أن صوت التاريخ كان جهريًا دائمًا في الثنايا. وكم كان صادقًا الناقد المعروف عبد الكبير الخطيبي حين قال: " التاريخ هو الوحش المفترس للكاتب".
- بهتان وتقليص المجال الأنطولوجي للكاتب. من هنا طغت ظاهرة التكرار على العديد من القصص، فدارت بحكم عكسها للحساسية النفسية والفكرية على محور تيمي واحد والأمران أديّا إلى أن يكون القاص حاضرًا كراوية ومحور في النص يفرض ديكتاتوريته، بحيث تحول النص القصصي إلى مرآة لا يرى الكاتب فيها سوى نفسه. الأمر الذي أدى إلى أن ينبش في سرية ذاته أكثر من نبشه في سرية مجتمعه وواقعه وتاريخه. وهذا قاده إلى تصوير الواقع بما هو عليه فقط دون الالتفات إلى ما في الواقع من أنواع مغيبة مضمرة.
ما ذكرناه سابقًا جعل قصتنا في معظمها تميل إلى النظرة الأفقية الولوع بالتفاصيل الكثيرة، وإلى الترهل السردي واللغة الإخبارية الجامدة كما أدى إلى بناء مدماكي تقليدي وإلى شخصية موباسانية متماسكة وإلى التركيز على البراني أي على الموضوع.
وبالتالي ماذا مع الشكل؟ فقد انحصر كلامنا عن قصتنا لغاية الآن في المضامين.
في الحقيقة: إن قصتنا في قضية شكلها تنسجم مع القصة العربية عامة. ولكنها بدأت تقصر في متابعة التطور المتنامي في السنوات العشر الأخيرة.
وإذا تطرقنا إلى قضية الشكل نجد عدداً لا بأس به من الدارسين يرون إلى أن القصة العربية - وينسحب كلامهم على قصتنا -، راوحت بين ثلاثة مناهج هي:
1. منهج العين الرائية الفوتوغرافية، وهي أقرب إلى الكتابة والسينمائية.
2. منهج العين الباطنية \ فاعلية الذاكرة \ المونولوج \ أو ما يسمى بتيار الوعي. بحيث تصبح الكتابة قريبة من الكتابة الشعرية.
3. منهج ثنائي تقريبي يجمع ويوائم بين الفاعليتين: العين والذاكرة بحيث تصبح الكتابة القصصية "كولاجا" أو إنتاجا من اللغات والأصوات . إن قراءة متأنية لمعظم ما كتب عندنا من قصص قصيرة تشي بأن الأغلب يقع ضمن الخانة الأولى، وأن تجاوزتها بعض القصص إلى الثانية، وأقل من القليل نحو الثالثة.

وبالتالي إن ما قلناه رغم قصره ورغم حاجته إلى البرهنة العينّية النصية، التي تمنعنا المساحة المكانية المخصصة عن الولوج فيها، يلخص وضع قصتنا من الأربعينات وحتى بداية الألفين.

والسؤال الذي يرتفع الآن ما هو مصير هذه القصة؟ هل ستظل تراوح مكانها؟ بمعنى ما مستقبلها؟ وكيف نريد لها أن تكون؟ علمًا بأن المجتمع قد تغير والظروف قد تغيرت. يستمد هذا السؤال شرعيته من الفرضية الأساس التي طرحناها سابقًا والتي تقول: "إن صورة البنى والأشكال الأدبية متشارطة ومترابطة مع صورة البنى والأشكال الاجتماعية".

يقول المفكر الكاتب "محمد برادة" . " القصة متعة ولذة، واللذة تحرير للجسد والمخيلة وبحث عن اللامرئي الذي يمفصل الذات من ثم تكون القصة القصيرة قادرة على تجديد نفسها عبر تجديدها للنسوغ والخلايا. إنها فاتنة وخلابة، قاسية وصارمة تستطيع أن تجعلنا نجد عالمًا لا يحتمل أكثر من ذي قبل".
ويضيف: " القصة بما تشمل عليه من محكي ووصف وسرد وخيالات وتأملات تكون مندرجة وملتحمة بلحظات واسعة من الجدلية الاجتماعية فتنقل إلينا معرفة ما وتشرع أمامنا كوى" ننفلت عبرها لنبتعد عن المعرفة المألوفة والعلاقة الرتيبة بالأشياء والظواهر والأناسي. ومن خلال القراءة التأويلية التي توفرها القصة لنا - القراءة العبر نصية – سنلتقي في القصة بالمجتمع الذي هو حاضر عبر الكلمات والرموز والإشارات والأشكال. إن الالتقاء بالمجتمع يعني مواجهة القصاص لأسئلة محرقة لا تحتمل الإرجاء، لأنها أسئلة تنبئ عن المأزق العام للمجتمع، وتضع موضع التساؤل مجموعة القيم والمثل والمبادئ والمراهنات التي كانت تخلق دينامية ما وترسم أفقًا نتطلع إليه. إن القاص يجد نفسه وجهًا لوجه مع ركام من الأشياء، ركام من الظواهر المرضية والسلوكية والاجتماعية ركام من الأحداث والأخبار والنوادر والكلمات.
وكل هذه المواد المتفجرة عن صلبنا وأحشائنا تشكل جسدًا هلاميًا لا يمكن أن نحكيه بنفس الوتائر والنبرات واللغات السابقة. وهذا هو مأزق القصاص: كيف يمكن له أن يخطو ويحدد موقعًا لأقدامه فوق أرض ساخنة مليئة بالندوب والبثور، مليئة بيقينيات تنهار وأخرى تتبرعم وتتأسس" .
وطالما أن القصة التقاء بالمجتمع هي تستند إذن إلى تصورات لمكونات الأدب ووظائفه وعلائقه بالمجتمع وببقية الخطابات.
من هنا يتحتم على القاص الذي يريد أن يتطور أن يراقب المجتمع وأن يرى إلى ما طرأ عليه من تطورات ومستجدات كي يطور معها قصته. والمتتبع لمجرى المجتمع يرى أن ثمة تطورًا حدث استبدل قيمًا بقيم ورؤية برؤية وبنية اجتماعية بينية أخرى وقد واكب هذا التطور ضغط شديد على الحريات الفردية وعنت لا يقل شدة في أمور العيش .

الأمر الذي أدى على خلق حالة من القلق والحصار، من الإحباط والتشويش مما أدى إلى تقديم حقائق وتفاسير متضاربة لواقع واحد كان في فترة الخمسينات إلى السبعينات يفرز حقائق متجانسة وتفاسير مألوفة متكاملة لا متلاغية. بمعنى آخر لقد وجدت هذه التبدلات إشكالية حادة في رؤية الفرد لنفسه ولبيئته وإشكالية موازية في اللغة التي باتت تقدم الكثير. من هنا وإزاء الواقع البشري الجديد بات النمط التشيخوفي في القصة الذي شاع في الخمسينات وبعدها لا ينفع، وبسبب المذكور آنفًا باتت الواقعية التقليدية قاصرة كفاعلية فنية. إذ أن جملتها الوثوقية الواضحة التي تنقل واقعًا وثوقيًا واضحًا أصبحت تتعثر الآن، وأن بنيتها المحاكية والمترابطة تسلسليًا تتناسب عكسًا مع الخلخلة الشديدة التي أصابت بنية المجتمع مع طابع الشدّة والتقطّع والتفكك الذي تتسم به الحياة اليوم.
من هنا فالواقع الجديد قد قلص إلى حد كبير إمكانية التعبير القصصي بأي نمط من الأنماط السابقة وتعيّن على التعبير اللفظي أن يجد تقنية جديدة تنقل المستجدات البالغة الخطورة في حياة الأفراد والمجتمع والتي بدأت تتضح في هذه الفترة. من هنا أيضّا فإن البنية المدماكية للقصة التقليدية لم تعد قادرة على استيعاب الواقع الجديد وذلك لأن المعطيات الجديدة كانت غزيرة وكثيفة وثانيًا لأن طبيعة التجربة الحياتية المستجدة كانت بتخلخلها مناقضة تمامًا للبنية المدماكية للقصة، من هنا ثالثًا يتحتم على قصتنا الجديدة التي نكتبها اليوم أن تفتش عن بنى جديدة ملائمة لما ذكر .
وإذا نحن رصدنا قصتنا الفلسطينية اليوم، نجد أنها ما زالت تدور في نفس أقفاصها منذ الخمسينات. وذلك عندي لأمرين: الأول يعود إلى قلة قراءة الكتاب وإطلاعهم على القصة الجديدة في العالمين الغربي والعربي. والثاني إلى عدم معرفتهم بتطور مجتمعهم. وحين نقول هذا لا نعني بطبيعة الحال الجميع وإنما الأغلب. لذلك فإن قصص اليوم ما زالت تعاني من نفس الشروخ التي ذكرناها سابقًا. وكل ما نرجوه من القصة اليوم عندنا أن تفارق اجترارها لقصة الماضي، وأن تلائم نفسها للمستجدات وأن تنهض كي تصبح ذات معنى جديد يعكس المرحلة مضمونًا وشكلاً.
وبالتالي إن ما نطمح إليه قصة تخلخل القصة الموباسانية التقليدية ذات الوحدات الأرسطية. ما نطمح إليه اليوم قصة انفجارية أو مفصلية أو مركبة. ما نطمح إليه قصة ذات نظرة عمودية ولوع بالتفاصيل الصغيرة لا قصة أفقية ذات تفاصيل كبيرة. قصة ذات تداخل أزمنة وذات لغة إيحائية مكثفة بعيدة عن اللغة الإخبارية ذات الوعظية والتعليمية الجامدة. قصة متحررة من الترهل السردي. نطمح إلى قصة تتحول من البراني إلى الجواني، أي من الموضوع إلى الذات . هذا ما نرجوه من قصتنا القصيرة اليوم. وهو على صعوبته ممكن الحصول.

ب.2. الرواية:
ماذا مع الجانر الروائي الفلسطيني في حدود (1948)؟
بداية أقول وبكل المسؤولية والموضوعية: إن فن كتابة الرواية عندنا ما زال في عهد التجريب. والوصول إلى مثل هذه الحقيقة لا يكلف الواحد منا الكثير من الاجتهاد والجهد أو من الذكاء وكد الذهن. إذ مراجعة بسيطة لمعظم ما نشر عندنا من روايات تكفي.

حقيقة كهذه تقود بطبيعة الحال إلى سؤال ملح. لماذا ؟ أي ما هي الأسباب التي أدت إلى تخلف هذا الجانر بالذات وراء الإبداعات الأخرى أي وراء الأجناس الأدبية الفلسطينية الأخرى؟ هل نحن عاجزون عن الكتابة الروائية؟ بمعنى هل نحن لا نملك القدرة الإبداعية على ذلك؟ أم أن الأمر يتعلق بعدم إتقاننا لأسس وقواعد هذه الكتابة؟ هل واقعنا الاجتماعي \ السياسي يفتقر لمقومات معينة هي أساسيات الكتابة الروائية؟ أم أن هناك أسبابًا أخرى تجعل هذا النوع من الكتابة صعبًا يحتاج إلى ترو وإلى وقت كاف لينضج؟

أسئلة كثيرة كما المذكورة سابقًا وغيرها من الممكن أن تطرح في إطار الحديث عن مثل هذه المسألة الشائكة.
في خضم الإجابة عن مجمل هذه الأسئلة أقول: نحن لسنا عاجزين عن الكتابة الروائية. والبرهان على ذلك هو تلك الروايات التي تظهر بين حين وآخر في أدبنا رغم تباعد الفترة الزمنية بينها. كما أنه من يملك حركة شعرية ناضجة وقصة قصيرة أصابت الكثير من النجاح لا يمكن له أن يكون عاجزًا عن مثل هذه الكتابة. هذا من جهة، أما من أخرى فإن الواقع الذي نعيشه لا يفتقر للأساسيات الروائية، بل على العكس – هو غني جدًا بها بحيث يستطيع أن يشكل نبعًا ثرا تمتح منه الرواية الكثير من المتنوع والمختلف من المواضيع الجذابة والهامة.
أما قضية عدم إتقاننا لأسس وقواعد الكتابة الروائية ففيها الكثير من التجني على مبدعينا. صحيح أن الكتابة الروائية تتطلب درجة عالية من الإلمام بأسباب الثقافة على تنوعها وتلونها وصحيح أيضًا أن مثل هذه الكتابة تتطلب معرفة دقيقة بشؤون المجتمع وخفاياه ولكن مبدعينا لا ينقصهم مثل هذا الإلمام ولا مثل هذه الثقافة. إذًا كل الأسباب التي زعمناها لاغية أساسًا. وطالما أنها كذلك علينا أن نفتش عن أسباب أخرى تشكل فعلاً العائق أمام مبدعينا، العائق الذي يقف سدًا يمنعهم من ولوج هذا الحقل الإبداعي الذي يسيطر اليوم، واليوم بالذات على حقول الإبداعات الأخرى في العالم. وهذا الأمر يقودنا مرة أخرى إلى المساءلة الأساس ذاتها: لماذا؟ ما هي الأسباب؟

في رأيي إن الأسباب الرئيسية التي تقف عائقًا أمام تطور هذا الجانر تنقسم إلى فئتين: عامة، وأعني بها تلك الأسباب الخارجة عن إرادة المبدع. وخاصة نابعة عن المبدع نفسه. من الأسباب العامة سببان هامان هما: طبيعة الظروف التي نعيشها أولاً، وقلة المرجعية لهذا الجانر فلسطينيًا ومحليًا ثانيًا. أما السبب الرئيس الخاص فيعود إلى عدم قدرة المبدعين لدينا لغاية الآن على الموازنة بين الخطابين: الخطاب التاريخي \ الأيديولوجي \ الواقعي والخطاب الإبداعي \ الروائي \ التخييلي. ورغم خصوصية هذا الأخير إلا أن له علاقة بالظروف. ولنبدأ بالأسباب العامة:
- إنصافًا لمبدعينا أقول: إن فن كتابة الرواية ليس بالأمر السهل، فعلى الكاتب الذي يريد ولوج هذا الحقل أن يرصد الأحداث ويعاينها بصبر وأناة ليختزنها في داخله لتتم له عملية هضمها ولتخرج بالتالي في قالب روائي فني يعيد فيه الكاتب خلق ما كان على الشكل الذي يريد له أن يكون. وكي يتم له ذلك عليه أن يعرف أيضًا كيف يخترق الواقع المعيش، وكيف يعبر عنه بصدق وبأمانة تعبيرًا فنيًا، كما عليه أن يعرف كيف يرتفع بعمله من العادي المألوف إلى الإدهاش، وإلى استنطاق الظاهرة وكشف ما وراءها. وهذا كله صعب، خاصة ونحن نعيش في مجتمع متقلب سريع الأحداث، بحيث لا يترك للمبدع فرصة للتأمل والمعاينة وتحليل الظواهر. إن نظرة متأنيّة إلى واقعنا الذي نعيشه تشي بسرعة الخطى وكبر حجم النقلات فيه. فالتحول كان سريعًا وكبيرًا كمًا ونوعًا. فنحن خلال نصف قرن تحولنا من مجتمع قروي فلاحي بمفاهيمه وعقليته وتقاليده إلى مجتمع تكنولوجي. هذا الانتقال السريع غير المدروس أثار الدهشة في مبدعينا وأخرس تحليلاتهم وشل هضمهم له مدة زمنية طويلة.
كما أن هذا الانتقال أدى إلى نقلة أخرى مرتبطة به، هي تلك النقلة الثقافية الكبيرة التي دفعت بمجتمعنا إلى الأمام، بحيث لم يعد أي شيء يرضي القارئ، بل صار القارئ اليوم يطالب المبدع بالمستوى الفني اللائق. وإذا أضفنا إلى ذلك الأحداث السياسية المتسارعة والساخنة على الساحتين المحلية والفلسطينية نفهم الأمر بشكل أعمق. فهذا التسارع وهذه السخونة يجعلان الكتابة الروائية صعبة. ولا يخفى على أحد أننا نعيش فعلاًً في مجتمع متقلب سريع في تحولاته على جميع الأصعدة، وهذا الوضع يؤدي بطبيعة الحال إلى تجاوب أنواع أدبية معينة غير الرواية كالشعر مثلاً، وذلك لأنه أسرع إلى التقاط مثل هذا التحولات وهضمها لذلك نحن لا ندهش اليوم حين نجد أن شعرنا متقدم على الجانر الروائي.
- أما السبب العام الثاني والذي يشكل هو الأخر عائقًا، فهو قضية قلة المرجعية الفنية لهذا الجانر محليًا وفلسطينيًا. فالموروث الروائي في أدبنا قليل جدًا بحيث لا يشكل هذا الموروث مرجعية يمتح منها المبدع وعليها يشيد. صحيح أن أدبنا الفلسطيني لم يعدم هذا الفن في السابق، بل كان له فيه بعض الإسهامات قبل عام (1948) . ولكنها إسهامات قليلة لا تشكل إبداعًا فنيًا حقيقيًا أو إضافة إبداعية على ما كان يكتب في العالم العربي في حينه. وصحيح أيضًاً أننا لم نعدم فن الرواية بعد عام (1948) محليًا، إذ أننا نجد بعض الالتماعات هنا وهناك منذ الخمسينات وحتى اليوم، ولكن حتى هذا لا يمكن اعتباره مرجعًا فنيًا أولاً لقلته، وثانيًا لعدم تواصله، وثالثًا لأن مستواه متفاوت يجنح إلى الهبوط، عدا بعض الإشراقات. أما على المستوى الفلسطيني العام، فبالرغم من أننا نجد روايات ناضجة، لكن لا يمكن لها هي الأخرى على قلتها من جهة، ولعدم وصولها إلينا من أخرى أن تشكل مرجعية، هذا بالإضافة إلى اختلاف مصادرها وظروفها واهتماماتها ومجالاتها الأنطولوجية.

مما تقدم نستطيع أن نخلص إلى نتيجة تقول، أن تسارع الأحداث السياسية وسرعة التحولات والتقلبات الاجتماعية والثقافية على اختلافها بالإضافة إلى قلة المرجعية والموروث الروائي، كلاهما أدى إلى وضع كالذي بيناه سابقًا وكلا الأمرين مرتبط بما هو عام أي بما هو خارج عن إرادة المبدع.
أما الأمر الثالث والخاص ـ وهو عندي الأهم ـ، والذي يرتبط بالمبدع نفسه، والذي له الأثر الكبير في ولوج هذا الحقل الإبداعي، فهو قضية فنية بحتة، وهي بالتالي لا تقتصر على مبدعينا لوحدهم بل تمتد لتطال معظم هذا الجانر فلسطينيًا، وهي عدم نجاح المبدع في الموازنة بين الخطابين الإبداعي / الروائي / التخييلي والتاريخي / الواقعي / الأيديولوجي . وهذه القضية على غاية من الأهمية. وكي نحدد ارتباط هذه القضية بواقعنا المعيش نقول: إن واقعنا ولكثرة ما فيه من أحداث متسارعة متصارعة في آن معًا، على اختلاف أنواعها، تدعو الروائي دائمًا ِإلى الكتابة عنها والمتح منها. والفن مهما يكن نوعه يكون صادقًا فقط وفنًا فقط حين يستطيع أن يعبر عن الواقع المعيش بطريقة فنية. وكي يعبر عن هذا الواقع بفنية عليه أن يخوض في هذه الأحداث السريعة ، الساخنة، وأن يوازن بينها وبين المتخيل. وهذا أمر في غاية الصعوبة يتطلب معرفة ودراية بأصول اللعبة الروائية. وفي مجتمع كمجتمعنا، وفي ظروف كظروفنا نجد أن الرواية دائمًا تخاتل طموح كتابة التاريخ الفني للمخاض السياسي / الاجتماعي، في فلسطين، إبان النكبة، قبلها، في خضمها، بعدها، ومحليًا أيضًا. وهذا أمر من الممكن أن يشكل منزلقًا للكتابة الروائية في ظروفها الاجتماعية المعيشة. فعلى الكاتب أي كاتب، أن يحذر التاريخ وأن يعرف كيف يقيم توازنًا بينه وبين الإبداع. من هنا يتحتم الحذر للذي يحاول ولوج حقل الرواية خوفًا من الوقوع في براثن هذا الواقع / الأيديولوجي / التاريخي، على حساب الروائي / المتخيل / الإبداعي، مما يجعل العمل الروائي عندها مجرد شعارات وبيانات وتقارير ووثائق بعيدة كل البعد عن الفنية.

وأخيرًا، هل نجح روائّيونا في إقامة مثل هذا التوازن؟ أي هل نستطيع أن نقول: إن مبدعينا في كتاباتهم الروائية نجحوا في خلق / إنتاج، واقع متخيل، يستمد أُصوله من آخر موضوعي / مرجعي؟ أم أن عملهم الروائي كان استنساخًا آليًا أو انعكاسا مرآويًا لهذا الواقع الموضوعي/ المرجعي؟
في الحقيقة، إن قراءة متأنية لمعظم إنتاجنا الروائي لغاية الآن تقول: إن روائيّينا على اختلاف مصادرهم وانتماءاتهم وطرائقهم وأساليبهم لم ينجحوا في خلق هذا الواقع المتخيل، بل إن صوت التاريخ / الأيديولوجيا / الواقع، كان غالبًا لدرجة الصراخ في أعمالهم الروائية،بحيث يشعر القارئ بارتباك هذه الأعمال الروائية، وبتقديم الفنية ضحية على مذبح هذا الواقع، وذلك لأن الكاتب ما زال يعاني من عدم السيطرة على أدواته الفنية الإبداعية. فاللعبة ذات أصول، وهي ليست سهلة كما بيّنت، بل تحتاج إلى دربة، وتمرين وقراءة وتجريب، تحتاج إلى وضع التجربة الروائية على نار هادئة كي تستطيع أن تنضج براحة وببطء، لا أن نستعجل الكتابة لأن الحقل الروائي عندنا لا يزال بكرًا.
وبالتالي، أخلص إلى القول بعد هذه الوقفة: تمور في فلسطين الواقعة ضمن حدود (1948) اليوم حركة أدبية نشطة شعرًا وقصة ورواية، وما ينقص هذه الحركة هو عملية التحديث، كي يرقى هذا الأدب إلى المستوى المطلوب واللائق، وكي يلائم المستجدات والمرحلة.
وللحقيقة أقول: مؤخرًا بدأنا نلمس إشارات وعلامات لهذا التحديث وآمل أن يتواصل خاصة في إبداع شبابنا.
هوامش
[1] أحيل القارئ إلى : محمود، غنايم. (1995). المدار الصعب." فصل البداية مرة أخرى"، ص 37 وما بعدها. حيفا: جامعة حيفا. وأيضًا راجع نبيه، القاسم. (2003). الحركة الشعرية الفلسطينية في بلادنا. كفر قرع: دار الهدى.

[1] إمطانيوس، ميخائيل (1968). دراسات في الشعر العربي الحديث. صيدا، بيروت: المكتبة العصرية. ص 9 – 10.

[1] المقدسي، أنيس (1967). الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث. بيروت: دار العالم للملايين.ط 4. ص 91.

[1] إمطانيوس: مصدر سابق، ص 11، وراجع أيضًا: غالي، شكري. (1968). شعرنا الحديث إلى أين. القاهرة: دار المعارف. الفصل 1، ص 7 وما بعدها.

[1] راجع إمطانيوس، مصدر سبق ذكره: حيث يسمى الاتجاه بالماركسي، بينما غالي شكري، مصدر سبق ذكره، يسميه بالرومانسية الجديدة، ومصطفى بدوي في كتابه: دراسات في الشعر والمسرح، القاهرة،1960، يسميه بالواقعية الاشتراكية. راجع كتاب فهد أبو خضرة (1980). قصائد مختارة. عكا: السروجي. حيث فيه قائمة مقارنة بالتسميات، ص 15-16.

[1] إمطانيوس ـــ مصدر سابق، ص 238 وما بعدها.

[1] إمطانيوس، مصدر سابق، ص 189، وما بعدها. وراجع أيضًا شكري، وبدوي وأبو خضرا مصادر سبق ذكرها.

[1] إمطانيوس ـــ مصدر سابق، ص 190 وما بعدها.

[1] ن.م ص 280 وما بعدها.

[1] حبيب، بولس. (1994). الرحلة الثالثة. الناصرة: دائرة الثقافة العربية. ص 111.

[1] حبيب، بولس. (2000). الوثائق الحرير. الناصرة: مؤسسة توفيق زياد للثقافة الوطنية والإبداع. ص 47 وما بعدها.

[1] يوسف، الخال.(1978). الحداثة في الشعر. بيروت: دار الطليعة. ص 13-14.

[1] أدونيس (1978). زمن الشعر. بيروت: دار العودة.ط 2. ص 9 ما بعدها. وكذلك الخال: مصدر سابق، ص 14.

[1] حبيب، بولس. (1997). قضايا ومواقف أدبية. الناصرة: المعهد العالي للفنون وبيت الكاتب، ص 91 وما بعدها.

[1] الخال: مصدر سابق، ص 14 وما بعدها.
[1] ن.م. ص 19 وما بعدها.

[1] إمطانيوس: مصدر سابق. ص 11.

[1] نجيب، العوفي. (1986). القصة القصيرة المغربية....، وقائع ندوة مكناس. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية. ص 67.

[1] ن.م. ص 67.

[1] ن.م. ص 69.

[1] حبيب، بولس. (1999). انطولوجيا القصة العربية الفلسطينية في إسرائيل. سخنين: المعهد العربي. المقدمة.

[1] ن.م المقدمة.

[1] العوفي، مصدر سابق، ص 80.

[1] ن.م. ص 75.

[1] محمد، برادة. كتابة الفوضى والفعل المتغير، وقائع ندوة مكناس. مصدر سابق، ص 7 وما بعدها.

[1] ن.م. ص 14.

[1] هاني، الراهب. حول واقع الكتابة القصصية. ندوة مكناس، مصدر سابق، ص 96.

[1] ن.م. ص 97.

[1] حبيب، بولس. الأنطولوجيا. مصدر سابق، المقدمة.

[1] راجع: عبد الرحمن، ياغي. (1968). حياة الأدب الفلسطيني. بيروت: المكتب التجاري. فصل حياة القصص، ص 441 وما بعدها. وكذلك، ناصر الدين، الأسد. (1957). الاتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن. القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية. فصل القصة، ص 93 وما بعدها. وكذلك أحمد، أبو مطر. ( 1980). الرواية في الأدب الفلسطيني. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. فصل الجهود الروائية قبل 1950، ص 15 وما بعدها.

[1] محمود، أمين العالم. (1986). الرواية العربية بين الواقع والإيديولوجية. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع. ص 10 وما بعدها.