‏إظهار الرسائل ذات التسميات شربل بركات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شربل بركات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، يناير 30، 2007

عقل ... سبع سنوات؟...

بقلم/الكولونيل شربل بركات


يحتفل الأهل اليوم بالذكرى السابعة لاستشهاد أحد أبطال الجنوب الرفيق القائد، المقدم عقل هاشم، الذي أحبه الكل وعرفوه أكثر بأبو الياس...

منذ سبع سنوات استشهد عقل على أرض الجنوب التي أحب...
لم يستطيعوا مواجهته فغدروا به، كعادتهم، من بعيد...

كان عقل قد حفر في تلك الجهة من مرج دبل بئرا، أراد أن يروي بها الأرض، لتنغرس عميقا جذور الأهل فيها، فيتشبثون بترابها. وكان يلذّ له أن يمضي كل فرصة متاحة بين أفياء الأشجار التي غرس، يروي الخضار، ويتامل بالزهور تزين الحفافي، ويملأ جعبته من غلتها التي تغطي التلوم وتبعث الأمل في قدرات تلك الأرض الخيرة.

ولم يترك عقل سلاحه ولا المسؤولية التي يتطلبها حمل ذاك السلاح. ولم ينم أبدا على حرير التطمين والممالقة. لأنه عرف أن الأعداء كثر، والنوايا معكرة، والقلوب تزيد سوادا يوما بعد يوم في الطرف الآخر. عرف بأنهم يبيعون الوطن، ويبيعون التاريخ، ويبيعون التعايش، من أجل وهم نبت في بلاد الفرس ليأخذ في طريقه حلم لبنان وأهله.

وكان ذلك النهار، وليته لم يكن، ولكنه ربما كان خيارا من عند الله عز وجل، ليمنع عنه تذوق الآتي الذي كان سيعتبره أصعب عليه من الموت.

ذهب عقل قائدا لآخر قوافل الشهداء، وانتهى به مجد تلك النواحي، ودفن معه العنفوان... فالصديق تخلى، والعالم تنكّر، والحكم الذي كان من المفترض أن يتسلّم المسؤولية جيّرها لقطاع الطرق، شذاذ الآفاق، من لم يكن فيهم خير لأهلهم فدفعوهم للموت كي يبني ملالي طهران أمبراطوريتهم على أنقاض لبنان، وأطفال لبنان، وشباب لبنان، ومن أجل أن يتحكم فينا والي الشام الذي لم يحلم بأن يُغرر بالأحرار فيقتلوا الحلم، ويقتلوا الوطن، ملجأهم وبيتهم الوحيد في ظلمة هذا الشرق الغادر الذي متى غاب لبنان غاب عنه كل سلام وحب ومنطق وتفاهم.

مضى عقل صحيح، ولكنه لم ير ما وصلنا إليه، وتلك نعمة منّ عليه الله بها. لم ير كيف يقتل الحلم بقيامة الوطن بالرغم من خروج الأعداء وانسحاب جيوشهم، وبالرغم من وقوف العالم إلى جانبنا.

مضى عقل بدون أن يعطي الفرصة لأحد منهم أن يمننه بجميل، وبدون أن يسمح لهم أن يقولوا فيه كلمة حق قد يغلفها العهر، فالخوف من الطارئين أرعبهم، ووصل بهم الحال إلى منع رأس الكنيسة من أن يؤدي واجب التعزية، وهل من عجب ألا يستطيعوا بناء وطن بعد خروج الأعداء؟...

من لم يعرفك بطلا في حياتك عرفك بالتأكيد لردة الفعل الهمجية التي سيطرت عليهم يوم استشهادك، وكأنهم اعادوا الأندلس أو احتلوا القدس أو ربما أحيوا صلاح الدين. بهذا القدر كنت عظيما.

لقد ظهر بالفعل مدى هيبتك بينهم ومدى وهرتك عليهم ومدى خوفهم من مجرد سماع اسمك. وبالفعل خسرك لبنان وخسرتك منطقتك التي أحبتك وخسرناك نحن الرفاق والأهل لتزيد غربتنا في هذا العالم الظالم.
نم يا صديقي قرير العين، وأسمح لي أن أحييك وأنت في عليائك باستعارة أبيات من شاعرنا الذي كنت تحب، وقد أبى إلا أن يلحق بك هاربا من الذل، معترضا على الظلم بكل الكبر الذي كان فيه، قالها على مسمعك وفي أمثالك من أبطالنا الأباة، يوم فرض علينا الحصار فوقفنا بكل عزة نفس ندافع عن الكرامة، فيسقط الأحبة يمينة ويسرى، وتحمل أنت الراية ليستمر النضال، ولو بالثمن الغالي... قال، وكأني به يقولها لك اليوم:

حيي شهيد العلى أكرم به بطلا لـولاه مـن عــاره لبنــان مــا غســلَ
وصغ له المجد تيجانا مرصّعة وأجعل حلاها الهوى والشوق والقبلَ

نعم فقد كنت والرفاق خير مدافع عن الوطن في غمرة الأحداث التي لم تترك مجالا للحوار والنقاش، وكان الخيار الوحيد إما الهرب وترك الأهل والأرض التي أحببنا، أو الصمود والدفاع عن الناس ومنع تهجيرهم وترهيبهم، ومساعدتهم على الاستمرار والعيش بكرامة، وانتظار الحلول وعودة الدولة، التي كانت هربت أمام جحافل عرفات من جهة، وجيوش قحطان وأتباع حوران من جهة أخرى. ولكن الدولة التي انتظرنا كان صادرها نصر الله بموافقة الجبناء والاغبياء، الذين يعانون اليوم أكثر بكثير مما عانيت أنت، وذلك ثمنا لسكوتهم وقبولهم بأن يتلهى أمثال عرفات أولا، ونصر الله ثانيا، بالجنوب وأهله، ويحاربونهم، ويقتلون أولادهم، ليسمحوا أن يستقر الوضع في العاصمة. ولكنهم لم يعرفوا أن الوحش لا يشبع، وأنه عندما لا يبقى له من يقاتله سينقض بالضرورة على أهل بيته فيأكل حتى أولاده...

صديقي كم تمنيت أن نعود إلى بلاد الأرز التي دفع الرفاق حياتهم للذود عنها، كن تمنيت أن نعود سوية إلى ربوع بيروت والجبل والبقاع نتفيأ ظلال الأمان ظلال الهناء التي عودنا لبنان عليها، ولكنك رحلت، ولبنان ما يزال في رحلته البعيدة، مقيدا بسلاسل الحقد، يعيث خرابا في أرضه شعب غريب بتطلعاته وأهدافه، بكرهه الآخرين وبثقافته التي لم نعتدها، ثقافة الانزواء والانتحار.

في ذكراك السابعة اليوم نعاهدك كما بالأمس ألا ننسى الحلم بلبنان حر سيد مستقل، كبير بين الكبار، منفتح على الكل، يظلله سلام دائم، وينعش جنوبه تعاون المحبين الشرفاء، الذين رفضوا ثقافة الموت وحلموا دوما بالحياة تضج في ربوعه وتزين تلاله بالمجد والعز والكرامة...


تورونتو  كندا

الاثنين، يناير 01، 2007

كل عام وأنتم بخير


بقلم/شربل بركات

سنة أخرى تمضي ويبقى لبنان واقفا في وجه الرياح العاتية التي تريد له السوء...
سنة أخرى تذهب ويذهب معها حلم النهوض بالوطن والتخطيط لمستقبل أفضل...

سنة أخرى تغيب ويسقط معها رمز جديد من رموزنا الشابة الواعدة وقد اغتالته نفس آلة الحقد التي مزقت جسد لبنان ولا تزال...
سنة جديدة تطل ويتهاوى حلم آخر كنا نرى فيه استمرارا للكرامة وتحقيقا للآمال فإذا بالواقع يخيبها كلها...

سنة أخرى خال اللبنانيون بأنهم يخترعون خلالها أبجدية جديدة لتوازن الحكم وتعايش المجتمعات، وقد بدأوا بما أسموه "حوارا حول الأمور الصعبة"، ولكنهم في النهاية لم يصلوا سوى إلى البديهي منها؛ وهو أنه لا يمكن أن تعيش دولتان على نفس الأرض، وتتعايش ثقافة القتل والحقد والانغلاق مع ثقافة الحياة والتعاون والانفتاح بدون أن تأكل واحدة منهما الأخرى...

سنة مرت ومر معها الخوف والدمار والعنف على بلاد الأرز، فأذاق الأهل المرّ، وهدم ما كان بني بالجهد والقلة، ليعِدَ بالمال الحلال، منةً ممن تسبب به، ووسيلة لوضع اليد، بدل أن تقطع كل يد تريد للبنان السوء، ولبنيه عدم الاستقرار...

سنة أخرى تزيد التمزّق الذي نعاني منه، وكأنه كتب علينا ألا نعرف سلاما في بلاد ملك السلام، ولا ننعم برحمة الله حيث يدعونه كل يوم بالرحمان الرحيم...

سنة جديدة لا نعرف بعد ما تخبئه لنا، ولكنها تبدأ بمظاهر العنف التي لم تنته، والاعتصام الذي لا يهدف إلا إلى الفوضى، والتهديدات التي لن توصل إلا إلى الهلاك. فهل يسير لبنان مرة جديدة نحو حتفه وتقاتل بنيه؟ أم هل يتجمّع ويتحضّر للدفاع عن حقه بالحياة ومنع حدوث "المقدر"؟

لبنان، هذا الوطن الفريد في الشرق والغرب، يريدونه ساحة صراع، ويدفعون بنيه نحو الصدام، فماذا يربح اللبنانيون غير بث الحقد والفوضى؟ ولماذا يقبل من وقف دوما مع لبنان الحر السيد المستقل أن يرتبط اسمه بجماعات القتل والانقياد، جماعات التفتيت والتخريب، جماعات باعت نفسها لكل من هو غير لبناني لتبقي على تميّزها في وطن المساوات وفرضها الخوة على الآخرين؟..

في هذه السنة التي كنا نأمل أن تكون بداية الانطلاق نحو عصر البناء والتجدد، عصر التغيير والانعتاق من مخلفات الماضي البغيض، ها نحن نبدّل ساحات الفرح والحرية بمعسكرات الحقد والكراهية، ورايات العز والفخار بشارات الذل والتبعية، فهل أننا نسينا كيف تشرق الحياة وكيف تتفتح الورود، ولم يعد يحركنا سوى أزيز الرصاص ودوي الانفجارات؟..

في آخر كل عام يعيد الناس حساباتهم ويقيّمون ما قاموا به في السنة المنصرمة، فهل يجري زعماء لبنان، لا بل العامة، هكذا تقييم لأفعالهم؟ وهل يدرك من يقيم في معسكرات ساحة رياض الصلح أنهم أصبحوا أدوات تسهم في خراب البلد لا في تحسينه؟ وتوقف مسار الديمقراطية بدل أن تسرّعه؟ وهل يعلم من تحمّل عبئ الاحتلال أنه إنما يعمل لعودته؟..

غريب أمر "شعبنا العظيم" لا بل محزن وضعه، فهو ربما لم يدرك بعد بأنه تحرر فعلا من ظلم الاحتلال ورواسب التبعية، وقد رحب به العالم عضوا فعّالا في المجتمع الدولي، ولكن بعض أبنائه يصر على أن يبقى الرهينة، والوسيلة، ولعبة الأمم، وساحة صراعاتها، فهل يدرك هؤلاء إلى إين يأخذون الوطن وأهله من جديد؟..

اليوم وقد وقف العالم للمرة الأولى معنا بكل وضوح وقوة، ووقف العرب أيضا، في صف واحد، من أجل مصلحة لبنان وخير بنيه، فما ترانا نفعل، وإلى إين نذهب، وكأننا لا نصدّق ما نرى فنعتقده وهم بعد، أو ربما، ولكثرة المعاناة، نعتقد أننا لا زلنا في حلم أو كابوس...

في بداية هذا العام الذي يبشر بالتوتر ولكن بوضوح الرؤية، نحلم بفجر جديد وبعام قيامة لبنان الحقيقية من كل ما تحمّل من ويلات ومصائب خلال أكثر من ربع قرن. نحلم بترسيم كل الحدود مع الجيران، في الجنوب والشمال، وفي الشرق على الأخص، ونحلم باعتراف الجميع ببعضهم، وتبادل أفضل العلاقات بين الجيران. نحلم بالسلم الآتي يكلل الشرق بعدل واستقرار، برفاهية وتفاهم، بتقدم وازدهار. ونحلم أن تذهب إلى غير رجعة أيام الظلم التي أرهقتنا حتى بتنا لا نعرف أن نرى الأمور على طبيعتها، فخلف كل طرح يجب أن يكون هناك ما يؤذي، وخلف كل مشروع يجب أن ننتظر الأسواء...

مسكين لبنان فقد كتب له أن يحمل عبء صراعات الشرق والغرب، وعبء تفاعل البشرية في احتلافاتها وتنوعها، وعبء الاخلال بأي توازن هش. ومسكين شعب لبنان الطيّب الذي لا يحمل ضغينة على أحد ويبقى جاهزا لمجاراة كل طرح ومماشاة كل نظرية، وهو عن حق "مختبر البشرية" في تفاعلاتها وصراعاتها، فهل من نهاية لهذا القدر؟ ومن يقرر موعدا لتلك النهاية؟ وهل هناك أولى من أبناء البلد ليحصّنوا أنفسهم ويتماسكوا بالشد على الأيدي، فيصمد الوطن المعذب ويخلص أبناءه من ظلم الأقربين؟..

في بداية هذا العام الجديد، نطلب من المولى عز وجل أن يرفع الكأس المرة عن لبنان، فكفانا تصارعا وتقاتلا، وكفانا بؤسا وشقاء، وكفانا تحمّل أعباء العالم ومشاكله، وآن لنا أن نستريح ونلحق بركب البشرية السائرة نحو فجر جديد من التقدم والتطور قد يزيل كل أسباب الصراعات وينتقل بنا إلى عالم أفضل تكون قيمه مرتكزة على الخير والحب والعطاء لا على الحقد والشر والسرقة...

وكل عام وأنتم ولبنان بألف خير...

الجمعة، ديسمبر 08، 2006

خطاب السيد الأخير وروائح الحشر


بقلم/الكولونيل شربل بركات

هل يكون سيد المقاومة، وخطيب الساحات، وصاحب الكاريزمة، فقد ثقته بالنفس وبدأ يتصرف بتشنج؟ ولماذا التشنج، فهل هو تعهد بشيء ولم يستطع التنفيذ بعد؟

من سمع خطاب السيد اليوم لم ير فيه ذلك الارتياح المعهود لسيد المقاومة في تخاطبه مع الجماهير، فهو بدا متشنجاً، ولأول مرة زاد في التهجم الغير الموزون، حتى أنه قارب الكذب المفضوح، ما جعل بعض أركان الحكم ومؤيديه يسارعون إلى الرد وتفصيل الكلام الغير صحيح بطريقة أكثر لياقة منه، وكأنهم يمسكون خيوط اللعبة أفضل مما يمسكها من اعتاد الناس النظر إليه وكأنه من غير طينة معصوم عن الصغائر ومرتاح لما يقول ويفعل.

السيد حسن لم يبدو متماسكا هذه المرة، ومن هنا خوفنا من أن يتصرف بدون تروي فيقود البلاد، التي لم تكد تخرج من الأزمة التي جرها إليها الصيف الماضي، نحو أزمة من نوع آخر يفرضها عليها اليوم فتبدو أخطر من تلك.

السيد حسن الذي كان أختار في تموز الماضي أن يفتح البركان الإسرائيلي على مصراعيه لينقذ إيران، كما قيل، من أزمتها مع الغرب بسبب مشروعها النووي، أو أقله يحول الأنظار في اتجاه آخر، ولم يأبه لما جرّه على لبنان وبنيه، ولا حسب حساب الخسائر التي مني بها في الأرواح والممتلكات وخاصة في مناطق أبناء طائفته، لا يأبه اليوم، على ما يبدو، ولو أدى التحرك الذي دعى إليه إلى نسف السلم الأهلي الذي يداريه لبنان وبنوه ويحافظون عليه برموش العيون، كما يقال.

السيد حسن، ليس فقط، لا يبدو مهتما بنتائج التعبئة المذهبية التي يعمل وحزبه على صقلها وشحذها وتغذيتها منذ سنين، ولكنه يصر على استعمالها والذهاب بها إلى آخر الطريق، فهل يشعر فعلا بأن الأمور تضيق من حوله؟ أو أن الضغط الإيراني السوري أكبر من أن يعطيه الفرصة لاستيعاب الأمور؟

صحيح بأن نتائج مغامرة الصيف الماضي قد أدت إلى خسائر كبرى، ليس أقلها مجال المناورة وملعبها الأساسي، أي الحدود مع إسرائيل، حيث اعتاد وأسياده على التخطيط لمناوشة هنا وضربة هناك تعيده إلى واجهة الأحداث كلما خفت وهجه وشح الزيت في سراجه، ولكنها أيضاً، وإذا ما سارت الأمور كما يجب، سوف تمنع عنه السلاح والتذخير، وشيئاً فشيئاً مجالات الامداد كلها، وساحات المفاخرة وما تجره من امتيازات.

السد حسن، وهو المتميز بقدرته على استيعاب المتغيرات سريعاً، أدرك دون شك أن الأمور سائرة نحو إغلاق "الدكان"، ليس فقط من قبل الحكومة، ولكن بمساعدة العالم الحر الذي يساند بقوة استقلال لبنان وحرية بنيه. أدرك أيضا أنه لم يعد هناك مجال لسوريا أن تضغط سيما وأن ترسيم الحدود كلها بين البلدين وضبطها سوف يتم شاءت سوريا أم أبت.

السيد حسن أدرك أيضاً أنه لن يقدر أن يتحكم بالطائفة الشيعية إلى ما لا نهاية، وأنه لا بد لهؤلاء أن يخرجوا من هيمنته عليهم ويرتاحوا من تسلطه. ولذا، وبعد استشارة الأسياد والتخطيط السريع لرد على مستوى الوضع، قرر رفع السقف والمطالبة بما سماه، حكومة وحدة وطنية، وبالثلث المعطل، وهو يعلم بأن طلبه لن يقبل، ولذا كان الاصرار.

أي حل بالنسبة للسيد وحزبه يمس بالمكتسبات والامتيازات مرفوض، فقد طالما نادى الشيعة بالحرمان وإذا بهم اليوم الطائفة المميزة، وذلك لأنهم "مقاومة"، وإذا بطوائف أخرى تأخذ مكانهم بالحرمان ولكن بدون المجاهرة والمطالبة فهل يقبلون بالتخلي بسهولة عن المكاسب؟

السيد حسن لم يتهجم فقط في خطابه، ولكنه اتهم، وهنا تكمن الخطورة، فنحن لم ننس بعد الاغتيالات التي تستهدف الزعماء والمنظورين، فهل الاتهام بالقتل والتخطيط له والاتهام بمساعدة العدو ضد "المقاومة" تبعد عن التبرير لأعمال القتل؟ وماذا يريد "سيد المقاومة"؟ أن يدخل البلد في صراع دموي وسلسلة من القتل والقتل المضاد؟ ومن يكون المستفيد من ذلك؟

إن المعلومات التي تكلمت عن لائحة اغتيالات ستطال شخصيات عديدة قد يكون لها أساس وعندها فمن يقدر على تبرئة السيد وجماعته وهو يجاهر أمام الحشود وكاميرات التلفزة بالتحريض والوعيد؟ أم هل يكون تسريب المعلومات عن مجموعات الاغتيال جزء من التحضير النفسي لتلك العمليات؟

صحيح أن الدخول في المشكل سهل، ولكن الخروج منه لن يكون من السهل أبداً، ونحن نذكر جيداً كيف بدأت الحرب ونعرف أننا لا نزال حتى اليوم نعاني من ذيولها، فهل يدخلنا نصر الله مجدداً بهذا النفق الذي لا يعرف أحد كيفية الخروج منه؟ أم أنه لا يزال يعتقد بقدرته على ضبط الأمور؟

نحن لم نثق أبدا بقدرة نصر الله إلا في الخطابة واللعب على العواطف، ونعلم جيداً بأنه إنما ربح في المعركة الاعلامية، ومن هنا نتوجه إليه بصدق أن يبعد الكأس التي يرفعها عن لبنان، فكفى هذا الشعب المسكين دماراً وتقتيلاً وحروباً، وإذا كان واثقاً من شعبيته فالأيام آتية، ولنترك الشعب يعيش ليقدر على اختيار ممثليه المقبلين بجدارة بعد أن يكون قد اقتنع أكثر من سوء إدارة هؤلاء الذين لم تتركوا لهم الفرصة أن يحكموا بعد.

الأيام القليلة القادمة ستشهد دون شك، تطورات دراماتيكية وانزلاقات، قد تكون خطرة على مستقبل لبنان، ولذا فالمطلوب مزيداً من التعقل ومزيداً من بعد النظر، والأهم مزيداً من التحلي بالمسؤولية، فالوطن أمانة في أعناق الكل والتاريخ لن يرحم.

الخميس، ديسمبر 07، 2006

سنة على غياب جبران التويني


يقلم/الكولونيل شربل بركات

بعد سنة على غياب الصحافي الذي لبس الصحافة بكل هيبتها، وحملها بكل رونقها، وقادها بكل جسارتها، حتى أضحت بجد السلطة الرابعة، في وطن معذب تسيطر عليه جيوش احتلال لا تعرف لياقة في التعامل مع الناس، وتحكم بنيه أجهزة مخابرات هي وليدة قمة الأنظمة التوتاليتارية وقد تتلمذت على يد أساتذة القهر والظلم والاستبداد، وإذا به يطوعها ويتحداها قتخافه بدل أن يخافها وتحسب له الحساب بدل أن يأخذها هو بالحسبان.

يوم كتب جبران مقالته الشهيرة "مع الحقيقة حتى يجف الحبر" كان يتحدى للمرة الأولي من لم يكن أحد يجرؤ على مجرد التفكير، ليس بانتقاده، بل حتى بعدم التبخير له. يومها وأنا أقرأه أحسست بأنه كسر القيد الذي كانوا يريدونه أن يمنع الكلام لينطفئ الحلم، فشعرت بأن لبنان لا بد أن يقوم. قال لهم بأنه سيستمر في المجاهرة بالحقيقة ولو كلفته دمه. وإذا به يرسم بهذا التحدي خط المستقبل، ويرفع شعار النضال، ليكسر جدار الخوف، ولسان حاله يقول مع منصور الرحباني "قوي قلبك وهجوم يا بتوصل على الموت يا بتوصل عل الحرية".

كان جبران رفيق الكل وملهم الشباب. أخرج نفسه من معادلاتهم منذ هجومه الأول وحرر كلمته، ولو لم يستطع تحرير الكل. كان النظام المفروض قد نفذ على الصحف أكثر أنواع المراقبة إرهابا وهي "المراقبة الذاتية" فلا حاجة لأحد أن يقول لك ما هو المسموح والممنوع بل عليك أنت أن تعرف حدودك بنفسك فتمتنع بدون أن يسألك أحد عن النقد أو مقاربة الممنوعات، وحتى الاشارة إليها، أما الأمثلة في العقوبات والانتقام فكفيلة بتعليم من لا يتعلم، وبمجرد أن يتذكر الصحافي أسماء كسليم اللوزي مثلا وكيف سلخت يده اليمنى التي كان يكتب بها ووضعت بالأسيد قبل أن يقتل، حتى يرتدع من ذاته ولا يجرؤ على التفكير بالاعتراض. وحده جبران أخرج نفسه من تلك المعادلة ووحده صارحهم وقال لهم وللعالم ما لم يحب أحد أن يسمعه.

نفتقدك اليوم يا جبران بعد سنة على غيابك، ونفتقد لقلمك الصارم والصريح ذاك الذي يعرف أن يسمي الأشياء بأسمائها بكل وضوح ولكن بتهذيب ولباقة.

نفتقدك لأن الساحة تكاد تخلوا من الأبطال، فهم يقتلون الواحد تلو الآخر دون أن يرف للقتلة جفن لا بل ازدادوا وقاحة، فيوم قتلوك وقفوا عن بعد، أما اليوم فهم يقتلون مواجهة وفي عز الظهيرة ولا يحسبون لأحد حساب.

نفتقدك لأنهم عرفوا كيف يفرقون بيننا وعرفوا كيف يستغلون ضغفا عند بعضنا وسذاجة عند البعض الآخر، عرفوا كيف يربون في قلوب البعض حقدا ليس بالسهل انتزاعه، ونحن نعرف أنه إنما سيقضي بالنتيجة على حامله ولذا فالوطن والشعب سيدفعان الثمن قبل أن نتخلص من هذا الحقد ومفاعيله.

نفتقدك يا جبران لأن الوطن الذي أحببت والشعب الذي فاخرت به والاستقرار الذي حلمت أن نتفيأ في ظله، يمرون كلهم في ظروف صعبة ويجتازون نفقا آخر من الأنفاق المظلمة التي يدفعنا المغرضون باتجاهها.

ويا جبران، يا من أضفت لاسم حملته مزيدا من الفخر لتزداد شلوح الأرز اخضرارا وجبال لبنان شموخا، نحاكيك في عليائك أن تغفر لهم فهم لن يعرفوا أين تسير بهم الأمواج التي يعتقدون أنهم يحركون، وهي إنما تتهيأ وتتعالى لتقلب السفينة بمن فيها، فهل من نجاة في البحر الذي يهيجون إن هي غرقت؟ وأي مصير ينتظرنا إن نحن لم نحسن التدبير؟

جبران... يا قلبا كبيرا بحب لبنان ويا منارة عالية على رؤوس جباله، رفضت الرضوخ لتهديدهم ورفضت الذل والسكوت فصرت مارد الكلمة وملهم العنفوان وستبقى خالدا في سجلات التاريخ وعنوانا لمرحلة التحرر ومثلا يحتذى لكل المناضلين، وإن القسم الذي رددته وراءك جماهير ثورة الأرز سيوحد اللبنانيين ويعيد لهم العز والافتخار ولن يقدر المغرضون على قتل الحلم الذي زرعته في النفوس أو وقف حركة التاريخ السائر قدما مهما وضعوا العراقيل أمام المسيرة أو حاولوا إرجاعها إلى الوراء.

الثلاثاء، ديسمبر 05، 2006

ماذا وراء زيارة الشيخ أمين لنصرالله؟


بقلم الكولونيل شربل بركات

أوردت صحف بيروت أمس خبرا عن زيارة قام بها الرئيس السابق الشيخ أمين الجميل لسماحة السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله، وقيل بأنها محاولة لتقريب وجهات النظر، وفي نفس الوقت إظهار حسن النية وشكر على التعزية بالشيخ بيار، الذي لم تمر بعد أسابيع ثلاثة على استشهاده. فماذا تحمل في طياتها تلك الزيارة؟ وهل تبشر بالخير للبنانيين؟ أم أنها تندرج في سلسلة المجاملات الغير نافعة والتي لا تزيد ولا تنقّص في "المقدر"؟

زيارة الشيخ أمين للسيد حسن ليست المبادرة الأولى التي يقوم بمثلها الشيخ أمين بعد خسارة فادحة تضرب أركان البيت، فهو يوم قتل المرحوم الشيخ بشير ذهب أيضا في زيارة "سرية" للقاء موفد من الرئيس الأسد، ربما لمحاولة وضع الأوراق على الطاولة دفعة واحدة، وهو تكلم فيما بعد عن هذا اللقاء الذي لم تتداوله الصحف كما حدث هذه المرة. وكما في المرة الأولى يظهر بأن الشيخ أمين يذهب مباشرة إلى الخصم كبادرة حسن نية أو قد تكون نوعا من التسامح لينهي مشكل ويؤسس ربما لعلاقة أفضل.

ولكن من يراقب الأمور ويحاول أن يستقرئ الأحداث قد يرى ترابطا بين الجريمة الأخيرة وحزب الله، كذلك الترابط الذي كان بين سابقتها وسوريا، وفي الاثنتين تشابه تصرف الشيخ أمين، فهل كانت الزيارة الأولى والتي بدت كتنازل عن دم بشير مبادرة من الشيخ أمين لإعادة علاقات طبيعية مع أحد اللاعبين الأساسيين يومها في الساحة اللبنانية، وهو بذلك حاول أن يكون أكبر من المصيبة وأن يوظف تلك الخسارة لربح لصالح لبنان؟ وهل إن التاريخ يعيد نفسه ليجعل من هذه البادرة التي تنم عن شهامة وكبر وتعالي على الجروح لصالح قضية أكبر من الكل وقد تسهم في ترطيب الأجواء وإعادة الأمور إلى مساراتها الصحيحة؟

لا شك بأن قيام الرئيس الشيخ أمين بهذه الزيارة هو عمل يتطلب شجاعة وتسامحا ورؤية، فمهما يكن فإن السيد نصرالله وحزبه اليوم هم من يقف بمواجهة الحكومة وجماعة 14 آذار التي اعتبر المرحوم الشيخ بيار أحد أركانها، وكان مقتله مرتبطا بدون شك بتصعيد الأزمة وزيادة الشرخ بين اللبنانيين. فمن هو صاحب المصلحة في قتله؟ وهل أن زيارة الشيخ أمين لغريمه هي لتبرئته من الجريمة؟ أم إنها بادرة مسامحة مباشرة لقطع الطريق على الفتنة، فيكون بيار فداء للبنان كما كان عمه بشير من قبله، وتقف كل الغرائز ومفاعيل الانتقام عند هذا الحد؟

الشيخ أمين له طريقته وحركاته الدرماتيكية أحيانا للرد على الأحداث، وهو حاول تحييد سوريا يوم قام بلقاء مبعوث الرئيس الأسد بعد مقتل بشير، وحاول ضبط النفس ومنع الانتقام يوم أوقف قاتله ولم يحاكمه، ليعود هذا فيخرج من السجن على يد السوريين في 1990، ولم تنفعه ولا نفعت لبنان مراعاته للأخوة ومسايرته لموقف سوريا في عدم إبرام اتفاقية 17 آيار، ولا نفع إقصاء الرئيس الأسعد أو التخلي عن الرئيس الوزان، فلماذا يقوم الشيخ أمين بنفس المبادرات؟ ولماذا لم يعد تقييم تلك التنازلات التي فهمت دوما وكأنها ناتجة عن ضعف لا عن قوة أو كبر نفس أو تسامح كما يقول المثل العربي بأن "العفو عند المقدرة"، فهل أن المستشارين هم أنفسهم أم أن الشيخ أمين لا يسأل ولا يستشير؟

قد يكون الشيخ أمين يمتلك حسا وطنيا مميزا، أو قد تكون تربيته المسيحية حساسة في مواضيع الموت والغفران، أو أنه بزيارته للسيد حسن إنما نقل عرضا مباشرا من 14 آذار. ولكن هل إن وسائل الاتصال انقطعت كليا بين الحكومة وحزب الله ليتطلب الأمر زيارة الشيخ أمين الشخصية وهو المحزون على فقد ولده؟ وما هو إذا وضع الرئيس بري الذي استقبل وفدا من نواب 14 آذار أمس نقل إليه بالتأكيد عرضا من الحكومة؟

الرئيس أمين الجميل الذي انتخب رئيسا للجمهورية بعد مقتل شقيقه بشير، لم تترك له سوريا أن يحكم البلاد بهدوء، بالرغم من الغفران الذي بادر إليه، وقلب الصفحات عدة مرات خلال حكمه. فهل ينتظر من السيد حسن الذي يتبع سوريا وإيران أن يسهم في حل يعيد الهدوء والسكينة إلى لبنان وهو الذي لم يسأل عن لبنان أو مصلحة بنيه يوم شن حربه في تموز الماضي بدون أي حساب، وها هو اليوم يشن حربا من نوع آخر ليبقي القلق والاضطراب يخيمان على البلاد، والإحباط واليأس يسيطران على اللبنانيين؟

قد يفسر بعض المبغضين تصرف الشيخ أمين بأنه محاولة لطرح نفسه من جديد كحل وسط لأزمة الحكم، فهو محسوب على 14 آذار ولكنه يتمتع باستقلالية، وهو منفتح على الجميع وغير متشدد، حتى عندما يتعرض لأقسى أنواع الظلم، ولكن على الجميع أن يعرفوا بأن ما يجري الآن تجاوز الحلول الفردية والمبادرات الخاصة، وقد أصبحت الخطوات الصغيرة والكبيرة منها تدرس في عواصم القرار الإقليمية منها والدولية، ومها يكن فإن القرارات خرجت من أيدي اللاعبين المحليين، ونحن نشهد الفصل ما قبل الأخير من الصراع الذي سيطيح بكثير من الأسس التي قامت عليها المنطقة والتي كان من المستحسن على اللبنانيين لو لم يزجوا بأنفسهم فيها، لا بل كان الأجدر بهم منذ قيام ثورة الأرز أن يصروا على نزع السلاح تطبيقا للقرارات الدولية وتساوي اللبنانيين في الحقوق والواجبات وتعلم الديمقراطية التي تمنح الفريق الحاكم مدة كافية من الحكم ليستطيع خلالها أن يحاول تنفيذ مشاريعه بينما تبقى المعارضة جاهزة لمناقشة كل مشروع ووضع النقاط على الحروف قبل اتخاذ أي قرار.

فهل تكون زيارة الشيخ أمين بادرة خير؟ أم أنها لن تعدو كونها مجاملة خاصة على الطريقة اللبنانية لن تضيف إلى الأمور شيئا؟

نحن نتمنى أن يكون هناك المزيد من الأمل في تسوية الأمور بالطرق السلمية سيما وأن الأيام الأخيرة بدأت تنبت تشنجا وتوترا، ولكننا نخشى أن يكون اللاعبين الأساسين الذين يديرون اللعبة من دمشق وطهران لا يهمهم مصلحة اللبنانيين، وأن اللاعبين المحليين ليسوا سوى منفذين لما يرسم هؤلاء، وعندها فلا معنى عميق ولا فائدة ترجى من زيارة يقوم بها حتى الشيخ أمين لنصر الله.

*تورونتو 5 كانون الأول 2006
الكولونيل شربل بركات

الاثنين، مايو 15، 2006

صفحة شربل بركات


لقراءة جميع مقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى: