‏إظهار الرسائل ذات التسميات سامي العامري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سامي العامري. إظهار كافة الرسائل

السبت، سبتمبر 19، 2009

الهبوط في ساحة المَرْجة

سامي العامري
---------

نص من كتاب قادم (*)
---------------------

وليْ في رياض الشامِ تذكارُ مَدمعٍ
وصَحْبٍ كما الأطيافِ في غفلةٍ غابوا
فآهٍ على روحي العليلةِ وادياً
أتحنيهِ أنسامٌ وتَلويهِ أعشابُ !؟
--------------
سقطتْ تفاحةٌ على رأس نيوتن فاكتشفَ قانون الجاذبية الذي يُعَدُّ مِن أهم ركائز العلوم الحديثة , تُرى كم من أطنان الطابوق والحجر سقطتْ على رؤوسنا في هذه الدنيا ولم نكتشف قانوناً إلاّ اللهُمَّ قانون الرجم والتكفير .....!!! ؟
علَّقَ ضاحكاً بائعُ الدخان الذي ابتاع منه المغترِب علبة سيجائر محلية الصنع : كلامك هذا لذيذٌ بل له نكهة المُدام الخَنْدَريس !
وأضاف : ويقولون : إنك لا تعبر النهر مرتين .
ولكنهم لم يفكروا فيما إذا كنّا نجيد العَوم أصلاً !
ومع ذلك ففي الماضي شبه القريب لم يترك الملعون جمال باشا السفاح عالِماً أو مفكراً حرّاً إلاَ وشنقه وتحديداً في ساحة المَرجة هذه ! ولكن هذا السفاح مَهما قيل عنه يظل أجنبياً ...
فردَّ المغترِب : هذه أحاديث لا بد لك أن تبثَّها أحياناً حتى ولو لأشباح الطرقات كي تستريح قليلاً رغم معرفتك بأن أيسر ما تجلبه لك هذه الأحاديثُ من أمراض هو تقصُّف الشَّعر ووقوفُهُ ! ولكن يا حبيبي وطنك العربي هذا من أقصاه الى أقصاه ظل يبارك هذه التقنية ويزيد عليها !
فدكتاتورنا السابق مثلاً ومن أجل المزيد من تطوير طرقِ التعذيب كان قد اشترى أحدثَ فَرّامات اللَّحم البشريِّ وتحديداً من المانيا الشرقية سابقاً !
وكم من العقول والكفاءات الكبيرة وُضِعت لحومُ أجسادها المفرومة في أكياسٍ فصارت طعاماً للأسماك !
كانت الموسيقى العربية مختلطةً مع الأذان ! ومع أصوات الباعة المتجولين وعرباتهم
وجلساتٍ عائلية تحت أشجار الصفصاف ووشوشاتِ عشاقٍ قريبة مع أنها بعيدة !
كل هذه كانت تشكِّلُ منمنمةً بألوانٍ فَرِحةٍ استفزت ماضياً جَموحاً يهبُّ من الدم بقوة ثم لا يلبث أن يتحول الى زوارق ورقية تتهادى فيه :

بالشام أهلي وبغدادُ الهوى وأنا
بالرقمتين وبالفسطاط إخواني
وما أظن النوى ترضى الذي صنعت
حتى تشافهَ بي أقصى خراسانِ (1)
---------------
قال المغترِب بعد أن تلا هذين البيتين :
لا تزدني أسىً على أسىً , سألتَني قبل قليل لِمَ أنا هنا وهل عندي أقرباء , أصحاب , أصدقاء فأجيب : أتيتُ الى هنا لزيارة هذا البلد العجيب الذي أشتقت اليه ولأرى صديقاً قديماً وصل قبل شهرين الى هنا من وطني واتصلتُ به عند وصولي فقط لأفاجئه وسيأتي اليَّ في العاشرة مساءً حيث وصفتُ له مكاني هنا وقد فكرتُ أنه لا بدَّ أن أمضي هذا الساعات في شوارع المدينة وساحاتها وأسواقها وأتشرَّبَها قبل وصول صديقي فقد كنتُ هنا في العام 1985 وعشتُ لمدة شهرٍ وكان لي هنا معارف وأحباء نادرون لكن مضغَتْهم الآفاقُ خيرَ مضغةٍ ! ثم إني لستُ سائحاً .
قال البائع : يسلم ذوقك , ولكن هل ستمكث طويلاً هنا أم تعود أدراجك على عجل ؟
وماذا عن مرابع طفولتك , عن وطنك خاصة وهو غير بعيد ؟
سرحَ المغترب , برقتْ في روحه كلمات :

ذكرى لديَّ لصيقةُ القمرِ
أنا ما مشيتُ فكيفَ كيفَ ستقتفي أَثَري ؟!
وفواكهي حمراءُ
يا لَمشاعلِ الشَّجَرِ !
هذا كتابي في يميني
والمدامعُ في شمالي ,
كلُّها رَهْنُ الخلافِ
ورهنُ قلبي وهو يسعى
للهطولِ على الضفافِ
بحيثُ فيها تنبضُ الأمواجُ كالوَتَرِ
--------------
ثم قال لمحدثهِ : ليتني أستطيع العيش في وطني , أتمنى من أعماق جروحي ولكنه لا يريد أن يكون ذلك الوطن الذي ننشد , فالفن زندقة والمرأة إذا أظهرت شَعرها فسيغتصبها رجل الشارع المتوحش فوراً لذا فهم يَفتون بخنقها داخل قائمة من المحرَّمات حرصاً وغيرةً عليها !
أما إرغامها على الزواج ممن لا تريد فهو ليس اغتصاباً !
و , و , و .....
أنا آتٍ من بلاد البرد والرفاهية وحقوق الإنسان , إنها ليست بلادي طبعاً ولكنَّ ناسها رائعون معي وقوانينهم تحترمني وتكفل حقوقي وكأنني أنقذتُ بلادهم يوماً ما من طاعونٍ ألمَّ بها !
جلس بائع الدخان الذي كان طوال الوقت واقفاً وبعد أن ارتشفَ جرعةً وأعاد الزجاجة الى جيبه اليمين والقدح الصغيرَ الى جيبه الشمال ,
قال: أما أنا فالفقر وظروف عديدة أخرى كانت تمنعني من رؤية العالم فلم يحصل لي أن شاهدتُ وطناً عدا وطني وكل ما أعرفه عن بلدان الدنيا يبقى روايات من أناس سافروا فعادوا يروون مشاهداتهم , نعم , ومن بين ما سمعتُ أن الناس في البلد الذي تقيم فيه ليسوا مثل ناسنا فهم يختلفون عنهم في أنَّ كل فرد عندكم له رأسان وثلاث أذرع وأنهم لا ينامون إلاّ ساعة كل سنة .
ردَّ المغترِب : بل وكل رَجُلٍ له سماءٌ خاصة به
أمّا نساؤهم فهن لا ينجبن ولكن إذا شدَّهنَّ الحنينُ الى هَدهَدةِ طفلٍ فيكفي أن تصفق إحداهنَّ بكفَّيها حتى يتحول بيتها الى مَنْجَم أطفال !
إسمع , دعنا نَكفَّ عن الهذيان : زِدْني عنك .
لَمْ تخبرني عن سر هذه الزجاجة التي في جيب سترتك .
ردَّ البائع : هذه نعناعياتٌ تُعتبر من خصوصياتي ومع ذلك وحتى لا يذهب بك الظن بعيداً أقول لك : أنا لا أشتريها ولكن هناك حانة قريبة تصلها شحنات العرق ليلاً وأنا أقوم بنقلها وصفِّها وترتيبها على الرفوف فأحصل مقابلَ ذلك على قنينة زائداً بعض المخللات !
وإلا فكيف أحتمل الوقوف لساعات طويلة في الليل وأحتمل البرد من دون شحنات ! خاصة وتعاملي في الليل يكون أحياناً مع الأجانب الذين لا يجادلون كثيراً في الأسعار !
قال المغترب : أستطيع أن أفهمك .
ثم انتبهَ فجأة الى صوتٍ ينادي عليه باسمهِ , بدا الصوت مألوفاً فاستأذن المغترِب عابراً الدرب الى بوابة السوق الرئيسية , تبدد الصوت , تلاشى ,
قال لنفسه : لا شكَّ أنه هلوسة ,
ومع هذا انحدرَ داخلاً قلب السوق , أراد شراء الكثير الكثير من الأشياء والهدايا وكأنه سيعود غداً !
إلاّ أن الصوت الذي سمعه قبل هذا لم يكن هلوسة فقد كان صوت صديقه الذي أراد بالمقابل أن يفاجئه بمجيئه هو الآخر في وقت مبكر !
وبَعد طولِ عناق وتعبيرات الإشتياق أشارت يدُ صديقه الى مقهىً على الجهة الأخرى , تناولا شاياً , تبادلا عبارات متقطعة حائرة ثم نهضا ليضيعا في الأزقة القريبة للمدينة وبعدها قال المغترب لصديقه : تعال معي الى الساحة , هناك ما سحرني فيها .
سارا عائدَين والمغترب يحدث صديقه عن أفكاره وأحاسيسه وهو في الطائرة
ومن بين ما قال : ربما لا جديد فمازال يشغلني سؤال الدنيا , لم أستطع هضم المزيد فلم يكن المكان ملائماً للقراءة , طويتُ الكتاب الذي كان في يدي على جملةٍ بقيَ صداها يتردد في خاطري , جملة من رجل كبير جمعَ بين العقلية الغربية القلقة وبين روحانية شرقية تقوم أساساً على التذوق الصوفي : (( إنََّ حكمة الطبيعة لا تتفق مع موقوتية الحياة على الأرض لذا لا بد من وجود شكلٍ ما للحياة بعد الموت . )) ( 2 )
وحدثه عن لحظة هبوطِ الطائرة في المطار وهذه الساعات التي أمضاها هنا وعن بائع الدخان وحزنهِ وخفة ظلهِ الى أن وصلا ...
كان بائع الدخان قد غادر المكان والليل راح يوغل أكثر فجلسا على نفس المصطبة يدخنان غير مبالييَن بلسعات البرد القليلة ,
قال الصديق بحميمية : عرَّفَني أحدهم على هذا المكان فصرتُ أمرُّ من هنا كل إسبوع فأشتري طعاماً وبعض الكتب والمجلات
رغم أني أقرأ قليلاً !
وأضاف : وأيضاً لا أستطيع الكتابة ربما بسبب الإنقلاب الكبير في حياتي فأحتاج الى فترة لكي أتكيف مع جودي الجديد هنا علماً أني لم يحصل لي أن انقطعتُ عن الكتابة لمدة إسبوع بكامله في الوطن ولديَّ العديد من المخطوطات ولكن كما هو حال صديقك مع العرق في الحانة فإني أصفُّ هذه المخطوطات على الرفوف وأنظر اليها وأضحك !
كنتُ بريئاً إذْ لم أكن أتخيل أنَّ عليَّ الوقوف في طابور من الكُتّاب يبدأ من هنا ولا ينتهي حتى جزائر الواق واق وكنتُ أرى هؤلاء الكتَّاب الواقفين في الطابور يرتدون زِياً موحداً فارتديته , لأني ظننتُ أنه من شروط النجاح ,
كان الكتّاب والشعراء ونقادهم على درجة من الكثرة والتشابه بحيث أن زوجتي عندما راحت تفتِّشُ عني لتأخري اضطرتْ للسير جنب الطابور لمدة اسبوعين وهي تتفحص في الوجوه الى أن عثرتْ عليَّ على بُعد ثلاثين متراً من باب المؤسسة الثقافية , والعرقُ يتصبب من جسمي ومن ظلي المكتوي بالشمس
فراحت تعنِّفُني وهي تسمع صراخاً آتياً من وسط الزحام تارة وتوسلاتٍ تارةً وسباباً وأحاديث عن أنَّ أحد الكتّاب سرقَ مِحفظة زميلٍ له !
وأمور أخرى غيرها .
قالت لي زوجتي : يا رجل أما كان بإمكانك البحثُ عن لقمة من مصدر آخر يحفظ لنا ماء الوجه ؟
فاعتزلتُ الناس كحال العديدين ورثيتُ لهذا الوسط المشوه وأخيراً لم يعد الوضع يطاق ,
أأمل أن أعثر على بصيص حياةٍ فأدعو زوجتي اليَّ .
قال المغترب : وطنك الكبير هذا من المشرق الى المغرب قد يتنوع ويختلف في كثير من التفاصيل إلاّّّ في هذه النقطة ( الثقافة ) فهو متشابه حد تناسخ الأرواح !
فعن أيّ ضمير أدبي تتكلم !
ومِن أطرفِ ما تلاحظ فيها أنَّ هناك اتفاقاً سرياً وهو أنَّ على الشاعر أو الأديب أن يمدح النقّاد أولاً كشرطٍ لكي يتناولوا كتاباته !
أو أن يخلق نقّاداً من العدم ويصنع لهم تأريخاً ويُطيل في تمجيده ليبادروا بمدحه بكل طيبِ خاطر !
قال صديقه : كانت حياتنا , أنا وأنت , بائسة ومحرومة ومهمشة ورغم ذلك أغنيناها بلقاءاتنا فباتت حارَّة وطريفة وذات معنى , أتذكَّرُ أول بيت لك أنشدتني إياه مطلع الثمانينيات :

أللحنُ كي ينسابَ في الألبابِ
لا بدّ للأوتار من زريابِ !
----------------
هل ما زلتَ تتذكره !؟
كلا ! , قال المغترب , صدِّقني نسيته مِن بين الكثير الذي نسيتُ , آخ ... شكراً لك على هذا الوفاء والجمال .
عاد بائع الدخان راكضاً كأنه عرف أنهما تكلما عنه قبل قليل : مئة أهلاً وسهلاً , لمحتُك من بعيد ففكرتُ : لا بد أن تكون الصديق المرتقَب .
فردَّ عليه الصديق وقد تكشَّف الفجر : أهلا , وسهلاً , صباح الخير , عرفتُ عنك الكثير قبل مجيئك لذا فأنا حين أمر من هنا في المرة القادمة سأفتش عنك وسأكون زبونك بل وستكون ضيفي ولكن دعني أرتاح أولاً !
قال المغترب لصديقه : وأنا أيضاً أود الآن أن أكون ضيفك ! لدي حديث طويل معك , دعنا نذهب الى البيت لنستريح أولاً , أريد النوم عدة ساعات .
وهما ينهضان للعودة ارتجل المغترب كلاماً دافئاً بسيطاً :
قلبي مع السواقي وهي تستظل بذاكرة النخيل .
فزادَ صديقه : قلبي مع سنبلة تستضيء الريحُ بعرانيسِها !
سألتقي بكما , صاح بائع الدخان بارتباك قليل , وأضاف : هذا يفرحني وينسيني همومي فأنا كذلك أمضيت ثلاث ساعات واقفاً أمام الهوتيل الذي تريانه أمامنا ولم أبع إلاّ علبة دخان واحدة فلا بد أن أذهب الآن فستزدحم السوق وتمتليء دروبها بالمتبضعين والباعة بعد قليل .
فعلَّق المغترِب بدهشةٍ : ولكن السوق ممتلئة الآن ,
ألا تسمع الضجيج وترى ازدحام الناس ؟
أجاب بائع الدخان ضاحكاً وهو يبتعد :
ألمْ أقل لك ؟ وهذا مثال آخر على فوائد النعناع !

--------------------------------------------------------
(*) نص من كتاب قصصي نثري شعري قادم بعنوان : النهرُ الأول قبل الميلاد .
(1) أبو تمام

(2) الشاعر الألماني غوته

الأحد، أغسطس 30، 2009

منحوتة من دمٍ ونسيم

سامي العامري
--------

هَبَّتْ سِهامُ الموتِ تطلبُ قلبي
من كلِّ حَدبٍ في هواكِ وصوبِ

مُتوهِّماتٍ أنَّهنَّ وَجَدْنَهُ
حَيَّاً ولكنْ ما صدقنَ ورَبّي !

أنا نصفَ مَيْتٍِ صرتُ لمّا لُحتِ لي
يوماً فكيف بقُبلةٍ في الدربِ !؟

هيَ قُبلةٌ أعطيتِنيها خِفْيةً
لكنْ صداها رَنَّ حتى صَحْبي !

وتركتِني والشوقُ كأسُ مُدامةٍ
كحمامةٍ فتكاثرتْ كالسِّربِ

إنْ مُتُّ من نار الهوى فبنفخةٍ
من روحهِ أحيا وهذا عَيبي !

عَيْبٌ كأنَّ على الشفاه شفيعَهُ
يدعو لهُ داعي اللُّمى فأُلبّي

نختارُ حقلاً للعناق هناك لا
نُصغي الى غصنٍ وشى بكِ أو بِيْ !

وهواكِ يُرجِعُ للفصولِ سخاءَها
فإذا المباهجُ عُرضةٌ للنهبِ !

ميعادُنا حَسَنٌ وقد أبرمتِهِ
ويُزيدهُ حُسْناً حُطامُ الصَّبِّ !

نَهرَين من ضوءٍ يسيلُ , أريتِني
والسيلُ تَحْرِفُهُ أناملُ عُشبِ

وجرتْ دموعي كالفرات ببُعْدهِ
فاحترتُ : عن بعدٍ جَرَتْ أم قربِ !؟

منفايَ علَّمني لذاذاتِ الرؤى
ولَرُبَّ رؤيا جَذرُها من رعبِ

وأنا إذا يُبدي الدعاةُ تيقناً
من فكرةٍ أُبدي فضائلَ رَيبِ

ما لي وللحشد المُبجِّلِ وَهمَهُ ؟
عمري سؤالٌ مثلُ سجنٍ رحبِ

تُعَساءُ أمّا روحُهُم فَجُسُومهم
والأفقُ أضيقُ من حفائرِ ضَبِّ

أمّا معاصرُهم فهل أعطى لنا
صُنبورُها إلاّ عصيرَ الذئبِ !؟

هو ذلك الدمُ فاضَ إلاّ أنه
يكفي فحَسبُهمُ دمي أو حَسْبي !

إنْ أمعنوا بالشرِّ دون عقوبةٍ
فغداً ستُرثينا جنائزُ شعبِ !

حتى الورودُ ستستحيلُ بلا شذاً
ولقاؤها مثلَ امتحانٍ صعبِ

يأسٌ مِن الأيام في روحي سَرى
ومِن الزمانِ ومن جميع العُرْبِ

يأسٌ كما نَحَتَ النسيمُ , فموطني
كفراشةٍ ... ما شأنُهُ بالحربِ ؟

لكنْ لأجلِ عيونهِ أنا آملٌ
ولِعينكم ولأعيُنِ المُتنبّي !

------------------------------------
alamiri84@yahoo.de

الجمعة، أغسطس 07، 2009

مدائح لأيامي العتيقة

سامي العامري
--------

نواعيرُ تغرفُ دمعاً جرى ,
قيلَ : عيدُ

نواعيرُ أسبُقُها لابِنِ فرناسَ
ألقطُ جُنحيهِ
نحو فضاءٍ ,
وبرقاً كبازٍ أصيدُ

نواعيرُ تندى بألفٍ من القُبُلاتِ
وكان البليلَ البعيدُ !

نواعيرُ تنبضُ
في رَحِم الريح
والعمرُ لم يعتمرْ مُخَّ حربٍ !
ولكنْ يرفُّ فَراشٌ
وبَعدُ ؟
يسيلُ نسيمٌ وئيدُ !

نواعيرُ تجني لرابعةَ العدويةِ
عنقودَ تمرٍ
يباركُ مهداً لِحُبّين ,
والآيُ كالناي حيثُ الوليدُ !

نواعيرُ فوّاحةً تستديرُ
لسعفٍ تعثَّرَ فوق الغديرِ
فصانتْهُ غِيدُ

نواعيرُ القتْ بصمتي كما مِئزرٍ
فارتداهُ نشيدُ

نواعيرُ تَقرعُ ناقوسَ شِعري
فيغفو النواسيُّ سُكْراً
ويصحو الرشيدُ !

نواعيرُ مدَّتْ بكلِّ الثغورِ
رئاتٍ
فعادتْ شِراكاً
لأنَّ هوائي طريدُ !

نواعيرُ تدعو الدقائقَ ,
تسألني هل تريدُ اختراقيَ ؟
قلتُ : أريدُ

نواعيرُ ترفعُ بستاننا للذُّرى
وتُعيدُ

نواعيرُ تقفو الأكفَّ
فأهتفُ :
هَيّا اخطفي فرحي مثلَ أعذاقِ نجمٍ ,
فلبّتْ
وما زال عندي المزيدُ !

----------------
كولونيا
alamiri84@yahoo.de

الثلاثاء، يوليو 28، 2009

مَطَبُّ الفضيلة

سامي العامري
--------
فصل من كتاب (*)
--------

ليس عندي ما أخفيهِ
ما أنا إلاّ فضيحةٌ مُتوارثةٌ
ولن تنفع حوّاءَ أو آدم ورقةُ توتٍ
حتى ولا غابةُ توت !
---------
كان مستغرقاً في الإصغاء لموسيقىً شرقية تراثية يتصادح فيها العود والطبلة عندما دخل شقته المُطلِّةَ على نهر دجلة الذابل الآمل ! صديقُهُ القديم الذي يسكن معه منذ إسبوع بعد أن قام بزيارة لبغداد مدينتهِ لأول مرة منذ ما يقرب من ثلاثة عقودٍ قادماً من منفاه البارد , واليوم يدخل شقة صديقه راجعاً من زحام بغداد وحزن شوارعها وهو يتأفف ثم جلس قبالته وفيما كان صديقُهُ الموظف العاطل منذ شهور يسكب من زجاجة العَرَق القوي على مهلٍ في كأسه وكان الوقت مساءً , سمع صاحبَهُ النحَّاتَ يقول : حقيقة أعجبُ من لامبالاتك وقدرتك على الإحتمال فها أنت سادرٌ في نعناعياتك وتتفاوحُ كحديقة !
فردَّ الموظف بانكسارٍ : تمنيتك الآن أن تطرق أبواب قلبي فلن يستقبلك بابتسامةٍ إلاّ الجرح ! ولكن ما جدوى أن أشكو ؟
قال النحات : أعرف قلبك يا صديقي وأمّا أنا فقد حلمتُ الليلة الماضية حلماً مبهماً لا أدريه ولكن أدري أنه كان مخيفاً , وهذا الحلم تكرر عدة مرات خلال الليلتين السابقتين ,
أتعرف أنني أفكر أحياناً فأسأل نفسي : ماذا لو أُعفِيَ الإنسانُ من متاعب البحث عن نظيرٍ له ؟
لماذا كُتِبَ عليه أن يبحث ويقلق ويشقى من أجل العثور على حبيبٍ او شريك حياةٍ يحبُّهُ ويفهمه ؟
وهذه القوة المذهلة التي صنعت الكون بكل عظمته وإعجازه ألمْ يكن بإمكانها أن تجعل الإنسان الفرد مكتفياً بذاته دون حاجة لأحدٍ لا سيما في الحب ؟
أيْ أن يعشق نفسَهُ وانتهى !
السؤال منطقي كما ترى ............
إنهما صديقان تعارفا في الغربة غير أن الموظف لم يُطِق الحياة في المنفى فعاد في أول فرصة الى بغداد ليسكن فيها مؤقتاً فأمه وزوجته وأطفاله يعيشون في مدينة أخرى وظلَّ على تواصل مع صديقهِ النحات الذي لم يعد له أهلٌ أو أخوة وأخوات في بغداد فهم إمّا مثله يقطنون المنافي أو ماتوا ولم يودعهم وقد جاء لبغداد كذلك للبقاء إسبوعين وربما لفترة أقصر أو أطول لإتمام معاملة ولمعانقة مرابع الطفولة والصبا وزيارة بعض الأماكن والمعارض مع صديقهِ
ثم ليعود من حيث أتى ...
لم يُخفِ شعورَه بالخيبة من حال بغداد ودوائر مؤسساتها وساستها وقبل كل هذا طريقةِ تفكير الكثير من ناسها , وعيهمِ الحضاريِّ والثقافي , آهٍ لهذا الجيل الذي يعيش في كنفها , هكذا تأوَّه
إذْ كان يعرف أن الأجيال السابقة لم تكن هكذا أبداً وخاصة في ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته ... أيريدون لبغداد أن تصبح عُشّاً لا تفقِّس فيه إلاّ بيوضُ الغبار ؟
أنت يا بغداد التي وهبتِني سرَّ سعادتي الأولى فإذا متُّ حزناً عليك فستحزنين عليَّ دون شكٍّ ولكنْ هؤلاء الذين لم يكترثوا لحياتي - وأكثرهم غرباء عنك - أيُعقل أن يكترثوا لمماتي !؟
لذا لن أموت بسببك !
هذا ما قاله بعد أيام من وصوله .
أعاد على صديقهِ جملته السابقة نفسها : أيْ أن يعشق نفسَهُ وانتهى !
ثم قال : إدراكي هنا في محلِّهِ , أليس صحيحاً ؟
وأضاف : وقد عبَّرتُ عن ذلك في عدة أعمال نحتية وجسَّدتُها على شكل كُتلٍ وأجسام منفردة توحي تقاطيع أعضاء الجسم فيها بالحيوية والإستغناء !
هنا علَّقَ الموظف والعاشق للكتب والموسيقى والعاطل منذ شهور : فكرةٌ تُغري بالتأمل !
ولكن ماذا عن استمرار الجنس البشري ؟
أجاب : أنا قلتُ لك إن القوة الخالقة والخارقة التي خلقتْ ما لا يمكن للإنسان أن يصدِّقه رغم أنه يراه ويلمسه , لن يصعب عليها حلٌّ فهي لديها ما لا ينتهي من الإمكانات والوسائل , أية وسيلة , كأنْ يتمَّ التكاثر عُذرياً أو ذاتياً كما يحصل لدى البكتيريا والحيوان وحيد الخلية !
قال له الموظف : أعتقد أن هذا هو حلمك والذي تريد أن توحي لي بأنه رؤيا كتلك التي تباغت أصحاب القدرات الروحية الكبيرة ولكن هناك يا سيدي حلقة مفقودة في سلسلة معرفتك وحكمتك ,
كنْ واسعاً , كنْ حاذقاً , إنك تجهل او تتجاهل أنّ ما يجعل الحب الحقيقي عميقاً ومقدساً هو متاعب الوصول اليه .
فردَّ النحات بطريقة لا تخلو من دهشة وهو يضع كفَّهُ تحت حنكهِ :
فعلاً أنك بريءٌ حَد الكآبة !
أنا لا أريد سوى راحة البال , ولأكُنْ أكثرَ صراحةً : أريد عالماً خلواً من الحب !
قال له : وكيف توصلتَ الى هذه القناعة ؟
ردَّ بشيء من التوتر : إمرأة استدرجتني بلباقة الى حُبِّها فصدَّقتُ وفتحتُ لها كل خزائني الروحية .
فقال له زميله الموظف : أتصوَّرُ أن حالك هذه كحال شاعرنا الذي يقول :

أبكي الذين أذاقوني مودَّتهم
حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا !! (1)

---------------

أجاب النحات بانفعال : كلا , ففي هذا البيت عتابٌ رقيق بل هو إلى الغَزَل أقرب أمّا أمري فهو كحالِ مَن قال :
وأنتِ بما قربتِني واصطفيتِني
خلاءٌ وقد باعدتِني بُعْدَ مُذنِبِ
وما الحبُّ إلاّ صبوةٌ ثم دَنوةٌ
فإنْ لم يكنْ كانَ الهوى رَوغَ ثعلبِ (2)

لذا فبعد عام من أحاديث الصفاء أعقبناه بلقاءٍ مجنون احترقنا سويةً بهِ وفيهِ ثم إذا بها تهجر , تتوارى ...
لقد زرعتْ في نفسي مشاعر لم أكن أعرفها من قبل , مشاعرَ قريبة من الكراهية ! والآن قلْ لي هل بإمكان الحب أن ينتهي الى كره ؟
أجاب الموظف برزانة : بحدود معرفتي , نعم ! ولكنْ كرهٌ من نوع آخر , وهو خارج اختصاص التحليلات النفسية التي أطربت الكثيرين !
لقد آمن الكثيرون بمدرسة فرويد مثلاً ولكن ربما ليس هناك واحد منهم فكَّر مثلي بأن يُخضِعَ فرويد نفسه الى التحليل النفسي ! أي أن يتصور نفسه طبيباً ومِن مرضاه عالم النفس فرويد وليس في هذا غرور أو ادعاء .
والكراهية قد تعبِّر عن نفسها مثلاً بطريقة الإفراط في ممارسة الجنس مع مَن تكره , تماماً كما يُعطّل الحبُّ العميق الرغبةَ بالممارسة الجنسية لفترةٍ طويلة مع مَن تحب .
فعقَّب زميله النحات : أرجوك , لا تتطرق الى الجنس والدونيات !
فردَّ صاحبه الموظف معاتباً أو مُعنِّفاً بعضَ الشيء بالقول : إن الممارسة الجنسية والتي تلوح غليظة بل ومَسْخَرةً ,
نجد أنَّ بإمكانها أنْ تتحول الى فعل شِعريٍّ فَذٍّ تكون أنت فيه على تماسٍّ رهيفٍ مع جوهر الكون بحيث أنك عندما تصل الذروة وتصلها شريكتُك يكون الله في الرَّحِم بتعبير أحد المتصوفة ,
فهنا لا يرشدك عقلك المألوف فهو يذوب أو يتلاشى في عقلٍ كوني لا تعرفه ولكنه مع ذلك يرشدك وكل ما بمقدورك أن تفعله هو الإستسلام له
وهذا الإستسلام إنما هو الوحيد الذي لا يحمل معنى الضعف أو الهزيمة .
هنا سأل النحات باهتمام : كيف ؟
أجاب الموظف : لا أريد أن أتعبك ولكن هناك مقولة فلسفية :
( لا توجدُ قطيعةٌ بين العقلين الغريزي والمكتسَب ، فالعقلُ المكتسَب هو نتاجٌ للغريزي ، بل لا ينفكُّ عنه ، وقد ينفكُّ العقل الغريزي عن العقل المُكتسَب ، فيكونَ صاحبُهُ مسلوبَ الفضائل ) (3)
إحتارَ النحات بماذا يجيب واكتفى بأن تنهَّدَ !
فردَّ صديقه الموظف على تنهُّدِهِ بالقول : نعم , إنها آه ! وأضاف : قبل أن أنسى أريد أن أسألك : هل أنت هنا للزيارة أم لتكملة ما بدأناه هناك من جدل بيزنطي !؟
فابتسم النحات وهو يقول : هاتِ سيجارةً هات .
أعطاه الموظف واحدة ولنفسه واحدة وأشعلهما وبعد أن سحبَ نَفَساً ونفثهُ قال :
دخان سيجارتينا المتصاعد هذا ليته يتكاثف فينزل مطراً إنْ لم أقل خمراً ! :


يجنحُ للخمرة نوعٌ من أنواع بني الإنسانْ
حتى يتسامى كالحيوانْ !
فوق لوائحهِ , فوقَ فضائحهِ
فوقَ الكفر وفوق الإيمانْ !

------------

وسأل بشكل مفاجيء : بالمناسبة ما الحكمة في تحريم الخمر ؟
قال : سؤالك ملغوم ! ورغم ذلك أجيب : لستُ متيقناً ولكن واضحٌ أنَّهم يقولون مَن يتناولها يفقد زمام عقلهِ .
هنا علَّقَ الموظف على كلام صاحبه بتوترٍ : وأين هي عقولنا التي نخشى فقدانَها !؟
فلو كانت لنا عقول سويَّةًٌ لما وصلنا الى هذا الدرك من الضِّعة والتخلف ,
ثم إن المجتمعات التي أنت تعيش في وسطها , هذه المجتمعات الغربية وغير الغربية لِمَ لمْ تفقد زمام عقولها ؟
فرغم أنَّ الخمر شائعة بينهم كالماء فها هم يذهلون البَشَرَ بعلومهم وصناعاتهم وتقنياتهم وآدابهم وفنونهم .
هنا حكَّ النحات صدغَه وضحك فقال : أعتقد أنك مُحِقٌّ ! فللخمر محاسنها أيضاً , فهي مثلاً أعطتْ الغرب بودلير وأعطتنا أبا نؤاس ولثغته السكرى ونوافيرَ الأندلس وطيورها التي تستحم بالنبيذ ! وكان بودي أن أشاركك كأساً فأجعلَ مزاجي نميراً لولا ضرورة نهوضي مبكراً بنشاطٍ نوعاً ما ولكن قبل أن أذهب لسريري دَعني أروِ لك حكاية على وقع موسيقاك التي بدأت تحفِّز وتحثُّ الروح !
فحين كان عمري تسعة عشر عاماً كنتُ طالباً مُجِدَّاً وأثناء تحضيري لامتحانات البكلوريا جاءت الى بيتنا أم أحد زملائي وأبناء منطقتي وكان ابنها هذا عابثاً نزِقاً , جاءت أمهُ ترجوني أن أطالع مع ابنها لعلَّه ينجح فقلتُ لها بخجلٍ :
ممنون يا خالة !
وهكذا رحتُ أمضي في بيتهم ساعتين كل يوم أطالع معه وفي أحد الأيام جاءت أختُهُ المتزوجة لزيارتهم حاملةً إبنها الذي لم يكن يتجاوز عمره عدة شهور فوضعتْهُ عند دخولها في غرفة الضيوف قريباً من طاولتنا وذهبتْ الى أمها
غير أن هذا الطفل بدأ بالصراخ ولم ينقطع عنه فجاءت أمه فألقمته المَصّاصة ذات الحَلَمة الإصطناعية فهدأ قليلاً ثم عاد للصراخ ثانية فجاءت أمه مرة أخرى ثم أعطته زجاجة الرِّضاعة فصمتَ عدةَ دقائق وعاد للبكاء !
فرجعت أمه وهي تعتذر لنا قائلة : وجدتُ الحل .
مضت دقائق معدودة فعادتْ فأعطته زجاجة الرضاعة مرة أخرى ورحنا نراقب الطفل وهو يغفو بكل وداعة , وحين سألتُها كيف حصل هذا ؟
أجابت : وضعتُ له مع الحليب بضع قطراتٍ من الويسكي !
فالأب – والذي كان محامياً متقاعداً – كان بيته لا يخلو من هذا المشروب .
نعم , راقبنا الطفل وهو يخدر قليلاً قليلاً ثم ينام بسلام !!
وبهذا الحل استطعنا إكمال الدرس .
عَدَّلَ الموظف من جلسته قائلاً : رائع , وهذا يعني أنك عرفتَ الفضيلة والإحسان وفعل الخير منذ الصغر .
فردَّ عليه صديقُهُ النحات بالقول : ليته كان فِعْلَ خيرٍ ففي ذلك الزمن كان كلُّ شيءٍ يسير بالمقلوب فقد نجح زميلي في الإمتحانات النهائية وبعد عدة شهور أصبح ضابطاً في الحرس الجمهوري وأصبحتُ أنا مُطارَداً ومُتخفِّياً عن عيون الأمن !!

غابَ القمرْ
فحَمَلْتُ أشيائي لاخطوَ في شِعابٍ
ما أضاءَ شِعابَها غيرُ الخَطَرْ
حتى عَبَرْ
لكنْ الى أينَ العبورْ ؟
بالأمس كان السجنُ قَيئاً
جَنْبَ حجرةِ آمِرِ الماخورْ !
قُلْ للجنوبِ
أكانت الصحراءُ في حَفلٍ ؟
فَإنَّ ذِئابَها رَفَلَتْ
إذِ اجتَزْتُ الرمالَ الطوطميَّةَ
في مَسارٍ كالمَجامِرْ
يا نهرَ مِلْحٍ فوقَ نَبعكَ والمَصَبِّ
قد انحنى ظمَأي قَناطِرْ
وحمِلتُ لونَ الماءْ
غَيبوبةً , إغْماءْ
وتَعَثُّراً في التيهْ
حتى إذا ما لاح دجلةُ عمْتُ فيهْ
حَذَرَ ( الكِلابِ )
فطافَ مُبْتَعِداً قصيدٌ أقْتَنيهْ !
----------------------------------------
(*) فصل من كتاب قصصي نثري شعري بعنوان : النهرُ الأول قبل الميلاد .
(1) العباس بن الأحنف .
(2) بشار بن برد
(3) أبو الحسن الماوردي فقيه وقاضي قضاة عاش في نهاية العصر العباسي .


كولونيا
alamiri84@yahoo.de

السبت، يوليو 18، 2009

الحظُّ يذكرُ خيمتي

سامي العامري

القاكَ في البابِ
كواقفٍ يغفو بجلبابِ !
فأحتمي بدمي المقطور في دَهَشٍ
أمِن حُطاميَ تُرى يأتيكَ إعجابي !؟
يا أيها الحظُّ لا جاورتَ خيمتيَ الصغرى
فقد أرتضي
بالعيش في نَكَدٍ
من دون أغرابِ !
فانظرْ وراءكَ ,
أدري ما قصدتَ لهُ
فإنني أنتمي
للقَفْرِ والسقمِ
من بعدما عصفَتْ
بيْ والحِمى ومضتْ
راياتُ أعرابِ !
يا غادراً جئتَ بعدَ الأربعينَ
فما تبغي ؟
وما أرَبي
بالمِنَّةِ اليومَ
والمَيْتون أترابي ؟!
---------------
alamiri84@yah

الأحد، يونيو 28، 2009

أشرعة كأجفانٍ دامعة

سامي العامري

كؤوس
*-*-*-*

أديرُ كؤوسَ الحُبِّ صِدقاً وتفتري
وأعفو وإني في الغرامِ لَعامري !
وأعتادُ جُرعاتِ الظَّماء لأجْلِها
وتعتادُ جُرعاتِ النبيذِ المُعَطَّرِ !
------------------


المنبع
*-*-*

دَعْكَ من المنبعْ
وشراعَكْ فاشرَعْ
أُسْدِلَتِ الأجفانُ
ولمْ يبقَ سوى الهجران ,
سوى أشرعةٍ بَدَلَ
الأعيُنِ تدمعْ !
------------------


الثمن
*-*-*

بغدادُ قد صَعُبَ المزارْ
ولقد نذرتُ إنِ اختفوا عن رافديكِ
لأشرَعَنَّ نوافذي للموج ,
للأصداف مالتْ عن مَدارْ
عالٍ هو الثمنُ الذي أعطيتِ ,
عالٍ كالفنارْ
------------------

حُلمٌ
*-*-*
حيثما سرتُ سارَ كمينْ
......
......
حلمٌ تفاءلتُ في أنْ يهدِّئني
ولكنه عاد مُنعكِساً كالجنينْ !
--------------------

غبطة
*-*-*-*
أحياناً تغمرني الغبطةُ ولَهاً بالمجهولْ
أهو الأوحدُ مِن بين المعقولات المعقولْ ؟
--------------------


تقابُل
*-*-*-*
سَيلُ مشاهدَ من قلب الحربِ
كاسات الخمر المتتابعةُ كسربِ
فكأني هنا
ودمي ...
منفيٌّ في القطبِ !
--------------------


عَبلة
*-*-*

ياعَبلُ ما لقلوبِهم لم تََرحمِ ؟
او تندمِ ؟
ياعَبلُ لو أبصَرتِني لرأيتِني (*)
في الحربِ ألعَنُ مُشعِليها ...
...
...
فالْعَني مِثلي وسُبّي واشتُمي !

----------------------

(*) قال عنترة بن شداد في معلقتهِ :
يا عَبلُ لو أبصَرتِني لرأيتِني
في الحرب أُقْدمُ كالهزبر الضيغمِ
----
والهِزَبْر والضَيْغَم : من أسماء الأسد

كولونيا - صيف - 2009
alamiri84@yahoo.de

السبت، يونيو 06، 2009

البلاءُ المُفَدّى

سامي العامري


نعم ,
مُتَعصِّبٌ للخمرةِ أنا ,
طائفيٌّ في هذا المنحى !
واحتسيتُ واحتسيتُ
لأنني ودَدْتُ أنْ أصبح كالشمس
جِرْماً جليلاً بِلا ذكرَياتٍ
وقَد فَعَلْتُ
وهذا نسيانٌ
ما عشتُ لا أنساه !
ما عشتُ
أفترسُ ما يفترسُ الذاكرةَ من مَرَدَةٍ وأباليس !
الدهشةُ تنهمِرُ من أعيُنِ الناظرين ,
مخلوقاتٍ لا أعرفها
إنها تصيحُ بأصواتٍ خفيضةٍ
كما ذئابٍ رخيمةِ العواء !
ها أنا كما أنا
فَلتقْبَلْني أيّها العالَم
على علاّتكِ !
او فلْتَرْفضْني
فها أصبح لي في المنافي من الأعوام
ما يسيلُ لهُ لعابُ التماسيح !
وإنهُ فصلُ الصيف ,
أكتبُ بالطبشور على جلد الليلِ :
الليلُ عباءةُ القمر
وأكتبُ :
أعطيتُ الآخرَ
حريتي الصغيرةَ
فغَدَتْ واسعةً عليه
وأعطاني حريتَهُ الكبيرةَ
فضقتُ بها !
------------
كولونيا
alamiri84@yahoo.de

الجمعة، مايو 15، 2009

أرَقٌ وغَرَق

سامي العامري

ناشدتُكِ اللهَ أنْ تُصغي لأحداقي
كي تَسمعي قِصةً عن جيلِ عُشّاقِ

وعن سماءٍ إذا ما أظلمَتْ حِقَباً
هَلَّتْ أهِلَّتُها من وحي أوراقي

وهَدْهَدَتْ رئتي من لهفةٍ سُحُباً
فهل رأيتِ عُلُوَّاً رهنَ أعماقِ ؟

كيف التقينا لساعاتٍ وفَرَّقَنا
داعي الوداعِ ولاقانا كسَبّاقِ !؟

ساءلتِ عن عودتي : كيف انتهتْ ؟ لغتي
أَوجُ انتصارٍ وروحي أَوجُ إخفاقِ !

فيمَ اشتياقُكِ للهجرانِ ثانيةً ؟
وما احتوتْ كأسُهُ الأُولى لِتشتاقي !؟

سهرانُ لا أبتغي نوماً لأنَّكُمُ
ما عدتُمُ غيرَ دمعٍ شاءَ إغراقي !

يا أنتِ او أنتَ , ترياقاً غدا أَرَقي
حيناً وبعضُ سمومٍ مثلُ ترياقِ !

فلو أتيتَ على مَتنِ الشذا لترى
فاعْجَبْ لِقَلبٍ هنا حَيٍّ وخفّاقِ !

قد ذبتُ قد ذبتُ إذْ لم يبقَ مني سوى
بُقيا فتىً فاقتربْ أضمنْ لكَ الباقي !

وإنْ خَشيتَ بلاداً لم تزلْ وَلَهاً
غَيرَى عليكَ فميلادي هو الواقي !

أنا ابنُ دجلةَ مصهورٌ وبُوتقتي
أمسٌ , ذراعاهُ مِن كِبْرٍ وإملاقِ

عندي مصائبُ دهرٍ , في شعائرها
أهرقتُ خمراً وعُمراً أيَّ إهراقِ !

نَظَمْتُ أسطعَ ما في النفس من شُهُبٍ
وجِئتُكُمْ راسِماً جَنّاتِ خَلاّقِ

نَضا نسيمُكِ ما في الريحِ من صَدَأٍ
فكان نُطقُ الهوى من دونِ إنطاقِ

مالي حَسِبتُ بأني تاركٌ وطني
لَمّا دخلتُ , ودمعي مَشهدٌ راقِ !؟

حزنُ البساتين كهلٌ عند مَن نظروا
يربو على السَّعْفِ , ذو ماضٍ كآفاقِ !

هو الحكيمُ مُقيمٌ وسطَ مجلسهِ
والنجمُ مُنتَثِرٌ كمِثلِ سُمّاقِ !

ما الضيرُ ؟ فالمُرتجى مياسمُ ارتعشتْ
بالرعد , بالوعد تُغري أيَّ توّاقِ

والناس في دَعَةٍ كانت ستألفُهم
كأنها العُرسُ لولا حشدُ سُرّاقِ !

لا يَأخُذَنَّكِ شَكٌّ , تلكَ ساحتُنا
سخطٌ على مُثُلٍ تنمو بأنفاقِ !

ناشدتُكِ الضوءَ والضوعَِ اللذَينِ هُما
غناؤكِ الثرُّ مَرسى كلِّ أذواقِ

لا تكشفي الجرحَ او غَنِّ لهُ بِصِباً
حمامةُ الأيكِ لم تبرحْ على الطاقِ !

يا مَن يرومُ انشراحاً , سِرْ فقد شَرِقَتْ
بغدادُ ليسَ بِرِيقٍ بلْ بأسواقِ !

أنا ابنُ دجلةَ ما انداحتْ أضالعُها
موجاً دعاكِ ولا مَنجىً بأطواق ِ!

غَطّى على مَشرقِ الأورادِ مَغربُها
ولي قناديلُ من صمتٍ وإطراقِ

وإنني مثلُكِ المشدوهُ من وطنٍ
ما كان لولا مآسيهِ بإطلاقِ !

قامتْ عليه مَقاماتُ العصورِ وفي
شَدٍّ ولِينٍ وترطيبٍ وإحراقِ !

لكنْ رهاني على عنقاءَ من لهبٍ
كأنه أبداً دَينٌ بأعناقِ !

أعراقُ شعبيَ تبقى حُصنَ تُربتِها
حتى وإنْ أصبحتْ أفواجَ أعراق !

أنا ابنُ دجلةَ , ألوانٌ قلادتُها
مِن كلِّ دُرٍّ كريم الأصلِ بَرّاقِ

فإنْ تَزُرْهُ يَلُحْ مِن فرط غبطتِهِ
كأنه ناسكٌ في حال إشراقِ

وكلُّ مَن سابقوا مجدَ الفراتِ مَدىً
أصيبوا - مِن قبلِ أنْ يَعدوا - بإرهاقِ !

وكم نُغالي بصمتٍ حينَ نُنْشِدُهُ
وماؤهُ والغوادي رِمْشُ إبراقِ !؟

إنْ غبتُ حيناً عن الأعذاق في وطني
وأنتِ قربيَ فالأقمارُ أعذاقي

حريتي الحُبُّ , لو لم يَختضِبْ بدمي
لكنتُ يا قِمَمي أَولى بإشفاقِ !

حَسْبي , وقد أَذَّنَ الديكُ البشيرُ ضُحىً ,
ضحىً دَهاني بلحنٍ عنك دَفّاقِ

فَلْتَرْتَدِعْ غُربتي ما دمتُ أقطعُها
بالحُبِّ والشِّعرِ حتى مَقْدَمِ الساقي !


*****************************
(*) أوّل رحلتي مع الشعر كانت بداية ثمانينيات القرن الماضي في بغداد وكانت محاولاتي الأولى هي تحديداً في كتابة القصيدة العمودية وبما أني عدتُ قبل شهرين من العراق بعد زيارة هي الأولى منذ 25 عاماً من العيش في المُغترَبات فقد يكفي هذان السببان للتعبير عن بعض هواجسي وأفكاري بإسلوب الشعر العمودي او ربما هناك دوافع لا شعورية أخرى !

------
كولونيا
alamiri84@yahoo.de




الأربعاء، مارس 18، 2009

المجموعة الشعرية الأولى: السكسفون المُجَنَّح ـ لسامي العامري

الناشر : دار سنابل - القاهرة - 2004
الغلاف للفنان العراقي : باسم الرسام

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كُتِبتْ القصائد بين عام 1984 و عام 1996
في إيران والمانيا

-----------
( نسخة مُنقَّحة )
2008
كولونيا


**
سامي العامري
--------------
alamiri84@yahoo.de

* ولد في بغداد / نيسان عام 1960 .
* درس في معهد الإدارة والإقتصاد ولم يتمَّ دراستهُ بسبب ظروف الحرب .
* عبر الحدود الى إيران عام 1984
* يقيم في المانيا منذ عام 1986
* له عدة مجموعات شعرية يزمع إصدارها في فرصة مناسبة , منها :
العالَم يحتفل بافتتاح جروحي و : أستميحك ورداً ! و : الإصطلاء بالنجوم ! و : رباعيات من الآخرة ! وكتاب شعري باللغة الألمانية بعنوان : قلادة من جُزُر .
وله كذلك من الكتب التي تنتظر الطبع :
* كتابان أدبيان , الأول يحمل عنوان : حديث مع ربة الشفاء .
والثاني : النهر الأول قبل الميلاد .
• كتاب في النقد الأدبي والسياسي والإجتماعي وعدد من قضايا الفكر يحمل عنوان : الأحلام بوصفها هاوية !
• خلال السنوات الماضية نشر الشعر والقصة والمقال في مجلات وصحف عراقية وعربية وينشر منذ سنوات في شبكة الإنترنيت .
**
القصائد

بوهيميا الحَمام
*** *** ***
- 1 -
نهراً بجنحٍ من أزاهيرٍ
جناحي يستطيلْ ،
غجراً بفوضى اللونِ
ينتشرون ما انتشر
الهديلْ .
- 2 -
قمرٌ ولكن ليتَهُ جيرانُنا ،
جيرانُنا نأيُ الحَمامِ
ولاتَ حين نوافذٍ
غيرُ المُدام !
- 3 -
متحمسونَ
فكانَ في الأمداء مسعى
لكنما البحرُ الذي ركبوُهُ
- لايدرون -
ضَمَّتهُ العواصفُ
طار
طار
كثوب أفعى !
**

الثلاثاء
***
- 1 -

ماذا اذا عَبَروا التخومْ
مِن دائرينَ
وجنَبهُمْ لوحٌ بهِ
أوقاتُ إقلاع الغيوم ؟
- 2 -

النخلُ في الأفق الخَضيلْ
رَبٌّ
أطاحَ
بهِ
الهديلْ !
- 3 -

صيفٌ … رصاصْ
مُدُنٌ … رصاصْ
هذا الرصاصُ
أراه مزروعاً على جسدي
ثقوباً فوقَ نايْ !
**
سباق الخيل والعَبَراتْ
*** *** ***
هل أطلعَ القصبُ الإوَزَّ
على طوّية قاربي حتى يضجَّ ؟
ولو دعتني النفسُ
أوقفتُ القواربَ كي تراني ،
لو دعتني الريح
طوّرتُ الحكايةَ ،
قلتُ : إني سابحٌ ،
بيدي زمامُ الضفَّتينِ
فلا أهاب وشايةً
من طحلبٍ ضَجِرٍ
ولا ترنيمةً من معزفٍ عَطِرٍ
ولا حتى السنابلَ
وهي تترك جَذْرها يقفو دمائي
إنه شَغَبي النخيليُّ المدى
إنْ تلغِهِ يفرشْ سجاجيدَ الشظايا ،
تفتقدْكَ هداهدُ القمر الشرود
مع الصدى
فاليكَ عنك
وسِرْ اليَّ
وليس عنواني سوى ......
إِلاّ ......
عدا ......
كَلَّ النواعير الغريقة ،
كلَّ حرفٍ ضَلَّ ذاكرتي
فطوَّبَهُ فراتُكَ عاقلاً
لا يستعيرُ مسلَّة الصبواتِ ،
دمْلَجَهُ غيابُكَ بالصدأْ
حتى ابتدأْ ......
يرتاب ،
ترجع صبوتي ورقاءَ كالأحزان ،
غصنٌ لا تني
رئتي تفاتِحُهُ برفّات اليمام
وكيف تقتبس الشموعُ ضياءَها
من جمر قلبي
كنتُ حتى قبل ساحاتٍ
أُجيدُ الذكرياتِ
فلا أسير الى ملاكٍ
لا يُرى بالعين والشرفات
حتى فاض نهر القافياتِ
وليتها قيلولةٌ في القاع
ثم تفيض كأسي ......
قلتُ : كنتُ مخضرمَ العَبَراتِ
مقتدياً بخيلكَ
فأنتهيتُ لأرضِ فارسَ
ساكباً دمي والقناديل َ
احتراقي السرمديُّ أضاءَ طهراناً
فاعطيتُ الامانَ لكلّ ساعٍ ،
طُفْتُ ( مَشْهدَ )
في القرون المعتماتِ
وكلُّ عينٍ مثل عيني
ليس يملأها سوى حلمٍ
تكاد الشام لا تنساهُ
ثم ابتاعنا
والغرب حاضرةٌ تكرَّمَ دربُها
فأضاعنا !
وأضاعَ سرباً من منافي
ينبيكَ ما لاقى كفافي
أفكان زالْ ؟
أفذاك فاوستُ المخلَّدُ
حيث لا حجرٌ ولا تمثالْ ؟
وعلقتُ ثانيةً بأهداب السؤالْ
ورأيتُ ثََمَّ اللهْ
وسمعتُ ثَمَّ اللهْ
وشَممِتُ ثم الموتَ زهراً يانعاً
يمشي فيتبعُهُ نداه ْ
لو أيقظ الامواتَ بالباقاتِ
أطفالٌ حيارى في المدينهْ
لَسَمَتْ بلادُ النهر
حيث النهر بحرٌ لم يزل فَي المهدِ
ساعاتٌ ......
وتسبح قامةُ الصبح الحزينهْ
من طارحٍ عنها السُّرى
ومطارح العشاق
عطراً
كي يغازَلَهُ مغازلةً ضَروسْ
أو واحةً لعبتْ على ريحانها
خُضرُ النفوسْ
وتَزَيَّنَتْ للطير ساقيةٌ !
فهل أنا كاتبٌ حقاً دواري الحلوَ
ام حزني المُعرّى ؟
ليس الفراش’ جميع ما يخفي الهواء
وراء غابتهِِ الشفيفة
فالظباءُ تطلُّ عصرا
وكأنَّ منضدي بَرارٍ
وأنتظرتُ ظباءَها
شعراً يمُتُّ الى النساء بغبطةٍ
والى مدائنَ - لم يشاهدْها -
بذكرى
شعراً يمتُّ الى العراقِ بدجلةٍ
والحربُ تلوَ الحربِ تترى
انا قادمٌ حزناً
وهم يتهامسونْ
مازلتُ أسمعهم
وها هو ذا النهار
والحقل يلغط بالخضار ،
سمعتهم يتهامسون ،
عرفتُ ما قد سوّلتْ
لهم الحجارةُ
إنهم ينوون رجم القادمَ التالي
وما فيَ الدرب غيري أنا
وغير بقيةٍ من بعض شيءٍ
لستُ أعرف كُنْهَهُ
أدعوك من قلقٍ إذنْ
أدعوك لقِّنّي الرمالَ وعثرةَ الأجيالِ
لا تتركْ هضابا
إلاّ وسيَّرْها سحابا !
وأنا هنا أدعو السراب وإنما
أدعو لقُاهُ لِما تعشَّقَ فيه
من دُرر المحارْ
أدعو اليك حمامةً بيضاءَ من فرط النهارْ
أدعو اليك مقامتي الاولى
وهل رئةٌ كما ضفةٍ ؟
وهل ضفةٌ كما وترٍ ؟
وهل أدراك ما أدراكَ ؟
أملينا الجراحَ على الطفولةِ ،
تستعيدك حيث تحنو
والزنابقُ حالماتٌ بانقضاض فراشةٍ !
هذي شظايا من أقاصيصٍ
تمنُّ بها الرياحُ على شراع المُبْعَدَينَ
فراحَ يغرقُ ,
تضحك الأسماكُ
وهي تدُلُّ غارقَنا على أفقٍ
نما في القاعِ
حتى لم يعدْ في الوسع إصغاءٌ لناي !
بيني وبينك صيحةً خطروا
تجاه الموت والمجهولِ
ملءَ أناهمُ يهوون ،
مِلءَ أناكَ
مِلءَ أنايْ
هم طالعون من ارتعاشاتِ الغلالْ
أسماؤهم أدواؤهم ْ
وجنانُهم حرمانُهم ْ
ورياضُهم أنقاضهم ْ
إن كان موعدُنا غداً صبحاً
فانّ الضوء سالْ
أفلستَ رُبّاناً ...... ؟
تعالْ !
**
رايةٌ مُغْمَضةٌ
*** *** ***
لا شفاءَ للَهِّم المعتَّقِ ,
واقفاً أسير على
غير هدىً ،
كجناحٍ معتصمٍ في طيّات مرفأٍ
وَعِبْرَ هانوفر ما !
هامبورغ ما !
أسير مصطحباً خطاي لا غير
ساعتي تُشير اليّ وأربعين دقيقةً
خطاي ، خطاي المثابرة على اليأس !
مئات الأفكار خطرتْ ببالي
في المسافة القصيرة ما بين بيتي
وبين السوق ،
ليت نقودي بعدد أفكاري
فأشتري ما أشاء من صناديق النبيذ !
**
ميقات الثمر
*** *** ***
في هذا القلبِ ، تشبُّ النارْ
وتشبُّ النارْ
في هذي الدارِ ,
تركتُ الدارْ
تصّاعَدُ منها ألسنةٌ من أزهارْ !
أزهارِ الحبِّ
وأسرابُ حمائمَ حائمةٍ
أدْهَشَها اللحنُ الهامي
من أنباضِ الينبوعْ
وانداحت مرآةٌ عند ضباب الأفق
فيعدو الناسَ
وتّسابقُ والغزلانَ
فلولُ الغيم
فألمحُ قلبي المشبوبَ يُشعُّ
ووسط النار يضوعْ
أقنعةٌ تسقطُ ،
أسماءٌ تتداعى
لا يمكثُ إلاّ عُشٌّ مبنيٌّ
من رفرفةٍ وصداحْ
لا تمكث إلاّ الذكرى في الساحْ :
كان البلبل فوق التينةِ
يتعجَّل ميقاتَ الثمرِ
وكان صحابي
يعنيهم ما يخفي وأخفي ،
كُنّا كصديقين .
على ضفةٍ سائرةٍ
كَبُرَتْ ذكراها
فلثمتُ صداها
وسعيتُ الى طاولةٍ
مُثْخَنَةٍ بالأقداح !
**
حزن يجهله القاموس
*** *** ***
ما قاد دماءَكَ للشعرِ ؟
أَدبيبُ الخمرِ
أم أعماقٌ تلمَسُها
في آناءِ الليل وأطرافِ الفجرِ ؟
أم خيباتُ الحبِّ !؟
أم لحظاتُ خيار صعبِ ؟
أم خوفٌ مِنْ وعلى وطنٍ مَغتَصَبِ ؟
أم أخطاءْ ؟
أم كِْبرٌ وإباءْ ؟
انا محزونٌ منذ نعومة أشعاري
في قلبي الحالم بالثورةِ
يكمن حزنُ
جميع الأشياءْ
يجهلهُ القاموسْ
حزنٌ يوقف بندولَ الفانوسْ !
**
ذرَّة الشعراء
*** *** ***
المرض والجوع
فعلان مساعدان
ولكن على الغضب حَدَّ الذَرَّةِ
فأين هي ذَرّةُ الشعراء ؟
لو كان بيدي سيفٌ
لشطرتُ القمرَ الى نصفين
والنصفين الى أربعة
والأربعة الى ثمانية
والثمانية الى ستة عشر
والستة عشر الى ملايين الدموع
تضامناً مع أطفال النخيل .
**
أنجم ٌ كالجروح الطرّية
*** *** ***
إنها الحرب تغلي
ولا سامعٌ يسمعُ
ولا نسمةٌ تلمعُ
سوى سنوات المحال الثماني
وأخرى تلتها
وأخرى غداً تتبعُ
فعلى أيِّ لحنٍ
تودّعُ أشياؤنا أرضَها النَيِّرهْ ؟
وكيف تُصلّي
ووجهُكَ ولّيتَهُ صوبَ دجلةَ
هل تصطفي قِبلةً سائرهْ ؟
أنجمٌ كالجروحَ الطرّية تقطر ،
أدمعُها الحمرُ تهطل كالشذراتِ
كدمعي وما أكثرَهْ !
أَعنّي
فاني وأَيمِ الشوارعِ في بوحها والمعابرْ
وأيمِ العذاباتِ
لاقطةً حَبَّها حيث جاع المسافرْ .
تخلّلْتُ جرحَكَ
باباً فَبابْ
فانتهيتُ الى أُفُقٍ قد سما
فاذا بَجَعٌ هالني صاعداً للسحابْ
بجعٌ يتهاوى بمرج الدخانِ
على حين غَرَّهْ
فيلفظ أنفاسَهُ دُرَّةً بعدَ دُرَّهْ !
**
جذورٌ شاهقة
*** *** ***
وراءَ البابِ
يُقعي الليلُ
يَنشد رؤية الأسرارِ ،
يا ليلاً ضبابيّاً ،
ليلبسْ قلبُك المنهوكُ
نظّاراتِ ساحرةٍ
ولو حلمي شراعٌ راجعٌ
بالغَمْر نحو بدايةٍ أُخرى ،
قِفا نَمضِ …………
وكانَ دمي الدليلَ بعتمةِ المسرى
وكنتَ سألتني
عمّا دعا الأشجارَ للإقرار بالظمأَ الكبير
فَرُحتُ الصقُ غيمةً بالصمغ
في أفقٍ يشير الى مغيب الشرقِ ،
أعبرُ قامتي ،
تجتازني الأسوار
كُنتُ سأمتُها
في كل طور كُنْتُهُ :
سكرانَ ام يقظانَ ام ما بينَ بينَ !
ومثلما وترٌ هو الشريانُ
أعزفُ صبوتين عليه
أعزف عالماً بأصابع الغابهْ .
**
مساجلة على باب غرناطة
*** *** ***
قد طابَ للأمير والقُوّاد
أنْ يحلموا ،
أنْ يكتبوا ،
أنْ يخرجوا من أطوارهم ،
من باب عُشِّ الببغاءْ
وللجواري أنْ يرينَ الطفلَ
في همهمةِ الريحِ
كمرعى بسمةٍ بريّةٍ مُسْتَفْسِرَهْ
وكلُّ هذا كانْ
تزاوجَ الخفافيشْ
في الظلمةِ الطاهرهْ !
ها إنهم يرحلونْ
والشاعر الليلةَ يرتجفْ
ويرقب الراحلينْ
آمالهم عريضةٌ كالطبولْ
وحين عاد الشتاءْ
ماذا وعى الشاعرْ ؟
تناثرتْ اشلاؤهُ
كختمةٍ شمعية حمراءْ
تغلق بابَ النملْ
غرناطةٌ ……
غرناطةٌ ……
لو أنهم أدركوا ما الجرح
الذي يبني دم الشاعرْ
لكنما ……
لكنما …..
لن تثقبَ الأحلامُ أقواسَ السحاب !
عاد كذا الاميرُ
مسرورَ الدُمى
وضاحكاً وعارياً
وضاجع القاتلَ والمقتولْ
وحَدَّثَ الناسَ عن الفِراشْ
ووحدةَ الفصولْ
لا تنصح الشاعرَ بالقفزِ من الأسوارْ
لا تنصحِ الاميرَ بالعدولْ ……!
**
صيغة تفضيل
*** *** ***
أنقى من الهواء
دخانُ طاغيةٍ
يحترق .
**
حكاية قلم
*** ***
فَرَّ لوركا
بعدما راموهُ شحّاذاً بعُرْسِهْ
ثمّ في الحانةِ قد ماتَ
مُسيحاً قَلَقَهْ
فتذكّرتُ بأنَ القلمَ
اصطفَّ مع القاتل
فاستأذنتُ لعناتي
لأبدو خارجاً مني
انا مَن كنتُ رَحمَ الورقَهْ !
**
آخر القطاف
*** ***
أعوامٌ بلا مفاجآتٍ
أزفرها تجاه سماء تموز الصافيه .
في ذهني مراكب صيدٍ
وخمرٌ وتبوغ
حيث تتبدّد على مدِّ البَصَر
جزرٌ حمراء كقطرات دمٍ
لطائر بحريٍّ جريحٍ
وغيمةٌ تأتي من بعيدٍ ،
تهبط لتتزوّد بالماء والأسماك
وقد تستريح ليلةً
وفي اليوم التالي
أوْدِعُها بعضَ غربتي لتواصل السفر .
أناَ البحّار الخاسر
خسرتُ المرأة
ومن قبلُ اكتشفتُ زيفَ الصديق
وها انا أوشك أنْ أخسر الوطن !
**
الصباح يتبعني على رؤوس الأصابع
*** *** *** *** ***
نائمون
سوى عاهرات الطريق
يضاجعن أعمدة الكهرباء ،
وما هي إلاّ تناول شايٍ
وردَّدَ ثغرُ الصباحِ
سعالَ العصافير ،
والليل بقّالْ
يُلَمْلِمُ كلَّ النجوم ويوصد أبوابَهُ
ها انا في الدروب ،
تفحَّمَ وجهي بصوت الغُراب المسافر توّاً !
وفي النهر أرمي حَصىً
فتنمو الدوائرُ في النهر كالطاولات
ومن زهرةٍ في الضفاف لأخرى
يطير الندى حشراتٍ صغيرهْ
ولكن انا
مَن يكون شهيداً بوقعٍ كهذا
الى أين
بل فيمَ أصهر وقتي ؟
تطاولتُ ،
أغمرُ كلاًّ
بخُصلات صوتي !
**
إنعتاق
***
قلبي …
لمّا تزَلْ سيّداً للكآبةِ
اني سأرميك في (( سانت باولي ))
مقاطعةِ العاهراتْ
فقد يحسبونك سِّيدَ قومٍ
فتمسي سعيداً
وأمضي انا دون قلبٍ
لعلّي أحسُّ – ولو لحظةً – طعمَ هذي الحياةْ !
-----------------

(*) سانت باولي : إحدى ضواحي مدينة هامبورغ .
**
بكاء
***
- 1 -
قلبي يبكي منذ نعومةِ أَضفارهْ !
كانَ المرجوُّ
هو البحث عن المصباح السحريِّ
ولقد شاركني الرأيَ الصيادونَ
فَهُمُ أيضاً ماعادوا يثنون على البحر !

- 2 -

أَتَذَكّرُ ……
أتذكّرُ ……
لكنَّ قطرات دمعي المتساقطة
حاذقةٌ في العزف
على البيانو !
**
أنامل رعوية
*** ***
لم يكن لسفينة مِلحٍ
أن تلاحق غيوماًَ عذبة .
عطر الأوراد رغم الدماء
كان موغلاً في تفتّحِهِ
والنخلاتُ نافورات ماءٍ أخضر
كمدىً يتوسّدُهُ رحيلُ يمام
وعلى هذه الدوحة بالأمس
أناملُ رعويةٌ
رأيتُ اليها
فقلتُ : يا شوقُ ،
فاكهةً تعال نسمع
وتعالَ نشمُّ نواقيس
كُنْ حُرَّاً كرؤىً في مهجةِ تمثالْ !
**
قبل نحو ثلاث قلاعٍ
*** *** ***
دفعتُ ظلالي أشرعةً
كان صوتي يطوي ممالكها
والمهالك مزدهرهْ
ربما إنني الطفلُ
همتُ بها قبل أن تُنهيَ العدَّ للعاشرهْ !
قال : ها هي تعبر دونكَ ,
ثم انبريتُ لافتحَ بعضَ الرسائل
بحثاً عن الأوجه العابرهْ
ومن ثم المح’ مليون عينٍ مسافرة في الهواء
راح يرتعش الخيزرانْ
وتخفق في الكأس أعماقُ مرجانْ
ويُقتل انسان !
قبل نحو ثلاث قلاعٍ
ترفُّ عليها اللّقالقُ
أشرعةً من غيومٍ تُشعُّ
اعتصمتُ بهاويةٍ ،
كنتُ أَملّتُ
لا أعرف المنتهى
غير أني خلعتُ السكينهْ
مبتدئاً بالبكاء
لأفسدَ أفراحَ هذي المدينهْ !
وقد أستفزُّ القمرْ ,
حفيفَ المياه اذا ما صبا
وخرير الشجَرْ ......
عالمٌ لم يزلْ غامضاً
طالما عادَ بيْ
فاستمعتُ لوقع الأَثَرْ !
**
إمرأةٌ في الثلاثين من عمري
*** *** *** ***
ولكن لن يضيرني
فحتى اذا وَجَدْتُني واقفاً
وظلي سكران يترنّح
فسأَغُذُّ السير
حتى أُهدي لأعشاب الحقول
باقاتٍ من الخرفان !
وفي الليل
حيث النجومُ مساماتُ الله ..
والبحر يتخبّط موشكاً على الغَرَقِ
والهواء عليلٌ مثلي
ستناديني فاتسلَّل اليها عَلَناً
إنها زهرةُ قّداحٍ ،
عبيرُها يتفتّحُ
بصُحبةِ أنفاسي !
**
المآل أمام بحر الشمال
*** *** ***
جالسٌ ،
بيدي السجارةُ
وهي شريانٌ تمرَّسَ باللهيبْ !
وفي أُذُنَيّ ترتيلٌ ترابيٌّ يدورُ ،
وموجةٌ صفراءُ
تغمر نصف ساقي جورباً !
**
عناقيد الرصاص
*** ***
رئةٌ بها
تَتَنَفَّسُ الأكوان
من بعدَ اختناقِ
مدار أنجمها بموسيقى الصديد
ورجعِهَا اَلدَبَقيّ
ها عدتُ انتبهتُ الى صلاةِ الميّتين
فما عجبتُ لأنها أشجى ،
عبرتُ اليهمُ ،
مُترَنّحاتٌ فوق أسماعي
عناقيدُ الرصاصِ ،
هوىً يُدوّر – مثل مروحةِ الطواحينِ –
الحمامَ أذيعُهُ
فأهابُ ألاّ يُستطابَ
لأنَّ آلهةَ الخرابِ
تهافَتَتْ ،
غرستْ مسافتَنا جراحاتٍ تسيلُ
وبعدُ لم تغمدْ مخالبَها
أهالكَ أينما حَدّقتَ ثَمَّ دمي ؟
دمي ما كانَ يرفو اليأسَ
في سجن الإهابْ
لكنه مُذْ كانَ كانَ غدائراً
وصدىً بغابْ !
**
كمانٌ ليس عندي
*** *** ***
بشراهةٍ أصغيتُ ,
إصغائي سدى
وبصبوةٍ حَدَّقْتُ ,
لم يرجعْ صدى
صَعُبَ الضحى دون الهديل
وقد حفظتُ كما الخواتمِ
كلَّ أسرارِ القتيلِ
وَدَدْتُ لوَ أنّ الحَمامَ أذاعني ،
أوحى اليَّ ولو على رَغم اجتهاداتِ النخيل ،
هيَ الأزقةُ كالمرايا
في نثارٍ ، لستُ ادري
هل تخطُّ يداي باللَّهب الشبيهِ
بصبغة الحناء حرفاً في الهواء الطلْق
من شِعري ؟
غيومٌ حّلقت عِبْري
كمانٌ ليس عندي
كي أُطمئنَها بأني جَنَّةُ الأخطاءِ ،
ماشٍ
أستظلّ بها
وفي زُوّادتي حطبُ الشتاءِ
أرى ملاكاً
في المدى الشرقيِّ
يهبط كالشهابِ
مَن شاءَ أن تختَارني ؟
صعبٌ كمرقاكَ
اصطحابي !
**
ينتهي نسبي للحرائق
*** *** ***
أعوامي الماضية
أرخبيلاتُ ضبابٍ
يُحيط بها العساكر الناشبةُ أضفارُهم في الضياء
كانوا عساكرَ
كانوا فضاءاتٍ بلا حزن ولا أسرار .
والآن …
طرقٌ مجهولةٌ تتغذّى على خطاي ،
تنمو ، تتّسع ، تطول
انا الذي اختبر الملهاة مرتين
لي قصة بعيدة
وها قلبي وحيد
يتسلى بالملل !

بلا قّبعة
تقيهِ حَرَّ الشمس
وبردَ القمر !
وكم بعيدٌ هو العراق ،
بل كم مُغبَّرٌ وَمنسيّ !
**
من بعيد
***
هنا وهناك
أقفُ متمدّداً على ظلّي !
أرى الضياء
أزهار عبادِ شمسٍ تلامس النجوم ،
وأطفالاً بعيونٍ مختلفٍ الوانُها
يهرعون للإحتفاء بها
وأضحتْ قلوب السابلة
بعد قلوب الشعراء
فريسةً للشكر والإبتهاج !
هكذا
ذاكرتي لؤلؤةٌ ترمشُ !
أو أكمةٌ يتبعني ضوءُها
أسرابَ نحلٍ
وأمواجاً تسيح راياتٍ
على الضفاف
بينما ينحدر من بعيدٍ
لا أحدٌ !
**
جزيرةٌ من ماء
*** ***
الصيف
والجسد المبلول بالعَرَقِ
كجزيرةِ ماءٍ
وهكذا ،
واقفاً عند ظل كرمةٍ كنتُ ،
أنفاسي تصطكُّ ،
عيناي تتبعان
نبعاً مَهملاً ،
كرمة ليس لها ما لكرمة الأمسِ
من ماءٍ زلالٍ
ونشيجٍ مالح
ومن ثمّ تذكّرتُهُ ...
كان يافعاً يتهجّى حرب الثماني مراراتٍ ،
زجُرَتُه ولم أكنْ داعيةً أو رسولاً .
لحظةً كبيسةً كانتْ
إنه انا …
إنني أنحدر ,
أجلس على صخرة زرقاء
أرتق قميصي الأحمر
كمَن يرتق حريقاً
ناديت عليه
غير أنَّ سفينةً …
ها هو يبحر
ولكنْ مَن يدُلُّ البحرَ
على أشياء أعمق منه
تمشي عليه !؟
**
مقطع مستوحى من إحدى جداريات بيتهوفن
*** *** *** *** *** ***
ياحافلةَ الأطيار
الداهسةَ على ضلع الشعراءِ
كشواظ الوتر الصيفيِّ
ومَن غيرُكِ يقلبُ هذا الماطرَ ،
هذا الماطَر مثل مساماتِ القيثارِ ؟
عفريتٌ
يحكمُ
أمصاري !
**
أنا
***
- 1 -
انا الذي رأى السماءَ والأرض
تتعانقان كامرأتينِ
سُحاقّيتين !

- 2 -

انا مَن تمادى لا يعودْ
إِلاّ ويُخفي زحمةَ الأشواقِ بالأشواقِ
والغدَ بالرعودْ
انا مَن تصفَّحَني كتابُ الشعرِ ،
أغلقَني ونامَ بظِلِّ عودْ
**
السجود على درع السلحفاة !
*** *** *** ***
غنيتُ الربَّ
فأعطاني مسبحتَهْ
أعطاني أبدية ان أُعلي الأشجارَ
وأشركها في حكمي
انا العاري
والمنبوذ
الحافي !
إخلعْ نعليكَ
فإنك في حضرة ( بوهما الإسكافي )*
وسِرْ فوق الماءْ
هاتيكَ سلاحفُ تتبعني
هاتيك السجدةُ أبسطها
ليراني كُلاًّ ولأنسى
أني كنتُ لحينٍ بعضَ سماءٍ
بعضَ سماءْ !
---------------
(*) بوهما الاسكافي : متصوف الماني شهير .
**
سوح الفراغ
*** ***
وأصابعٌ ركضتْ
بدوحة كلِّ أفقٍ
أخفى نسائمها نضارْ
ومسمَّرون
سوى خصال الأعين التعبى
اذا ذرفتْ على العتبات
دَمْعاً مُشرِكاً
وسوى الخيول تدور في سوح الفراغ
بلا قرارْ !
**
فتوحاتٌ مَدَنيّة
*** *** ***
الى حميد العقابي
في تَسَمُّركَ ما يُذكِّر بماجلان !
صاح بي الغيم ساخراً ،
ولكنني أخيراً وصلتُ ،
انا العَدّاءُ ،
مُرَمِّماً الرقم القياسي ،
مُجْهَداً كالضوء المسكوب
من مآقي النجوم .
أفكارٌ ما زلتُ أُشكِّلهُا ،
أدور حول أسوارها
حتى توهّمتُ بأني فتحتُها
الواحدةَ تلو الأخرى
مغرياً الحبرَ المتجمِّدَ في عروق قلمي
بكتابة قصيدةٍ .
حتى اذا نَهَضْتُ
تحاشاني السابلةُ
مُخْلينَ لي السبيل
وناظرين اليَّ من ثقوبٍ
في الحدائق المتراكمة .
إعتصامٌ في فُوّهةٍ
ذاكرة المدينةِ ،
وعشقُهُ للسلام
يُجَرّحُهُ تجريحَ النمور ،
قال الغيمِ .
والمدينة خَتُمها مُريبٌ :
إختفى القرميدُ فتحسَّسْتُ دمائي ،
إختفى الرصيفُ فتحسَّسْتُ خطاي ,
قالوا :
إنْ عُدْتَ فلن تجدهم كما خَبرِْتَ
يستعدّون لِخِتان السنابلِ ،
ينحني الليل فَتَنتَعِل المدائنُ مَوْقِداً
ولستَ نَبيِّاً
فَتُتَّبَع
أو لُصَّاً فَتُشَدُّ الى جذعِ نخلةٍ
أمّا المدينةُ الأخرى
فهيَ الأخرى بلا تَذَمُّرٍ ولا وَباء
حتى بلا سُكْرٍ وتشهيرٍ بالأضواء !
أين أُعلِّق صوتي ؟
أرجعتُ عقربَ الفانوس
ذاكراً كوكباً قَصّياً
كان رأسي قد دلفَ الى مِشْنَقَةٍ
فأبى أن يَعْتَمِرَ الرماد
صُرتُ بحراً
تصالبَ عبْرَهُ موجٌ
وأغنياتٌ
تمدّ شِباكها لتُعيدَ أسئلةَ الغريقْ !
**
أَقول والعهدةُ …
*** ***
يعرّشُ موتٌ على الجبل القرمزيِّ
وللوادي خنزيرُهُ الجائعُ
الأصلعُ المَعِدَهْ
وفانوسُ راعيةٍ في الظلامِ
يسُّرحُ أظَفاره الراجفاتِ
قشوراً على مائدهْ
خنازيرُ جائعةٌ
فوانيسُ ترعى
وقافلةٌ من جنودٍ
تسير بعيراً بألف سنامٍ
أَضاعتْكَ خطوتُها الماردَهْ !
**
رغم الخوف
*** ***
أيتها النساء
إقطفنَ قلائدَ تتشكّل في دمي
دمي فانوس ديوجين
تحمله الخيولُ
مُفَتّشةً عن ميدان !

*** *** ***

برغم الخوف لأوَّل وهلهْ
أدنو من عينيها ,
أذرف فَوقهما قُبلهْ !
**
دعوة الى مالك الحزين
*** *** ***
الحقلُ يأسرني بمالكهِ الحزينْ
يا مالكاً ،
مرآكَ يسعدني وليس تشفِّياً
صنوانِ نحنُ ،
ألا ترى :
متباطيءٌ دربي ، وخطوي لا يبينْ ؟
دعْ حقلكَ الواهي إذنْ
فغداً تُعَبِّدُهُ المدينهْ
وتعال توصلك الدموعُ
لقعر روحيَ ، قعرهِا
فاذا وصلتَ ترى
حقولاً يانعاتٍ بانتظاركْ
وهوىً ربيعياً
ومالكةً حزينهْ !
**
المُنَجِّم نهاراً
*** ***
عسلٌ مضيءٌ عِنْدَ النافذة
زجاجةٌ … زجاجتان من مذكَّرات النحل
ووراء النافذة
عيونٌ تتمرأى بعصفورٍ ,
زهورٌ تتماثل للرحيق ,
وكصوت أحجارٍ صغيرةٍ تُرمى في الماء
كان صوت القبلات
وكانت الريح ترجّ سنابك السفن …
كم يا تُرى هَزَزتُ مهد هذه الأغنية البعيدة ؟
وكم جنحتُ يأساً للمديح !
بحيراتٍ يتسلقُ الضوءُ وصحارى
وهناك الخيلُ صهيلٌ يفضي إلي برارٍ ما
أيتها الأَعالي , أيتها القمم
كذا الأبوابُ لا تستميل أحداً عن ترفٍ
بل عن جنونٍ كالطَلْع الواقف مزاراً للفصول
وكأفواه الأساور ,
وأنا المنجِّمِ نهارا
أعمدةٌ مَن يبعثرها في حضرة فوضاه ؟
لتَثِبَ الشمسُ هناك ,
تمتدُّ وهي ممسكة بحدود العالم
مُحاذِرةً عصراً محدودبَ الروح
أيها الشاعر , هاتِ قلبك أفتحه ,
أدقِّقُ في جداولهِ ,
أحراشه ,
مرثياته …
أيها الجنون مؤَطَّراً بمجد الوحدة !
**
عملة بثلاثة أوجه
*** *** ***
-1-

ثمنُ الحريّةِ
أعلى من أعشاش
اللقالق .

-2-

تُلاحقُني الثواني
أَتَّقيها حامِلاً آثاَر أقدامي
على ظهري .

-3-

ياعالماً مغامراً بالرمل والأمواجْ
عزاؤنا حريةٌ
عزاؤنا حريةٌ ،
ومطلقُ اليدينِ في السجنْ
أفضلُ من مُقَيَّدٍ وَسط خِضَمِّ الحياةْ !
**
قالت : كأنه هو ....
*** ***
أيتها المدينةُ
مدينتي – إِذْ أراكِ – أرى ،
هي عينَها :
سربَ عصافيرها الثرثار ،
غصنَها الذي تقوَّمُهُ العواصف ،
فَتاها الذي يرمي بسنّارتِهِ في الماء
لا ليصطادَ سمكةً
وإنما مَوجةً
ينطلقُ وإيّاها في رحلةٍ بتول !
**
تعاطفٌ ليس إلاّ
*** *** ***
- 1 -

شجرةٌ
مُسنَةٌ
عمَياء
أمسِكُها من يدها
وأعبِّرُها الشارع .

- 2 -

ظلَّ الناس يبتهلون فوق التل
وَلمّا لم يُنزلْ الإلهُ شيئاً
بكيتُ لهم
وفتَّشْتُ في قلبي عن سِيجارهْ !
**
صالات الريح
*** ***
وأخيراً
ها أنا ذا ساديٌّ
أَنتُفُ ريشَ الأطيارِ
وأَجلدُ ماهبَّ ودبَّ من الأشجارِ
أَسكبُ مافي مِحبرتي
في عِبِّ الريحِ الداخلةِ
الى صالاتٍ تَزْحَمُها جُثَثٌ
مُتَجَمِّدةٌ
كالأرصدةِ ،
وَفي كَفّي مِعْوَلْ
أتحَّدثُ بلُغاتِ الإنسانِ الأوَّلْ
تشكرُني غاباتٌ
تحترقُ بصاعقةٍ من بدءِ المَولِدْ
أدري أني لا أَملكُ هذا ………
دَمعي الدانوبُ
يَصُبُّ بشطِّ العربِ
وَرَجعُ زئيري
يَنْقُلُهُ ناقوسُ المَسجِدْ !
**
سِيّان
***
في هذا الخريف العاري الأغصان
إنْ لم تكن هناك حمامة
تَحتضنُ بيضتين
فهناك غيمةٌ داكنةٌ
تحتضنُ الشمس والقمر !
**
مفارقتان لزمن واحد
*** *** **
- 1 -

كالشيخ
لم يَعُدْ يُعيننُي أَيٌّ
من أطراف جسدي
لا الشمس
ولا القمر !

- 2 -

في وقتٍ واحدٍ
قطارٌ منطلقٌ بسرعة الصاروخ
نحو الإتجاهات الاربعة ،
أنا !
**
من جناح الليل الأليَل
*** *** ***
- 1 -

الليل مرآةٌ
نصفَّفُ فيها أحزانَنا
قبلَ للنوم

- 2 -

الغرابُ دقيقةٌ
من الليلْ .

- 3 -

رصيفُ الليل
حافلةٌ من خطوات .

- 4 -

كُلَّما أرى الى النجوم
أخالُها هي التي تحصيني .
**
ميلادي
***
حينما احتفلتُ بعيد ميلادي
أطفأتُ ثلاثين شمعةً
ولكنّ الله كم شمعةً او نجمةً
سيطفيءُ في عيد ميلادِهِ ؟
ربما النجومَ كلهَّا !
آه ٍ ايها الكون
فَلْتَنْطَفيءْ بكامل نجومك
وَدَعْنا نفرحْ بميلاد الله !
**
الموشور
***
مدينتي يقطعها الغناءْ
حَبْواً على الهواءْ
مدينتي يقطعها الهواءْ
حَبْواً على الغناءْ
لو ضَمَّها زُهْريةً لوَحُ
يبني دمي جرحُ
مدينتي تُخَلّدُ الجراحْ
ختماً على الرياحْ
مدينتي الطفولهْ
مدينتي مقامعُ الرجولهْ
وهاهي الشمس التي دارت بنا عُمِرْيَنِ
لاتُحسنُ – إِذْ تَبْرَحُنا – حتى البَراحْ !
**
كوَّةُ الألوان
*** *** ***
الى جمال مصطفى

ناظرٌ من كوّةٍ كالعينِ صفراءَ هنا
غيمةٌ مقلوبةٌ
تعطيكَ ما تسألُها
إلاّ المَطَرْ .
ناظرٌ من كُوَّةٍ كالعين سوداءَ هنا
الشارع تلميذٌ على مقعدهِ يغفو
وذكرى شجراتٍ
حَفَرتْ قلبي
كذكرى حَفَرتْ قلبَ الشَجَرْ .
ناظرٌ مِن كوّةٍ كالعين زرقاءَ هنا
ما التَقَتْ سفينةُ الشعرِ فَناراً
إنّما باتَ على الشاعرِ
أنْ يكتبَ في القاعِ
على هَدْيِ الدُّرَرْ .
ناظرٌ مِن كوّةٍ كالعين خضراء هنا
عطرٌ تدلّى
أَجْمَعَ البستانُ والبَرُّ
أَنِ العاشقُ موعودٌ وإِلاّ ……
سبقَ السيفُ ابنَ آوى
وتخطاكَ الاَثرْ !
**
الى المدعو وطناً
*** ***
إرجعْ
ياحرفاً
شمسيَّاً
تحضُنُهُ
الظُلُمات !
………………

أو أقول :
طوبى
لأهلي
خريفاً
شتاءً
ربيعاً
وصيفاً
لخامسِ فصلِ !
**
الرحيل
***
ذراعان ممدودتان مطاراتِ جيادٍ
وما استساغتا حَمْلي ,
بحرٌ بأشرعةٍ من الأمواج
وما استساغ حَمْلي ,
وقادمُ سمعني أُصيح :
مَن وضَعَ قشور الموزِ
على دروب السفن المُبحْرِةِ
مع الشتاء !؟
**
أرضٌ أضيقُ من فتحةِ منِْخر
*** *** ***
ُمارسُ زائرُنا الإختناقَ
ويمتصُّ أنفاسَهُ خلسةً !
رمى للشوارع قطعةَ نقدٍ
وأخرجَ من جيبهِ
مناديلَه ُ كالنوافذْ ،
يُعلّل نفساً كما لو سيمتلكُ الَمشْرِقَين !
مضى مُتْعَباً ......
زائرٌ
والشوارعُ ضَيِّقةٌ ،
ضيقُها
ربّما كانَ في نفسهَ
فُسحةً من طفولهْ !
**
تماثيل من خمر
*** ***
كَفٌّ تخطو
عِبْرَ ضباب الفودكا
هَا …
عدتُ فهل تسمعُ ضَحْكا ؟
أسمع ضحكاً
يمتدّ بلا لونٍ
ونهاراتٍ شاحبةً ،
عدتُ ومن يدري ؟
قد القى ثانيةً
حَشْداً من مجذومينَ
يسدّون طريق الفَجْرِ !
أَو قد أمشي
ضمآنَ ولكنْ للجَمْرِ
ليسَ يقيناً ،
من لاهاي
الى كولونيا
حاورتُ النَفْسَ
بكوكبةٍ من قيلَ وقالْ !
من نافذتي
أرقبُ عمراً لا محسوباً
يتعثرُ
خلْفَ الريحِ وما زالْ !
**
المغْتَبِط الصاعق
*** ***
أقفُ ,
متشابكةٌ ضلوعي مع بعضها
كقنوات الرَّي
الشمس مُدَوَّرَةَ الروح تعلو …
الشمس تضيع بين الغيوم
ضياعَ قُبَّعةٍ في الزحام .
الغيوم أثوابُ اللهِ
مُعَلًّقةٌ
على حَبْلٍ من البروق
الغيومُ النازفةُ من الماء
ما يحني وادياً من الخيزُران
مَن غيري أغرى المغتَبِطَ الصاعق ؟
هي روحي تخترق زجاجَ الغيوم
سكسفوناً
مُجَنَّحاً !
**
الغرقى حُرّاسُ البحر
*** *** ***
في البِّر بحيراتٌ تقطنها أشرعة منفيّهْ
وأنا أُشعلُ عودَ ثقابٍ
فتلَوُحُ فصولٌ متنافرةٌ
لا تجْمَعُها إلاّ أضدادُ هويّهْ
لكأَني أزدادْ
يأساً من عمري الطافي فوق مدِادْ !
غصنٌ كالشمعةِ
يرقبُهُ الغرقى
يعلو بجناحين يجوبانِ الأَبعادْ
لكنَّ الأبعادْ
كرسيٌّ ذو قائمتين
على الأفقِ المتدفِّقَ
يستندُ الى غيمةِ صَبحٍ
أفْعَىً تتكوّرُ
عند القائمة اليسرى
وشرائطُ دودٍ
عند القائمة اليمنى
حتى أنَّ يدَ الصيادْ
راحت تتلاشى
كالموجةِ أوْهَنَها الَتّيارْ
غرقى
أدمنهُمْ هذا البحرُ بِصَمْتٍ
حتى أيقظَهُم جرسُ الأمطارْ .
**
مَشْهدٌ لا يُبارِح
*** *** ***
لم تكْفِني مِيتَةٌ ……
مُتُّ تسعا
وعدتُ فَمتُّ ………
وما ضقْتُ ذَرْعا !
وعدتُ عبرتُ مع الفَجرِ ،
كان زفيرُ القطارْ
تَبَدَّد فَي بَرِّها طائراً من بُخارْ ،
طائراً لستُ أعرفُ
ماذا حدا الآنَ بيْ
فَتَذكّرُتهُ قَطَرةً بَعْدَ قَطرهْ
رُبى القُبرَّاتِ
وعصَر المماتِ
الجنونَ ،
العذابَ ،
وغيرَهْ
عَبَرْتُ مع الفجر وحديَ
مُسْتَسلماً للقَلَقْ
أُلَقِّنُ ما يتعرّى
على ساحلي من كواكبَ
بعضَ فنونِ الغَرَقْ
ولعاشر مَرَّهْ
جسدي يتشظّى الى ألفِ فكرِهْ
يُحَلِّقُ
بيْ
عالياً !

**

الخميس، مارس 12، 2009

مساءاً أُمَجِّدُ الهاوية

سامي العامري
---------
فصل من كتاب (*)
---------------------

رؤيا عن نهرٍ لازْوَرْديٍّ دَنِفٍ عاشقْ
أودى بِثوانيهِ الحُبُّ
دقائقَ إثْرَ دقائقْ !
وقروناً إثْرَ قرونْ
نَهرٌ جُنَّ
وثانيةً جُنَّ بهِ المجنونْ
لا أعشقُ ما فيهْ
إلاّ كُلَّ أغانيهْ
نهرٌ من خفْقِ البانْ
بضفافٍ تَتَعرّى كالجانْ
وهو بِبالي الآنْ
يتَشفَّون بِأنْ صار يُشايعُ أدواءَهْ
لا أرثيهِ ولا آلاءَهْ
بل أتشفّى بالمُتَشَفّينِ ,
بِشِعري أخلقُ عَنْقاءَهْ !
----------
فرانكفورت- 1993
رددتُ هذه الأغنية لكوني على وشك السفر , ولأن
الفضاءَ هنا كان يردد قبل ساعات مع المعري :

رُبَّ ليلٍ كأنهُ الصبحُ في الحسنِ
وإنْ كان أسودَ الطيلسانِ
ليلتي هذه عروسٌ من الزنج
عليها قلائدٌ من جُمانِ
-----------
قبل ساعات فتحت السماء جيدها لملايين القُبلات الضوئية والصعادات والشُّعَل والألعاب النارية وأفاعٍ من الجمر المتّصل , مضت الساعات الأخيرة لعام مرَّ او مَرَرْنا به فَحَمَلنا كمَن يحمل ماءاً في دلو وسكَبَنا في مجرىً آخر أكثرَ انحداراً , في هاوية !
أقول أكثر انحداراً بالنسبة لي على الأقل
غير أن الإنحدار هنا لا يحمل معنى الزوال بل هو التبعثر الرَّحب ,
انا وهي قطعتا شطرنجٍ ننتقل من أبدية الى أخرى .
جاري الألماني كبير السن والذي بات في منتصف العقد السابع والذي أشرب القهوة معه في منزله الصغير الآن يقول مبتسماً : أمران يعطيان الحياة المعنى المُغَيَّب : الألم الكبير او السعادة الكبيرة , وهذه البهجة التي تراها في أعين الناس وسلوكهم وعباراتهم وموسيقاهم والعابهم , هذه البهجة , بهجة استقبال عام جديد , هي في الحقيقة محاولة الإنسان لإيهام نفسهِ بأنه مازال قادراً على الفرح وعلى الحب , مسكينٌ هو الإنسان رغم كل شيءٍ , أعني إنساننا في الغرب , فمع الفجر أو بعده بقليل سيستفيق ضَجِراً وتعود له اهتماماته السابقة وعصبيته بسبب أدنى ضغطٍ من الخارج ...
قلتُ له : أكيد وفي الحقيقة بشَرُنا في الشرق كذلك يحاولون إقناع أنفسهم بأنهم قادرون على النسيان السريع ولعق جراح الماضي بلسانٍ حجمُهُ بحجم الغيم ونداوة بامتداد الشتاء ولكن عموماً سعة فرحِ أي إنسان تتناسب مع أفق وعيه ورهافة مشاعره وقد رصدتُ الناس قبل ساعاتٍ في الشرفات وفي الشوارع إذْ خرجتُ حاملاً كاميرا معي ...
كانت زجاجات البيرة والنبيذ والشمبانيا جمهوراً آخر يشاركهم الإحتفال وحيث تبدو رؤوس قناني المشروبات بين أصابعهم لامعةً كالخواتم , والصرخات الهستيرية تُذكِّر أجراس الكنائس بتواضع حناجرها , هذه الأجراس التي ظلت فاغرة أفواهها ,
ففي مثل هذه الساعات يستطيع أي راهب أو قديس أن يجدد الفخر بأبدية المسيح وديمومة العذراء !
وفي هذه الساعات تصبح عبارة المسيح القائلة ( قليلٌ من الخمر يُفرح القلب ) خاصةً بسُكارى الظل مِن الذين لم يختطفوا الأضواء بعد !
ثم قلتُ له بحماسٍ الشاعرُ الفرنسي شارل بودلير يقول التالي :
على المرء أن يكون سكران دائماً
عليكم أن تسكروا على الدوام
لكيلا تُحسّوا بالعبء الرهيب للزمن
ولكن مِمَّ ؟ من الخمر ؟ من الشعر ؟ من الفضيلة ؟
حسبما تشاؤون ولكن إسكروا .
-----
قال : تعبيرُ حكيمٍ , أأملُ أن تسكرني الفضيلة !
أما انا فأغنيتي يوقِّعها الشوق :

نكهة
*****
في عتمة الليلِ انثنيتُ ,
فتحتُ نافذتي أناجيكْ
فأضاءَ ليلي ريشُ ديكْ !
والصمتُ أغنيةٌ ويكملُها النبيذُ معتَّقاً
فرفعتُ نخبَكَ قائلاً : أفديكْ !
لا تُبْقِهِ في الكأسِ لا ,
لا تُبقِهِ في الأسرِ !
إني بالأناملِ ذقتُ نكهتَهُ
فَحَنَّ فمي
وجُنَّ دمي
وما من حاجةٍ لامستُها
إلاّ غدتْ عَبَقاً
وهذا كلُّهُ حَسَناتُ حُبِّكَ يا مَليكْ !
------------------
وأضفتُ : التقطتُ صوراً لبعضهم هنا وصوراً للسماء المشتعلة وصوراً حية للضحكات بل وللقبلات فانا على وشك السفر الى الشرق وسأنقل لشوارعه ومَن لفَّ لفَّها هذه الصور وما تحتويه من ضجيج أخرس ولكنهم سيفهمونها دون شك ثم أنحدر شمالاً وحقائبي السوداء غربان تصطفق أجنحتُها حولي لتحثني , سأنحدر شمالاً مستقلاً باصاً متمرساً بالظلمة ونزق المنحدرات ! وبعد عشر ساعات من الطيوف والأخيلة والتوقعات والخوف الحميم سأعرف الهدوء وسأحدثها عنك !
قال ضاحكاً بصفاء : شكراً جزيلاً لك ولها ,
ثم رفع فنجان قهوته !
--------------------------------------------
(*) فصل من كتاب قصصي نثري شعري بعنوان : النهرُ الأول قبل الميلاد .
(-) أعرق الحضارات هي تلك التي أقامها الإنسان على ضفاف الأنهار ويكفي أن نذكر حضارة وادي الرافدين ووادي النيل حتى نتبيَّن ذلك وأمّا عنوان الكتاب فهو الذي فرضَ نفسهُ او فاض بنفسه ِ !
-----------------------
كولونيا
alamiri84@yahoo.de

الخميس، يناير 22، 2009

رحيق سيجارتي

سامي العامري
---------
فصل من كتاب (*)
---------------------
السيجارة , السيجارة هي أوَّل شاهدٍ على مشاكساتي في هذه الدنيا وأوَّل شاهدٍ على خيباتي من هذه الدنيا ! ومصدرٌ مهمٌّ من مصادر إفلاسي شبه الدائم , أدخِّنُها وتدخِّنني منذ أكثر من ثلاثين عاماً , منذ أن كنتُ في السادسة عشر حيث كُنّا نحن التلاميذ نقفز من سياج المدرسة ونشترك في تدخين سيجارةٍ ونحن نرتجف خوفاً ! بعد أن يكون أحدنا قد اشتراها من دكّانٍ بالمفرد ولا أتذكَّر أني تركتُها يوماً او أفكِّر بتركِها , صحيحٌ أني تركتُها لمدة يومين وكان ذلك قبل عشرين عاماً او يزيد , والسبب إلتهابٌ في الرئة سرعانَ ما زال , وكذلك أستثني فترات السجن المتقطِّعة في العراق لأنَّ ترك التدخين فيها لم يكن اختياراً , وللسيجارة عندي طقسٌ خاصٌّ فبرغم أني ألجأ اليها في السرَّاء والضرّاء إلاّ أنني وانا من عشّاق القهوة ومدمني الشاي وأتناول الخمر لا أستطيع تناول القهوة او الشاي او الخمر إلاَّ بعد تأكُّدي من توفُّر السيجارة , المسألة لا علاقة لها بالإدمان او التعودُّ بقدر ما هي أُلفةٌ تحوَّلتْ الى صداقةٍ فَحُبٍّ ثُمَّ اذا بها تتحوَّل الى اتِّحادٍ صوفيٍّ !
ومِن لوامعِ هذا التصوُّف أني أتغاضى عن العديد من الأطعمة التي يودُّ أيُّ إنسانٍ أن يتناولها إرضاءاً للتدخين أي أنني أحسُّ بأني إنما أأكل من خلال رئتي !
وبما أني عرفتُ الجوع منذ صباي فكان انقطاعي عن الطعام لفترات محدَّدة لا يعني لي الشيءَ الكثير ولكن السيجارة , وكم دَخَّنتُ بالدَّين ! او كم مرةٍ في حياتي ذهبتُ ليلاً الى المحطات لأجمع أعقاب السجائر , أقول : ليلاً , لأنني ما أزال أحمل في داخلي ذلك الحياء الشرقي وهو في العادة يندحر اذا كنتُ ثَمِلاً ! وشفيعي مفردة المانية تتردَّد غالباً على ألسنة الناس ألا وهي ( إيكَال ) والتي تعني بلهجتنا ( طُزْ ) ! او : لا يهمُّني .
وكانت السيجارة بالنسبة لي وما زالتْ عزاءاً لا يمكنني تصُّور احتمالي للآلام من غيره وطبعاً الإنسانُ غير المُدخِّن لا يعرف مدى تأثير هذه الأشياء على النفس او المزاج والتي تلوح بسيطة ومن جانبٍ آخر كم تتحوَّل لغتي حين أكتب الى لغة رائقة في أحيان كثيرة مهما كان الموضوع مقرفاً او يدعو الى الغضب شرطَ أن يكون الى جانبي كوب الشاي او القهوة تطلُّ من فوقهِ السيجارةُ بشموخ !
وهذه الرسالة التي أحملها , وهي ليست رسالة لتعميم التدخين ! تطمح الى التأكيد بقناعةٍ وعن تجربة طويلة أنَّ القناعة الكبرى كثيراً ما تأتي من التفاصيل الصغرى وكم منعتْ السيجارةُ من ارتكابِ جريمةٍ ساعةَ الغضب بدفعِ المُدخِّنِ اذا انهارتْ أعصابهُ الى التفكير بهدوء ! , أمّا عن أضرارها الصحية فالصحة منذ البدء مُعتلَّة بل ماذا يوجد في الحياة من مغريات تدعوك للحفاظ على صحتك !؟
هناك بيتٌ من الغزل للمتنبي يقول :
وشَكيَّتي فَقْدُ السَّقامِ لأنَّهُ
قد كانَ لمّا كان لي أعضاءُ !
الشاعر هنا يشكو من انعدام المرض لأنَّ وجود المرض مرتبطٌ بوجود الجسد , والمتنبي أنحلَهُ الحُبُّ حتى أفنى جسدَهُ !
أردتُ بهذا البيت أن أقول لماذا القلق من المرض طالما أنَّ الجسد نفسه غير موجود ؟!
أمَّا على صعيد الشعر فقد وجدتُ أني جعلتُ للسيجارة في قصيدتي مكانةً تليق بها ! وكان ذلك يتمُّ عفويّاً طبعاً
فالسيجارة لها شأنٌ آخر في الشعر
فتارةً حين أحزن أفتِّشُ عنها في قلبي
ومرةً جعلتُها كالوردة : وردةٌ ذابلة تغبط رحيقَ سيجارتي .
وغيرها من الصور . أمّا ما هو سيءٌ من تبعات السيجارة فعلاً فهو الإفلاس السريع , وعلى مَن هو مثلي أن يوطِّنَ نفسه عليه !
أتعزّى أحياناً وانا في غمرة الإفلاس والفقر بقصيدة تملأني نشوةً وضحكاً من مرارة الدنيا , وقِلَّةٌ هُم الذين برعوا في التعبير عن الفقر والإفلاس كهذا الشاعر وبهذا الإسلوب الرقيق الساخر المَرِح , هذا الشاعر الذي نسيتُ اسمه وكلُّ ما أعرف عنه أنه شاعر عربي عاش في الأندلس وهنا أبياتهُ :
أصبحتُ أفقرَ مَن يروحُ ويَغتدي
ما في يدي مِن فاقةٍ إلاّ يدي
في منزلٍ لم يحوِ غيري قاعِداً
فاذا رقدتُ رقدتُ غيرَ مُمَدَّدِ
لم تَبقَ فيهِ سوى رسومِ حصيرةٍ
ومخدَّةٍ كانت لأُمِّ المُهتدي
مُلقَىً على طرّاحةٍ في حشوها
قملٌ كمثلِ السِّمسمِ المتَبدِّدِ
والفأرُ يركضُ كالخيولِ تقاطرتْ
مِن كلِّ جرداءِ الأديمِ وأجرَدِ
هذا ولي ثوبٌ تراهُ مُرَقَّعاً
من كلِّ لونٍ مثل ريشِ الهُدهدِ
!!!
هل كان هناك مَن هو أكثرُ غنىً وغبطةً من هذا الشاعر وهو يبدع هذه الأبيات !؟
كان هذا عهداً ولكني منذ البارحة رحتُ أفكر بأمرٍ ثانٍ إذْ سألني صاحب لي عربي قبل أيامٍ أعندك سيجارة لي ؟ كان هذا في الطريق العام الى مركز المدينة حيث التقينا صدفةً , سألني هذا السؤال في نفس اللحظة التي سألته انا فيها هذا السؤال وبنفس الكلمات فضحكنا كثيراً ثم قال : يالبؤسنا فقلتُ له بل قلْ يا لحظنا الجميل فسأل وكيف ؟
قلتُ : الألمان يتفاءلون بهذا التوافق فيتصافحون ثم يسأل أحدهما الآخر قل لي ما هي أمنيتك , أما عندنا فلا تخلو من طرافة فقد قالت لي يوماً : كنا في الجامعة نقول لبعضنا البعض في هذه الحالة : حبيبي أجمل من حبيبك !
فسأل بودٍّ وقلق : صحيح , وأين هي الآن ؟
قلتُ : إنها الآن في ديالى , في بساتين البرتقال !

قيل وقال
------
أسرارُنا تتوالى
والدربُ قِيلَ وقالا !
فالحبُّ أينعَ كَرْمةً
في الخافِقَينِ فمالا
وَزَها كسُنبُلِ دجلةٍ
وكبرتقالِ ديالى !
ما ضَرَّني او ضَرَّها
وقضى الإلهُ وِصالا ؟
وإذا قضى أمراً وَفى
سبحانَهُ وتعالى !!
--------------------------------------------
(*) فصل من كتاب قصصي شعري بعنوان : النهرُ الأول قبل الميلاد .
(-) أرقى وأعرق الحضارات هي تلك التي أقامها الإنسان على ضفاف الأنهار ويكفي أن نذكر حضارة وادي الرافدين ووادي النيل حتى نتبيَّن ذلك وأمّا عنوان الكتاب فهو الذي فرضَ نفسهُ او فاض بنفسه ِ !
-----------------------
كولونيا
كانون الثاني - 2009
alamiri84@yahoo.de

السبت، يناير 17، 2009

حوار مجلة آراء مع الشاعر والكاتب سامي العامري – بغداد



أجرى الحوار / مجلة آراء
يسير الفكر في الجسد الملتزم كسريان الدم في الشرايين فيشكل جزءاً اساسياً من حياته وهو الفاتح للبصيرة والمؤدي الى عوالم الرقي والمثل العليا.
الفكر الملتزم هو فكر التصدي وهو عكس الفكر الانهزامي واللاهث وراء المنافع المادية او السلطوية فكذلك سامي العامري دفعه فكر المتجلي في كتاباته الى عوالم الغربة فكما يقول الكتابة ملكه ترافق الكاتب حتى الممات قد يكسب من خلالها الجاه والمال او تسبب له القتل او تجبره على الفرار.
لقد اختار سامي العامري الطريق الثاني فلم يجنِ القصور والحصون من خلال ادب سلطوي كغيره من الصعاليك بل نال من نوائب الدهر مايلين الحديد الا انه بقي صامداً سلاحه أدبه وثقافته التي سخرها من أجل المبدأ وحول هموم الكتابة وهواجس الفكر ومعاناة الأديب كان لمجلة آراء هذا الحوار...

س:- سيل كبير من الكتابات على مواقع الانترنت وعلى صفحات الجرائد والمجلات بعض منها متشابه وأخريات مختلفة، منها مفيد ومنها ضار، ولكن يبقى السؤال ، ما الذي يحتاجه القارئ العراقي ؟
ج:- العراق بلد عريق ومتنوع على مستوياته القومية والدينية والإثنية ومتنوعٌ أيضاً في تكوينه الجغرافي الفريد ومن أسرار جماله وقوته تنوعُهُ وهذا للأسف ما لم يلتفت اليه النظام الدكتاتوري السابق بحكم بلادته بل على العكس اعتبرَهُ مصدر تهديدٍ لما كان يزعمه من توجه عربي وحدوي كان كاذباً ومزايداً أراد منه تثبيت سلطته وسلطة عشيرته عبر اللعب على القضية الفلسطينية وغيرها فأوشكت هذه الحملة الشوفينية المقيتة أن تحدث شرخاً نفسياً وإحباطاً داخل الإنسان العراقي عموماً واذا أردنا الحق فأغلب أشكال الحكم السالفة لم يفتها كذلك أن تكشف عن طائفية تارة وعنصرية قومية وعدم تسامح ديني تارة أخرى لكن بالمقابل رأينا الفئات المثقفة في مجتمعنا انتبهت الى خطورة تفاعل هذا الجانب ووصوله الى المساس بالثوابت الوطنية والتلاحم وأسس الوحدة بين أبناء الوطن الواحد, خاصة وقد منع النظام المتخلف السابق كل سبل التواصل مع العالم الخارجي جمالياً ومعرفياً وإنسانياً ولم يترك لنا سوى الإصدارات الغثة لوزارة ثقافته او إعلامهِ, مع بعض الإستثناءات القليلة في حقل الترجمة – ربما- وحاول ما زال بعض المتمسحين بالعقيدة الدينية السمحاء من تكفيريين وسلفيين وإرهابيين مثلاً أن يكملوا ( مسيرة ) من سبقوهم وبطريقة مخجلةٍ كأنْ تتم ملاحقة وقتل النساء غير المحجبات او تفجير مقاهي الإنترنت وغيرها ومن هذا المنطلق البسيط والسريع – وهذا رأي شخصي– أعتقد أن ما يحتاجه القاريء العراقي أولاً وخاصةً جيل ما بعد سلسلة الحروب الإرتجالية هو الإستمرار في ربطه الخلاق بروح العصر وبكل منجزاته والتوكيد على جانب التنوع لدى شعبه ورُقيِّ معانيه الحضارية وإظهارها كما هي ساطعة متألقة ساهمت في صنعها كل تكوينات أهل العراق وأطيافه, وهذا المسعى النبيل هو فضاء رحب, والأدب– ومن ضمنه الشعر - هو أسمى أدوات التعبير عن هذا الفضاء والتحليق فيه إذْ لديه القدرة على أن يتمثله عميقاً ويحوّله الى أغنية وبكل اللغات الرافدينية .
س:- الكتابة مـَلـَكة ترافق الكاتب حتى الممات قد يكسب من خلالها الجاه والمال ، وقد تسبب له القتل أو تجبره على الفرار عابراً الأنهار والبحار يعيش مكـُتوياً بنار الغربة والفراق ، ما نسبة الفائدة والضرر الذي لحق بكم بسبب الكتابة ؟
ج:- حقيقةً بدأ ميلي الى التعبير في وقت حرج للغاية فبسبب الحرب العبثية مع إيران , في بداياتها , أصبتُ بانتكاسة نفسية وكنت لمّا أزل طالباً في معهد الإدارة وشاباً في مقتبل العمر تلاحقني رموز البعث كما تلاحق سواي للإلتحاق بالجبهة عن طريق ما يسمى بالجيش الشعبي .
فوجدت نفسي مرغماً على تأجيل الدراسة لمدة عام فلم ينفع فصار لزاماً علي الإلتحاق بالجيش والمشاركة فعلياً في قتل مَن هم مثلي على الجبهة الأخرى من بسطاء الإيرانيين والذين لا يعرفون أيضاً لماذا يقاتلون !!
وهكذا فمن التخفي في بيتنا ببغداد الى بعض بيوت الأصدقاء الرافضين للحرب كذلك الى الإلتحاق ( نادماً) بلغة السلطة السابقة, الى السجون الى الإهانات الى الجبهة في بنجوين وقاطع العمارة , ووسط كل هذه الرحلة من المرارة واللامعقول كنت أحاول التعبير وطبيعي كانت لغتي وقتذاك ( مفعمة ) بالقرف ! وكنت أكتب لنفسي وأري ما أكتبُ بعضَ الأصدقاء في مدينتي فحسب حيث لا إمكانية للنشر بالطبع سوى عدة مرات في مجلات خليجية كانت تصل العراق من بينها كما أتذكر مجلتي اليقظة والظفرة ولكن التحول الجاد الى حمل القلم كسلاح لإستعادة إنسانيتي التي استرخصتها العقلية السياسية لنظام تلك المرحلة , بدأ منذ دخولي إيران كلاجيء بداية عام 1984 فهناك استطعتُ شمَّ بعض هواءٍ من الحرية وعقد نوع من الهدنة المشروطة مع كوابيس الحرب ! وتعرفتُ الى العديد من الطاقات الإبداعية العراقية شعراً وأدباً وفناً تشكيلياً وفكراً ومن أغلب تكوينات المجتمع العراقي , هذه الطاقات التي أصبح العديد منها في بلدان المنافي لاحقاً من الفنارات التي تعكس الإطمئنان الى الثقافة العراقية والعربية ولا يزال لها حضوره الثقافي المؤثر رغم الغبن الجليّ الذي لحق بها من قبل وسطنا الثقافي ,
أمّا الضرر الذي لحق بي في المغترب خاصة هنا في المانيا فهو في الواقع أكثر من ضرر وهو أساساً من جراء التكتلات الغارقة في الأنانية الضيقة بل والطريفة ورائدهم في ذلك هو الغيرة ! حيث البعض منهم يعتقدون بأن نجاح أحد ما في ميدان معرفي او ثقافي او فني يعني انحسار دورهم هم ! وعليه أعطيك مثالاً بسيطاً فقد عشتُ من حيث البداية سنوات طويلة هنا في المانيا حياةَ صعلكةٍ كرد فعل نفسي تلقائي على سنوات الحرب والإذلال وخلال تلك السنوات البوهيمية حاولتُ مرات عديدة مد خيوط تواصل مع من كانوا معروفين بشكلٍ ما ومحسوبين على الثقافة ومن سبقوني في الإغتراب وكنت في كل مرة لا أجد منهم سوى التجاهل او إطلاق الوعود بالإهتمام وفي المحصلة لا شيء سوى سماعي عن قراءات وندوات وتمويلِ مهرجانات وصدور كتب ومجلات , وكل هذا يتم داخل ثلة محددة ظلت تكرر نفسها بسريةٍ وترتدي نفس الملابس وتأكل نفس الأطعمة وتعطس وتشهق وتنهق في وقت واحد , ولا تسمح بـ ( دخيل ) آتٍ بصراخ وحبٍّ غير معهودين فمَن لم يفهمني منهم - وهم الغالبية - تركني وشأني ومَن انتبهَ الى طبيعة كتاباتي خاف على( عرشه) المدعوم إعلامياً وإخوانياً فحزمتُ كرامتي وعدت الى حيث كنت ومازلت مع البسطاء من الناس وأنجزت عدة مؤلفات في الشعر والقصة والنقد الأدبي وبعض قضايا الفكر , مع ديوان شعر بالألمانية ولم تزل هذه الكتب غير مطبوعة وكلهم يعرفون بذلك ولكن معاذ الله أن يسألوا عنها او يشيروا اليها ورغم ذلك كنت أنشر بين الحين والآخر في بعض صحف المعارضة التي تصدر في لندن والولايات المتحدة ودمشق وبعض المجلات الأدبية العراقية والعربية .
س:- ما المساحة الفكرية التي تفصل بين مثقفي وكتاب الداخل عن الخارج ، وما مدى قرب وبعد كل منهما من وعن الواقع ، ولماذا ؟
ج:-في البدء علي أن أحيِّي من الصميم كل الطاقات الإبداعية الكبيرة في الداخل والتي حالت سنوات الحروب والحصار والظلامية والإرهاب والعوز دون أن تأخذ دورها الطبيعي في الظهور والتفاعل وبعد ذلك أشير الى أني مشغول بالتفرد في الإبداع والعطاء ويستهويني تعقُّبُهُ أمّا الأسماء التي أصبحت بحكم الماكنة الإعلامية معروفة فهذه جعجعة لا تخدع مَن هم مثلي ولهذا أقول يظلَّ الشاعر او الأديب او المثقف الأصيل في المغترب كما في الداخل مسكوناً بجرح الوطن يحاول لمَّ ضفتيه الى بعضهما أملاً بإيقاف النزيف او بتخفيف غرابة تدفقه .
لذا ففي رأيي أن مثقفَ الداخل ومثقف الخارج هما توأمان لا يتمايزان إلاّ في بعض الملامح وأمّا الحديث عن تأثير ثقافة البلد الذي يعيش فيه المثقف الحقيقي المغترب فهو في الغالب تأثير من حيث طريقة المعالجة لا الرؤية فالذي يحنُّ الى نخلة جنوبية او الى ناي راعٍ في جبال كوردستان وهو في مغتربه فهو يمارس فعل صلاةٍ لا تختلف جوهرياً عن حنين المثقف في الداخل الى حرية وسلام روحي وفعلي له ولربوع وطنه, كلاهما يغنّي, كلاهما يقلق, كلاهما يتألم , وبالتالي كلاهما يبدع مع فارق هو ربما فسحة معيَّنة من الحرية في التعبير والنشر هنا رغم أن تجربتي الشخصية تقول: حتى هذه السمة او الإمتياز هو في حقيقته ظل مشروطاً في الكثير من الأحيان فانت ككاتب مثلاً تريد أن تنشر, تريد قارئاً ولهذا نعود الى نفس الدائرة المغلقة ألا وهي محرر المجلة والصحيفة وتعصُّبهُ لنصوص أصدقائه من جهة , وعقلية البورصة او السوق لدى الكثير من أصحاب دور النشر من جهة أخرى , وحتى مجموعتي الشعرية الأولى ( السكسفون المُجَنَّح) وهي الوحيدة المطبوعة , جاءت مصحوبةً بالعديد من الأخطاء الطباعية ولكني صححتها وأفكر بإعادة طباعتها مرة ثانية .
أما بعد دخول الأنترنت بهذه الكثافة الى حياتنا فرغم شيوع الفوضى والأسى المترافقين معه فإنك على الأقل استطعتَ نشر الكثير مما كنت ترغب بنشره دون خوف من رقيب متخلف او ناقد متزلف !
وبالمِثْل كسبتَ أصدقاء رائعين كُثراً .
س:- الكاتب قد يكون أكثر من غيره يتفاعل مع الظروف مؤثراً ومتأثراً سلباً وإيجاباً، ماذا يعني لديكم سقوط الكاتب وخيانته لقلمه ؟
ج:- الكاتب الحقيقي لا يسقط واذا سمعنا عن كُتّابٍ أنهم سقطوا فهذه يعني أنهم ليسوا كتاباً حقيقيين فالذي يسقط أمام مغريات المال والجاه المزيف هو كاتب مزيف ونحن نرى من وقتٍ لآخر أن هموم ( القضية ) ما تزال تتحفنا بالبهلوانيين ولكن قد تزلُّ قدم الكاتب النزيه المخلص يوماً بسبب عجالة في الرأي او اندفاع او تعاطف مع فكرة طرأت في الأفق الفكري او بسبب ضبابية مشهد سياسي وغيرها ولهذا فهو سرعان ما يصحو فيرمي ببقايا الثمالة ويتناول قهوة مركزة (سادة) ليواصل ما كان عليه. أمّا الخيانة حسب تعبيركم , تلك المصحوبة بالتبرير فهي صنو الفضيحة فهناك من لا يستطيعون استشراف الغد لإنعدام موهبتهم او تواضع بصيرتهم لذا فهم اذا اقدموا على فعلٍ ما فهنا لا تهمهم غير نتائجه السريعة فإن لم يجنوها انقلبوا على فعلهم او لنقُلْ (مبادئهم) كما هو شأن مَن أمتطوا موجات الأحزاب بعد سقوط النظام وحتى قبله, فهؤلاء هم شعراء واجهات او كتاب واجهات وهم يصلحون للإعلانات المؤسساتية وليس للإبداع والثقافة الحية وتحضرني العديد من الأمثلة ولكن لا جدوى من الإشارة اليها اليوم .
س:- الضمير، القضية، الظرف، لكل واحدة دور في دفع الكاتب إلى الكتابة، أي واحدة لعبت دوراً أكثر معك في الحياة، وهل صادفك يوماً خانتك الكلمات ؟
ج:- انا إنسان على مستوى المعيشة بسيط تماماً فلا تكاد تحس بالفارق بين سامي العامري في العراق عام 1980 وبين سامي الذي يعيش في المانيا منذ ما يقرب من ربع قرن وقد جربتُ أن أغيّر جلدي عدة مرات !!
لانّ البساطة كثيراً ما أوقعتني في مطبات منها أن المقابل وتحديداً من يحسب نفسه منتسباً للثقافة ممن حولي ينظر الى هذه البساطة والتلقائية كضعفٍ مني لهذا فقد يفكر أن يعاملني من دون حذرٍ جديرٍ انا به كإنسان ملتصق بمأساة الحياة وأسئلة الوجود والمصير ومعاني الحب والجمال وما يتصل بها والتي تتقاطع جوهرياً مع مظاهر التنعم والترف والتكلف , ولكن عبثاً فلا يمكن أن أغيّر جلدي, لا يمكن ولا يحق لكاتبٍ مثلي همُّهُ الأولُ الشعرُ, إلاّ أن يبقى مخلصاً للبساطة, للكلمة الحزينة بعمق والحميمة كتلاوة أيزيدية صباحية حفظتها كثيراً ورددتها كثيراً في ساعات حنيني لله .
وتلك الكلمة الحارة العزيزة علي – البساطة- هي بدورها لم تجد لها منطلَقاً إلا من نوافذ ضمير مرهف أحمله وعليه فالضمير كان المحرض الأول للتعبير بدءاً من وخزة الذنب الناتجة عن آثام اقترفتها في صباي وكذلك في شبابي وصعوداً الى الفضاء الأوسع فضاء الوطن برؤيتي له وهو يتمزق الى قضايا الإنسان عامةً .
إذن فهو الضمير هذا الناقوس الذي لا تكف أصداؤه عن التأرجح والتردد فيَّ وفوقي وحولي
وأما عن خيانة الكلمة او عنادها فهذا أمر واقع وكثيراً ما يحصل , والمتنبي وهو صاحب التعبير الشهير : أنام ملء جفوني عن شواردها ... يقول باستغرابٍ مستنكراً عدم قدرته على التفاعل مع محيطه :
أصخرةٌ انا ؟ ما لي لا تحركني
هذي المُدامُ ولا هذي الأغاريدُ ؟
لهذا فقد كبوتُ عدة مرات وحزنت على هذا لفترةٍ ولكني لحسن الحظ تعلمتُ منه ونسبته الى الماضي وانتهى ... ولكن العجز من منظور آخر يبقى عجزاً مجنوناً ينطوي على لذة غامضة لأنه مقترن بالإستفزاز , ولا يفتر مَوّالهُ! إلا بعد اكتشاف مصدر الفتور او الصخور الأعماقية وإفساح المجال لينابيع أعمق منها لكي تتدفق فتدفع الصخور جانباً او تغمرها في موجٍ واثق طافح زاهٍ.
س:- من هم أكثر من كتبت لأجلهم وخاطبتهم ولماذا، وماذا كانت النتائج ؟
ج:- لعلي أقول هنا شيئاً ضرورياً وهو شهادة للتأريخ انا عصامي وأصدقائي كانوا دائماً بعيدين عني, فحياتي هي الوحدة بكل مجدها وقدسيتها وحزنها وجنونها الجميل ومع هذا فقد تأثرت في حياتي وخاصة في ثمانينيات القرن الماضي بالأديب المرهف نصيف فلك ثم الفنان التشكيلي والشاعر البديع باسم الرسام وهو كوردي فيلي وهذان من طهران ثم الشاعر والأديب الفذ حميد العقابي والشاعر هفهاف الروح جمال مصطفى وهما أيضاً عراقيان مقيمان في الدنمارك وكل هؤلاء مثلي عاشوا محنة الهرب الى إيران وقسوة الشروط الحياتية للاّجيء هناك أما فيما يتعلق بالقراءة او نوعية القراءة, قراءتي فتبرق في خاطري الآن مقولة لمكيسم غوركي (أعطني الكتب التي تجعلني لا أعرف الراحة بعد قراءتها ).
فإعجابي متنوع ومنه إعجابي بالغناء الصوفي لجبران وبروح النكتة اللاذعة لدى الماغوط وبكونيات البريكان وذكاء فوزي كريم والعديد غيرهم غير أني عاشق غريب للموروث الشعري العربي ومُطَّلع بشكل لا بأس به على الثقافة الألمانية والعالمية شعراً وأدباً وفكراً وفناً .
وحول سؤالكم عمن خاطبتهم أكثر فأقول:
من المؤكد عندما يريد الشاعر أن يكتب فيتمنى السكينة الروحية أولاً كشرط للكتابة العميقة
وهذا الشرط لا أجده إلاّ في محيط الحب وللحب عندي معنىً عرفانيٌّ فهو الحبيب والوطن والله والأرض والمصير وعليه إنْ أستمع الى صوت حبيبتي في التلفون مثلاً فهو عندي دافع للكتابة لانَّ هذا الصوت العذب الصافي حمل معه أصوات الغيب وقيثارة الكون التي أصغي اليها في حضور الإلهام لهذا فانا كثيراً ما أحسُّ بأني راضٍ عما أكتب عندما أخاطب الحبيبة خاصة وهي من وطني بل هي الوطن والوطن هي .
وبصدد سؤالكم اللافت عن النتائج فأودُّ هنا أن أنوه الى حقيقة معروفة تأريخياً وهي أن العرب قديما كانوا عندما يظهر شاعر بين ظهرانيهم فإنهم يبتهجون كثيراً لأنهم يعدونه لسان قبيلتهم والمدافع عن أنسابها والذي يتغنى مُفاخراً بانتصاراتها ويهجو أعداءها لذلك فهم ينحرون الذبائح في هذه المناسبة ولكن الذي نراه اليوم هو أن السلطات العربية تنحر الشاعر نفسه في هذه المناسبة !! ويبتهج ويبارك لها فعلتها هذه. الكثيرُ من المتطفلين على الشعر والثقافة فعصرهم الذهبي يبزغ مع ذبح الشاعر الحقيقي والمثقف الحقيقي .فالعصر الذي نحيا فيه يتيح للصحفي كذلك أن يطرح نفسه شاعراً مثلاً وعندما أقول الصحفي فإني أقولها وانا أتألم فتأريخ الصحافة العراقية تأريخ وضيءٌ ومليء بالجمال بل والشجن .
أما صحفيو اليوم فكثيرٌ منهم أشبه بالمراهقين وغير الناضجين لا فكرياً ولا عاطفياً ومع ذلك يحملون هوية إتحاد الأدباء !
وقد أشرتُ مؤخراً الى هذا وغيره في قصائدي الأخيرة المنشورة في عدد من المواقع كقصيدة (أستميحك ورداً) و (رأس الفتنة انا ! ) ومجموعة (مهرجانات سرية!) ومقالي النقدي الأخير ( شهرة الكاتب بوصفها فضيحةً لا مجداً ! ) .
وقد بدا واضحاً في هذه الكتابات مرة أخرى أن بساطتي لا تعني بأية حالٍ أنني يمكن أن أُستغبى فقد مهدتُ لهذه المقالة النقدية بمقالة أخرى سبقتها وهي ( قصيدة النثر وبوادر انتحارها ! ) نشرتها بداية هذا العام فانا حقيقةً غيور على الشعر على الثقافة الأصيلة .
س:- قلما نجد كاتباً يعلق ساخراً على الأوضاع في هذه الفترة، هل ترى الكتابات الساخرة موهبة أم قدرة أعلى وإمكانية أوسع لدى البعض أم هي حالات تفرض نفسها في بعض الأحيان. وما رأيكم بالأدب الساخر ؟
ج:- نستطيع أن نعتبر الكتابات الساخرة قدرة أعلى كما قلتم, ودون شكٍّ المرمى الرئيس للسخرية في الأدب هو ليس تلطيف المزاج فهذا قد يأتي ختاماً وإنما السخرية هذه هي موقف من الحياة ونحن مثلاً أحببنا الجاحظ لعدة أمورٍ أظهرُها روحُه الساخرة حتى من نفسه , فهو ناقد وسهامه الساخرة نافذة ومؤذية وكذلك ابن المقفع وعديدون آخرون في التراث العربي والشرقي وهذه الكوميديا السوداء هي أيضاً أحد أسلحة الإنسان الدفاعية في صراعه من أجل البقاء ! انا أتذكر الآن على عجلٍ برناردشو عالمياً وأبا نؤاس بعبثه ولا مبالاته الظريفة بما يقوله الناس عنه وما يقوله دينهم! والأمر نفسه في عصرنا مع الراحل الماغوط ونقده الإجتماعي والسياسي لواقع عربي خصبٍ بالمفارقات وكذلك زكريا تامر وغيرهما . لقد نشأتُ في بيئة كان أغلب أقراني فيها أصحاب نكتة ومقالب شديدة الإضحاك, لذا فبدهيٌّ أن تستهويني روح الإنسان الأريحي خفيف الظل كثيراً ,وأتذكر الآن أيضاً لقطة سريعة فقد بعث لي أحد معارفي اللطيفين من الشعراء رسالة إيميل يسألني فيها من بين ما يسألني عن صحتي فكتبتُ له : انا بخير ... ثم استدركتُ ملاطفاً فقلت: وأين هو الخير ؟ في صلعتي ؟ ربما, إذْ أنها بدأت تتسع بحيث كلما سرتُ خطوةً الى الأمام أجدها تسير خطوةً الى الخلف !فردَّ على كلامي هذا وكان هو مثلي لديه صلعة صغيرة: (اذا كانت صلعتك تمشي وراءك فإنَّ صلعتي بدأت تزحف الى الأمام وتأكل الأخضر واليابس!!) .أؤمن بأن إيصال الفكرة الناقدة الى المجتمع كترميز تهكمي يجعل لهذه الفكرة الأثر الفعال او اذا هي صيغت همساً كاريكاتيرياً وخاصةً في الشأن السياسي سيكون لها وقعها الحسن في النفس وتؤثر أكثر مما لو صيغت بإسلوب جادٍّ بل السخرية الملتزمة بقضايا الناس والمجتمع هي عين الجد .
س:- هل خطر في بالك إن لم تكن كاتباً كيف كان لك أن تعبر عما في خلدك من رأي وأحاسيس وحب وغضب ؟
ج:- لو لم أكن كاتباً لكنتُ كاتباً , لو لم أكن شاعراً لكنتًُ شاعراً !!
هذا قدرٌ ربانيٌّ فيه الكثير من الدلال.
وأعتقد أن الكتابة هي التي تعمق أحاسيس الكاتب بجعلها الكاتب إنساناً متأملاً حالماً أكثر, متسائلاً أكثر, مرهفاً أكثر, ولهذا لو لم تكن الكتابة لما أخذت آراء الفرد ومشاعره من حب وغضب تلك الوجهة الفلسفية. الكتابة مسؤولية بقدر ما هي حب صميمي .
أأمل أن أقدّم دائماً ما يفرح القاريء ويضيف له المفيد الممتع .

الخميس، يناير 01، 2009

خيطٌ من دِثار الكائنات

سامي العامري
--------
حديث مع ربة الشفاء
----------------------
الحلقة الأخيرة
---------------

الربة أظهرت صمتاً جليلاً في المكان فهموا من خلاله أنها تعرف أن الكل في وضع صحي لا يسمح بالتداول الطويل وفسروه بأنها أعطتهم فرصة للإستراحة مع أن حضورها كان لا يزال مهيمناً... بعدها لاحظتُ نزول صاحبي العربي المترجم وهو يهذب من مظهره بحركات سريعة حتى صار قريباً من زميل له يشاركه الغرفة فتوقف مستطلعاً مستغرباً , خطوتُ نحوه , مازحتهُ بالقول : أما زلت تحس بالخيبة ممن استنفروا علاقاتهم ضدك لتهجر مشروع ترجماتك ؟!
قال : لا أبداً هؤلاء مذمومون لأنهم جراد والجراد معروفٌ على أي شيء يعتاش , ولكنهم يؤثِّرون فقط على المزاج بين الحين والآخر , إنهم لم يكتفوا بصفة ( شاعر) فالجو مناسب لهم كما يبدو فقالوا لأنفسهم إذن لنكن نُقاداً أيضاً , ولمَ لا ؟ أنظرْ , عندما تتفتح عواطف الإنسان في شبابه الأول وتخامر روحَه نداءات الحب والطبيعة ... الخ فالكثير من البشر في هذا العمر يستهويهم الشعر وعوالمهُ فيكتبون ربما رسائل حب او خاطرة او ما شابه ولكن عندما يسمعون من أناس أنصاف متعلمين قولاً مثل : أحسنت ! جميل ! إنه الشعر , إنه الشعر الحديث الخالي من الصنعة والتكلف ! وما سواه فهم يصدقون ويطيرون ! فهؤلاء اليافعون الذين كان طموحهم في البدء أن يصبحوا أطباء او مهندسين او حقوقيين او مهنيين وغير ذلك تجدهم يتخلون عن حلمهم النبيل الأول هذا ويلجأون الى كتابة الشعر ! ألا تلاحظ هذا العنصر ؟ إنه برأيي جانب أساسي من المشكلة . كنتُ دائماً أكرر : نحن بحاجة ماسة الى طاقات علمية وفكرية واجتماعية متنوعة أولاً ويجب تنميتها وتعزيزها لدى النَّشيء الجديد بكل السبل مع تأطيرها بالقيم الجمالية والذوقية وإلا فكلُّ مَن يولد بدءاً من اليوم هو بالضرورة شاعر غداً !
انا أتخيل أنه سينقطع عن الدراسة في منتصف الطريق او سيصبح مجال تخصُّصهِ الشعر والنقد فحسب !
قلتُ له محاولاً إبعادهُ عن هذه السوداوية المستقبلية : الزائف مَهما كثُرَ يفضحه القليل الأصيل , هل هذه حكمة ؟ لا أدري ولكني متشبثٌ بها كاليتيم !
إبتسمَ ثم انضمَّ الى مجموعة قريبة منه .
كان الجميع قد وجدوا أماكن لهم ففي الشرفة الطويلة كان يقف الأطباء ومنتسبو المستشفى وجمع من المرضى أما في الحديقة بالجهة المقابلة فقد وقف مرضى أيضاً وجمع من أصحاب المشاكل العقلية المستعصية وأمامهم على المقاعد يجلس المرضى كبارُ السن تقريباً تلوح عليهم علائم البِشْر والإبتهاج ...
وأضواء المساء وسط هذه الحشد المَداريّ الأرضي تراتيلُ لونية متناغمة كالذرّات بروعة لامتناهية .
وبعد فترة انبرى صاحبي المترجم ليلقي سلاماً بليغاً مقتضباً على الربة بدأه بـ يا ذات التكوين المتأنق في المعرفة والرَّشاد . ثم قال : أود لو أنَّ للهواء أبواباً فأوصدها ! لا خوفاً منهم وإنما شفقة عليهم فهذا العائش في أوهام أمجادٍ آتية ظانّاً أنه إنسان ما بعد حداثي وما عليه إلاّ أن يُملي فيصفِّق الآخرون ! ليس سوى حالة شائهةٍ ومُشخَّصةٍ رغم عدم معرفته بذلك لأنه يسير تحتَ جنح الغواية , الغواية لا بالمعنى الفني وإنما الحَرفي , وهذا بعض ما يُضجر ...
أجابت الربة بكلام منغم : إنفعالك الحريص يشي بألم عميق واعلَمْ أن التنافس على الجمال هو هِبة أرضية فريدة ما لم ينحرف عن مساراته , وما دام لديك إصرار على قطف باقةٍ مسحورة من الجمال الأصيل فدع زورقك يمرُّ من بين الأمواج فالمركب المتين الواثق وهو يتهادى في مسعاه نحو هدفهِ الحي لا يهمه ما إذا كانت الأمواج نقية ام ملوثة .

هنا أطلت من على سور البناية إحدى نساء هذه المدينة وقد تجمع بعض من سكانها وكان من بينهم النساء المطلات برؤوسهن وبافواههن الفاغرة حبوراً , فصاحت تلك المرأة : إزدهتْ مدينتنا واتسعتْ بإطلالتك البهية أيتها القامة المحفوفة بمسرات علوية ,
انا أعيش مع زوج ظل في الفترة الأخيرة كلما يدخل المنزل يختصم معي لسبب او دون سبب ويبقى يسمعني تعبيرات فظة نابية فصرتُ أقول له ناصحةً إنك متعَب عقلياً , أرجوك إذهبْ الى المستشفى القريب حيث العناية الممتازة والكثير من أسباب الراحة ولكنه يرفض ويردُّ عليَّ بهزءٍ : بل أنت المختلة عقلياً ... فماذا أفعل ؟
وقد إتصلتُ بالشرطة ودعوتهم لأعطيهم الدليل ولكنه وياللعجب ما أن تحدَّثَ رجالُ الشرطة معه حتى أجابهم بكل منطق ولباقة ! فما كان منهم إلا أن نظروا اليَّ نظرةَ لومٍ تقول بأني خدعتُهم فقفلوا عائدين ! ما كنت أستطيع النوم خوفاً .
قالت الربة : شكراً لكِ , لا بأس , جرِّبي مرة أخرى وأخرى , قولي له في كل مرة عندك الحق , معك الحق ... وهكذا الى أن يكتشف لوحده أنه على باطل ! أما اذا شعرتِ بالعجز فتعالي الى هنا وتحدثي مع الأطباء بهدوء وسوف لا يحصل شيءٌ .
هنا صاحت المرأة بسرور : شكرا لك , دامت لك الهيبة أيتها الربة المبجَّلة , الآن استعدتُ عقلي !!
ثم ومن نفس المدينة وعلى مقربة من شجرة صفصافة ينطلق صوت مُشَجَّرٌ ! وذو بحَّةٍ : أيتها المتجردة من كل هنات البشر , العميقة كالينابيع , انا بسخاء بشرتي السوداء وتَعَبِ أجفاني أسألك : لا ريب أنك تؤمنين بالعدل بل وتكرمينه لذا فكيف ولماذا لم يُقَدًّرْ لي أن أكون واحداً من أهل المشيئة العلوية المقدسة مثلاً ولماذا هم بالذات لم يولدوا أرضيين ومن أيًِّة ذرىً علوية تنبجس العدالة ؟
ردَّت الربة بحنوٍّ وتطمين : أيها الرجل الحصيف , أغلب الناس ينطلقون في فهمهم للعدل من حاجات يريدونها ولكنهم لا يستطيعون امتلاكها , أي أنه يأخذ شكلَ احتجاج او اعتراض , هذا المظهر العام غير أن العدل مَيلٌ لا نهائي يسترسل حتى يفضي اليك وهو أيضاً نسقٌ او وحدة خالصة بلا تشريف .
فشكرها وراح يتأمل !
والى قريب من هذا الرجل كان يجلس طفل على السياج الشبيه بسور متوسط الإرتفاع تحيطه الشجيرات الصغيرة والكبيرة , الطفل كان طيلة الوقت شديد الإندهاشة والمرح فصاح بالربة كم مدهشة وكبيرة أنت ! انا الآن في السابعة من عمري وفقدت بصري منذ عام وقد أجروا لي عمليتين قالوا بعدهما هذا عَمَىً مؤقت وأضافوا : قد تسترجع بصرك الطبيعي خلال عامين وكنت كلما أخرج للتنزه أصطحبُ كلبي معي فهو يهديني الى الكثير من الأشياء والأماكن , والجميل أنه يتوقف لينبح بصوت وَدودٍ عند إشارة المرور الحمراء لينبهني ثم ينبح ثانية عند ظهور الضوء الأخضر ! وهكذا بقينا سعداء معاً ولكني اليوم ما احتجتُ الى مساعدتهِ فما أن خرجتُ من البيت معه حتى صحتُ به توقفْ ! تعال سِرْ ورائي ! نعم رأيت ضوءك من بعيد ... وها هو كلبي يقعي في الحديقة الخارجية جانبي تحت السياج .
قالت الربة بصوت رقيق دافيء : شكراً أيها العزيز , وكم هو جميلٌ كذلك من هذا الحيوان الوديع أن يقود الإنسانَ ويساعده ! ففي هذا فضيلتان , الأولى أن يتواضع بنو البشر والثانية أن يلتفتوا الى إمكانية مصادقتهم للحيوان وحتى للحشرات فيما لو فهموا ما تحتاجه فقط , وحاجاتها قليلة .
وفجأة قهقهَ أحد المرضى الوافقين على الجانب الأيمن في الشرفة بظُرفٍ وصاح :
أيتها السامقة بالأضواء , كما ترين من ملامحي , انا صينيٌّ , كنت أقتني قبل عدة سنواتٍ في مزرعتي شمال بلدي الصين , كنتُ أقتني حصاناً صغيراً أشهب وكنت أصحبه معي الى المزرعة كل يوم فكان تارة يساعدني في تفاصيل بسيطة وتارة ينطلق ليرعى ويمرح ويوماً من الأيام إضطررتُ الى الخروج وحدي وتركهِ في البيت حيث الدفء إذ كان الطقس بارداً وحينما عدتُ وجدته واقفاً ورأسه الى الأسفل , داعبته بشوق عدة مرات ولكنه لم يتجاوب فعرفتُ أنه غضبَ مني لأني لم أصطحبه ولكنه خرج معي في اليوم التالي على أية حال بعد عدة محاولات لإرضائه .
فعلَّقت الربة بنبرة فيها شيء من الحزم : الحصان لم يتواددْ معك نعم ولكن ليس بسبب عدم اصطحابك له وإنما فعلَ ذلك لأنه عرف أنك لم تَفهمهُ جيداً بعدُ فهو عنده تحمُّلُ البردِ في صحبتك خيرٌ له من البقاء في الدفء مع الوحشة .
فانبهرَ الشاب الصيني وظلَّ يعتذر غير أنها قالت : الحيوانات كلها وديعة ولكنها تحمل في داخلها من الأسرار ما تحملهُ البراكين من ذلك .
طبعاً انا كنت أصغي بفضول وإعجاب شديد فتذكرتُ بشجاً ما قرأتُهُ ذات يوم ليس بعيداً أن سيف الدين الآمدي ت 50 هـ متكلم , مُصنِّف رموهُ في مصر بالإنحلال , أقام في حَماه ، ثم في دمشق. ومن غريب ما يُروى عنه أنه ماتت له قطة في حَماة فدفنها هناك فلما سكن دمشق بعثَ ونقل عظامها في كيس ودفنها في قاسيون !
( ليلة لا تُنسى ! ) صاحَ كبيرُ الأطباء في المستشفى فرددها أكثر الحاضرين بفرح بينما الربة تتهيأ للغياب ...
لم يعودوا يعرفون ما القلق الذي طالما استبد بهم فيما مضى وباتوا الآن صرعى قلقٍ آخر أجمل أنقى أبقى ورحتُ أنا جالساً أرقب معهم تباعُد الربة قليلاً قليلاً حتى انحنتْ اليها غيوم وهي تعبِّد لها بذوائبها وبضلوع من البرق درباً نَدياً نداوةَ قلبٍ عاشق مضمَّخ بأفاويح الأبد والسديم وكنت أفكر بينما زفيري كالبخار أخذ يتصاعد بغموض له مذاقُ الرؤيا فأحس أن جسدي راح يتصاعد معه أيضاً ...
فكرتُ : الكائن الإنساني المفكر القلق لا يمكن له إلا أن يحشر رأسه في بئر الإسئلة أمام عظمة الوجود ومطلقيته لذا فالمفكر كان دائماً أشبه بالدُّب الذي يُحشر رأسه في خابية , في ( بستوكة ) فلا يستطيع إخراجه منها ولكنّ عزاءه أنَّ في البستوكة عسلاً !!


بِحارُ انتظار
---------
بحارُ انتظارٍ أجولُ - كما شاؤوا - فيها
وفي القاع أحصي دموعَ السمَكْ !
كيف لي ؟
كيف لكْ !
وأُرضي غرورَ الدقائقْ
وثائقْ !
وثائقْ !
تَحَسَّستُها بيدٍ راجفهْ
والآنَ أُلقي بها في الطريقِ
لينهشَها مِخلَبُ العاصفهْ !

----------
1988
بايرن




---------------
القاضي الجرجاني في لاميتهِ :

وإنِّي إذا ما فاتني الأمرُ لمْ أبِتْ
أقلِّب كفِّي إثره متندما
ولكنه إنْ جاء عْفواً قبلتُهُ
وإن مال لم أتبعه : هلاّ وليتما

--------------


فوق عتبات الموكالختب اسمك
قققققفوق الخاتمة :ا
لبول إيلوار وهو يخاطب الحرية :
----------------

فوق العافية المستعادة
فوق الخطر الذي ولى
فوق الأمنية التي بلا ذكرى
أكتب اسمك
وبقدرة كلمة واحدة
أبدأ ثانية حياتي
فأنا ولدت كي أتعرف عليك ,
كي أسميك !

*************

----------------------------------------------

(*) تمَّ كتاب : حديث مع ربة الشفاء !
(**)أحداث هذا العمل الأدبي تجري في مستشفى ميرهايم وهو مركز طبي تأهيلي في مدينة كولونيا – المانيا .

الثلاثاء، ديسمبر 30، 2008

قلوبٌ تتماثل للأشواق

سامي العامري


حديث مع ربة الشفاء
------------------
لَهَفاً أعادَهمُ الشَّذا لعرينِهِ
وتسابقتْ لفِخاخهِ الأكبادُ
يا لَلرياحينِ الغَداةَ وقد سَعَتْ
بضَحيَّةٍ , إقرارُها مُعتادُ
وانا الضحيَّةُ ما أضاءَتْ أنجُمٌ
واستعجَلَتْ أعيادَها الأعيادُ !
ما لي أراكَ موَزَّعاً يا خافقي
بينَ الأُلى ... أتشُوقُكَ الأصفادُ !؟
فيُجيبُ : إني قد فُتِنْتُ بنجمةٍ
حَلَّتْ هنا وسماؤها بغدادُ !

-------------


لكي ينتبه الجميع الى عالم هائل من السِّحر واللهفة والتجدد ونبوغ المساءات , كان يكفي الربة أن تسمح لنغمة من صوتها العميق الندي أن تموج بين أروقة المستشفى للحظاتٍ غير أنها آثرت بموازاة ذلك أن تبعث أيضاً بطائر ضوئيٍّ أخضر لينقر النوافذ والأبواب ويجوب في الداخل ثم يحلق خارجاً , متسرباً من بين أنامل الهواء في الممرات الى الفضاء المحيط بالبناية مرة أخرى ,
بعد أن فُتحتْ الأبواب فتوفز البعض وفُتحت النوافذ فأطل النزلاء برؤوسهم منها الى الغابة المجاورة كان أول الخارجين قدامى المرضى من أصحاب العلل العقلية النفسية والقاطنين في البناية المجاورة فقد تدافعوا بحماس ودهشة بل وغبطة مُنقادين بقوة مجهولة الى الخارج .


تنفُّس
*****
بعد أن عزفتُ صمتَ الدقائق
ظللتُ أدهنُ جِلدََ الهواء بالخدوش
ذلك لأني أريد النفاذ , المرور كنحلةٍ
أو شمعةٍ أو قطارٍ بطول غيمة أطلسية
أو حتى بطولِ سَمَكة!
------------

شكراً جزيلاً لك ولكني أحب أن أسمعه منك , وفعلاً الأدوية والطبابة والعلاجات ضرورية
وهي عديدة غير أني أعتقد أنَّ أهمَّها هو فهم حياة المريض الداخلية أكثر فهذا يزيد من الخبرات الطبية ويعطيها دفعاً وذلك للنفع العام وإذا أردتم الحق فأقول لكم أنكم كبشرٍ , جميعكم مرضى ومصابون بعلل شتى مع فارق أنَّ مَن يحس بمرضه هذا ويدركه هو فقط المعافى ... هكذا بدأت الربة حديثها اللبق في جمعٍ من الأطباء والمرضى وغيرهم وذلك في حديقة المستشفى وكان حديثها جواباً عن سؤالٍ لأحد المرضى الشباب حول جدوى العلاجات وكنتُ قد نزلتُ للتو .
هنا قال أحد الأطباء بشكٍّ : عفواً باعتبارك مثالاً للصحة والسمو الروحي والعقلي ورفعة المنزلة أسأل مقامك العلوي ما اذا تحدثُ او حدثت عندكم حالاتٌ قريبة الشبه ببعض حالاتنا ! فاذا كان هناك نقص او خلل ما في مقدرة الإنسان العقلية او النفسية ألا يبدو هذا أن في الكون ما يستوجب إعادة النظر فيه !
قالت وهي تبتسم ببهجة : لا أيها العزيز كوننا او عالمنا هو عالم نقاءٍ تام , وصحيح أن طبقات كونية مُعيَّنة لامسها تلوثٌ أرضي غير أننا فوق هذه الإنعكاسات وهي إن تزايدت وتفاقمت فلا تؤذي سواكم أنتم الذين تعيشون وتعملون على الأرض , إنتم مع هذا ماضون في هَديٍ او بصيرة ولكنها تراتبية .
هنا صاح أحد المرضى وكان واقفاً في الشرفة الطويلة ويده على مسند خشبي وعلى جانبيه العديد من منتسبي المستشفى : أيتها السماوية الموقرة , النظرةُ المباشرة الموروثة تعطل اكتشاف مكامن القوة والجمال في الأشياء ولذلك قد نحزن أحياناً بسبب عدم مشاركة المحيط لنا بعض هذه المباهج وعدم انفعاله بسببها ... أقول هذا لك لأني بدأت أحس بالحنين لعالمي البسيط المألوف حيث كل شيء يفهمني وأفهمه وكم كنتُ أجد سعادة في ذلك فانا أعرف نفسي جيداً لهذا جئتُ الى رئيس الأطباء فقلتُ له بلطفٍ :
انا تعافيتُ تماماً بفضل عنايتكم اللطيفة المعهودة التي أشكركم عليها جداً والتي استمرت إسبوعين لذا فأرجو إنهاء أوراقي والسماح لي بالخروج الى البيت .
فقال لي انا افهمك ونحن سعداء بتحسن صحتك ولكني أعتقد أنك تحتاج الى ثلاثة او أربعة أيام أخرى , فشكرته وخرجتُ
ثم بعد أربعة أيام عدتُ له قائلاً : السيد الطبيب عفواً ها هي أربعة أيام مرت وحالتي الصحية في أحسن حال وأعتقد أني أستطيع الآن الخروج وعلى مسؤوليتي .
فأجاب :
نحن سنجتمع قريباً كلجنة طبية ثم نبتُّ بأمر خروجك .
ألا تعتقدين أن مثل هذا العمل سيؤدي الى الغرض المعاكس أي سيزيد من حالة المريض النفسية سوءاً ؟
قبل أن تجيب الربة أحسستُ بدافع عجيب للتكلم فانا الواقف تحت شجرة السرو القريبة من المشهد خفتُ لسبب لا أعرفه فأردتُ الحديث او التعقيب ولكني وجدت لساني لا يطاوعني وأخيراً إرتحتُ فانا أثق بالربة .
أجابت الربة : معقولٌ ووجيهٌ سؤالُك ولكن الصبر يأتيك بمنفعة كذلك لهذا أتمنى من رئيس الأطباء أن يردَّ رداً توضيحياً قصيراً .
فردَّ باحترامٍ جمٍّ : نحن نُوُلي مرضانا ومصابينا ثقة ولكن بحدود الممكن حتى نتأكد من أنهم يتكلمون بكامل لياقتهم العقلية وبعدها نجتمع فنقرر تركهم أحراراً في الذهاب الى أين يشاؤون او قد نعتقد بوجوب بقائهم لفترة معينة أخرى وهكذا , وهذه كما لا يخفى عليك مسؤولية وأمانةُ مهنتنا .
هنا قاطعت إحدى المجنونات المريضات قائلة :
صحيح ولكني أذكر إذْ كنتُ يوماً في إحدى المحطات فإذا برجل ضئيل الجسم يكاد يُغمى عليه بسبب الشحوب والبرد مرَّ من أمامي وهو يرتجف ناطقاً بعبارات فهمتُ من خلالها أنه يتبرم من عدم قبول المستشفى له في قسم العناية وسَمَعتُهُ يقول بعصبيةٍ قبل أن يواصل سيره المتداعي الحزين : حياة السجن أفضلُ من العيش هكذا ... وسؤالي هنا هو ماذا سيحدث لو أن هذا الرجل تجمد من البرد القارص فمات مثلاً ؟ او ماذا سيحدث لو أنه ارتكبَ حماقة فاختلقَ مشاجرة - او لو هو فعلها بسبب انهيار عصبي - مع شخص ثانٍ فجرحه عميقاً او او او ..
ثم هل أن رفضهم له في البقاء في المستشفى لفترة حتى يُنظَر في حاله , أقلُّ ضرراً مما لو دخل السجن ؟ وبعد ذلك كيف يمكن أن يُترك هكذا إنسانٍ طليقَ اليد فيما ذهنُهُ ما زال غير صافٍ ليتعاطى مع الأشياء بشكل طبيعي ؟
أجابت إحدى الطبيبات من شرفة البناية :
كل هذه التطورات الممكنة نحن نعرفها ونأخذها في الإعتبار ومن المؤكد أنَّ هناك لَبساً ما في هذا الموضوع المهم ولكن في حدود محيطِ عملنا هنا لم تحصل هكذا حادثة منذ بداية عملنا قبل عدة سنوات .
ومن الشرفة كذلك انبثقَ صوتٌ بسيط بريء قائلاً : أيتها العذبة كأباريق العُلى , انا عاملة تنظيف هنا وما يشغلني هو أني لابد أن أعمل ولكني في كل مرة أراني في العمل الذي لا أرغب به , فعلى مَن يجب عليّ أن أحقد !؟ أعلى الناس , أعلى الدنيا , أعلى نفسي ؟ ولكن المشكلة هي أن الحقد لا يجد له طريقاً الى قلبي .
أجابت الربة : إنك أسميتها مشكلة , وفي عرفي أنها مشكلة جميلة وفيها معنى انتصارك وسعادتك الداخلية , سعادتك أراها انا ساطعةً عندك ففتشي عنها دقيقاً .
هنا تكلم أحد المجانين الشبان المرضى العرب والذي يبدو أنه استعاد ذاكرته وتوازن عقله فقال : أيتها القوة الحانية أقدم لك شكري الكبير على كرمك الذي لا أنساه ,
انا طالبٌ في هذه البلاد منذ عامين وقد تعرضت لحادثة مرور تسببت لي بعدة إهتزازات في الدماغ , كنت قد نويتُ إكمال دراستي في بلدي
وبالفعل ذهبتُ بأوراقي وشهادتي الى الجامعة وفي الطريق حيث كنت جالساً في مقهى سألني شيخ فاضل :
يا ولدي هل أنت طالب جامعي ؟ فأجبته باهتمام ومودة : لحد الآن لا , غير أني آتٍ اليوم لهذا السبب وتحديداً لدراسة الفلسفة .
فقال لي : آخ فلسفة ! إسمع يا ابني أَصدقْني القولَ ,
مِن الأفضل لك أن لا تفعل ذلك هنا فانت سوف لا تتعلم منهم بعد الدرس وسنوات التحضير والتعب والسهر عدا حكمةً واحدة .
فسألتُ باستغراب وما هي يا شيخي الجليل ؟
فابتسم ومسح لحيته وقال :
الحكمة الخالدة هي التالي : وقف رجُلان على مسافة من أرنبٍ فسأل أحدهما الآخر أخبرْني هل هذا الحيوان ذكرٌ أم أنثى ؟ فاختلفا لوقت غير طويل ثم رد الثاني على الأول قائلاً : بسيطة , نرمي عليه حجارةً فإذا هربَ فهو أرنب وإذا هربتْ فهي أرنبة !
إسمعْ كلامي أيها الشاب إرجعْ واجمعْ ما تستطيع من نقود ثم سافرْ وادرسْ هناك فأرضُ الله واسعة .
ثم هناك علة أخرى شجعتْني على السفر .
وهي تذكُّري موقفاً محيراً في فانتازياته قبل سفري بسنوات وهو :
كان زوال الإتحاد السوفيتي السابق فرصة مثالية لكل عربي يدّعي الإسلام لأن يتشفى قائلاً إن انهيار هذا الإتحاد او كتلة البلدان الشيوعية السابقة لهو دليلٌ آخر على صدق نهجنا الإسلامي !
وهنا لكزَهُ مجنونٌ آخر كان يقف الى جواره والذي يبدو أنه يعرفه بطريقة ما , وعنَّفه بعصبية ولكن بصوت خفيض بالقول : هل جُننتَ !!؟
الربة تنتظر أسئلة عن أمور كونية مصيرية مطلقة او مهمة على الأقل وانت تتحفها بالحديث عن هذه التفاهات !!
صاحت الربة بجارهِ وهي ترسم على فمها ابتسامةً مشرقة : دعْهُ لأجلي , دعه ياابنَ الأرض ووارثَها , دعه يتمم كلامه .
هنا راح المجنون الأول مستطرداً :
شكراً لنُبلك , ثم بات هذا ديدن كل مكابر وأحمق وفاشل ومغامر ومراهق
قالت الربة مؤيِّدة كلامه راثيةً لمن عناهم : هذه المخلوقات التي حالت بينها وبين ما يُفترض أن تمتلكه من بقيا روح شفافة ووعي مرهف , طبقات سميكة من الجهالة والتي لا تمسك من الحقائق إلا قشورها ولا تفقه من دينها إلا ما يبرر لها العيش في كهف من الحسيات ولا تفقه بالتالي إلا الفروض الببغاوية ثم لترتعَ بعد الموت في عالم من الدسامة الفردوسية !
فعقب المجنون الأول : وقد سمعنا ما هو قريب من هذا أيضاً عن الدين والتقوى من زعيم عربي هو المغفور له ...
لا تجنِّني معك ,
قال له مرة أخرى زميله الذي الى جواره : مَن لي بحفنةِ صبر !؟ لا تَقلْ المغفور له ...
طيب وماذا أقول ؟
الصحيح أن تقول ( المحفور له ) !
قَبل إخراجهِ من حفرته ومن ثم شنقهِ !
صحَّحَ للربة خطأ عبارته معتذراً وشكرَ زميلَه .
سألتُ نفسي وقد خطرَ أمام عيني شريطُ الماضي هناك في تلك التربة : أحقاً تستحق الحياةُ وفق هذه المقاييس كلَّ هذه الفواجع والرذائل ؟
كم مقززةً حالةُ الصحو أحياناً !
قالت الربة وهي تحدثني بروية : اذا كان هم السياسي هو الجاه فهذا بحد ذاته ليس فيه ضررٌ ولكن عليه أن يجيب على السؤال التالي :
كيف أجعل تطلعاتي الشخصية لا تتعارض مع مصلحة وطني ؟
او بتعبير آخر , عليه أن يطرح على نفسه السؤال التالي : كيف أجعل نموَّ وطني وازدهارَهُ عماداً لِما أريد من مالٍ ومركز ؟
ثُم وجدتُها تعبِّر بحكمة جديدة : دعها تتخفى وراء واجهاتٍ هزيلة الآن ولكنْ ما كلُّ سمينٍ شَرِهاً كما أنه ليس كلُّ ضعيفِ بُنيةٍ متواضعَ الشهية !


ولمّا أصبح الصباح
***********
أُناسٌ مُتْرَفون يَضطجعون
على أرائكَ طويلةٍ كَصَبْر أيوب
ما أنْ حصَلَتْ غارةٌ جويَّةٌ
حتى كُرِّسَ لحمايَتِهم خمسون مَلجأ
ولمّا أصبح الصباح
وسكَتَتْ شهرزادُ عن الكلام المُباح
كان نِصفُ المدينةِ
حُطاماً يُنْعِشُ فُتوّةَ الصُحُفْ .


----
فرانكفورت 1991