‏إظهار الرسائل ذات التسميات حسان الباهي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حسان الباهي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، يونيو 06، 2008

رزوقة: إن مجرّد ابتسامة زائفة قد تنسف مشروعا ديمقراطيّا من أساسه


حسّان الباهي
جوزيف عيساوي: يكتب رزوقة قصيدة الهنا والآن، هدفه أن يخلق لغة تخصّه داخل اللّغة.
شوقي بزيع : تعتبر تجربة رزوقة من أهمّ التجارب الشعرية العربية الحديثة فهو يقدم مقاربة جديدة للشعر وصورا مدهشة، غير مسبوقة .




ضمن البرنامج الحواريّ الشّهير "قريب جدّا" الّذي ينشّطه مساء كلّ سبت الإعلاميّ اللّبنانيّ جوزيف عيساوي، استضافت قناة "الحرة" العالميّة في لبنان مؤخّرا الشاعر التّونسيّ يوسف رزوقة بصفته أمين عام شعراء العالم بأمريكا اللاّتينيّة و"باحثا في الشّعريّات" ، قاصدا بذلك إضفاء مدلول أوسع على الدّور الوظيفيّ الّذي قد يلعبه شاعر اليوم في الألفيّة الثّالثة.
في البداية، قدّم عيساوي ضيفه بقوله : هو" كالقطّ البرّيّ، كان يهرب من الناس، صادق الطبيعة وأعشاب الأرض إلى أن صارت الكلمة وجهه وعينيه. بين الشّعر والسّياسة، تنقّل يوسف رزوقة بحثا عن الحياة، الحياة، يكتب قصيدة الهنا والآن بالعربيّة وبلغات أخرى أحبّها وأحبّ شعراءها. هدفه في كلّ ما كتب أن يخلق لغة تخصّه داخل اللّغة، لكن من هي المرأة الّتي دفعته إلى التّنكّر للشّعر لعشر سنوات كاملة؟ وما هو رأيه في الزّواج بعد زوال الحبّ؟ لماذا انتقد رزوقة المتنبّي ثمّ يقبل مثله على السّياسة، طامحا في البرلمان، مدافعا عن السّلطة والنّظام في تونس؟ ماذا يقول عن العلمنة في بلاده، في وجه من يصفها من المتطرّفين بالكفر؟ وكيف يوسّع الشّاعر فضاء الأنترنات عبر مواقعه الكثيرة وانفتاحه على أدباء العالم؟".
تلا هذه المقّدمة ريبورتاج تمّ تصويره بالمناسبة في تونس ، في بيت الشّاعر مع عائلته وفي أماكن أخرى لها صلة بتحرّكاته اليوميّة وبنشاطه الأدبيّ.
تمّ ردّا على سؤال يخصّ الهويّة والجذور، تحدّث رزوقة عن قصور السّاف، مسقط رأسه وعن زردة، القرية الّتي تعني له العالم والتي هاجر إليها والده بعدما رفضت إحدى عائلات المدينة تزويجه بإحدى بناتها بذريعة أنّه لا يملك بيتا يشنق فيه نفسه، أمّا أمّه فقد تزّوجت والده وعمرها لا يتجاوز 13 سنة وتحدث عن طفولته وعيشه بمنأى عن والديه، لدى جدّته هناء الّتي كانت تغذّي خياله بخرافات محمّد بن السّلطان ورأس الغول والمخبّلة في شعورها وتحدّث عن أيّام الحرمان وكيف حفظ عن ظهر قلب قاموس لاروس الفرنسيّ وهو يرعى الأغنام، في وقت فراغه، بتكليف من والده الذي أجهش، على صرامته الظّاهرة، بالبكاء حين ذكر لأوّل مرّة اسم ابنه ككاتب في برنامج إذاعيّ يعدّه الفنان عمر خلفة.
وتحدّث عن حبّه الأوّل وكيف كان يربط شعر حبيبته تلك، في غفلة منها، إلى المقعد وكيف بالجائزة الّتي نالها عن كتابه الأول " أمتاز عليك بأحزاني" تزوّجا لاحقا، وهما طالبان في الجامعة وعن الحب، قال: بعد سنوات،يتآخى اللّحم مع اللحم ليحلّ محلّه إحساس آخر لعلّه الألفة التي يقتضيها الواقع المعيش والبناء الأسرويّ، الرّتيب أمّا بخصوص العلاقة مع أخريات، إن وجدت، فهي في رأيه ليست خيانة وإنّما "فسيفساء علاقة" في إشارة إلى أنّ الخيانة لن تكون كذلك إلاّ متى تسبّبت في انهيار بيت ما على ساكنيه.

الشعر ومتغيرات المرحلة

تناول الحوار قضايا تتعلق بالتجربة الشعرية الزّاخرة لرزوقة وعلاقته بالسلطة والحياة السياسية وموقفه من المرأة ومن التكنولوجيا وأثرها في حياته ونتاجه الإبداعي.
على امتداد ساعتين، وبين ريبورتاج مصوّر وآخر حول ضيف اللّقاء، استمرّ الحوار، من الألف إلى الياء، في نسق تصاعديّ ، ساخن شارك فيه من خارج الأستوديو، عبر الأقمار الصّناعيّة، الشاعر اللّبناني شوقي بزيع الّذي استهلّ حديثه حول الضّيف بقوله " تعتبر تجربة الصّديق يوسف رزوقة من أهمّ التجارب الشعرية العربية الحديثة لا سيّما في تونس فهو يقدم مقاربة جديدة للشعر وصورا مدهشة وغير مسبوقة خصوصا عندما يكون متطابقا مع ذاته حيث أنه شاعر غني وثري لكنني أؤاخذه على محاولته السير باتجاه العالم التكنولوجي وهذا يناقض روح الشعر الفطرية والبدائية والتي تستفيد من البراءة غير الموجودة بالتكنولوجيا".
وأشار بزيع إلى أنّ أشعار رزوقة ذات منحيين: الأول داخلي ومنطلق من الذات بصورة تلقائية والثاني مبنيّ على فكرة مصممة مسبقا قائمة على علاقة الشاعر بالتكنولوجيا ليضيف: "وهذا المنحى الأخير بحاجة إلى إعادة نظر ودراسة لأنني أرفض الشعر المنطلق من نظريات مسبقة قصد تطبيقها على اللغة".
وعن هذه المراوحة بين الشعر والتكنولوجيا، قال رزوقة: "نعم، أنا أزاوج بين الكلمة والمنتج التكنولوجي لأنني في النهاية جزء من هذا العالم الذي أصبح عبارة عن قرية كونية ولا أبالغ إذا قلت إننا نعيش جميعا في ظل جمهورية مايكروسوفت، لذا من حقي ، بل من واجبي أن أسوّغ هذا المنتج التكنولوجي وأن أقرّبه من الشعر والأدب".
وأكّد رزوقة أنّه لا يرغب في أن يكون شاعرا بل باحثا في الشعريات وأضاف "أحاول أن أكون الناطق الرّمزي باسم المرحلة وأن أعبّر عن كل التداعيات الإنسانيّة المختلفة ومنها ما هو مرتبط بالثورة التكنولوجية التي نعيش في ظل تأثيراتها وهكذا أخلق تواصلا بين العلوم والآداب بردم الهوّة بينهما".

سياسة الشاعر، دولة الكلمات

وعن علاقة رزوقة بالسياسة والسلطة، سأله عيساوي فأجاب "أنا أتعامل بودّ مع السياسة ولا يوجد عندي عقدة تجاه السلطة والدولة لأن الشاعر في النهاية جزء من النظام العالمي الجديد بكل تجلياته .
وأكد رزوقه أنّه يسعى للاستفادة من عمله بالسياسة من أجل تحقيق مكاسب للمثقفين في بلاده، مشيرا إلى رضاه عن مستوى الحريات العامّة وحرية الرأي والتعبير والنشر في تونس.
"سيماؤنا على وجوهنا وعلينا أن نحلّل بالسيميولوجيا كلّ شيء فنحن إزاء أزمة أكسيولوجيا مزمنة، اختلطت فيها معايير القيم" قال رزوقة ليخلص إلى الإقرار بأريحيّة تامّة بأنّه لا يرى حرجا في الانتماء إلى حزب بعينه ما دام لهذا الحزب مقولات فكريّة وبرنامج طموح يتناغم وتطلعاته، محتكما إلى ابن خلدون الّذي يرى أنّ "الخير أساس السّياسة" وإلى جدّه نيتشه ( هكذا قال) في طرحه الاستشرافي بقوله " كفى! سيجيء يوم يصبح فيه للّسياسة معنى آخر" وهو ما فسّره رزوقة بلزوم المشاركة السّياسية تواصلا مع راهن المرحلة ليرى أنّ السّياسة ، إلى جانب كونها فنّ التّعاطي مع الممكن، هي فنّ التّعاطي مع اللاّ متوقّع.
وأمام مقاطعة عيساوي له بخصوص تموقعه في الحزب الحاكم دون الأحزاب الأخرى، أجاب رزوقة بأنّ ما يهمّه هو الأداء السّياسيّ الّذي ينطوي على مشروع كبير وواضح وقد تجسد هذا في الحزب الذي ينتمي إليه وبخصوص عمّا إذا كان هذا يتعارض مع أطروحات الشاعر الملتزم بالحرّية والديمقراطيّة، نفى رزوقة أن يكون هناك ما يمنع مثل هذا الالتزام بمبدأ الحرّيّة ونحوها ليضيف بأنّ الحرّية حرّيّات ، لها أقانيم خصوصيّة، بمعنى أنّ لكلّ بلد مقولته القائمة في هذا السّياق مشيرا إلى أن العدالة هي الأخرى تختلف من بلد إلى آخر، مستندا إلى النّموذج التّونسيّ الّذي هو قائم بخصوصيّته التّونسيّة دون ضرورة القول بتسويقه، تحت أيّ سياق، إلى بلد آخر.
قاطعه عيساوي: إلى السعوديّة مثلا؟ استدرك رزوقة: لا للسعوديّة ولا لأيّ بلد آخر، لماذا؟ لأنّ للسّعوديّة مثلا مقوماتها الخاصّة وحريتها في التّعاطي مع مقولة الحرّيّة ولها من ثمّة خصوصيتها القائمة. كلّ شيء علينا أن نماحكه سيميولوجيا وبعين أخرى.
يسأله عيساوي: لا تريد أن تصبح بنات السّعوديّة مثل بنات تونس؟
يجيب رزوقة: لبنات تونس، وبمنأى عن أيّ طرح مستهجن، واقع مختلف اكتسبنه بعد معركة السّفور التي خاضها، غداة الاستقلال، الزّعيم بورقيبة ومن معه من المصلحين لأجل أن تقف المرأة التونسية بندّيّة تامّة مع نظيرها الرجل وتشاركه الفضاء "الهابرماسيّ"، العموميّ وقد ساعدتها البيئة التونسّية على ذلك.
يستطرد عيساوي: لكنّ البيئة التّونسيّة يحكمها كغيرها من البيئات منطق التحولات فلماذا لا تريد لبيئة أخرى، أن تتغيّر؟ وجواب رزوقة أن ذلك يظل رهين رغبة أهل الذّكر في البلد نفسه فلا يحقّ لأيّ كان أن يقتحم المجال الحيويّ للآخرين ليملي عليهم ما يتعارض، إن بشكل أو بآخر، مع سياساتهم. لكلّ واحد حريّته المخصوصة وأمنه الحضاريّ، فما يحدث في تونس ليس بشرطه أن ينسحب على بلدان أخرى.
واستفسر عيساوي منه عن موقفه مع سائق التاكسي في الأردن والذي قال له إن تونس خضراء ولكنّ شعبها كافر فقال: "بالفعل كنت مع الشاعر عز الدين المناصرة متجهين إلى إحدى الفعاليات الشعرية في عمّان وإذا بسائق التّاكسي يسألني: حضرتك من تونس؟ إنّ بلادكم خضراء لكن شعبها كافر ، فأجبته: نعم وهذا صحيح! نحن كافرون بمقولات المكفّرين الذين يقفون حجرة عثرة في طريق التّطوّر والانطلاق نحو الآفاق الأرحب ونحن كافرون بالتقاليد الرّثّة والأفكار والقيم البالية.
ويضيف رزوقة: لا يخفى على أحد وبلا أدنى مزايدة منا، أنّ لتونس إيقاعها الخاصّ فالعين تثقّفت بما يكفي والغريزة أيضا. بإمكان أصيل المكان أن يمرّ بشاطىء بوجعفر بالساحل التونسي أو بأيّ شاطىء آخر وأن يعاين أجسادا ممدّدة، على عري عظيم فلا يعيرها أدني اهتمام، ما دامت له مثل هذه العين المثقّفة، أمّا في أمصار أخرى، فإنّ الواقع مختلف تماما عن تونس.
سأله عيساوي: في تونس، هناك فصل بين الدولة والدين، بمعنى أن الدين لله والوطن للجميع...فهل تدعو إلى أن تشمل العلمانية كلّ البلدان الأخرى؟
أجاب رزوقة : يا ريت! بل أتمثل قولا مأثورا لأقول :"أمطري يا علمانيّة حيث شئت، فخراجك لنا"..نأمل ذلك، دون غمط الجانب العباديّ، الجميل للمؤمنين من عباد اللّه، ذلك الجانب الذي يخاطب فيهم الروح والوجدان معا.
من مقولاتك، يسأله عيساوي، أنّ اللّه وردة، كيف ذلك؟ ويجيب رزوقة، نعم، هو كذلك في المجاز، فالله هو الوردة العبقة والوردة هي المعادل الموضوعيّ والمجازيّ لكلّ شيء جميل وناهض ضدّ الشيطان والجريمة والتطرف بأنواعه بمعنى أن الله هو أن نكون جميلين في الأرض فلا نعيث فيها فسادا، أن نجامل امرأة بحلو الكلام فيكون لنا ثواب عند الله، أن نزرع حدائق، إلى غير ذلك...
يسأله عيساوي: أنت تقول إن مجرّد ابتسامة زائفة قد تنسف مشروعا ديمقراطيّا من أساسه، كيف ذلك؟
أجاب رزوقة: نعم، تكفي ابتسامة زائفة كي تنسف مشروعا ديمقراطيا من أساسه، متى انتفى الصدق من أيّ أداء سياسيّ، منذور لتحقيق حلم ما.
أنت خضت تشريعية 1999 ولم يحالفك الحظ في الفوز بمقعد في البرلمان؟
أضاف رزوقة، نعم ترشّحت بصورة حرّة وموازية لقائمات حزبي، كمحاولة منّي لامتحان نفسي ويبقى الفوز من عدمه، شأنا ثانويا بالنسبة إليّ فالعبرة بالمشاركة في مثل هذا السياق.
وكيف تمّ تعيينك "رئيس جمهوريّة ليوم واحد"؟
أجاب رزوقة: هي تخريجة تونسية، رمزيّة أملاها سياق انتخابيّ، حيث ارتأت اللجنة المنظمة لانتخابات 2004 أن تخصص "يوما مفتوحا" يلعب فيه المثقّف رمزيّا دور الرّئيس، عبر قيامه بزيارة استطلاعية إلى أحدى الولايات التونسية والوقوف من ثمة على ما تحقق من مكاسب، إلى غير ذلك.. وقد قمت بالمهمّة في ذلك اليوم ( إلى جانب نظراء لي تمّ إرسالهم إلى ولايات أخرى) وزرت ولايتي صفاقس وقابس بصفتي الرمزية تلك..
يعلّق عيساوي: السّلطة تلاعبكم "مليح" في ملعب الرّمز والمجاز...
يستطرد رزوقة: هي لا تلاعبنا ، بل قل نتبادل اللعب بالمعنى الغاداميريّ للكلمة ( على خلفية أن "اللعب نفسه يتضمن جدية خاصة به" تعني "التحول الذي من خلاله يبلغ اللعب البشري كماله الحقيقي، وهو الاستحالة إلى فن).
أمّا لماذا اعتزل الشعر لعشرة أعوام كاملة فيوضح رزوقة أن ذلك جاء بسبب امرأة استكثرت عليه أن يكون له حضور في مجال ذي صبغة سياسية ليكون موقفها ذاك والذي اختزلته بقولها : " لم يعد ينقصنا إلاّ الشّعراء" بمثابة القشّة التي قصمت ظهر الشاعر فيه فتوقف عن كتابة الشعر من 1992 إلى حدود 2002 ليعود إلى سالف حبّه الأوّل ويثأر من تلك السنوات العشر العجاف.

الخميس، مايو 01، 2008

على هامش مهرجان الشعر العربي الرابع بمدينة الرقّة السّوريّة



من مدينة الرقة السورية: حسان الباهي

الامتياز لقصيدة النثر
- كرم بحجم الفرات:
أكثر من أربعين ذبيحة وخمسمائة ضيف تحت خيمة عملاقة

في حضور حاشد من الشعراء والمثقفين وهواة الأدب ، التأم مؤخّرا، في غضون نيسان- أبريل العاشر 2008، مهرجان الشعر العربي الرابع الذي تدأب على إحيائه سنويا مديرية الثقافة بالرقة السّوريّة.تمّ بالمناسبة افتتاح معرض للكتاب العربي بمبادرة من دار الفرقد وآخر للمصنّفات الشعريّة أقامته دار الينابيع، إلى جانب معرض للفن التشكيلي للفنان سامر عبد الغني.


في كلمة أولى ألقاها والي المكان ، خاطب الشعراء المشاركين بقوله: نتمنى أن يكون المهرجان هذا برلماناً للشعر واصَفا إيّاهم بأنهم أهل شعر وثقافة وبأن لا شيء يشبه القصيدة، لأنها تشبه الأشياء الجميلة عندنا فها هي الغابات والأنهار و الموسيقى والمساءات الظليلة والعودات المظفرة للجنود والعشاق والمحبين وأوبة الطيور عند الغروب وارتحال السفن ولكل هذه الأشياء الجميلة يجب أن تزدهي القصائد على ضفاف الفرات ، وأن تتألق في هذا الفضاء الرحب من المحبة والتوادد.


من جهته، شكر حمود الموسى مدير الثقافة والمهرجان الجهات الداعمة لفعاليات التظاهرة في كلمة رحب من خلالها بالأدباء المشاركين شعراء ونقّادا، وبكلّ الضيوف الوافدين من عموم أنحاء العالم إلى الرقة للمشاركة بعرسها السنوي.


وألقى الشاعر التونسي يوسف رزوقة كلمة الشعراء المشاركين في ثلاث نقاط استهلها بشاعر الهنا والآن: هو والمعنى ومما جاء فيه " نلتقي اليوم في الرقة تحديدا وكلنا رغبة في تجسير التّواصل مع أصدقاء جدد أو محتملين، لغاية التعاطي في مناسبة كهذه، معا وسويا، مع ما يهمّ مشروعنا الشّعريّ أو النقدي،راهنا ومستقبلا، ونحن نعلم أنّ ديواننا، ديوان العرب، لم يعد كذلك الآن وهنا، أي أنّه لم يعد فنّ العربيّة الأوّل وبامتياز لعدّة أسباب وسائطيّة وغير وسائطية، مستجدة"ثمّ عرّج في نقطة ثانية على "الرقة" مكانة ومكانا وفيها قال: في الضفة اليسرى من النّهر، التقى التاريخ بالجغرافياالرقة البيضاء ماء دافق،أرض وأزمنة وأجداد قضوا هبة الفرات هو المكانالهاء هولاكو الزّمانوما تهدّم منه يشهد أنّه غول المغول الهاء هارون الرشيد وذاك منزله المهيب جوار أشجار النخيل الهاء تيمورلنك يحمل عاهة الإنسانأعرج عاش تيمورلنك في أوهامه الهاء هيلوكوبتر المنصور تهبط عند جامعه العتيقومن جديد، يقرأ السّيّاح ألواح المدينة يقرأ الشّعراء آماد البعيدة، كلّ حفريّاتها في "رقّة" الزمن الحديث، فراتهاأسوارها وقصورها، قصر البنات وما إليه، قلاعها وتلالها وفسيفساءات الزمان وكان يا ما كان..هل كنّا هنا؟ وفي نقطة ثالثة، احتفى رزوقة بالشاعر إبراهيم الجرادي على طريقته فأجمل مسيرته في قصيدة تحمل اسمه: عاش في عالم حيث بوشكين والآخرونوأسرى إلى عالم حيث رامبو وعبد العزيز المقالح والأصدقاء الجميلون:
شوقي شفيق ومن معه من رفاق الطّريق
كان لا بدّ من بعض موسكولتقفز نحو القصيدة، من شجرات البتولا، سناجيب خاطفةونساء تعلّمن من جدّهنّ الشّيوعيّ فنّ الهروب من اللّه، عند المساءولا بدّ من بعض صنعاءكي يصنع الحاء، هذا الدّمشقيّ، حبّا وحلما وحرّيّة وحياةولا بدّ من بعض "قات"لشكل القصيدة : قوتا لمضمونهاكان لا بدّ من "بندر لا يخون"وإن خانه، وهو يلهج بالصّمت، شعب من النّمل تحت اللّسانومن "رقّة" هي ينبوعه، كان لا بدّ، كي للفرات يعود "عويل الحواسّ"ومن "ثورة الحرف" كي للمكان يعود الزّمان
مبعثرة هي أجزاؤه، رجل هو بامرأة يستحمّ، تؤجّجه "شهوة الضّدّ" في "موكب من رذاذ المودّة والشّبهات" " الذئاب الذّئاب الذّئاب تمارس ما تشتهي في براري النعاس النّعاس النّعاس "تغيّر فحوى الخريطةفالدم ليس أحمر قال الجراديولا ديك في قرية العم سام يوقظ الآن أهل الكهوف الجديدة، صرعى ذباب التسي تسي والفحيح المعولم والصدماتله الحرف أعلى من الشّبهات وزحف الجرادله وهو يدرك أنّ القصيدة بحر سفينة نوح له أن يفخّخ ما شاء من ليزر دافقليفكك شيفرة هذا الظّلامويطهو لحم الخفافيش هامبورغرا للغراب الجديد.
شعر، نقد وسياحة
كما ألقى الشاعر باسم القاسم كلمة اللجنة العلمية للمهرجان أكد من خلالها أننا أمام هذا المستوى الرفيع من التمثيل العربي والعالمي من سدنة الشعر وأرباب نقده ومحبيه، كان لابد من بدعة يطارد معتنقيها فرسان اللغة، فأما إلى جحيم الرتابة، والجدوى أو إلى فراديس التنوير والمواكبة، فكان العنوان المحور الذي أسست على أبعاده الرؤيا المؤثثة لفضاءات طموحنا المعرفي المرجو من موسم الشعر تحت عنوان: القصيدة الحديثة هوية ومعنى.


وبعد ذلك رحّب أمين سر المهرجان الشاعر إبراهيم الزيدي بالشاعر المكرّم إبراهيم الجرادي، الذي ألقى قصيدتين من أشعاره، تلته قراءات نقدية لشعره للناقد الدكتور جمال خضور ليكون مسك الختام مع فرقة الرقة للفنون الشعبية التي قدمت عددا من الأغاني والرقصات الشعبية تفاعل معها الحضور وفتحت الشهية على ما تبقى من أيام المهرجان حيث تداول الشعراء عربا وأجانب مع نظرائهم من سوريا على تأثيث الأماسي الشعرية والأصبوحات النقدية بين مدينتي الرقة والثورة دون إغفال سائر الفقرات السياحية والترفيهية الموازية .


إلى جانب القراءات الشعرية،كانت هناك فعاليات نقدية ما بين جلسات نقد عامة وأخرى تطبيقية ذات صلة ببرنامج التظاهرة أثّثها الدكاترة: رضوان قضماني، هايل الطالب، غسان غنيم، وفيق سليطين، عاطف بطرس، أحلام حلوم، جمال خضور، حسين المرعي، سعد الدين كليب، عبد الجليل العلي.الشاعر الإسباني رامون مارينا أفاد أن الشعراء منذورون للمغامرة واجتراح الحداثة في أسمى تجلياتها وأن النقاد سيعون ذلك يوما.أمّا الشاعر التونسي يوسف رزوقة فقد اختزل المسألة بالسؤال التالي:"ما الشّعر؟ فالنّقاد، إن وجدوا،فلاسفة وتلك مصيبة كبرى ولا قانون يحميهم من الظلم العظيم.


"أصغى الحضور إلى نخبة من الشعراء الضيوف فإلى جانب الحاضرين من شعراء سوريا : إبراهيم الجرادي، عبد السلام حلوم، إبراهيم الزيدي، معاذ الهويدي، رشأ عمران، وفيق خنسة، أحمد الحافظ ، نزار بريك هنيدي، سهام السليمان ، ياسر الأطرش، تناوب على القراءات الشعرية ، ما بين مدينتي الرقة والثورة، كل من أحمد راشد ثاني وميسون صقر القاسمي من الإمارات العربية المتحدة ومن اليمن أحمد العواضي ومن العربيّة السعوديّة أحمد الزهراني ومن العراق هاشم شفيق وريم قيس كبّة ومن الأردن يوسف عبد العزيز، مصلح النجار والطاهر رياض ومن لبنان محمد علي شمس الدين ومن مصر عزت الطيري ومحمد ادم ومن تونس يوسف رزوقة ومن الجزائر ربيعة جلطي ومن المغرب مصطفى بدوي كما شارك في هذا المهرجان من الشعراء الأجانب كل من عائشة ترجان و عادل أوقاي من تركيا ومكسيم فاتكوفسكي أوكرانيا ورامون مايرتا من إسبانيا.في حين تخلّف عن حضور هذا المهرجان الجزائري حكيم ميلود وشاعرة سودانية اسمها روضة الحاج( لعلّ المانع خير).
رياح لواقح
في رأي لأنور بدر، أحد متابعي الفعاليات، أنّ "حضور قصيدة النثر كان الأقوي في هذا المهرجان" ليضيف" جاءت المشاركات المتنوعة من المغرب العربي لتؤكد أهمية المثاقفة والتأثيرات الغربية في ما سماه الشاعر التونسي يوسف رزوقة الأنثورة الشعرية وهو الذي يكتب الشعر بأكثر من لغة، يحاول من خلالها أن يخلخل السائد في متن الشعر العربي الحديث، يحاول إعادة تشكيل الصورة الشعرية، وإعادة تأهيل بنية اللغة الشعرية لتستوعب المنجز في القيم الجمالية والروحية وصولاً إلي قيم العولمة والحضارة الرقمية، يقول رزوقة في مقطع من قصيدته "إلياذة ميكيافللي":وها .... أنذا هناأجري وراء قصيدةهي نفسها تجري بغير هدىوراء سفينة تجريولي أن اسأل الآن الفراشة: من أكون؟هويتيالمعني الذي سأكونهوهويتيالمعني الذي سأخونهوهويتيأن لا هوية لي على الإطلاقفي مستنقع الشيء المنمطهكذا هوهكذا هيهكذا فسد الهواءوهكذا تهوي الصروحوهكذا يهوي الذين إذا رأوا قمرا بكوابل هكذا تجري الرياحكذلك كان حضور مصطفي بدوي من المغرب لافتاً للانتباه، إلا أن الشاعر الليبي صالح قادريوه كان مفاجأة حقيقية بالنسبة للكثيرين، وبشكل خاص لجهة الجرأة في قراءة المساحة المهمشة ما بين الذاتي والعام."
هوامش:
خيمة عملاقة لوليمة بحجم الفرات
من هوامش المهرجان اللاّفتة، ما قامت به قرية معيزيلة المتاخمة لمدينة الرقة حيث دعت في اليوم الأول ضيوف مهرجان الشعر العربي الرابع إلى غداء "تاريخيّ" أمّنه أحد شيوخ المنطقة الشيخ اسماعيل مسهوج البليخ .لم يكن الحضور في هذه المأدبة الباذخة حكرا على ضيوف المهرجان بل دعا الشيخ أيضا أحبابه ومقرّبيه وأبناء عشيرته فبلغ عدد الحضور زهاء خمسمائة ضيف ، نحرت لهم 45 رأسا ً من الأغنام دون إغفال ما تمّ استجلابه لزوم إعداد ذلك من موادّ :أحد عشر كيسا ً من الطحين وحشد خمس وعشرين خبازة من خبازات خبز الصاج إلى جانب الفواكه المنضدة في مناسف كبيرة والتي جلبتها خصيصا إحدى الشاحنات من حلب أما المشاركون في تقديم كل هذا إلى الضيوف فقد بلغ عددهم أكثر من مئة شخص .‏تناول الضيوف أشهر أكلتين في الرقة و هما الثريد بمناسفه المجنونة والرزّ تعلوه كوم اللحم وما إلى ذلك.‏أحدهم علّق على هذا الحدث الوليميّ بقوله: قد تدخل الرقة في موسوعة غينس للأرقام القياسية في عدد الذبائح لوجبة واحدة في يوم واحد .
رفيعة حب من شعراء العالم إلى الجرادي
من جهتها، أهدت بالمناسبة حركة "شعراء العالم" حركة عالميّة، مقرّها الشّيلي، تضمّ أكثر من 3500 شاعر من القارّات الخمس الشاعر إبراهيم الجرادي رفيعة حب ممضاة من أمينيها العامين الشيلي لويس أرياس مانسو والتونسي يوسف رزوقة وقد قدّمتها له في افتتاح المهرجان الشاعرة الجزائرية ربيعة جلطي ، جاء في نصّ الرّفيعة:تونس / الشيلي في 07 أفريل / ربيع الثاني 2008عناية الشّاعرالكبير إبراهيم الجراديبعد التّحية اللاّئقة بالمقاممن هنا، من أرض بابلو نيرودا وأبي القاسم الشّابّي وسائر المناضلين من يتامى الخارطة، نحيّيك شاعرنا الكبير إبراهيم الجرادي لنرفع إليك وأنت بيننا على أرض الرقّة من دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008، قصيدة لم يقلها الشّعراء، مرددين معك: لماذا‏ يُكسِّرُنا‏ الوقتُ‏ مثلَ‏ الزجاجِ؟ ستمضي بنا النارُ نحو مفاتنِها‏ لنقيسَ مكانَ الحنينِ بأحفادنا‏‏ ويسعدنا بالمناسبة، أن نهنّئ أنفسنا بوجودك معنا، في حركة "شعراء العالم" ضمن بوّابتها المفتوحة على القارّات الخمس، شاكرين "مديريّة الثقافة بالرقة" ضمن مهرجانها الرابع للشعر العربي، لفتتها الكريمة إزاءك تحديدا وإزاء الشعر وأهله.نتمنّى لك عمرا مديدا وصحّة جيّدة ودمت لنا شاعرا وناقدالكم منّا كل التقدير والسّلام.

الأربعاء، أبريل 30، 2008

عبد الواحد براهم ويوسف رزوقة في مسرحيّة "أصوات قرطاج"



ما لم يقله مؤرّخو روما
من العناوين اللاّفتة والصّادرة عن دار" تبر الزّمان" والّتي ضمّها معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الـسّادسة والعشرين عنوان جديد هو "أصوات قرطاج" ، مسرحيّة شعريّة التقى في تأليفها الرّوائيّ عبد الواحد براهم والشّاعر يوسف رزوقة ، جاءت في إخراج فنّي، باذخ، في 144 صفحة .

قدّم الكتاب الدّكتور محمّد حسين فنطر، مختصّ في دراسة الحضارات الفينيقية وحضارات ما قبل الميلاد في شمال إفريقيا وهو إلى ذلك، رئيس كرسيّ بن علي لحوار الحضارات والأديان و صاحب عديد المؤلفات في مجال اختصاصه وممّا جاء في تقديمه قوله " هذه ملحمة شعريّة من سبك أديب وشاعر رأيت فيها أثرا لأثر فطربت وغمرتني سعادة من يؤمن أنّ التّراث يثري الخيال ويخصب المبدعين وكم يسعدنا التّاريخ إذا زفّ إلى خيال خصيب يمجّد دون كبرياء بل يجعل من الحبّ والوصل والتّضامن قيما تغذي النّاس" ليضيف " ثمّ لا ننسى ما تسعى إليه أصوات قرطاج من اندساس في سمك العالم الّذي نعيش فهي تنويه بالحرّيّة وتنديد بالخنوع وبمن لا يؤمن بالذّات".

من جهته، أوضح عبد الواحد براهم في تصديره الغاية من هذا التّأليف المسرحيّ بقوله:" ظلّت قرطاج ردحا من الدّهر رافعة لواء الدّولة الأعرق والأعظم في البحر المتوسّط فتصدّت بحكم مركزها هذا، وبدافع من مبادئها، لنوايا روما التّوسّعيّة وحاربتها قرونا.(...) لقد هزمت قرطاج فأحرقت ومسحت أرضها مسحا.

ظلمت من مؤرّخي روما المأجورين أو المتملّقين. ذاقت بعد سقطتها الغبن ونسيتها السّعادة زمنا. لكنّ اسمها لم يندثر وظلّت أصوات رجالها ونسائها عالية، محفورة في ذاكرة التّاريخ . في هذه المسرحيّة، إبراز لملامح مختصرة من ذلك الصّراع النّاتج عن تعارض طموحين: طموح قرطاج الرّامي إلى تأمين أسطولها البحريّ وحرّيّة تنقّله وإلى الحفاظ على ازدهار اقتصادها وحسن تعاملها مع الأجوار وطموح روما الّذي تجاوز مرتبة الصّلف والاستعلاء وطلب الغنم إلى مرتبة التّوسّع القاهر الضّاغط المستعدّ لسحق أيّ دولة تعارض مخطّطه الامبرياليّ وتعطي الرّواية في نفس الوقت صورة للخنوع السّائد بين ملوك ذلك العهد وكيف أخضعتهم سياسة روما التّأديبيّة وجعلتهم مستعدّين دوما للتّنازل عن كلّ شيء، ما عدا التّاج والصّولجان حتّى ولو كانا من ورق".انطوت هذه المسرحيّة على تسع لوحات متواشجة هي كالتّالي:اللّوحة الأولى جاءت تحت عنوان "الأطلال" وفيها صوتان هما للشيخ محرز بن خلف والمؤرخ.

اللّوحة الثّانية تمحورت حول "علّيسة" التي غادرت صور فرارا من بطش شقيقها بيغماليون وعلى جلد ثور بنت قرطاج الملاذ.اللّوحة الثّالثة تدور حول إنيوس في مواجهة مع علّيسة التي أكرمته وأسبغت عليه من عطائها، وقد رأت فيه ضالّتها أخيرا.لكن إنيوس كان جحودا إزاءها إذ ارتأى الرّحيل نزولا عند نداء الآلهة ليدمر برحيله ذاك امرأة اسمها عليسة.

اللوحة الرابعة بعنوان "ريقولوس" وتلويح روما بشن الحرب على قرطاج.

اللوحة الخامسة تحمل عنوان "عبدملقرت" الذي علّم حنبعل فن القتال والذي بفضله استوى حنبعل قائدا عظيما.

اللوحة السادسة حول شيبيون في مواجهة حنبعل ، انتصار وانكسار .

اللوحة السابعة حول صفونيبة ابنة عزربعل وأثرها في المشهد القائم بين الطرفين.

اللوحة الثامنة تتمحور حول حنبعل في منفاه.ا

للوحة التاسعة جاءت مفتوحة على الأفق تحت عنوان"لا بدّ من أمل" وفيها تشخيص لمسيرة قائد زلّت به حكمته.

وتنتهي المسرحية بتداخل أصوات تدين نمطا جائرا لهيمنة هي زائلة لا محالة وإن طالت:انظري أيتها الآلهةلا ضمير لهم هؤلاء الملوكعبيد وإن توجوهموهم خدم طيعون لروما أذلاّء أنفسهم قبل أن يفرض الذل فرضا عليهمتموت المدائن لكنّ نبع المبادئ لا، لن يموت.

ويذكر أنّ عبد الواحد براهم ، واضع النّصّ الأصل لهذه المسرحيّة هو كاتب روائيّ، عمل سنوات في مهنة التّعليم ، في وزارة الثّقافة ثمّ بالألكسو، أرسى قواعد عدّة مؤسّسات للنّشر كما ترأس اتّحاد النّاشرين لثلاث سنوات و ترأس شركة تصدير الكتاب التّونسي لمدّة ست سنواتنشر على مدى 40 سنة عددا لا يحصى من البحوث والقصص والرّوايات.

من مؤلفاته: في بلاد كسرى، ظلال على الأرض، مربّعات بلاستيك، حب الزّمن المجنون، بنزرت تاريخ وذاكرة، بحر هادئ سماء زرقاء، تغريبة أحمد الحجري كما حاز على العديد من الجوائز الأدبيّة منها الجائزة الأولى لمسابقة مدينة "المدينة" للرّواية لسنة 2002 عن رواية " قبة آخر الزمان ".

أمّا الطّرف الثّاني، مسوّغ هذا التّأليف المسرحيّ شعريّا فهو الشّاعر يوسف رزوقة، باحث في الشّعريّات وأمين عام شعراء العالم بأمريكا اللاّتينيّة وصاحب العديد من المؤلّفات الشعريّة نذكر منها: أمتاز عليك بأحزاني ، برنامج الوردة ، إسطرلاب يوسف المسافر، الذئب في العبارة، بلاد ما بين اليدين ،أزهار ثاني أوكسيد التاريخ، إعلان حالة الطوارئ، الأعمال الشعرية (الجزء الأول)، يوغانا : كتاب اليوغا الشعرية، الفراشة والديناميت ، أرض الصفر والأعمال الشعرية في جزئها الثاني إلى جانب مؤلفات أخرى بالفرنسية والإسبانيّة والبرتغاليّة.

الأحد، مارس 30، 2008

45 شاعرا وناقدا في ضيافة القصيدة الحديثة، هويّة ومعنى

حسّان الباهي

الجزائر

- تكريم الشاعر إبراهيم الجرادي

تحت عنوان " القصيدة الحديثة، هويّة ومعنى"، تنطلق الإثنين 7 أفريل 2008 بمدينة الرّقّة السّوريّة فعاليّات "مهرجان الشّعر العربيّ " في دورته الرّابعة بمشاركات سورية وعربية واسعة إلى جانب مشاركات من تركيا وإسبانيا وأوكرانيا، وتنقسم فعاليات المهرجان بين مدينتي الرقة والثورة، وفق برنامج
مفصّل، حيث تشهد مدينة الرقة في اليوم الأول افتتاح معرض تصوير ضوئي عن معالمها التاريخية بالإضافة إلى معرضين يقامان بالمناسبة، معرض الكتاب العربي لدار الفرقد ومعرض الشعر السوري لدار الينابيع.
إثر ذلك، يلقي مدير المهرجان الأستاذ حمود الموسى مدير الثقافة بالرقة كلمة تأطيرية، تسلّط الضّوء على ثقافة المكان وأبعاد التّظاهرة ليفسح المجال للشّاعر يوسف رزوقة ليلقي كلمة المشاركين في حين يلقي السيد أحمد شحادة خليل محافظ الرقة كلمة راعي المهرجان.
أمّا الفقرة المحوريّة الموالية فهي خاصّة بالشاعر إبراهيم الجرادي الذي يستهلّها المحتفى به بقراءات شعريّة مشفوعة بقراءات نقديّة في مدوّنته الزّاخرة بإمضاء النّاقدين د.سعد الدين كليب ود.جمال خضور يليها تكريمه كشاعر له فرادته في المشهد الشعريّ العربيّ فهو في رأي النقّاد" شاعر
يمنح القصيدة صدقية التجديد وتجاوز السائد حتى تظل حية ننضج بصخب الحياة وحركتها، غير قابلة لأن ينمو عليها فطر الكلمة الراكدة والمألوفة المتواطئة مع تدني الذائقة وخمولها.. فالحداثة لدى الجرادي موقف وفعل إبداعي لا يتجه إلى التغيير في القصيدة فحسب بل يمتد إلى الواقع والحياة شكلاً ومضموناً"
أصدر إبراهيم الجرادي:
أجزاء إبراهيم الجرادي المبعثرة - شعر - دمشق 1981
رجل يستحم بامرأة - شعر - دمشق 1983
الدم ليس أحمر - قصص من الرقة - دمشق 1985
شهوة الضد - قصائد - اتحاد الكتاب العرب -1985
موكب من رذاذ المودة والشبهات- ريبورتاجات شعرية - مع إبراهيم الخليل 1986
شعراء وقصائد- مختارت من الشعر السوفياتي المعاصر - قبرص 1986
أوجاع رسول حمزاتوف- ترجمة وتقديم - وزارة الثقافة - دمشق 1988
دراسات في أدب عبد السلام العجيلي- تحرير وتقديم وإشراف- دمشق 1988
الأشكال في الشعرين الروسي والعربي (1960- 1980)- بالروسية - رسالة دكتوراه
1عويل الحواس - ريبورتاجات سمعية بصرية- دمشق 1995
الحداثة المتوازنة- دراسات في أدب عبد العزيز المقالح- تحرير وتقديم وإشراف - دمشق 1995
مسامير في خشب التوابيت - دراسات في إبداع تامر - تحرير وإشراف - بيروت - 1995
الذئاب في بادية النعاس – منشورات اتحاد الكتاب العرب - 2000
ويذكر أن الجرادي من مواليد الرقة سنة 1951 وهو أستاذ الأدب العربي الحديث والمقارن في جامعة صنعاء في اليمن ومؤسس جماعة "ثورة الحرف ".
ويختتم اللقاء الافتتاحيّ بعرض فني لفرقة الرقة للفنون الشعبية لتحتضن الأيام الموالية مشاركات الشعراء الوافدين على دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008 من بلدان عربية عديدة ومن أخرى أجنبية.

ضيوف المهرجان

من ضيوف المهرجان، وإلى جانب الحاضرين من شعراء سوريا : إبراهيم الجرادي، عبد السلام حلوم، إبراهيم الزيدي، معاذ الهويدي، رشأ عمران، وفيق خنسة، أحمد الحافظ ، نزار بريك هنيدي، سهام السليمان، توفيق أحمد، ياسر الأطرش،يحضر من الإمارات العربية المتحدة كلّ من أحمد راشد ثاني وميسون صقر القاسمي ومن اليمن أحمد العواضي و أحمد ناجي أحمد ومن العربيّة السعوديّة أحمد الزهراني ومن العراق شوقي عبد الأمير، هاشم شفيق، ريم قيس كبّة ومن الأردن جريس السماوي، يوسف عبد العزيز، مصلح النجار، الطاهر رياض ومن لبنان محمد علي شمس الدين ومن مصر عزت الطيري ، محمد ادم ومن السودان روضة الحاج ومن تونس يوسف رزوقة ومن الجزائرحكيم ميلود وربيعة جلطي ومن المغرب مصطفى بدوي كما يشارك في هذا المهرجان من الشعراء الأجانب كل من
عائشة ترجان و عادل أوقاي من تركيا ومكسيم فاتكوفسكي أوكرانيا ورامون مايرتا من إسبانيا.
أمّا النقاد أصيلو المكان والحاضرون في هذه التظاهرة حول محور" القصيدة الحديثة، هويّة ومعنى"، فهم الدكاترة: رضوان قضماني، هايل الطالب، غسان غنيم، وفيق سليطين، عاطف بطرس، أحلام حلوم، جمال خضور، حسين المرعي، سعد الدين كليب، عبد الجليل العلي.

الثلاثاء، ديسمبر 25، 2007

شعراء شمال إفريقيا في أنطولوجيا روسيّة

حسّان الباهي / الجزائر

48 شاعرا في ضيافة بوشكين

* استهلّها نشيد الجزائر لمفدي زكريا أكبر الشعراء سنّا وانتهت بغرنيكا بيروتية للتّونسيّ يوسف رزوقة أصغرهم سنّا.

عن منشورات "مولودايا غفارديا" بموسكو، صدرت بالرّوسيّة أنطولوجيا "شعراء شمال إفريقيا"، في مقدّمة للمستشرق الرّوسيّ إيغور يرماكوف الّذي أطّر هذا العمل باعتباره نواة أنطولوجيّة تهدف إلى مدّ الجسور بين روسيا والعالم العربيّ بمختلف أجنحته وشمال إفريقيا، محور هذه الترجمات، أحدها.48 شاعرا من سبع بلدان عدّت شمال إفريقيّة وهي كما وردت في ترتيبها الأبجديّ : الجزائر، مصر، ليبيا، موريتانيا، المغرب، السّودان وتونس.

استهلّت الأنطولوجيا بنشيد الثورة الجزائريّة "قسما" لمؤلّفه مفدي زكريا، أكبر الشّعراء سنّا( من مواليد 1913) لتنتهي بقصيدة "غرنيكا بيروتيّة" لصاحبها التونسيّ يوسف رزوقة، أصغرهم سنّا( من مواليد 1957) وبينهما توزّعت مادّة الكتاب على امتداد 192 صفحة، بمعدّل ثلاث قصائد لكلّ شاعر، مع نبذة تعريفيّة في آخر الكتاب عن كلّ واحد منهم.الشّعراء الّذين ترجموا إلى الرّوسيّة، انطلاقا من اللّغة الّتي بها يكتبون ( سواء أكانت العربيّة أو الفرنسيّة) هم كالتّالي:

من الجزائر، مفدي زكريا، محمّد ديب، البشير الحاج علي، مالك حدّاد، كاتب ياسين، أبو القاسم سعد اللّه، محمّد الأخضر السّائحي، آسيا جبّار، رشيد بوجدرة، حمري بحري، أحمد حمدي، أزراج عمر ومحمّد الزتيلي.من مصر، عبد الرّحمان الخميسي، محمّد عفيفي مطر، صلاح عبد الصّبور، أحمد عبد المعطي حجازي، محمّد إبراهيم أبو سنّة وأمل دنقل.

من ليبيا، علي صدقي عبد القادر، علي محمّد الرّقيعي، علي الفزّاني وفرج العربي.

من موريتانيا، يوسف غيو، محمّد الحافظ بن أحمد وأحمد بن عبد القادر.

من المغرب، محمّد عزيز الحبّابي، عبد الكريم الطّبّال، محمّد خير الدّين، الطّاهر بن جلّون، إدريس الملياني، أحمد حنفي ، محمّد بنّيس، عبد اللّه راجع ومحمّد الأشعري.

من السّودان، حسن عبّاس صبحي، محمّد الفيتوري، تاج السّرّ الحسن، جيلي عبد الرّحمان، محمّد مكّي الإبراهيمي وعبد الرّحيم أبو ذكرى.

من تونس، محمّد العروسي المطوي، الميداني بن صالح، مصطفى الفارسي، نور الدّين صمّود، زبيدة بشير، جعفر ماجد ويوسف رزوقة.

من مناخات هذه الأنطولوجيا، نورد مقاطع من قصيدة الاستهلال أي نشيد الثورة الجزائرية لمفدي زكريا، وفيه يقول: قسما بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيــــــــات الدافقات / والبنود اللامعات الخافقات في الجبال الشامخات الشاهقات / نحن ثرنا فحياة أو ممــــــــات / وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر / فاشهدوا / نحن جند في سبيل الحق ثرنا وإلى استقلالنا بالحرب قمنا / لم يكن يصغي لنا لما نطقنا فاتخذنا رنة البارود وزنا / وعزفنا نغمة الرشــــاش لحنا / وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر / فاشهدوا.

كما نورد مقاطع من شعر أمل دنقل من قصيدته "فقرات من كتاب الموت"، يقول فيها: كلَّ صَباح../ أفتحُ الصنبورَ في إرهاقْ / مُغتسِلاً في مائِه الرقْراقْ / فيسقُطُ الماءُ على يدي.. دَمَا!/ وعِندما../ أجلسُ للطّعام.. مُرغما:/ أبصرُ في دوائِر الأطباقْ / جماجِماً../ جماجِماً../ مفغورةَ الأفواهِ والأَحداقْ!!

أمّا يوسف رزوقة الّذي أريد له أن يختتم هذه الأنطولوجيا فيقول في "غرنيكا بيروتية" التي كتبت منذ ربع قرن أي بتاريخ 15 أكتوبر 1983: تنمو ما بين الريشة والحلم المقهور عساليج الدفلى / يخترع العصفور ربيعا وهميا ويطير / تطالعه جثث الأشجار هنا وهناك / تحاصره أسلاك شائكة وهلاك / يحطّ على قمم تتفجّر أسفلها حمم / الدنيا عدم / ودم الأزهار يسيح سواقي يغمر إبداع الله / تنمو ما بين الريشة والحلم المقهور عساليج الدفلى / ما عاد اللون يميّز بين يد عليا ويد سفلى / كل الأعضاء رماد مندثر / كل التاريخ ظلام / غمّس ريشتك المجنونة في الدم / وارسم خارطة مثلى / يستوطنها رجل فنان وامرأة حبلى وحمام.

ويذكر أنّ هذه الأنطولوجيا ساهم في إنجازها، بتنسيق من المستشرقين أولغا فلاسوفا وإيغور يرماكوف، فريق من المترجمين هم فاليري خاتيوتشي، موثا بالوفا، أولغ ألكسي، سفتلانا كوسنتسوفا، يوري ستيفانوف، موريس باكسماخر، تاتيانا غلوتشكوفا، غالينا بوغتشيفا، ألكسندر زورين، لاريسا روماتشوك، مارات لأكتشوري، سرغاي غولوباف، ناجدا مالتسفا، فيكتور بولتشوك، مارينا تاراكوفا، يفريني بينوغوروف، أولغا تشوغاي وليوبوف بورونايفا.

مع الإشارة إلى استئناسنا هنا ، لغاية إعداد هذا المقال، بترجمة الأستاذ فتحي كشتبان في حين استقينا الشّواهد الشّعريّة من دواوين أصحابها المترجم لهم. ( يورز برس )

السبت، ديسمبر 22، 2007

خطّ الهزلاج ليوسف أبو لوز.. الذئب قناعا


حسان الباهي
الجزائر
في الوقت الذي صدرت فيه مجموعته الشعرية "ضجر الذئب" الحائزة على جائزة عرار الأدبية سنة 1995 في طبعة ثانية عن بيت الشعر الفلسطيني والتي اختير منها نصّ شعريّ ليبرمج في مقرر اللغة العربية ضمن المناهج المدرسية الأردنية في المرحلة الثانوية كنموذج تطبيقي على تدريس مادة العروض، صدرت هذه الأيام عن أمانة عمّان الكبرى مجموعة شعريّة جديدة للشاعر يوسف أبو لوز بعنوان"خطّ الهزلاج"، جاءت في 192 صفحة ومنطوية على القصائد التالية: معتقدات، قافية مكررة مهداة إلى أحمد فرحات، هجرات وتنطوي على صدرك سرك، رائية، جدل، فعل أمر، أعشور قصائد، الأرجوحة، ابنة فرعون، ضرب الريح، تليها قصائد الندم (53 قصيدة)، رموز وهي عبارة عن يوميات شعرية، نثرية قمح على ضريح محمد القيسي.
حوله، يرى الشاعر ذياب شاهين " أن نشأة الشاعر في بيئة ريفية في إحدى قرى مادبا الجبلية في الأردن قد أثرت بصورة كبيرة في حياته على المستوى الإبداعي والروحي، فصور الريف ما انفكت تطرز شعره ومخيلته، ولا يستطيع منها فكاكا. فالشاعر يوسف أبو لوز، كما يصفه، شاعر خارج الالتزام والأدلجة، وهو نموذج الأديب اللا منتمي، فلا يعمل بوحي من سلطة أو رقيب أو إيديولوجيا. الكتابة لديه تعني الحرية بكل بهائها، ولا يمكن له أن يكون بوقاً لأي كان، وهو يعمل في منطقة لا تنتمي للسرب، يغرد خارجه فروحه عصية على التدجين، ولا تطيع إلا ما ينبثق من داخلها إبداعياً" ويضيف "أن يوسف أبو لوز وهو يبلغ الخمسين من عمره يجد في نفسه ذلك البطل الذي لن يترجل عن صهوة حصانه أو يغمد سيفه، بل إنه مطمئن على أن الذي سيأتي هو الأجمل والأبهى، كما أن غزارته في الكتابة التي أفنى حياته بها ونذر نفسه لها لن تتوقف، فالشاعر ما انفك مولعا بالحياة وما تنطوي عليه من شعر ونثر وحب وسفر وجنون".
في مجموعته الشّعريّة الجديدة "خطّ الهزلاج"، يواصل يوسف أبو لوز بوحه وعذابه وهو يتمثل قناع الذئب وما لفظة " الهزلاج" التي وظفها هنا إلاّ إحالة على معنى " الذئب الخفيف في رؤيا الشاعر"، فالشاعر يرى في هذا السياق أن الله ابتلى الذئب بداء مزمن هو الجوع، وما الجوع إلاّ تطلّع رمزيّ، نهم إلى الحرية في شتى تمظهراتها، إلى العدالة في أسمى تجلياتها، إلى الوطن في بعده المتعدد، إلى كتابة مختلفة، إلى صباح جديد كما ألمح إلى ذلك في أكثر من مناسبة.
يذهب أبو لوز في فلسفة سياسته الذئبية فيقول:
" لستُ ذئباً ولا من طباعي العواء على الليل ظناً من الحيوانِ
بأن الليالي قطيع
وما جعتُ يوماً
ولا نبتُ صيداً
فمثلي من دون ناب
لستُ ذئباً
ولكن، تقنعتُ وجهاً لذئبٍ
لكي لا تعض حياتي الكلاب"(ص 71)
يقول عنه توفيق طه: يوسف أبو لوز شاعر بريّ بالمعنى العميق للكلمة في دواوينه يستسلم أبو لوز للا وعي الصورة والاستعارة يرتحل بهما ومعهما في الداخل المعتم محولا قصيدته إلى ذئب يعوي في فلاة مكتئبا وشرسا في بحثه اليائس عن فريسة لا تأتي أبدا، هو صاحب ضجر الذئب ونصوص الدم وفاطمة تذهب مبكرة إلى الحقول.
أمّا الشاعر مراد السّوداني فيرى في نفس السياق المكرّس لتيمة الذئب لدى يوسف أبو لوز، انطلاقا من باكوراته الشعرية "ضجر الذئب"، يرى في هذا "الضجر الذئبيّ" وجعاً مرّاً واغتراباً فظاً .. ''الأنا'' لا تبدو في تماسكها الرخاميّ، ثمّة تشظيات وغربة لائبة وحكاية الجيل، جيل مطلع الضياع والتشتت والبحث عن الذات في سياق الحنين إلى الجذور الأولى.
مقاطع من يومياته الشعرية "رموز" (ص 146):
ظهيرة الأحد
11/1/2004
الشمس امرأة مشرقة أو غاربة تلهو بين الأفلاك وترسل للأرض ضفائرها البيضاء
الشمس امرأة في العشرين مدورة الوجه وسمراء
والشمس بكاء الضوء ودفء الكائن والشيء وبرد العاشق حين يغادره المعشوق
والشمس تحبل من رجل مجهول الأصل له ابن منها سماه القرويون "هلال".
و"هلال" قوس ذهبي في أعلى الشهر
في يده النهي وفي يده الأمر
مساء 28/3/2004
يا حبيبي أين أنت?
يا حبيبي خلت صوتاً شبه صوت
يا حبيبي قد أراك وأنا أعمى... أراك
ليل 28/3/2004
تشبه أمي ولذلك اعبدها إذ أتصبب ماءً من جسدي المملوء بها.
تشبه تلك الغيمة في أيلول
فأعبدها ثانية وأرد المعروف لها.
تشبه أختي من امرأة ثانية ولذلك اعبدها
تشبه خيط السرو فأعبدها
تشبه تمثال الله لكي اعبدها
تشبه خيط العود.. فأعزفها
تشبه سيدة ثانية وهنا أقتلها
تشبه طفلتها في العام الأول.. والمرأة والطفلة
أنثى أحملها
تشبه خاتمها أو تشبه زينتها
أو تشبه مرآة.. وتحاورها
تشبه بيت النمل فلا ادري من يشبهها
تشبه طيراً في خفتها
طيراً لا أعرفه فأنا لا أعرفها.
يا مثواي الحب لو تشبهني...
لو أشبهها
ويذكر أن الشاعر يوسف أبو لوز من مواليد 1956 من قرية الكفير بالأردن، وهو منحدر أصلا من ''بئر السبع'' في النقب الفلسطيني. صدر له: ''صباح الكاتيوشا أيها المخيم1983، فاطمة تذهب مبكرة إلى الحقول1983، نصوص الدم 1986، ضجر الذئب 1993 و2007، خطّ الهزلاج 2007 إلى جانب كتاب عن رموز الحياة الثقافية في الإمارات بعنوان "شجرة الكلام" صدر عن جريدة الخليج .

الثلاثاء، ديسمبر 18، 2007

جمانة مصطفى في غبطة برية.. قصيدة التفاصيل الصغيرة




حسان الباهي
الجزائر
صدرت مؤخرا عن دار الفارابي بلبنان باكورة جمانة مصطفى الشعريّة تحت عنوان " غبطة برية "، منطوية على قصائدها النثرية ذات الفرادة اللافتة بشتى انزياحاتها وإيحاءاتها المكثّفة في غير بخل.
في هذا الدّيوان، تجترح الشّاعرة لحظة عري عاصفة بالدّواخل لتكتب ذاتها الأمّارة بالانفلات من قيد المتوارث والقديم، في جرأة مخمليّة هي المعادل الفنيّ للوضوح فالكتابة لديها "ليست ثقبا في ثوب المرأة يكشف عورتها، بل لعلها أجمل ما ترتديه الأنثى" وهي من ثمّة تحاول أن"تخرّب" العالم عبر قصيدة التفاصيل الصّغيرة، أساس الحياة للمساهمة من جهتها في بناء ما تقتضيه الحالة الإنسانيّة الرّاهنة، دون لغط أو ضجيج على خلفيّة أنّ شعرها، كما تراه، لا يدعو إلى التمرّد أو إلى الصّراخ بل هو شعر يرى ولا يسمع، جاء بلا أذنين حتى لا يصغي إلى تحذيرات المجتمع أو اتهاماته".
نقرأ على الغلاف الخلفيّ للدّيوان شاهدة شعريّة تقول: لو كنتُ بعوضة سأمتص دمك / لو كنتُ بعوضة سأطير الليل في سقفك / لو أنا كنت بعوضة.. هل ستسهر معي أكثر ..؟؟
وجمانة مصطفى أردنية من مواليد أيّار 1977. حاصلة على الباكالوريا في الحقوق. عملت بجريدة الغد الأردنية. وهي تعمل حاليا مراسلة تلفزيونية في قناة الغد الفضائية. وهي بإصدارها الشعريّ هذا، تعضد مسيرة نظرائها في حقل قصيدة النثر في الأردن أمثال نادر هدى، زياد العناني، جهاد هديب وآخرين.
يتكون الديوان من سبعة فصول مع الملاحظة أنّ النصوص خلت من العنونة مع الاكتفاء بتوزيع الومضات الشعرية توزيعا روعيت فيه تقنية التهوئة واستثمار البياض.
تتجلّى في ومضاتها رغبة الخروج عن المألوف، قولا بالعدول، انظر مثلا قولها: "شال مزركش،/ يكفي الليلة ويزيد / ولكنه لا يغطي عورة الخيبة" كما تلعب وهي تكتب على المفارقة الساخرة كما في قولها: "وعندما التقينا / وسكبت النادلة القهوة في فنجانك / زادته رشفة عن فنجاني / فقررت قتلها / فابتسمت أنت".
من مناخاتها الشعريّة، نورد مقاطع من فصل "عظام أسمهان تطقطق كلما تنهد الخذلان" حيث تقول:
أرتب كلماتي السوقية على حافة السرير / وكلماتي اللائقة على الحافة الأخرى / وأنام بينهما / فارغة الرأس.
وتقول أيضا: الفجر / لأولئك الذين يقفلون الحانات مثلكَ / أو يصدّقون أن الصلاة خير من النوم.
وتقول أيضا : مثل أمّي / أنصاف البشر مثلي / يكتفون بالظهيرة.
وتقول أيضا: كيف يصعد الماء إلى السماء / وألتصق أنا بالتراب؟
وتقول كذلك: أتمغنط مع صندوقي الصيفي / الذكريات المصفرة / توشوشني أني كنت قبلك هنا / وعظام أسمهان في أدنى الصندوق / تطقطق كلما تنهد الخذلان
كما تقول ومضا: لا تغردي عاليا / قال. ./ ولا تطيري فوق أحلامهم.
وأيضا تقول: بجسدي أكتب / لا أكتب عنه / الموروث لي من ألف جدةٍ أمية.
ومن ومضاتها أيضا: إلى جسدي أسير بخفي حنين / ولا أعود بهما.
حول هذه "الغبطة البرّية" كإصدار شعريّ أوّل، يقول حسين بن حمزة " إنّ جمانة مصطفى تفاجئ القارئ بلغة واثقة تخالف توقعاته الجاهزة والمسبقة عن المستوى الذي يمكن أن تكون عليه مجموعة شعرية أولى. ما تكتبه الشاعرة أنضج من البواكير الاعتيادية. لا يجد القارئ صوتاً ذا نبرة خاصة، لكنّه يلمس نضجاً قد يكون متأتياً من قدرة الشاعرة على فرز ما هو جيد والتقاطه بذكاء، ثم استثماره في منجز شعري شخصي يدين في نضجه لموهبة ذاتية ورغبة في مزج التجربة مع المعجم اللغوي" ليضيف: " لعل السمة الواثقة في هذه الكتابة مصنوعة من هذا المزيج: معجم لغوي قوي، وذات فخور بتجربتها الحياتية.والنتيجة قصائد ومقاطع يميل معظمها إلى القصر والكثافة. الاقتضاب، على أي حال، هو الاستراتيجية الأهم في كتابة هذا النوع من القصائد القصيرة التي تكتفي أحياناً بصورة شعرية واحدة، مثلما هي الحال حين تقول: كلما بيَّضتُ قصيدةً/ احمرّ وجهي . الصورة الواحدة تصبح، بدورها، استراتيجية أخرى، بحيث تتألف القصائد الأطول من مجموعة صور مكثفة ومتتالية".
ويذكر أنّ الشاعرة وقّعت "غبطتها البرية" هذه في حفل أقيم ، أيّام مهرجان جرش، في دار الأندى بعمّان كما تمّ الاحتفاء بها مؤخرا وتقديمها إلى الجمهور التونسي في صالون الأربعاء الأدبي بتونس المدينة.

السبت، ديسمبر 15، 2007

الجسد تحفة فنّيّة ليوسف رزوقة في ورشة فرنسيّة






حسّان الباهي



- الجزائر

عندما يلتقي الشعراء في "غرفة" بالتوس

حول قصيدة " الجسد تحفة فنّيّة" لصاحبها الشاعر التّونسيّ يوسف رزوقة، المنشورة بمجموعته الشّعريّة بالفرنسية "ابن العنكبوت"2005، التقت مؤخّرا مجموعة من الشّعراء الفرنسيّين الهواة ليكتبوا من وحيها، ضمن ورشة شعريّة، قصائد لهم تمحورت حول لوحة "الغرفة" للرّسّام الفرنسيّ بالتوس ( من مواليد باريس 1908) والتي تناولها رزوقة في قصيدته هذه، موضوع الاشتغال.
جاء في قصيدة رزوقة "الجسد تحفة فنّيّة" ( نترجمها هنا إلى العربية ):
على الكرسيّ تتمدّد حديقة تستغيث
مفتوحة على مصراعيها
هذه الحديقة، ما من أحد يجرؤ على إشباعها.
في "الغرفة"، ريشة وظلال باذخة
وحديقة خاصّة،عبقة، وهّاجة، شهوانيّة، واسعة، مقبّبة، غائبة، كريمة، بخيلة، مربكة، متراصّة، تعيسة، مبتهجة، فائضة، هاوية
تعتزل، تتقشّر وتتضوّع
لا أحد في "الغرفة".
ما من أحد يدقّ الباب.
فقط بالتوس يسدل السّتائر.
ضوء ما، بوقاحة يبهر الحديقة:
هذا الجسد الحرّ، المرتعش على كرسيّه المستغيث.
يلقي بالتوس ريشته
يرسم خطّا ويرتمي في أفق "التّجريد".
فرامبوازين، إحدى شاعرات الورشة، كتبت في قصيدة أولى:
عبر ألوان هذه اللّوحة، يتجلّى سحر قصيدتك في صرخة هي الهرمونيا المتناغمة.
ما ألذ هذا السّفر الدّاخليّ إلى عالم الرّسّام في بحثه الباهر.
تموّجات ريشتك تترك في العمق منّي إيحاءاتك المبهرة.
وكتبت قصيدة ثانية، جاء فيها:
كيف أصف لك مدى رحابة هذا الأفق في شتّى حلله؟
انسياب المياه الشجيّ يدفعني إلى قلب الرّغبة
أهبك كلّ هذه الألوان
أيّها البحر الهادر واللاّنهائيّ، إلى أين تحملني؟
عندما تنبجس الأسرار من بين أعماقك، في أضمومة ضوء،
أحسّ في العمق منّي شيئا كأنّه الفتنة.
في حين كتبت زميلتها ليان، حول نفس السياق، تقول:
فتحت النّافذة / وقطفت ندى الرّبيع وكنت أيّها البستانيّ تمرّ ويداك محمّلتان بأزهار تفتّحت للتّوّ وأنت بالتوس، يدك ارتفعت لتضيء اللّوحة وأنت تدعو الكلمات إلى الغناء / ألوان الحديقة التحمت بالقصيدة، جوار مدخل النّور.
ويذكر أنّ هذه الورشة تشرف عليها الشّاعرة الفرنسيّة جوزيان دي جوزي بارجاي شاعرة فرنسية، مولعة بالثقافة المتوسطية. صدرت لها عديد المجاميع الشعرية نذكر منها : لا ترافقني، أنا في عجلة من أمري2001 ، كاعترافات أحجار الجزائر2003 (ترجمه إلى العربية محمد الرفرافي)وغيرهما.

السبت، أكتوبر 20، 2007

بين الأمريكيّ فيليب هاكت والتّونسيّ يوسف رزوقة


حسان الباهي
وعلى الأرض السّلام
عندما يلتقي شاعران، أحدهما من شمال إفريقيا، من تونس تحديدا والآخر من الغرب، من سان فرانسيسكو، فإنّ هواجسهما ستلتقي بالتّأكيد حول راهن "القرية الكونيّة" وما يطرأ عليها من متغيّرات أو أحداث تتفنّن في حبكها ثنائيّة الدّراما والدّمار وهما من ثمّ منذوران لكتابة شيء أو شعر يؤرّخ للمرحلة، في محاولة لفتح نافذة على الأفق البعيد وهذا ما حدث مع التونسيّ يوسف رزوقة والأمريكي فيليب هاكت عندما التقيا، في صائفة 1988 بالأردن وكتبا معا قصيدة "على الأرض السّلام"، ثمّ افترقا كي يلتقيا من جديد، بعد 18سنة، في مجموعة شعريّة، مشتركة صدرت مؤخّرا، تحمل عنوان القصيدة نفسها حيث آثر كلاهما أن يقول همّه على نحو ما.
يقول هاكت في مقطعه النّواة:
إلى حدود اللّيلة الأخيرة
حتّى في روما، باردا كان الطّقس
وهي كعادتها واعدة، كانت
تتلمّس الأشياء
بشفافيّة باذخة
تتلمّس يدها الضّوء
فتومض خارج العتمة
ليلتقط الخيط نظيره التّونسيّ رزوقة في مقطع جوابيّ، في ذات السّياق:
ثمّ إنّ اللّغم في القلب
وحول القلب نارترتمي في صمتها حدّ الكلام
ولنا الآن صديقي
أن نقول الماء أو أن نتمنّى الماء
لكنّ السّماء...
ولنا أن نصرخ الآن معا، حدّ الجنون:
وعلى الأرض السّلام
صدر الكتاب،عن سوتيبا واحتلّ كلّ واحد من الشّاعرين حيّزا مستقلاّ ضمّ قصائده الّتي تجانست مضامينها ، إلى حدّ ما، مع تيمة السّلام.
في الحيّز الأوّل، نقرأ كلمة أولى يقدّم فيها جاك هيرشمان الشاعر فيليب هاكت تليها قصيدة مهداة له "على الهامش" بإمضاء جاك ميشيلين لنقتحم بعد ذلك عالمه الشعريّ، عبر 15 قصيدة مختارة.وفي الحيز الّثاني، نقرأ، إلى جانب كلمة أولى بإمضاء كمال الّرياحي، كلمات أخرى حول الشاعر يوسف رزوقة لكلّ من إلياس لحّود، محمّد بن رجب، حاتم النّقاطي وخديجة الغرسلّي لنقتحم عالمه الشعريّ من خلال 18 قصيدة ترجمتها إلى الانجليزيّة خولة كريش.
لمزيد الاطلاع على مسيرة الشاعر فيليب هاكت، يمكن مشاهدة هذا الفيديو (بالانجليزية):
http://www.youtube.com/watch?v=q_GYp0i3QF0

الجمعة، سبتمبر 28، 2007

الأعمال الكاملة ليوسف رزوقة: الهلال يتّجه شرقا


حسّان الباهي

الجزائر:


تحت عنوان " الهلال يتّجه شرقا"، صدرت هذه الأيّام، عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع بتونس الأعمال الشعرية الكاملة في جزئها الثاني للشاعر التونسي يوسف رزوقة ، منطوية على المجاميع الشعريّة التالية:
ملحمة الخاتم، تحليق فوق المتوسّط ، بعيدا عن رماد الأندلس، أزرق النّورس الضّحوك، هـايـتو، تمثال لجلالة المعنى، ما تطلبه الروح، تمكين الكائن في مكانه، رفة الجناح الخفيّ، رابسوديات شـــــاعر جــوّال، في رأب ما تصدّع بين الـرّوح وعمـــودها، 2 جلجامش1990، جحيمان في القلب، أرض الصّفر، يـوغـانــا ، الفراشة والدّيناميت..
على سبيل الإضاءة، كتب النّاقد العراقيّ ماجد السّامرائي مقدّمة ذات مدخلين، بعنوان: "يوسف رزوقة بين الرمزيّة والحلم بعالم جديد" وممّا جاء فيها " إن موقف رزوقة في هذا الديوان الشامل لجميع ما كتب، هو موقف الشاهد الذي يواجه تفتت الواقع وانهياراته بالسخرية منه أو التفجّع عليه.. لتنتهي سلسلة الوقائع المروية، في انفصالاتها وتتابعاتها، مروية بلسان "الشاهد" الذي لا ينفصل عن "مضمون شهادته" ليضيف: "وفي زحمة هذه الأسئلة يكتب الشاعر قصيدته.. "لتقول بالدفق الدقيق زمانها" في "محاولة للحلم/ وللتحريض عليه (..) ولعل ما يتبدّى من مجموعة الشاعر هذه، أنه يكتب فيها "شعراً حديثاً"- من منطلق كون الحداثة تمثل انقطاعاً في سلسلة معطيات موروثة، فهو، هنا، لا يقطع فقط مع هذا "الموروث بأساليبه ولغة تعبيره.. وإنما يعلن الانقطاع عنه بهجاء رموزه وإعلان التخلي عن أساليبه المعروفة، والانقطاع عن معارفه.. جاعلاً من قصيدته "النموذج" الذي يؤسس عليه "قوله الشعري" وهو في نموذجه هذا يقتحم الذاكرة، ولكن ليسترد منها ماله فيها، وإنما ليبدده ويرميه خارجها، لأنه، شعرياً، لا يعنيه في شيء.‏
وكما يحقق انفصاله عن الذاكرة، يريد أيضاً تحقيق انفصاله عن "جمهورها" معلناً أن "زمنية قصيدته" لا علاقة لها بأية لحظة ماضية، رافضاً قوانين تلك اللحظة وما تحتم من اشتراطات، ومؤكداً أن قصيدته لا تقرأ
- أو هذا ما يفترض- إلا ضمن "زمنيتها" المؤسسة ابتداءً منها، وليس على أي نموذج قبلي.
ولأنه يواجه حالات شبه ثابتة، ويعمل على خرق القاعدة التي تحكمها، نجده يواجه لحظتين في آن معاً: لحظة يمثلها الماضي بكل دوافعه وجميع معطياته، ورموزه- وهو يعمل على نزعها من ذاكرته لكي لا تتخلل نصوصه
- ولحظة يؤسس فيها لنصه، وهو يريد لهذا النص الانبناء على زمنية جديدة."
طائر الهجرات
أمّا الشاعر الجزائريّ عبد الحميد شكيل، فقد ذيّل هذه الأعمال الشعرّيّة، بخاتمة، ناعتا صاحبها بطائر الهجرات ليضيف "إنّ تقديم الشاعر الكبير يوسف رزوقة إلى القارئ فيه الكثير من المجازفة على خلفية أن الآفاق الإبداعية والكتابية التي طرقها ويطرقها تحتاج إلى آليات ناجزة وشجاعة نادرة وإلمام واسع للإحاطة بها ورصد تحولاتها ومشارفها العرفانية وظلالها الجمالية وبناها الدلالية...
ذلك أن الشاعر رزوقة من الأسماء الكبيرة التي دخلت المغامرة الإبداعية بحب وجرأة وقتالية، محاولة بذلك كشط العراقيل والحواجز، في حركة دفع قوية، عناصرها الأساس: الثقة بالنفس والمرجعية الذاتية والسلة التراثية التي تغرف من المخزون المتراكم في ذاكرة كثيرا ما يعول عليها الشاعر لإثراء نصه الشعري وتأثيث منجزه الإبداعي العام، الزاخر بالكثير من الرواء والمتعة والتجاوز المبدع... وكل ذلك يجيء من الكون العام الذي يتوفر عليه فضاء الشاعر، ونحن لا نجافي الحقيقة ولا نغالي فيها إذا قلنا إن رزوقة يتحرك في «مدار الرعب» دون خوف ولا قلق، يشفع له في ذلك شغفه الكبير بالكتابة وذهابه الشفيف في تلويناتها الرائعة
و مناحيها الغامضة، مما جعله يحظى بالكثير من التقدير والاحترام والإعجاب، في عموم الوطن العربي، علاوة على السمعة الطيبة والسيرة الحسنة التي أوجدها لنفسه ولإبداعه في تونس الجميلة وقد لاحت في نصوصه وكتاباته، محاطة بالحب و الشموخ." ويؤكّد في الآن نفسه، في موقع آخر، على "أنّ كرونولوجية المسيرة الأدبية لهذا المبدع تبرز مواكبته للتمظهرات والتحولات والمتغيرات التي شهدتها المنطقة العربية والعالمية في مناحيها الجمالية والإبداعية والسوسيوثقافية.. وقد خلخل حجر المقول لتحطيم النمطية وبلورة سيمياء النص في سياق المعطى التراثي و منجز الحداثة هذه التي يراها الشاعر مرتبطة ولصيقة بذاته ومحيطه المحلي \ الكنز الكبير الذي يزخر بالفرادة والثراء والتنوع... يشفع له في ذلك موقفه الإنساني الرائع من الكثير من القضايا التي تشغل بال كل مبدع ، غيور على وطنه وأمته، ومن هنا ارتبطت قصائد يوسف رزوقة وكتاباته بالذات وبالمكان فجاءت الرؤية الإبداعية في كونه العام مساوقة ومتجذرة وعارفة، مما جعلها تحظى بالقبول والإشادة الواعية التي تستقي علاماتها وأيقوناتها من خلل كتاباته ومجاميعه الشعرية التي ترصد تململ الذات وجنوح الواقع وانكسارات الأنا وإحباطات الإنسان... كل ذلك في لغة مغايرة، مخاتلة وحاذقة، هدفها الأول والأخير: الكشف العقلاني والبيان العرفاني لما يعتمل في الواقع المعيش ومحيط الذات الكاتبة والمبدعة.
إن كتابات رزوقة تنم على رؤية استشرافية، لائذة بشرف المعنى وبجلال القصد، مرامها الروح الإنسانية التي تثمن صدق القول وجهد الذاكرة وتمنح البعد النقدي والسمت الأنطولوجي قصد تطويق كل المعاني السلبية التي تعيق تقدم الإنسانية نحو بلوغ أسمى الأهداف المستقبلية في الحب والخير والسلام..." ليختم بالتّالي:
"إن هذه الشهادات/ الأيقونات تسهم ، بشكل جيد في تفكيك، تحليل وبيان الجماليات والدلالات والمحمولات التي تنطوي عليها المدونة الشعرية والإبداعية لأحد الأصوات الشعرية العربية التي تتوفر على عناصر النجاح ومقومات الفرادة وركائز التفوق، منطلقها الأول والأخير: الذهاب المبدع والجمالي لمساءلة الذات المبدعة ودفعها نحو المكامن المشعة التي تزخر بها مخيلة الشاعر المشبع بالرؤى والأحلام والحذق الثقافي والمعرفي الذي جعل منه شاعر تونس الأبرز وأحد الأصوات الهامة والموصوفة في خريطة الإبداع العربي، خاصة في المنطقة المغاربية التي ظلت تنأى عن اهتمام النقد العربي وقد كرس جل اهتمامه للنص المشرقي، متناسيا جناحه الآخر الذي دونه سيكون الإقلاع الأدبي منقوصا وبلا أدنى فاعلية."
هو في عيون مجايليه
لشعراء المرحلة ونقّادها شهادات فيه وفي شعره وهي أكثر من أن تحصى، ثبّتها ناشر أعماله الشعرية هذه تحت عنوان "هو في عيون مجايليه"، وكلّها انطباعات متباينة تسلّط بعض ضوء على مسيرته الشّعريّة الزّاخرة.
في رأي له، نشرته" الدستور" الأردنية في غضون عام2005، يقول حيدر محمود: "لقد استعادت تونس ريادة الشعر العربي التي كانت أيّام الشّابي عبر الشاعر يوسف رزوقة تحديدا. هذا الفتى الشيخ، على حداثته الجامحة، مسكون بالتراث العربي وإن مكانته لمرموقة في الأوساط الثقافية ، كرّسها إبداعه الزاخر وحضوره القويّ في المشهد الثقافي العربي و الغربي على حدّ السواء".
وعنه أيضا، يقول رأي ثان جاء في مقال نقديّ نشرته مؤخرا " الحياة الجديدة" بفلسطين، بإمضاء الشاعر أحمد دحبور:
"إنّه الآن في الخمسين. فهكذا يدهمنا العمر، لكنني لا أستطيع أن أتخيله إلا شابا في مقتبل العمر، لا تعرف متى يظهر ولا متى يختفي. وهو محتفظ بخصوصياته في إيقاع باطني كأنه يضنّ بردود أفعاله على العالم ليحولها إلى قصائد أو أعمال أدبية، وإلى ذلك ، ما عرفت شخصا بصدق طويّة يوسف رزوقة، فهو لا ينطق إلا بشهادات طيّبة في حق زملائه وأصدقائه. ويصمت عندما يكون رأيه سلبيا. فهو لا يجامل ولكنه لا يعادي، بل يترك لشعره أن يعبّر عن واقع الحال مع أن شعره لا يتقيد بالمناسبة ولا يغوص في نثر الحياة اليومية المفصلة.
قلت له يوما: ربما كان عليك أن تقع في قصة حب تشوّش حياتك حتى تشتعل قصائدك بكهرباء غير مأمونة العواقب. فأجاب: ومن قال إني لم أقع؟
وأضاف: تعال نتنافذ حتى ترى في أيّ برزخ أقيم!!"وفعلا، هذا ما نلمسه لدى يوسف رزوقة في كلّ أعماله الشعريّة تقريبا، شاعر لا يخشى في العشق لومة ناقد، وهو لا يعشق إلاّ لينزف أكثر ويكتب من ثمّة ما يراه مرآة عاكسة لذاته المتشظّية شرقا وغربا.
ولعلّ أصدق ما يمكن أن يعبّر عن مشروع رزوقة الشّعريّ، ما ورد في تقرير لجنة تحكيم جائزة الملك عبد الله الثاني للإبداع والفنون التي نالها سنة 2004 حيث جاء فيه على ألسنة الأعضاء المحكّمين الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، الدكتورين أحمد الضبيب و عبد القادر الرباعي ، ما يلي:
"الشاعر يوسف رزوقة حداثيّ، تجريبيّ ، يدهشك شعره لأنّه يستفزّك لكي تراجع توظيف الكلمة الشعرية ، المثير في شعره وهو يمزج الشعر بالنثر و العلاقات اللغوية في شعره غير متوقّعة ، كما أن المعنى عنده بعيد يحتاج إلى تأويل . هو مهموم بالمكان الذي تمثّله الثقافة العربية في هذا العصر ، لذا كانت اللّغة المحور الأوّل الذي يدور عليه شعره . متأثّر بالحداثة الفرنسية لكنّه يعمل على إقامة حوار ايجابيّ معها . يعالج قضايا السّاعة وفق رؤية نهضوية ، راقية و له إسهامات جليّة في تجديد الشعر العربي واستغلال أوثق لطاقات اللغة العربية و ابتداع لأساليب فنّية ذات تقنية عالية . يمثّل تيّارا حداثيّا مخصوصا ، حداثة جامحة يتخطّى صاحبها المألوف إلى الغريب و السّهل إلى الصّعب ، لا يقف في التجديد عند حدّ و إنما هو دائم البحث عن المدهش والعجيب الأمر الذي دفعه إلى أن ينحو في تجديده منحى بعيدا".من مناخاته الشّعريّة
يستهلّ يوسف رزوقة أعماله الشّعريّة بتساؤل حارق حول علاقة الشّاعر بناقده الغائب والّذي، في حال حضوره، يظلم الأثر وصاحبه بإسقاطاته الذّاتيّة ولا ينتصر من ثمّ لمواطن الإبداع فيه، إن وجدت:
" ما الشّعر؟
فالنّقّاد، إن وجدوا، فلاسفة
وتلك مصيبة كبرى
ولا قانون للشّعراء
يحميهم من الظّلم العظيم"
ليضيف في موقع آخر ص 280، انظر قصيدة " آكلو لحم القصيدة":
النقدة
عبدة الموز المستورد و اللحم المفروم
عبيد السّيّد بافلوف ..
الفقراء
عباد الربع المستثنى و الخالي من معناه …
ذوو المصران الأعور و الحمّى و الزائدة الدودية و الإسمنت الراكد في المعده ..
كم يلزمنا - نحن الشعراء و أحفاد المرده -
من محلول الصودا
لنطهّر أفئدة النقده ..
من فيروس القرده ؟
كم يلزمنا من مسحوق الد.د.ت
لإبادة هذا الوهم الكافكاويّ
- و ما يتعلق بالحشرات-
لدى النقده ؟…وهو إذ يستهدف الواقع النّقديّ الرّاكد في السّاحة الثقافيّة ، داعيا إلى تحريك سواكنه بمثل هذا القول الشّعريّ، تلميحا وتصريحا، لا يستثني في الآن نفسه القارئ الّذي يعزف عن فعل القراءة، عن مطالعة كتاب هو زبدة معاناة كاتبه فيخصّه رزوقة بتحذير مرّ، في مطلع ديوانه " الفراشة والدّيناميت"، ص 351:
هذا الكتاب
يوصى بنزع فتيله الثاوي هنا بين السطور كما يلي:
عدم الترفع عنه
وليقرأ
- مجاملة لصاحبه الذي أهدى الكتاب على الأقل -
من الغلاف إلى الغلاف
بل إن تاركه
- عزوفا أو مكابرة -
سيشعر يوم لا يجدي الشعور
بأنه عادى الحروف فلم يجد
في آخر العمر الخصيب
عدا الجفاف"
تحفل هذه الأعمال الشّعريّة في جزئها الثاني بالمدهش والغريب حيث يتجلّى مدى ولع يوسف رزوقة باللّعب الغاداميريّ، الموظّف بين مقطع شعريّ وآخر، في غير إسفاف أو حذلقة، أداته في كلّ ذلك اللّغة المنفجرة بشتّى انزياحاتها الممكنة.
الهلال يتّجه شرقا؟ نعم، ما الشّاعر هنا إلاّ هلال يتحرّك في نقصانه، باتّجاه الشّرق، لعلّه واجد هناك، وهو العاشق المغاربيّ، جناحه المشرقيّ ليحلّق بالجناحين معا، باتّجاه الغرب.
ويذكر أنّ الجزء الأوّل من أعماله الشعريّة صادر عن الشركة التونسيّة للنّشر وفنون الرسم سنة 2003 وضمّ من مجاميعه الشعريّة :إعلان حالة الطّوارئ، أزهار ثاني أوكسيد التّاريخ، بلاد ما بين اليدين، الذئب في العبارة ولدائن الرّوح تليها إيبيستيميّة الخروج.
* الهلال يتّجه شرقا، أعمال شعريّة ج2 / سلسلة "الجناح المغاربي"، ميسكيلياني للنشر والتّوزيع، تونس، 2007.

الأربعاء، سبتمبر 26، 2007

باكرا على الأرض، مجموعة شعريّة جديدة بالفرنسّية ليوسف رزوقة


حسان الباهي

عندما يرقص الشّاعر مع الزّرافة!

تحت عنوان"باكرا على الأرض : مدائح إلى هوراس، أوبرا إفريقيا"، صدرت هذه الأيّام، عن دار إيماجين ذات الأبعاد/ باردو، تونس ، في 130 صفحة، مجموعة شعريّة بالفرنسيّة للتّونسيّ يوسف رزوقة ، تتصدّرها مقدّمة للنّاقدة الفرنسّية أود ريشو ديانو بعنوان "شعر يوسف رزوقة : قصر الكلمات" تقصّت فيها تقنية الشاعر في هذا الكتاب بوصفه لاعبا بالكلمات دون أن تغفل تقنيته الأساس في تحقيق مبتغاه الفنّيّ عبر اعتماد العقدة في شتّى أبعادها .
وتشير ديانو إلى مدى نزوع رزوقة إلى الكتابة المبتهجة حيث أن الأنا الشاعرة وهي تكتب، تمارس اليوغا وترقص على إيقاع الحياة الكثيرة ، متأرجحة بين الظل والغبطة ومن ثمّة ترى ديانو أن الأنا الشعرية لا يمكن استقراؤها إلا عبر لعبة الكاميرا ومختلف زوايا النظر لالتقاط الصور.
هي لعبة المرايا المتعاكسة بين شرق وغرب، لدى شاعر يكتب بأكثر من لسان ويسعده أن يغيّر العالم بالكلمات. إن شعر يوسف رزوقة ، تضيف ديانو، هو وعد ببهجة ما وراء الدموع، دفق حياة عابر للألم ومن ثمّ فإنّ الشعر لديه نشاط يوميّ مقدّس، رياضة تخوّل للأنا الشاعرة أن تمتلئ بذاتها " سكرى بشيء من الاخضرار" ولن يتسنّى الخلاص أي الإفلات من كمّاشة العصر الضّاغطة إلاّ عبر "اليوغا الشعرية" الّتي يمارسها الشّاعر بالكلمات .
وتختم ديانو تقديمها للكتاب بدعوة القرّاء إلى زيارة " قصر الكلمات" بقولها: "بوسع أيّ يتيم في هذه الخارطة، أيّ شاعر مبدع أو أيّ فيلسوف، أصدقاء يوسف رزوقة، إنسانيّ القرن الحادي والعشرين، دخول هذا القصر ، فلندخله نحن أيضا ولندخل من ثمّ مجاميعه الشّعريّة كي نتذوّق عبرها نظام الأبجديّة الجديد لديه ونرقص على إيقاع قصائده حيث تتشظّى الكلمات لتمتلك ألقا جديدا".
هكذا تحدّث غوته
ينطوي هذا الكتاب على مجموعتين شعريّتين، تحمل الأولى عنوان "هكذا تحدّث حكيم وايمار" ، غوته ، شاعر ألمانيا الأشهر وصاحب "الديوان الغربي والشرقيّ"، في حين جاءت الثانية تحت عنوان " الرقص مع الزرافة" .في مستوى العنونة،استعمل الشاعر في الخانة الأولى التقنيات السينمائية مثل لقطة مكبّرة، ترافيلينغ(تحريك الكاميرا)، فلاش باك، زوم أمام، التقاط صورة من فوق إلى تحت، إلخ...
وفي مستوى الطرح التيميّ ، استدعى الشاعر رموز الإبداع العالمي، بدءا بغوته، وانتهاء بنيكوس كازانتزاكي ومرورا بهوراس، فرجيل، أوفيد، نيتشة، إيكيلوف، اينشتاين، سقراط، هابرماس، أرسطو، ماكلوهان، ابن خلدون، أرخميدس، حنبعل، شكسبير، روسو وآخرين... ومعهم كان له تواشج وحوار حول واقع الكرة الأرضية بين أمسها وراهنها.في الخانة الثانية، أورد الشاعر قصائد " الهايتو" ( الهايكو على الطريقة التونسية)،
إلى جانب تداعياته الشعرية ذات الصّلة بالواقع ومتغيّراته.
يقول في "الرقص مع الزرافة"، ص 83:بين قلم الحبر و بهجة الأسلوب
ليس ثمّة شيء، تقريبا
عدا حبر سريّ
لطفل مجنون بكلّ شيء
و باللاّ شيء.
ويقول أيضا، في الصفحة ذاتها:
ابتسامة تخفي شجرة
انها تمطر تحت جلدي
فستان يكشف عن ظهر ما
فيخجل العصفور
سبق للشاعر رزوقة أن أصدر بالفرنسيّة، إلى جانب دواوينه العديدة بالعربية، أربع مجموعات شعرية هي: ابن العنكبوت، حديقة فرنسا، يوطاليا( بالاشتراك مع الفرنسية هيرا فوكس)، وألف قصيدة وقصيدة ( بالاشتراك أيضا مع نفس الشاعرة).
الكتاب:Tôt sur la terre
Odes à Horace/ Opéra d'Afrique, Youssef Rzouga, Imagine- Bardo, Tn, 2007Préface : Aude Richeux-Diano.

الأربعاء، يوليو 18، 2007

تونس والعالم "تاريخ جديد يتشكل 1954-2006"



حسّان الباهي
الجزائر /

يعد هذا الكتاب لمؤلّفيه د. الهادي مهنّي ود. محمّد البشير حليّم مساهمة في أحياء محطتين هامتين في تاريخ تونس المعاصر هما الذكرى الخمسون للاستقلال التي تمّ الاحتفال بها في ربيع 2006 تليها الذكرى الخمسون لإعلان الجمهوريّة التي يحتفي بها الشعب التونسي في الخامس والعشرين من شهر يوليو 2007.
احتكم المؤلّفان في هذا الكتاب، الصّادر عن منشورات أوربيس، في 495 صفحة، إلى مدوّنة الخطاب السّياسيّ بكلّ زخمها وإلى مذكّرات الزعماء والمناضلين دون إغفال مؤلفات أبرز الكتاب والمفكرين الذين اهتموا بمنطقة المغرب العربي.
أمّا الهدف من تجميع المعطيات المتعلقة بتونس أو ببقية بلدان العالم فهو التعريف بصورة الوطن وإبراز مكانة تونس التي ظلت على الدوام بلدا يطيب العيش فيه رغم الظروف الصعبة التي واجهها في بعض الفترات والرجات السياسية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتقلبات المناخية التي هزت العالم.
خصص الجزء الأول من الكتاب للفترة التي امتدت من الحكم الذاتي سنة 1954 إلى تغيير السابع من نوفمبر 1987 بقيادة زين العابدين بن علي وهي تروي صفحات ناصعة خطها الشعب التونسي في النضال من أجل بناء الدولة الحديثة في حين يتناول الجزء الثاني الحراك متعدد الأبعاد الذي عرفته تونس انطلاقا من ذلك التّاريخ، تاريخ بداية "عهد جديد".
وقد حرص المؤلفان الهادي مهني ومحمد البشير حليّم على التوجه من خلال هذا الكتاب إلى قرّاء من غير العارفين بالشأن التونسي وخاصة الذين يوجهون اهتمامهم إلى تونس أو الذين ينتقدون أحيانا خياراتها الوطنية عن جهل بخصوصياتها الثقافية أو عن تجاهل متعمد ومتعسّف لها .
ما يميّز هذا الكتاب/ المرجع هو مدى انفتاح مؤلّفيه على العالم بحيث صيغت مادّته وفق منهج كوكتيليّ، جامع انصهرت فيه تونس مع عالمها تاريخا وسياسة وحضارة وثقافة وأحداثا فارقة وفي ذلك إقرار من المؤلّفين بمدى أهمّية تمكين تونس في فضائها الاتّصاليّ، المعولم، تجسيرا لتواصل لا بدّ منه بين القاصي والدّاني ، في شتى الأصعدة ومجالات الاهتمام ( سياسة ، تاريخ، علوم، آداب...)، بحيث التقى العالم ،على تنائي أطرافه وحسب منطق التبئير المعتمد ، بين دفّتي هذا الكتاب ليكون بانوراما عاكسة لتونس المتطلّعة إلى غدها بواقعيّة الآن وهنا وبحرص دائم من أبنائها على أن تكون لهم بصمات على الخارطة الكونيّة تخوّل لهم التواشج والتموقع من ثمّ مع "الآخر" أي مع العالم في بوتقة المصالح المشتركة.

السبت، يوليو 07، 2007

قافلة "شعراء العالم" تجوب فرنسا وما جاورها من أجل السّلام

حسان الباهي



أطلقوا سراح "الأوكسيجين الأخضر"

و انغريد بيتانكور في سجنها منذ 23 فيفري 2002 ، بمنأى عن حزبها"الأوكسيجين الأخضر"، مختطفة من طرف العصابة المسلّحة بكولومبيا،أعدت حركة "شعراء العالم" برنامج جولة شعرّية، تضامنيّة أولى في شكل قافلة ستجوب عموم أنحاء فرنسا وما جاورها ( إيطاليا، وسويسرا) وذلك ابتداء من الثالث من سبتمبر إلى الثالث والعشرين منه2007، كنداء يوجهه "شعراء العالم" عبر هذه الرهينة من أجل تحريرها و سائر الرهائن في العالم من مثل هذه الاعتداءات السّافرة والعاصفة بأنبل ما في الذات الإنسانيّة من حرية هي شرط وجودها.
هذا ما جاء على لسان الشّاعر التّونسي يوسف رزوقة، سفيرحركة شعراء العالم وأمينها العام، الممثل للعالم العربي، بناء على ما استقرّ عليه رأي نظيره الشيلي أمين عام الحركة لويس أرياس مانثو في بوليفيا التي حلّ بها هذه الأيام، ضيفا على معرضها الدولي للكتاب .
خلفيّة التظاهرة :من أجل الحرّيّة \ من أجل السّلام
وبخصوص ملابسات قضية انغريد بيتانكور، يفيدنا يوسف رزوقة بأن هذه الشخصية المرموقة في بلادها وفي العالم بعد الذي حدث لها، ما زالت رهينة العصابة المسلّحة بكولومبيا.
ملايين المتظاهرين في كولومبيا غزوا، هذه الأيام، شوارع المدن الكبرى، وهم يرتدون الزّيّ الأبيض ، منادين بتحريرلا مشروط لثلاثة آلاف محتجز لدى العصابة المسلّحة.
هذه المظاهرات لم يسبق لها مثيل في كولومبيا وقد اندلعت مع الإعلان عن موت أحد عشر نائبا برلمانيّا هم رهائن ما يصطلح عليه بالقوّات المسلّحة الثّوريّة لكولومبيا.
وهذه المسيرات جاءت تلبية لنداء عائلات الرّهائن والجمعيّات غير الحكوميّة العاملة من أجل تحرير المحتجزين ليجيء النّداء عبر صوت واحد:" أطلقوا وبلا شروط سراح المحتجزين". وفي الوقت الّذي تتظاهر فيه المدن الكبرى ضدّهم، قام متمرّدو القوّات المسلّحة بتحرير العالم الجيولوجيّ خوان كارلوس بوسادا الموقوف منذ شهر مارس بمقاطعة شوكو (غرب البلاد) ليتمّ تسليمه إلى لجنة دوليّة للهلال الأحمر.حكومة الرّئيس المحافظ ألفارو أوريب والّتي تتوخّى "سياسة صارمة ضدّ مجرمي هذه العصابة المسلّحة ومنحرفيها ، تعاطفت مع هذه المسيرات الحاشدة على نحو دفعها إلى القيام باستفتاء حول سياستها الرّامية إلى تحقيق " الأمن الدّيموقراطيّ" ضدّ المتمرّدين. ومن ثمّة، طلب الأعراف ومن ورائهم الحكومة من المؤسّسات والإدارات ضرورة السّماح للعاملين وموظفي الوزارات ومن بينهم الشّرطة والجيش ، بالتّظاهر في هذا السّياق لتنطلق من ثمّة، في كلّ شوارع العاصمة بوغوتا صفّارات ومنبّهات تعطلت من جرّائها حركة السّير لدقائق معدودة عبّر فيها المتظاهرون عن موقفهم الموحّد وقد لوّحوا بمناديل بيضاء عنوان السّلام.
السيّدة يولندا بولاسيو، والدة الرّهينة الفرانكوكولمبيّة انغريد بيتانكور شاركت هي الأخرى في قلب العاصمة في تجمّع لعائلات الرّهائن وقد ارتدى أفرادها الزّيّ الأبيض مثل سائر المتظاهرين وقد صرحّت بولاسيو بالمناسبة لوكالة فرانس براس "أنّ هذه المسيرة ليست فقط ضدّ العصابة المسلّحة ولكنّها ضدّ كلّ من يعمل عكس الوفاق الإنسانيّ وهذا الوفاق ليس في متناول أيدي الحكومة الفرنسيّة ولا السويسريّة ولا الإسبانيّة ولا أيّ طرف آخر بل هو رهين العصابة القوات المسلحة والحكومة الكولومبية وهما الطرفان اللذان يتوجّب عليهما التّفاوض لحلّ هذه القضيّة عبر صيغة مرنة دون اللّجوء إلى العنف".هذه المظاهرات الحاشدة خوّلت لحكومة أوريب أن تستوعب الغضب الشّعبيّ ضدّ العصابة المسلّحة. "أوريب، أيّها الصّديق، الشّعب معك": هذا ما لوّحت به اللافتات في رسالة صريحة إلى العصابة المسلّحة لإشعارها بأن الشّعب ضدّها.
ولمزيد التعريف بهذه الشخصية المختطفة، يسلط رزوقة الضوء عليها بقوله: إن انغريد بيتانكورمن مواليد بوغوتا بكولومبيا في 25 ديسمبر 1961 وهي ابنة غابريال بيتانكور وزير تربية سابق وسفير كولومبيا لدى اليونسكو بباريس ، أمّها تدعى يولندا بولاسيو ملكة جمال سابقة ثم أصبحت عضوا بمجلس الشيوخ.
أمّا انغريدا (الرهينة منذ فيفري 2002) فهي شخصية مثقفة وكانت تربطها علاقة متينة بالشاعر الشيلي بابلو نيرودا إلى حين وفاته سنة 1973 وسياسية عاشت بين فرنسا وكولومبيا . عملت بوزارة الماليّة الكولومبية ثمّ انتخبت نائبة برلمانيّة سنة 1994 لتؤسس حزبها " الأوكسيجين الأخضر" وفي العام نفسه ، عينت عضوا بمجلس الشيوخ وبدأت من ثمّة تتحفّز لخوض غمار الانتخابات الرئاسيّة عندما استهدفتها العصابة المسلّحة واختطفتها في 23 فيفري2002.
إشارة:
هذا وستنشر تفاصيل برنامج هذه القافلة لاحقا ليكون شعراء العالم( ممن كانوا سيشاركون في مؤتمر باريس 2007 والذي ألغي لأسباب يعرفها الرأي العام العالمي من خلال ما نشر سابقا) على بينة من فحواها.

الجمعة، يونيو 29، 2007

لماذا ألغي مؤتمر "شعراء العالم" في باريس؟

اعتماد 18 سفيرا عربيّا وبعث إذاعة خاصّة

أفادنا الشّاعر يوسف رزوقة، الأمين العام لحركة شعراء العالم \ ممثّل العالم العربيّ أنّه تم اعتماد 18 شاعرا عربّيا سفراء لبلدانهم لدى الحركة بأمريكا اللاّتينيّة وقد أرسل الشّاعر الشّيلي لويس أرياس مانثو، الأمين العام لحركة شعراء العالم إلى الّشعراء المعنّيّين أوراق اعتمادهم بموجبها يتحرّكون من أجل الرّاهن الشّعريّ وأهله.
علما وأنّه تموقع في بوّابة هذه الحركة إلى حدّ الآن زهاء 700 شاعر عربيّ ، إلى جانب 1700 شاعرمن بقية الأقطار الأخرى ليكون من ثمّة العدد الجمليّ 2400 شاعر(وليس 1500 شاعركما تداولته مؤخّرا وسائل الإعلام العربيّة).
ويأتي هذا الاختيار، حسب إفادة يوسف رزوقة، على إثر تنامي الحضور العربيّ في صلب هذه الحركة وبوّابتها وهو ما يدعو إلى تكاتف الجهود وتضافرها بين هذه النخبة من شعراء العربّية ليبذل كل من جهته ما يراه كفيلا بخدمة المنجز الشّعريّ في بلاده و عائلته الشعريّة، الموسّعة، تعريفا وتأكيدا لسنّة التّواصل بين سائر أفرادها سواء أكانوا شبابا في حاجة إلى بعض ضوء أو متقدّمين في السنّ و في التّجربة في حاجة إلى بعض دفء، عبر"الصّالون المتنقّل لشعراء العالم" الّذي سبق له أن كرّس هذا التّقليد ذا البعد الإنسانيّ والتّكافليّ بزيارة أدباء كبار في بيوتهم.
وعن المعيار الّتي تمّ بموجبه اعتماد هؤلاء الشّعراء دون غيرهم، أوضح رزوقة أنّ اختيارهم أملاه ، في الواقع، ما يمكن أن تنتظره الحركة منهم في مستوى تغذية بوّابتها باستمرار بالزّخم الضروريّ من الأسماء الشعرية الّتي لم تتموقع بعد وبكلّ ما يهمّ الشّأن الإبداعيّ في السّاحة الثّقافيّة التي ينتمون إليها وهذا ما لمسناه في هؤلاء الشّعراء الّذين قدّرنا فيهم، إلى جانب حضورهم في المشهد، أهليّة ما بخصوص التّعاطي مع الشّبكة العنكبوتيّة للاتّصال، الأداة الأكثر مرونة ونجاعة في مثل هذا السياق. أمّا الشّعراء الّذين تمّ اختيارهم سفراء في حركة " شعراء العالم" فهم :
محمد الحربي ( السعودية)، نوّارة لحرش ( الجزائر)، أحمد العجمي (البحرين)، أحمد فضل شبلول ( مصر)، إدريس علّوش (المغرب)، باسم فرات ( العراق)، حسين جلعاد (الأردن)، أوركيش إبراهيم ( كردستان)، سعدية مفرح ( الكويت)، صباح زوين ( لبنان)، خلود الفلاح ( ليبيا)، سعيدة الخاطر (عمان)، سليمان دغش ( فلسطين)، سعاد الكواري ( قطر)، غالية خوجة
( سوريا)، عصام عيسى رجب ( السّودان)، يوسف رزوقة ( تونس)، أحمد السلامي ( اليمن).

البرازيل تحتضن المؤتمر الأوّل لشعراء العالم \ مايو 2008 :

وبخصوص المؤتمر الأوّل لشعراء العالم والذي كان من المقررّ أن يقام في باريس \ أكتوبر 2007 فقد تمّ تحويل وجهته إلى أمريكا اللاّتينيّة لتحتضنه البرازيل في مايو 2008 ، جاء هذا القرار إثر خلاف دبّ بين منظّم المهرجان العالمي الأول للشعر في باريس الذي رأى في زيارة الأمين العام لحركة شعراء العالم مؤخرا إلى إيران في إطار ملتقى أدبي، خاصّ بأمريكا اللاّتينية والتقاءه مع الوفد المرافق له الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ذريعة إيديولوجيّة لإلغاء ما تمّ التّعاقد في شأنه بخصوص هذا المؤتمر وهو قرار أحاديّ اتخذه الطّرف الفرنسيّ وأثار في صلب شعراء العالم جدلا حادّا لم تنقطع بوّابة الحركة عن نشر وقائعه إلى الآن.
وقد وضّح لويس أرياس مانثو، أمين عام الحركة موقفه من زيارته تلك بالتالي :" أن رحلته إلى طهران كانت منذ البداية يكتنفها الوضوح وقد تم الإعلان عنها مرارا عبر بوّابة الحركة وعبر وسائل إعلامية، أخرى، متاحة وأنّ خطابه في إيران كان يدافع عن السلام ولا شيء آخر، غير السلام، عن العدالة وعن المساواة بين الشعوب في العالم في إشارة صريحة إلى ضرورة التسليم بحق تواجد هذه الشعوب في العالم " .
ليخلص إلى " أنّه بناء على ما تقدم، فإن المؤتمر الأول لشعراء العالم سينتظم في البرازيل في مايو2008 وسيحاط كل شعراء العالم علما بالمعطيات الضافية في أوانها ".ليختم رسالته بأنّ " السلام لا يبنى بوجهة نظر واحدة أو برأي واحد بل إن ثقافة السلام تأبى أن تنبع من تلك الثقافة ذات الجذور الاستعمارية والامبريالية فإذا سنحت لك الفرصة أيها الشاعر للتحدث مع رئيس فافعل وليكن ما يكون وقل له ما تريد قوله ، لأن شعراء العالم يغتنمون كل فضاء أينما كان وكيفما كان، منطلقا لنضالهم ضد الشر، سواء أكان ذلك في القصور الفخمة للنفوذ أو في شوارع الفقر الخلفية".

الملتقى العالميّ للشّعر بالشّيلي \ أكتوبر 2007
أمّا الملتقى العالميّ للشّعر بالشيلي فستلتئم فعالياته من 22 إلى 27 أكتوبر2007 تحت محور "في اقتفاء أثر الشّاعر" ويتطلّع السّاهرون على هذه التظاهرة إلى مشاركة عربيّة هاّمة مقارنة بالعام الماضي الذي تميّز بمشاركة شاعرتين فقط من مصر وتونس.

إذاعة "شعراء العالم":هذا وقد تمّ بعث إذاعة خاصة بشعراء العالم ، ناطقة في مرحلة أولى بالاسبانية ، في انتظار انفتاحها مستقبلا على لغات أخرى وفي ذلك تحقيق للهدف الذي من أجله بعثث وهو نشر رسالة الحركة وشعرائها على مدى أوسع وبشتى اللغات المتاحة.

الخميس، أبريل 26، 2007

رواية مكسيكية بطلها يوسف رزوقة

لقراءة جميع مقالات حسان الباهي انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى.



الجزائر: حسّان الباهي
يوسف رزوقة الشّاعر الّذي تحدّى حجاب المعاصرة، الواقف بلغاته السّبع في الجهات الأربع والّذي سجّل وما يزال حضوره اللاّفت عربيّا ونال من الحظوة والجوائز ما يجعله في غنى عن مزيد التّعريف به، هو نفسه الشّاعر الّذي نجده هناك ،


في أوروبّا، سواء عبر حصاده الشّعريّ( خمس مجموعات شعريّة صادرة حديثا بالفرنسية) أو عبر ما كتب عنه ، نخصّ بالذّكر كتابا للشّاعرة الفرنسيّة ألاّ فرانس صدر مؤخّرا تحت عنوان : ي ر ، من أجل نظام شعريّ جديد وهو يؤرّخ لسيرة يوسف رزوقة على امتداد أربعين سنة وكتابا ثانيا لأود ريشو ديانو، أستاذة الأدب الاسباني بجامعة الصوربون جاء تحت عنوان : شعر يوسف رزوقة أو البحث عن الرّابط الأصيل وهي عبارة عن مقاربة نقديّة لمجموعاته الشّعرية الخمس الصّادرة بالفرنسيّة.


وهو نفسه الشّاعر الّذي نجده أيضا في أنحاء أمريكا اللاّتينية بحضوره المكثّف والآسر في آن إلى حدّ أنّ روائيّة مكسيكيّة تدعى ماريا ألخندرا غودينو أصدرت مؤخّرا رواية في اثنين وعشرين فصلا بعنوان : إيزابيل، سيّدة البحر (ISABEL, LA DUEÑA DEL MAR) اتخذت فيها الشّاعر يوسف رزوقة بطلا أساسيّا تتمحور حوله الأحداث والشّخوص وهذه الرّواية الّتي أريد لها أن تدور أحداثها في كلّ من المغرب الأقصى والجزائر وتونس بشخوص إسبانيّة تلتقي كّلها حول يوسف رزوقة إنسانا وشاعرا كوسموبولوتيّا على حدّ تعبير الكاتب البانامي إيدلبرتو غونثالث تريخوس في مقال نقديّ له عنه.


لم يفت هذه الرّوائيّة أن تجعل من هذا الشّاعر وهي تتابع تنامي الأحداث، الشخصيّة الأشدّ حضورا من خلال حركات هذا الشّاعر وسكناته وشعره خصوصا الذي أوردته على لسانه وعلى علاّته كلّما اقتضت الضّرورة السّرديّة ذلك ليكون للشّاعر، محور الرّواية قول أو ردّ، له على باقي الشّخوص وقع كأنّه سحر.


لقد سبرت الّروائيّة أغوار كلّ شخوصها وخصّت شخصيّتها الأساسية ببالغ اهتمامها دون أن تنسى إلمامها الواسع بتفاصيل المكان المغاربيّ تاريخا وجغرافيا.


رواية مكسيكيّة كهذه عن شاعر عربيّ نعرفه كيوسف رزوقة، قد يبدو فائضا عن مكانه وعن زمانه أيضا ، تدلّل بما لا يدع مجالا لأيّ شكّ، على أن العالم، عالمنا هذا، قد أصبح فعلا قرية كما قال مارشال ماكلوهان، قرية ذابت الحواجز فيها لنرى ما هو بعيد في متناول أحلامنا وأقلامنا.


لقد التقيت مؤخّرا يوسف رزوقة في الجزائر وقد دعي إليها وهي عاصمة عربيّة للثّقافة لإحياء أمسيّة شعريّة بمكتبتها الوطنيّة مع زميليه أولاد أحمد ويسرى فراوس ولعّل ما لفت انتباهي إليه، انصرافه عن كلّ شيء حوله إلاّ عن الكتابة بحيث ظلّ طوال الوقت في بيته بالفندق بصدد إنهاء أشغال شعريّة جارية بالإسبانيّة حول اليوغا الشعرية مع الشّاعرة الأرجنتينيّة غراسيالاّ مالاغريدا .وليس غريبا إذن أن نلمس صدى كلّ هذا في صحافة أمريكا اللاّتينيّة الّتي خصّته مؤخّرا، إلى جانب مقالات أخرى متفرّقة، بمقالة نقديّة لا فتة جاءت تحت عنوان : الثّالوث المتمرّد (UN TRÍO REBELDE)قورن فيها يوسف رزوقة بشاعرين كبيرين هما علامتان فارقتان : الشّاعر الفرنسي أرثر رامبو والشّاعر السّويدي غونار إيكيلوف على خلفيّة أنّ لثلاثتهم مع اعتبار خصوصيّة كلّ واحد منهم هوسا مشتركا في الخروج عن المألوف لغة وتخييلا وحياة.

الاثنين، مارس 05، 2007

الجزائر،عاصمة الثقافة العربية في "ليالي الشعر العربي":



تونس والسعوديّة في "ليلة الكلام العالي"

الجزائر- حسّان الباهي

في رحاب المكتبة الوطنيّة الجزائريّة،هذا الفضاءالعمرانيّ المهيب وغير المسبوق عمرانيا في عموم إفريقيّا،غصّت قاعة الشاعر محمّد الأخضر السّائحي، الأسبوع الماضي، بجمهور غفير فاجأ الشعراء الضيوف القادمين من تونس والسّعودية ضمن " ليالي الشّعر العربي" في دورتها الثّانية وهي ليال مبرمجة بالمناسبة على مدار السّنة، بمعدّل ليلة ختام كلّ شهر، يدعى إليها نخبة من الشعراء العرب ، احتفاء بالجزائر عاصمة عربيّة للثّقافة .هذه المرّة وبعد المرور العمانيّ في مطلع العام الجديد عبر سيف الرحبي ونظرائه ، دعيت تونس ممثّلة في شعرائها يوسف رزوقة، أولاد أحمد ويسرى فراوس في حين مثّل السعوديّة كلّ من هدى الدغفق، عادل خميس الزهراني وريم الفهد إلى جانب الجزائر بشعرائها المقتدرين حمري بحري، عبد الرزاق بوكبة، سليمان جوادي، حكيم ميلود، رشيدة خوازم وإبراهيم صديقي.بعد أداء النشيد الرّسميّ لكل من الجزائر والسعودية وتونس، تلا الدّكتور أمين الزاوي، مدير عام المكتبة الوطنية (وهو كاتب روائيّ لافت، صدرت له مؤخّر عن فايار بالفرنسية رواية "وليمة الأكاذيب") كلمة جاء فيها:
الشعراء و الغاوون.. و "الشعراء يتبعهم الغاوون"
هذه ليلة أخرى
ليلة للكلام العالي ،
شرفة جزائرية للكلام العالي كلامكم
"لسان الفتى نصف و نصف فؤاده"
و الشاعر كلام ،
و الشاعر قلب ،
كلام من فراشات
و قلب من خفقات
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده" "
الشعر افتضاح الجمال ،
بل فضيحته البهية
الشعر صلاة الصلوات جميعها ،
متراس ضدّ ثقافة الكراهية ،
تناغم الأرواح
لمّ الأطراف ،
من جزيرة العرب
إلى عرب الغرب
هذه ليلة أخرى
" و.....لسان الفتى نصف و نصف فؤاده"
و كان القدامى يشبهون العالم
العربي بطير الطاووس
ذيله المغرب العربي
و الباقي أمصاره الأخرى
تونس
تونس الشابي
تونس الطاهر الحداد
تونس علي الدوعاجي
بلاد محمود المسعدي
تونسنا..شعرنا
السعودية بلاد الصلاة
بلاد الرسول الأعظم
بلاد بها نزل الكلم العظيم ،
بلاد امتدادها في القلب
في كل قلب
بلاد جغرافيتها تتعدى جغرافيتها
لأنها دخلت الرموز منذ آلاف السنين
بلاد بلاضفاف
لأنها الضفاف ..ضفاف الروح
و هي أيضا بلاد الكعبة من زمن المعلقات ..و قبله
إذا كانت تونس ، في مخيالنا العربي
قد ارتبطت منذ الخمسينات بالحداثة ، و حقوق المرأة كنموذج فريد في العالم الثالث ،
فالسعودية الجديدة انزياح هادئ نحو الحداثة ،
تخرج السعودية يوما بعد يوم
بنسائها و رجالها و مؤسساتها من الصورة "التقليدية" التي في رؤوسنا
إلى صورة أخرى ،
إلى شاطئ آخر ،
نتمعن المشهد العربي
على كل الجغرافيات و التضاريس
نفتش عن "العربي" كظاهرة
تخدعنا كل شيء
و لا تخدعنا الثقافة
و لا يخدعنا الشعر سيدها
ما بقي يجمعنا و نجتمع له و عليه سوى الثقافة
و الشعر.. و العربية التي تحميها و تحمينا
لذا إذا ما أردنا أن نحافظ
على "العرب" كظاهرة
علينا أن نحافظ على الثقافة
و على "الشعر" سلطان الكلام
و قبل هذا و ذاك على العربية
الليلة يطل الشعراء
على الجمال من شرفة جزائرية ،
الليلة يطل الشعراء من شرفة
الكلام المباح ،
على الكلام المباح
هذه ليلة خير من ألف ليلة
تجمع الشعراء فيها
و فيها يتنزل الحب
ليلتكم ليلتنا
فأهلا بكم
و أهلا بكم
و" لسان الفتى نصف و نصف قؤاده".

هدى الدغفق:
الظل إلى أعلى


هدى الدغفق ، شاعرة سعودية أصدرت "الظل إلى أعلى" و " لهفة جديدة" وهي كما تقدم نفسها "ليست سوى امرأة تأكل النوايا.. تتوضأ بالأحلام الخجلى.. ترشف العسل.. تزهر الأبناء.. ستذبل لا يحنو عليها سوى أرض تلملمها حفرتها السوداء.. هكذا"
بهذه الكلمات طرحت الشاعرة مشاعرها، وخلجات نفسها كامرأة.. كأي امرأة تدب على وجه الأرض.. وتحتمي داخل حيطانها واسوارها المغلفة بستار تملؤه الخشية أحياناً.. وتهزه الريح الغاضبة أحياناً.. ونحن الجنس الخشن، كما يرى ناقد من الخليج، لن نترك لأوجاعها وحدها التفرد.. نحن معها شركاء في اكل الزوايا. وفي خجل الأحلام ووجلها.. وفي ارتشاف العسل الحلو والمر. وفي الذبول دون حنو.. أما الأرض فإنها لا تفرق بين ذكر وأنثى وهي تلملم اجساد الأموات الأحياء، والأحياء الأموات داخل حفرها الصامتة المغلفة بالوحشة.. بماذا تحدثت عن خصوصية سمائها كامرأة؟! وبأية مرآة عكست ملامحها المنظورة والمستترة من خلال رؤيتها؟
أحيانا
أبكي هذا القمر المتسلق غرفتنا
ما ذنب عقاربه تضيء؟
أُسلمه الوحدة كل مساء
يسلمني عينه العاشقة
حس أنثوي لا نقدر نحن الرجال على رسمه.. دموع فراق.. لا عودة فيه.. ووعد وفاء ممن تبقى برعاية من لم يمت، الصورة وجدانية.. ومعبرة.. ومختصرة المساحة
شاعرتنا الدغفق استهوتها هذه المرة اقتحام الغابات.. وراحت ترقب العصفور الطائر والغصن الطائر وجذع الشجرة داعية ظلالها الاسترخاء والتدفق واغراق الأرصفة
شلالكِ سيطفئ موقد الشمس
أهدابي ستشتعل قناديل
بهجتها حفيفك
يرقص في طمأنينة الليل
مرة تحتفي بالنهار.. وأخرى مغايرة تتعشق الليل وترقص في طمأنينة على صمت سكونه

حمري بحري :
هوى الجزائر


الشاعر الجزائري حمري بحري الذي عرفناه في سبعينات القرن الماضي بمجموعته الشعرية اللافتة
" ما ذنب المسمار يا خشبة؟"، يعود بعد طول غياب يقدّر بالسنوات إلى جمهوره في أول إطلالة له بقصائد مكثّفة وموحية قوبلت باستحسان الحضور وكانت قصيدته " مديح رياس البحر" بمثابة الصرخة الحانية والعاتية في آن في وجه الواقع والمكان:لم أكن أعرف يا جزائر أنك هواي
وأنك النشيد الوحيد في دمي وأنا الناي
الحياة بهية والأصدقاء ينبتون في حديقة الروح
ويفتحون باب بيتي لقصائدهم...............ما المكان
إلا أنت يا جزائر
ما النساء الجميلات إلا أنت يا جزائر
من أعطاك هذا الاسم الجميل؟ليختم بالتالي:
لم يبق لي من الوقت ما يكفي
لأصنع أرجوحة لأحلامي
وهذا السنونو يبني أعشاشه في سقف أيامي
وتطير في أفق
لم تعد عيناي تقوى على قبض مداه

يوسف رزوقة: الذئب في العبارة

أمّا الشاعر التّونسي يوسف رزوقة ذو التجربة الشعرية الزاخرة في أكثر من لغة فقد كان حضوره لافتا بحيث قوطع مرارا بالهتاف وهو ينشد قصيدته " الذئب في العبارة" ولعل ما استوقف الحضور مقطع شعري يقول فيه:ولا تاء في طاعتي
لأؤنّث شكلي
وأجعلني زوجة لي لينشد بعدها قصيدته الثانية " محاولة لمحو الجبل" وقد أهداها بالمناسبة إلى الكاتبة الجزائرية الحاضرة بالمناسبة زهور ونيسي وإلى كل الزهور التي تحاول نسف الجبل، تقول قصيدته: الشائك، السلس الذي يسري من امرأة الي رجل وعبرهما الي روح القصيدة: اصله امرأة ومنها يأخذ المعني استدارته ومسلكه الي .. رأس الجبل بسلاسة امرأة تصندق سرها في بئر يوسف ـ مؤسف تاريخ اخوته! انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تمد جناحها لحبيبها النائي، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تقسم نفسها بمعدل امرأة لكل مدينة وكفي! انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تطري ثديها لرضيعها الباكي، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تهرب بين نهديها رسائل جارها المجرور من حرمانه الدامي الي غدها، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تقشر نفسها لعريسها الملقي علي دمه، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة لوت يدها يد طولي فطال جحيم لحظتها وما بكت، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تجر حكاية امرأة هوت من حيث لا تدري، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تقي امرأة هوت رجلا من امرأتين كافرتين بالرجل ، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تعوض بالأذي ما فاتها وبحنظل الذكري، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تعرض قلبها لقذيفة اقوي، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تعامت عن هتاف المعجبين وأعجبت برفيقها الاعمي، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تجرب كعبها العالي وقد أدمي سعادتها.. وربلة ساقها اليسري، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تكاد تطير من هذيانها لتحط في يد (ه)، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تباعد بين ساقيها لغاية ان تمر بواخر التاريخ تحتهما، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تسلسل نسلها ـ ناس الحواس ـ بحبها الطاغي، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تجمع شعبها في عمرها الباقي، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تسوس قبيلة عظمي بخاتمها، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تفك بلحظها الحاني سلاسلها، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تكلم او تبوس جنينها/المسحوق في سمحاقه، وكأنه اضحي، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تمد لسانها للعالم البشع، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تبخر وسط حمام النساء بهاءها ليطير من شفة، الي امرأة الي امرأة الي امرأة، الي مرآتها من ثم، في صحراء غرفتها، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة أنامت كل سكان الخريطة وارتمت في حضن يقظتها تراقص نقطة استفهامها الكبري، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تمر الي طبيعتها مباشرة ولا تقوي علي تأجيل شهوتها الي غدها، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة يسيل لعابها بمجرد اللعب/المحاولة، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تقطع ـ وهي ساهمة ـ اصابعها، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تري ما لا يراه اللاهثون وراءها، والنصر للأنثي، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تطالع سفر ماضيها وراهنها وآتيها، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة تروض قمة الجبل، انسفي هذا الجبل بسلاسة امرأة.. اغيظي اجمل امرأة.. حكت فتهاوت امرأة قبالتها! حكت فترملت اخري واسقط في يدي متعهد الحفلات: حاميها/حراميها، انسفي هذا الجبل بشراسة الرجل الذي سواك ايتها القصيدة: خير أنثي! واختفي بين السطور اريه ما معني العناق وما مدي ولع السؤال بشيئه وأريه صندوق الذخائر والمشاعر والمصائر والسرائر والبشائر والخسائر والدوائر والصغائر والكبائر وانسفي هذا الجبل ما القصد أيتها الفراشة من مصادرة الوجود بأسره؟ ما القصد من ذر الرحيق علي الحريق؟ وحقن هرمون الانوثة في تلافيف الجبال؟ وما علاقة آكلي لحم القصيدة ـ ان غدا او بعد عنقودين من عنب الزمان ـبشاعرـ هو صائد الاصداف ـيدعوهم الي.. بيت القصيد وهم هنا كوليمة البيداء والاطلال والمنفي انسفي هذا الجبل.. فاذا تأكسدت القصيدةـ وهي تهوي من علي الجبل ـ انسفيها وانسفي من ثم قائلها الذي ما خان، أيتها الفراشة وانسفي رأس الجبل

أولاد أحمد: في الرجوع إلى الحياة
التونسي محمّد الصغير أولاد أحمد أنشد من جهته قصائد استحسنها الحضور خصوصا قصيدته " لا تنس دورك في الرجوع إلى الحياة" وفيها يقول:
هذا أنا
أمشي مع الشعراء دون حراسة
في المهرجان مسلحا بمترجم
لكأنّ شعري وهو ظلّي واقف
ليس التدرج في صعود السلم
والمهرجان عبارة عن مطعم
يأتي الكتابة بالملاعق والفم
أمشي
وأحيانا أطير
لأنني أهوى السقوط
مع الحمام
على دمي
لينشد تاليا قصيدته الشهيرة " أحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد".
يسرى فراوس
حمّى القصائد


يسرى فراوس سجلت هي الأخرى حضورها اللافت في هذه المناسبة حيث قرأت قصائد لها مشبعة بالحلم وبتداعيات الواقع ومن مناخات عالمها الشعري قصيدة" حملت البحر زمني" وفيها تقول:
فيما يرى النائمُ أرى
دمًا أصفرَ ينزُّ من شقوق السّماء
نجومًا في غير أفلاكها تدورُ
على أعقاب قمر تشظَّى تَدورُ
أرى
رؤوسًا تتأرجحُ بين غيمتين
والعمائمُ مثلُ الشّهُب تتلاقفُها الرّؤوسُ
ثم تهوي على الجثث المبتورة
و تلفُّها بردًا و سهامًا
أرى
بحرًا أحْمر قانيا
تجرّهُ سفينَة عرجاء
أدفنُ في السرير جُمْجُمَتي علَّني لا أرى
ينتفضُ جسمي محمومًا
كَتَنّور يلهجُ بغمغمات الموتى إذ يسّاءَلون
من المقبلُ علينا
أفكُّ شفرةَ عيني علَّني أبصرُ غيرَ هذي الخيالات
فوقي ترقصُ العمائمُ و يَزوغُ خلفها بصري
عبثًا
تُريدُ يَدي أن تُمسكَها
عبثاً أُسْدلُ ستائري
لا يدي طالتْها ولا بصري أهملَها على حافّة العمى

إيقاع الحياة

السعودي عادل خميس الزهراني تلا قصائده بعمودية عالية وقرأ " دردشة عند قبر عربي" و فنجان في زوبعة" في حين قرأت ريم الفهد قصائد منفجرة لغة وروحا تعكس الاعتمال الحداثيّ في ما تكتب.جهة الجزائر، تناوب على القراءات كل من إبراهيم صديقي في قصائد عمودية آسرة وعبد الرزاق بوكبة في قصائد نثرية،موحية وسليمان جوادي في أشعاره المدوزنة على بحور الخليل و حكيم ميلود في قصائده ذات النسغ الشعريّ الجليّ ورشيدة خوازم في قصيدتها الجميلة على بحر الوافر.
حتّى الشاعر الموريتاني أبو شجة كان له حضور عموديّ ، في التّسلّل وقبل الأوان، على خلفية أن الشعر الموريتاني برمج مع نظيره اللبناني للشهر القادم.
بتأطير من الشاعرة ربيعة جلطي ومعاونيها ، استمر اللقاء بتواتر شعريّ ممنهج بين شعراء السعودية وتونس والجزائر لم يزده الطراز العربي الذي اتخذته منصة الشعراء إلا جمالا وأصالة وقد أضفت أعلام البلدان الممثلة في هذه التظاهرة والمرفرفة بين أعمدة المكان المهيب إلى جانب حضور وجوه من السلك الديبلوماسي العربي بعدا جماليا ووطنيا يعكس مدى عنفوان الكلمة في زمن لم يعد يحفل بالكلمة.

الأحد، مايو 14، 2006

مقالات حسان الباهي


لقراءة جميع المقالات الكاتب انقروا على اسمه الموجود في أسفل هذه الصفحة على الجهة اليسرى: