‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد عبد الرحمن يونس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد عبد الرحمن يونس. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، نوفمبر 13، 2009

الفضاءات المعرفيّة في القصة القصيرة السعودية المعاصرة: مجموعة رياح وأجراس أنموذجا


د. محمد عبد الرحمن يونس
باحث وقاص وروائي وأستاذ جامعي
ـــــــــــــــــ
في البداية أحبّ أن أشير إلى أن السارد في مجموعة ( رياح وأجراس ) للقاص السعودي فهد الخليوي، يمتاز بقدرة واضحة على الفهم والتحليل والتأويل والاستنتاج، تساعده في ذلك خلفية معرفيّة فكريّة مهمّة تتمثّل في مجموعة من أمهات الكتب التي عرفتها الساحة الثقافية العربية قبل أكثر من خمسين عاما، فهو ينقل لقارئه مجموعة من هذه الكتب التي شكّلت لديه هذه الخلفية المرجعية المهمة التي تتباين تباينا واضحا عن ثقافة النسق السائد التي تمّثّلت في أفق معرفي محدود لا يستطيع أن يتجاوز بيئته ومحيطه الصحراوي البدوي، ولعلّ أهمّ هذه الكتب كما يصرح السارد: الوجود والعدم لجان بول سارتر، وتدهور الحضارة لاشبنغلر ، وهكذا تكلم زرداشت لنيتشه. هذا السارد الذي يمثّل وعيا معرفيا يتجاوز حيّه ومحيطه، وثقافة هذا الحي لم يستطع أن يحقق توازنا إنسانيا بين ما تفرزه هذه الخلفية المعرفية من خطابات وأنساق فكريّة، وبين واقع يحبط فيه المثقفون، ولا يستطيعون دفع أبسط متطلبات حياتهم، من أجور سكن متواضع وغيرها" (( توغّل داخل الحيّ إلى أن وصل إلى منزله الصغير الذي تركه قبل ثلاثين عاما، بسبب عجزه عن دفع أجره الشهري. مالك المنزل أمهله يومين للبحث عن منزل آخر)). ص 22 من المجموعة.
ومن هنا فما كان من هذا السارد إلاّ الارتحال إلى فضاءات يأمل منها أن تكون أكثر فرحا وأمانا وطمأنينة نفسيّة وروحيّة، وكان عليه أن يصحب معه عدّة المثقّف المعرفيّة من كتب مهمّة تربّى على ثقافتها ونما وترعرع، وعدّة بسيطة أخرى تعينه على متطلبات حياته اليوميّة التقشفيّة، من مأكل ومشرب وملبس. يقول الخطاب القصصي: (( آنذاك جلب عشرات الكراتين، من مستودعات الأغذّية لشحن كتبه، أمّا باقي الأمتعة فأمكن شحنها بكيس صغير، إبريق شاي من النحاس الأصفر، سخّان كهربائي عتيق، كوب من الزجاج الباهت، فراش من الاسفنج الهابط، أقلام، ناي، شريط غنائي لـ ( فيروز) وأخر لـ ( فوزي محسون).)) ص 22.
وإذا كان هذا الارتحال يبدو أمرا مألوفا في النسق القصصي، فإنّه يشير بشكل مرمّز وخفي إلى القطيعة الابستيمولوجية المعرفيّة بين المثقّف المتميز ثقافة عالية وشموليّة، وبين واقع محبط( بكسر الباء) لا تحقق فيه الذات المثقّفة أي تصالح مع هذا الواقع. ولعلّ سكّان المدن الاقتصادية والتجارية في هذا الواقع، بما فيهم من ملاكين كبار وتجار وسماسرة وثراء فاحشا، هم أكثر الناس إهمالا للمعرفة وطموحات العقل، وبعدا عن أخلاقياتها، وهو يستعير من تدهور الحضارة لشبنغلر المقطع التالي حتى يؤكّد قطيعته مع الواقع : (( سكّان المدن يكررون الحياة والموت بطريقة رتيبة، وليس لهم علاقة بصنع الحضارة البتّة)). ص 22.
وممّا يلاحظ في الخطابات الأدبيّة العربيّة المعاصرة، سواء أكانت شعرية أم روائية أم قصصيّة، نفور الكاتب من المدينة، واعتبارها بؤرة للشرّ والفساد، والكيد والمكر، وانسحاق الرجولة، وتهتك الأنوثّة، و محاولته استحضار بديل من هذه المدينة، وهو فضاء جديد يحقق فيه الحلم صبواته، وخروجه عن فضاء المدينة الملوّث. ولعلّ من أهم الأعمال الأدبية المعاصرة التي تنفر من فضاءات المدن الملوّثة : أشعار بدر شاكر السياب، وبخاصة ديوان: أنشودة المطر.، وروايات الروائي السوري هاني الراهب، وكذلك حيدر حيدر، وروايات المغربي محمد شكري، وغيرها من الأعمال العربية العديدة. وما كان على سارد قصة ( أجراس) لفهد الخليوي إلاّ أن يخرج من هذا الفضاء متأبطا غربته، وزاده المعرفيّ الكبير: (( حمل كراتينه المدهشة وكيس متاعه الصغير، ورحل عن هذا الحيّ قبل ثلاثين عاما)). ص 23.
و بعد ثلاثين عاما تقوده المصادفة لزيارة هذا الفضاء مرّة ثانية، غير أنّه لا يجد فيه إلاّ الخواء، وإحساسا فاجعا بالغربة والشجى، حادا يفتت مسامات روحه، حيث تهبط على روحه: (( إيقاعات حزينة وشجيّة، تناغمت في فضاء روحه، شعر أنّ ذاكرته تشتعل، وتصهر المكان والزمان، وكأنها تحيل حقبة ثورات إلى وثائق معدودات)). ص 23.
غير أنّ الفضاء الذي يبقى أكثر مدى واتساعا وعمقا، وبالتالي أكثر ألفة وحميمة هو فضاء البحر في هذه المدن، إذ يبدو ملاذا لمتاعب الروح، وأرقها: (( قاد سيارته متجها إلى الشارع العام، ثمّ سلك الطريق المؤدّية إلى البحر، هناك وقف على الشاطئ منصتا لدمدمة البحر)). ص 23.
وإذا كان الفضاء القصصي يقلّص جميع الفضاءات القصصية في القصة، باعتبارها فضاءات مغلقة وطاردة لقاطنيها فإنّه يشكّل في آخر السرد القصصي فضاء حرّا شاسعاً، تصبو فيه الروح إلى الانعتاق من فضاء المدينة الملوّث ، مالا واقتصادا وتجارة وثراء فاحشا، وفقرا مدقعا في آن، وإلى اللوذ بشاطئ البحر والاستماع إلى بوحه وخباياه الدفينة، باعتباره فضاء حرّا شاسعا لا محدودا، و بالتالي هو الآخر فضاء معرفي فسيح من الفضاءات المعرفيّة الأخرى الأليفة التي يحقق للسارد متعة جمالية ونفسيّة، وأفقا معرفيا مفتوحا، و ذلك بعد أن أسهمت فضاءات المدينة الأخرى في سدّ هذا الأفق وحجبه، وتعكير صفائه الإبداعي والنفسي.
يقول الشاعر والروائي علي الدميني عن فهد الخليوي في مقدمته للمجموعة القصصيّة: (( ومنذ كتاباته المبكرّة في الصحافة المحليّة في مطلع السبعينيات اختطّ (( فهد الخليوي)) لنفسه مسارا واضح المعالم، لا يركن للمهادنة واستمراء مجانية الكلمة، كما لم ينخدع بما تعد به من مغانم زائفة. و لذلك ذهب إلى صومعة (( الزهد)) الفاضلة منذ مطلع التسعينيات، بعد أن أسهم بشكل فاعل في الإشراف على الصفحات الثقافية في مجلة(( اقرأ))، و حفر اسمه من خلالها كمثقّف تنويري، و مبدع يعمل ضمن سياق الباحثين عن رؤى متسائلة، وآفاق ممكنة " لكتابة جديدة".)). ص 10.
ولعلّ من أهمّ معالم الكتابة الجديدة في مجوعة ( رياح وأجراس) خروج فهد الخليوي عن مسار القصّة الكلاسيكيّة بأنساقها المعتادة، من سرد وحوار، وتأطير للفكرة، ثمّ دفعها للنمو والتعقد، وصولا إلى الحبكة، ثمّ فكّ هذه الحبكة في ما بعد، فالقصة عنده رؤية وانبثاق معرفي، وابتعاد واضح عن تقنيات الحوار الكلاسيكي، و تركيز كثيف واضح في العبارة، ودلالتها، وابتعاد عن السرد الممل، وعن الحوار الوظيفي الذي يفتعل اللغة، ويؤطرها ويؤدلجها للوصول سريعا إلى الفكرة المقصودة. إنّه يحتفي بالمقاطع السرديّة القصيرة المركّزة المرمّزة في بعدها المعرفي، وفي تأويلها، هذا التأويل الذي سيبدو متغايرا ومتباينا من قارئ إلى آخر، ووفقا لثقافته، ولقدرته على الفهم والتأويل والاستنتاج، المتباينة عن قدرة قارئ آخر. يقول في قصة بعنوان( رياح) : (( كان سرب من الطيور يغرّد فوق البحر، ثمّ دفعته شدّة الرياح للتحليق بعيدا باتجاه الصحراء)). ص 15. ويقول في مقطع آخر: (( إنّ للرياح أساطيرها وطقوسها وهي تضرب بأعماق البحر، وتجتاح الصحارى، وتدكّ أقوى الحصون، وتهزم أعتى الأباطرة، وتحيل الساكن إلى متحرك والثابت إلى رماد)). ص 16.
ويمكن القول: إنه وعلى الرغم من قصر المقطع السابق، فإنه يمكن أن يكون محمّلا بمزيد من الرؤى والدلالات والأبعاد المعرفيّة، وربمّا تشير الريح هنا إلى الخروج عن الثبات والجمود، والأنساق المعرفيّة السائدة، وعن النموذج الثابت الراسخ الذي يصبح عالي الشأن، وقويا بثباته، وبالتالي الخروج بالمجتمع الثابت والنمطي، عن كل عوامل قوقعته وسكونه وثباته، فحركية الحياة، ونموها التي تشير إليها بنيويا حركية الرياح التي تدكّ أقوى الحصون لا بدّ في النهاية من أن تسهم في التغيير وأياً كان هذا التغيير، سواء أكان سلبا أم إيجابا. إنّ هذه الحركيّة هي استشراف المستقبل بشتى صوره وتجلياته في أشكال جديدة . وما يهمّ الرؤية القصصية هنا أن تكون هذه الرياح قادرة على تغيير المجتمع السكوني، وحياته وثقافته، وطوائفه وقبائله وخرافاته وأساطيره، أي تغيير النسق المعرفي الثقافي، والسائد المكرّس بالسطوة، سطوة المجتمع وسطوة أعرافه وتقاليده وعاداته.
ويشير الخطاب القصصي في هذه القصة ( رياح) إلى أنه يوجد في أعماق الناس رغبة كامنة بتغيير مجتمعاتهم النمطيّة وعادات هذا المجتمع وقيمه التي لم تعد صالحة في مراحل النمو الحضاري الجديدة التي دخلت على المجتمعات المعاصرة. ونلاحظ أنّ هذه الرغبة هي موجودة في الخلفيات المرجعيّة والمعرفيّة للأمم الحديثة والقديمة، وهي من أكثر المفردات في الكتب المقدّسة. يقول الخطاب القصصي: (( استبدّ شغف لدى الناس بتقصي كلّ ما يتصل بمعرفة الرياح، وتوصّل باحثون إلى أنّ كلمة رياح هي أكثر المفردات انتشارا في الكتب المقدّسة و في معاجم الأمم القديمة والحديثة، كما أنّ الكتب المهتمّة بتاريخ الرياح أشارت إلى أنّ مدنا مشتتة بأصقاع العالم اجتاحتها رياح عاتية، و دكّت سكونها، وبدّلت أزمنة بأزمنة وأنماط بأنماط)). ص 16.
إنّ الطفرات المعرفيّة الحديثة في نظريات الفكر والثقافة وامتدادها إلى جميع حقول المعرفة، وفي معظم دول العالم المعاصر، أسهمت إسهاما واضحا في تغيير كثير من مفاهيم الناس في عالمنا العربي وفي آرائهم وقيمهم الثقافية التي كانت سائدة ومكرّسة بقوة، بفعل مجموعة من السلطات الثقافية والمجتمعيّة والقبليّة والعشائريّة والطائفيّة. وقد أشارت الخطابات المعرفيّة في ثقافتنا المعاصرة إلى هذه الطفرات واحتفت بها احتفاء واضحا، احتفاء الباحث عن جديد وعمّا هو مغاير لثقافة النسق السائد، وبخاصة في القصة والرواية والدراسات النقدية المعاصرة. وكان نصيبها واضحا في القصة والرواية السعودية المعاصرة كما نلاحظ في روايات غازي عبد الرحمن القصيبي وبعض روايات رجاء عالم. ولعلّ مجموعة القاص فهد الخليوي ( رياح وأجراس) من المجموعات القصصية المهمّة التي احتفت بهذه الطفرات وبشّرت بها، ودعت إلى سيادتها في المجتمعات العربيّة المعاصرة أملا في التخلص من بداوتها وقبليتها.
ويشير الخطاب القصصي إلى أنّ المستقبل، و مهما طال الزمن لا بدّ وأن يتخلص من سوداوية الواقع المعاصر، ورفض بعض أفراده الشرس لأي حركة تجديد وإصلاح، سواء أكانت هذه الحركة تهزّ ثقافة الأمة السائدة، وتحدث شرخا في سكونيتها، أم تهزّ سلوكها المتزمت المتشدد، الذي يقف معارضا لما هو جديد، ولما هو حضاري نام، متشعب ومتعدد الرؤى والثقافات والاتجاهات. وفي نهاية المطاف ستجتاح رياح التجديد المعرفيّة فضاءات الأمّة السوداء، وتبددها تمهيدا لبناء فضاءات جديدة أكثر علما وعقلانية ومعرفة متجددة. وبفضل حركات التجديد المعرفيّة المعاصرة سيتجدد بناء الأمّة الحضاري والعقلاني، وهذا ما يشير إليه المقطع التالي إشارات رمزيّة، وقريبة الدلالة، واضحة اللغة. يقول المقطع: (( و حكى الرواي أسطورة القرية التي نسفتها الرياح عن بكرة أبيها، ولم ينج من أهلها عدا بضعة رجال ونساء تناسلوا عبر الأزمنة وأعادوا بناء القرية بأنساق جديدة بعد أن هبّت عليها رياح، حملت أمطارا غزيرة جلبتها من سماء بعيدة، وارتوت بعد هطولها الأرض، وأينعت السنابل، وتكاثر النسل وأقيمت الأعراس، وأضيئت الشموع في كلّ دار وسابلة)). ص 16.
وإذا كان بعض الطامحين من الجيل الجديد إلى التغيير في بنية المجتمع المحافظ وعاداته وتقاليده يحتفون برياح التغيير الجديدة فإنّ بعضا آخر من سكان المجتمع التقليدين أو الكلاسيكيين، والذين يرفضون ما هو جديد وعصري، يتوجسون خيفة وقلقا وحذرا من هذه الرياح الجديدة لأنّها ستهزّ مفاهيمهم القديمة، وستحدث ثغورا وفجوات واسعة فيها، وبالتالي هدما لجدرانها الصلدة، ولأنساقها الثقافية السائدة التي لا تريد تغييرا ولا تجديدا في بنيتها المعرفيّة. ويشير الخطاب القصصي إلى ذلك بشكل واضح في المقطع الآتي:
(( كان القلق يرتسم على الملامح خوفا من انهيار البيوت والأعمدة سيما وأنّ المدينة بنيت على النسق القديم ذي الطبيعة العشوائية وربما تصبح في مرمى الخطر المحدق أمام هول الرياح وضراوتها)). ص 17.
وعلى كلّ حال، وعلى الرغم من نمو الثورات المعرفية والعملية الكبرى المطرد في شتى مناحي الفكر الإنساني ، وتأثير هذه الثورات في بنية العالم العربي وثقافته وسيرورته الزمنيّة يلاحظ أنها لم تسهم إسهاما كبيرا في تخليص المجتمعات العربيّة من أمّيتها المستشرية، ومن عاداتها القبلية والبدوية والعشائريّة، وطائفية الاقتتال والعنف والتناحر البغيضة، فمجتمعاتنا المعاصرة لا تزال مكبلة بقيود التخلف، وبقيود كل ما هو مستهجن من عادات بدويّة وقبليّة وعشائريّة، ومدننا العربية على الرغم من نموها، وعمرانها الشامخ والمذهل، وتعقّد أطر الحياة فيها ـ بأشكالها المختلفة ـ وجامعاتها وكلياتها الضخمة، لا تزال مدناً بدويّة وقبليّة في بنيتها الأساسيّة، وفي بنية دوائرها ومؤسساتها وقوانينها، بما تحمله هذه الدوائر من أمراض بيروقراطيّة مزمنة ومتخلفة. وهذه حال غريبة معقدة، تدعو إلى الحيرة والقلق، ولا يمكن فهمها فهما دقيقا وموضوعيا. ويبدو أننا أمم متخلفة يسيطر عليها التخلف، ويشدها إلى الوراء، ويمنعها من أن تسهم إسهاما معرفيا وعلميا في التقدم الحضاري والإنساني، مثلما تسهم به بقية الأمم المتحضرة الأخرى.
ويقول الشاعر والروائي علي الدميني عن تقنية الكتابة الجديدة في مجموعة( رياح وأجراس) التي نحن بصددها: (( ويمكن أن نمدّ زاوية النظر إلى تلك التقنية الكتابية في بنائها لفضاء الأمكنة، حين نرى إلى أن " القرية" التي هجرتها شاحنات القمح بفعل سطوة سيد الأرض، وأنّ المدينة التي تقاوم التغيير فيما تهددها الريح، ليست قرية بذاتها، أو مدينة بعينها، وإنّما هي أمكنة مؤسلبة، يمكن أن نتقرى فيها ملامح التعبير عن الذات الإنسانية ( ...) وعن أفق للتشكيل الجديد، عبر رؤى أعين قلقة على مصيرها، وباحثة عن مستقبلها في هذا الكون)). ص 13 من المقدمة.
وفي القصة الموسومة بـ ( إبادة) نلاحظ أنّ رؤية مأساوية تهبط على بينة الفضاء القصصي لتغلّفه بلغة حزينة سوداويّة، والتي بدورها ستشيع في فضاء منزل السارد مزيدا من الصور القاتمة واليأس إذ تزحف حشرة إلى منزله، ثمّ تتكاثر وتتوالد لتبيد كلّ شيء في فضاء هذا المنزل. يقول الخطاب القصصي: (( شعر بهمود ذهنه ونفور عروقه، وقرقعة عظامه، نشطت حشرة الإبادة، وأنجبت سلالتها المدمّرة في ربوع بيته الكبير. قاومها بكلّ مقتنياته الفتّاكة، انهارت مقاومته أمام الزحف الكاسح للحشرة)). ص 19.
إنّ هذه الحشرة تشيرـ في المستوى السيميولوجي ـ إلى حالات من اليأس المطلق، التي تصيب بنى الحياة، باختلاف مناحيها وأشكالها. وتشير إلى حالات الظلام التي تفتك بها، وربما إلى جميع الحالات المرضيّة واللوثات المزمنة التي يعاني منها المجتمع الإنساني، والتي تفتك بشراسة بأبناء هذا المجتمع، وهذه الحالات المستعصية التي لا شفاء منها، ستسهم في تدمير منزل الرواي وإحلال المرض في أهل بيته، وبالتالي في تخريب صحة هذا الفضاء الصغير، الذي يشير في نهاية المطاف إلى الفضاء الاجتماعي الكبير، بسوداوية علاقاته وأمراضها ولوثاتها المرضية، وبالتالي إلى فقدان اليأس في أي شكل من أشكال الإصلاح الاجتماعي، والرقي الحضاري المعرفي، إنّها مرحلة هزيمة الإنسانية والوعي المعرفي وتراجعهما تمهيدا لإبادتهما وانقراضهما. يقول الخطاب القصصي: (( كياني يحترق!
تسلقت سلالات الحشرة أبدان حاشيته وأخذت إحدى زوجاته تعوي من قسوة داء الجرب، وعصف( الدرن) بأطفاله وفلول خدمه.
حدّ ق بالشمس وترجرج دمع آسن في قاع عينيه أسلمه إلى ظلام دامس.
ـ إنّه الفناء!!
قال ذلك واستسلم لعواء طويل!)). ص 20.
وإذا كانت ( الشمس) في مستواها الإشاري تشير إلى التنوير والسطوع المعرفي، وبثّ عوامل النماء والخصب والصحة والديمومة في الأمّة، فإنّها في هذا المقطع تفقد هذا المستوى الإشاري لتصبح هي الأخرى عامل إبادة، واحتراق وفناء، وليس احتراقا تمهيدا للولادات الجديدة، والنهوض الحضاري الجديد، كما تشير الأساطير في مستواها الرمزي، بل يعني الاحتراق في مستواه التخريبي والتدميري والإبادي.
وفي القصة الموسومة بـ ( عن قرية هجرتها شاحنات القمح) يدين الخطاب القصصي إدانة واضحة طبقة أصحاب الثراء والأموال الجدد الذين ظهروا بشكل قوي وفاعل في المجتمع نتيجة الطفرة الاقتصادية والمالية. هؤلاء الأثرياء الجدد الذين لاهمّ لهم إلاّ الامتلاك ، وبأي طريقة كانت، سواء أكان امتلاكا مشروعا، أم امتلاكا استلابيا لأموال الآخرين الفقراء وأعراضهم وأملاكهم، فالسيد الثري الذي يريد عزل إحدى القرى الفقيرة عن العالم تمهيدا لاستلابها، واستلاب نسائها، يقرر عزلها عن العالم بحرمانها من الطريق الاسفلتي الذي هو بوابتها صوب العالم، والذي من شأنه ـ إن مرّ بها ـ أن ينعشها اقتصاديا، وينعش زراعتها. غير أن السيد يقرر أن يجعل الطريق بعيدا عنها. وأمام الحال هذه ما كان من أعيان القرية إلاّ التوسل للثري أن يتراجع عن قراره، فتقدّموا إليه، وتزلفوا له، وقبّلوا يديه راجين أن يعدل عن قراره: (( دخل أعيان القرية، يتقدّمهم الإمام وشيخ القرية، وانحنوا أمامه وقبّلوا يديه ملتمسين عدوله عن هذا القرار الذي سيدمّر اقتصاد القرية ويحيلها إلى مجرد أكواخ متناثرة وسط صحراء قاحلة)). ص 25.
وحتى يستطيعوا التأثير على قرار هذا السيد، صاحب النفوذ الاقتصادي والمالي الكبير، قرروا أن يختاروا له أجمل فتيات القرية تمهيدا لإرضائه، واستمالة قلبه، وإطفاء سعار جسده، وبالتالي أملا في التخلص من بطشه وجبروته، وعدوله عن قراره الجائر. يقول الراوي: (( تطوّع نساء كثيرات في تنفيذ هذه المهمة وانتشرن بكلّ أرجاء القرية، وتكللت تلك الجهود المضنية بالنجاح.
تمّ انتخاب " مضاوي" المفرطة بجمالها وأنوثتها وذكائها، لكي تزف إلى سيد الأرض. خرموا جسدها الغضّ بالخماخم الذهبيّة، والحجول الفضيّة، ومشطوا ضفائرها بالمسك والعنبر، وخضبوا كفوفها بالحناء. علّموها كيف تشعل أنوثتها المثيرة، وتحكم سيطرتها على غرائز السيد)). ص 27.
و تنتهي القصّة بخطاب ساخر لاذع بأحلام سكّان القرية البسطاء، وبوسائلهم الانهزاميّة في معالجة الخطر المحدق بحياتهم، واقتصادهم ولقمة عيشهم، وهذا الخطاب يسخر ـ في الآن نفسه ـ بهذا الثري الجشع الذي لا تكفيه أموال العالم لتهذيب نزوعه الوحشيّ والافتراسي صوب التملك والثراء، والذي لا تكفيه أجساد نساء العالم لإطفاء سعاره الجنسي والشبقي البهيمي. وينهي الراوي القصّة بهذا المقطع الساخر: (( التهم سيد الأرض روائع أنوثة ( مضاوي) لكنه أصيب بسعار مخيف، وقرر التهام كل بنات القرية)). ص 27.
و في القصّة الموسومة بـ (( سطور من تراث الوأد))، يدين الخطاب القصصي العادات المتخلفة في بنية العلاقات القبليّة والبدويّة، من خلال إيديولوجيا إيحائيّة مرمّزة، فرجال القبيلة والبادية أو المدينة التي لا تزال تعيش بعقلية البادية وسلوكها، يحتفون بموت أنثى احتفاء أسطوريا بهيجا ـ بالنسبة لهم ـ لكنّ السارد يؤطّره بسخرية، ليشير رمزيا إلى بدويته وهمجيته من دون أن يقرر ذلك، ومن دون أن يشكل لغة افتعالية مؤدلجة تبرز بدوية هؤلاء الرجال وجلافتهم وغلظتهم. يقول السارد: (( تحلّقوا حول المدفن، خرج من بين الجميع رجل يحمل فأسا، وطفق يحفر في الأرض.
اجتثت الفأس جذور أعشاب صغيرة جفّت فوق أكوام التراب، و تبعثرت بفعل الرياح.
اصطفّوا على شكل دائرة، وأشهروا سيوفهم وبنادقهم وأطلقوا أعيرة نارية في الفضاء.
رقصوا على قرع الطبول، تمايلوا جذلا ثم انطلقت صرخة مدويّة:
ـ ادفنوها !)). ص 33.
و لا يشير الخطاب القصصي إلى الأسباب الرئيسة التي دفعتهم لوأد هذه الأنثى، ولا إلى الأخطاء والذنوب التي ارتكبتها. و من هنا يمكن أن يحيل هذا الخطاب إلى عدّة تأويلات، وإلى عدة إحالات يمكن فهمها وتأويلها برؤى مختلفة ومتباينة، ومن قارئ إلى أخر. فهل الوأد هنا يعني وأد البادية والقبيلة للقيم الحضارية و المعرفيّة الجديدة التي أتت مع المدنية الجديدة وتعقيداتها وتشعّباتها، هذه القيم التي ترفضها البادية، باعتبارها معادية لقيمها البدوية والقبليّة، وعاملة على هدمها؟ أم أنّ الوأد هنا هو وأد لكل ما هو إنساني وحضاري ومعرفي وجديد؟ أم هو وأد لخطاب الحريّة بأشكاله المتعددة؟ أم الوأد هنا هو مجرد وأد قبلي بدوي لامرأة قررت أن تتمرد على أعراف القبيلة وعاداتها، أو لأنّها ارتكبت محرما جنسيا يخرق بنية القبيلة وخطابها الاجتماعي؟
لا يقرر السارد أي حالة من هذه الحالات، بل يترك الخطاب القصصي حاملا لمزيد من الاحتمالات في الفهم والتأويل والتعدد في الرؤى. غير أنّ السارد ينهي القصّة بسيادة خطابات الظلام والخوف والوأد والاستبداد و السواد، على خطابات العقل و الحريّة و التسامح و النور والتنوير، وينهي القصة بالمقطع التالي: (( أومض طيفها من خلايا الصمت و ساد سكون مهيب في ساحة المقبرة.
انصرف الجميع عند حلول المساء.
كانوا يلوّحون برايات سوداء، ويحملون فوق كواهلهم ليل حالك وسلاسل غليظة وبقايا وأد قديم)). ص 34.
هذه بعض الرؤى والخطابات الفكرية التي تضمنتها مجموعة القاص فهد الخليوي، هذا ويعّد القاص فهد الخليوي من أهم كتاب القصة القصيرة والقصيرة جدا في السعودية، الذين احتفوا احتفاء واضحا بتقنية الكتابة الجديدة على مستوى الرؤية والتقنيات الجمالية.
انتهى المقال.
ـــــــــــــــــــــ
ـ رياح وأجراس، قصص قصيرة، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان/ النادي الأدبي بحائل، السعودية، الطبعة الأولى عام 2008م.

الأربعاء، نوفمبر 04، 2009

بعض المعالم الرئيسة للمدينة العربية والإسلامية في حكايات ألف ليلة وليلة


د. محمد عبد الرحمن يونس
باحث وقاص وروائي وأستاذ جامعي .
تحاول هذه الدراسة أن تتبين بعض الملامح العريضة لمدن ألف ليلة وليلة منطلقة من بنية نص الليالي نفسه، باعتباره نصاً منفتحاً على عالم من التخيل السردي والإبداعي، إلا أنها لا تركز على النص باعتباره عملاً تخيلياً فقط، بل تعتبره عملاً يمكن أن يتحقق في كثير من جوانبه في بنية الزمان والمكان، فاعتبار مدن ألف ليلة وليلة مدناً وهمية لن يساعدنا على تبيان العلاقات القائمة سياسياً واجتماعياً بين المدينة وسكانها من جهة، وبين السلطة القائمة فيها، وبين أفراد الشعب من جهة أخرى. فإذا كانت العلاقات التي تتحكم في مدن الليالي علاقات غرائبية سحرية لا تتحقق إلا في الحلم والتخيل والذاكرة، ووفقاً لنسق ميثولوجي خرافي وأسطوري، فإن كثيراً من مدن ألف

ليلة وليلة حقائق قائمة بذاتها، فلقد قامت هذه المدن منذ القديم، وعُرِفت، ولا تزال معروفة حتى الآن كبغداد والبصرة والكوفة وخراسان ودمشق وحلب، وصنعاء والاسكندرية، وفاس ومكناس وغيرها، في حين أن مدناً أخرى ذكرتها الليالي كانت غاية في العمران والهندسة المعمارية الفائقة فناً وإبداعاً وتخطيطاً ورقياً، لكننا إذا حاولنا أن نحدد معالمها على الخريطة الجغرافية الحديثة- بعد أن تشكل العالم الجغرافي تشكيلاً جديداً ونهائياً من حيث معالمه وحدوده وبحاره ومحيطاته، وعواصمه ودوله ـ فإننا لن نجد اسماً لهذه المدن، فإما أن تكون قد اضمحلت واندثرت نتيجة لعدم توافر الشروط الطبيعية التي تؤول إلى استمرار هذه المدن، وقد يكون من هذه الشروط وجود المياه ووجود الريف، واعتلال الهواء والتربة، ووجود المراعي كما يرى الماوردي، ففي نظره أنه "إذا تكاملت هذه الشروط في إنشاء المصر استحكمت قواعد تأبيده، ولم يزل إلا بقضاء محتوم.."(1)

وإما أن تكون قد تغيرت أسماؤها بفعل المؤثرات الجغرافية والطبيعية التي تعرضت لها قارات العالم وفق تشكلاتها الجديدة، وإما أن تكون أصلاً مدناً تشكلت مورفولوجياً وجمالياً وفق رؤية السارد الجمالية، عبر عمليات التخيل والحلم، أو عبر المثاقفة الحضارية والفكرية، التي نشأت بين مدن ألف ليلة وليلة، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن شهرزاد امرأة فاقت زمانها ومكانها علماً ومعرفة وأدباً إذ اطلعت على ثقافات الشعوب وعاداتها وتاريخها وأشعارها، وعادات مدنها كما تقول الليالي:‏
"وكان الوزير لـه بنتان رائعتا الحسن والجمال والبهاء، الكبيرة اسمها شهرزاد والصغيرة اسمها دنيازاد، وكانت الكبيرة قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضين"(2).‏

ويبدو أن تعدد مستويات السرد والقص من جهة، وتعدد رؤى السارد من جهة أخرى قدّمت سارداً متميزاً ومبدعاً، استطاع أن يشكل هذا العالم الغرائبي من مدن بعيدة منسية في الصين والسند والهند، وواق الواق وغيرها، فتشكل المدن بهذه السحرية الغرائبية، وفق خرق لبنية الزمان وتاريخيته، وتحطيم لحدود المكان الممكن، أو المكان الواقعي، وإحلال مكان غائب وسحري عصي على التحديد والضبط بدلاً منه، كان عائداً بالدرجة الأولى إلى اطلاع الراوي على كثير من معارف عصره باعتباره عصراً منفتحاً على الثقافة الفارسية والهندية واليونانية والسريانية والهلينية. وإما أن هذه المدن قد تكون تخربت وتهدمت بفعل صيرورة التاريخ نفسه، وحركات الاضطراب والفتن والثورات المعارضة والحروب، وتعرض هذه المدن لأعمال الهدم، وتأسيس مدن جديدة بدلاً منها، وإما أنها انتهت سياسياً بزوال سلطتها وقوة ملكها، لأن: "الأمصار التي تكون كراسي الملك تخرب بخراب الدولة وانتقاضها (وذلك) أن الدولة إذا اختلت وانتقضت فإن المصر الذي يكون كرسياً لسلطانها ينتقض عمرانه وربما ينتهي في انتقاضه إلى الخراب"(3).‏

ومن هذه المدن والجزر تلك التي كان يصل إليها السندباد البحري : مدينة القرود، ومدينة الملك المهرجان، ومدينة السلاهطة ومدينة مرزرقان ومدينة شمعون، ومدينة الأبنوس، ومدن أخرى كجوهر تكني والطيرب وجزائر الكافور، ولبطة، وغيرها.‏
فهذه المدن، ربما يكون السارد قد تخيلها وأضاف إليها مزيداً من السحر والخرافة، والغرائبية، التي من شأنها أن تشد القارئ والمستمع، وتسهم أيضاً في نمو القصة، داخل بنية المكان، وأمكنة أخرى قد تتلاقى مع مكان القصة الذي تحدث عنه هذا السارد.‏
و"لقد وصل إلى قاص الليالي قصص عن الهند وفارس حاملاً الكثير من مميزات بيئته الأولى، ولكن القاص لم ير الهند ولم ير فارس ولئن رآهما هو، فإن غيره من سامعيه لم يرهما، ولئن رآهما هو فهو بعيد عن أن يلاحظ الفروق الجوهرية بين بيئته وبيئتهما"(4).‏

ويمكننا أن نقسم مدن ألف ليلة وليلة، بحسب معتقدات شعوبها على المستوى الديني، على الشكل الآتي:‏
1 - المدن الإسلامية.
2 - المدن المسيحية.‏
3 - المدن اليهودية.
4 - مدن الكفار والمجوس وعبدة النار وآكلي لحوم البشر.‏
5 - المدن السحرية المنسوجة من عالم الخيال، وهي مدن الجن وتقسم إلى قسمين:‏
أ - مدن الجن والعفاريت المؤمنين بالله وهم أتباع النبي سليمان، وهي مدن كثيرة جداً.‏
ب - مدن الجن الكفرة الخارجة عن طاعة النبي سليمان.‏
6 - مدن ذات طابع سحري خاص، وهي المدن البحرية، وسكانها يمشون على الماء، وملوكها يسمون ملوك البحار، ولهم قدرات تفوق قدرات البشر العاديين(5).‏ بالإضافة إلى إيمانهم بالله، مع ملاحظة أن جميع هذه المدن باختلاف تشكيلاتها الاجتماعية، وتوجهاتها المذهبية هي مدن موشاة بالسحر والأسطورة والغرابة، لما للأسطورة من أهمية في الأدب والفن، والقصة. لأنها: "هي قوة الإعلام الرئيسة التي تضفي على الشعائر مغزى النموذج الأصلي،
وعلى النبوءة صفة النموذج الأصلي للفن القصصي. لذا فإن الأسطورة هي النموذج الأصلي."(6).‏
وقلما نجد مدينة في ألف ليلة وليلة إلا ولها سحرتها الخاصون، وأساطيرها الخاصة، ومنجموها وفلكيوها، الذين يستشعرون الخطر قبل قدومه، ونساؤها الخبيرات بجميع فنون المكايد والحيل والخديعة، ورجالها الفانون أعمارهم في مجالس الشراب والطرب، وأجساد الجواري، والحروب الطاحنة لتعزيز بطشهم وسلطتهم بعيداً عن أية قوانين أو شرائع إنسانية أو أخلاقية.‏

مدن ألف ليلة وليلة مدن واقعية عبَر التاريخ منها فارضاً رؤيته وقسوته، وظلامه وضياءه في آن.‏ ومدن وهمية شكّلها راوٍ متشعب الاتجاهات والثقافات، بل رواة من حضارات متعاقبة ومتجاورة زمنياً وتاريخياً.‏

وسأحاول في هذه الدراسة التركيز على علاقة السلطة بالمواطن في مدن الليالي على المستويين الاجتماعي والطبقي، وبالتالي على مستوى الملكية، ودور هذه الملكية في اغتراب المواطن وإحساسه بالاستلاب والقطيعة بينه وبين مدينته، ودورالسلطة في الليالي، في تهديم العلاقات البشرية الإنسانية، التي تحقق للمواطن توازناً وطمأنينة، وعلى بنية قصور السلطة، ودور المرأة في ترسيخ الحيلة والسحر في هذه القصور، باعتبار أن بنية القصر الداخلية تعكس وضعاً سياسياً وسوسيولوجياً وثقافياً تعيش فيه المدينة، معتمداً بالدرجة الأولى ما يفرزه النص الأدبي، والحكاية من أنظمة فكرية وعلاقات
متناقضة تارة ومتداخلة ومعقدة ومنسجمة تارة أخرى، ومستفيداً أيضاً من بعض خلفيات المدينة الإسلامية كما تشير إليها الأدبيات التاريخية.
وإذا كان من المتعارف عليه أن للقراءة نظامين: "قراءة تذهب رأساً إلى مفاصل القصة وتأخذ بعين الاعتبار امتداد النص وتجهل ألاعيب اللغة(...) أما القراءة الأخرى فلا تغفل شيئاً، بل تزن النص وتلتصق به، وتنهمك في عملها بجد وحماس إن صح القول، وتدرك في كل نقطة من النص انقطاعات الوصل التي تقطع اللغات لا القصة"(7). فإني سأكتفي بالقراءة الأولى معتمداً على امتداد النص الأدبي داخل البنية السوسيولوجية والثقافية التي تحكم مدن الليالي، لأن القراءة الثانية تناسب نصاً من مميزاته أنه "النص الحديث، النص- الحد الأقصى"(8).‏
أما نصوص ألف ليلة وليلة فإن جماليتها تكمن في أنها نصوص خارج الزمان والمكان لكنها من صلبه، إنها ماضي الماضي، وحاضر الماضي(9)، والحاضر والمستقبل وما بعد المستقبل باعتبارها نصوصاً تحمل طاقة تخيلية قصوى.‏
وإذا كانت القراءة الإيديولوجية للنصوص الأدبية كثيراً ما تعتمد مفاهيم مسبقة ذات أطر إيديولوجية، تجعل النص "خطاب أطروحة" قبل أن يكون خطاباً إبداعياً، وتعمد إلى قسر هامة النص، بدلاً من أن تضيء مكوناته، فإن ثمة نصوصاً في الليالي تفرز بشكل أو بآخر بعض قسمات المنهج الأيديولوجي غير المرغوب فيه، وبالتالي يصعب التخلص نهائياً من إسقاطات "خطاب الأطروحة".‏
وإن بدا على هذه القراءة بعض ملامح خطاب الأطروحة، فإنه ليس مقصوداً بذاته، بل في قدرته على إضاءة بعض جوانب الليالي العربية والفارسية والهندية هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإيديولوجيا تشكل "نسقاً مترابطاً من المقولات التي تفسر الواقع المعيش وتنطوي في الوقت نفسه على صياغة رؤية مستقبلية لما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع"(10).‏

تتحدد المدينة في ألف ليلة وليلة بفضائين سريين وحميمين، فضاء الرجال وفضاء النساء، مدينة الرجال ومدينة النساء، سلطة الرجال وسلطة النساء، ومن خلال بنية هذين الفضائين المكانيين تُفْرَز سياقات فكرية وثقافية تؤدي بدورها إلى سياقات سلطوية أخرى. حضور سلطوي طاغٍ في جميع بنى الحياة السياسية والثقافية والفكرية والدينية، والمدينة غارقة ببؤسها، ومذبوحة من الشريان إلى الوريد داخل هذه الفضاءات السلطوية، إنها تهجع داخل شبكة عنكبوتية من العلاقات السلطوية، والشرائح الاجتماعية المتباينة طبقياً: الخليفة والملك والأمير والجند وسادة القوم، وسيدات القصور، يسنون القوانين ويشرّعونها، ويسوسون بها الرعية، وعامة الناس، أي الطبقة الدنيا، وقلما تكون الطبقة الدنيا في مدن الليالي فاعلة في تشكيل الأنماط الحياتية، بل إن النمط الحياتي والسلطوي هو نمط مهيأ ومتشكل سابقاً. ومقابل طبقة
السلطة نجد قطاعات عريضة من عمال وسقائين وحلاقين وبسطاء، ومسحوقين قلما يعرفون شيئاً عن عالم المدينة الداخلي المسحور، عالم شهريار وشهرزاد وقصور الحريم المزخرفة والمزينة بأجمل أنواع الزخارف وبقطيع الجواري.‏

من خلال دراسة بنية قصور الحريم والجواري، سنكتشف جميع أنواع المؤامرات والدسائس والمكايد والفضائح، يسهم في ذلك هذا التخطيط الهندسي المعماري والفني ذو المواصفات السرية والفضاءات المنفتحة على سراديب ودهاليز وستائر ومصاطب وزوايا، والمفتوحة في آن على فضاء خارجي شاسع، وذلك بوساطة باب سري، أو نافذة سرية تربط المرأة بعالم المدينة الخارجي، وبمدن الرجال وعالمهم وسراديبهم، وداخل هذه السراديب والممرات الضيقة تتم عملية التجسس وتحاك المؤامرات والدسائس ضد سلطة الرجال وضد أعرافهم وتقاليدهم وقوانينهم.‏

ومن داخل سراديب قصور مدن ألف ليلة وليلة تُقام الصلات والعلاقات السرية والمشبوهة بين رجال السلطة وبين الجواري، وبين فضاء الحريم بشكل عام، لأن بنية السلطة باعتبارها تعتمد التملك شعاراً ورؤية، فإنها تعمد إلى عزل النساء داخل قصورهن، ومراقبتهن مراقبة حذرة، ووضع الجواسيس عليهن من الخدم. أما السرداب بالنسبة لبعض رجال القصر، فإنه يشكل بنية جمالية، وفضاء نفسياً ممتعاً، لأنه وسيلة لتسلل الأمير أو قائد الجند، أو الرجال المهمين إلى القصر، وإلى حجرات الجواري بعيداً عن عيون زوجاتهم من الحرائر، وعن عيون السلطان الرجل الأول في القصر، وعموماً فإن تخطيط القصر الهندسي يضمن للأمراء المهمين غرفاً سرية تنفتح بشكل سري
على عالم الجواري عن طريق ممرات سرية، وبوابات ضيقة تغطيها الستائر الكثيفة التي تمنع النور، وكثيراً ما تستطيع الجارية الحظيّة عند السلطان أن تُدْخِل عشيقها- حتى ولو كان من خارج سلطة رجال القصر- من هذه الممرات ليقضي ليلة عندها، وعندما تستشعر خطراً فإنها تخفيه في السراديب السرية كما فعلت إحدى جواري الخليفة الرشيد- شمس النهار- مع عشيقها علي بن بكار، وصاحبه- أبي الحسين علي بن طاهر- إذ أدخلتهما سراً " في مقصورة وأجلستهما وإذا بالموائد وُضِعَت قدامهما فأكلا وغسلا أيديهما ثم أحضرت لهما الشراب فشربا ثم أمرتهما بالقيام فقاما معها وأدخلتهما مقصورة أخرى مركبة على أربعة أعمدة وهي مفروشة بأفخر الفراش مزينة بأحسن الزينة"(11).

وفجأة يصل الخليفة أمير المؤمنين الرشيد، فترتعد جارية شمس النهار لمنظر عفيف ومسرور سياف النقمة، وبخبرة المرأة المجربة لدهاليز القصر وخباياه، العارفة كيف تتعامل مع رجال سلطة القصر، تُطمْئن شمس النهار ضيوفها، يقول الراوي: "فضحكت شمس النهار وقالت لا تخافوا ثم قالت ردي عليهم الجواب بقدر ما نتحول من هذا المكان ثم أنها أمرت بغلق باب القبة وإرخاء

الستور على أبوابها وهم فيها وأغلقت باب القاعة ثم خرجت إلى البستان وجلست على سريرها"(12).

تنصرف شمس النهار إلى استقبال الخليفة ومنادمته، بينما تنهمك الجارية في إخراج علي بن بكار من دهاليز القصر يساعدها أبو الحسن- صديقه-: "ونزلا به من على الروشن ومشيا قليلاً ثم فتحت الجارية باباً صغيراً وأخرجت أبا الحسن هو و"علي بن بكار" على مصطبة ثم صفّقت الجارية بيدها فجاء زورق فيه إنسان يجدف فأطلعتهما الجارية في الزورق"(13).‏
ونلاحظ أن فضاء القصر وبنية حجرات الجواري، وزخرفتها وتنميقها بشكل جمالي ومدهش، تساعد المرأة الحظية على ممارسة سلطتها وسيادتها على من دونها من العبيد والجواري الذين لا يملكون مثل هذه الحجرات- المقصورات- بالإضافة إلى أن هذه الحظية تستمد سلطتها من سلطة رجل قوي يتموضع بشكل مهم في نسق السلطة، وعندما تعي الجواري والعبيد أن السيدة الحظية لها علاقة متينة بالسلطة فإنهم يخضعون لها ويخشونها، ولا يتم التخلص من سطوتها إلا بمكيدة تطيح بها من قبل رجل مهم ذي سلطة نافذة تفوق سلطة الرجل- صاحب العلاقة معها- فيغضب الرجل الأول وينفي
الثاني وجاريته، أو يقتل الثاني ويمتلك جاريته، كما في حكاية "علاء الدين أبو الشامات"(14). صراع سلطوي مرير حاقد، هدفه الأول المال والجواري والبساتين والمتاجر والأسواق، وتبقى الرعية تعايش مدناً مستلبة يعربد فيها القتل والفقر والجوع وذلّ الحاجة.‏

وتزداد سلطة نساء ألف ليلة وليلة في قصورهن بقدرتهن على إسعاد الأمراء وتغييبهم عن بنيات الزمان والمكان، وعن المدينة وهمومها ومآسيها.‏

إن جسد الجارية هو المعادل الموضوعي لهموم السلطة وخيباتها، وقطيعتها الإنسانية بينها وبين أفراد شعبها. ومن داخل مخبأ الجارية الضيق بجدرانه، الفسيح بطنافسه وزخارفه،وجماليات ألوانه وتخطيطها تخطيطاً زخرفياً جمالياً ومثيراً، تستمدّ هذه الجارية سلطتها الطاغية على علية القوم. ومن هنا سنلاحظ أن الجارية ستعتمد ظاهرياً الوقاروالحشمة والتعفف، والكبرياء الزائف، والرصانة والاستعلاء على العبيد والجواري دونها، وفرض علاقات تفتقر إلى أي شرط إنساني وأخلاقي بينها وبين عبيدها وجواريها، لأنها تعتقد
أن هذه العلاقة السلطوية المشوهة هي التي تحميها من مكايد العبيد وحسد الجواري فتعمد ما أمكنها إلى تقليص العلاقة وإلغاء الحوار بينها وبين عبيدها

وجواريها، إلا ما كان منه توجيه أمر أو سلطة أو توبيخ على تقصير أو ما شابه ذلك. إن اعتمادها على هذه الشرنقة وتقوقعها داخلها يعطيها- ظاهرياً- سلطة على من حولها من عبيد و جوار، في حين أنّ هؤلاء يظلّون يفكرون كيف تسقط سيدتهم في فخ المكيدة والحيلة. وحتى تتعزز سلطة الجارية الحظيّة لا بد أن تكون حذرة حين لقاءاتها السرية مع قادة القصر وأمرائه.

وإذا كانت القطيعة الإنسانية هي النسق السائد بين الحاكم والمحكوم في فضاء القصر العام الخارجي، باعتبار القطيعة بؤرة حقيقية لتجسيد سلوك السلطة وسيادتها وفرض هيبتها ووقارها، فإنه حينما يغيب هذا الفضاء الخارجي تفقد السلطة وقارها، ويبدأ ألق الفضاء الداخلي، فضاء المقصورات السري، القادر على إثارة الأمير أو القائد وإذلاله بفعل سلطة الجسد بروائحه وعطوره وتشكلاته.

ومن هذا الفضاء الداخلي الحميمي تُبنى مدن ألف ليلة وليلة، بتشكيلاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فكم من جارية كانت سبباً في عزل قائد، وتنصيب آخر، أو إغلاق متجر أو إشادة قصر، أو هدم قصر، ومع ذلك وعلى الرغم من سرية الجارية وتحصينها نفسها بغرض العلاقة الاستلابية بينها وبين عبيدها، فإن العبيد والجواري يشكلون دائماً حالة رعب وقلق بالنسبة لسيداتهم، فهم يعرفون خبايا القصر، ويعرفون جميع ما يدور في هذه الدهاليز والممرات السرية والفجوات التي تنقل الجارية من فضائها الداخلي إلى فضاء القصر والسلطة والمدينة.‏

فعندما تخرج شمس النهار خارج القصر من الممرات السرية وتلتقي بعلي بن بكار في منزل صديقه- أبي الحسن علي بن طاهر- سرعان ما يصل الخبر إلى رجل مهم في القصر، بوساطة وصيفة شمس النهار، لأن شمس النهار ضربتها، ثم يصل الخبر إلى الخليفة وفق منطق التجسس السلطوي، فيأمر بنقل شمس النهار وجميع مالها إلى قلب دار الخلافة ويوكل عشرين خادماً لخدمتها وحراستها(15). ولأن شمس النهار أهم الحظايا عند الخليفة، فإنه يغفر لها ويعفو عنها. وكلما زادت سلطة الجارية فرضت عبيداً مشوهين لا هم لهم إلا التجسس وإشعال نار المؤامرة، والطاعة العمياء ظاهرياً، وتأكيد المكيدة والدسيسة سراً.‏

إن محاولة السلطة في مدن ألف ليلة وليلة لتعطيل العلاقات الإنسانية في جوهرها الأخلاقي خَلقَ ضمائر مهزومة قابلة لأن تُشرى وتباع لمن يدفع أكثر، وفرض مستويات طبقية متباينة وفقراً وبطالة، وتشويهاً داخل البنية الثقافية والسوسيولوجية لهذه المدن، بالإضافة إلى سلطة المال ودورها في تخريب القيم والنفوس، وتعطيل قوانين الدولة وأنظمتها. وإن بدا الخليفة قوياً ومتماسكاً باعتباره رمزاً للسلطتين الدينية والسياسية، ترفده في ذلك أملاكه وقصوره، وجلاوزته وموقعه المالي المتميز، فهو أغنى رجال المملكة-

باستثناءات طفيفة جداً- على مستوى القطاعات التجارية والزراعية والاقتصادية، فإن وضعه هذا لم يحقق له الطمأنينة والانسجام مع نفسه ومع مدينته وشعبه، فابتعد عن الشعب وسلمه لمجموعة من القادة والأمراء العسكريين القساة والظلمة يعيثون فيه فساداً وترفاً، وسرقة للأموال والنساء التي يقدّمون بعضها هبات ورشاوى للخليفة، أو لمن هو أكثر سلطة منهم(16). ومن هنا نفهم سر حفلات السكر والعربدة التي يقيمها الملوك والأمراء من المساء إلى الصباح، حتى إن مجالس هؤلاء كانت تضم مئات

الجواري والعبيد الذين عُطّلت طاقاتهم، وانحصرت في هزّ الأجساد، وتقديم كؤوس الشراب للأمير ولندمائه، ونفهم أيضاً سر ظهور طبقة مسحوقة باطلة جائعة لجأت إلى قوت يومها بالفتوة والسرقة وقطع الطرق، والقتل، ولجوء طبقة أخرى مالت إلى الزهد والتقشف والهروب من هذا الفساد المستشري، ولجوء طبقة أخرى إلى امتهان التسول وإتقان فنونه، وظهور طبقة الجواري
العابثات في فنون اللذة وطرقها تمهيداً لكسب المال، والنفوذ إلى قصور السلطة.

لقد كانت العلاقة القائمة بين سلطة شهريار ومدينته علاقة نفور وحقد على شعبه ومدينته، دمرت بنيان روحه إنسانياً، و لقد صارت المدينة خيانة وظلاماً وكابوساً عندما شاهد زوجته وجواريه وعبيده في حفل عربيدي صاخب تُطاح فيه كل قوانين السلطة وشرائعها ومحرماتها، وهو المالك والآمر والناهي، ولا يملك سلطة على أعز المقربين منه- زوجته-، فما كان منه إلا أن أطاح بها. صار فضاء القصر الحميمي بالنسبة إليه فضاءً قاتماً، ولأول مرة يكتشف ما يجري في دهاليز قصره وممراته، وفسحاته. ومن فسحة الرؤية ظل مدهوشاً أمام البنيات الجديدة التي تكشفت له. لم يعد هناك فضاء محرم بين عبيد القصر ونسائه، كل ما كان يجري في السراديب والدهاليز صار مكشوفاً، وارتفعت الستائر، وانفتحت الأبواب السرية، فبدت الحقيقة فاجعة، وازداد الشرخ بين سلطته المنتهكة ومدينته، فصارت المدينة بؤرة مظلمة بفضاءاتها وقصورها ونسائها ورجالها، فما كان منه إلا أن بدأ ينتقم منها ببشاعة مريرة، وأبشع ما كان هذا التدمير كان بإحلال الرعب
السلطوي فيها، واختياره كل ليلة فتاة عذراء، ثم اجتثاثه لروحها في الليلة نفسها.

وبالرغم من فضاء القصر المحدود(17) في الليالي، إلا أنه يمكن أن يتسع ليصبح فضاء جميع الأمكنة السياسية والاجتماعية في مدن الليالي، ومن أهم مميزات هذا الفضاء أنه فضاء للنساء والجواري، وتمارس فيه المرأة سلطة لا حدود لها على الأمير أو الملك من خلال جسدها، وكثيراً ما يؤرق هذا الجسد الأمير فيصيح بالزمان والتاريخ والمملكة: أن هاتوا لي الجارية الفلانية وإلا هدمت المدينة على رؤوسكم. للجارية هذا التأثير السحري العجيب على قرارات الملك، فكثيراً ما تكون سبباً لطمأنينة المدينة كشهرزاد، التي أضفت حالة سلام مؤقتة على مدينتها وعلى نسائها، وكثيراً ما تكون سبباً لشقائها وبلائها، وبسلطتها ومكيدتها يتم عزل الأمراء أو تقريبهم، وقتل الأبناء أو نفيهم.(18)‏

في فضاء القصر ثمة سلطتان: للملوك والسلاطين والأمراء وللنساء والجواري والسراري.‏ فسلطة النساء والجواري "مستقلة عن وظيفة السلطة "سلطة الملك" الكبيرة ومتداخلة فيها، مستقلة داخل "حيِّز الحريم" لا يتدخل بها أحد من الخارج ومتداخلة مع السلطة التي هي خارج "حيّز الحريم" ما دام "حيّز الحريم" محجوباً مغلقاً، وليس مكشوفاً أمام عين السلطة "سلطة الملك أو الخليفة". إن المسافة كانت كبيرة فيما بين الحريم والرجال في القصر من حيث الدور الذي كان يؤديه كل فريق . "حيّز "الحريم" مقصود دائماً من قبل الرجال، من هذا المنطلق، فإنه لا ينتقل من مكانه في القصة، كون "الحريم" لا يأتين بل يُؤتى إليهن، ولا يقصدن أحداً، بل يقصدهن الآخرون، هنا يمارس "حيّز الحريم" سلطته وحيث دوره الفعلي يبقى في "الكواليس"، وسلطته هي وراء الستائر، ولا سلطة له في "المكان المكشوف".‏

ونرى في المقابل أن قصر الخليفة مثلاً له بعد أكبر من كونه بعداً لقناطر كبيرة لها شكلها الجمالي والزخرفي. وفي ديوانه ليس له فقط هيبة "السلطة الذكرية" و"حضرة السلطان"، بل إنه يتعدى ذلك ليصل "مقصورة الحريم"، أو "حيّز الحريم"، ومن فعالية سلطة "حيز الحريم" عندما يكون محجوباً، أن للزينة والعطور والملابس الحريرية المزركشة، بعداً آخر غير مرئي في القصة، لأن رائحة أجساد الجواري تبتلع روائح عطورهن وتخترق الأثواب والجدران. تمزق الحجب، فتصل أنف الخليفة وأنوف أهل الديوان"(19).‏

وبالرغم من سلطة الرجال في الليالي وقوة بطشها، فإن الجارية كثيراً ما كانت تخرج من فضاء القصر لتلتقي بعشاق لها خارج أسواره، في سوق التجار، وفيلاتهم الفخمة، و في البساتين البعيدة عن المدينة المركز. وكثيراً ما كانت تجلب عشاقها إلى مقصورتها داخل القصر نفسه عن طريق الممرات السرية والسراديب التي ذكرناها سابقاً. إن وظيفة السراديب السرية التي تربط القصر بالمدينة جد مهمة، فتخطيطها الهندسي يقوم وفق وظيفة اجتماعية ونفسية حددتها بنية المدينة نفسها، وعلاقاتها وقيمها.‏

ويبدو أن السرداب الضيق يعطي سكان القصر طمأنينة وأماناً باعتباره غير مكشوف تماماً. ويبقى فضاء القصر أو المسكن في بنيته "على علاقة مستمرة مع واقعه الاجتماعي والسياسي والجغرافي"(20).‏
ونرى أن ثمة علاقة واضحة تربط بين هندسة المدينة وتخطيطها وترتيب قصورها، وبين النظم الاجتماعية السائدة في هذه المدينة.‏

للبحث صلة.‏
الهوامش والمراجع
(1) الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب: تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة المُلك. المركز الإسلامي للبحوث، بيروت، ص 210.‏
(2) ألف ليلة وليلة، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، دون تاريخ، 1/15.‏
(3) ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، "مقدمة ابن خلدون"، تحقيق د.علي عبد الواحد وافي، طبع لجنة البيان العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1960م، 3/881.‏
(4) القلماوي، د.سهير: ألف ليلة وليلة، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، دون تاريخ، ص 223-224.‏
(5) للاطلاع على نماذج هذه المدن وعادات شعوبها، ينظر: ألف ليلة وليلة، المكتبة الشعبية للطباعة والنشر، بيروت، دون تاريخ، الجزء الثالث من ص 299 إلى ص 328.‏
(6) فراي، نورثروب: الماهية والخرافة، ترجمة هيفاء هاشم، مراجعة عبد الكريم ناصيف، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، الطبعة الأولى 1992م، ص 26.‏
(7) بارت، رولان: لذة النص، ترجمة فؤاد صفا، والحسين سبحان، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1988م، ص 20-21.‏
(8) م ن، ص 21.‏
(9) ماضي الماضي وحاضر الماضي، مصطلحات من استخدام ت-س- اليوت، في كتاباته النقدية.‏
(10) إبراهيم، د.سعد الدين: مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، المجلد الخامس، العدد الرابع، سبتمبر 1985م، ص 13.‏
(11) ألف وليلة، طبعة: المكتبة الشعبية، 2/60.‏
(12) م ن، ص 63.‏
(13) م ن، ص 65.‏
(14) المزيد من الاطلاع، تُراجع الحكاية في الجزء الثاني من ص 181 إلى ص 221.‏
(15) ألف ليلة وليلة، 2/83-84.‏
(16) ينظر التفاصيل في الجزء الثاني، ص 165.‏
(17) نستعير مصطلح الفضاء من لغة النقد الروائي، لأن ألف ليلة وليلة يمكن أن تشكل عالماً روائياً خصباً، وعميق الدلالات.‏
18) ينظر المكيدة التي أعدتها الملكتان بدور وحياة النفوس، لكل من ولدي زوجهما الملك قمر الزمان، الأميرين: الأمجد والأسعد، في المجلد الثاني، من ص 142 إلى ص 145.‏
(19) مصطفى، د.مشهور: "المسرح وحيز الحريم في ألف ليلة وليلة"، مجلة الفكر العربي، معهد الإنماء العربي، بيروت/ الهيئة القومية للبحث العلمي، طرابلس (ليبيا)، العددان 17/18، أيلول (سبتمبر)/ كانون الأول (ديسمبر)، 1980م، ص 217.‏
(20) فيربليو، بول: "حول أزمة المجال"، مجلة العرب والفكر العالمي، ترجمة د.رجاء مكي، مركز الإنماء القومي، بيروت/ باريس، العدد الثاني، ربيع 1988م، ص 115.‏
المصادر والمراجع
المصادر القديمة
(1) ألف ليلة وليلة، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، دون تاريخ، المجلد الأول والثاني والثالث.‏
(2) (11) ألف ليلة وليلة، طبعة: المكتبة الشعبية، بيروت، لبنان، دون تاريخ، المجلد الثاني.‏
(3) ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، "مقدمة ابن خلدون"، تحقيق د.علي عبد الواحد وافي، طبع لجنة البيان العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1960م، الجزء الثالث.
(4) الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب: تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة المُلك. المركز الإسلامي للبحوث، بيروت، دون تاريخ.‏
الكتب العربية
(1) القلماوي، د.سهير: ألف ليلة وليلة، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، دون تاريخ.‏
الكتب الأجنبية المترجمة
(1) بارت، رولان: لذة النص، ترجمة فؤاد صفا، والحسين سبحان، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1988م،.‏
(2) فراي، نورثروب: الماهية والخرافة، ترجمة هيفاء هاشم، مراجعة عبد الكريم ناصيف، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، الطبعة الأولى 1992م.‏
المجلات والدوريات
(1) إبراهيم، د.سعد الدين: مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، المجلد الخامس، العدد الرابع، سبتمبر 1985م.‏
(2) فيربليو، بول: "حول أزمة المجال"، مجلة العرب والفكر العالمي، ترجمة د.رجاء مكي، مركز الإنماء القومي، بيروت/ باريس، العدد الثاني، ربيع 1988م.‏
(3) مصطفى، د.مشهور: "المسرح وحيز الحريم في ألف ليلة وليلة"، مجلة الفكر العربي، معهد الإنماء العربي، بيروت/ الهيئة القومية للبحث العلمي، طرابلس (ليبيا)، العددان 17/18، أيلول (سبتمبر)/ كانون الأول (ديسمبر)، 1980م.‏