‏إظهار الرسائل ذات التسميات عدنان الظاهر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عدنان الظاهر. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، أبريل 09، 2010

ليوم مولدها الذي لم تولد به بعدُ

د. عدنان الظاهر

( قصة رمزية حقيقية )
هل وُلدتْ حقاً في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني [ نوفمير ] وفي أي عام ميلادي أو هجري ؟ هذا هو السؤال الكبير واللغز المُحيّر . هل وُلدتْ حقاً هذه العنزة المشوّهة المسخ أمْ لم تزلْ تنتظر السقوط من بين رجلي أمهّا ؟ سألني الفنانُ الرائعُ والصديقُ الصدوقُ المُصدَّقُ الحبيبُ هذا السؤالَ البريءَ ظاهراً والذكيّ في حقيقة أمره . ماذا أقولُ وكيف أُجيبُ يا صديق ؟ إني مثلك حائرٌ وفي شكّ قويّ من هذا الأمر العويص المُلتبس . كيف تُنجبُ البشرية مسوخاً والفيلسوف الألماني نيتشة مع الكمال البشري وسواء الخلقة وقوة العقل والجسد ؟ إنه مثل حكماء إسبارطة وحكّامها لا يُطيق الضعف والتشوّه ولا يرحمُ عاجزاً أو مسكيناً . أضاف صاحبي الفنان عاشق الشقاريق السومرية ،أضاف قائلاً : وأزيدك علماً أنَّ الوزير العباسي إبن الزيّات كان يقول إنَّ الرحمةَ ضعفٌ أو خَوَرٌ في الطبيعة البشرية ؟ إستفزني قول إبن الزيات هذا حقّاً حتى أني كفرتُ به وبما قال وبكل عهود بني العباس بدءاً بسفّاحهم وإنتهاءً بالمستسلم الجبان الضعيف الخليفة المستعصم بالله الذي سلّمَ بغداد للغازي المغولي هولاكو فانهارت على يديه وفي زمنه الخلافة العباسية الإسلامية ودار الزمان على بغداد وكل العرب حتى إنتهى أمرهم وأمرنا ـ نحن العراقيين ـ إلى ما نحن فيه الآن من التخلّف والعجز والهوان . إستدرك الصديق المفكّر والفنان قائلاً إنما أنا وضعتُ أمام عينيك ما قال هذا الوزير فإني كما تعلم ضد ما قال وإنه ـ هذا الوزير المتكّبر الشقي في دنياه وآخرته ـ قد خالف فيما قال تعاليم دينه وقرآنه التي تحثُّ المسلمين على الرحمة بالضعفاء والمساكين وأبناء السبيل واليتامى والأرامل وكل مَنْ يستحق العطف والرحمة والمساعدة . هززتُ رأسي موافقاً فإني على علم بما جاء في القرآن من وصايا وحث وحضّ على إتيان الخير ومساعدة الضعفاء والقاصرين والعاجزين وخاصة الأبوين [[ ولا تنهرهما ولا تقلْ لهما أُفّ ]] . ثَقُلَ الموضوع عليَّ قليلاً وخرج بنا عمّا قصدناه . سألت صديقي المفكّر الإنسان الفنّان أنْ يساعدني بالرجوع إلى الموضوع الرئيس الذي شغلني لأكثر من أربعة أشهر شمسية في تعدادها ـ قمرية في طبيعتها ومفعولها وتأثيرها في رأس وعصب متتبعها . قال بأدب جم : أنا حاضرٌ تحت طلبك ، أطلبْ ما تشاءُ ستجدني إنشاءَ الله عند الطلب وحسن ظنّك . ألا ما أروعك يا أيها المُصدَّقُ وما أعلى قدرك عندي وعند الله والناس . ما دمتَ كما عرضتَ فساعدني على تجاوز محنتي مع هذه العنزة الممسوخة شكلاً وجسداً وخلقةً وأخلاقاً . ساعدني في الأقل على محاولة فهمها وتفسير سلوكها الغريب العجيب غير المألوف وغير المسبوق فإني لآراها الشذوذ الأكبر بين أفراد جنسها على وجه الإطلاق . هزَّ صاحبي رأسه بأسى إستنكاري ثم أفصح قائلاً : يبدو أنك لم تتعرف على الكثير من بنات جنسها فإنها ، لعلّمك ، ليست الشذوذ الأكبر إنما هي تمثّلُ الوسط الغالب بين النساء . كيف يا صديقُ ، وضّحْ ؟ لاذ الصديق بالصمت بل وغاب حين يُفتقدُ البدرُ . لمن أتوجّه وبمن ألوذ بمحنتي وأسئلتي ومصابي ، لمن ؟ ما سبب غيبتك الفجائية يا صديقُ وأنت عندي المُصَدّقُ أبداً ؟ أجابت المسخ الممسوخُ بعد صمت مريب ... جاء صوتها أو صدى موائها القططيّ الموبوء المزعوم والمفتعل : دعهُ يغيبُ . إنهُ صديقٌ غيرُ أمين ، لا يُجيدُ فنَّ إسداء النصيحة الخالصة لوجه الله والحقيقة . دعه وشأنه ... إنه فنّانٌ ومفكّرٌ وفيلسوفٌ وأنا لا أرتاحُ ولا أطمئنُ للفلاسفة وآرائهم وخيالاتهم وتهويماتهم وسفسطاتهم ... دعه يمضي لحاله وليدع فلسفته وينصرف لخلق خلطات لونية جديدة غير معروفة ... ذاك أجدى له وأكثر نفعاً من تسطير الحكم والآراء الفلسفية والتنظيرات المُملّة . أضافت المحتالةُ : أنا بطبعي ملولة أكره الأمور الجديّة ولا أطيقها وأميل للخفيف من أمور الحياة ثم أضافت ، هل تعلم ؟ أنا نصف مجنونة ... سبق وأنْ قتلتُ طيراً بريئاً أتاني هديةً مربوطاً بخيط طويل أتدري ما فعلتُ به ؟ ربطته بخيط في نهايته بالون مليء بغاز الهيليوم وصرت أطلقه ليُحلّقَ طليقاً حتى يرتطمَ رأسه بسقف حجرة نومي ثم أسحبه وأعاود الكرّة مرةً تلوَ المرّة حتى نفقَ المسكين ومات بين يديَّ . عاد صديقي الفنان من عالم الغيبة ليقولَ لها محتجّاً بصرامة وغضب يذكّرني بغضب أسود بابل : كيف سوّلت نفسك لك أيتها المسخ اللئيمة قتل طائر جميل بريء ؟ أيتها القاتلةُ القبيحةُ المجرمة ... لو مسكتك لقصفتُ رقبتك ولفصلتُ رأسك النتن المتقيّح عن باقي جسدك الذي لا يرى الماءَ الساخنَ إلاّ مرةً في الشهر القمري الواحد . تظاهرت الكّذابة المحتالةُ النصّابة بالغضب وأرادت الإحتجاج على ما قال صديقي لكني أوقفتها ومنعتها مما كانت تنوي أنْ تقولَ وأنْ تفعل . قلت لها إنَّ صديقي لعلى حق وإني معه في كل ما قال بحّقك وإنه لا ينطقُ عن الهوى وإنْ هو إلا بشرٌ يوحى وهو صادق وهو مُصدّقٌ منزّه عن الكذب والإختلاق . لاذت الدجّالةُ ، التي تجهلُ يوم وعام ميلادها ،لاذت بالصمت المهزوم المُخزي فشَحُبَ وجهها القبيحُ وازداد شحوباً حتى إسوّدَ فامتلآت عيناها الكابيتان بسائل قاتم اللون قريب الطبيعة من القار المصهور أو القطران الذي إستخدمه أجدادنا أعرابُ البوادي في علاج جرب جلود أباعرهم (( وأُفردتُ إفرادَ البعير المُعَبَدّ / لطَرَفة إبن العبد ) . إنها كذلك جرباء حقّاً وحقيقة ... علّقَ الصديقُ الذي غاب واختفى في ظروف غير غامضة . إنْ غاب عنّي صديقي فصوته هيهاتَ هيهاتَ أنْ يغيب :
إنْ غبتَ عنّي فما إنسٌ يؤانسني
وإنْ حضرتَ فكلُّ الناس قد حضرا

كما قال إبن زيدون يخاطب حبيبته ولاّدة بنت المستكفي في بلاد الأندلس .
أيتها القبيحة وجهاً وتربيةً وسلوكاً وطبيعةً ... متى تعترفين أنك شاذّةٌ في كل أمر من أمور حياتك الفانية عاجلاً فالعطب في قلبك قاتلك عمّا قريب عقاباً لك على سوء خلقك وتصرفاتك ومجمل فعالك . متى تعترفين وتعتذرين أم أنك أقبح وأسوأ من أنْ تستطيعي مزاولة ذلك ؟ أتيت الدنيا مسخاً مشوّهاً فعاقبتك وأضافت إلى طبعك الأهوج والأعوج والأعور عيباً خطيراً آخرَ هو الخلل في صمّامات قلبك الذي غدا بذلك ، أو ربما بدونه ، قاب قوسين أو أدنى من التوقف عن ضرب دقّات الحياة الطبيعية المعروفة عدّاً وذبذبةً . رأيتها تمسحُ من بين مآقي عينيها الذئبيتي النظرات قطرات أشدَّ كثافةً واسوداداً من منصَهَر القار الذي يغلي في حوض حَجَريّ منصوب فوق نيران جهنم . أصاب صديقي الفنان الرقيق شيءٌ من الجَزع ورقَّ حاله حاسباً أنَّ العنزة أو الصخلة إياها إنهارت وخارت قواها لفرط ما سمعت من تقريع وتأنيب وسخرية تستحق ما هو أكبر وأكثر منها .
طلب مني بإشارة منه ـ لا يفهمها غيري ـ أنْ أخفف من وقع مصابها وأنْ أكفَّ عن اللوم الشديد والسخرية الممضّة . نكّست العنزةُ الجرباءُ رأسها خزياً ومدارةً لعارها ثم إعترافاً غيرَ مكتوب ولا مقروء ولا مسموع بما إقترفت من جنايات مُخلّة بالشرف إنْ كان فيها أصلاً شيءٌ من الشرف الشخصي أو العائلي والخُلُقي.
يطلب صديقي مني أنْ أخففَ عنها وأنْ أتجاوزَ إساءاتها التي فاقت كلَّ تصوّر وتوقع . يطلب مني أنْ أكفَّ وأنْ أكتفي بما قد قلتُ فيها ولها وأنْ لا أفضحها على نطاق واسع وأنْ لا أخبرَ الأصدقاء بما فعلت وما اقترفت يداها وما سوّلت لها نفسها التي أمرتها بالسوء وركوب طريق الشياطين وقطّاع الطرق وحرامية منتصف الليل . قال أعفُ عنها فالعفو عند المقدرة وأنت القادر المتمكن والعفو من شيم الكرام . رأيتُ أمام عينيَّ شعر أبي الطيّب المتنبي :
كلُّ حلم أتى بغير اقتدار
حُجةٌ لاجيءٌ إليها اللئامُ

جعلني شعرُ المتنبي ألوذ بصمت قاتل مريب ورحتُ أُسائلُ نفسي : تُرى هل أنا حليمٌ وهل أنا أدّعي الإقتدار بل وهل فيَّ شيءٌ من قدرة وحلم ؟ القدرة على ماذا ، القدرة على تحمّل جور الزمان وقبول المعوّج من الأمور والتغاضي عن المنغصّات والمزعجات وتناسي إساءات مَنْ لا يستحقون الحياة ؟ شخُصَ شبح المتنبي أمامي موبّخاً محذّراً يهدرُ صوته كقصف الرعد بين الغيوم :
واحتمالُ الأذى ورؤيةُ جا
نيه غذاءٌ تَذوى به الأجسامُ
لأجلك يا مُصدّقُ الحبيبُ ولأجل عينيك وطائرك الأثير شقراق سومر ... سأسامح هذه المعزاء الجرباء وأغفر لها خطيئتها لكني ـ أعدكَ يا صديق ـ سوف لا وسوف لن أنسى دَنَس خطيئتها وما كشفت من سوء عورتها . سأدعها للحياة وعدالة السماء لتقتصَّ لي منها عساها تتعلم وتتعظ قبل أنْ توافيها المنية وإني لآراها قريبة جداً منها بل وأقرب من حبل الوريد .

السبت، أبريل 03، 2010

ملاحظات حول اللغة والتفسير

د. عدنان الظاهر

أعترف إبتداءً أنَّ هذا الموضوعَ معّقدٌ وشديدُ الحساسية وما ملاحظاتي سوى نوع من المغامرة المتواضعة قصدي منها تحريك الجو الأدبي واللغوي العامين كي يصطفّا سويةً من أجل بذل القليل من الجهد لتيسير فهم وإستخدامات اللغة العربية وخاصةً على المبتدئين من طلبة المدارس والجامعات ولا أستثني من ذلك الجموع الغفيرة من الكتّاب والأدباء والشعراء من كلا الجنسين بالطبع ومن نافلة القول .
أقول هذا الكلام وأنا أحد الذين يُعانون يومياً من هذين الموضوعين كليهما أو أحدهما ، اللغة والتفسير ، وأقاسي أكثر حين أقرأ نصّاً جميلاً شعرياً أو غير شعري ـ كمجموعة قصصية أو رواية ـ فأكتشف ما فيها من أخطاء نحوية وغيرها مما لا يستقيم وما تعلّمنا من قواعد العربية في مدارس العراق من مرحلة الدراسة الإبتدائية حتى الجامعات .
لماذا نخطأ في الكتابة بلغتنا حين لا تخطأ أغلبُ شعوب الأرض ؟ ألأننا نكتب أو نحاول أنْ نكتب بالعربية الفصحى المغايرة للغتنا اليومية الدارجة ؟ هل ستختفي أخطاؤنا اللغوية في الكتابة شعراً أو نثراً إذا ما تكلمنا بلغة واحدة وصيغ لغوية واحدة متطابقة مع قواعد النحو والصرف والإشتقاق التي نحاول إتبّاعها حين نجلس لنكتب رسالةً او نصّاً أو أثراً ؟ هل اللسان الواحد يوحّد العقول عقول الناطقين به مهما تباعدت البلدانُ وتشتت الطُرُق ؟ ما المرشّح الأفضل والأقوى : ألسنة متعددة متفرّقة أم لسان واحد موحّد بإحكام ورسوخ ؟ هل تعددية تفسير قواعد اللغة العربية بحجة البيان تارةً والتنوّع في الأداء اللغوي وثرائه تارات أُخرَ ... هل هذه التعددية أفضل للناطق باللغة العربية والكاتب بها أم التوحيد ، توحيد القواعد والتفسير تفسير الأوجه المتباينة للغة ثم تفسيرات الكثير من آي القرآن الكريم من قبل العديد من كبار مفسري القرآن وعلماء الفقه والدين المختلفة جذرياً أحياناً كما سأبيّنُ في الجزء الثاني من مقالي هذا ؟
لم أجد في كل ما قرأت ، ولم أزل ، من شعر وأدب وصحف يومية ومجلات في ثلاث لغات أعرفها وأتكلمّها أيَّ خطأ لغوي فما تفسير ذلك ولماذا هؤلاء الناس مختلفون عنا ونحن مختلفون عنهم ؟ اللغات الثلاث هي الإنكليزية والألمانية والروسية . يُقالُ إنَّ الشاعر والمسرحي الإنكليزي المعروف وليام شكسبير كان قد إرتكب أخطاءً لغوية قليلة فيما كتب صححها بعده القائمون على تراثه جيلاً بعد جيل ... كما أنَّ الشاعر الإنكليزي الآخر لورد بَيْرنْ ( بايرون ... ) كتب كلمة " طفل " الإنكليزية بشكل خاطئ غير متداول وغيرمعروف هو
Childe
بدلَ الصيغة المعروفة المتداولة
Child
بدون حرف الياء في آخر الكلمة وكان هذا جزءاً من عنوان إحدى قصائده الطويلة الأكثر شهرة المسماة جايلد هارولد ، الطفل أو الصبي هارولد وهذا هو إسم هذا الصبي في القصيدة "
Childe Harold
الطريف في الأمر أنَّ كبار شعراء العربية منذ صدر الإسلام لم يخطأوا في كتابة أشعارهم أبداً إلاّ فيما ندر وكان لذلك تأويلاته ، وربما أخطأ بعضهم في توظيف مفردة واحدة أو إثنتين في كل ما كتب من قصائد فانحرف بها عن معناها المتداول وقامت جرّاءَ ذلك القيامة في وجهه كما كان يحصل مع أبي الطيب المتنبي سواء في حلب أو بغداد وخاصةً مناظرته الشهيرة مع أبي الحسن المُظفّر الحاتمي . لم يخطأوا في قواعد اللغة العربية إعراباً ونحواً وصرفاً لكنهم إجتهدوا في الخروج بمعاني بعض الكلمات ربما لضرورة تفرضها طبيعة الشعر العربي ولا سيّما العروض ومستلزمات الوزن والقافية .
الجزء الأول / حول بعض قواعد اللغة العربية
لأنَّ الموضوع شائك ومتشعّب ، سأختار نماذجَ للتهّدل اللغوي وجوازات تعدد أوجه الإعراب التي لا أراها ضرورية بل وضارّة للناطقين بالعربية والكاتبين بها. بلى ، قد تكون هامة وطريفة بالنسبة للباحثين وكبار المختصين بعلوم وتراث اللغة العربية فلتكن هذه مجالات بحثهم وإختصاصهم أو إحترافهم للغة في مجالات التقصّي والتدريس العالي المستويات .
وجدتُ أغلب الإشكالات فيما قد إخترتُ من نماذج هي تلك المتعلقة بالإستثناء وحكم المستثنى منه ، ثم الخلط بين حالتي التمييز والحال بدرجة أقل حدّةً .
المصدر الذي إعتمدتُ في ركوب [ مغامرتي ] هذه هو كتاب الغلاييني الواسع الشهرة والإنتشار ( جامع الدروس العربية في ثلاثة أجزاء ، الناشر : دار الكتاب العربي ، الطبعة الأولى
2004 . )
مع ملاحظة أنَّ هذا الرجل الجليل ما كان ميّالاً في تفسيراته لمدرسة الكوفة خلا بعض التنويهات الشحيحة في ذكر هذه المدرسة التي تميل بقوة لتيسير اللغة العربية بينما وجدت الغلاييني يميل بقوة نحو مدارس أخرى في تفسير قواعد اللغة العربية التي تجنحُ للتنوّع غير الضروري وتعدد أوجه الإعراب فهي ،على نقيض مدرسة الكوفة ، ليست مع توحيد اللسان العربي .
أدوات الإستثناء : للإستثناء أدوات كثيرة الأمر الذي لا وجودَ له فيما أعرف من لغات قليلة . فلنعددها :
إلاّ ... غير ... سوى ... خلا ... عدا ... حاشا ... ليس ... لا يكونُ [ عديدها ثمان ... ليس في دنيا اللغات الأخرى شبيه بهذا ... ] . حكم المُستثنى أنْ يكونَ منصوباً والإستثناء من معرفة أو نكرة مفيدة . طيبّ ، لكنَّ اللغة تجيز رفعه ونصبه في بعض الحالات وهي ليست بالقليلة .
المستثنى بإلاّ /
سأبدأ بحالة الإستثناء ب [ إلاّ ] دون الخوض في الفاصيل . نقرأ في كتاب الغلاييني ، الصفحة
483
الباب التاسع من الجزء الثالث ما يلي / يجب نصب المُستثنى بإلاّ في حالتين :
أولاً / إنْ يقع في كلام تام موجب ، مثلاً : ينجحُ التلاميذ إلاّ الكسولَ
ثانياً / أنْ يقعَ في كلام تام منفيّ أو شبه منفيّ نحو : ما جاءَ إلاّ سليماً أحدٌ .
وتساءل الغلاييني : متى يجوز في المستثنى بإلاّ الوجهان ؟ أجاب : يجوزُ في المستثنى بإلاّ الوجهان : جعله بدلاً من المستثنى منه ، ونصبه بإلاّ إنْ وقع بعد المستثنى منه في كلام تام منفي أو شبه منفي نحو : ما جاء القومُ إلاّ عليّ [ علي مرفوع لأنه بدل من القوم ] ... وما جاء القومُ إلاّ عليّاَ [ علياً منصوب لأنه مُستثنى بإلاّ ] . سؤالي الدائم هو : وهل ستقوم القيامة إذا إستغنينا عن حالة البدل وجعلنا المستثنى بإلاّ منصوباً على الدوام ؟ أية قيمة جمالية أو بلاغية تضيفها حالة البدل وحالة أو حكم البدل يتغير حسب حالة المُبدَل منه رفعاً ونصباً وجرّاً، الأمر الذي يجعل القارئ أو الكاتب في إلتباس وتشوّش ولا يقين . أقولُ هذا الكلام لأنَّ الأصل في إعراب المستثنى أنْ يكون منصوباً أما الحالات الأخرى فإنها مفروضة علينا من قبل النحويين من باب الجواز خلافاً للحكم الذي تفرضه قواعد وقوانين اللغة فلنتبّع هذه القواعد والقوانين بشكل صارم تجنباً للتبعثر والتعدد وتوخياً لوحدة اللسان وسلامة النطق ففي سلامتهما سلامة وصحة تفكير الإنسان وبناء هندسته العقلية . يضرب الغلاييني مثلاً آخر من القرآن على جواز حالتي البدل والإستثناء فيسوق الآية السادسة والستين من سورة النساء [ ما فعلوهُ إلاّ قليلٌ منهم ] كحالة بدلية ثم يُضيف : وقُرئ [ إلاّ قليلاً ] بالنصب بإلاّ . ويُزيدُ الأمر تعقيداً بضربه مثلاً آخر [ تبدّلت أخلاقُ القوم إلاّ خالداً أو إلاّ خالدٌ ] . وثمّة مثالٌ آخر [ ما جاءني من أحد إلاّ خالداً أو إلاّ خالدٌ ] فالنصب على الإستثناء والرفعُ على البدلية من محل " أحد " لأنَّ محله الرفع على الفاعلية . هل تزيد هذه التعقيدات من ثقافتي اللغوية أو الأدبية وهل تزداد الجملة جمالاً أو بلاغةً إذا جعلنا ( خالدٌ ) مكان ( خالداً ) ؟ أترك الحكم للقارئ الكريم فإني مع اليسير وضد التعسير والقسر والتشعب والتبعثر ورائدي الأول والأخير وحدة النطق باللسان وثبات الفكر على نهج واحد دقيق واضح وسليم ولا تعنيني الفذلكات والتمرّجح بين العديد من الحالات التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع .
المستثنى بغير وسوى /
خلاصة ما قال الغلاييني عن غير وسوى : وقد تُحملُ غير على إلاّ فيستثنى بها كما يُستثنى بإلاّ ... والمستثنى بها مجرور أبداً بالإضافة إليها نحو جاء القومُ غيرَ عليّ . وحكم غير وسوى في الإعراب كحكم الإسم الواقع بعد إلاّ فتقولُ : جاءَ القومُ غيرَ خالد ، بالنصب لأنَّ الكلامَ تامٌّ موجب .
نرى هنا أنَّ المستثنى بغير يكون مجروراً دوماً بالإضافة إليها فهي مُضاف إليه.
الإستثناء بخلا وعدا وحاشا /
خلاصة ما قال الغلاييني بشأن هذا الثلاثي ما يلي : خلا وعدا وحاشا أفعالٌ ماضية ضُمّنت معنى " إلاّ " الإستثنائية فاستثني بها كما يُستثنى بإلاّ . وحكمُ المُستثنى بها جوازُ نصبه وجرّه ، فالنصبُ على أنها أفعالٌ ماضية وما بعدها مفعولٌ به . والجرُّ على أنها أحرف جرّ شبيهة بالزائد نحو : جاءَ القومُ خلا علياً أو عليُّ . والنصبُ بخلا وعدا كثير والجرُّ بهما قليل . والجر بحاشا كثيرٌ والنصبُ بها قليل . إنتهى كلام المرحوم الغلاييني .
أتساءلُ : هل أنتم ، قُرّائي الأعزاء ، وأنا بحاجة ماسّة لكل هذا اللغو والإطالة والمد والتنوّع فيما لا يُغني ولا يُثري ولا يُزيد من ثقافتكم أو ثقافتي فاللغة أساساً ليست غاية بذاتها إنما هي أولاً وآخراً وسيلة للتواصل والتفاهم بين البشر مهما كانت لغاتهم والتعبير عن حاجاتهم الخاصة والعامة وعمّا في رؤوسهم من أفكار وما في صدورهم من مشاعر وعواطف وأحاسيس . فلنقرأ شروح الغلاييني معاً ثانية لعلكم تتفقون معي أنْ ما هذه المنعرجات والتشعبات إلا إضاعة للوقت والجهد وتشتيت للرؤى وبلبلة فكرية تعتري الناشئة وطلبة المدارس والجامعات فيحارون كيف يكتبون لغتهم سليمةً كما جاءت في قرآنهم الكريم قبل ما يزيد على ألف وأربعمائة سنةً . بل الأسوأ من ذلك أننا نرى خلافات حتى في القرآن حول كيفية قراءة هذه اللفظة أو تلك دون أنْ يشيرَ أحدٌ من مفسري القرآن إلى إحتمالية سهو أو خطأ نَقَلة أو حَفظة القرآن ولا سيّما الذين يحملون صفة " كتّاب الوحي " الذين كانوا يحفظون في صدورهم ما يسمعون من آيات قرآنية تتنزّل على نبيهم في لحظات نزولها ومن ثم ينصرفون لتدوينها على ما كان يتيسرُ لهم من عظام أو جلود أو خزف وما إلى ذلك من وسائل بدائية لكتابة النصوص ... ولا أتكلم عن نوعيات حبر الكتابة وما يكتبون به من أقلام .
المستثنى بغير وسوى مجرور دائماً كما رأينا في الكلام عنهما . لكنَّ الحال مختلف مع ثلاثي خلا وعدا وحاشا فالمستثنى بها " مزدوج " الحكم والحال والشخصية ... إذْ يجوز له أنْ يكونَ مجروراً أو منصوباً فعلام هذا الدلال والرفاه اللذان لا يحملان معهما للغتنا إلاّ الميوعة والفلتان والتبعثر والإختلاف الذي لا من ضرورة ماسّة له كما أحسبُ وأرى .
الإستثناء بليس ولا يكونُ
يُدخلنا الغلاييني مع ليس ولا يكونُ في إشكاليات جديدة أكثر تعقيداً مما رأينا من حالات تخص إدوات الإستثناء السابقة . أُجملُ التفصيلات بما يلي :
أولاً / إعتبار ليس ولا يكون أفعالاً ناقصة { أي كان وأخواتها } ترفعُ الإسم وتنصب الخبر كما هو معروف وشائع . مثال : ليس الجرذُ أسداً .
ثانياً / أنْ يكونا بمعنى إلاّ الإستثنائية فيُستثنى بهما كما هو الشأن مع إلاّ ... وطبيعي أنْ يكونَ المُستثنى بعدهما منصوباً وجوباً . مثال : جاء القومُ ليس خالداً او جاء القومُ لا يكونُ خالداً . لاحظ عزيزي القارئ الكريم الإفتعال والإعضال في جعل هذين الفعلين أداتي إستثناء فالمثل الذي إستشهد الغلاييني به ضعيف ركيك يفتقر لأبسط متطلبات السلاسة اللغوية وسليقة الطبع وعادة اللسان وما وراءه من فكر وتفكير . ما هذا السخف والهذر في جملة مثل [ جاء القومُ لا يكون خالداً ] ؟ لا ذوق القارئ يتقبل هذا الإعضال المصطنع ولا طبعه السوي ولا فقه لغته التي تعلم قراءتها والكتابة بها منذ نعومة أظفاره . هل العرب بمسيس الحاجة اليوم لمثل هذه الهلوسات ؟
ثالثاً / او أنْ يُجعلا فعلين لا مرفوعٌ لهما ولا منصوب لتضمنّهما معنى " إلاّ " ... أو يُجعلا حرفين للإستثناء نقلاً لهما من الفعلية إلى الحرفية لتضمّنهما معنى
" إلاّ " .
أتساءل : عرفنا أحكام " إلاّ " ولكنْ كيف يستغني الفعلُ عن المرفوع والمنصوب
وأي فعل { مخصيّ } هذا يجرّده بعض اللغويين من خصائصه المعروفة ؟
آخر كلام للغلاييني هو الصحيح المضبوط ، أقصد { أو يُجعلا حرفين للإستثناء نقلاً لهما من الفعلية إلى الحرفية لتضمنهما معنى إلاّ } .
إعتراضي : ما هي دواعي الهروب إلى أمام واتخاذ الفعلين كان وليس حرفين شبيهين بأداة الإستثناء إلاّ ؟ هل خلي معجم اللغة العربية من أدوات إستثناء كثيرة معروفة عرفنا قبل قليل ستاً منها ؟ ما الذي يجعل البعض أنْ يلجأ إلى تشويه بعض أفعال اللغة العربية وحرفها عن مسارها وأدائها الطبيعيين واتخاذها حروفاً وهي أفعالٌ والحرف حرفٌ كما أنَّ الفعلَ فعلٌ ؟
رابعاً / يدخلنا الغلاييني من خلال الحالة الرابعة في عالم مدرسة الكوفة اللغوية وهي من الحالات النادرة في كتاب هذا الرجل . أرى هنا موقف واجتهاد مدرسة الكوفة أفضل الجميع وأكثرها طبيعية واتساقاً مع المنطق وسليقة اللسان العربي.
قال الغلاييني في هذا الباب : كما جعل الكوفيون " ليس " حرف عطف إذا وقعت موقع لا النافية العاطفة نحو : خذْ الكتابَ ليس القلمَ ...[ القلم منصوب لأنه معطوف على الكتاب ] . ونحو : الأشرمُ المطلوبُ ليس الطالبُ ... برفع الطالب عطفاً بليس على المطلوب .
الجزء الثاني / الإختلاف في تفسير بعض آي الذكر الحكيم
معلومٌ أنَّ الخلاف في تفسير الآيات نابعٌ أساساً من الخلاف في فهم وتفسير بعض مفردات القرآن . وإني أرى أنَّ بعضَ المفسرين والفقهاء وعلماء اللغة والدين قد أساءوا للبعض من نصوص القرآن فلقد شرّقوا وغرّبوا واجتهدوا فقدموا أكثر التفسيرات غرابةً وسأعرض نماذج من تفسيراتهم المتعارضة والمتضاربة والبعيدة عن روح النص ولغة العرب القديمة التي سبقت الإسلام.
ملاحظة قبل الدخول في صُلب موضوعي : قرأتُ فيما سَلَفَ من أيامي تفسيرات الطبري ثم إطلعّتُ على بعض تفسيرات النَسْفي لكني اليوم لا أجدُ بين يديَّ من مصادر إلاّ تفسيرات إبن كثير الدمشقي المتأثر بفكر وتفسيرات أحمد إبن حنبل والسلفي الشهير إبن تيمية لكنه ، مع ذلك ، منفتحٌ على أفكار وتفسيرات العديد من مشاهير مفسرّي القرآن وهذا موقف يُحسبُ له ويُشكرُ عليه . إخترتُ نماذجي للخلافات الكثيرة حول تفسير بعض ألفاظ القرآن الكريم من المجلد الثالث من كتاب ( مُختصر تفسير إبن كثير ، إختصار وتحقيق محمد علي الصابوني ، الناشر دار القرآن الكريم ، بيروت الطبعة السابعة
)1981 .
من سورة المرسلات وآياتها خمسون { والمُرسَلات عُرفاً . فالعاصفات عصفاً . والناشرات نشراً . فالفارقات فَرقاً . فالمُلقيات ذكراً . عُذراً أو نُذْراً } .
أنقل حرفياً ما عرض إبن كثير من تفسيرات للآية القصيرة الأولى : والمُرسَلات عُرفاً لنرى مقدار الإختلاف في تفسير كلمتي هذه الآية بين كبار رجال الصحابة وعلماء الدين واللغة الأمر الذي أُعدّه خروجاً عن روح القرآن بل وإساءة له وتضليلاً لقرّائه وطالبي ودارسي علومه وبالطبع لا أجرؤ على تقديم البدائل فأترك هذه المهمة الصعبة لغيري من الغيارى على الدين والتراث وعلم التفسير من المعاصرين فلقد آن أوانُ إعادة النظر في تفسيرات القرآن وكفى إعتماداً على ما قال الأقدمون وما إجتهدوا وما أوّلوا ففيما قالوا الكثير من الشطحات والخروج حتى عن قواعد اللغة العربية المعروفة والكثير مما لا يقبلُ العقل السوي فهيّا يا رجال شمّروا عن سواعدكم وخوضوا في هذا الميدان الشريف وبيضّوا الوجوه إذْ ليس معقولاً وليس مقبولاً الركون إلى تفاسير ، بعضها مشبوه ، قيلت قبل عشرات القرون من السنين شرط إعتماد العلوم الحديثة ولكن بشكل محدود حَذر ومقيّد . أسوق ما عرض وما قال إبن كثير من تفسيرات للآية الأولى من سورة المُرسَلات على الصفحتين
586 & 587
من المجلد الثالث وهو المصدر الذي إعتمدتُ :
[[ روى إبن أبي حاتم عن أبي هُريرة " والمرسلات عُرفاً " قال : هي الملائكة . ورويَ عن أبي صالح أنه قال : هي الرُسل . وقال الثوري عن أبي العُبيدين قال : سألتُ إبن مسعود عن المُرسَلات عُرفاً قال : الريح ، وكذا قال في " العاصفات عصفاً والناشرات نشراً " إنها الريح ، وكذا قال إبن عباس ومجاهد وقتادة . وتوقف إبن جرير ـ لعله الطبري ؟ أنا صاحب هذا التساؤل ـ في " المرسلات عُرفاً " هل هي الملائكةُ إذا أرسلت بالعرف ، أو كعرف الفرس يتبعُ بعضُهم بعضاً ، أو هل هي الرياح إذا هبّت شيئاً فشيئاً ؟ وقطع بأنَّ " العاصفات عصفاً " الرياح ، وتوقف في " الناشرات نشراً " هل هي الملائكة أو الريح كما تقدّم ، وعن أبي صالح أنَّ " الناشرات نشراً " هي المطر ...
ملاحظاتي :
أولاً / قد إختلف كما رأينا هؤلاء الكبار في تفسير وشرح مفردة " المرسلات " فمن قال إنها الملائكة ... وقال آخرون إنها الريح ... وشتّانَ ما بين التفسيرين ففي أيّ التفسيرين نجد الصواب ، الملائكة أم الريح ؟ ثم زاد فقال آخرون في " المرسلات عُرفاً " هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف ، أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضاً ... فهل ، تُرى ، للملائكة أعراف كأعراف الخيول ؟ أليس في هذا التفسير إساءة للدين نفسه ؟ كيف يُشبّهُ المَلَكُ بالفرس ؟ قبل أنْ أسترسل في التعرض لباقي آيات هذه السورة والإنتقال إلى نماذج أُخَرَ مما قيل في تفسير مفردات قرآن ودستور المسلمين ... قبل ذلك أرفعُ تساؤلي عمّن يكون " أبو صالح " ثم " أبو العبيدين " ؟ .
الآن أتعرض للخلافات الشديدة في تفسير بعض مفردات الآيتين التاليتين من هذه السورة . [[ إنها ترمي بشرر كالقصر . كأنه جمالاتٌ صُفرٌ ]].
[[ إنها ترمي بشرر كالقصر ]] ... أي يتطايرُ الشررُ من لهبها كالقصر ، قال إبن مسعود : كالحصون وقال إبن عباس ومجاهد : يعني أصول الشجر ؟ فهل هذا القصرُ هو حصنٌ أم فروعُ شجرة أفتوني أيها الناس ؟
لنتفحص الآية التالية لها [[ كأنه جمالاتٌ صُفرٌ ]] . أي كالإبل السود . قال مجاهد والحسن واختاره إبن جرير وعن إبن عباس " جمالة صفر / هكذا وردت " يعني حبال السفن ، وعنه " جمالة صفر " : قطع نحاس .
يا أيها الناس الكرام الأخيار أفتوني مأجورين : بأي تفسير تأخذون لجمالات صفر وتقتنعون به / الإبل السود أو حبال السفن أو قطع النحاس وما أوجه الشبه بين هذه التفسيرات الثلاثة ؟ أليس في هذا الشطط والإختلاف إرباك للعقول وتشويش للقدرة على الفهم وتشتيت للإجماع وإساءة لإستقامة اللسان وسلامة اللغة ؟
أنتقل بعد خيبة الأمل الكبيرة في تفسير بعض مفردات آيتين قصيرتين جداً لأتفحّص بعض آيات سورة العاديات وهي مكيّة وآياتها إحدى عشرة :
[ والعاديات ضَبحاً . فالموريات قَدحاً . فالمغيرات صبحاً ] ...
لا أدخل في تفصيل ما قال المفسرون لكني أختصر ما قال إثنان من أقرب الناس رَحماً للرسول الكريم وأفقه العرب ديناً وقرآناً هما إبن عباس وعليّ إبن أبي طالب ..
فمذهب إبن عباس أنها الخيل وقال علي إنها الإبل ... أي الرجلين على صواب وما أسباب إختلافهما في تفسير مفردة واحدة وردت في سورة صغيرة واحدة ؟ تفسير إبن عباس هو الأقرب للصواب بالإعتماد على منطق ومعنى ما جاء بعد الآية الأولى من القول [ فالموريات قدحاً ] حيث قالوا : يعني بحوافرها . لكنهم حتى هنا يختلفون جذرياً في تفسير هذه الآية الثانية فقال أحدهم : أسعرت الحرب بين ركبانهنَّ ، وقيل : هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل ، وقيل : المراد بذلك نيران القبائل ، وقال إبن جرير : والصواب الأول : الخيلُ حيثُ تقدح بحوافرها . أرى أنَّ هذا هو التفسير الصحيح إذا إتفقنا أنَّ " العاديات " إنما هي الخيول أو الأفراس .
نمودج آخر للخلافات في التفسير من سورة " المَسَد " :
[[ تبّت يدا أبي لهب وتبَّ . ما أغنى عنه مالُه وما كسب . سيصلى ناراً ذاتَ لَهَب .وامرتُهُ حمّالةُ الحطب . في جيدها حبلٌ من مَسَد ]] ...
أبو لهب هو أحد أعمام النبي محمد واسمه عبد العزّى بن عبد المطّلب وامرأته (من سادات قريش وهي أم جميل ، أروى بنت حرب بن أميّة وهي أخت أبي سفيان ) . ما يقلقني حقاً في أمر هذه السورة هو الخلافات الشديدة حول تأويل كلمة " المسد " ... في جيدها حبلٌ من مَسَد لأنَّ فهم باقي الآيات مسألة ميسورة كما أحسبُ . ما قال المفسرون في تفسير معنى المَسَد ؟ [[ في جيدها حبلٌ من مَسَد ]] قال مجاهد : من مسد النار ، وعن مجاهد وعكرمة [[ حمّالة الحطب ]] كانت تمشي بالنميمة . وقال إبن عباس والضحّاك : كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ، وقال سعيد بن المُسيّب : كانت لها قلادة فاخرة فقالت لأنفقّنها في عداوة محمد فأعقبها الله منها حبلاً في جيدها من مسد النار والمسد الليف ، وقيل قلادة من نار طولها سبعون ذراعاً . قال الجوهري : المسدُ الليف ، والمسدُ أيضاً حبلٌ من ليف أو خوص . وقال مجاهد " حبل من مسد " أي طوق من حديد .
هذه هي إجتهادات كبار مفسري آيات القرآن الكريم في تفسير معنى حبل من مسد والخلاف الأكبر يتعلق بكلمة مسد أو المسد فكيف فسروها ؟
أولاً / مجاهد : من مسد النار ... نرى أنه لم يعط تفسيراً لمعنى كلمة مسد ... تهرب وفرَّ .
ثانياً / مجاهد وعكرمة : " حمّالة الحطب " كانت تمشي بالنميمة .
ثالثاً / إبن عباس والضحاك : كانت تضع الشوك في طريق رسول الله .
رابعاً / سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة فاخرة فقالت لأنفقّنها في عداوة محمد فأعقبها اللهُ منها حبلاً في جيدها من مسد النار والمسد الليف ، وقيل هو قلادة من نار طولها سبعون ذراعاً .
خامساً / الجوهري : المسد الليف والمسد أيضاً حبلٌ من ليف أو خوص .
سادساً / مجاهد : " حبلٌ من مَسَد " أي طوق من حديد .
نرى هنا أنَّ مجاهد خالف نفسه فقدّم تفسيرين مختلفين لمعنى المسد ، ففي المرة الأولى قال إنه ( من مسد النار ) أي أنه فسّر الماءَ بعد الجهد بالماء كما قال بعض الشعراء أو أنه لم يقلْ شيئاً ذا بال . وفي المرة الثانية قال ( حبلٌ من مسد أي طوق من حديد ) أي إنه بدّلَ نوعية مادة الحبل من الليف إلى معدن ، طوق من حديد . أما سعيد بن المسيّب فقد قال في تفسير ( حبل من مسد ) : كانت لها قلادة فاخرة ... ثم أضاف : المسد هو قلادة من نار طولها سبعون ذراعاً ... كأنه قاس طول هذه القلادة النارية فوجده سبعين ذراعاً ولم يذكر إسم مصدره بل إكتفى بقوله [ وقيلَ ] ثم إنه هو الآخر رأى أنَّ الحبلَ هو قلادة ومعلوم أنَّ القلادة من معدن ثمين كالذهب أو الفضة مثلاً أو من حجر كريم ولا من شيء يجمع ليف النخيل بالمعادن أو الأحجار الكريمة أو غير الكريمة .
ما أسباب هذه الإختلافات في قراءة وفهم ثم تفسير بعض ما وردَ من ألفاظ في القرآن والقرآن جاء بلغة العرب أي بلسان العرب فعلام ولمَ يختلف فيه كبارُ الصحابة وعلماء التفسير والحديث ؟ من جهتي المتواضعة أرى أنَ أفضل وأسلم طريق للتفسير هو ذاك الذي يفهم ويستوعب أو يستلهم نص روح الآية كاملةً ومجمل أجواء السورة وخاصةً ما يرد من آيات قبل وبعد الآية التي ضمّت اللفظة موضوعة الخلاف في التفسير لا أنْ تؤخذ مجرّدة تُنتزع من سياقها ومحيطها وجوها العام إنتزاعاً تعسفياً فيشرّق المفسرون ويغرّبون كلاً على مزاجه وهواه ومقدار فهمه للغة القرآن وباقي لهجات قبائل العرب يومذاك . أردتُ أنْ أقولَ إنَّ مناسبةَ هذه السورة ـ المسد ـ وأولياتها وأجواءها العامة هي في مجموعها تنديدٌ ووعيدٌ وتهديدٌ بنار جهنم لرجل هو عم النبي وحليلته أم جميل فماذا نتوقع من { في جيدها حبلٌ من مسد } ؟ هل ينسجم هذا الحال مع منطق التهديد بطوق حديد أو قلادة طولها سبعون ذراعاً خاصة وقد وردت صريحةً كلمة الحطب مقرونة بأم جميل { حمّالة الحطب } والحطب عادة هو من وقود النار المعروف منذ أقدم الأزمنة أي منذ إنسان الغابة والغابة أشجار مادتها الخشب وهو الوقود المثالي المعتاد . نارٌ وحطبٌ ولهبٌ وحبلٌ فما عسى أنْ تكونَ مادة هذا الحبل ؟ لا أحسب أنَّ عربَ الجاهلية عرفوا حبال الليف ، بلى كانت حبالهم من وبر الجمال وشعر الماعيز يقيدون بها جمالهم ويقودون ويوجهون بها خيولهم كأعنّة ثم يستخدمونها كحبال يربطون بها الدلاء لإستجلاب الماء من الآبار وكانوا يسمونها " أشطان ". المهم أنَّ أمَّ جميل كانت تؤذي محمداً سويةً مع زوجها أبي لهب ، فأجتمع اللهبُ في كُنية عم الرسول مع لهب نار جهنم [ سيصلى ناراً ذاتَ لَهَب ] ... إجتمع اللهبُ مع النار والحطب [ حمّالة الحطب ] فكيف سيكون وما سيكون الحبل الذي يطوّق عنق هذه المرأة التي أساءت للنبي في بدايات دعوته في مكة وكان يومذاك ضعيف الشوكة قليل القوّة قليل الرجال الملتفين حوله ثم ما كان ليجرؤ على قتل عمّه وحليلة عمّه فالرَحمُ ودمُ القرابة يحولان دون ذلك لا ريبَ . أشكُّ في أنَّ عرب الجاهلية كانوا يعرفون كلمة المَسَد وقد تكون أعجمية الأصل ولا أظن أنَّ لها علاقة بالفعل المعروف مسّدَ يُمسّدُ . الخلاصة : أنَّ الجو العام وروح نص السورة يقضيان أنّ [[ حبل من مسد ]] هو حبل من نار بصرف النظر عن طبيعة مادة هذا الحبل .
هذه رؤيتي الشديدة التواضع والكثيرة الحذر وعلى قدر فهمي لنصوص القرآن الكريم ثم للغة العربية وضعتها أمام مَنْ يعنيهم أمرُ تفسير القرآن وتيسير فهم آياته للناس بسطائهم ومتوسطيهم وطلبة المدارس والجامعات والباحثين أبتغي من ورائها تجنيب الجميع ما أرى من تعقيدات وخلافات وتضاربات حول تفسير الكثير مما ورد في القرآن من ألفاظ كانت موضع خلاف ـ ولم تزلْ ـ بين كبار ومشاهير علماء الدين والتفسير والحديث ثم اللغة . وفي عين الوقت أنتظر وأتمنى أنْ يواصل محاولتي هذه جيل من الشباب الغيورين الحريصين على أمري التيسير والتفسير ، تيسير اللغة العربية وتفسير آي القرآن الكريم .

ختامٌ لا يخلو من مرارة
رأيتُ قبل أنْ أُنهي حديثي عن التيسير والتفسير أنْ لا من بأس في عرض مشكلة أخرى من مشاكل فهم وتفسير آي القرآن الكريم . أمامي تفسيران مختلفان غاية الإختلاف لأربع آيات من سورة " المُدّثر " هي :
[[ ذَرني ومَن خلقتُ وحيدا . وجعلتُ له مالاً ممدودا . وبنينَ شهودا . ومهّدتُ له تمهيدا ]] . فسّرها " النسفي " الذي تكلم عن ثراء الوليد بن المغيرة ، والد خالد ، الملقّب بالوحيد في قومه ... فسّرها كما يلي :
أنَّ بعض آيات سورة المَدّثر نزلت في الوليد بن المغيرة الذي كان له عشرة أبناء أسلم منهم خالد وهشام وعمارة ، وكان له مائة الف دينار وأنَّ له أرضاً بالطائف لا ينقطعُ تمرها . إنتهى تفسير النسفي (مصدر رقم واحد ) . واضح أنَّ هذا المفسّر قد إشتط وخالف روح ونهج القرآن المعروف في كونيته وعموميته المطلقة حتى أننا لا نجدُ فيه ذكراً لإسم أحد ممن عاصر النبي عدا زيد ، ربيب محمد النبي في الآية { ... فلمّا قضى زيدٌ منها وطراً أزوجناكها لكي لا يكونَ على المؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنَّ وطراً وكان أمرُ الله مفعولا / من الآية السابعة والثلاثين من سورة الأحزاب } . لم تتعرض سور القرآن للخصوصيات ولم يمس ما للناس من أحوال صغيرة أكانت أو جليلة الشأن فكيف يخصص أربع آيات ينصُّ فيها نصوصاً بيّنةً تُشير لثراء شخص واحد شَهُر بإسم ولده بطل الإسلام خالد بن الوليد ، سيف الله المسلول ؟ كيف سوّغ هذا المفسّر لنفسه الخروج عن منهج القرآن وخطه العريض المعروف فيذهبُ للجزئيات تاركاً عظائم الأمور ظهريا ؟ أضلّت هذا الرجل كلمةٌ واحدة وردت في آية { ذرني ومن خلقتُ وحيدا } أعني لفظة " وحيد " فانزلق وتردّى على وجهه حاسباً أنَّ محمداً والقرآن ورّبهما قد اشاروا لوالد خالد لأنَّ قومه لقّبوه بالوحيد . أذكر تفسير إبن كثير لهذه الآيات الأربع وهو تفسير معقول عادل ينسجم مع روح القرآن ونهجه الكوني الذي يذهبُ للكليات دون الجزئيات (المصدر الثاني / ) رغم أنه كذلك يُشير كسابقه إلى الوليد بن المغيرة. قال إبن كثير فيها ما يلي :
[[ يقولُ تعالى متوعداً هذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا فكفرَ بأنعم الله وبّدلها كفراً وقابلها بالجحود بآيات الله والإفتراء عليها ، وقد عدّدَ اللهُ عليه نعمه حيث قال تعالى (( ذرني ومن خلقتُ وحيدا ، أي خرج من بطن أمه وحده لا مالٌ له ولا ولد ثم رزقه اللهُ تعالى مالاً ممدودا أي واسعاً كثيراً ، قيل : ألف دينار وقيل مائة الف وقيل أرضاً يستغلها ، وجعلَ له بنينَ شهودا قال مجاهد : لا يغيبون ، أي حضوراً عنده لا يسافرون وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملّى
بهم، وكانوا فيما ذكره السدي ثلاثة عشر وقال إبن عباس ومجاهد : كانواعشرة ، وهذا أبلغ في النعمة وهو إقامتهم عنده . ومهدّتُ له تمهيدا أي مكّنته من صنوف المال والأثاث )) . هنا نجد الفارق الجوهري بين فهم الرجلين لكلمة " وحيد " ، فذاك قال إنها تعني رجلاً بعينه وعيانه هو الوليد بن المغيرة الملقب بوحيد زمانه ... بينما وجد مفسرون آخرون لها تفسيراً آخر قد نختلف معهم حوله ولكن يبقى الفرق شاسعاً بين تفسير هؤلاء الأكثر عقلانيةً وواقعيةً وتفسير النسفي الغارق في الخصوصية وضيق الأفق وسوء فهم روح ومنهج القرآن .
المصدر الأول /
النسفي ، تفسير القرآن الكريم ، الجزء الرابع الصفحة
308
، دار الكتاب العربي ، بيروت .
المصدر الثاني /
مختصر تفسير إبن كثير . المجلد الثالث ، الصفحة
569
الطبعة السابعة ، بيروت ،
1981ر

الخميس، مارس 11، 2010

الشقراق السومري والفنّان

د. عدنان الظاهر
قررنا الإجتماع أربعتنا في مقهى سيدوري المطل على ساحل بحر سومر . وصلتُ والبروفسور مصدّق جميل الحبيب مبكّرين قبل الجميع فمصدّق سومري شطري يعرف طرق ودرابين وشعاب بلاد سومر ثم كان قد حجز لنا مائدة في ركن قصيّ منعزل وطلب من سيدوري تهيئة متطلبات دعوة عشاء لضيوف ذوي مقامات سامية عالية . وصلت بعد قليل السيدة الكاتبة صاحبة شقراق سومر التي أقامته من موته وأحيت عظامه وهي رميم . نهضنا مرحبين وأسرفنا في مراسم التكريم والحفاوة التي تستحق هذه الكاتبة المبدعة . جاءت ومعها شقراقها تطعمه حبّات الفستق والجوز والكازو وتُمسّدُ ريشه الجميل بأنامل الفن والرحمة فيزدادُ غروراً حتى أني تمنيتُ أنْ أكونه بين يديها حتى ولو لدقيقة واحدة . بل وأحسستُ أني أغار عليها منه . شربنا القهوة وتبادلنا النكات والأحاديث أحاديث الإنتخابات البرلمانية فقالت السيدة صاحبة الشقراق إنها مرّت في طريقها إلينا بأحد مراكز الإقتراع فرأت هياجاً وعراكاً وصياحاً لم تهدأ إلا بعد وصول فريق من شرطة مكافحة الشغب . سألتها هل عرفت أسباب ذاك العراك والهيجان قالت كلاّ ، كانوا يتصايحون ويتكلمون لغةً غريبةً عليَّ لم أفقه منها شيئاً . همهم الدكتور الفنّان مصدّق ولم يعلّق ففهمت قصده [ لا يفهمُ العراقيَّ إلاّ العراقيُّ ] . إنطلق الصديق الفنان وانشرح صدره فهو دوماً متحفظ إلى حد الحياء في بدايات التعرف على أناس آخرين لكنه والأجواء الخاصة في مقهى سيدوري والعامة في مراكز الإقتراع ثم زيارة الكاتبة وشقراقها الأثير آكل الفستق والكازو ... كل هذه العوامل مجتمعةً حررت المُصدّق من خجله المزمن وحلّت عقدة لسانه فأبدع وحلّق وقال فلسفة وشعراً وخاطب الكاتبة المبدعة بلغة موجات الألوان التي حبّبها لها جمالُ ريش محبوبها شقراق سومر . أعجبتها إنطلاقة البروفسور الفنان وزادته إعجاباً إذْ عرفت أنه من هناك من موطن الشقراق ، من سومر ، فإنه أصلاً من مدينة الشطرة التابعة لمحافظة الناصرية أو المنتفج [ ذي قار ] . لذا لم تجد أيّةَ صعوبة في مجاذبته أطراف الأحاديث التي تهتم بالفن والشعر والكتابات المنوّعة وهو كاتب رائع ومفكّرُ وخبير بشؤون علم الجمال ونظرياته الفلسفية وله فيها كتاب منشور يُسرُّ الناظرين . ما كانت العزيزة صاحبة شقراق سومر مهتمّةً إلاّ بالجانب الفني من بين باقي الجوانب المتعددة الأخرى المركّبة في هذا الصديق التحفة . قالت إنها تحب الفنون عامةً ولا سيّما فن الرسم والخط . لم أصبر فقلت لها ولمصدّق كتابات في فن الرسم والخط في منتهى الروعة والجاذبية فإنه ساحر الخلطات اللونية ورب الخطوط العربية والعارف بأصولها ومنابعها وسادة أساتذتها الأوائل . مسّدت رقبة طائرها برفق فازداد غلوّاً وتيهاً ونقر بضعة حبات من الفستق الحلبي مما كان في راحة كفها فانبسط الطائرُ المغرورُ وانبسطت معه ونقلت ناظريها برفق وموّدة من طائرها إلى الصديق مُصّدق كأنها تسأله : هل لي أنْ أتعرفَ على هذين الكتابين في الرسم والخط ولو من باب الإستعارة المؤقتة ؟ توجه بعينية نحوي فأدركتُ أنه متحرّج يستعين بي لإيجاد وسيلة لإنقاذه من هذا الحَرَج . إعتذرتُ منها نيابةً عنه ، إعتذرتُ بالحق أنَّ الدكتور يطبع عادة وعلى نفقته الخاصة عدداً محدوداً من مؤلفاته يوزعها على أصدقائه من أمثالي . أضفتُ ، فإذا شئت أعرتك هذين الكتابين لفترة شهرين لا أكثر لكي تطّلعي على ما فيهما من جواهر وآيات بيّنات . قالت على الفور : بل شهر واحد يكفي . إتفقنا وطاب جو الفنان وانشرح صدره السومريُّ فصار يشارك الكاتبة إعجابها بطائر الشقراق وود لو يستطيع إطعامه بما لديها من فستق وجوز وكازو وأنْ يأخذه منها كي تُريحَ يدها منه ... وافقت لكنَّ طائرها العنيد المدلل رفض الفكرة هازاً رأسه ومنقاره يمنةً ويسرةً علامة الرفض باللهجة السومرية . بدلَ أنْ يأخذه بين يديه طفق الصديق الفنان يشدو :
دخلك يا طير الشقراق ...
مقلّداً لحن أغنية فيروز [ دخلك يا طير الوروار ] ...
فضحكنا وضحكنا حتى حلَّ وقت طعام العشاء وجاءت سيدوري تدعونا لتناوله قبل أنْ يبرد ويفقد أغلب طعمه .
نهضنا نجرجر أقدامنا على مهل فعشتار تأخرت ولم تصل بعدُ فما عسانا فاعلين ؟ لا يطيب الطعام في غيابها فهي مليكة سومر وهذا الطير ضحيتها معنا فما الحلُّ ؟ ما أنْ دخلنا صالة الطعام حتى فوجئنا بعشتار هناك تتصدر المائدة المخصصة لنا وقد جمّلتها بأكاليل ورود وركاء سومرَ وجنائن بابل المعلّقة وأسرفت في رش أفخر العطور المستورة من باريس ووضعت في الزوايا مباخر البخور والمسك والعنبر فضجَّ المكان بأجواء مسحورة تخدّر النفوس وتأخذ بالعقول الأمر الذي شجع أخانا الدكتور مصدّق أنْ يطلب كأس بيرة مصنوع من شعير مزارع بابل وبساتين مليكها على نهر الفرات فكان له ما أراد ثمَّ أشار على النادلة سيدوري أنْ تحمل لي كأساً مُضاعفاً مماثلاً فلم أعتذر وعلام الإعتذار. طلبت صاحبة الشقراق كأس عصير برتقال طبيعي أما عشتار وما أدراك ما عشتارُ فقد وجدناها سكرى حتى حدود السكر القصوى ( 10 على مقياس ريختر للزلازل ) . لم تطلب شيئاً سوى كأس ماء بارد مع شيء من الثلج. جلس الفنّانُ في جهة الكاتبة لأنه هو الآخر وقع في غرام الشقراق فقوّته على الإغراء لا تُقاوَم ثم إنه وقد تعهّدَ أنْ يرسمه غدا لا يفارقه بحجّة دراسة تشكيلاته اللونية وضبط مقاسات حجمه الطبيعي وأطوال ريشات جناحيه ولون قزحيتي عينيه ودقّة منقاره . ليس صعباً عليه إيجاد الحجج فإذا لم يجدها إختلقها وهو المفكّر والفنان القدير . أدركت عشتارُ ، وكانت إلى جانبي تماماً في مجلسها ، دوافع ومرامي مصدّق خاصّةً وهي مثله سومرية وخبيرة في أمور الغرام والجنس المقدّس وغير المُقدّس وفنون الإغواء وهذه هي رسالتها ووظيفتها خلال الشهور الستة التي يغيبُ فيها تمّوز عنها في رحلته السنوية الدورية في العالم السفلي يستعيد هناك نشاطه الجنسي وقوة عضلاته ويمرُّ في دورات التنشيط
Fitness
وإستعادة شروط ومستلزمات الخصوبة والتخصيب والإخصاب ويتناول عقاقير وأعشاب طبية خاصة لتقوية الباه الرجولي فيه ليمارسَ مهماته الأساسية هذه كأنه مليكَ خلية نحل نسائية سومرية أصلية ولا من شيء سواها خلال الشهور الستة الأخرى التي يقضيها في عالمنا المرئي تحت شموس العراق القوية .
كنت منشغلاً في شتى الأحاديث مع عشتار حيث كلامها لا يخرجُ بعيداً عن أحاديث الآيروس المكشوف لكنها تجيدُ روايتها ولها أساليبها الخاصة في ذلك . أما الفنان إبن سومر فكان غارقاً مع الكاتبة في أحاديث شتّى وعينه ويده في صحون الطعام الذي كان أغلبه من أسماك الأهوار وطيورها في حين كانت جارته الكاتبة الجميلة تنصت لأحاديثه في عشق صوفيّ أصيل يخترق دفاعات الروح الأولى لكنَّ ذلك التصوّف وقدرة الفنان على صياغة الجمل التي تأخذ بالألباب والعقول لم تمنع السيدة من الإنشغال بمداراة طيرها وتدليله وتأمين مستلزمات طعامه وشرابه حتى أسكرته بالكثير من الويسكي الأسكتلندي حسب رغبته .
طالت جلستنا حول مائدة الطعام فأكثرنا من تناول شتى أنواع أطباق الطعام من من بركات أنامل سيدوري التي كانت قد تدرّبت على صناعة الفندقة وإدارة المطاعم في أرقى المعاهد السويدية والدنماركية . كانت تدور بيننا وبين المطابخ رائحةً غادية مثل مكّوك الحائك العم أبو عبد المنعم الذي كان يحوك عباءات المرحوم الوالد الصيفية . أما عن المشروبات الكحولية وغير الكحولية فحدّثْ ولا حَرَج . عصير بل أعاصير الفاكهة المستوردة من كل فجّ عميق من أمريكا الشمالية حتى أقاصي فيتنام وأستراليا فضلاً عن الكولات والسفن آب والسكنجبيل ولا أتكلم عن الكحوليات من الرم الكوبي وأخواته الويسكي والكونياك ثم عرق مسيّح العراقي والآخر المسمّى أبو كلبجة . ما كانت عشتار سومر بحاجة إلى دعوة أو إلحاح لتمضي معنا في سفرة السكر الطويلة لأنها ( منصوبة ) أوتوماتيكياً ومنذورة للسكر منذ لحظة مولدها حيث سقتها الجَدّة التي إستقبلتها ( الحبّوبة ) قليلاً من عرق تمور نخيل العراق بدل ماء دجلته وفراته فترسب الكحول في عروقها وفي جذورها لا يتحلل مثل الإشعاعات النووية ولا يتفكك كيمياوياً ولا يمضي إلى خارج جسدها مع البول مثلاً . هذا العَرقُ العراقي مصيبة ، أجل مصيبة يا ناس [ عَرَق = عراق ... لاحظوا التناسق وأوجه الشبهْ ] فهل كلمة عرق من عراق أو أنَّ العراق من العَرَق ؟ قالت عشتار بصعوبة ورأسها يترنح تحت وطأة ما شربت من الكحول : لا فرق . لا من فرق . المهم هو المفعول . العرق يُسكرُ شاربَه والعراقُ يدوّخ ويسطل ويلعن سلفَ سلفات ساكنه والنتيجة هي السُكر بدون عرق العراق . أنهت عشتار جملتها وكأس العرق في كفها ، رفعته عالياً وقالت للفنان عاشق الشقراق [ أو صاحبة الشقراق ... لا فرق ... ما دام العرق هو العراق وهذا هوذاك ] في صحّتك أيها الفنان المغرم برسم اللبسان النسائية الميني الصارخة الألوان ... اليوم خمرٌ وغداً أمرُ ... هيا ... هيا نعيش الحياة كأننا نحياها لآخر مرة . ثم أضافت : الفاتحة على روح أبي نؤاس ، لم يخلقْ ربّه له مثيلاً ، ثم أنشدت :
ألا فاسقني خمراً وقلْ لي هيَ الخمرُ
ولا تسقني سرّاً إذا أمكنَ الجهرُ
نهض الفنان مُصفّقاً جذلانَ فصافح عشتار سومر وقبّلها كما شاءَ وكما شاء سُكره فتجاوبت آلهة الجنس والإخصاب معه فردّت له جميله مُضاعفاً . ظلّت الكاتبة المُبدعة صاحبة الشقراق هادئةً كأنها لا تفهم ما يجري أمام شقراقها وعينيها من عجائب الأمور وكيف لها أنْ تفهم ذلك أو بعضاً منه ما دامت صاحية يقظى لا تعرف الخمر ومفعوله ولم تجرّبه في حياتها . ظلّت عشتار محايدةً مؤدّبةً رقيقة في تعاملها مع الكاتبة رغم كثرة من عبّت من مشروبات بعضها محرّمٌ دولياً خاصةً على السيدات لكنَّ المناسبة تسمحُ بل وتُجيز فإنَّ اليومَ هو الثامنُ من آذار يوم وعيد المرأة العالمي ثم إنه يوم مجيء السيدة الكاتبة لدنيانا ... عيدان في يوم واحد فلنصرخ عالياً مع فريد الأطرش حين غنّى : الحياة حلوة بس نفهّمها . تململت الكاتبة بأبّهة وهيبة لا تناسبان عمرها فاعترضت قائلةً : كيف تكون الحياة حلوة وشعبي يقاسي وأرضي يحتلها الغرباء ؟ نكّسنا رؤوسنا إحتراماً لها وتضامناً معها وخجلاً مما نحن فيه من سكر وتهتك فاعتذرنا واقترحنا إنهاء حفلنا الساهر فجاءت سيدوري لنسددَ لها الحساب لكنها فاجأتنا قائلةً : أي حساب ؟ أنتم اليوم ضيوفي واليوم هو الثامن من آذار عيدي وعيد جميع نساء المعمورة ظلّوا إذا شئتم حيث أنتم حتى صباح اليوم التالي فالمطبخ عامرٌ وأنا مثلكم أفرطت في الشراب . نهضت عشتار فقبّلت سيدوري ومسّدت خديها وشفتيها ثم بقينا في أماكننا نيامى حتى الصباح . أما الكاتبة فقد إختفت وغابت ومعها طائرها ولا أحد يعرف متى وكيف غابت .

الأحد، مارس 07، 2010

للثامن من آذار

د. عدنان الظاهر

صباح الخير أميرةَ أحلامي

كوني أبداً معافاة وبخير عميم
كنتُ ليلة أمس مُتعباً فآويتُ إلى فراشي لأني كنتُ شبه يائس من وصول بريد منك لأنك توقفت عن الكتابة الليلةَ قبلها فجأة دونَ كلمة وداع ودون
" تصبح على خير "
فظننتُ أنك غضبى مني خاصّةً وإني على علم بمقدار حساسية السيدة الأميرة ورقة ودقة مشاعرها ومن أية عاطفة ونسيج جبلها وسوّاها خالقها ...
وهكذا أنا دوماً حين أكتب لك أضع يدي على قلبي خشيةَ أنْ أجرح أو أخدش مشاعر الملاك الذي يكتب لي ويبادلني النجوى في بارد وحالك الليالي .
هل سنتكاتب هذه الليلة ؟ أجيبي رجاءً لكي أستعد لأستقبال أميرة الملكات الإستقبال الذي تستحقُّ والذي يليقُ بها وبمقامها عندي في الخاطر والقلب .
أرسلت للمواقع أمس مقالين جديدين على ما أحسب وأرسل اليوم خصيصاً مقالة من بنات الخيالات الأممية الجامحة ... أرسلُ التهنئة بيوم المرأة العالمي وما يكون هذا اليوم وما قيمته وما طعمه ومذاقه دون تقديم التهاني والولاء للسيدة الأميرة ؟
ألوان وتصميم ملابسك في الصور تُجنن العقلاء فكيف بالشعراء أمثالي ، وتقولين سأنتظر ؟؟؟
هل تعرفين المغني العراقي فاضل عوّاد ؟ لديه أغنية يقول فيها : إتنةْ إتنةْ ... هم تنيتْ وما إجيتي ... إتنة أي إنتظرْ ثم يقول المسكين :
شتنةْ أكثر شتنةْ أكثر ؟
على كل حال ، قلت في آخر رسالة ليلة قبل أمس ...
قلتُ كلمة حق معبّرة جداً جداً ... قلت لقاؤك في الصور على شاشة الكومبيوتر هو لقاء غير حي صامت جامد لكنَّ لقاءك في أحلام نومي أراك فيه حيّة مفعمةً بالحياة والحركة حين تتكلمين أسمعك وأردُّ عليك ثم أحسُّ حرارة جسدك تتوهجُّ في الروح والعصب فلقاء الأحلام والرؤيا لا ريبَ أفضل من لقاء الصور ومن أمل الإنتظار ... شتنةْ أكثر ؟
أي عطر تضعين ؟ أكادُ أشمّه قوياً يُنعشني أولاً ثم يخدّرني ثانياً فيُنيمني ثالثاً فأراك في حلمي ناطقةً حيّةً ساخنةً ضاجّةً بالحيوية المنوّعة تُنيرين ظلام الليل بشعاعات جواهر عينيك وما تخبئان من أسرار وأنوار لم يرها البشرُ قبلاً ...
أين وكيف سنكون يوم الثامن من آذار عام
2011 ?
وكيف سيكون حال العراق وأحوال العالم والمرأة في هذا الكون الشديد الإضطراب ؟
هل سيبقى الحبُّ حبّاً والسلام على الأرض سلاما وهل ستُنجبُ الوالدات أطفالاً أصحّاء أقوياء أسوياء ؟
قال المسيح قديماً : المجدُ في الأعالي وعلى الأرض السلام . لكني اقول للسيد : لا نريد أمجاد الأعالي بل نريد مجداً وسلاماً على كوكبنا الأرضي . المجد الحقيقي للأرض وعلى الأرض فهي أمُّ الجميع من ترابها ومائها جبلنا مَن جبلَ ثم سوّانا بشراً ناطقين أسوياء وظللنا كذلك حتى جاءت الرأسمالية فدمّرت الأرضَ أمّنا وما فيها ومَنْ عليها .
أريدُ يوماً للمراة عالمياً خالياً من كوارث الرأسمالية ومن حروبها المدمّرة . لا أطيق رؤية أو سماع صوت قعقعة سلاح وأُصابُ بالعماء حين أرى في السماء طائرةً عسكرية مقاتلة ـ قاذفة وأكادُ أتقيأ حين يقابلني عسكريٌّ في الشارع بمسدس أو بدونه فلون بدلته يُخيفني ويُعيدني إلى عصور الوحشية والبربرية .
سيدتي حوّاء : أنت بنت هذه الأرض وسيدتها ووارثتها وزارعة نبتها وخيرُ ما ومَنْ عليها . قولي للكون كنْ ليكونَ عالماً خالياً من الحروب لا من تهديد فيه بالموت لبنيك الذين سويّتيهم وجبلتيهم بدم رحمك ثم سقيتيهم بما ينتج صدرك من خيرات أنهار جنّات الخلود من لبن سائغ وعسل نقيّ مُصّفى .
دومي أبدَ الدهر زوجاً وأمّاً وبنتاً وأختاً ووالدةً وصديقة ورفيقةً لجميع الرجال حتى أؤلئك الذين لا يستحقونك فالرحمةُ للبريء وللجاني وهما كلاهما بنوك أولاً وآخراً .
ردّت حوّاءُ الودّ والحبّ الأموميّ فكتبتْ وما أجملَ ما كتبتْ :




مازلت ُ بانتظارك

سنين طوال أبحث عنك... ورجائي في وصالك

حبك يرحل في عروقي ... ومازلتُ بانتظارك

ياقلبي ’’ لا لا تيأس

فما زال في العمر بقية

يامنى الروووح ’’

وياحبي الموعود’’

بأحلام الكرى أناجي طيفك

لأحضان الصبا أن تعود ...

قبل رحيل الربيع من حياتي

وقبل أنْ يغزو شطآني الصقيع

وقبل أن تتلبد سمائي بالغيوم والأمطار

وتعصف بي رياح الموت وتقتل مليكات الأبرار

وتتناثر أوراق أشعاري وتفضح الأسرار

لاينفع اللقاء حينها عند سويعات الأحتضار

السبت، فبراير 06، 2010

على جفن البنفسج / نصوص للسيدة نبال شمس

د. عدنان الظاهر

( تهويمات صوفية شمسية )

الكتابة عن نبال وعن قصصها ليس بالأمر الهيّن على شخص مثلي بعيد عنها وعن بلدها ونشأتها وظروفها التي لا تخلو من بعض التعقيدات على رأسها كونها فلسطينية من عرب 1948 حسب تقسيمات وتوصيفات الحكومات الإسرائيلية الرسمية . نعم ولكن ، الكتابة عن فن وأسلوب نبال في السرد القصصي يستوجب معرفة من هي نبال شمس أولاً . يمكنني تلخيص الخطوط العامة القوية التي تميّز هذه السيدة الموهوبة وما كتبت في هذه المجموعة بما يلي :
1 ـ مهندسة مقتدرة في فن جمع النقيضين ومواجهة النقيض بنقيضه
2 ـ مخلصة جداً وبشكل خاص لصديقاتها وسخية إلى أبعد حدود السخاء في تكريمهنَّ ونعتهنَّ بأفضل الأوصاف والصفات الحميدة حتى ليخيّل للقارئ أنها تغازل صديقاتها غزلاً راقياً شديد الإغراء والفتنة . نجد ذلك في القصص التالية : لُغز اليد الممدودة الصفحة 99 / أيا ليلى 60 / صديقتي والمتنبي 40 / وجوهي التسعة 126 / أراني في إنبثاق الفجر 12 / كما خصصت 23 مقطعاً من قصة وشاية لبيضاء الثلج ، الصفحة 203 ، لحوارات عذبة وجدانية في صوفيتها وصوفية في الأفكار والمعاني لكنها تختلف عن باقي حواراتها وذكرياتها مع صديقاتها وزميلات الدراسة والطفولة حيث أنَّ هذه تصلح أنْ تكون حواراً بين الإنسان ونفسه ، أي أنَّ القاصّة شطرتْ نفسها شطرين إثنين متكافئين يخاطب ُويحاججُ شطرٌ الشطرَ الآخرَ كمن يتحدثُ مع نفسه أمام مرآة .
3 ـ كذلك هي مخلصة حتى التفاني والذوبان في عالم الطفولة ولا سيّما أطفال المدرسة التي تقوم بتدريسهم من المعوقين جسدياً أو المتخلفين عقلياً أو الذين يعانون من صعوبة النطق أو الإنسجام مع باقي الأطفال ... الأمثلة كثيرة لكنَّ أبرزها ما كتبت عن الطفلة دانا إذْ كرّست لها كامل الصفحات 234 ـ 267 ، أو الأطواق الثاني والثالث والطوق الرابع حيث نجد الكلامَ كثيفاً وملحّاً وشديد السخونة حول ثنائية الروح والجسد والنور والظلمة كأنها من أتباع ماني أو أتباع الديانة المندائية .
4 ـ فلسطين هي محنة الكاتبة الكبرى والجرح الدامي الأكثر عمقاً وإنها شديدة التعلّق بمدن وأمكنة مثل مدينة حيفا والكرمل والجليل بحيث تُلّحُ عليها هذه الأسماء فنراها تكررها بين الحين والحين حتى لكأنها لا تستطيعُ مفارقتها أبداً . وكمثال على عمق مأساة الوطن فيها أقتبسُ ما قالت في الصفحة 192 :
{{ خلاصة البداية :
إستبحتني كوطن ، فتلبستني غُربةً ... وطنٌ وجودي فيه عدمٌ ... عدمي فيه هو سرُّ وجودي }}
5 ـ تصريحها الجريء بأنها عاجزة عن الإتمام ... نجد ذلك جليّاً واضحاً في الصفحة 128 على سبيل المثال ، وهي بهذا تخالف منطق المتنبي الذي قال
ولم أرَ في عيوب الناسِ عيباً
كنقصِ القادرين على التمامِ

6 ـ لا من فرح في عالم قصص هذه السيدة المنكوبة بوطنها ووطن أسلافها وأسلاف أسلافها ، لا تجيد قوله ولا تصطنعه أبداً .
7ـ ليس في الكتاب أي إشارة أو رمزٍ أو أثرٍ لما يُسمّى بالأدب الآيروسي . نبال تتحاشى مسَّ هذه الموضوعات وتنأى بنفسها الأبيّة عنها . لسانها عفيف وتربتها وتربيتها عاليتا النقاوة والبهاء .
8 ـ نبال والموت : صوت الموت طاغٍ في قصصها ، تكلّمتْ عنه طويلاً وكذلك عن الأموات . لقد كرّست نبال المقطع الرابع والعشرين [ أعطته خطأً رقم 25 ] من قصة وشاية لبيضاء الثلج آنفة الذِكْر ، كرّسته جميعاً لموضوعة الموت حتى أنها إفتتحته بقولها { تناقلت الإيميلات خبرَ وفاتي ... } ثم تساءلت : هل أنا ميّتة ؟ ثم كررت بعد ذلك : هل أنا ميّتة فعلاً ؟ وتواصل أسئلتها الحزينة غير الواثقة والمتأرجحة بين الرغبة الغامضة في الموت والتشبث الطبيعي بمواصلة الحياة ... فتقول { هل تركتُ الأرضَ وانتقلتُ إلى رحمة مَنْ في السماء ؟ إذهبي يا حلوتي وأعدّي لي إكليلاً من السرو الأخضر والورد الملوّن ولا تنسي أنْ تكتبي على الإكليل أني أحببتُ الروحَ التي سكنتكِ أنتِ ص 211 } . يلوح لي من باب التكهن القوي أنَّ لدى نبال رغبة خفية قوية في الموت لا طاقة فيها لإخفائها . يُخيّلُ لي أنها متأثرة بشعر المِعَرّي الذي قال فيه متعجباً مستنكراً :
تعبٌ كلّها الحياةُ فما أع
جبُ إلاّ من راغبٍ في ازديادِ
9 ـ كسيدة درزية لا ريبَ أنها متأثرة بعقائد الدروز ولا سيّما عقيدة التناسخ والتجسّد وثنائية الروح والجسد وبهاتين العقيدتين يقترب الدروز من مناهج مشاهيرمتصوفة المسلمين [ ذكرتْ نبال الصوفيَّ يزيد البسطامي ، ص 187 ، كما ذكرت كلاًّ من جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي والحافظ سعدي ثم
فريد الدين العطّار ص 178 ] بل وحتى من مشاهير فلاسفة الإغريق والغرب في مقدمتهم أفلاطون ثم هيكل وهايدكر فيما يخص ثنائية الروح والجسد ، فهل قرأت نبال هؤلاء الفلاسفة أم لا ؟ لا أدري . قالت نبال ، وقد قالته بصيغ أخرى كثيرة متناثرة في متن كتابها هذا ، قالت في الصفحة 176 { كنا إثنتين : أنا وأنا هي ، أنا الجسدُ ، أنا هي الروحُ المقبورةُ في سراديب هذا الجسد } .
من بين روائع النصوص قررتُ الكتابة عن نصين إثنين من بين بقية نصوص المجموعة هما : أراتو وطائر الشقراق المرقّش الصفحة 139 وما يليها ... ثم قصة محاولات إعتكاف الصفحة 176 وما يليها . إستهوتني الأولى لأنَّ الكاتبة نبال إستوحت الكثير من حواراتها في هذه القصة من ملحمة كلكامش السومرية
العراقية كما سنرى . واستهوتني الثانية لأنها دلّتني أنَّ كاتبة النص متأثرة كذلك بفكر وفلسفة الزعيم الدرزي الراحل غدراً المرحوم كمال جنبلاط المتأثر بفلسفة النور إمتداداً لما سبق من فلسفات النور أو النور والظلمة المعروفة .
أولاً / آراتو وطائر الشقراق المرقّش
ما الذي إستهوى السيدة نبال شمس في هذا الثالوث الأسطوري : آلهة الشعر أراتو وعشتار السومرية ثم طائر الشقراق المسكين الذي كسرت عشتارُ جناحه ؟ لم نعرف قصة مأساة تحطيم جناح هذا الطائر الجميل لولا المشادة الساخنة التي جرت عَلَناً في أوروك ذات الأسواق والأسوار بين عشتار وملك سومر كلكامش . عرضت عشتار على الملك الذي دأب على إستباحة نساء سومر عذراوات ومتزوجات ... عرضت عليه الزواج منها فكيف استجاب لهذا العرض ؟ نقرأ نماذجَ مما قال كلكامش في حجج رفضه قبول هذه الصفقة ( ملحمة كلكامش / الصفحات 112 ـ 123 ) (2)
[[ ... أيَّ خير سأناله لو أخذتكِ زوجةً ؟
أنت ! ما أنتِ إلاّ الموقد الذي تخمدُ ناره في البرد
أنتِ كالباب الخلفي لا يصدُّ ريحاً ولا عاصفةً
أنتِ قصرٌ يتحطمُ في داخله الأبطالُ
أنتِ قيرٌ يلوّثُ مَنْ يحمله
أنتِ قِربةٌ تبللُ حاملها
...
تعالي أقصُّ عليكِ مآسيَ عشّاقكِ
من أجلِ تموز حبيب صباكِ
قضيتِ بالبكاء والنواح عليه سنةً بعد سنة
لقد رمتِ طير الشقراق المُرّقش
ولكنكِ ضربته وكسرتِ جناحيه
وها هو الآن حاطٌّ في البساتين يصرخُ نادباً
" جناحي ! جناحي ! " ]]
هذه هي قصة هذا الطير المُرقّش الجميل الذي خدعته آلهةُ الخصب والنماء عشتار سومر . يبدو أنها عرضت الزواجَ عليه كما فعلت مع كلكامش وحين قبل هذا العرض خانته ودمرت جناحيه ... لذا أعرض كلكامش عنها وعمّا عرضت لأنه يتوقع ويخشى وقوعه ضحيةً أخرى من ضحايا هذه الربّة المتقلبة المزاج والقرارات والأهواء . إذا وقفنا على قصة هذا الشقراق الجميل فما علاقة مأساته بالكاتبة المحلّقة دون أجنحةٍ السيدةُ نبال ؟ هل واجهت في حياتها عقاباً أو خيانةً من هذا القبيل ومن الذي ، تُرى ، تجرّاَ أن يخونها ويُفري جناحيها ؟ الطائرُ هو ضحية إمرأة وهو طائرٌ ذكرٌ فكيف نفهم أو { نكيّف بلغة أهل القانون } وضع نبال من هذه القصة ؟ قلتُ إنها جمعت فيها عناصرَ ورؤوس هذا المثلث حتى حلّوا فيها وحلت فيهم الحلول الدرزي الصوفي فكيف ستلعب الأدوار الثلاثة خارج سطوة وسلطان الزمن ، بمعنى أنها تلعب الأدوار الثلاثة معاً بحيث يضمحل الزمن ويختفي إختفاءً كاملاً فيجتمع الكلُّ في واحدٍ أوحدَ تمثله الكاتبة نبال . هي آلهةُ الشعر أراتو لكنها في الأصل والأساس هي الكاتبة نبال . وهي آلهة الخصوبة والربيع والنماء عشتار ، لكنها الأم لولدين إثنين هما آدم وفارس . نقف حيارى أمام لغز الطائر الشقراق ورمزه وما تعنيه قصته بالنسبة للكاتبة ! باختصار وتركيز شديدين : مَن كسرَ جناحي هذه السيدة المبدعة التي وجدتُ في أسلوبها ومنهجها في السرد مشابهَ كثيرة والشاعر الفرنسي المعروف رامبو كما سأبيّنُ لاحقاً ؟ هل نجد بصيص ضوء في الحوار بين الطائر وأراتو ؟ نقرأُ بعضاً منه لعلنا أنْ نجدَ شيئاً يُشفي الغليل :
{{ أكتبيني شعراً مُحلّقاً فلا جناحَ لي .
قالت أراتو : كيف سأكتبكَ قصيدةً وحزنكَ فاق كلَّ القصائد ؟ }} .
آلهة الشعر أراتو تعترفُ أنَّ حزن الشقراق يفوق كلَّ ما في قصائدها من أحزان فما هي طبيعة ومسببات حزن نبال الفلسطينية / آراتو السومرية العراقية ؟ هل أحزان فلسطين تتطابق وأحزان ومناحات ونكبات العراق ؟ نعم ، إنها فلسطينية منكوبة بوطنها لكنها إنسانة كونية لا من حدود لإنسانيتها والعالم جميعاً وطنها ومصدر وعيها وسرّ وجودها وأصل شاعريتها التي لا تنفصمُ عن فيض إنسانيتها. ذكرت شكسبير فاتكأت على قوله الشهير على لسان أمير الدنمارك هاملت : نكون أو لا نكونُ ! أمامنا خياران ، إما الوجود السامي النقي النبيل أو العدم . نبال لا تساوم ولا تعرف التراجع عن مُثلها وأقيامها وهي كما إخالُ تربط محنة الطائر السومري الجميل البريء الكسير الجناح بمحنة هاملت في قضية مقتل أبيه فكلاهما مظلوم وكلاهما ضحية مؤامرة خسيسة فقد ذاك جرّاها جناحيه وقدرته على التحليق وفقد هذا والده وتاجَ مملكة الدنمارك كما زعزعه وضعُ والدته التي تزوّجت من عمّه القاتل بعد مقتل أبيه وقبل أنْ يبلى نعلها أو حذاؤها حسبما أخبره شبح والده من بين أبراج قلعة ألسينور. نكون أو لا نكون ...
To be or not to be, that is the question !
أجدني في وسط هذا الجو المشحون والمتوتر ميّالاً لعقد مقارنة بين بعض نصوص نبال شمس في كتابها هذا وبعض نصوص آرتور رامبو (3) .
نص مُقتبس من قصة أراتو وطائر الشقراق المُرقّش ، الصفحات 139 ـ 140 ـ 141 :
[[ زمنٌ قد يأتي بين أزهار الإهليلج حيثُ الشقراق المُرقّش هناكَ يتشظى غُربةً ووحدةً وينُاجي أطيافَ الهواء . يُنادي أميرةً أسطورية عبرت الآتي إلى البعيد ... إلى الأبعد ... إلى عشتار التي تعبّدَ لها وارتشفَ من خمرها المُعتّق ناراً تاركاً دمَه فوق أناملها الجامحة في عشق جلجامش حيثُ تُدبّرُ مكائدها .
حطَّ الرِحال يبحث عن آثار أقدام أراتو ( آلهة الشعر ) وقيثارتها الحزينة وأكاليل الزهر على رأسها لا تذبلُ .
... لن تذبل .
أتت أراتو وقيثارتها الصامدة تبكي حروفاً أفقدتها ألوهية الحرف . أسقطتها في زمن اللاشعر .
صرخت حيثُ الشقراق ينزفُ دماً وناراً قائلةً :
مطرٌ إهدودرَ فوق نصّي طُوفاناً . نارُ الحرفِ التهمتني لهيبَ براكينَ ثائرة . أخذتني في حلكة الليل قنديلاً مُضاءً كالنيلوفر الحزين قربَ النهر العنيف الذي لا يُقاوم .
جُرحي والحرفُ الذي لا يخرجُ سيّان . كلٌّ يتمزّرُ دمي يهتكُ صمتي ويعلكُ ضعفي . { ملاحظة منّي : ما معنى الفعل يتمزّرُ } ؟
يا نفسي الهشة يا نفسي أما حان لفطرتي الأولى أنْ تهدأ ؟ لوغوس يطحنُ رأسي يأخذني عميقاً ويرمي بأشلائي في متاهات مُطوّقة .
أدور حول محوري شمساً ... يدورُ زمني حولي قمراً . يفصلنا البعدُ عاصفةَ حزنٍ لا تهدأُ . مَطره عنيفٌ غيومه طيورٌ أسطورية تتقيأ لَهباً { كتبتها نبال تتقيؤ وهذا خطأ كررته في كتابها هذا مراراً } .
أكتبُ قربَ النهر العنيف ... والنيلوفر الضعيف ، ضعيف لا يقاومُ ... أستمدُّ روحي من أعماقه المكسورة والليلُ كفّنني سرّاً عميقاً لا تحويه أوراقي ولا تغفرُ له صلاةُ عاشقٍ صوفيٍّ ساهرٍ على قارعةِ الليلِ ينحتُ آثامَ العشق وأسرار الظلام .
وجههُ ... يا وجهَ التاريخ يا وجهي !! النصُّ بين الأوراق حربٌ ضروس . يغزو السطورَ ويأكلها كألسنة لهبٍ صهرها أتونُ الكلماتِ . فلا وجهٌ للشمس نُحدّقُ فيهِ ولا وجهٌ للقمرِ نتشظى بعدَهُ مزاميرَ حُزنٍ .
شرائعُ العفّة تتقمصنا والنيلوفر يبكي فوق النهر الوحيد ...
أرقبُ غُربةً
أرقبُ زمناً ...
أنتظرُ طيفاً أسطورياً يوقفُ النهرَ الذي لا يُقاومُ . والعالمُ عنيفٌ ... عنيفٌ والتعسّفُ تحت جلدي أشعرُ به يسري مع حروفي الثائرة إلى هاوية النص .
يا وجعي ... يا وجع حرفي المُختلس في حلكة الفجرِ ... وصوتُ الطيرِ يقتلني ... يذبحُني ... يُرهبُني .
إرحلْ / لا ترحلْ !
إبقَ / لا تبقَ !
فأنتَ الطليقُ وأنا المُعتقلةُ في وطني .
كان الطائرُ ينصت لأراتو الحزينةِ فرفعَ رأسه قائلاً :
أنا المكسورُ منذُ بدء التكوين
أنا النازفُ حبّاً ودماً وألماً ]] .
إنتهى إقتباسي الحرفي محافظاً على الأصل كما ورد في الكتاب .
أين البؤرة وأين المركز في هذا السرد التاريخي الجميل الذي اختلطَت فيه إشكالات الكاتبة الذاتية بالموضوعية ... الشخصية بالعامة ... الحب والإنكسارات الحياتية مع كارثة فلسطين السليبة ... إختلط هذا كله بالأساطير التي قرأتها وتأثرت بها وذابت وانحلّت فيها حلولاً صوفياً وجودياً لكنه خارج نطاق الزمان . حتى لكأنَّ مصيبة طائرٍ جميل بريء هي مصيبتها الشخصية ... ثم إنتحلت بقوة حيناً وعلى هوادة أحيانا أخرى ... إنتحلت وضع ومكانة عشتار سومر حبيبة الطاغية كلكامش متجنبة ذِكرَ صدّه الخشن وسبابه الفاحش لها وإعراضه العنيف عنهاً إنما كانت نبال في هيمانها الإبداعي هذا تتمثل قصة غرام أسطوري في شكله ومبناه ومعناه فالحب يبقى هو الحب ظاهرة كونية يجتمع البشرُ حولها وبسببها ويختلف ليجتمع ثانيةً ولا تتم الدورة ولا تنقفل . وحين تخاطب الشقراق ، رمز الحرية والإنعتاق ، أرى نصبَ ناظريَ شعر أبي فراس الحمداني الذي قاله يومَ أنْ كان أسيراً في قبضة الروم :
أيضحكُ مأسورٌ وتبكي طليقةٌ
ويفرحٌ محزونٌ ويندبُ سالي ؟
لقد كنتُ أولى منكِ بالدمع مُقلةً
ولكنَّ دمعي في الحوادثِ غالي

قالت نبال لآسيها ومؤاسيها طير الشقراق :
[[ فأنتَ الطليقُ وأنا المعتقلةُ في وطني ]] .
لكنَّ هذا الطليق مهيض الجناح كسير الخاطر يا نبال عاجزٌ عن الطيران والطيرانُ هو ساحة وميدان حركته الحرّة ومجاله الحيوي < القومي والأممي > ... أما أنت المعتقلة فأنتِ حرةٌ في وطنك من وجهة نظر الحركة الإنتقالية الفيزيائية وأنتِ حرة في النطق والتفكير والتعبير عن قناعاتك ومجمل آرائك ووجهات نظرك في الناس والسياسة فحرامٌ أن تقارني نفسك بوضع طائر مسكين لا حولَ له ولا قوة ولا من نصير في دنياه يدافع عنه ويأخذ بيده أو يعالج الكسور القاتلة في جناحيه وباقي عظامه . لذا كان المسكينُ بليغاً حين ردَّ على خطاب سيدته آلهة الشعر :
[[ أنا المكسورُ منذُ بدء التكوين
أنا النازفُ حبّاً ودماً والماً ]] .
نلمس بيسر بعض مشاكل الكاتبة المستعصية كما تراها هي . على رأسها محنتها مع الكتابة والتعبير عن أشجانها فتجد الحرف ليس ذاك الحرف المطاوع حينما تريده . ففي هذه القصة ، قصة أراتو والشقراق ، قالت ببلاغة ودقة وحرارة تذيب الفؤاد [[ جُرحي والحرف الذي لا يخرجُ سيّان / ص 140 ]] ، جروحها أبجدية حرفية وحروفها جروح فهي في الحالين معذّبة ممُتَحنة تعاني من إمتناع الكلمات عن الإستجابة لها وعصيانها لمشيئتها فكيف سيتسنى لها التعبير عمّا فيها وعمّا تريد قوله وهذا التعبير بلسمٌ ودواء للجروح الغائرة عميقاً في القلب والروح . الإفصاح عمّا في الصدور عملية جراحية تنظف النفس مما فيها من شجن يليها تطهيرٌ عام كما هو الشأنُ مع وبعد كل عملية جراحية . تجرحها الفكرة التي تستعصي على التعبير والتحويل من مجرد خيال فكرة في الرأس إلى حرف مكتوب مقروء متداول فكيف ستتواصل مع باقي الناس وكيف تسمعهم شكاواها وهمومها الكبيرة ؟ إنها لسانٌ مقطوع وفكرٌ ممنوع فما أشقاها بنفسها وبدنياها . لا أجدُ بأساً من إضافة جملة أخرى لها علاقة بالحرف وإستعصائه المزمن القتّال . قالت نبال في الصفحة 139 [[ ...نارُ الحرف إلتهمتني لهيبَ براكينَ ثائرة ]] وقالت قبل هذه الجملة [[ أتت أراتو وقيثارتها الصامدة تبكي حروفاً أفقدتها ألوهية الحرف . أسقطتها في زمن اللاشعر ]] . الحرف لهيبٌ وثورة وثورة ذات لَهَب . وضعتنا ونفسها وسط حريق هائل فأين المفر من الحروف ومشاكساتها ومخاطرها المحيقة بالإنسان ؟
نبال ليست شاعرة وقد إعترفت نفسها بذلك [ الصفحة 272 ] ، فما سبب غيرتها على الشعر ؟ لا مكانَ للغيرة هنا إنما عادت لتذكّرنا بمحنة الكتاب والشواعر والشعراء بالحروف ، ليس هؤلاء هم الممتحنون بالحرف فقط ، بل وحتى آلهة الشعر آراتو نفسها ... آلهة الشعر تحمل معها اللحون لكنها عاجزة عن النطق ... لا تجد الكلام الموافق للنغم فكيف ستغني أشعارها وهي ربّة الشعر ؟
لم تتكلم نبال شمس عن محنتها مع حروف التعبير عن النصوص فقط ، ولكن تكلمت عن النص وهو أكبر من الحرف وإنْ كان هذا أسّه الأساس ولكنهما مترابطان متلازمان . مفردة " النص " شغلها الشاغل حتى أكثرت من ذكرها في تضاعيف كتابها بشكل مُلفتٍ للنظر . أقتبسُ مثالاً واحداً يكفي لتبيان ما أقصدُ [[ يا وجهَ التاريخ يا وجهي !! النصُّ بين الأوراق حربٌ ضروس . يغزو السطور ويأكلها كألسنة لَهَبٍ صهرها أتونُ الكلمات / صفحة 140 ]] . فهل من جفوة بينها وبين نصوصها وما تفسيرها ؟
الكاتبة بارعة في تقمّص الأدوار المختلفة في تكوينها وتشكيلاتها وطبائعها . فهي آلهة الشعر مرةً وهي الشقراق أخرى وهي عشتار ثالثةً إنها هي بعينها وعيانها نبال شمس تلعب وتتلاعب بالأدوار الشديدة الإختلاف والتعقيد كأنها خُلقت بثلاثة رؤوس وثلاثة السنة وأكثر من قلب . هي ممثلة من الطراز الأول وليست متكلمة ذات منطق وفلسفة وحجة وبيان حسبُ .
الآن سأختار ، للمقارنة ، واحداً من نصوص أرتور رامبو النثرية (3) لأبين أوجه الشبه الكثيرة بين أسلوب هذا في الكتابة وأسلوب السيدة نبال علماً أني لا أعرف هل هي متأثرة به وبنهجه في السرد وهل هي تعرف هذا الرجل جيداً الذي عاش وكتب ما كتب قبلَ أكثر من 140 عاماً (( 1870 ـ 1873 )) ؟ بالطبع هناك فوارق عميقة كثيرة بين فكر ومنهج وثقافة كل من رامبو ونبال ولكل منهما نهجه الخاص في السرد تركيزاً وتوسّعاً ، إستعارةً وترميزاً ومجازاً ولا سيّما في مجالات سعة وتنوّع الإحالات . فرامبو كثير الإحالات وخاصة ميله القوي للرجوع إلى ما قرأ في التوراة والإنجيل وإلى الكثير من الأساطير وأسماء العديد من الشعراء فرنسيين وغير فرنسيين . ثم لا ننسى أنَّ له تجارب سياسية ثورية على رأسها تأييده لكومونة باريس فضلاً عن قناعاته المناوئة للدين وجنوحه للعلمانية والإلحاد وسخريته اللاذعة من الكنيسة والرهبان والراهبات . هذه فروق أكبر من كبيرة بين رامبو ونبال لكني رغم ذلك وجدتُ ـ أو هكذا خُيّلَ لي ـ أنَّ لبعض ما كتبت الفلسطينية السيدة نبال أوجه شبه مع بعض كتابات الفرنسي الأممي رامبو . من يدري ؟ لو كان رامبو حياً اليوم لربما وقف مع الفلسطينيين ودافع بحرارة وصدق عن حقوقهم المشروعة في أرضهم ووطنهم القديم .
وجدتُ أنَّ أفضلَ وأيسرَ مقارنة بين نص نبال السابق الذي كتبتُ حروفه مائلةً ووضعته بين أقواس مزدوجة مستقيمة ... وجدتها ـ ربما ـ تصلح مع قصيدة
" ليل الجحيم " لرامبو (3) . سأختار مقتطفاتٍ منها نظراً للتطابق مع نص نبال آنف الذِكْر من حيثُ بعض الصور الشعرية وبعض المفردات بعينها وبعض أفعال الأمر كأفعالِ أمرٍ وإنْ إختلفت في مضامين أوامرها وطبائع هذه المضامين وقدرتهما الفائقة على ملاقاة الأضداد وتصادمها مع بعضها تصادماً ليّناً ودوداً رحيماً وعنيفاً أحياناً . ثم يجب أنْ لا نغفل الفرق بين ديانتي نبال ، الإسلام ، وجذور رامبو المسيحية التي أنكرها أو تنكّر لها رغم إفادته منها مرجعاً ومصدراً ورمزاً وتشبيهاً في الكثير مما كتب . سوف لا أفسّر ولا أضيف ... التفسيرات موجودة في حواشي الكتاب لمن يود التوسع في فهم رامبو .
[[ إبتلعتُ جرعةً من السم قوية . ـ بوركتْ ثلاثا النصيحة التي بلغتني ! ـ الأحشاء تحرقني . لذاعةُ السمِّ تلوي أعضائي ، تشوهّني ، تصعقني . أموتُ ظمأً ، أختنقُ ، لا أقوى على الصُراخ . إنها الجحيم . العذابُ الأبدي ! أنظروا إلى النار تتجددُ ! إني أحترقُ كما ينبغي . أيها الشيطانُ ، إليك عني .
كنتُ لمحتُ الهدايةَ إلى الخير والسعادة ، لمحتُ الخلاصَ . لئن استطعتُ أنْ أصفَّ الرؤية إلاّ أنَّ أجواءَ الجحيمِ لا تحتملُ التراتيل ! كان هناك ملايين المخلوقات تاستحرة ، جوقةٌ روحيّة عذْبة ، القوّةُ والسلامُ والمطامح النبيلة ، ولا أدري ماذا بعدُ .
المطامحُ النبيلةُ !
وما تزالُ هي الحياةُ ! ـ وإذا كانت لعنةُ الجحيم أبديةً ! أوَ ليسَ إنسانٌ يريدُ جدعَ نفسهِ رجيماً حقاً ؟ أحسبني في الجحيم ، إذاً أنا فيها .
...
أصمتْ ، ألا اصمتْ ! ... إنه العارُ هنا والملامةُ : الشيطانُ الذي يقولُ إنَّ النارَ رذيلة وإنَّ غضبي أحمقٌ بشناعةٍ . ـ كفى ! ... أخطاءٌ يوحى بها إليَّ ، شعبذاتٌ وعطورٌ زائفةٌ وموسيقى صبيان . ـ وأقولُ إنني قابضٌ على الحقيقة ، إنني أرى العدالةَ : إنَّ لديَّ حكماً سليماً وثابتاً وإنني متأّهبٌ للكمال ... خُيلاء ! ـ فروةُ رأسي تيبسُ . رُحماكَ ! مولاي ، إني خائفٌ . أنا عطشانٌ ، وأيُّ عطشٍ ! آه ، الطفولةُ والعشبُ والمطرُ والبحيرةُ فوق الأحجارِ وضوءُ القمرِ عندما يُعلنُ الناقوسُ عن منتصف الليل ... الشيطانُ في برج الناقوس ، في هذه الساعةِ . يا مريمُ ! أيتها العذراءُ المقدّسةُ ! ... يا لهول حماقتي .
...
الهلوساتُ لا تُعدُّ . هذا ما حزتهُ دائماً : لا إيمانَ بالتاريخ بعدَ الآن ، نسيانُ المبادئ . سأصمتُ : ويغارُ منّي الراؤون والشعراء {{ كتبها المترجم الرائون ... وهذا خطأ ! }} . أنا ألفَ مرّةٍ الأثرى ، فلنكن بُخلاءَ كالبحرِ .
...
يسوعُ يسيرُ على الأشواك الأرجوانية ولا يلويها ... كانَ يسوعُ يمشي على الماءِ الهائجِ . كان الفانوسُ يُريناهُ واقفاً ، أبيضَ بجدائلَ سمراءَ ، في حضن موجةٍ زمرّديةٍ ... ]]
إنتهى إقتباسي من جحيم رامبو وهو لا شكَّ مختلفٌ عن جحيم الشاعر الإيطالي دانتي ومختلفٌ عن رسالة غفران المِعرّي فإنَّ رامبو في قاع جحيمه هذا يذوب وينحلُّ بالمسيح حيناً فيتكلمُ كأنه هو عيسى المسيح وينفصلُ عنه أحيانا في أوبةٍ شديدة الوضوح لنفسه فيتكلمُ بلسانه هو . أحسبُ أنَّ هناكَ لرامبو كتابات أخرى من الشعر المنثور يلتقي فيها وما كتبتْ نبال شمس لكنني هنا لستُ بوارد الإطالة والإستفاضة وحسبي قولي أنَّ رامبو كان شديد الشغف بالشمس حتى أنه نعتَ صديقه الشاعر بول فرلين بإبن الشمس (4) وأنَّ القاصة الموهوبة السيدة نبال هي كذلك إبنة شمس فإسمها واسمُ أبيها نبال شمس .
ثانياً / محاولات إعتكاف ص 176
هذه هي القصة السردية الثانية التي اخترتها موضوعاً ومسرحاً لسياحاتي مع مجموعة " على جفن البنفسج " للقاصّة الرائعة السيد نبال شمس ، إبنة الشمس الفلسطينية في إهابها الوطني المحدود ، وإبنة الشمس الأخرى في إهابها العالمي الأممي غير المحدود . جمعت فيها شمسين لا تنفصلان ولا تغيبان ... خلافاً لشمسي أبي الطيّب المتنبي الذي قال :
فليتَ طالعةَ الشمسين غائبةٌ
وليتَ غائبةَ الشمسين لم تغبِ
ما الذي جذبني في هذه القصيدة وما الذي استهواني ، تُرى ؟ سؤالٌ لا ريبَ وجيهٌ كل الوجاهة وها إني أُجيبُ .
كتبتُ في بدايات مقالتي هذه أنّ القاصّة نبال سيدةٌ درزية الأصل والفصل . وقلت ، وكما هو معروفٌ ، أنّ في العقيدة الدرزية ما يجمعها مع بعض فلسفات علماء التصوف وخاصة مبدأ الحلول والتجسّد وفصل الروح عن الجسد ثم طغيان ظاهرة وعالم النور بنوعيه الخارجي المألوف والنور الداخلي الذي تتميز به الصوفية ثم الديانة المندائية الصابئية . نعمْ ، وجدتها شديدة التأثر بهذه المباديء العقائدية الضاربة الجذور في أعماق بعض الديانات القديمة المعروفة ومنها ثنائية مانو ونور وظلمة المجوس . كلام نبال في كتابها الجديد " على جفن البنفسج " عن ثنائية الروح والجسد ليس بالقليل [ وقد تكلم فيها حتى صاحبها رامبو ، منافسها الأكبر على شمسنا وشمسها ] وتكلم فيها أفلاطون الإغريقي (5) . يظلُّ الجديد عليَّ هو عمق تأثر نبال بشخصية وفلسفة الزعيم اللبناني الدرزي الراحل ورجل الدولة اللامع كمال جنبلاط . أشارت له ولفكره واستعارت جُملاً بليغةً من مأثور أقواله فيما ترك من كتب . قدّمت نبالُ لقصة " محاولات إعتكاف " بما يلي {{ إعتماداً على كلماته النورانية في محاولة لبلوغ وطن الذات هو ـ الفيلسوف الراحل كمال جنبلاط ـ أمدّني بكلماتي }} . أجلْ ، أخذت نبال مقاطعَ أو جُملاُ مما قال هذا الرجل المتميّز في حياته الخالد بعد فجيعة رحيله سأتوقف على مركز وبؤرة إهتمامي وأعني مسألة النور الداخلي الذي تؤمنُ نبالُ عميقاً به وسأحاول كشف دلالات هذا النور الداخلي للكاتبة وهل هناك بالفعل نور داخلي ؟ ما سرّه وما مصادره وهل يتبادل المواقع مع النور الخارجي أم أنه مجرد إنعكاس لهذا النور ؟ هل يحتفظ دوماً بخصائص النور الخارجي وطبيعته وأطوال موجات ألوانه المعروفة بالطيف الشمسي أم لا من مجالٍ للفيزياء والعلم إنْ حضرت الفلسفة وطغت ؟ بعض ما قالت نبال عن زعيمها الروحي كمال جنبلاط :
// {{ حين أقرأه ـ كتبتها نبالُ أقرؤه وهذا خطأ تكرر في الكتاب كما ذكرتُ قبلاً ـ أمحو ظلماتي وأعرفُ قيمةَ مَن لا أعرفهم }} . إذاً فكمالُ نورٌ تختفي الظلماتُ معه وبحضوره ... وفكر نوراني يكشف أقيام المجهولين والمجهولات في دنياها. إنه كشّافُ المخفيات .
// {{ لولا الوعيُ لما كانت الحرية ، وعلى قدر ما يتكاملُ فينا الوعيُ نشعر بالحرية . لا الحريّة الخارجية القلقة التي تتنقّلُ من مطلبٍ إلى مطلبٍ ، بل الحريّة الداخلية الحقيقية فينا ، الحرية الجوهرية إذا شئنا التعبير الموافق }} . كمال الفيلسوفُ يميّزُ بين نوعين من الحريّات ، واحدة خارجية قلقة أي غير ثابتة وأخرى داخلية جوهرية ثابتة . أما أنا فأرى أنَّ الحرية الخارجية إنْ هي إلا التعبير المتنوع المتبدّل غير الثابت عن مستلزمات الحرية الداخلية التي هي حقاً جوهرية بمعناها القديم الأساس منذ عصور البشرية الأولى وعلى رأسها الدفاع عن النفس في مواجهة مخاطر الطبيعة والحيوانات المفترسة من أجل صيانة ومواصلة قانون البقاء الطبيعي . كان الإنسان المتوحش حراً في إختيار شكل وأسلوب مواجهة مخاطر الوحوش الكاسرة فيقاتلها مرةً أو يختفي عنها في المغاور والكهوف أو يهرب منها أو يتسلق أشجار الغابات حسب الظرف ونوع وقدرات الحيوان المفترس . إنه بذلك يمارس حريته وحقه في البقاء حياً حلقةً في سلسلة البقاء والتطور . حق الدفاع عن النفس لأجل إدامة ومواصلة الحياة غريزة أصيلة مغروزة في جينات البشر وسائر الكائنات الحية من أدناها ألى أعلاها . فللحرية الخارجية علاقات متشعبة وثيقة بالحرية الداخلية وهي المعبِّر عنها . نفهم الحرية اليوم بحرية المعتقد وحرية التعبير عنه والترويج له بوسائل الإعلام المتاحة وحرية الإنتظام في أحزاب وجمعيات ونوادٍ وحرية التنقل الحر والسفر وحرية تملّك ما نشاء من عقار وأراضٍ وأموال وغير ذلك وكلها أمور معروفة اليوم ومتداولة . هل مِن علاقة أكثر من حميمة بين هذه النوعيات من الحرية الخارجية مع الحرية الداخلية الجوهرية في صلب الإنسان ؟ أليست تلك وسائل وأساليب شتى لإدامة الحياة المُثلى قدر الإمكان ؟ أليسَ التشبّثُ والنزوع لإدامة الحياة الجيدة أو المُثلى هو أولاً وآخراً دفاعٌ عن النفس والإخلاص لما في الإنسان من غرائز مدفونة عميقاً في صلب جيناته ؟ لا إنفصالَ بين الحرية الخارجية والداخلية إلا بالمفهوم الفلسفي الصوفيِّ الزاهد في الحياة وما فيها والنازع للخلاص من الجسد والمادة بالذوبان والحلول في الذات الألهية العليا التي لم يَرَها ولم يختبرها أحدٌ لا قبلُ ولا بعدُ !
// {{ حين قرأته رأيتُ المسيحَ المصلوب وغاندي المرمي بالرصاص }}.
هذه كلمة حق بليغة جميلة قالتها نبال المخلصة الوفية لعقيدتها ولمبادئها الإنسانية الشاملة ... قالتها بعفويةِ ونقاءِ الملائكة بحق رجلٍ يستحق كل ثناء وتقدير . الثلاثةُ قضوا مظلومين وقضوا قرابين لما آمنوا به من عقائد دنيوية إنسانية قبل أن تكونَ دينية أو أنها مزيجُ الإثنين : دينية الجذور دنيوية الأهداف والمقاصد . فعيسى إبنُ مريمَ مسيحيٌّ وغاندي هندوسيٌّ وجنبلاط مسلمٌ درزيٌّ .
// {{ مَنْ لم يكنْ في داخله نورٌ يُنيرهُ فيضيءُ معالمَ الطريق فهو أعمى وأبكم ، فكيف يستطيعُ قيادةَ الناس مَن فيهِ جهلٌ أو بلادةٌ في نفسه ؟ وإلاّ يكونُ واحداً وفقَ التشبيه الشهير كالأعمى يقودُ عميانَ }} .
تكلم الراحل كمال جنبلاط هنا عن نور داخلي يُنيرُ صاحبه ويُضيءُ معالم طريقه قائداً سياسياً أو روحياً للناس ... أما تلميذته نبال شمس فلها نورها الداخلي الخاص البعيد عن السياسة وقيادة الجماهير ... نور يؤدي مهماتٍ وأغراضاً شتّى شخصية في أغلبها . أسهبت نبالُ في " أطواق 4 / الصفحات 152 ـ 267 " بالكلام عن النور فمن جملة ما قالت عنه وقد أبدعت فيما قالت وأجادت التعبير عنه دلالةً وشرحاً أنتقي النماذج الآتية :
// [ هل أبقى أصارعُ عَتمةَ غرفتي دون نورٍ داخلي يُضيءُ ولو حرفاً واحداً من كتاباتي ] ؟ . نبال بحاجة في هذه المقام لنور يُضيءُ مدوّناتها وكتاباتها الأدبية فهي في نظرها بحاجة لنورٍ يبدد عتمات ما يتراءى لها من صعوبات أثناء تصديها لكتابة قصة أو خاطرة ما . الكتابة جهدٌ صعبٌ شاقٌّ يضيق معه تنفس الكاتبة ويضيق جرّاءهُ بؤبؤا عينيها فتشعر بمسيس الحاجة لإشعاعات النور . فالقاتلُ كلوديوس في مسرحية هاملت ترك المسرح صارخاً : ضوء ضوء ! ولم يقلْ : هواء هواء مثلاً . حصل ذلك حين قامت فرقة مسرحية إستأجرها هاملت بتمثيل قصة مقتل أبيه أمام عيني القاتل .
// [ هل أحدّثك عن النور يا دانا ومدى رغبتي وحنيني للنور ؟ ليس نورُ العالم ولا نورُ الشمسِ ، بل نورُ نفسي رغمَ أني أبحث عن نفسٍ أخرى إلاّ أني أشعرُ أنّ ثمّةَ قطعةَ نور

الخميس، يناير 21، 2010

دوائر الأحزان ـ1

د. عدنان الظاهر

كلما أعود بذكرياتي للمغرب حيث زرتها أواخر شهر تشرين الثاني ـ أوائل شهر كانون الأول من عام 2009 ... للمرّة الأولى في حياتي [ وأرجو أنْ لا تكونَ الأخيرة !! ] عادت بي الذكرى الجميلة لصديقي وزميل دراستي الجامعية القديم في بغداد الدكتور علي القاسمي، المقيم منذ عقود مُعززاً مكّرَماً هناك . الرجل الكريم الذي دعاني وصديقين آخرين لزيارته في مدينة الرباط فلبينا دعوته وقام بواجبات الضيافة خير قيام . ليس الصديق القاسمي هو الشخص الوحيد الذي تلحُّ ذكراه في خاطري ، إنما وذكرى لقاءاتي بأصدقاء وصديقات مغاربة أخرين في مدينة الدار البيضاء من شواعر وروائيات وكتّاب قصّة ولكنْ ، في حلقي غُصّة ولديَّ شكوى مُستجّدة . شكواي لك عزيزي أبا حيدر القاسمي . فلقد أضفتُ لدوائر أحزانك العراقية منذ طوفان نوح وكلكامش سومر مروراً بمحرّم حرام الطف وكربلاء ومأساة الحسين حتى دمار عراقنا بالإحتلال المركّب الذي تعرف وأعرفُ ... أضفتُ إلى مجموع دوائر أحزانك دائرةً أخرى جديدة ألمانية الراية ـ عالمية الطعم والمذاق فريدة في بابها وجدتها تلتف كالحبل المَسَد [ حبل حمّالة الحطب الصحافية الحقيرة إيّاها !] حول عنقي الضعيف الواهن . دائرة من 360 درجة ولا كباقي الدوائر الدائرة في فلك حياتنا وهوروسكوب حظوظنا البائسة . أما زلتَ يا عليُّ تبحث بين أنقاض التأريخ عن حبيبتك التي لم تعطها إسماً ؟ سوف لا تجدها يا عليُّ وسوف لن تجدها . أبحثْ عن غيرها . إني أراها تماماً مثلَ عائشة صديقك البياتي (2) الذي بحثت عن قبره في دمشق ولم تكلَّ حتى وجدته (3) . هل تبحث عنها يا عليُّ حقاً ؟ أتبحثُ عنها حبيبةً أم أنك في الحق تبحث عنها زوجةً ماتت وتركتك تبحثُ حتى وجدتَ أخرى غيرها ؟ لك الحق في الزواج كما تعرفُ من أربع نساء ! موتُها خلّدكَ يا عليُّ . لستَ إذاً بحاجةٍ للبحث مثل كلكامش عن عشبة الخلود (4) . لا تبكِ عينُك ولا تغامرْ في الإبحار في محيطات الظلمات التي تجاور مسكنك في الرباط وغيرها من المدن المغربية . لا تغامرْ ولا تخاطرْ بحياتك بحثاً عن طب ودواء يُطيلان من عمرك . كان صاحبك كلكامش السومريُّ مغامراً مجنوناً أفقده موت حبيبه أنكيدو معظمَ عقله فراح سُدىً يسعى طلباً للخلود في الحياة . لا خلودَ في الحياة يا عليُّ . كلُّ مَنْ عليها فانٍ . فقدتَ حبيبتك الأولى بعد أنْ رفضتْ هيّ ركوبَ سفينة نوح فما ذنبك فيما جنت الحبيبةُ عليك وعلى نفسها ؟ هل علّمك نوحٌ فلسفة النواح { ناحَ نوحٌ ينوحُ } أم إنها الحبيبة التي خانتك وعصتْ أوامرَ سيدها نوح ؟ دعها تقترن بإبن نوح العاصي الذي آوى إلى جبلٍ عالٍ ظاناً أنَّ الموجَ العاتي سوف لن يأتيه (5) . أتى الموجُ العاتي فاكتسح سومرَ وبلاد أور إبراهيمَ ولم ينجُ من عاتي الموج هذا إلاّ خصمُ إبراهيمَ : النمرود ! قال وأنا قد نجوتُ من نار النمرود . هو نجا من ماء الطوفان لكني نجوتُ من ناره . كيف نجا نمرودُ أور من ماء طوفان نوح ؟ قال عليٌّ إسألْ نوحاً صاحبَ الفُلك العظيم ولا تسلني يا أخي . أنا أنجوتُ نفسي من لظى نيران النمرود وكفى . رحتُ في تفكيرٍ عميقٍ أقول لنفسي لكنَّ نمرودَ أور أنجبَ نمرودَ بابلَ وأرضعه ماءَ دجلةَ في بغدادَ . لنمرودَ أور خلائف في الأرض أكثرهم سوءاً وظلماً ودمويةً حكم العراق أكثر من ثلاثة عقود لينتهي حكمُهُ في التاسع من شهر نيسان عام 2003 ! غرّقَ عليٌّ ناظريه في عينيَّ وقال : وهل نجوتَ حقاً من نمرود بابلَ هذا ؟ نعم ، وكما تراني أمامك ... وإلا لما زرتك في مدينة الرباط المغربية ولما تناولنا طعام الغداء بدعوةٍ منكَ مع إثنين من الأصدقاء ولما أمضيتُ معك في بيتك هناك ليلة ولا كباقي الليالي . هزَّ عليٌّ رأسه وظل يهزّهُ حتى أخذته سِنةٌ من النوم فقمتُ دون كلمة وداع .

وأنا في طريقي إلى المجهول رحتُ أُمعنُ النظر فيما قال الناقد السوري وما أدخل من تفسيراتٍ وتعقيدات على نص القاسمي . فكّرتُ عميقاً وقلّبتُ وجوه هذا الأمر أكثر من مرةٍ فكتبتُ إليه بإختصار شديد : عزيزي الناقد السوري ، سلامٌ عليك . فهمُ نص قصة دوائر الأحزان ليس بحاجة إلى تنظيرات من قبيل الصعود الكوميدي والنزول التراجيدي وما إلى ذلك من تخريجات غير ضرورية البتّة . ليس في الأمر صعودٌ للأعلى ولا نزولٌ للأسفل إنما مسحٌ سريعٌ مختصرٌ لتأريخ العراق ، وطن القاسمي الأصل ولمّا يزلْ ، في إتجاه أفقي واحد محكوم بجبروت قوّة حركة ومسار الزمن من الماضي إلى الحاضر ، من كارثة الطوفان حتى كارثة دمار العراق المعاصرة . أراد القاسمي أنْ يقولَ فقال ما قال بأسلوب أدبي جميل بليغ ... أراد القولَ أنَّ تأريخ العراق منذ عصر الطوفان حتى اليوم هو تأريخ كوارث ومآسٍ وقتل ودماء وحروب يضيع في عنفوان أحداثها كلُّ رمزٍ وأملٍ جميل { حبيبة القاسمي في القصة } . ففي سومر موتٌ لأنكيدو وحزن صديقه كلكامش عليه ، ثم مناحة وبكاء عشتار أو عشتروت وباقي نساء سومرَ على غياب إله الخصب والنماء دمّوزي ( تموز ) مرةً كل عام . ثم سقوط مملكة بابلَ وبرجها العظيم وخراب جناتنها المعلّقة الشهيرة . ثم سقوط مملكة آشور وأخيراً مأساة الحُسين بن عليٍّ في طفوف كربلاء عام 61 للهجرة . هذا هو تأريخ العراق ، تأريخ خراب ودماء ودمار تستدعي البكاء والندب واللطم وشق الجيوب وتجريح الخدود . للدكتور فاضل الربيعي بحث طريف حاول فيه تفسير ورد ما يجري في الكثير من مدائن وقصبات العراق وسطاً وجنوباً من طقوس سنوية في العاشر من شهر محرّم إلى طقس البكاء النسائي الجماعي في سومر حزناً على غياب تموز . طقوس وشعائر اللطم والندب والبكاء الجماعي أكثر قِدَماً مما يرى الأخ الربيعي وهي جميعاً ليست سوى ردود أفعال وتعبيرات متنوعة عن الحزن أو الخوف والجزع ثم العجز أمام ما يقع أمام الناس من حوادث لا تفهمها ولا تعرف لها تفسيرات وتجهلُ مسبباتها ، مجرد ردود أفعال بشرية لا تحتاج إلى تنظيرات . نقرأ في التوراة (6) عن مناحة بنات إسرائيل السنوية على بنت يفتاح التي ضحّى بها أبوها قرباناً ونذراً نذرهُ لربه إذا ما إنتصر على العمونيين فسينحر له أول شخص يخرجُ من بيته ولسوء حظه كانت إبنته أول مَنْ خرج من بيته لإستقباله .لا أرى من جدوى في محاولة الربط بين طقوس البكاء واللطم على الحسين في العراق وبكاء ومناحات نساء سومر على تموز . البشر غير البشر والزمن غير الزمن والأسباب غير الأسباب. لم يكن السومريون من الشعوب السامية كما يقول المؤرخون ، لذا فعاداتهم وطقوسهم تختلف حتماً عن عادات وردود أفعال غيرهم من الشعوب الأخرى . العراقيون ساميون . ثم أنَّ عشتار وتموز وكلكامش هي أساطير بينما واقعة مقتل الحسين وصحبه وسبيِّ آل بيته واقعة حقيقية معروفة التفاصيل .

سمعتُ ـ يا للعجب ! ـ سمعتُ صديقي القاسمي يقول : لا يفهمُ الدرزيَّ إلاّ الدرزيٌّ . فهمتُ على الفور قصده فأضفتُ : ولا يفهمُ العراقيَّ إلاّ العراقيُّ !

هوامش

1 ـ دوائر الأحزان قصة للدكتور علي القاسمي كتب عنها ناقد سوري مقالةً طريفة منشورة في موقع النور وعلى الرابط التالي
http://www.alnoor.se/article.asp?id=66803


2 ـ عبد الوهاب البياتي / المجلد الثاني ، الطبعة الرابعة 1990 ، دار العودة ، بيروت. ذكر البياتي في هذا المجلّد من قصائده الشعرية إسم عائشة مرّاتٍ عدّة منها على سبيل المثال : قصيدة حب تحت المطر ، وقصيدة مرثية إلى عائشة في ديوان الموت في الحياة ، وقصيدة مجنون عائشة في ديوان قصائد حب على بوابات العالم السبع ، وفي غير هذه القصائد . عائشة البياتي هي رمزٌ للمرأة خالدٌ أبديٌّ يتحول لكنه لا يفنى ... شأنه شأن مادة الكون الأزلية . يراها أينما حلَّ وحيثما إرتحلَ . يراها في وجوه نساء العالم كافةً . كذلك الشأن مع حبيبة علي القاسمي .

3 ـ أوان الرحيل / مجموعة قصصية للدكتور علي القاسمي . الطبعة الأولى 2007 ، دار ميريت ، القاهرة . قصّة " البحث عن قبر الشاعر البياتي " .

4 ـ طه باقر / ملحمة كلكامش وقصص أخرى عن كلكامش والطوفان . دار المدى للثقافة والنشر ، دمشق ، الطبعة الخامسة 1986 .

5 ـ قصة الطوفان وفُلك نوح مُفصّلة في سورة هود الآيات 36 ـ 48 . [[ ... ونادى نوحٌ ابنَه وكان في مَعزِلٍ يا بُنيَّ اركبْ معنا ولا تكنْ من الكافرين . قال سآوي إلى جبلٍ يَعصِمُني من الماءِ قال لا عاصمَ اليومَ من أمرِ اللهِ إلاّ مَنْ رَحِمَ وحالَ بينهما الموجُ فكانَ من المُغرقين / 42 و 43 ]] .

6 ـ سفر القضاة / الإصحاح الحادي عشر [[ ... ونذرَ يفتاحُ نَذراً للربِّ قائلاً إنْ دفعتَ بني عمّونَ ليدي فالخارجُ الذي يخرجُ من أبوابِ بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند بني عمّون يكونُ للربِّ وأُصعِدهُ مُحرَقةً ... ثم أتى يفتاحُ إلى المِصفاةِ إلى بيتهِ وإذا بإبنته خارجة للقائه بدفوفٍ ورَقصِ وهي وحيدةٌ لم يكنْ له ابنٌ ولا إبنةٌ غيرُها ... وكان عند نهاية الشهرين أنها عادتْ إلى أبيها ففعلَ بها نَذرَهُ الذي نَذَرَ . فصارت عادةٌ في إسرائيلَ أنَّ بناتِ إسرائيلَ يذهبنَ من سنةٍ إلى سنةٍ ليَنُحنَ على بنتِ يفتاحَ الجلعاديِّ أربعةَ أيامٍ في السنة ]] .

الاثنين، يناير 11، 2010

باعتني ـ بنقودي ـ لصديقتها: حول نصّابة كذّابة تدّعي نصف الجنون

د. عدنان الظاهر

حوار مع سلام إبراهيم [[ لمناسبة صدور روايته الجديدة : الحياة ... لحظة ]] * . تصورته فصورته كأنه هو بطل الوقائع والأحداث وليس إبراهيم السلامي ، الرجل الحقيقي الآخر .
بدأ إبنُ إبراهيم بالسؤال :
كيف يبُاع الإنسانُ بنقوده الخاصة ومَنْ يُصدّقُ ذلك ؟ ذلك ما حصل وليصدّقه مَنْ يصدقه ولينفيه من يشاءُ . نحن في زمن العجائب والغرائب والعولمة وممارسة الإرهاب الدموي والقتل والإحتلال وقمع الشعوب والأديان بإسم محاربة الإرهاب . إذا ما حصل ذلك كله فما الذي يمنع بيع الإنسان بماله الخاص ؟ علّقَ سلام الذي لا يُطيقُ صبراً : نقول في العراق
[ بصوفهِ كتّفوهُ ] أي صنعوا حبلاً من صوف الخروف ليقيدوه به إعدادا له للذبح . بالضبط، أحسنتَ يا صديق الشدائد والملمات ، وأنا كذلك ، حدث لي شيءٌ من هذا القبيل . بمالي الغالي تم بيعي رخيصاً فتداولتني أيدٍ مشبوهة تآمرت ضدي بنذالة وخسّة ووضاعة لا يمكنُ تصور فضاعتها . تصوّر يا سلام ، وجدتُ فجأةً نفسي كبضاعةً سقطت من حافلةٍ مارّة في طريق عام دون أنْ يشعرَ بما سقطَ قائدُ الحافلة . كيف تمت حياكة وتنفيذ مخطط المؤامرة الدنيئة هذه في ظرف أسبوع لا أكثر بحيث إنقلبت الأمور والمشاريع كافة ودارت في الظلام بحيث وجدتُ نفسي في اللحظة الأكثر حراجةً مخدوعاً مغلوباً على أمري في بلد غريب أراه ـ وليتني ما رأيته ـ لأول مرة . كيف إنقلبت حمائم الود والصفاء ومعسول الكلام إلى ضدها تماماً لتغدو مجرّدَ غربانَ شؤم وخبيرات عاليات التدريب والتأهيل في حياكة المؤامرات ولي أعناق الحقائق ؟ كيف تكذبُ وتشعوّذُ وتنصبُ وتسرقُ إمرأةٌ كنتُ حتى قبلَ وقتٍ قصيرٍ أحسبها نظيفةً شريفةً عفيفة اليد واللسان على درجة ما من التهذيب والتربية الشخصية والبيتية ؟ ماذا جرى للبشر في هذه الأيام ؟ هل أنشر المراسلات والتصاوير ووصولات الحوالات المصرفية أم أكتم غيضي وأصون عهودي وألتزم بما الزمتُ به
نفسي من أخلاق وحفظ أسرار الناس والسِتر حتى على من لا تستحق الستر بل ولا تقدّرُ أبعاده ومغازيه ؟ كالعادة ، سينتصرُ الإنسانُ المثاليُّ فيَّ ولأتحمل النتائج وعواقب براءة الأطفال والتمسّك بالمثاليات والثوابت الأخلاقية والثقة المطلقة بسوايَ من البشر . أكثر سلام بلهجة عميقة مَهيبة : أتقِ شرَّ مَنْ أحسنتَ إليهِ إتقِ شرَّ مَنْ أحسنتَ إليه ... كُنْ يا رجلُ حذراً مع الناس سيّما أؤلئك الذين لم تَرَهم في حياتك ولم تقابلهمْ في أيّما مناسبةٍ . كيف تثقُ بمن لا تراه وكيف تطمئنُ لما يقول والغائبُ ليس كالحاضر ؟ هززتُ رأسي موافقاً لما كان يقولُ سلامُ لكني في عين الوقت كنت غارقاً في شعور غريبٍ بالهوان بل وبالضِعة أمام نفسي وبشيء من الخجل أمام هذا الصديق المُجرِّب أكثرَ مني والأصغر سناً . وهكذا نرى أنفسنا أحياناً بجلاء أكبر ومصداقية حقيقية في حضور الأصدقاء كأنهم مرايانا ، مرايا نفوسنا تعكس وتفضح ما في دواخلنا من أمور نخشى في العادة من وضعها أمام عيوننا ونتحاشى مسّها قدر المستطاع عجزاً وتقاعساً عن ضرورات كشف النفس كما هي وممارسة نقد ذواتنا لأننا ، على ما يبدو ، نميلُ بقوة إلى رؤية أنفسنا مثاليين أتقياء أنقياء لا شائبة فينا أو علينا ... ملائكة أو كالملائكة تمشي على قدمين على سطح نسميه الأرض ... نتمنى ... نحلمُ ... نحاول ... نُريدُ ما لا نستطيع وهذه مأساة الإنسان العصري الذي يسعى لكمالٍ لا وجودَ له إلاّ في مُخيّلاتنا وإلا في التمنيات الصعبة . إنتبهتُ كأني في سياحاتي الطويلة هذه كنتُ نائماً أحلمُ وأفسّرُ وأبررُ مفتوحَ المآقي لكنني ما كنتُ أرى شيئاً . إنتبهتُ لأرى جليسي طوال الوقت مُنصتاً جامداً أمامي مُطرِقَ الرأسِ . سألته ما بك يا سلام ؟ قال جعلتني قصتك هذه أعود بذاكرتي القهقرى إلى أعوام النضال العلني والسرّي في مدينة الديوانية وإلى سنوات الحرب وما لاقيت في جبهات القتال من أهوال وإحتمالات الموت ثم حقبة إلتحاقي بحرب الأنصار الشيوعيين في جبال كردستان ... كنت معك في محنتك الصغيرة مع فتاة قد تكون فاقدة العقل فعلاً لكني وجدت هذه المحنة الشخصية الصغيرة أمراً لا أهمية له على وجه الإطلاق مقارنةً مع ما رأيتُ وما كابدتُ وما لاقيتُ من عَنَتٍ ومشقّاتٍ في المدن وفي الجبال ... ما قيمة خدعة تعرّضتَ لها في فسحة زمنية قصيرة لم تتعرض بسببها إلى أي خطر على حياتك أو سلامتك ؟ معك حقٌّ يا سلامُ . علمتك تجاربك المريرة مع الناس والزمان أشياء كثيرة لم أعرفها ولم أمرَّ بمثيلاتها . غدوتَ يا سلامُ حكيماً أكثر مني خبرة ودراية وحَنَكة . لم أقاتل فاشية البعث ونظام صدام حسين نصيراً في جبال كردستان ولم أتعرض مثلك للقصف بالأسلحة الكيميائية المحرّمة دولياً لذا تبدو مشاكل غيرك تافهة لا قيمةَ لها وإلا فضياع بعض المال ليس كضياع الحياة نفسها والمقامرة في الظلام ليست كمغامرة خوض حرب تجري نهاراً تحت الشمس وليلاً في عتمات الظلام . علّقَ سلام قائلاً : لو شاركتَ في حروب الأنصار في ذرى شواهق الجبال ومسالكها الشديدة الوعورة لهانت عليك قصتك مع فتاة كذبت عليك ونصبتك واحتالت وتواطأت مع صاحبةٍ لها واختلقت قصصاً لا صحة لها ولا مصداقية . إنسَ هذا الموضوع وانسَ صاحبته فإنها في نظري مجرد عاهرة تدّعي الشرف ومحتالة من العيار الثقيل تتوهمُ النزاهة في نفسها والعفة في جسدها (( بابة هاي وحدة شرموطة ما تسوة تفكّر بيها )) . أُصغي لمحاضرة سلام وحكمته فيها فأتذكر إدّعاءَها أنها تركت صديقاً لها لأنه راودها عن نفسها فاعتذرتْ واستعّصمتْ وتحصّنتْ وأصرّت أنْ تحتفظَ بكامل عذريتها . كان صاحبي يراقبني بعينين خبيثتي النظرات فترجم حواري الخفي ونجواي مع نفسي على الفور . تبسّم بخبثِ خبيرٍ في شؤون النساء وقال : إي نعم ، عذراء بتول ولكنَّ عذريتها في مؤخّرتها لا في مقدمتها . اللعنة عليك يا سلام ! ما تجوز من سوالفك ! شرف المرأة ليس في عذريتها فقط ، إنما في شرف اللسان وفي شرف السلوك وكيفية التعامل مع الناس . الشرف كل الشرف في أخلاق المرء ذكراً أو أنثى .
هل أسالُ صديقي عما حلَّ به في فترة إقامته شبه الجبرية في موسكو لأكثر من عام وهو يحاول الوصولَ إلى الدنمارك ؟ أم أسألهُ عن مجمل أوضاعه بعد ما حلَّ لاجئاً في هذا البلد الأسكندنافي ؟ عرضتُ عليه كلا السؤالين فقال تريّثْ ، إسألْ بعد أنْ تُنهي قراءةَ روايتي الجديدة التي أعطيتها عنوان [[ الحياة ... لحظة ]] *. إنه كتابٌ ضخم يا سلام بأكثر من 500 صفحة فمتى يتسنى لي إتمام قراءته وأوضاعي كما ترى لا أقرأ إلا القليل ولا أقرأ إلا في النهار ونهارُ الشتاءِ كما تعلمُ قصيرٌ . قالَ سأنتظرُ ، سأنتظرُ حتى حلول زمان نهارات الصيف الطويلة فصبري أطول منها . طيّب يا سلامُ ، ننتظرُ أشهرَ الصيفِ القادم ولسوف نرى ما سأكتبُ عن كتابك وما سأقولُ ولكنْ ، بيننا وبين أوائل فصل الصيف شهوراً وشهوراً وشتاءً ثم ربيعاً فماذا عسانا بها فاعلين ؟ قال فلنتحاور حول ما قرأتَ من قصص كتابي حتى يومنا هذا . فكرة جيدة يا سلام . قرأتُ القصصَ التالية : المتشردة الروسية / اليهودية الجميلة / مريم الأوكراينية / أخي الزنجي / شاعر الإيديولوجيا / الحالمون الثلاثة / جندي أمريكي وعدس عراقي . ضحك صاحبي مجلجلاً في الفضاء ضحكة هي خليط من البهجة والدهشة وبعض السخرية فسألته ما الذي أضحكه ؟ قال قد قرأتَ نصفَ قصص الكتاب وتدّعي أنك لا تقرأ إلا القليل ولا تقرأ إلا في النهارفقل لي بربك الأعلى ، كم كنتَ ستقرأ لو واظبتَ على القراءة ليلاً ونهاراً وبوتائر طبيعية ؟ أفحمني سلامُ بسؤاله لكني إستدركتُ فقلتُ يا سلامُ ، قصصك مغرية جداً وأسلوبك في السرد سلسٌ ممتع ومشوّقٌ ومادة ما تكتب مستلّة من صميم الواقع ومن تجاربك الشخصية في أعوام النشاط الشيوعي بنوعيه السري والعلني ثم ما تراكم لديك من خبرات مؤطّرة بالدم ورائحة البارود والحروب وجبهات القتال خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية حرب السنوات الثمان . السجون والمعتقلات والتعذيب والإغتصاب طفلاً ثم في دوائر الأمن والأمن العام في بغداد وغيرها ( الصفحات 99 و 405 ) . ثم هروبُك من جبهات القتال والتحاقك برفاقك الأنصار الشيوعيين في جبال كردستان وما لاقيتَ وما واجهت هناك حتى تعرّضك لضربة الأسلحة الكيميائية التي أخذتك قريباً من حالة العمى . كلها حقائق أبدعتَ في وصفها بدقّة مُقاتلٍ شريفٍ وأمانة كاتب عفيف وشجاعة رجل جريءٍ خارجيٍّ الطبع أدمن الخروج على المألوف وأدمن قولَ ما يراه حقاً وصحيحاً حتى لو خالف الكونَ بأسره . كيف لا تغريني مثل هذه الكتابات ، كيف ؟ تابعتُ كلامي فقلتُ : لكنَّ القراءة ـ مهما صعبت وتعذّرتْ ـ شيءٌ والكتابة شيءٌ آخرُ مختلفٌ . القراءةُ شيء خاص لكنَّ الكتابة أمرٌعام ، يكتبُ مّنْ يكتب إنما يكتب لسواه ، للناس جميعاً لا يكتب لنفسه . الكتابة مسؤولية كبيرة متعددة الوجوه والأهداف ، إنها مسؤولية الكاتب تجاه نفسه ومسؤوليته تجاه صاحب النص ثم مسؤوليته أمام القرّاء وأخيراً مسؤوليته العظمى أمام التأريخ . كان صاحبي يوالي هزَّ رأسه هزاتٍ خفيفة مؤيداً أقوالي وأنه يعرف حجم ومقدار مسؤوليته حين يجلس منصرفاً لكتابة قصة أو مجموعة قصصية أو رواية . إنه يُدرك حقيقة وعمق ما كنتُ أقولُ . لقد كتب سلام في مجموعته الكبيرة الأخيرة أموراً شخصية جداً تتعلق بنوع علاقته بزوجه أمِّ طفليه وكيف توتّرت هذه العلاقات وكيف وجد نفسه مشرّداً بلا مأوى هناك في الدنمارك ، بلد لجوئه وكيف غدا مدمناً على تناول الكحول ولا سيّما الفودكا ( قصة الحالمون الثلاثة ) . كان في كل ما قصَّ وما عرض من تفصيلات غاية في الخصوصية ... كان جريئاً وكان أميناً لكأنه تعلّم هذا النهجَ من جان جاك روسّو وما كشف في إعترافاته من خبايا وأسرار شخصية . كيف لا أتأثرُ ولا أتجاوبُ مع كاتب يكشف لي ما في صدره وسريرته من أسرار؟ كيف لا أجعلُ من نفسي صديقاً صدوقاً له رغمَ أني لم أرهُ ولم يَرَني ؟ وكيف لا أحرصُ على مداومة قراءة ما كتب وأنا واقعٌ تحت تأثير أصالة وصدق وجمال تعبيره عمّا فيه وعمّا عانى وما قد لاقى من عَنَت الدنيا والظروف ومن أقرب الناس إليه : قرينته وأم طفليه ؟ كيف يؤولُ إلى مثل هذا المصير مناضلٌ شيوعيٌّ كرّسَ عمرَهُ وحياته يسعى لإقامة العدل في الدنيا والمساواة بين البشر وضمان حريات التعبير والنشر والمعتقدات وتوفير السعادة لكل الناس ؟ كيف تكون نهاية هذا البطل المناضل نهاية مأساوية حزينة حيثُ يجدُ نفسَهُ عاطلاً مطروداً من جنة عدنِ بيته وعائلته لا يفارقُهُ السُكرُ حتى يخضع لجلسات علاج نفسانية بل وحتى المكوث في مشفىً خاص بمعالجة الإدمان والمدمنين على تناول الكحوليات ؟ ما كان سلامٌ الوحيد في هذا المصير ، فقد عرض علينا نموذجين لإثنين من رفاقه السابقين في تجربة الكفاح المسلّح في الجبال هما علي وأحمد ( قصة الحالمون الثلاثة ) . علي ، مُقيمٌ بالسويد ، بساق واحدة هو الآخر سكير لا يفارقه سكره . وأحمد ، مُقيمٌ في المانيا ، المهندس اللامع السابق مطرودٌ من وظيفته نصف مشلول لا يستطيعُ النطق إلا بصعوبة . ثم عرض في قصة ( الشاعر ) نموذجاً آخرَ لا يختلف كثيراً عنه هو شيركو ، الشاب الكردي من كركوك ثم عزيز في قصة ( مجد الغرفة ) . مَنْ الذي لا يتضامن مع سلام في تساؤلاته الوجودية العمق والدلالات من قبيل : " مَنْ غطّسني في يمِّ المنفى / ص 446 " و " من جعلني أعيشُ حياتي مثل وهم / نفس الصفحة " ثم إنه هو نفسه يعود كأنه قد صحا لتوه من عتمات سكرته فيجيبُ قائلاً " كنتُ لم أزلْ أعتقدُ بالإنسان في معادلة غير قابلةٍ للنقض ، هي التي أفضت بي إلى هذا المآل ، حيثُ صرتُ مُتشرِّداً في بلدٍ لا مكانَ فيه لأحلام الثورة ، فكل مشكلةٍ لها حلٌّ في نظامٍ متماسكٍ قليل الثغرات / ص 447 " . حين يكون سلام غارقاً في حوارات عميقة مع نفسه يسألُ ويُجيب يفرزُ دماغُه أو قلبُه أو عقلُهُ الباطن أفكاراً لا تختلفُ عن أفكار كبار الفلاسفة وأعجبُ كيف يصوغها ويعبّرُ عنها بدقة متناهية تثيرُ الدهشة فيا له من أديبٍ مفكّرٍعرك الدنيا وعاشها لحظةً فلحظةً وقطعها شبراً شبراً بين السهل والجبل والبر والبحر . أحد الأمثله على طفحات سلام البالغة العمق والجرأة ما قال في الصفحة 456 في معرض تفسيره لأسباب كرهه لأمريكا [ ... يُضافُ إليها شدّة إلتصاقي بالإنسان كقيمة مطلقة تهملها الإيديولوجيات رغم أنَّ أُسَّ قيامها وتكوينها عليه ... وبتعبير أدق أنها تجعلُ منه معبراً لسيادة أفكارها وما يقفُ خلفَ تلك الأفكار من مقاصد ومصالح ومنافع ] . مثل هذه القفزات الطافحة أو الطفحات القافزة ليس بالقليل في هذه الرواية الزاخرة بالأحداث والوقائع التي يقربُ بعضها من حدود الخيال العليا حتى ليصعب تصديقها . نعود لمناقشة ما وجدتُ فيما قرأتُ حتى اليوم من قصص سلام في سِفْرهِ الأخير . طلب مني أنْ أكاشفه فيما وجدتُ في قصصه من مؤاخذات ونقاط ضعف وما شابهَ ذلك . أعرفه شجاعاً ورجلاً لا يخشى النقد النزيه أو المُنزّه من الأغراض اللئيمة والأهداف المشبوهة وقد شجّعني على مكاشفته الصريحة كونه لم يكن مخموراً حدَّ السكر فمضيتُ غير هيّابٍ لما سأقول . يا سلامُ ، إنصرفَ لي بكليّته فاتحاً حدقتي عينيه جامدتين من غير رمشٍ وحركة . يا سلامُ ، كررتُ ، رأيتُ أنَّ الفصلَ الأخير في مجموعتك القصصية بعنوان ( بُمْ ) فصلٌ مُفتعلٌ غريبٌ عن جسد وموضوعات باقي القصص التي سردتها وكانت في أغلبها قد وقعت في موسكو ومدينة كييف عاصمة جمهوية أوكرايينا. بل ووقعت أحداث بعضها المتطرفة في رومانسيتها في كابينة قطار صغيرة متَّجهِ من موسكو إلى المدينة الثانية . فما الذي دعاك إلى هذا الإفتعال وإختلاق قصة إختطافك وصديقك أحمد من قبل بعض المجاهدين وأنتما في الطريق البرّي إلى بغداد ؟ بل وكانت خاتمة هذه القصة شديدة البرودة ناقصة خالية من أية قيمة أو مغزى . لم تحسن ختامها يا سلام لذا ، أرى أو أتمنى لو أنك أهملتها ولم تجعلها جزءاً ختامياً في كتابك . كان صاحبي مُصغياً بهدوءٍ وأدبٍ جمِ لما كنتُ أقولُ . قال هل أوضّح ؟ تفضّل يا سلام . بُمْ تعني صوت إنفجار ، الحياة فقاعة ، صوّرها قبل أنْ تنفجر ... كما درَجَ المصور الزنجي شاكر ميم على القول . لكنَّ هذا القول ليس لصاحبك شاكر ميم إنما هو قول معروف باللغة الإنكليزية خطّه أحدُ مصوري بغداد أواسطَ خمسينيات القرن الماضي على واجهة محله وكما يلي :
Life is a bubble, snap it before it burns
(( همس مع نفسه بصوتٍ خفيض : كيف أعرف ذلك وما وُلِدتُ إلاّ عامَ 1954 ؟ )) .
بعد فترة صمت قصيرة قال وهل عندك مؤآخذات أخرى ؟ أجلْ يا سلامُ ، لديَّ الكثير . مثلاً؟ قال سلام . لم يعجبني إسرافك في سرد تفاصيل علاقاتك ببعض الفتيات وتصوير نفسك للقارئ كأنك كازانوفا ساحر خبير في فنون الإيقاع ببنات حواء وبسرعات تفوق سرعة الصوت . ثم سرعة تجاوب الفتيات معك حتى أنك نجحتَ في مضاجعة الفتاة اليهودية وأنتما في كابينة قطار متجه نحو مدينة كييف في ظرف ليلة واحدة لا أكثر ( قصة اليهودية الجميلة ) . ثم قصة أخرى مشابهة جرت أحداثها في غرفة من حجرات أحد بيوت الطلبة في كييف إذْ تورطتَ في إغراء حبيبة طالب لبناني أعدَّ لك في حجرته مائدة طعام وشرابٍ تكريماً لك دعا لها نخبة من الطلبة العرب الدارسين في جامعة كييف ومعاهدها. سحرتها بلحاظ عينيك فتجاوبت معك ثم مارست بعد ذلك الجنس معها في تلكم الليلة عينها
( قصة مريم الأوكراينية ) . لقد خنتَ الأمانات يا سلام وجميلٌ منك أنك إعترفتَ أنك بصنيعك ذاك كنتَ نذلاً ( ... تذكّرَ كيف همس لمريم بعنوان مسكنه ، تعجّبَ لا من جرأته فحسب ، بل من نذالته وهو يحاول الإيقاع بعشيقة صاحب الدعوة / الصفحة 394 ) . ماذا تسمّي هذه الخيانة يا سلام ؟ أليست هي أسوأ وأكبر وأقبح من خيانة تلك الفتاة النصّابة الكذّابة التي باعتني ببعض نقودي لصديقتها ثم وبعد أنْ أنجزتْ صفقة بيعي شرعت بترتيب وتأليف شتى قصص الشعوذة والدجل وقلب الحقائق . كان وجهها وجه دب شديد السمرة خالٍ من أية إنفعالات تماماً كأنه قطعة خشب جففتها حرارة شموس صيف تلك البلاد الحارة . حين أضع أمامها كذبها وتورطها بالصفقة المخجلة وأكشف لها حقائق الأمور ... ما كانت تنفعلُ وما كان يبدو على ملامح وجهها أي أثرٍ لشيء إسمه الحَرَج أو الإحساس بالخجل أو الندم أو الإستعداد للإعتراف بالذنب ثم الإعتذار عمّا فعلت . بالعكس ، ظلت تكذب وتكذب وتفتعل أعذاراً مهلهلةً لا تصمد أمام أصغر حجة أو بيّنة . بإختصار شديد : أساءت هذه الخنفسانة القميئة لا لنفسها الأمّارة أصلاً بالسوء والسرقة والإحتيال حسبُ ، إنما أساءت لمجموع نساء بلدها وقدّمت لي النموذج الأكثر سوءاً والأقذر فعالاً والأحط قيمةً . عدّل سلامٌ ظهره ثم نهض مادّاً يده لمصافحتي قائلاً ببرود شديد : لا تشغلْ نفسك بها . إنها مجرد صرصور مراحيض ومجاري تصريف مياه المدن القذرة . أدار نحوي رأسه نصف إستدارة وقال : بابة هاي وحدة شرموطة ... شوف وحدة غيرها ... لا تورطْ نفسك ولا تشغلها بالصراصير . إغتنمْ أجمل الفُرص وعش للحظتك مع الجمال والجميلات فإنَّ
[[ الحياةَ... لحظة ]] .... / هذا هو عنوان رواية سلام القصصية الأخيرة الذي يذكّرني بعنوان رواية الطبيبة المغربية الرائعة " لحظات ... لا غير " .
خُلاصات
كيف يمكن تقويم سلام إبراهيم ومجمل كتاباته وخاصة مجموعته القصصية الأخيرة ؟
للمثقف والأديب وباقي الناس بعدان أساسيان هما البعد الإنساني ـ الأخلاقي ثم البعد الفكري ـ الثقافي . البعدان بالطبع متداخلان لكني أحاول أنْ أجدَ بعض الفوارق بينهما لكيما يكون القارئ الكريم على بيّتة من حقيقة وطبيعة الكاتب الأديب والقاص السيد سلام إبراهيم مناضلاً شيوعيا أوقات السلم يتعرض للإعتقال والسجن والتعذيب والإغتصاب الجنسي ثم جندياً مقاتلاَ في جبهات القتال ضد عدو خارجي حسب مفهوم ونظريات حكام العراق وعلى رأسهم صدام حسين ... وأخيراً نصيراً يحملُ السلاح في وعر الجبال وزوجه معه في وجه نظام دموي فاشي ديكتاتوري أهانه وأهان أغلب شعب العراق وأذلّهم وقتلهم بالسموم أو التعذيب وغيبهم في سجونه وأقبية مخابراته وإستخباراته السرية وفي المقابر السرية الجماعية واستباح الأعراض والحريات والممتلكات .
مَنْ هو سلام إبراهيم ؟
سأحاولُ ـ قدْرَ ما أستطيعُ ـ سبرَ أغوار سلام إبراهيم وتسليط الضوء المُنصِف عليه في شتى تجلياته وأبعاده الإنسانية والمرحلية وأطوار حياته المتنوعة الشديدة التلّون والإختلاف. أرى أنَّ البعدَ الإنساني فينا بعدٌ جوهريٌّ أصيلٌ يولدُ معنا والناس متفاوتون في عمق هذا البعد . معه أو نتيجة له ينمو ويتطور في هذا الإنسان الجانب المتمم الآخر ، الجانب أو الوجه الأخلاقي ، إذ لا من بُعدٍ أخلاقي بدون أُساسهِ وجذره وقاعدته : الكينونة والطبيعة الإنسانية في الإنسان. طبيعة سلام إبراهيم والظروف العائلية والمدرسية والإجتماعية التي أحاطت به بعد مولده ... هذه العوامل مجتمعة ساعدت على ظهور ونمو وصقل وتطور الوجهين معاً الإنساني ثم الأخلاقي . لهذه الأسباب مجتمعة مال سلام أو أماله طبعه السليقي للتنظيمات السرية الثورية للحزب الشيوعي العراقي حيث وجد فيه وفي عقيدته السياسية ـ الإقتصادية ـ الإجتماعية الأنموذج والمثال اللذين يتطابقان مع تصورات الفتى الناشئ في العدالة والحرية والإكتفاء ورَغَد العيش ويحققان طموحاته في حياة مثالية نظيفة خالية من الظلم والفقر والإستبداد . أطلق سلامُ لاحقاً على موسكو المدينة الفاضلة ، مدينة ماركس الفاضلة ، مثالاً للمدينة والنظام الذي كان يحلم بهما حتى عاصرَ وعايشَ ورأى رأيَ العين ما حلَّ بموسكو وما صار إليه مواطنو الإتحاد السوفياتي السابق زمن كورباتشوف ويلتسن . رأى نفسه في العاصمة موسكو الرأسمالية الجديدة منتكساً على رأسه معلقاً من قدمية تدور به مروحة سقفية كتلك التي كانت عناصرُ أمنِ ومخابراتِ حزبِ البعث في العراق تشدّه بإحكام فيها شكلاً واحداً من أساليب التعذيب التي كانت تمارسها تلك السلطات المغرقة في السادية والوحشية مع السجناء السياسيين المخالفين في الرأي والعقيدة لمنهج وعقيدة الحزب الحاكم .
هل إنحرف سلام عن جوهر طبيعته ، متى وكيف ولماذا ؟
إنتكس سلام في عاصمة الحلم والأمال والإشتراكية موسكو بعد إنهيار المنظومة الإشتراكية وتفكك الإتحاد السوفياتي حصن السلام والإشتراكية وأمل الفقراء والعمال والفلاحين ومحبي الحياة من بسطاء الناس وخيارهم . شاء حظ سلام العاثر أنْ يكون في موسكو عام 1990 وقد أتاها مع زوجه وطفليه تهريباً من شتى بقاع العالم [ كردستان العراق فتركيا وإيران ودمشق ] بجواز سفر سعودي مزوّر بعد أنْ خاضا تجربة أو تجارب الموت المتعددة الوجوه مقاتلين أنصاراً في جبال كردستان العراق . طارت الزوجة مع الطفلين ، في مغامرة غير معروفة النتائج ، إلى العاصمة الدنماركية كوبنهاكن وبقي سلام وحيداً في موسكو ينتظر إحتمال قبوله لاجئاً ليلتحقَ هناك بعائلته الصغيرة . هنا في موسكو أمضى قرابة عامٍ ونصف منتظراً حلول المعجزة وضمان حق اللجوء للإلتحاق بعائلته . وهنا بالضبط جرت التحولات الغريبة والعجيبة في أفكار سلام وسلوكه ومجمل وجهات نظره لا سيّما تلك المتعلقة منها بالشيوعية والحزب الشيوعي وقياداته والرفاق المقاتلين الأنصار والنصيرات وتجربة الكفاح المسلّح نفسها ثم عموم مواقفه من النساء: قصة فليرمها بحجر وقصة لا تتركني وحدي ثم قصة مجد الغُرف ... على سبيل المثال . ركّزَ سلام فيها طولاً وعرضاً ، للأسف ، على الجوانب السلبية فقط في تجربته مع الحزب وفي إلتحاقه بالأنصار ولم يذكر أمراً واحداً نظيفاً إيجابياً بطولياً يرفع الهامات من تلك التي يذكرها ويؤكدها أنصارٌ مثله آخرون وهي لا شكَّ أكثر من كثيرة . ركّز سلام كثيراً وأعتمد على حكايات وروايات شاب كردي صغير من كركوك إسمه شيركو وعلى ما كانت تقصُّه عليه رفيقته جميلة إبنة قطّاع أربعين في مدينة الثورة من بغداد . ما كان سلام مشرّداً في شوارع موسكو بلا مأوى إذ وضعته لجان أو مفوضية اللاجئين في شقة مع مخصصات غير قليلة ، لكنه وجد فجأةً نفسه ضائعاً شبه يائس لا يعرف مصيره ومصير عائلته التي طارت وظلَّ بعدها وحيداً يواجه إحتمالات مجهولة ونتائج غير أكيدة . لعبت عوامل محددة بالتكافل والتضامن أخطر الأدوار في هذا الطور من حياة سلام غدا بها وجرّاءَها سكّيراً مُدمناً على تناول الفودكا الروسية والبيرة فضلاً عن أدمانِ آخرَ هو الجنس والنساء . على رأس قائمة هذه العوامل هو الشعور بالضياع ! وجد نفسه حرّاً وحيداً بعيداً عن زوجه وطفليه في مدينة كبيرة تمرُّ في أخطر أدوار تحولاتها من عهود الإشتراكية إلى عهد الرأسمالية الضاربة الأطناب والحافلة بالقفزات والمغامرات . كان ضائعاً مستعداً للتشرّد تأتيه مخصصات تكفي حتى للإسراف في تعاطي المشروبات الكحولية والإنفاق على أصدقائه العراقيين ، ولا سيما رفاق الكفاح المسلّح ، وعلى صديقاته الروسيات المتساهلات جداً في أمر الجنس . ثم كانت تحت تصرفه شقة صغيرة مجهزة بحمام ومطبخ وأثاث متواضع . هل كانت هذه هي بالضبط طبيعته الجوهرية التي وُلد بها ووُلِدتْ معه ؟ تأريخ حياته الذي عرضه بشتى الأساليب منذ طفولته وصباه وشبابه يجعلنا نميل للقول نعم . الأرضية موجودة والطبيعة فيه مستعدة . صبيٌّ وفتى متمرد مشاكس عنيد يعيش في بيت من حجرة واحدة وأكثر من عشرة أشخاص مارس التدخين والسكر والجنس ( قصة مجد الغرف ) منذ بدايات سنيِّ مراهقته الأولى ميالاً بقوة للجنس الآخر من بنات الجيران وباقي بيوت المحلة . زدْ على ذلك عاملاً آخرَ شديد الخطورة على واقع ومستقبل طفل بهذه الطبيعة ... أعني كان والده سكّيراً وعاطلاً عن العمل وكان قاسياً مع الطفل سلام. ساعدت هذه العوامل على تنشيط وبروز الكامن من طبعه الذي ظهر على السطح وساد ما أنْ تهيأت الفُرص والأجواء الملائمة فانكشفت طبيعة وسليقة سلام المتأصلة أساساً في جيناته الوراثية.
وماذا عن البعد الثاني ، الفكري ـ الثقافي لسلام ؟
قرأتُ وكتبتُ عن ثلاث روايات لسلام إبراهيم هي : رؤيا اليقين / سرير الرمل / الأرسي / وهذه الرواية الأخيرة موضوعة كتابتي اليوم . وجدت سلاماً فيها كاتباً متمكناً من صنعة القص الروائي سليم اللغة واسع الثقافة جسوراً جريئاً لا يُخفي خبراً يخصّه مهما كان كبير الحساسية . وفيما يتعلق بمجموعة اليوم الروائية ، وجدته أكثر جرأةً وأطولَ نَفَساً وباعاً وأكثر إقداماً على المزيد من كشف أمور لصيقة به وبتأريخه الشخصي البعيد منه والقريب ثم الأقرب . جرت أحداثُ أغلب قصصه هذه في موسكو لذا وجدها فُرصةً مناسبة لإستعراض ما يعرف وما قرأ من قصص وروايات وأشعار كبار الكتاب والشعراء الروس وخاصةً ديستيفسكي وتشيخوف وتولستوي وماياكوفسكي وكان جلياً تأثره الكبير بروايات الأول على مستوى الفكر ثم التصرفات والمسلك هناك في موسكو مدينة هؤلاء الكتّاب العظام . قرأ وفهم عميقاً ما كتب ديستيفسكي عن المشردين ومدمني الخمور والضائعين في خضمّ الحياة الروسية الدنيا في العهد القيصري ، بشر القيعان والعالم تحت السفلي . قرأ ذلك في السابق لكنه وجد نفسه في موسكو عام 1990 واحداً منهم لا يختلف عنهم إلا ببعض التفصيلات . أحب هؤلاء البائسين والأرواح الهائمة وأحبَّ الروائيَّ الروسي ديستيفسكي أكثر . وجد نفسه واحداً من أبطال رواياته . عاشر لفترة قصيرة إمراةً بائسة مشرّدة لا بيتَ لها ولا عائلة ، ثم عانى من أربعة من هؤلاء المشردين فاجأوه بغتةً في إحدى الليالي جاؤوه بصحبة المشرّدة تلك التي آواها واغتصبها في ذات الليلة . فكرُهُ وثقافتُهُ هنا إندمجتا مع حسّه الإنساني الأصيل فيه والعميق فكان تضامنه مع هذه الشرائح من الروس البائسين المدمنين على تناول الخمور تضامناً أخلاقياً مزدوجاً : يعطف عليهم من جهة ويرى نفسه وحاله فيهم من الجهة الثانية . وجد فيهم السلوى والعزاء والمثال . توحّدَ فكرُهُ مع طبيعته السوية الأصلية التي وُلِد فيها قبل أنْ ينحرفَ وتنحرفَ الحياةُ فيه .
ماذا بعدُ ؟ نقطة ليست في صالح سلام إبراهيم أسجّلها عليه بعد أنْ إقتنعتُ أنه يقع أحياناً ضحيةَ سطحيةِ ما يرى من ظواهر . فقد خدعه سلوك الفلسطيني القادم من إسرائيل المدعو صالح ولم يستطعْ فرز الأمور وإستخلاص النتائج . فات سلام أنَّ هذا الشخص الذي يصرف بسخاء على لياليه في البارات والمطاعم الراقية يقدّم دعاوة كبيرة لإسرائيل ، لا شكَّ مدفوعة الثمن ، بسخائه وبذخه ذاك وبما يقدّم من عروض مسلية أمام جمهور يتجاوب مع عروضه حدَّ التصفيق الحاد في كلِّ مرّةٍ يظهر مديرُ برامج العروض المسليّة والأغاني والموسيقى ويعلن أنَّ هذا { القرقوز } المُسلّي هو مواطن إسرائيلي فتضج ُّالقاعة بالتصفيق والإعجاب !! كان صالح هذا واضحاً في جفائه وسلبيته من باقي الطلبة الفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية أو الجولان المحتل أو من بلدان الشتات [ القصة المسماة صالح
والأرملة ] .
إبتعدَ إبراهيم قليلاً عني بعد أنْ ودّعني فرفعتُ صوتي صارخاً : سلام ! أكملتُ قراءة كتابك جيّداً . سلام ! جدْ لي فتاة من صديقاتك الروسيات الكثيرات لكي أترك وأنسى تلك الكذّابة النصّابة التي أسميتها أنتَ بحق شرموطة ! لم يسمعني سلامُ فأضفتُ : بل شرموطة بنت شرموطة !
غاب عن ناظريَّ سلامُ فدخلتُ في دوّامة من التفكير العميق المشوّش متسائلاً : ماذا سيقول رفاق سلام السابقون ولا سيّما مقاتلو الجبل من الأنصار الشيوعيين لو قرأوا كتابه هذا وما فيه من نقد صريح جارح لبعضهم وتعريض ببعض القيادات ( قصة مجد الغرف الصفحة 205 ) ؟ قد يقول بعضهم عن هذا الكتاب : هّذَرٌ في هذر ! ليس فيه إلا أحاديث مخمور شاذٍ ضائع مصدوم عن الجنس والإفراط في تعاطي الفودكا !
* الحياة ... لحظة / رواية لسلام إبراهيم . الناشر : الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة، الطبعة الأولى يناير ، كانون ثان 2010.

الأحد، يناير 03، 2010

مع نادين البدير

د. عدنان الظاهر

لا أعرفُ سبباً وجيهاً لكل هذه الضجّة التي أثارها رأيُ أو مقالة السيدة نادين البدير بشأن مطالبتها بالحق في أنْ تتزوج المرأة من أربعة أزواج ! رأيتُ أنَّ الذين كتبوا وعلقوا مؤيدين أو شاجبين معارضين لم يعرفوا ما في تأريخنا ولا ما في قرآننا من أمور تتعلق بهذه المسألة أعني تعدد الأزواج . لا أعود لما كتب فردريك إنكلز في كتابه الرائع [ أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة ] عن التحولات التأريخية في موضوعة الجنس والزواج وإنتقال الأخير من شكل إلى آخر تدرّجاً من عصور الوحشية مروراً بعصر البربربة البشرية حتى ما يسميه إنكلز بعصر الحضارة ... لا أعود لهذا الكلام الذي إستعرض فيه أسباب وموجبات هذه التحولات وما رافقها من أشكال التزاوج إعتباراً من مشاعية الزواج البدائية أو الجنس الفوضوي المشاع المشترك إلى عصر تعدد الأزواج حيث ساد الحق الأمومي ونالت المرأة حقها في الزواج من أكثر من رجل ... حتى إنتهى بنا إنكلز إلى تعدد الزوجات ومنه تطور وانتصر عهد الزواج الأحادي المعروف اليوم إذْ دشّنَ عهد سيادة الرجل على المرأة مفسراً إياه ورابطاً بإنتقال البشرية إلى زمان سيادة عصر تعلم الإنسان الصيد والرعي والزراعة والسكن حيث بدأ عهد الإنتاج وتراكم الثروة الأمر الذي تطلب إستخدام أيدٍ عاملة مجانية أو رخيصة كقوّة عملٍ وفّرها العبيدُ لأسياد الأرض الجدد وإعدادها للرعي والزراعة . تكونت العائلة في هذا الزمن : زمن الصيد والزراعة والرعي ثم العبيد فبرزت الحاجة لنظام أُسَري ـ إجتماعي جديد يضمن حصر الثروات المتراكمة في نطاق عائلة واحدة ضمن آلية الإرث والتوارث . إذاً نحن أمام مسلسل : العبيد ـ العائلة والزواج الأحادي وسيادة الرجل ـ الإرث .
لا يهمني من كل هذا الكلام إلا مسالة تعدد الأزواج وهي مرحلة معروفة في تأريخ البشر حيث ساد ما يُسمّى بحق الأم وسيادتها على العائلة والرجال . فما بالنا نتخاصم ونتشاجر وننقسم صفين متناحرين ولنا تأريخ معروف في هذا الشان يمكن قراءة بعضه صريحاً في بعض آياتِ القرآن الكريم وإستقراء البعض الآخر في آيات سورٍ أخرى إذا أردنا التعلم وفهم تأريخنا كما كان إعتماداً على نصوص وردت باللغة العربية وفي مصدر لا يأتيه شكٌّ أو بهتانٌ هو القرآن الكريم ؟ فلنقرأ ولنستقرئ معاً :
1 ـ كيف نفهمُ تحديد القرآن لحق الرجل بالزواج من إمرأتين أو ثلاث أو أربع وما ملكت َيمينه من جوارٍ وعبيد وسراري وأسيرات ؟ [[ وإنْ خفتم ألاّ تُقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طابَ لكمْ من النساءِ مَثنىً وثُلاثَ ورُباعَ فإنْ خِفتمْ إلاّ تَعدلوا فواحدةً أو ما مَلكتْ أَيمانُكمْ ذلكَ أدنى إلاّ تَعولوا / سورة النساء الآية 3 ]] . وأضحٌ أنَّ الكلام يخصًّ عصر تعدد الزوجات المتداخل مع عصر فوضى الجنس والتزاوج بحيث يمارس الرجل الزواج من عدد محدود من النساء وما شاء له من دون زواج مع ما لا يُحصى من النساء [ وما ملكت أَيمانكم ] . كان هذا قانون الإسلام الجديد على عرب الجاهلية فما كان الوضع يا تُرى في الزمن السابق للإسلام ؟ زواجات غير محدودة العدد جنباً لجنب مع مشاعية الجنس فضلاً عن تفشّي البغاء الذي حرّمه الدين الإسلامي بنصوص معروفة من قبيل [[ ولا تُكرهوا فتياتكم على البِغاءِ إنْ أردنَ تحَصّناً لتبتغوا عَرَضَ الحياةِ الدنيا ومَنْ يُكرِههنَّ فإنَّ اللهَ مِن بعد إكراههنَّ غفورٌ رحيمٌ / سورة النور من الآية 33 ]] . الدين الجديد هنا يقف مع الرجل الذي يُجبرُ جواريه او عبداته وسراريه [ فتياته ] على ممارسة البغاء من أجل الكسب [ إبتغاء عَرَض الحياة الدنيا ] لأنَّ اللهَ يغفر لهنَّ ويغفر لهذا الرجل كما نفهمُ ضمناً [ فإنَ اللهَ غفورٌ رحيمٌ ] !
تحديد زواج الرجل من أربع نساء كحد أقصىى لا قيمة شرعية أو عددية له لأنَّ الدين يسمح له حتى بالزواج من أكثر من أربع نساء [ ما ملكت أَيمانكم ] . ألا نفهم من هذا النص خاصةً أنَّ الوضعَ قبل الإسلام في جزيرة العرب كان أسوأ بكثيرٍ من هذا الوضع ؟ أعني تعددية لا محدودة في الزواج من النساء وشيوع ظاهرة الدعارة على نطاق واسع في عين الوقت الأمر الذي يدعو للإستنتاج أنَّ عدد الرجال كان أقل بكثير من عدد النساء في تلكم الحقب ربما بسبب كثرة الحروب التي يحترق الرجال فيها كما هو متوقع حتى العصور الحديثة إذْ شاءت الظروف أنْ أعاصرَ ظاهرة من هذا القبيل في الإتحاد السوفياتي السابق بعد الحرب العالمية الثانية حيث كان عدد النساء يمثل ثلثي عدد الرجال أي حوالي 66 % من مجمل تعداد مواطني ذلك البلد ونتيجة ذلك معلومة ومعروفة ...
2 ـ تعدد الأزواج / قلت آنفاً كانت مرحلة حق المرأة في الزواج من أكثر من رجل مرحلة معروفة في تأريخ البشر لكننا لا نعرف الكثير عنها في تأريخ العرب قبل الإسلام . نعرف أسماء ملكات مثل بلقيس صاحبة سد مأرِب [ يقول الأحباش عنها إنها حبشية وإسمها كِنداكةْ ] وزنوبيا ، الزبّاء ، ملكة تدمر ... وهذا أمرٌ لا شكَّ يدلُّ على تفوق المرأة وربما على سيادتها المطلقة على الرجال وحقها في إختيار ما تشاء من الرجال أزواجاً أو عشّاقاً أو كلا الصنفين من الرجال معاً . لدينا في القرآن إشارة قوية شديدة الوضوح نتلمس فيها بصيص ضوء ذي خطر يُشير إلى إمكانية وجود فُرصِ تعدد الأزواج والعشاق معاً أو منفصلين في الزمن السابق على الإسلام . فلقد نهى أو أشار القرآنُ إلى ضرورة تجنب الإقتران بالنساء اللواتي لهنَّ عُشّاق وهذا شأنٌ يدلُّ بوضوح على حقيقة وجود هذا الشكل من العلاقات بين النساء والرجال في المجتمع العربي الجاهلي الذي سبق الدين الإسلامي . فلنقرأ معاً الآية التالية من سورة النساء [[ ومَنْ لم يستطعْ منكمْ طَولاً أنْ يَنكِحَ المُحصَناتِ المؤمناتِ فمن ما ملكتْ أَيمانكمْ من فتياتكم المؤمناتِ واللهُ أعلمُ بإيمانكمْ بعضُكمْ مِن بعضٍ فانكحوهنَّ بإذنِ أهلهنَّ وآتوهنَّ أُجورهنَّ بالمعروفِ مُحصَناتٍ غيرَ مُسافحاتٍ ولا مُتخِذاتٍ أخدانٍ ... / سورة النساء من الآية 25 ]] . غيرَ مُسافحاتٍ ولا مُتخّذاتٍ أخدانٍ !! الخدين هو الصديق العشيق وقد قالت سيدة مسلمة قديمة معروفة في تفسير هذه الآية إنَّ المرآة المتزوجة في الجاهلية كانت تملك الحق في معاشرة خدين (( عشيق )) فجاء الإسلام وحرم عليها هذا الحق . كما يُنسبُ لهذه السيدة { عائشة أم المؤمنين } قولها إنَّ تعدد الأزواج كان أمراً معروفاً شائعاً قبل الإسلام شأنه شأن تعدد الزوجات فضلاً عن صاحبات الرايات أي المومسات اللواتي كنَّ يرفعنَ أعلاماً فوق سطوح بيوتهنَّ لإهداء الزبائن ومعرفة الطريق المؤدي إلى بيت بائعة الجسد والهوى ، وكان من بينهنَّ نساء معروفات الإسم لا أودُ ذِكرَ إسم واحدة منهنَّ وهي أكثر شهرةً من نارٍ على عَلَم !! لا أتذكر للأسف أين قرأتُ القول سالف الذِكر المنسوب للسيدة عائشة .
خلاصة القول من وجهة نظري : لم تقل السيدة نادين البدير كفراً أو قولاً مُنكراً أو روّجت لبدعة جديدة في الإسلام وغير الإسلام . قالت شيئاً معروفاً حتى في مجتمعات العرب قبل الإسلام ، أقصد تعدد الأزواج . أخطأت نادينُ لا شكَّ إذْ نكصت وانكفأت مرتدةً إلى حقب سحيقة مرّت بها البشرية لأسبابها وظروفها وقوانينها الإقتصادية القاهرة ثم تجاوزتها تحت أحكام ظروف وقوانين إقتصادية جديدة إنتصرت فسادت وسيطرت على مسرح التأريخ البشري وهذا هو طريق التطور والتغيرات الدرامية الكبيرة في تاريخ الشعوب كان وما زال وسيبقى رغم أنوفنا شئنا ذلك أم أبينا . إذا أردنا العودة إلى عهود الحق الأمومي وسيادة المرأة وحقها في تعدد الأزواج ينبغي الرجوع إلى الحقبة التي سبقت هذه أي إلى حقبة مشاعية الجنس وفوضى التزاوج أي حقبة التوحش والوحشية فمن هذا الطور نشأ وتطور وساد الحق الأمومي وفيه حق الإقتران بأكثر من رجل ... فكيف تعودين يا نادين بنا القهقرى إلى تلكم الحِقب السحيقة وهل فيك إستعداد لولوج عهد الوحشية وأنت فتاة عصرية متمدنة ربما تعيشين في واشنطن أو نيويورك او باريس ؟ نادين فتاة ذكية القت عن عمد حجراً فيما يُشبه بركة ماءٍ مُتأسّنٍ أو آسن لكي تحرك العقول وتخضّها خضّاً عنيفاً ثم إنتحت بعيداً في الظل لتراقب ردات أفعال الرجال المحسوبين على التحضّر والمدنية والثقافة وتسجّل عن كثب كيف ينفعلون وكيف يستقبلون فكرة قالتها إمرأة أصولها شديدة المحافظة وكانت في كل ما قالت قد إستوحت أو نسخت أو إستنسخت ولكن بالمقلوب ما قرأت في قرآن الإسلام عن الجوازات الأربع التي أجازها الدين الثوري الجديد قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن أعطى فيها هذا الحق للرجال دون النساء . لم تزدْ نادين أو تخترع أمراً مُنكراً على ما قد شرّع دينُها ودينُ آبائها وأجدادها سوى أنها أرادته أو تمنته أنْ يكون حقاً محفوظاً لكلا الجنسين بالتساوي لذا حددت هذه الزواجات بأربع عيناً بعين وسناً بسن والكل في الدين سواء ما دام الدينُ للهِ والسماءِ والوطنُ للجميع .
لا أرى في مقالة نادين ـ رغم خطورتها ـ إلا ضرباً من العَبث واللهو البريء الذي يشوبه بعض الذكاء الخبيث والناس أحرارٌ فيما يعتقدون ويكتبون وينشرون .
لا أزعمُ أني تابعتُ وقرأتُ كلَّ ما كُتب وما قيل حول نادين ومقالتها المثيرة للجدل لكن ، يجدر بي أنْ أشيرَ لتعليقي أستاذين عزيزين عليَّ هما الدكتور أحمد الخميسي والدكتور
< السايكولوجيست > قاسم حسين صالح حيث وجدتُ نفسي في موقف لا أُحسدُ عليه ... إذْ دُهشتُ من موقفيهما حين كنتُ أتوقعُ منهما أنْ يقفا مع نادين مدافعين عنها وعن حرية التعبير عن الرأي والقناعة أولاً ثمَّ مناقشين لرأيها وما قالت وكان في مقدوريهما تفنيد رأيها بالحجج التأريخية وبقوة قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة النافذة التي تمنع وتحرّم التعدد في الزواجات من كلا النوعين .
كلمة أخيرة أقولها همساً في أذن نادين البدير : أنت يا نادين تعيشين في أمريكا أو ربما في أوربا لعقود من السنين كما أحسب ... ألا ترين بأم عينيك كيف يتخلّصُ الرجالُ والنساءُ متزوجين وعازبين من حالات الملل والسأم والبرود الجنسي وكيف يتنقلون من جو لآخرَ سرّاً حيناً وعلانيةً أحيانا من غير الحاجة لتعددية الزواج ؟