‏إظهار الرسائل ذات التسميات بسام الطعان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بسام الطعان. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، أكتوبر 20، 2009

هيثم البوسعيدي: النقد حلقة مفقودة في منظومة الأدب العربي

الزمان
حوار: بسام الطعان
هيثم البوسعيدي كاتب وقاص وباحث عُماني،أبحاثه تتناول المواضيع الفكرية والأدبية والنفسية،وقد بدأ يسير علي طريق الإبداع بخطوات بهية،حاصل علي ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة كوفنتري البريطانية، ينشر نتاجه في الصحف والمجلات العُمانية والعربية
û من أين تشكل عالمك القصصي، وما دور البيئة المحيطة بك في ذلك؟
- عدة عناصر تساهم في تكوين عالمي القصصي فمن القراءة المكثفة إلي التجربة الحياتية الزاخرة بالأحداث الصعبة والمشاهدات الحية والتنقلات المتكررة من المدينة إلي القرية، أضف إلي ذلك وجود نعمة التأمل وملكة التفكير العميق والقدرة علي التخيل في تطوير المواضيع والأحداث وتحويلها بسهولة إلي نصوص أدبية تمزج بين الواقع والخيال، كما إن جلب الصور الراسخة في الذاكرتين المختزنة والمتخيلة إحدي الخطوات الهامة في تشكيل النواة الأولي للقصة ثم تأتي أدوار اللغة والثقافة في إنتاج القصة وتقديمها بشكل مميز ومؤثر للقارئ العربي، أما البيئة فهي مصدر خصب في حياة القاص ودورها هام جدا فالمدرسة والقرية والمدينة والجامعة وبيئات العمل المختلفة تعتبر في ذاكرتي أماكن متفرقة استطعت من خلالها معايشة كثير من التجارب واللحظات والقضايا التي أفادتني كثيرا في تجربتي القصصية.
ûما هي إنجازات القصة العُمانية، وماذا أضافت للقصة العربية؟
- القصة العمانية قدمت اسماء جميلة وحققت بعض المنجزات مثل الفوز بجوائز عربية ومسابقات خليجية،كما إن تزايد أعداد الكتاب يبشر بأن القصة العمانية بخير وعطائها قادم بقوة...ولكن حتي اللحظة لا زالت القصة في السلطنة ترواح المنطقة المحدودة وتخشي الخروج من الأبواب المغلقة بحيث إنها لم تتطرق للقضايا المهة والمواضيع الحساسة التي تلامس هموم الانسان وقضايا المجتمع ولم نشهد لمسيرة القصة العمانية في العقود السابقة مواكبة حقيقية لمختلف الظروف والأحداث التي مرت بها منطقة الخليج وعمان خصوصا، وربما يرجع ذلك لوجود قطيعة بين فئة القاصين وشرائح متعددة من المجتمع.
كما أن هناك حلقة مفقودة بين من يكتب في الصحافة الورقية ومن يكتب في الصحافة الرقمية، أضف إلي ذلك كسل القاص العماني عن المشاركة بفعالية وقوة في المواقع الإلكترونية والمجلات الورقية العربية .
أما ماذا قدمت القصة في عمان للقصة العربية؟ فأقول قدمت القصة العمانية أعمال جيدة ونصوص مميزة ولكن علي الرغم من ظهور ملامح التميز ووجود أقلام متميزة فالقصة العمانية ينقصها دعم المؤسسات الإعلامية ودور النشر، كما أن الجرأة في طرح المواضيع وحضور قضايا الإنسان الحقيقية سيسهم في إعلاء مكانة القصة العمانية وبروز موقعها بشكل أوضح في خارطة القصة العربية.
û هل تفضل أن يكون البطل في قصصك الفكرة أم اللغة؟
- القارئ يحتاج دائما إلي موضوع ممتع يجذب انتباهه ويجبره علي القراءة حتي آخر جملة في القصة، وهذا الأمر يتطلب اختيار فكرة جميلة ومؤثرة، كما إن القارئ تهزه المفردات وتبهره الكلمات التي تدخل إلي قلبه بدون استئذان فتجده يستمتع في ظل وجود لغة شاعرية وعبارات رشيقة تنساب بين جداول الكلمات وأنهار الحروف.
لذا فإنني أري أن الفكرة واللغة يتقاسمان البطولة فهما عنصران رئيسان في بناء القصة المميزة فاللغة مهمة لإيصال الفكرة فهي بمثابة القلب النابض والرئة التي تتنفس من خلالها القصة، كما أن ابتكار الأفكار واختلاق المواضيع لن يكون سبب رئيس في نجاح النص الأدبي مالم يرافقه لغة ماتعة ذات أثر انطباعي في نفسية القارئ.
û تنشر نتاجاتك في المطبوعات العربية اكثر مما تنشر في المطبوعات العُمانية، ما السبب في ذلك؟
انشر بعض نصوصي في بعض الملاحق الثقافية في الصحافة العمانية، ولكن اطمح دائما لنشر نصوصي في أماكن متفرقة وأتمني الوصول إلي أكبر شريحة من الناس وذلك من أجل تعزيز التواصل مع القراء والأدباء والمثقفون العرب لذا فأنا أشارك بإستمرار في العديد من المواقع والمنتديات والجرائد الالكترونية العربية.
û مة اقرأ ، هل مازالت تقرأ، أم تخلت عن ذلك؟
- وضع القراءة مأساوي جدا كما تشير الإحصائيات كما أن أعداد القراء في تناقص، وهذا يعود لعدة عوامل منها قصور مناهج التعليم ودخول وسائل اعلامية آخري علي الخط سهل وجودها الحصول علي المعلومة بطريقة سريعة وتقديمها علي طبق من ذهب، كما إن ظروف الحياة العامة وما يتخللها من صعوبات وعوائق ساهمت في تقليص فترات القراءة لدي الفرد.
لذا نحن بحاجة لمشروع ضخم يعيد القراءة لمكانتها الحقيقية في حياة الأمة حتي نعود مثلما كنا " أمة أقرأ "، وبطبيعة الحال فإن المثقفين رغم ما يواجههم من صعوبات وعوائق هم الأحق بقيادة المشروع الذي لابد أن يبدأ أولا بإصلاح مناهج التعليم مرورا بتوجيه أفراد الأسرة نحو القراءة الفاعلة والمطالعة المفيدة حتي ننتهي بمعالجة القصور الواضح من قبل وسائل الاعلام تجاه القراءة.
û الأدب العربي لا يطعم خبزا، بينما المبدع في الغرب يجني الملايين من إبداعه، لماذا؟ هل نحن أمة لا تقدر الإبداع والمبدعين؟
- هذا الرأي صحيح، وربما يعتبر صورة من صور الانحطاط والتردي الذي تعيشه الأمة منذ قرون، فالمبدع في عالمنا مغيب ومهمش ومبعد، قد فرضت عليه نوع من العزلة أو القيد، بل إن كثير من أصحاب القرار والسلطة والمال والاعلام في عالمنا العربي اليوم لا يريدون مثقف واعي أو مبدع مرفه، أنما يجتهدون في توجيه الناس نحو اتجاهات أخري قد تكون بعيدة عن عوالم الثقافة والأدب والعلم لأنهم يدركون تأثيرات الابداع وعمق نتائجه فهو الشرارة الأولي نحو الإصلاح والتغيير وهو إحدي العوامل المهمة في تشكيل الوعي الفردي والجماعي في كثير من المجتمعات.
أما علي الصعيد الشخصي فممارسة الأدب مصدر متعة ووسيلة رائعة لتفريغ الأفكار ولم أري الكتابة يوما ما مصدرا للراحة المادية.
û غالبا ما نري إقبال الناس في عالمنا العربي علي الكوميديا والتراجيديا أكثر من الإقبال علي الثقافة الحقيقية ، بماذا تفسر ذلك؟
- الاتجاه نحو الكوميديا والتراجيديا وأصناف اللهو وأشكال التسلية هروب من الواقع وبحث غير مجدي عن حلول جاهزة، بل هو أشبه بإبر المخدر، في حين أن ممارسة الثقافة الحقيقية هي عملية مكاشفة لما نمر به من ظروف ، نستطيع من خلالها البحث عن حلول جذرية لكل مشاكلنا وأوضاعنا حتي لو تطلب الأمر فترات زمنية وجهود جبارة عندئذ سنصل لما نريد وما نطمح وسنكون اقرب إلي الصلاح والتغيير الذي يهدف في النهاية إلي الكمال في التصرفات والسلوكيات.
û المحسوبية والشللية موجودة كدمّلة قبيحة في وجه المشهد الثقافي العربي، هل توافق علي هذا الرأي؟
- لا أنكر أن الشللية ساهمت في تلميع كتاب هم بالأصل كتاب متواضعين ثقافة وفكرا وإنجازا، كما أن الشللية أدت إلي إهمال أعمال إبداعية وأدت في نفس الوقت إلي الاهتمام بإعمال دون المستوي، ولكن ليست العبرة بالعلاقات أو تقاطع المصالح الشخصية أو امتلاك مهارة العلاقات العامة وليس المهم للأديب فقط الظهور في وسائل الإعلام أو اكتساب الشهرة، ولكن السؤال الأهم: كيف بإمكان الكاتب المحافظة علي مكتسباته الأدبية لفترة أطول؟ هنا تتضح حقيقة الكاتب الحقيقي والكاتب المصطنع.
û يلاحظ أن القصة المكتوبة بلغة شعرية عالية لها جمهور لا يستهان به عكس القصة المكتوبة بلغة السرد البسيطة، فهل تكتب باللغة الشعرية المكثفة أم باللغة البسيطة؟
- فعلا أتفق معك حول أهمية اللغة الشعرية وأنا شخصيا أسعي نحو إتقان اللغة الشعرية فهي مخزن للعبارات المؤثرة والصور الخيالية ومحفز قوي لظهور عنصر الإبهار وتفعيل خاصية السرد عبر نسيج القصة المترامي الأبعاد، وبالتالي قد يحقق القاص بامتلاكه أدوات اللغة الشعرية جزء من مهمته في إمتاع القارئ وإشباع ذائقته.
û كباحث وكمنتج للنص الأدبي، هل لك غني عن فعالية النقد، وكيف تصف الحركة النقدية في سلطنة عُمان؟
- أعتقد أن العلاقة بين الكتابة والنقد علاقة مطردة وتفاعل النقاد يأتي نتيجة وجود نصوص راقية وأعمال إبداعية، لذا ليس بمقدوري شخصيا الاستغناء عن عملية النقد الهادف.ولكن دعني أتسائل أين هم النقاد الحقيقيون؟ للأسف النقد هو الحلقة المفقودة في منظومة الأدب العربي، أما بالنسبة للحركة النقدية في السلطنة إن صح تسميتها بهذا الاسم فرغم بعض الكتابات النقدية المتواضعة والندوات القليلة التي أقيمت عبر فترات زمنية مختلفة فإن تزايد أعداد الكتاب في السلطنة لا يعادله حركة نقدية فاعلة أو اطراد في أعداد النقاد، وربما الغالبية من فئة الأدباء والمثقفين تغرد نحو سرب الكتابة استسهالا للفعل الكتابي، أما عدد المتخصصين في مجال النقد قليل لا يتعدي أصابع اليد الواحدة.
أما إذا أردنا تشريح سلبيات النقد في السلطنة لوجدنا أن الساحة لا تخلو من المجاملة أو التعاطي بشكل شخصي مع الأعمال الإبداعية، كما إن التعامل مع النصوص ينم بعض الأحيان عن المستويات الضحلة التي لا تتطرق إلي الأبعاد الفنية والفكرية في الأعمال الأدبية ويتضح الخلط بين النقد وعنصر الانطباعية، ولا أنسي التذكير أن المحظوظ من كتاب السلطنة هو من تقع نصوصه بين أعضاء المنتدي الأدبي أو النادي الثقافي في مسقط ، فيجد من يقدم دراسة نقدية عن نصوصه أو مجموعته القصصية، ولكن حتي هذه الدراسات تعتبر دراسات قاصرة غير متكاملة ليست ذات أثر في المستوي الأدبي المنثور في الصحافتين الورقية والرقمية في السلطنة، بل لا نشهد لها أي أثر ملموس في مسارات أو اتجاهات القصة العمانية أما المتبقي من الكتاب وإن صح تسميتهم باللامحظوظين فإن مصير كتاباتهم إلي الإهمال والنسيان وسلة المهملات.
û الأدب العربي من المحيط إلي الخليج هل يعاني من أزمة، أو حالة من الفوضي؟
- في الحقيقة هناك أزمة أدباء لا أزمة أدب في العالم العربي وهذا الأزمة جعلت الأديب العربي يعيش علاقات متوترة غامضة المعالم مع أطراف عدة كالسلطة السياسية والسلطة الدينة والسلطة المجتمعية التي تدعي الدفاع عن الموروث الأخلاقي وبالتالي لا زال الكاتب العربي يجد نفسه أمام ثالوث محرم لا يستطيع تجاوزه أو تخطي عقباته لأنه سيصبح عند ذلك متمرد علي الأخلاق والقيم والقانون وهنا تبرز القيود والحدود التي صنعت بالأساس هذه الأزمة المستمرة.

السبت، مارس 01، 2008

حوار مع الكاتب السوري بسام الطعان


أجرت الحوار: زهيرة عقل

ديوان العرب
قاص سوري أبحر في محيط القصة بعد وفاة أخيه بحادث مؤسف، فحول آلامه إلى قارب، وأحزانه ووحدته إلى مجدافين يصارع بهما الأمواج غير خائف من الغرق، ولا من الضياع معتمدا على بوصلة قلمه، وقارب نجاة أفكاره، فأبدع لنا حتى الآن أربعة مجموعات قصصية هي: ورود سوداء، غرفة معبأة بالنار، غزالة الغابة، ونهر الدم.

كتب رواية واحدة لكنها لم تر النور لأن المسؤولين عن الثقافة في بلادنا مشغولين بدعوة المطربات (الجميلات) لإحياء الحفلات في المناسبات والأعياد بما فيها المناسبات الثقافية.

قال عنه النقاد بأنه قاص مبدع يتقدم إلى الأمام بخطى واثقة، قصصه تحظى بنسبة قراءة عالية، فاستحق أن تختاره ديوان العرب عام 2007 ليكون أحد المكرمين من الكتاب المبدعين لتميزه في مجال القصة.

ديوان العرب بمناسبة منحه درع الديوان عن فئة القصة القصيرة يسعدها أن تجري معه الحوار التالي:
أعلن قبل شهر أن ديوان العرب قد كرمتك عن العام 2007 واختارتك لتفوز عن القصة القصيرة كأحد المبدعين الذين يستحقون التكريم، ماذا يعني هذا التكريم إليك؟

لا اخفي عليك أن هذا التكريم قد زاد من حبي للكتابة وشجعني على بذل المزيد من الإبداع، وهذا يعني لي الكثير بالطبع وإن كان تكريما بسيطا بنظر البعض من أصدقائي الذين سمعوا عن هذا التكريم، وأنا بنظري أن التكريم ليس بالضرورة أن يكون جائزة مالية أو درعا أو ميدالية أو ما شابه، وإنما كلمة (شكرا) كافية وهي اجمل تكريم خاصة إذا كانت من جهة مرموقة وتعرف معنى الإبداع كديوان العرب.

أنت قاص متميز في قصصك تسير بخطى ثابتة إلى الأمام، هل فكرت بخوض غمار الرواية، أم أنها إبداع فني مستقل بذاته؟

أشكرك لأنك قلت إنني قاص متميز.. كتبت الرواية فعلا ، رواية واحدة حتى الآن، لكنها لا تزال مخطوطة وهي حبيسة الأدراج منذ عدة سنوات، قد أعود إليها وقد لا أعود، وقد قلت ذلك في حوار سابق أجراه معي صحفي من الجزائر.

لديّ أفكار روائية كثيرة ولكني لا أملك الوقت الكافي للتفرغ لكتابة الرواية، فأنا اعتبر نفسي قاصا بالدرجة الأولى، بدأت قاصا وسأبقى قاصا لأنني مغرم بهذا الفن الصعب الجميل، أجد أن فن القصة القصيرة يتميز عن غيره من الأجناس الأدبية الأخرى بخصائص عدة، ولا أجد سببا مقنعا أن تحث القصة صاحبها ليخوض غمار الرواية، فالرواية إبداع والقصة إبداع آخر وهي تستقل عن الرواية وإن كانت روحها وقلبها وأنا برأيي أن القصة هي الأساس.

أين تقف القصة القصيرة في العالم العربي؟ هل هي في طريقها إلى القمة؟ أم تشهد حالة نراجع؟

أرى أن القصة القصيرة في العالم العربي اليوم بخير، وهي على القمة بكل تأكيد، وشعبيتها تزداد يوما بعد يوم، وتسير في أكثر من اتجاه، وقد تخلصت من فنية وتفكير القصة العربية القديمة ومن الفكر المؤطر، وهي تميل إلى الواقعية الحياتية، وتحاول رصد الواقع بكل ما فيه وتهاجم كل ما يلحق المواطن العربي من ظلم وغش، وتفضح الخداع الذي يمارس على هذا المواطن المسكين.

القصة القصيرة العربية اجمل ما فيها أنها استطاعت أن تتخلص من أسلوبية وفكرية جيل الرواد، هذا الأسلوب الذي لا يعجبني على الإطلاق، لهذا هي تسير نحو الأفضل والى الأمام.

يقال إن الشبكة فتحت المجال أمام نشر الإبداعات الأدبية بشكل أوسع، فيما يقول آخرون إنها أصبحت مركز نفايات لكل النصوص الرديئة، ما تعليقك على هذا القول؟

القول الأول صحيح، والثاني أيضا صحيح.. الشبكة العنكبوتية أمرها محير فعلا، فهي تفتح المجال واسعا أمام نشر الكتابات الأدبية، تنشر الصالح والطالح، تنشر النصوص الجيدة إلى جانب الرديئة، بعض المواقع تنشر كل ما يصل إليها من نتاجات دون أن تقرأ وتدقق من طرف القائمين على هذه المواقع، سأضرب لكِ مثالا، كتبت مرة قصة قصيرة ثم تركتها إلى حين دون أن أكملها، كتبت صفحة ونصف تقريبا، ثم حفظت النص الناقص وتركته على أن أعود إلى تكملته في وقت آخر، ولكني نسيت ما كتبت، وحدث أن أرسلت هذه القصة غير المكتملة بطريق الخطأ إلى أحد المواقع، وفي اليوم التالي فوجئت بها منشورة وهي بحال يرثى لها، ولم انشر في هذا الموقع بعدها.

عن من يقول إنها مركز نفايات قوله صحيح ولكن هذا لا ينطبق على كل المواقع، فالكثير من هذه المواقع لا تنشر إلا الإبداع، وديوان العرب خير دليل على ذلك.

عندما تكتب قصة تتقمص فيها دور البطل، هل يراجعك صديق لك بعد قراءتها معتقدا أنها حصلت معك؟

البيئة التي أعيش فيها، أقصد منطقة الجزيرة السورية هي منطقة غنية ومتنوعة بالعادات والتقاليد الموروثة، ففيها يعيش جنبا إلى جنب ومنذ مئات السنين العرب والأكراد والآشوريين، وأنا في اغلب كتاباتي اختار أبطال قصصي من هذه البيئة، حدث أن كتبت قصة تقوم الحبكة فيها على أن أحد الرجال يأخذ ولده إلى سوق المواشي في البلدة ليبيعه على أنه تيس لأنه كسول وينام في اغلب الأوقات، هذه القصة أضحكت الكثيرين أعجبتهم، وقال البعض من أصدقائي أن المقصود بالتيس هو( فلان) وهو صديق لي، وذات يوم فوجئت بهذا الصديق يأتي اليّ ويعاتبني لأنني قصدته.

بعض صفات البطل كانت تنطبق عليه فعلا، ورغم أنني قلت له وللآخرين أنني لا اقصده إلا أن أحدا لم يصدقني وظلوا لأشهر عدة يضحكون ويسخرون من هذا الصديق، أما القصص التي يعتقدون أنني شخصيا البطل فهي كثيرة ودائما ما يسألني صديق ما عنها.

كيف تقيم الحركة الثقافية السورية في المرحلة الحالية؟ ما الثغرات التي يجب على المسؤولين القيام بها لإنقاذ الموقف؟ أرى أن الحركة الثقافية السورية في الوقت الراهن بخير، فالمراكز الثقافية تنتشر في كل مدينة وبلدة سورية، والأنشطة

الثقافية تقام على مدار العام، ولكن هذا لا يعني أن ليس فيها بعض الثغرات.

من هذه الثغرات عدم مساعدة المبدع بأي شيء،فالمبدع يتعب ويتعذب حتى يطبع كتابا، وفي النهاية يكون هو الخاسر، أليس من الظلم ألا يجد المبدع قوت يومه؟ ورغم ذلك يبدع باستمرار ويتحدى المعاناة بكل أشكالها. تصوري أن وزارة الإعلام أو وزارة الثقافة عندنا، تدعو مطربة ما لمهرجان غنائي، مطربة ليس فيها إلا الجسد، تأتي هذه المطربة تقول كلاما على أساس انه أغنية وبعد الحفل تأخذ الآلاف المؤلفة وتمضي معززة مكرمة، أما المبدع فيذهب إلى هذه الوزارة أو تلك كشحاذ، كي توافق على طباعة كتاب له، وبسرعة يخرج منها لاعنا الثقافة والمثقفين.

كيف لأغنية مثل (شخبط شخابيط) أو (يا مجنون مش أنا ليلى) أن تحصد عشرات الآلاف وربما أكثر بكثير، بينما المبدع يقطع مسافة طويلة لكي يشارك في أمسية ثقافية ولا يحصل على أكثر من أجرة الطريق.

أقول للمسؤولين عن حال الثقافة في سوريا: ليت ما تصرفونه على الحفلات الغنائية يصرف على الثقافة الحقيقية لا على الراقصات والمطربات الجميلات جسدا فقط.

هل تشعر أن قراء القصة القصيرة في ازدياد أم في تراجع ولماذا؟

القصة القصيرة نكتبها اليوم وننشرها غدا، يعني أن حظها وافر في النشر والانتشار على صفحات الصحف والمجلات وعلى الشبكة العنكبوتية، ونشرالقصة القصيرة بات تقليدا صحفيا لا تهمله صحيفة أو مجلة سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو متخصصة، لأنها لا تأخذ غير حيز صغير ولأنها أيضا تلطف الصحيفة والمجلة بعطرها المميز. لكل هذه الأسباب القصة القصيرة لها جمهورها وهو في ازدياد.

هل تأثرت بأديب أو قاص خلال مسيرتك الأدبية؟

قرأت لكتاب كثيرين، ولكن أبدا لم يكن لأي أديب أو قاص أي اثر عليّ خلال مسيرتي الأدبية، وأعجبت بكتابات الكثير من الأدباء السوريين والعرب لكني لم أتأثر بأحد، فأنا سرت في دروب الإبداع لوحدي ولم يكن هناك من يدلني إلى الطريق الصحيحة سوى القراءة بكثرة والاطلاع على النتاجات الأدبية المتنوعة من شعر وقصة ورواية ومسرحية.

لماذا أبحرت في محيط القصة القصيرة؟ ما الذي يميز القصة القصيرة عن أشكال الإبداع الأدبي الأخرى؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد من العودة إلى الوراء قليلا ، إلى منتصف التسعينات من القرن الماضي، بالتحديد بعد شهر آذار من عام 1995، قبل هذا التاريخ بشهر واحد، فجعت بموت شقيقي الكاتب والناقد (صبحي الطعان) بحادث سير مروع، وقصة موته تكسر الظهر وقد كسرته فعلا، بعد موته عانيت من وحدة قاتلة، ومن حزن لا يزول، وذات ليلة كلها دمع وحسرة ومرارة قلت في نفسي: لماذا لا افعلها واكتب ـ قبل الحادث كنت قارئا نهما فقط ـ لماذا أضيف عذابا على العذاب؟ ثم قلت: بالكتابة ربما استطعت نسيان حزني وأملي الضائع، وكتبت قصة قصيرة أسميتها (ورود سوداء) وبقيت اكتب دون أن يخطر النشر على بالي، وخلال السنة الأولى كتبت قصصا كثيرة وكلها يؤطرها السواد ويتغلغل الحزن والخسارة في كل سطر من سطورها، ثم أرسلت بعضا من قصصي إلى الصحف والمجلات وفوجئت بسرعة النشر وهذا ما شجعني على الاستمرار على الكتابة، وشيئا فشيئا كتبت قصصا متنوعة المواضيع. حقيقة لا أدري لماذا اخترت القصة القصيرة بالذات، كان يمكن أن اكتب الشعر أو الرواية أو حتى المسرحية، وكل ما أعرفه أنني أبحرت في محيط القصة القصيرة بقارب من حب لهذا الجنس الأدبي وبمجدافين من رغبة، ولكن لا أعرف هل وصلت إلى شاطئ الأمان، هذا متروك للقارئ وللزمن.
إن ما يميز القصة القصيرة عن أشكال الإبداع الأدبي الأخرى هو ان لها قدرة لا محدودة على امتلاك التصرف بالزمن، وهي أي القصة مضيافة وكريمة جدا وتفتح صدرها لكل الأساليب المختلفة وتتكيف مع كل مستجد وتسير على إيقاع العصر، وتقبل كل اللغات، لغة السرد البسيطة، واللغة الشعرية المكثفة، وأستطيع القول إنها مائدة عامرة بكل ما لذ وطاب، ولكن إذا لم يعرف الضيوف آداب الطعام فستكون مشكلة.
لو قررنا اختيار رائد للقصة القصيرة في العالم العربي فمن تختار من الأدباء الأحياء؟

القاص السوري زكريا تامر فهو يستحق وبجدارة أن يكون رائد القصة القصيرة في العالم العربي.
نقرأ لاسماء سورية كثيرة تبدع في مجال القصة، هل يوجد بينكم أي تنسيق، تشاور، إبداع مشترك؟

هنا سأتحدث عن نفسي، اقصد بيني وبينهم، بكل أسف لا يوجد لا تنسيق ولا تشاور ولا إبداع مشترك ولا تعارف بيني وبينهم، وربما السبب هو بُعدي عن المدن الكبرى والعاصمة دمشق، فأنا أعيش في بلدة القحطانية بالقرب من القامشلي وهي تبعد عن دمشق حوالي 1000 كم ولو كنت أعيش في دمشق لاختلف الأمر.

رأيك في دور اتحاد الكتاب العرب في دمشق؟ هل يقوم بواجبه كما تريده وتطمح إليه، أم أنه يعاني كغيره من الاتحادات الأدبية العربية من خلل في طريق عمله؟

اتحاد الكتاب العرب في دمشق لا يقوم بواجبه على أكمل وجه تجاه المشتغلين بالثقافة، فهو لا يستطيع أن يتخلص من الروتين حاله حال الكثير من الدوائر الحكومية، وهو يرفض طباعة نتاجات غير الأعضاء دون سبب أو حتى ملاحظة ولا أدري لماذا هذه التفرقة التي يمكن أن نسميها عنصرية.

لو كنت مسؤولا عن النشر في اتحاد الكتاب العرب في دمشق لرفضت بشكل قاطع الكثير من نتاجات أعضائه لأن هذه النتاجات لا قيمة لها فنيا وأدبيا.

هل تواجهك عوائق في نشر إبداعاتك القصصية سواء في كتاب أو على الشبكة العنكبوتية؟

بخصوص نشر إبداعاتي القصصية لا تواجهني أية عوائق، فأنا انشر كل يوم تقريبا، وقد نشرت قصصي حتى الآن في /37/ جريدة ومجلة ورقية وفي أغلب الدول العربية وبريطانيا، وفي /41/ جريدة ومجلة رقمية، ومنها بالطبع ديوان العرب، وأطمح لأن أنشر في /100/ جريدة ومجلة ورقية و/200/ رقمية، ويوما بعد يوم تزداد هذه الأرقام لأنني أرسل نتاجي إلى الكثير من المطبوعات والمواقع، أما بخصوص طباعة المجموعات القصصية فلدي مشكلة واحدة هي التمويل المادي ولديّ الآن خمس مجموعات قصصية جاهزة للطباعة.
حركة النقد الأدبي في العالم العربي الآن، هل هي حركة نقدية حقيقية، أم مجرد ترحيبات ومديح لا علاقة لها بالأدب والنقد؟

بكل أسف لا يوجد نقد وإنما مديح وخزعبلات لا علاقة لها بالأدب والنقد، فالكثير من النقاد هدفهم الوحيد هو كسب ود ورضى الكاتب أو الأديب وهم يتجمهرون عند نافذة كاتب يعرفونه، ينتظرون كتابه حتى لو كان صفحة واحدة يكفي أن تحمل اسمه وتوقيعه وبعدها ينزل المديح كما ينزل المطر.

هل شخصيات قصصك كلها من الخيال، أم انك تكتبها من الواقع الذي تعيش فيه؟

في قصصي ألجأ دوما إلى هذا وذاك، في بعض القصص تكون الشخصيات واقعية وأعرفها معرفة شخصية، وفي قصص أخرى تكون من نسج الخيال، أرسمها أمامي ثم أكتبها على الورق.
أبطال قصصك كلهم سوريون، أم أنك تبحر في العالم العربي فتختار منه أبطالا يكتبون بعض القصص؟

دائما أختار أبطال قصصي من البيئة التي أعيش فيها، وفي كل القصص التي أكتبها حتى الآن كلهم سوريون وبالتحديد من محافظة الحسكة التي انتمي إليها، ما عدا قصة واحدة بطلتها جزائرية، وهي صديقة لي من الجزائر التقيت بها ثم كتبت هذه القصة، ولو سافرت إلى الدول العربية ربما اخترت أبطال قصصي من هذه الدول، فأنا لا اكتب عن بيئة وواقع لا اعرفه.

العلاقة بين المبدعين السوريين العرب، والأكراد، هل تسير في الاتجاه الصحيح، أم أن فجوة واسعة قائمة بينهما؟

هي علاقة تعايش سلمي وحميمية واحترام متبادل، إن الأخوة الأدباء الأكراد كلهم طيبون أوفياء، وهم يفهمون معنى الصداقة ويقدرون الآخر وهم يستحقون كل تقدير واحترام. أكثر الأدباء الأكراد في الجزيرة التقيت بهم وأسست معهم صداقات شخصية وأدبية، أنا عربي وأكثر أصدقائي هم من الأكراد سواء كانوا أدباء أم غير ذلك، ولا أجد فجوة قائمة بين الأدباء الأكراد وبين الأدباء العرب، ثم لماذا هذه الفجوة أصلا، ولأي سبب، في النهاية كلنا ننتمي إلى بلد واحد يسوده المحبة واحترام الآخر، وتاريخ واحد ومصير واحد.
الكثير من الكتاب وقعوا ضحايا العولمة الأمريكية، أو انغمسوا فيها لكي ينعموا بخيراتها، ماذا تقول في ذلك؟

إن كل عربي ومسلم، يقف مع أمريكا بحجة العولمة أو الديمقراطية أو الحرية أو أي شيء أخرهو خائن لوطنه ولأمته ولنفسه أيضا، لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي العدو اللدود لأمتنا العربية والإسلامية، لينظرهؤلاء الكتاب الذي يتفاخرون بأمريكا وعولمتها، لينظروا إلى ما فعلته أمريكا ومعها الغرب بنا نحن العرب، اغتصبوا فلسطين باسم اليهود، ولولا أمريكا ودعم الغرب لها هل كانت " إسرائيل" في الوجود الآن؟ لينظروا إلى العراق ، دمروه، نهبوا خيراته، قتلوا علماءه، وحولوه إلى بلد الأرامل والأيتام، الأجدر بهؤلاء الكتاب أن يطالبوا بإعدام جورج بوش وفريقه المتصهين، وتوني بلير، وماريا أزنار، وجون هاورد في ساحة الفردوس في بغداد، لأنهم قتلة، قطاع طرق، مجرمون بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وأقولها جهارا نهارا إن هتلر أشرف منهم بكثير، وان هؤلاء الكتاب هم طفيليون، باعوا أنفسهم للشيطان ورموا أوطانهم في المزاد الغربي ، ولكن لا يهم، فكم من غزاة عبروا فوق رمالنا العربية ثم ابتلعتهم الرمال وتركوا غبارهم فوق غبار سبق، وفلسطين ستعود حرة عربية أبية وسيعود العراق وسيكون شوكة في عيونهم بإذن الله.
رأيك بالذين يسمون أنفسهم بالليبراليين الجدد في العالم العربي؟

الأجدر بهم أن يسموا أنفسهم بالعرب الجدد ، مرحبا بهم إذا كانوا قادرين على تغيير الواقع العربي المضحك المبكي، تحويل الانهزام العربي إلى نصر، وقف الظلم الغربي للعرب، وقف الهرولة العربية نحو التطبيع مع العدو الصهيوني، الطلب من بعض العرب عدم الانحناء أمام المجرم الدولي والإرهابي الأول "بوش" والوقوف بثبات في وجهه ورفض مخططاته الخبيثة.

لا أعرف يا أخت زهيرة كيف لبعض العرب يذهب ويلتقي من يصف "شارون" برجل السلام، أليس هذا مضحكا؟ ولو قلت لي ما هي أمنيتك لقلت بصوت عال أن يعدم "جورج بوش" في ساحة الفردوس في بغداد في صباح عيد الأضحى المبارك.

حسب الإحصائيات التي تنتشر في الشبكة كان مشاركة السوريين فيها ضعيفة مقارنة بدولة صغيرة مثل الإمارات مثلا، ما السبب في ذلك؟

هل في كل بيت سوري يوجد جهاز الحاسوب؟ بالتأكيد لا، والسبب في ذلك هو الحالة المادية للمواطن السوري، السوريون ليسوا مرفهين مثل الإماراتيين، ولو كانوا مثلهم مرفهين لاختلف الوضع كثيرا، فالشعب السوري مثقف وذواق وذكي جدا، ولكن ماذا يفعل المرء إذا كانت اللقمة هي المراد الأول.

بأسطر قليلة كيف يمكن أن تعرف نفسك أمام القراء؟

أنا كاتب سوري، أعتز بسوريتي ، وأنا مواطن عربي من هذه الأمة المغلوبة على أمرها، المبتلية بآفات كثيرة وبجرثومة اسمها "إسرائيل" مواطن يحلم بعمر جديد وبأبو بكر جديد وبعثمان جديد وبعلي جديد وبأبي عبيدة جديد وبحمزة جديد وبخالد جديد، مواطن يحلم أن يخترع عربي شجاع دواءً للقضاء على هذه الآفات وهذه الجرثومة، مواطن يكره الظلم، يريد الخير والسلام، لا يتخلى عن مبادئه ولا يركع إلا لله الواحد الأحد.

هل أنت نادم على اختيار الأدب والولوج في طرقه المتشعبة؟

الأدب بالنسبة لي هو متعة بالدرجة الأولى، ولا أظن أنني قادر على العيش دون هذه المتعة، فأنا دائما إما الكتاب بيدي وإما القلم على الرغم من أنني أخسر الكثير من المال والوقت والجهد ولا أجني شيئا سوى هذه المتعة.
كلمة أخيرة توجهها إلى قراء ديوان العرب، والى المشرفين على الديوان.

لقراء ديوان العرب أقول: أتمنى أن تقرأوا دائما ما ينشر في ديوان العرب، ففيه المتعة والفائدة، وهو ليس كبعض المواقع التي تنشر النفايات الأدبية كالمنتديات التي ليس لها لا طعم ولا لون ولا رائحة، وللمشرفين على الديوان أقول: جهودكم مشكورة، وأنتم تستحقون التكريم ولكن ليس باليد حيلة، أشكركم لأنكم منحتموني درع ديوان العرب للقصة القصيرة، وهذا يعني أنكم تقدرون تعب الآخرين، وفي الختام أشكرك على أسئلتك الذكية والقيمة.

الأحد، فبراير 03، 2008

أعلى ومنتصف القلب

بسام الطعان
العصافير وحدها اقتحمت خلوتي ، رفرفت من حــولي ، وظلت الشاهدة على انكساراتي، زقزقاتها منحتني شيئا من الراحة المفقودة وأنا جالس عند الأصـيل الربيعي فوق ضـفاف الأمـاني ، أتأمل المرئيات من حولي، وأنتظر الفرج بحنين.
"الله الله يا دنيا, بل الله الله يا قامة!"
صحت باندهاش، وتحولت من السالب إلى الموجب عندما رأيتها تقتحم وحدتي، وتجلس فوق الكرسي الخشبي المقابل لي.
تغيّر سلوك الدم فيَّ، تملكني شعور لمعانقة صفاء وجهـها ، ولم أكن في حاجــــة إلى بروتوكول لأصـف فرحي، بقيت أنظر إليها ، فدغدغني قلبي، وطلب مني الذهاب إليها، فعدلت هندامي ، مسـحت شعري براحة كفي ، واقتربت منها بخطوات لا تعـرف الخجل أو الخوف ، وقفت أمامها فرأيت الأبهة ، ورأيت في مرافئ عينيها أشرعة لسفن سعيدة تتمايل في بحر هادئ ، حييتها بصوت واثق جريء وكأنني أعرف تاريخها وجغـرافيتها ، فامتلأت خلاياي بالبهجة حينما أسقطت عليَّ نورا مصفـَّى، ودعتني للدخول في ظلالها الدافئة.
ولكن أي منطـق بربري هذا؟ فأنا لم أكن أعلم أنها تتقن فنون التعذيب أكثر من أعتى الجلادين، ولم يخطـر ببالي بتاتاً أن أكون محطة للامبالاتها.
وعدتني بلقاء جميل في كل أصـيل ، لكنها غابت مثلما تغيب الشمس خلف الغيوم الداكنة وتركتني أحتسي قلقي وانتظرها كل يوم حتى أواخر المساء ، وبعد تسعة أيام بلياليها جاءت كقوس قزح، جلست إلى جانبي، زنرتني بهسيس الكلام, ثم سكبت عليَّ ماء البعاد من جديد، فتلطخت روحي بالتجاعيد وأنا ارسمها على مدّ النظر إلى أن غابت، وغابت من واحة العمر صفصافة.
صورتها لم تغادر شرفات عينيَّ، وكلما تأخر اللقاء، يراودني البكاء، يغمرني الحزن، ويصادقني السأم، وقبل أن ينهار صبري، أهرب من فراغ إلى فراغ، انزوي تحت جدران أو أشجار، أتسلى بمناظر رسمها خيالي، مناظر مزينة بشهوة غير مكتملة، ثم أتابع سيري في طريق لا أراها إلا سـوداء، لعلني أرى القامة التي تعرش فيها الطفولة صدفة، فلا أجد غير وشوشات الحزن عند أفق الغياب، وحين يتمكن مني التعب، أذهب إلى الحديقة ، أجلس على الكرسـي الذي جلست عليه أول مرة، أساله عنها, فيئن تحت ثقل جسدي ولا يجيب, عندئذ التفت إلى العصافير، أسالها بلهفة عنها، فتزقزق وترفرف من حولي، أفهم من زقزقاتها أنها تقول: عروس عمرك هاربة منك، ولكن لا تخف أيها العاشق, ستأتي إليك راكضة وحافية القدمين حين يأمرها القلب.
طال الغياب شهراً كاملاً ، فعرشت الحسرة في حناياي، لأنني فقدت الوصل والوصال، لكنني بقيت أحلم به ا وأحلم، وأتمنى أن تقاسمني رغيفاً شهياً ووروداً ليلية.
أينع الانتظار على نوافذي وأبوابي كدالية، فصـممت على الذهاب إلى بيتها، وهناك، تجمد قلبي وهزه هواء البكاء، وحين عدت إلى البيت بقيت في الأسر أسبوعا ًكاملاً, ثم وضعت الملح على الجرح وسكت, فما حصل قد حصل وليس بمقدوري تغييره.
رحلت إلى عالم يبدو أنه لذي ذ بالنسبة لها، لكنها لم تبتعد عني، ويبدو أنها اعتبرتني لعبة مسلية بالنسبة لها، فكلما سنحت لها الفرصة، وبعيداً عن عين الرقيب الجديد، كانت تزرع قامتها أمامي فسيل فل، تفرش لي بساطاً من ود بين العينين والشفتين حتى استطاعت إقناعي بأن ما حصل كان رغما عنها، أما أنا فبقيت مثل عصفور سيّجه الظلام وأنهكه العذاب.
اختفت من عالمي مرة أخرى ولأشهر عدة، فصار الحزن مهنتي الوحيدة، وفي صباح شبه بائس، كنت ممدداً في فراشي، أعاني من أرق وفوضى عارمة في الشعور، وحين رن جرس الباب، نهضت بتكاسل ووجهي ثابت القسمات، فتحت الباب بيد كسولة ، فالتمعت عيناي في ذهول وأنا أراها واقفة أمامي بوجه يشبه القمر المكسـور، بينما الندم يتعلق به كاللبلاب، بقيت ساكنا كعمود للحظات وأنا أغرز نظراتي في رموش عينيها، أما هي فلم تنتظر ، ألقت بجسدها في حضني واغرورقت عيناها بالدموع.
انتشلت نفسي من وسط كومة الذهول ، ربت على كتفيها، مسحت دموعها، تحسست خديها ودعوتها للدخول.
قالت وهي تمسح دموعها بمنديل ورقي:
ـ ظلك لم يفارق ظلي لحظة واحـــدة، وحين أمرني قلبي بالمجيء إليك، أنهيت كل شيء وجئت لأكون لك وحدك فهل تسمح؟
ـ سمعت أنك لم تتزوج بعد. أضافت حين لم تسمع ردي.
رفعت رأسي، عانقت عينيها، فارتوت عيناي من صدق لا ينضب، ومن شوق لا نهاية له:
ـ نعم, وبقيت انتظرك.
نهضت فجأة، عانقتني كموجة دافئة، غسلت خدي بدموع تتلوى على خديها القطنيين، ثم جلست إلى جانبي، وأرسـلت ببطء إلى يدي عشرة أصابع من حنان وحنين، وآن تذوقت يدي حرارة عجيبة، وشعرت بخدر لذيذ ، مددتها فوق أعلى ومنتصف القلب، لكنها نهضت وهي تبتسم، وأخذتني إلى نهر يتلألأ مائه ويسير نحو وديان مليئة بالظلال.

bassamtaan@yahoo.com

الخميس، يناير 24، 2008

ورد يبكي


بسام الطعان
قصة قصيرة
ارتفعت صيحات مفاجئة في الشارع الذي لم يرتد كامل يقظته بعد، فانفتحت كل الأبواب والشبابيك ، ثم انتشر خبر هـز البلدة كلها وحولها إلى خلية نحل.
طار النوم من عينيَّ، فخرجت مسرعاً وأنا أرتدي منامتي ثم لحق بي أخي، وأبي و... و... رأيت حركات غير طبيعية، ورأيت الرجال والنساء والأطفال يركضون باتجاه الغرب وقد تشعبت الدهشة في ذواتهم.
"ماذا حصل؟"
لم يكلف أحد نفسه بالرد على سؤالي ، فركضت خلفهم إلى أن رأيت ما رأيت.
وأنت يا عريس ، يا صـديقي الوفي ، كنت مـرمياً بين الأشجار المزروعة في مدخل البلدة الغربي، ترتدي بذلتك السوداء، وقميصك الأبيض، وربطة عنقك الذهبية، وكانت سـكين لئيمة مغروزة بغرور في أقصى صدرك، فتبدو وكأنها إسفين أسود مغروز في كومة من الثلج، أبعدت من في طريقي واقتربت منك ، فرأيت خرائــط الدم مرسومة على رقبتك وصدرك وتسـريحة شعرك ، وكانت البراءة ومعها كل ابتسـامات الأمس ، ليلة عرسك , واضحة على شـفتيك وعينيك المفتوحتين.
بحثت عن عروسك بين الوجوه الكثيرة فلم أجدها.. كثـيرون كانوا يحسـدونك على حبها لك، وعلى جمالها الخارق ونقاء روحها. سألت عنها وأنا أتأبط الهذيان، فلم يرد عليّ أحد.
"هل هربت أم خطفت في عتمة الليل؟"
آه يا صديقي.. قبل ساعات كنا زوجتي وأنا في حفل عرسك وبعد أن رقصنا وغنينا وضحكنا وترنمنا مع المواويل في النادي المكتظ بكل أنواع الفرح،ودعناك وودعنا عروسـك التي كانت تتأبط ذراعك وترش من حولها البسـمات ، وحين سرت معها باتجـاه السيارة لتجمعكما ليلة من أجمل الليالي، لوّحت لنا، وطلبت منا أن نزورك ، فوعدناك مع تلويحة أن نكون عندك في المساء.
" أين العروس؟" صاح أحدهم.
"الكل بحث عنها في البيوت والبراري وعلى ضـفتي النهر، ولكن لا أثر لها وكأنها تحولت إلى نقطة ماء في بحر متلاطم الأمواج. صاح آخر وهو يبكي.
إيه.. إيه يا عريس، يا يتيم الأبوين، هل تتذكر أيام الشقاء؟ وهل تتذكر كيف جمعت من تعبك وسهرك في الليالي، وأيضا من تعب أختك، مهر العروس؟ حيث كنتما تشتغلان في الليل والنهار دون كلل أو ملل ، تجمعان القرش فوق القرش ، وتحرمان نفسـيكما من أشياء كثيرة كنتما بأمس الحاجة إليها والآن ضاع كل شيء، وتركت أختك الوحيدة، لمن تركتها يا مسكين؟ ها هي تفترش التراب، تلعقه، تنثره على رأسها، تنتف شعرها نتفاً عجيباً تذرف الدموع المدرارة، تطبع على وجهك البارد قبلاتها الأخيرة وتتساءل بكل عذابات الأرض:
" من هم القتلة، وبأي ذنب قتلوه؟ فهو كان مثل حمامة السلام"
لا تسمع إجابة من أحد ، فتسقط مغشية عليها ، وحين تفتح عينيها مرة أخرى ، تبقى صامتة للحظات ، تنظر من حولها وكأنها تبحث عنك بين الوجوه ، ثم تنتحب من جديد وقد جف فمها من العطش الطويل:
" والله ليس لي غيره، لا أخ ولا أخت فلماذا قتلوه؟.. يا عالم يا ناس، لأي سبب قتلوه، لماذا تركوني وحيدة؟ لماذا لم يقتلوني قبله؟"
تتوقف عن النحيب وكأنها تذكرت شيئا مهماً ، وبعد لحظات تهز رأسها وتقول مع الشهقات:
" حين عدنا إلى البيت ، باركت زواجهما ، قبلتهما ودخلت إلى غرفتي ، تمددت ، وقبل أن يأخذني النوم ، سمعت صوت ارتطام شيء، لكني لم أخرج من غرفتي، ليتني خرجت، ليتني لم أنم، نمت ولم أشعر بشيء حتى سـمعت دقات عنيفة على الباب، وحين فتحته لم أصدق ما سمعت ، هرولت إلى غرفة العروسين ، فكانت مرتبة كما لو أن أحداً لم يدخلها..."
لم تستطع أن تكمل ، وسقطت على الأرض مرة أخرى.
كغصن جاف تهزه الريح، كنت أسير خلف نعشك في صـباح شبه ميت، أقطع دروب التيه وخطاي تتدثر بالفوضى والهذيان، ومع كل شهقة تخرج من حنجرتي ، كنت أبكي بكل لوعتي وضـعفي، وأزفك إلى عرسك الجديد بمرارة وحزن كبير بحجم الكرة الأرضية.
كنت تســـتريح على الأكتاف ، وأنا أنظر إليك ولا أمّل من النظر، وفجأة رفعت رأسك، أرسلت نظراتك إلى الوجوه المنكســرة، وحين وقعت نظراتك عليّ، قلت بلهفة وكأنك قادم بعد غياب طويل:
" أين أختي وعروسي؟"
مسحت دموعي وقلت بصوت سمعه الجميع:
" ها هي أختك خلفي، إلى جانب زوجتي، وهي محاصرة بالحزن والقهر والعذاب ، ها هي حافية القدمين ، مبعثرة الشعر ، ممزقة الثياب، وها هو الورد الأسود ينبت تحت قدميها ، ورد يبكي يبكي يبكي و مليء بالأشواك، كل من يمر من فـوقه أو من جانبه ، يتألم ويحزن ويمتد حزنه إلى القمر، أما عروسـك يا صاحبي فهي غائبة في المجهول، وربما هي الآن تسأل عنك وتقول أريد عريسي".
عندئذ بكيت بألم فقلت لك:
" لا تبكي أرجوك"
سقطت عليّ النظرات المستغربة ، فلم أبال بها، تابعــت الحديث والرد على أسئلتك، فراحت الرؤوس تهتز بأسف:
" اتركوه يفعل ما يريد"
" كان من أعز أصدقائه"
" لم أر مثل وفائهما"
" سيجن المسكين"
ليتني أجن وأنسى كل هذه الآلام. استعدوا لمواراتك الثرى ، فقلت وأنت تحترق بنار لا تعرف الانطفاء:
" لا تردموا الحفرة ، اتركوها مفتوحة أرجوكم ، فربما جاءت عروسي، وإذا جاءت ورأيتها، عندئذ اردموها بالإسمنت إن أردتم"
لكنهم لم ينتبهوا إليك، انهالت الرفوش على التراب ، فهتفت وأنا أحس بأن كل سكاكين البلدة مغروزة في صدري:
" لن يكون إلا ما تريد يا صديقي"
اقتربت منهم، أبعدتهم بكل قوتي وصرخت بأعلى صوتي:
" ألا تسمعون؟ لا تردموا الحفرة، اتركوها مفتوحة كما يقول لكم"
" بماذا يبرطم هذا؟" صاح أحدهم بغضب تولد فجأة.
أبعدوني عنهم وعادوا إلى عملهم، حاولت أختك أن ترتمي فوقك، لكن رجلاً ظالماً وبلا قلب، أمسك بيدها وأبعدها رغما عنها .
غادر الجميع المقبرة وتركوني وحيداً مع الفجيعة والغياب، وحين لم يبق غير الصمت ، سألتك بصوت ليس فيه إلا الوهن:
" قل لي يا صديقي، من هم القتلة؟"
" هم الذين يعشقون الموت بلا سبب"
بقينا ننظر إلى بعضنا البعض أنت تنظر وتهز رأسك حينا، وحيناً تغمض عينيك وأنا أنظر بحنان الأب والأم والأخ وأتحسر .
" والله العظيم سأزورك في كل الأوقات . قلت حين فاجأني صوتك:
"لا تتركني وحيداً، وكلما اشتقت إليّ تعال إلى هنا"
وحين بكيت وقبلتك، ربتّ على كتفي وقلت:
" يكفي البكاء.. اذهب الآن وابحـث عن عروسي، وإذا وجدتها قل لها أنني أريدها لأمر هام"
ولم تخبرني عن هذا الأمر الهام على الرغم من إلحاحي الشديد ، فنهضت بقلب يقطر دماً ، رجعت أدراجي إلى البلدة ، ولم تنقطع زياراتي إليك، كنت أجلس إلى جانبك، أسـليك وتسليني في النهار أو في عتمة الليل ، وفي كل مرة تسألني عن أختك فأجيب ، وعن عروسك فتموت الكلمات في حنجرتي.
bassamtaan@yahoo.com

الجمعة، يناير 18، 2008

أقرب إلى اللبلاب

بسام الطعان
قصة قصيرة
بإمكانكم مشاهدة صورة الكاتب عبر الشريط المعروض في أعلى الصفحة
بالأمس، لا أعرف إن كان بعيداً أم قريباً، فهذا لا يهم، المـهم أن سنوات العمر تقصفت تحت ثقل الظلم، وأن نهر الحقد فرّق بين قلبين أخضرين.
قلبان يحملان الحب وشاحاً، ويرتديان اللوعة شالاً، كانا يلتقيان بين المروج، أو بجانب النهر المسافر إلى البعيد، وفي بعض الأحيان عندما تكون العيون الحاسدة التي تسرق البسمة من الشفاه متفتحة، كانا يحتميان في الوادي، خلف صخرة كبيرة تحمل أول حرف من اسميهما، ويتمتعان بالدفء المتولد من عشرة أصابع تعصـر عشرة أصـــابع، بينما أربع عيون مبدعة، لا تتعب من الغزل, تطيّر ملايين العصافير المشتاقة ، وتغزل من خيوط شمس الأصيل كباكيب ملونة بألوان قزحية ، ثم تحولها إلى ثوبين مطرزين بالمرح.
لا هو ولا هي، كانا يظنان أن السدود العالية سترتفع من حولهما، وتتركهما في بحيرة سوداء.
رأتهما بعض العيون الشرسة وهما في وضع يتمناه كل ولهان، وآن انتشر الكلام، تقدم من أوسع الأبواب بمشروع سلام، بنده الأول والاهم طلب يدها، وبنده الأخير نسيان الماضي بكل آلامه وعودة الصفاء إلى القلوب المتخاصمة منذ سـنوات طويلة، لكن مشروعه انهار قبل أن يقدم كل بنوده، حتى أن أكثرهم من الطرفين، سخروا منه بشدة وهددوه بالقتل إن رآها أو حلم بها مرة أخرى.
يا لهم من حمقى، أنهم يصادرون الأحلام وكأنهم أصحابها يوزعونها على من يريدون.
تحدث إليهم بلغة الطيبة فلم يفهموها، تحدث بلغة التهديد ففهموها وبادلوه بمثلها، لكنه غيّر رأيه وانتظر معجزة تطل برأسها وتحول الجمر إلى مرج أخضر يتسع للكل.
تأخرت المعجزة كثيراً، فأرسـل حمامة وحملها غصن زيتون، غير أنهم ومثل كائنات ممهورة بالهمجية، أعادوها إليه بوجه كئيب وغصن مكسور.
خرج من غرفة العناية المشددة، فأبحر نحوهم بقارب من سلام وبمجدافين من أمل، وفي منتصف الطريق المفروشة بالبارود، كسروا القارب على صخور العناد وزرعوا المسافات بأسلاك شائكة.
حاصروها بالخراب وأهانوها، ومن ثم حبسوها بين أربعة جدران لا تعرف ما هي الشمس، أما هو فصادروا حريته, طوقوه بمئات الأشباح، والقوا به في أحضان الاضطراب الأرعن.
ماذا عليه أن يفعل كي يراها، إنه يحن إلى النور الأخضر الطالع من عينيها، إنها مثل اللبلاب تعرش في وجدانه فكيف يبتعد عنها، أو يتركها، لمن يتركها، ولماذا يتركها؟
الأبواب كلها مغلقة بمزاليج من نار، وها سبعة أشهر وعشرة أيام قد مرت، أرسل لها مع عصفور رسالة مكتوبة بحبر اللوعة، بدايتها تصميم على الصمود، ونهايتها رغبة قوية بالهرب سوياً إلى عالم ليس فيه غير الحب والرحمة.
ـ كيف تطلب من حمامة ليس لها أجنحة أن تطير؟
ردها أشعل الحرائق في داخله، فتوسل إلى أمه أن تتوسط وتمده بشي من الراحة المفقودة, لكن صواعق اللامبالاة والتوبيخ أصابته وشـّوشته لأيام طويلة.
آه من الأيام ، حولته إلى مغلوب ومنكسر، ولكي لا يجري نهر الدم المسفوح بلا سبب كما قال أحدهم ، خلع ثوب الأمل وارتدى ثوب الحداد، وهاجر إلى الشمال البعيد.
قال لها مرة عند باب الليل الذي غار من شعرها الطويل:
ـ سأفعل المستحيل لكي يكون هذا الشعر لي.
طأطأت برأسها وانكسرت تعابيرها:
ـ أي ذنب ارتكبناه حتى نعاقب بهذه الطريقة المؤلمة؟
ـ لا تخافي يا (هالة) مهما حاولوا فلن يفرقوا بيننا.
تقلبت شهور الغربة وارتحلت، أخذت منه الكثير ، وبالمقابل عبأت جسده الباحث عن الدفء والحنان بالوهم والأنين ، وحولته إلى غريب لا ينتمي إلى الزمن الذي هو فيه.
ذات صباح دافئ، تزينه حبات مطر ناعمة ، فتح نافذة غرفته في الطابق الثالث, وأمام النافذة تذكر مرابع طفولته، فأرسل نظراته في الاتجاه المؤدي إلى بلده, شاهد عصفورا يرفرف وحيدا ويذهب في الاتجاه نفسه، شعر بأن العصفور حزين ووحيد مثله، ظل ينظر إليه وحبات بلورية تسقط من عينيه، وفجأة صاح بصوت أشبه إلى الهمس:
اذهب أيها العصـفور الحزين، قل لهالة الطهارة والصـفاء، هالة الجمال وبيارات الحنان، هالة التفاح المغمس بالعسل، هالة اللوز وعطر الربيع، قل لها ، اسمك سيظل مكتوبا على قرص الشمس ، ولك وحدك الانتماء وهذا الحب الكلي.
اذهب أيها العصفور الحزين، قل لابناء عشـيرتي الميامين، يا قلوباً بلا صفاء، يا أجساداً بلا أحاسيس ، يا رؤوساً فارغة وبلا أفكار، لماذا أطفأتم الشمس في عينيه؟ والى متى ستبقون في صدفة الحقد خالدين مخلدين؟
اذهب أيها العصفور الحزين ، قل لجحافل الشر, كنتم سعداء وأنتم تحبسونها وتمنعون عنها الطعام ، كنتم أغبياء وأنتم تعتقدون أنه ذهب بلا قلب وبلا عودة، فأنتم لا تعرفون أنه ترك لها قلبه وأخذ قلبها ، وأنها دائما معه، لا تفارقه، شعرها ينسدل على كتفيه، يلعب به في الليالي الطويلة ويتسلى به، صدرها في النهار يمنحه الدفء، وفي الليل يتحول إلى سرير وثير، ينام فيه ولا يصحو إلا لينام من جديد، شفاهها نبع ماء بارد، يشرب منه ولا يرتوي أبدا، أصابعها لا تفارق أصابعه, يداعبها باستمرار ويحكي حكايات حبه التي لا تنتهي.
اذهب أيها العصفور الحزين، قل للجميع، الصغار قبل الكبار، اخرجوا من دوائركم السوداء، جربوا الحب مرة واحدة، عندها ستعرفون كم من قلوب عذبتم، كم من أحلام قتلتم, وكم من حقد زرعتم.
اذهب أيها العصـفور الحزين، قل لكل المحبين، لا تتركوا قلوبكم تعيش مع قلوب لا تعرفها، وإذا فعلتم غير ذلك, ستندمون على العمر الضائع حتى الصمت الأخير، وستقول لكم قلوبكم لماذا امتهنتم الخيانة وحولتمونا إلى مظلومين في الحياة، ولا تنسى أيها العصفور الحزين ، أن تقول لكل العاشقين، لكم المجد وإياكم والاستسلام.
اختفى سفيره فعاد مع حزنه وتناول طعامه بصمت.
بعد ثلاثة أيام، استيقظ في ليلة باردة من نومه مذعورا، فقد رآها أثناء نومه تغرق في بحر أسود متلاطم الأمواج وتناديه باسمه مرات ومرات، كم تألم وكم شعر بالحزن لأنه كان واقفا على الشاطئ ينظر ولا يتحرك حتى اختفت.
ترك الحلم انفصالاً عسيراً يدب في كيانه، شرب حسـوة ماء وحاول النوم من جديد، ولكن كيف يأتيه النوم والوسن طار دون أجنحة وتركه مع الهموم والأوهام، ظل السهد يعاشره بوقاحة، وهرباً من جنون يراوده ، ارتدى ثيابه وخرج دون أن تكون له وجهة محددة، على الدرج سمع صوتاً من داخله يقول:" الجو بارد جداً فأين ستذهب الآن؟" لم يستمع إليه وإنما راح يسير في الشارع الخالي من المارة وهو يحرك يديه باتجاهات مختلفة ويتحدث بصوت مسموع، أكل البرد دفء جسده كله فعاد مثل عصفور منتوف الريش، أشعل المدفأة, الصق جسده بها إلى أن عادت إليه الحرارة، وبتفكير لم يدم أكثر من دقائق، وفرارا من الضياع, حزم حقائبه وكان قلبه يفيض شوقاً للصباح.
حين وصل لم يسأل عن غيرها, فقالوا وهم يبتسمون:
ـ إنها ترقد في سلام.
تخشب جسده من هول المفاجأة، زفت خلاياه إلى الهذيان ، وسرعان ما وقع مغشيا عليه، وحين نهض، دار من حوله كأنه يبحث عنها بينهم، تطلع إلى بعض الوجوه، ثم استدار وسار إلى حيث ترقد بسلام ، صعد التل المفروش بالأشواك وبعض الأزهار اليابسة ، اقترب منها بخطوات مرتعشة، خائفة، باكية، مجنونة, وقف إلى جوارها:
ـ صباح الخير يا هالة الطهارة، ها قد جئت إليك رغما عنهـم ولن يفرقوا بيننــ ..
لم يستطع أن يكمل، انهار فيه شيء ما، رأى الدنيا كلها بيضاء صافية، ولم ير بعدها أي شيء، وكان الآخرون بعضهم يبكي وبعضهم يبتسم.


bassamtaan@yahoo.com

الاثنين، يناير 07، 2008

أنين الفرح

بسام الطعان
قصة قصيرة

برفقة فرحه المخفي، وقف بمحاذاة الحفرة بلا مبالاة ، كانت روحه آنئذ تشرق بالأغاني المرحة ، أشعل لفافة، سحب نفساً أعمق من فرحه، نفث الدخان من منخريه الأسودين، ثم تأمل بغبطة النعش الذي يرسل استغاثات ممزوجة بعبارات الاستنكار والاستهجان، وخُيّـل إليه للحظات أنه حالما يعود إلى البيت، سيلتقي بامرأة عذبة، لها عينان كبيرتان يلتمع في غوريهما سحر غريب ، وتحوّل كل عضو في جسده إلى بحار يمخر بالتياع عباب جسدها، لكن غبطته لم تدم سوى لحظات وانطفأ فرحه عندما سمع صوتا شرساً:
"تريد أن تتزوج عليّ يا ملعون؟ والله سوف أجعلك تنسى اليوم الذي ولدت فيه".
حاولت أن ترفع ذراعيها إلى الأعلى محاولة التخلص من النعش المرمي بجانب الحفرة،غير أنها كانت قطعة خشب مهترئة ، فلم تقدر عندئذ غير أن تشتمه وهي تكاد تتفجر وتتحول إلى كتل من النار.
أما هو فقد ارتسمت على وجهه ملامح فزع، وكاد دمه يركض بين القبور، لكنه ما لبث أن هدأ بعد أن تقدم منه أحدهم ليواسيه.
اختفى النعش تحت التراب, فتنهد بارتياح، أحس بالسعادة تنمو في داخله كمرج أخضر، راح يحدق في السهل المنبسط أمامه ، بينما نفسه تطلق زغاريد مديدة، هناك ، فوق حقول الحلم الأخضر، تراءت له امرأة بيضاء، تفتح له ذراعيها وتناديه بشوق عارم، فجأة رفع يده من بين الجموع ولوّح لها ، حاول أن يعدو باتجاهها ، غير أنه وقبل أن يخطو الخطوة الأولى، غمرته الخيبة، إذ ارتطم بشخص كان واقفاً أمامه فكاد يسقطه أرضا.
حدَّق إليه الرجل بشيء من السخط وقال بعصبية:
ـ أنت مجنون؟!
ما إن انتهى الشيخ من قراءة الفاتحة حتى لعلع الفرح في داخله مرة أخرى ، وكأنه خـرج لتوه من هاوية البؤس والعذاب ، وبينما كان يتقبل التعازي وهو يشعر بالضجر، لاحظ أن الشيخ يستعد لمغادرة المقبرة، حينئذ ترك المعزين على عجل ومضى باتجاهه: "لا وقت لديّ لمثل هذه الخزعبلات".
ـ انتظر يا شيخ.. إلى أين ستذهب؟.. مهمتك لم تنته بعد.
في تلك اللحظة ازداد اللغط وكثرت الأسئلة, اقترب منه بعضهم، تحلقوا حوله صامتين كالخشب وقد هيأوا آذانهم ليسمعوا ما سيقوله.
شيعه الشيخ بنظرات ربما تكون ساخرة وربما عاتبة:
ـ ماذا تريد؟
ـ أريد أن تطلق زوجتي مني.
حوقل الشيخ ورمقه بنظرات استنكار:
ـ هل جننت يا رجل؟.. زوجتك صارت تحت التراب وتريد الطلاق!
ـ نعم أريد الطلاق وأنا مصمم على ذلك.
سقطت عليه النظرات وارتفعت الأصوات بين حانق، ومحتج، وساخر، وشاتم، ونادم على مشاركته في التشييع وتقديمه العزاء، ومنهم من فتح عينيه محملقا بتعجب ودهشة، ومنهم من قال إنه مجنون، ومنه من قال إنه نذل وجبان، أما هو فقال وهو يشير إلى القبر:
ـ إن هذه المخلوقة لم تكن لي زوجة، بل أنا كنت الزوجة، كانت زفرة اللسان، زنخة الألفاظ, سيفا صارما مسلطا على رقبتي مدة خمسة عشر عاما ، وطيلة هذه المدة كنت أمامها عاجزا عن فعل أي شيء حتى جاء هذا اليوم البهيج.
شفط الهواء من منخريه بتوتر وأضاف:
ـ العمى يضربها لم تكن تمل من الصياح , حلقها الزفر لم يكن ينشف من الصراخ.
كان الشيخ وقتئذ ينظر إليه بأسف ويقول في داخله أشياء كثيرة.
ـ ابنة العفريت سودّت وجهي.. لم تضحك مرة واحدة في حياتها ، حتى يوم زواجنا كانت عابسة وكأنها قادمة من مقبرة ، آه لو تعرفون كم من الأحذية ارتطمت برأسي ، أما الشتائم فقد نلت منها المئات ، بل الملايين، كنت أتناول طعامي مع الحسرة والتوبيخ، كانت جلاداً لا يعرف الرحمة ، كانت توقظني من نومي بعصا الممسحة وتطلب مني بصيحات هستيرية أن انهض وانظف البيت، أو أعد لها فنجان قهوة، كانت تصالب ساقها وتقول: "نظف جيداً يا سعدان" ولم أجد أي مسوغ لأفعالها الشنيعة.
ـ هل تصدقون أنها عضتني أكثر من عشر مرات ؟ كانت تعضني وتمشي دون أي إحساس، العض صعب يا جماعة، أصعب مما تتصورون، وفي بعض الأحيان كانت تعضني وأنا نائم كأنها كلبة مهروسـة الضمير، حتى أنها في مرة من المرات وكان الليل في منتصفه ، قضمت شحمة أذني وهي تكيل لي الشتائم، قد يقول قائل منكم إن كلامي مجرد هلوسة ، لا يا جماعة أنا لا أهلوس ، لديّ دلائل على ذلك وهي بارزة على جسدي ، هل تريدون أن أخلع ثيابي لتروها ؟ وحاول أن يخلع ثوبه لكن أحدهم منعه من ذلك.
نفخ نفسا كثيف الدخان, ثم أردف:
ـ عندما كانت تريدني لذاك السبب ، كانت تقلب كياني فوقاني تحتاني ، عندما كنت أقول لها لم أعد أستطيع، كانت تجعر في وجهي وتقول بقرف:
ـ انقلع من قدامي، وجهك يقطع الرزق.
ـ بربكم انظروا إليّ، هل وجهي يقطع الرزق؟
ابتسم من ابتسم وضحك من ضحك وعلق من علق ، أما هو فتابع حديثه بصوت ترتعش فيه رغبة في البكاء:
ـ لهذا أريد الطلاق يا شيخ ، لأنني لا أريد أن ألتقي بها مرة أخرى ، فقد سمعت من يقول إن الزوج والزوجة يلتقيان في الآخرة ، فهل أنا على خطأ يا ناس؟
عندما دخل إلى بيته , فجأة شحب وجهه وملأه الوجوم ، كانت الزوجة تنتصب أمامه وهي تخلو من أي ملامح بشرية، كل شيء فيها كان يثور، يغلي، وعندما رأته همت بالصراخ غير أنها في تلك اللحظة لم تكن تملك فما, فلم يبال بها، وإنما دخل إلى المطبخ ، أعد فنجان قهوة ، جلس على الأرض في فناء الدار ليستمتع بيومه الأول بعيدا عنها، وطلب من ذاكرته أن تبحث له عن عروس جميلة ، وحين أرسل نظراته إلى داخل إحدى الغرف ، رآها بكل جبروتها وقد تحولت إلى حيوان له آلاف الأنياب والمخالب، حيوان يثور كبركان ويقذف حمماً نارية ، فأيقن أنها قد تحوله إلى رماد ثم تذريه في نهر مليء بتماسيح شرسة ، وقبل أن يحترق بنارها لملم بعضه وانطلق هاربا إلى الخارج ، لكنه ارتطم بالباب وسـقط على الأرض، وتوزع أنينه في أرجاء البيت، وكانت هي تضحك وتسخر منه.

bassamtaan@yahoo.com

الثلاثاء، يناير 01، 2008

عسلها السائل على منتصف حنيني

بإمكانكم مشاهدة صورة الكاتب من خلال الشريط المعروض في أعلى الصفحة:
بسام الطعان
قصة قصيرة

سنوات وأنا أحلم بغزالة تركض معي في حقول الحنطة , وتعيد الشباب إلى الجسد الذي شاخ قبل أوانه.. سنوات وأنا أسافر إلى برار ووديان وقرى كثيرة, أبحث عن غزالة أتعبني حبها, غزالة لا أعرفها ولم أرها من قبل.
يا له من ظلم لا يفارقني, ويا لها من خيبات لا تصـادق غيري من البشر, ويا له من حلم لا ينكسر, فأنا دائما أراها وخاصة في الليالي, مثل قمر مشع في ليلة صيفية , وفي كل مرة , أجعلها سـمفونية وأعزفها في وحدتي , ثم أضمها إلى صدري, وأحملها على أنامل القلب.
تعبت من السـفر فعدت إلى قريتي , أواه.. من هذه القرية التي لا تمنحني إلا التعب والآلام المستبدة , ولأن العـمل دواء لانبلاج الحزن , مارست أعمالي المعتادة لعلني أنسى الغزالة , لكنها لم تخرج من ذاكرتي أبدا.
ربًّ صدفة... يا لها من صدفة لذيذة, البارحة, أقصد أول البارحة بالتحديد, كنت أشـتغل في الحقل, وكانت الأحلام والخيالات تأخذني إلى عوالم غامضة, وفجأة باغتتني غزالة لا تشبه الغزلان وتسمرت أمامي, نظرت إليها بدهشــة لا توصف, فرأيت فيها تغاريد البلابل, وألحان الناي , وأهازيج عصافير الدوري , والياسمين , وعناقيد العنب, وابتسامة"الجوكندا" وقصائد "محمود درويش".
غمرتني بنظراتها وعطرها وابتساماتها الملغزة, فلم أعد أعرف ماذا أفعل وكيف أتصرف. من أي عالم جاءت ؟ ومن أين انبثقت؟ هل جاءت من عالم الجن الذي قرأت عنه في الكتب؟ كل ما أعرفه أنني تبعثرت من شدة فرحي في المدارات , وصار الحقل أكثر اخضراراً.
صامتا ومندهشا بقيت وأنا أزرع نظراتي في حلاوة روحها, ورقة جسدها, وطيبة نفسها, بغتة مددت لها يداً ملوثة بجمر الهذيان, آآآآآخ.. ما هذا ؟ انغرزت شوكة حادة في إبهامي, وبعد كثير من الأنين , سحبتها كما المسامير من خشبة , ورميتها للوحل وللوجع وللدنيا التي لا هم لها إلا أن تتعبني وتحرمني من ملذاتها.
لم تنتبه الغزالة لأنيني, ربما لم تسمعني , وإنما حدقت في عينيَّ وقالت بشفتين لذيذتين:
ـ ما رأيك بقليل من العسل الذي لا يشبه العسل؟
غزالة كلها غرابة , شكلها غريب , وجمالـها غريب , وكلامـها غريب, لم تطعمني العسل , ولم تنتظر جوابي , استدارت وابتعدت بخفة ورشاقة ولم تلتفت إليًّ, فتابعت خطواتها الناعمة في صـمت وذهول حتى اختفت في الوادي.
"ماذا تنتظر أيها الأبله؟! هيا اتبعها وانهل من العسل". قال قلبي الذي خفق بإيقاع حنين لا حجم له, لكنني لم أستمع إليه ولم أتحرك وبقيت جامدا كالتمثال.
لأكثر من نصف سـاعة وأنا محاصر بين حقول الهذيان ودوائر الدهشة , وأوزع في الحقل شــتلات الكلام , وبعد حين غبت في تداعيات لذيذة , وأسميتها فرحي وحياتي ولذة لذاتي , ورسمت بشفتيها أمنية ولا أحلى وقلت:" تعالي واحضنيني يا صاحبة العسل والجمال العجائبي". وبعد لحظة واحدة, رأيتها تقف فوق حجر كبير وتناديني باسم جميل , وحين لم أتحرك , دفعني القلب دفعة قوية, فركضت باتجاهها بحب وشـوق , لكنني اصطدمت بحجر صغير وسقطت في الوحل , أما هي فراحت تخرج لسانها وتهز رأسها وتضحك بعذوبة, وما أن نهضت وخطـوت الخطوة الأولى , حتى اختفت في أقل من لحظة, وتركت جداول الحسرة تسير في كياني.
تركتني وحيدا في براري الصمت والألم , فجلست تحت الشجرة أدخن لفافتي, أهبط إلى أسفل الضجر, انظر إلى العشب الذي لا يمل من إرسال أشواقه للغيوم, وفجأة صحت يا الهي ما هذا؟ رأيت مرآة كبيرة جدا تنبثق أمامي ويسير فيها رجال وشباب إلى جهات محددة, وكل من يراني يلتفت إليًّ ويبتسم ويقول:
ـ هل أكلت العسل؟
حاولت أن أركض وأعود إلى البيت, لكن أقدامي كانت قد تحولت إلى عشب يابس, ظل الكل يســـأل إن كنت قد أكلت العسل, لكنني لم أرد على أحد , لأنني كنت مشغولا بإرسال ورود العشق إلى التي أضاءت أمامي كل المرايا وأنارت الجــهات في أعماقي, وانتظرتها أن تأتي لتمنحني هديل جسـدها وتسقيني العسل , ويا للدهشة والغرابة, رأيتها واقفة أمامي , وبإشـارة من إصبعها انبثق أمامها شاب ملامحه جميلة , ودون أن تدعوه راح ينهل من عسلها, وكانت هي تتأوه وتطلق الضحكات الرنانة وتنظر إليًّ وكأنها تسخر مني , رجّـني غضب مرعب , نهضت دفعة واحدة , ودون مقدمات أو خوف, أرسلت إلى خد الشاب صفعة قوية , آه.. أطلقت صـرخة مدوية وأحســست بألم فظيع حين ارتطمت كفي بجذع الشجرة , ولكن لا أدري كيف اختفى الشاب وأخفى معه غزالتي المدللة.
بدا لي الحقل بارداً وموحشاً, ورأيت كل عصافير الدوري تتقافز على الشجرة وتزقزق وكأنها تسخر مني بزقزقاتها, وحين توزعت حسراتي في المدى, عدت إلى القرية منهزماً, منكسراً, ومراقبا لموت أحلامي وأشيائي في صـمت, وما أن وصلت إلى القرية حتى رأيتها تخرج من أحد البيوت وتسـير في زقاق ضيق , فلم أتمالك نفسي, اقتربت منها, طوقتها, ولم ادع لها مجال للهرب أو الكلام:
ـ لا بد أن آكل العسل هذه المرة.
قلت ثم هجمت عليها, طوقتها بذراعيّ وصدري وزرعت القبلات الحارة على خديها وشفتيها ورقبتها, أما هي فراحت تصرخ وتحتج وتشـتم وتحاول الإفلات مني , لا أعرف كم من القبلات زرعتها, ربما عشرات وربما مئات, ولم اشعر بنفسي إلا بعد أن انتشرت أياد كثيرة من حولي , وبعد أن سـحبتي الأيدي بعنف , انهالت عليّ الصفعات والركلات والشـتائم البذيئة , وكانت الغزالة تقف خلف نافذة بيتها وتشتمني بثيابها الممزقة, وبجسدها الذي لم يعطني قطرة واحدة من العسل , وصارت حكايتي حكاية , وصـار اسمي أبو العسل.
bassamtaan@yahho.com

الجمعة، ديسمبر 28، 2007

قصة قصيرة: غزالة الغابة


بسام الطعان

في المدينة التي تسبح شمسها في الغبار، ومطرها آثر الانتحار. أواه.. من هــذه المدينة ، كلها محن.. وتتبعها محن. أقصد المدينة المحاصرة بالتراب التي أعيش فيها ، ثمة غابة لم أعد أذكر في أية جهة تقع، فقد غادرت المدينة منذ مدة طويلة، على الأرجح أنا فيها منذ مدة طويلة، في هذه الغابة التقيت صدفة بغزالة حبلى باشتعالات المحبة، غزالة مثل قطر الندى، تغفو تحت أهداب الطفولة، تهتز في وجهها المروج الندية، وجنتاها زهـر البرتقال ، خصرها كالحور ، نهودها أسوار عالية جدا، وشفاهها نبع ماء بارد.
ـ هل مازلت تحبني؟
ألقت كلامها وابتعدت بخفــة ورشاقة ، فتابعت خطواتها حتى اختفت، في تلك اللحظة خفــق قلبي بإيقاع حنين لم أعـرف اللحظة حجمه، بينما أحاسيس مصابة بالخدر اللولبي تتلاطم في داخلي.
نهضت من مكاني وأنا أريد اللحاق بها، لكنني اصطدمت بحــافة شجرة فكاد الإنســان بداخلي يحتضر ، خيمــت عليّ وحدة معتقة بتأملات تلتف على انكساراتها، وانفراد ليس ما ألهـو به غير أن استعيد ذاكرتي وأصدقائي ، استعيد أحلاما أبحر فيها مع نسـاء عاريات، مصاغات من الزبدة والعســل، نساء ضفائرهن طويلة لا حدّ له، أين ذهبن يا ترى؟
وقفت الغزالة أمامي وكأنها تسللت من حدود الســماء واستوطنت الأرض في غفلة مني، وبدا صوتها يخترقني من جديد:
ـ هل مازلت تحبني؟
كانت تتقمص الغــار، سـكنتني رعشة وبدأت أشعل في غابات الكلام أشجارا، أما هي فبدأت تبوح بطيور بيضاء وتسد أفق الجسد.
اختفت قبل أن المسها، فتفجر نبع الحسرة كاسحا كل كياني، بدت لي الغابة موحشة، حيث لا أنيس فيها ولا وليف، وبدا نبضي يتوزع في المدى ولا ادري كيف التفــت من حولي ورحت اثبت عيني ّ في الفضاء، فجأة صـعقني منظــر لم أر مثله في حياتي:" يا الهــي إنها طيور كثــيرة وملونة تلتف على الهـواء ، تمارس هـواية الصعود والهبوط, ثم تشكل بأجسادها الرائعة اسم الغزالة في الفضاء ، ثم اسمي, ثم اسمها واسمي معا، كانت تقوم بحــركات رائعة ، من أين أتت كل هذه الطيور الجميلة؟
هل أنا في حلم يا ترى؟ أم نائم على حافة نهـر تمخر فيه سفن على شكل نسوة جميلات.
أصعد إلى قمة الريح ، ثم أهبط.. أهبط إلى أسفل الضجر ، أنظر إلى الأرض التي تهدي أشـواقها للغيوم، وأواصـل ثرثرة المواويل ، أرى سيارات وكائنات تتدفق عن يميني ويساري، انظر إلى وامتص دخان سيجارتي بنهم، أرسل نفسا في المدة واسـتجمع العشق في باقة وأرسلها قبلة حارة للتي أشعلت في أعماقي كل المرايا.
"ماذا حصل لها؟"
حملتها الريح ونثرتها مثل البذور"
"إنها ليست إلا حلما جميلا تتوالى صوره"
بعد حين رأيتها في ربوة تمنــح احدهم هديل جسدها ، وبعد حين آخر رأيتها جالسة تحت شجرة جوز تفرد ضفائرها وتهمـــس أغنية حزينة، اقتربـت منــها، فرأيــت قدميها من عشــب، وثوبها ضـباب مكثف، لحظتئذ افعمتني الدهشــة، تجمد قلبي وهزته ريح البكاء.
أنظر ما يجاوز الغابــة ، حيث ترتفــع من البعيد جبال زرقاء ، اذهب بعيدا بعيدا، لكن توقظني من شرودي امرأة قبيحة تمر من أمامي.
أشرت لصديقي الذي رأيته جالسا إلى جانبي فجــأة ، والذي لم اعرف من أين انبثق:
ـ ما أقبح تلك المرأة.
ـ لكن التـي مـرت قبل قلـيل كانت أقبح.. لم تنتبه إلـيها لأنك كنت شبه نائم وتعزف على وتر حزين.
رجل غامق يمتطي دراجة نارية، شكله أقـرب إلى القرد يقـطع حلمي، تناولت سيجارة من علبة صديقي رغم أن علبة تبغي كانت مليئة.
" أين غزالة الغابة؟"
ذهبت إلى البعيد، ربما تعود، وربما لا تعود.. ستعود.. لن تعود.. هل اختفت؟ أم ضاعت؟ أم ذابت؟"
على حين غــــرة وأنا أوزع بوحشـة ابتهالاتي على مدار الوقت، وابحث عن الغزالة الجمــيلة في دهاليز الكلام , لطـخ رؤيتي رجل ملامحه جامدة:"آه يا ربي هل هذا وقته الآن؟ يبدو أنني أســير في طريق وعرة ولا أعرف أن اكتب الحــدث بواقعيته، في الواقع وقف أمامي رجل يرتدي ألبسة تقليدية وقال:
ـ ليس لي مال ولا بنون.
عندما لم أرد عليه نظر إلي بحقد كما لو كان يشتمني ثم مضى بعد أن قطع أفكاري.
أنظـر يمينا ويسارا ، مرآة كبيرة تنبثق أمامي ويذهب الناس والسيارات فيها عميقا عميقا إلى جهات غير محددة, تأملتها مليا فإذا بها تستبد بالمكان وتسطو عليه.
داخل أقبية اللذة المستطابة، أوقدت شمعة الحلم الوليد بينما الغزالة تركن في المرآة وتناديني باسم جميل لعلني لم اسمع به أبدا ولم أفـهم معناه، ولم أعرف لماذا كانت تناديني أنا بالذات.
اتجهت صوب الســماء وأنا أتيه في لوحة الغزالـة التي ابتدعـــها خيالي المجنح، رايتها جالسة فوق غيمة صغيرة وترســل إلي نظرة عبر عينيها السوداوين اللتين خيل إلي أنهــما تشعان حرارة، أنشدت سبيلا من فرح وأردت الجلوس معــها ، لكن صديقي الجالس إلى جانبي أعادني إلى مكاني:
ـ هات البشارة.
دسست الرســـالة في جيبي وبدأت أغـنــي أغنية جميلة، ثم رحت أحلق في أجواء المجلة التي تضيء فيها قصتي ، ومضى زمن طويل، نكثت بوعدي دون أن أدعو صديقي إلى وليمة دسمة.
بعد زمن آخر، التقيت صديقي وقبل أن أعانقـــه ذكرني بالوليـمة، فوعدته خيرا.
حين اندســسنا في حانوت صغير سـموه (مطعما) كانــت ثمــة طاولات متسخة تركن إلى الحائط مع أوراق صفراء في الأقداح ، وحين مدّ لنا النادل الصغير زجاجة الماء نهضت مذعورا، كانت غزالة الغابة جالسة في الزجاجة وتنظر إلي بنهدين مقطوعين ينزان بأغنية جريحة.

bassamtaan@yahoo.com

الخميس، ديسمبر 27، 2007

قصة قصيرة : سرقتها الريح


بسام الطعان

حدائق نارنج, تسقسق فيها سـواقي الحب كانت لنا الدنيا يا زينب, ولكن دون سابق إنذار, وفي يوم من أجمل أيام العمر, تغيّرت الدنيا, أخذت منا ولم تعطنا, هزتنا ولم تهدهدنا, ثم حكـت لنا حكاية حزينة, وحولتنا أنت وأنا إلى مظلومين فيها, فأي منطق ؟
وها أنذا الآن يا زينب, أدور مثل يعسوب في الأزقة والحواري, في الليل والنهار, وقد مزقت بذلتي السـوداء , وربطة عنقي التي كانت بالأمس زاهية الألوان, وها أنا حافي القدمين, أدور ولا أذكر ولا أتذكـر غيرك, أمشي بخطوات مجنونة, وأحيانا أركض, أتحدث إليك والى نفســـي وخيالاتي, ولا أرد على الأفواه التي تتأسف عليك وعليَّ يا زينب.
"اتركوه وشأنه, مصيبته كبيرة"
"كان مهووساً بها"
"يا له من مسكين, إلى متى سيظل على هذه الحال؟"
"بل يا له من أبله, من أجل امرأة لا راحت ولا جاءت فعل بنفسـه ما فعل"
آاااااه, آه يا زينب.. حلمت بك منذ سنوات طويلة , وببيت صغير يجمعنا ولا يتسع إلا للضحك وباقات العشق وتبادل الشفتين, كبرت وكبر حلمي في قلبي, وكنت كلما ألتقي بك, أنظر إلى جسدك المليء بالثمار الحلوة, وأرسم تفاصيله بجملة لم أعــرف غيرها:" أحبك يا زينب".
من بعد طول انتظار وتعب وصبر مجلجل, ركبنا السيارة المزينة بالورود والشــــرائط الملونة, لتأخذنا إلى ليلة العمر, وكان العطر يفوح منا ويختلط بالشهوة والشوق نحو غرفة نومنا التي انتقيناها معاً في صباح ربيعي بديع.
كل الأحــبة كانوا من حولنا , وكانت الزغاريد ترتفع في الفضاء كعصافير ملونة , وآن احتوانا المقعد الخلفي , صـنعنا كتائب من بهجة, وتبادلنا الهمسات وباقات القرنفل الأحمر والأبيض, ورغما عنك وعني, تعانقت أصابعنا, لكنها لم تستطع أن تخمد حممنا, وبقيت نظراتنا لا تفارق اللوحات الزاهية المرسومة على وجـهينا, وتنتظــر انتهاء الســـاعات القليلة لتهرول نحو أعطاف بيتنا, ليتم التلاقي بين قلبينا وجسدينا يا زينب.
كم كانــت الدنيا جمـيلة ونحن في طــريقنا إلى النادي المليء بكل أصناف الفرح, كنا نمارس عشقنا, همساتنا, ابتسـاماتنا, وضحكاتنا الخافتة, ولا ندري أننا في طريقنا نحو الهاوية يا زينب.
على الطريق الســريعة, وقبل أن نصل إلى البلدة بعشرة كيلو مترات أو أكثر بقليل, جفت جداول العسل على خديك.
قلت وراحة كفك ترتاح فوق صدرك:
ـ أشعر بوخزات حادة في صدري.
لا أدري ماذا أصابني, غير أنني قلت:
ـ يبدو أنها تشنجات فلا تخافي.
ظل الألم يعشقك كما عشقتك يا زينب, فاصـفـّر وجهي, خاف كل عضو في جسدي, طلبت من السائق أن يسرع, وأسندت رأسك إلى كتفي الأيمن:
ـ لا تخافي يا حبيبتي, ستكونين على ما يرام.
بعد لحظات, صار وجهك ممغنطاً بالشحوب, سقط رأسك على ركبتيَّ , تبعثر جمالك, وتبعثرت معه رقتك الماسية , شعرت بأحلامي كلها تتهاوى, خفق قلبي على نحو لم يسبق حدوثه من قبل, في لحظة مبهمة, لكنها مكثفة, رفعت رأســك, هززته برفق وحنان, ناديتك بحبي الكبير فلم أسمع غير شهقة خافتة كنداء غريق في بحر متلاطم الأمواج.
كان السائق يطير على الطريق ولا يسـتجيب لاشارات الآخرين, وكانت نداءاتي تتوزع في حقول الحنطة, وأنت يا زينب, سافرت كغيمة مليئة بالمـطر وتركت حقول قلبي كلها عطشى , كيف استطعت أن تفعلي ذلك يا زينب؟ كيف..؟ كيف..؟
قطعنا كل المسافات برقم قياسي, ومن خلفنا الموكب بكل سياراته وشخوصه, وأمام المشـفى , ركض الكل باتجاهنا, وبدأت الأفواه تتساءل بدهشة لا توصف:
ـ ماذا حصل؟
لأكثر من ساعة وجسدي يمتهن الهذيان, بينما الآخرون يرسمون صور الفوضى ويتلون الأسـئلة, وحين خرج إلينا الطبيب, نبتت في الصدور أشواك من نار أحرقت القلوب, وحولت المشــفى إلى ناد للنحيب.
كيف تجـرأت الريح أن تسـرقك وأنت ترتدين ثوب الزفاف يا زينب؟ قولي لي أرجوك, هل أحلم وأنا نائم إلى جانبك في سريرنا المذهب؟ أم أسير في صباح ميت مثلي مع كل أبناء البلدة في موكب عرس أردت أن يكون لك وحدك؟
أبدا لم أرفع نظراتي عنك وأنا أذرف الدموع , أكتم صـرخاتي والألم يفتت شــراييني , وفجأة رفعت رأسك من فوق الأكتاف, أرسلت نظراتك إلى الوجــوه الكثيرة, اصطدمت نظراتك بوجه أمك وهي ترفع غطاء رأسـها الأبيض , تلوح به, تولول حيناً , وحيناً ترشك بمواويل حزينة, فقلت وأنت تبتسمين:
"هل رأيت مثل هذا العرس من قبل يا أماه؟"
ثم أرسلت نظراتك اليَّ, ابتسمت مرة أخرى, وأشرت لي أن آتي إليك, فما كان مني إلا أن هتفت بطيبة اسمك وهرولت نحوك , اقتربت منك والكل شاهد على فرحتي, لمست الصندوق الأخضر, وقلت بصوت مبحوح:
ـ توقفوا.. أنزلوها فهي تريدني.
أمسك بيدي أحدهم ولم يعطني مفتاحا أفتح به باب الهدوء, أراد آخر سحقي فوق صخور لا مبالاته, رجوت الجميع أن يستجيبوا لي لكنهم لم يفعلوا, فأعلنت احتجاجي, أطلـــقت دوي انفجاراتي, وحين أبعدوني عنهم وتابعوا سيرهم, جحافل الغضب سيطرت عليَّ, فلكمت كل البرابرة الظالمين الذين نصبوا بيني وبينك جدارا من صدور ورؤوس .
وانفتحت الأفواه من جديد:
"لقد جن المسكين"
"لو كنت مكانه لأصابني ما أصابه وربما أكثر"
"مصيبته كبيرة"
"فعلا المصيبة كبيرة"
"دعوه يفعل ما يريد, تابعوا سيركم"
"مع الأيام سينساها ويتزوج غيرها"
أنساها؟! كيف سأنساك يا زينب؟ تابع الموكب طريقه بهدوء, وتركني الجميع على قارعة الطريق , فلم أر أمامي غير الجن والعفاريت وهي تضحك وتسخر مني , ظل جسدي يرتجف, وكلماتي الغريبة تطير في كل الاتجاهات , ولا أعرف متى وكيف عدت إلى الأزقة والحواري, وكنت كلما أرى شخصاَ أركض إليه واسأله:
ـ هل تعرف إلى أين ذهبت زينب؟
ـ زينب سرقتها الريح . كنت أجيب قبل أن يرد , ثم أركض وأركض وأركض حتى التعب .
bassamtaan@yahoo.com