أنطوني ولسن
ما أن ينتهي من قراءة عناوين الصفحة الأولى من الجريدة اليومية ويبدأ في تصفحها ليكمل قراءة الجريدة حتى يسمع وقع خطواتها الهابطة فوق درج سلم محطة قطار "دالويتش هيل DulwichHill"
يرفع عينيه خلسة من خلف الجريدة ويتتبع قوامها الممشوق، ورقبتها الطويلة، وشعرها الأسود الطويل المتدلي فوق ظهرها، ومشيتها الساحرة التي توحي لمن ينظر اليها انها لا تسير على الارض بل انها تطير مثل ملاك.
تعرج شابتنا ناحية اليمين وتتجه نحو موقف محدد تحت سلم المحطة وتقف في انتظار قدوم القطار المتجه إلى المدينة.
يكتفي صاحبنا بطي الصفحة الأولى مع النظر الى الصفحة الثانية دون ما قراءة أي خبر أو عنوان بها. بل جل همه مراقبة فتاة الصفحة الثانية كما يحلو لنفسه ان يطلقها عليها كلما يتذكرها.
يأتي القطار من ناحية الجنوب متجها ناحية الشمال. تبدأ عجلاته في التباطؤ حتى يقف تماماً أمام الرصيف رقم واحد للمحطة.
العربة الأولى للقطار بمحاذاة نهاية الرصيف او بدايته ثم العربة الثانية وبابها الاول امام صاحبتنا «فتاة الصفحة الثانية» وبعض من الركاب والراكبات. فيندفع كل الى الركوب، ويكون صاحبنا قد طوى الجريدة تحت إبطه وتحرك مع المتحركين لركوب العربة الثانية ولكن من الباب الثاني.
بعد ذلك لم يعرف عنها شيئا ويضيع هو مع أحداث اليوم وتسير هي في طريق يومها، ولم تلحظ يوما ذلك التصادف العجيب بين هبوطها درج سلم المحطة مع انتهاء تصفحه للصفحة الأولى من الجريدة اليومية التي يشتريها من محل بائع الجرائد الموجود عند مدخل مبنى المحطة.
ذات يوم تأخر «صاحبنا» عن موعده. شغله صديقه على الهاتف ولم ينتبه غلى انه قد تأخر على موعد رؤية «فتاة الصفحة الثانية» فأنهى المكالمة مسرعاً على الرغم من ان كل منهما «هو وصديقه» هذا لا يفترقان.. لا في العمل.. ولا خارج العمل.. وساعات الافتراق في الليل. الهاتف يجمع بينهما قبل النوم. وهو «أي الهاتف»، يوقظهما للقاء في الصباح.
لم يكن يسكن بعيداً عن محطة القطار. لذا قطع المسافة جرياً.. بل وثبا حتى وصل الى مبنى المحطة، ولم ينتظر دوره لشراء الجريدة، بل أسرع واختطفها من مكانها وألقى للرجل بورقة من فئة الخمس دولارات وقال له وهو ملتفت اليه برأسه لكن جسده مستمر في المشي «احتفظ بالباقي».
إصطدم بإنسان.. إنتبه لماحدث.. نظر إلى من اصطدم به فإذا بها إمرأة وقعت حقيبة يدها وإنفتحت وتبعثر ما بداخلها.. انحنى إلى الأرض يلملم ما تبعثر على اثر اصطدامه بالمرأة دون قصد . عندما ناولها الاشياء التي لممها نظر اليها.. ثم أخذ يضحك بصوت عال مشيرا إليها بأصبعه قائلاً لها:
- «فتاة الصفحة الثانية».. هاها.. ها..
تملك الغيظ المرأة.. واشرأبت اعناق من كان في المكان لترى صاحب هذه الضحكة العالية ولتعرف من هي «فتاة الصفحة الثانية».
انتبه إلى عملته.. فاعتذر لها. وكانت قد وضعت كل ما تبعثر منها داخل حقيبتها.
هبطا الدرج سويا.. وصل القطار قبل ان ينتهيا من الهبوط.. اسرعا.. توقف القطار وكانا قرب الباب الأول للعربة الثالثة للقطار. همت ان تجري ناحية العربة الثانية.. أمسك بذراعها طالبا منها برأسه ان تركب معه العربة الثالثة.
سارت معه.. ركبا سوياً القطار، وفي الرحلة من محطة «دلويتش هيل» الى محطة «وينيارد» في قلب مدينة سدني كان قد أخبرها بحكاية " فتاة الصفحة الثانية "، بعد أن اخبرها بأسمه «توم» الموظف باحدى شرطات التأمين ويقطن غير بعيد عن محطة القطار.. محطة قطار «دالويتش هيل» بالطبع.
أما هي بعد ان استمعت اليه لم تجد حرجا في تقديم نفسها وإخباره بإسمها ومهنتها، بل تحدثت اليه عن ما تحب ولا تحب في مختلف المجالات والآراء الثقافية والسياسية.
ماري آن.. هذا إسمها.. أصبحت بعد ذلك اللقاء أكثر لهفة للوصول الى محطة قطار «دالويتش هيل» للقاء توم وهما يتحدثان عن الجو إن كان صحواً مسمشاً، أوغائماً ممطراً، بعدها يقص كل واحد منهما على الآخر مافعله منذ لحظة نزول ماري آن وحدها في محطة قطار «وينيارد» واستمراره في القطار حتى محطة «تاون هول» حيث مقر عمله.
تعوّد كل منهما على رؤية الآخر، وتعوّد كل منهما على إخبار الآخر بكل الاحداث التي مر بها في فترة البعد هذه.
لاحظ «جيرالد» الصديق الحميم لتوم التغير الكبير الذي طرأ عليه وحاول استدراجه لمعرفة سر التغير.. لكنه لم يفلح.
حاول توم أن يتخلص من صحبة جيرالد في فترة الغداء. فعمد إلى تغير موعد الغداء بالاتفاق مع رئيسه على ذلك، واصبح يتناول الغداء مع ماري آن في حديقة «الهايد بارك» فازداد وقت رؤية كل منهما للآخر.
كما عمد الى رفع «سماعة الهاتف» في الصباح حتى يقطع على جيرالد إتصاله الدائم به والاحاديث المتكررة والتي بدأ يمل منها.
توطدت العلاقة بين توم وماري آن، لم يعد مجرد لقاء في الصباح، تناول الغداء في «الهايد بارك» ظهراً، بل تعدته إلى لقاءات مسائية والذهاب الى مشاهدة الأفلام التي تعرضها دور العرض، وإلى مشاهدة اي عمل فني آخر سواء مسرحي أو استعراضي.
الحب هو الطريق الطبيعي لمثل هذه العلاقة. وكما تروي الحكايات والقصص عن قصص المبحين.. نستطيع ان نؤكد ان هذا ما سيحدث بين توم وماري آن.
حاول جيرالد صديق توم ان يعرف سبب تحول توم عنه. بدأ جلياً لجيرالد أن توم يخفي عنه سراً.. سراً لم يستطع معرفة كنهه.
ذات مساء في ساحة عرض احدى دور العرض السينمائي في شارع جورج بسيدني، لمح جيرالد صديقه توم متأبطاً ذراع فتاة جميلة. اندفع نحو صديقه وفي سخرية لاذعة أخذ يوبخه لكتمان سر هذه الصداقة أو الحب الذي بينه وبين هذه المرأة.
تلجم لسان توم لهول المفاجأة، اصاب ماري آن ذهول لجرأة و" صفاقة "هذا الانسان الذي مهما كانت صلته بتوم، ما كان واجباً عليه أن يتهكم هكذا.. وعلى مرآى من الناس.
كاد توم أن يخرج عن صوابه ويلكم جيرالد بقبضة يده في وجهه لكنه تماسك وابتسم وقام بتقديم ماري آن له على أنها صديقته .
هدأ جيرالد.. لكن لم يستطع كتمان غيظه. ودون أن يتفوه بكلمة تركهما منفعلاً وغادر المكان.
إنتاب ماري آن هاجس كئيب.. فرفضت مشاهدة الفيلم، وأصرت على العودة الى المنزل.
في الطريق الى المنزل حاول أن يشرح لها توم الصلة التي بينه وبين جيرالد.. وأخذت هي تفكر فيمن يكون هذا الانسان الذي لم يشر إليه توم ولو بإشارة عابرة. أغاظها هذا وأخرس لسانها. غادرت السيارة بعد وصولهما امام منزلها دون أن تلفت وراءها أو حتى تلقي تحية المساء لتوم.
عاد توم الى منزله حزيناً مهموماً لا يعرف ماذا يفعل مع جيرالد ومع حبيبته ماري آن.
دخل غرفته وأغلق الباب عليه وأخذ يجهش بالبكاء كطفل أخذوه من حضن أمه.
دق جرس الهاتف.. أفزعه الصوت.. أخذ يكفكف دموع، أمسك بسماعة الهاتف أملاً في أن تكون ماري آن هي المتحدث. لكنه فوجئ بجيرالد يعتذر له عما بدر منه. لم يحتمل توم صوت جيرالد عبر الأثير، فوضع السماعة بعنف مكانها دون ان يرد عليه بكلمة واحدة.
كانت ليلة حالكة السواد على توم. انه يحب ماري آن وهو حر في اخبار جيرالد بهذا الحب أو لا يخبره. لكنه جيرالد المتسلط الغيور الذي يظن انه امتلك توم. اتخذ توم قراراً في تلك الليلة بقطع صلته نهائياً بجيرالد.
في الصباح الباكر خرج متجها الى منزل ماري آن، ظل واقفا قرب المنزل فترة لم يعرف كم طالت. لكنه أراد أن ينتظرها ويسير معها الطريق الى محطة القطار. لم يذهب الى المحطة وحده وينتظرها كما يفعل كل يوم. بل لو كان يستطيع الدخول اليها في بيتها، لفعل ذلك. لكن الوقت مبكراً ولا يصح ان يفعل هذا أويتصرف هكذا كطفل صغير.
خرجت ماري آن في موعدها متجهة في سيرها ناحية المحطة ولم تر توم سار خلفها وقلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه من هلع الخوف. انه يخاف أن تكون ما زالت على ما هي عليه من غضب. لذا فضل السير خلفها محاولا بقدر الاستطاعة أخذ الحيطة حتى لا تراه.
وصلت مدخل المحطة واتجهت مباشرة الى الدرج. سار بمحاذاتها والقى عليها تحية الصباح. ردت التحية دون ان تلتفت اليه. ترك الدرج وصلا الى رصيف المحطة. لم يفتح احدهما فمه، وقفا صامتين.
استقلا القطار معاً.. جلسا في نفس المكان، وما زال ستار الصمت يغلفهما، لم يستطع لا الاعتذار ولا الحديث عن هذا الصديق الذي ظهر فجاة، بصورة مقززة، لم تعرف أبداً أن هناك اصدقاء بكل هذه السفاهة والتسلط، فعن أي شيء يمكنها أن تتحدث معه.
وصل القطار الى محكة «وينيارد» حيث مكان وصولها لتهبط من القطار وتتجه الى عملها في يورك ستريت.
فوجئت بتوم ينهض ويهبط معها. نظرت اليه وسألته بعينيها اين انت ذاهب. طأطأ رأسه ولم يرد عليها لا بشفتيه ولا بعينيه. صعدا السلم الكهربائي سوياً، خرج الى شارع ضيق ثم إلى داخل ممر صغير، عبرا بعده شارعاً الى أن وصلا الى حديقة وينيارد.
أمام أول مقعد في الحديقة أمسك توم بيد ماري آن ونظر اليها مستعطفاً ان تجلس فوق المقعد.
لم تمانع.. بل جلست في هدوء، لم يجلس الى جوارها بل ركع على ركبتيه امامها، أخرج من جيب سترته علبة، فتح العلبة وأخرج منها خاتماً ذهبياً، أمسك بالخاتم قائلاً لها:
- ليس عندي كلام أعتذر به عن ما حدث ليلة أمس، لكن أقدم لك هذا الخاتم لأطلب يدك للزواج، أرجو ان تقبليه، لأنني لن استطيع العيش بدونك.
وضعت يدها فوق رأسه.. أخذت أصابعها تلعب في شعره، مدت اليد الاخرى وضمت رأسه اليها، ظلا لحظات هكذا ثم نهضت ممسكة بيده تساعده على النهوض.
وضع الخاتم في اصبعها.. غابا في قبلة طويلة امتصت كل ما كان بينهما من خلاف.. لم يذهب أي منهما إلى عمله. بل امضيا الوقت سوياً في الحديث عن الزواج واجراءات الزواج، وبالطبع قبل كل شيء طلب يدها رسمياُ من عائلتها.
تمت الخطوبة، واصرت هي على دعوة صديقه جيرالد. بعد الخطوبة أخذا يستعدان للزواج بالبحث اولاً عن بيت الزوجية، استطاعا بالفعل دفع مقدم شراء منزل، ولحسن حظهما في نفس الحي، وقد تحدد موعد الزواج، بالطبع في أستراليا كل شيء رهن الإشارة. كلاهما يعمل.. وكلاهما له راتب لا بأس به.. وكلاهما متلهف على إتمام الزواج.
تم فرش المنزل، وتم شراء فستان الزفاف، وقبلت ان يكون جيرالد الصديق الأول له وتم الاتفاق على كل شيء.
العادات في بلادنا تختلف عن العادات هنا في أستراليا في بعض نواحي ما قبل ليلة الزفاف. وأهم العادات المختلفة هي خروج «العريس» مع صحبه في ليلة قبل الزواج يطلقون عليها Boys night out يودع فيها العريس حياة العزوبية. وتخرج العروس مع صاحباتها ايضاً قبل الزواج يطلقون عليها Girls night out تودع فيها العروس ايضاً العزوبية، كل مجموعة تختار ليلة مختلفة. وهي ليلة مباح فيها كل شيء، وإن كانت كلمة مباح نستخدمها نحن للتعبير فقط عن ما هو مباح وما هو غير مباح، لأن الحقيقة لا شيء غير مباح. غير المباح يحدده الفرد والأسرة التي ينشأ وسطها.
جاءت ليلة «العروس» وصاحباتها، خرجت ماري آن في تلك الليلة مع كل صديقاتها ومنهن من جاءت من مدينة أورنج ومن مدينة نيوكاسل وغيرها من المدن.
ذهبن إلى المكان الذي يذهب اليه كل المحتفلين والمحتفلات، ذهبن الى الـ Kings Cross حيث يكون المباح أكثر إباحية، شربن.. تحدثن.. ضحكن.. رقصن.. ثم جلسن يثرثرن عن كل شيء دون أن يكون للثرثرة معنى. ومع ذلك اوقفت الثرثرة احداهن وقالت لهن وهي شبه مخمورة:
- بنات.. أريد أن أقول لكن انني رأيت فستان زفاف ماري آن. وهو أجمل فستان رأيته في حياتي.
تغيرت «الثرثرة» وأخذت طابع الاستفسار والاستفهام، ثم الرغبة الجامحة لرؤيته فوراً.
خرجن جميعاً وقد عادت اليهن الحالة الهستيرية، والنشوة الى أن وصلن الى المنزل.
لاحظت ماري آن أن ضوء غرفة النوم مضاءة. تعجبت وسألت نفسها.. هل توم بالداخل؟!!.. وماذا يفعل؟!!
أشارت الى صديقاتها بالسكوت التام، بل خلعت حذاءها، وفعلن مثلها. فتحت باب المنزل ومشت على أطراف أصابع قدميها إلى ان وصلت الى باب غرفة النوم الذي كان مفتوحاً.
وقفت.. ووقف الجميع خلفها.. أشارت اليهن بأصبعها أن لا يتحدثن.. فهززن رؤوسهن بالموافقة. أطلت برأسها داخل الغرفة. لكنها عادت الى وقفتها بسرعة. لحظات وكأنها تستعيد شجاعتهاودخلت داخل مخدع الزوجية.
وقفت أمام ما رأت خرساء، عمياء ولا تسمع. جيرالد صديق توم مرتدياً فستان زفافها.. وتوم المفروض انه سيتزوجها بعد أسبوع يمارس اللواط معه.
حاولت ان تصرخ.. فلم تستطع. أمسكت عنقها بيدها.. ثم خرجت الى حديقة المنزل الخلفية The back yard نظرت الى السماء، فرأت القمر في تمامه، واياد كثيرة ممتدة أصابعها تحاول خنقه.
صرخت صرخة عالية مدوية زلزلت الأرض وهزت السماء. ثم سقطت على ارض الحديقة.
هرعت صاحباتها اليها.. انحنين عليها.. وجدنها جثة هامدة.
الأربعاء، أبريل 14، 2010
قصة : في ليلة .. خنقوا فيها القمر
الاثنين، أبريل 12، 2010
الضياع ـ الحلقة الأخيرة
أنطوني ولسن
تحذير: هذه القصة للكبار فقط
ساد الصمت من جديد، لكن روجينا قطعته بصوت متردد:
- مدام.. معلهش سامحيني.. رايحه تعملي ايه مع فريد؟!
تطلعت بها المدام وأطالت النظر.. ثم قالت:
- إيه رأيك انت؟.. أعمل فيه ايه؟
- طبعاً تعاقبيه يا مدام.. لكن.. لكن..
- لكن ايه يا روجينا؟
- ما تموتهوش يا مدام..
- يا سلام.. بالبساطة دي يخون ويسرق وأعاقبه بس؟!
- علشان خاطري.. تعاقبيه ولو حتى ترميه في الشارع زي ما جبتيه..
- رأيك كده يا عبيطة بعد ما عرف كل اسرارنا؟
- طيب نحبسه إحنا مدة طويلة..
- ما تشغليش بالك بالموضوع ده.. المهم عندي الاحتفال بانضمام عفاف اللي حيكون اسمها فنيسا.
- تحت امرك يا مدام.. دا حتى اسم فنيسا جميل ولائق عليها..
- الاحتفال عايزاه في هول المعبد.. احتفال تدربيها انت عليه، وتفهميها ايه الخطوات اللي تتبع.. عايزه مفاتن جسمها تبان، وتحطوا رقبتها داخل حبل المشنقة، وعينيها عليها عصابة سودا، وما تشوفش منها حاجة خالص.. تفهميها وتحفظيها سر اللي ينضم لينا.. الطاعة العمياء.. حتى لو طلبنا منها تقتل نفسها.. أو اي انسان مهما كان عزيز عليها.. اعملي اتصالاتك مع كل اللي بيعملوا معانا انهم يكونوا حاضرين قبل الساعة تسعة مساء، انا محضرة لها فستان جديد تلبسه بعد الانضمام وقسم الولاء والطاعة.. اعملي حسابك شخصيات كبيرة ورجال الشرطة اللي بيتعاونوا معانا.
- مفهوم يا مدام..
- طيب روجينا.. روحي انت ونفذي اللي قولته لك..
خرجت روجينا وفي داخلها صراع مرير، لا تعرف الحب، لكنها تميل الى فريد. وعندما وهبته نفسها، كان الدافع الى ذلك اعجابها به كرجل من خلفية اثنية تختلف عن خلفيتها، وكان من أنشط الرجال وأكثرهم حركة وولاء للمدام، ولية نعمتهم، التي انتشلتهم من حالة التردي والضياع التي وصل اليها كل فرد منهم في ظروف وإن اختلفت، تعتبر متشابهة.
ما عرفته عن فريد حبه للقمار، طلقته زوجته وطردته من البيت وصدر حكم يقضي بعدم التعرّض للزوجة وللأولاد. تلقفته أيدي زبانية الشيطان، عمل على ترويج السموم بين الناس، احتياجه للمال جعله يضاعف نشاطه. قبض عليه مرة، ووضع في قسم الشرطة، قام الكونستابل النوبتجي بالاتصال بالمدام، بعد ذلك صار واحداً من رجالها، بل أحد الاركان الاربعة للمنظمة.
لكنه خان القسم والوعد اللذين أخذهما على نفسه ليلة الاحتفال بانضمامه الى المنظمة. انه قسم واضح لا لبس فيه «الموت لمن يفشي أسرارنا.. الموت لمن يخون.. الموت لمن يعمل لحسابه دون اخبار الآخرين بذلك.. والطاعة العمياء للمنظمة التي ترأسها المدام.
رغم العبء الذي سببه لها الاستعداد للاحتفال كما طلبت منها المدام، إلا أن روجينا كانت تفكر في أمر فريد، وما آلت اليه.. انه ميت.. ميت.. المدام تكره الخيانة، وتكره الطعن في الظهر.. رأسها مدبر ومخطط، كبار رجال الدولة كالخاتم في اصبعها، تحركهم كيفما تشاء وساعة تشاء. نفوذها واسع وطريقتها بسيطة للغاية. تضع عينها على الرؤوس الكبيرة، تقيم الأحتفالات بأسم مؤسسات وشركات تسيطر عليها، وتقدم الشيطان لهم في امرأة جميلة وكأس خمر مخدر. تسلط كاميرات التصوير.. وتأمر المرأة، الطعم، بإذلال أصحاب النفوذ جنسياً وأخلاقياً وهم في حالة من الوعي واللاوعي.
بعدها تبدأ بفرض سيطرتها عليهم عن طريق الهدايا والاعتبارات الشخصية فإن تجاوبت الضحية وتعاملت معها، فهذا ضمان لتسيير امور المنظمة، وإن رفضت او اعترضت تبدأ في اظهار أوضاعهم المخزية التي صورتهم بها، وكانت تخزن كل ذلك بكومبيوتر خاص بالفضائح.
روجينا تعلم علم اليقين ان كل من يعمل مع المدام هو تحت المراقبة، تسجل تحركاته حتى في داخل الحمام وهو يقضي حاجته او يستحم. نظام الكتروني تجسسي عجيب، لا تعرف هي او غيرها كيف تستطيع المدام مراقبة الناس بهذه الدقة. لهذا يخشاها الجميع، وتتعجب أشد العجب كيف فعل فريد ذلك!! كيف تجرأ وأحضر هذه الكمية الهائلة من الحشيش والألماس.. الصور تظهر كل شيْ بالتفصيل، رغم ذكاء فريد، الجيوب السرية التي رقدت بها الحقائب، مع كتابة اسم زوجته عليها. إن ضبطت الحقائب يقبض على صاحبتها، ولا غبار عليه هو. فلسوف يؤخذ الجمل بما حمل كما يقول المثل.
الآن تريد المدام منها الاستعداد للاحتفال. معنى هذا ان عفاف ستنضم اليهم بصورة رسمية ودائمة. ستقسم يمين الولاء والطاعة.. تُرى، هل ستكون عفاف هي أداة الانتقام من فريد؟!!
أقلقها هذا الخاطر.. لكن ماذا عن الحضور والجمع الكبير؟ وهل ستسمح المدام بمثل هذا الحدث أن يحدث؟! وإن سمحت فعفاف امرأة رقيقة، تصلح لأن تكون شاعرة حالمة لا قاتلة.. فكيف تنفذ ما تأمرها به وتقتل فريد أمام الحضور؟!
هول المعبد كبير وله مداخل سرية لا احد يعرفها غير المدام، والحالة التي يكون عليها الحضور وقت الاحتفال تجعلهم بمنأى عن التفكير والوعي.. الكل في نشوة حقيقية عارمة. وهذا ما يعطي المدام حرية الحركة وتنفيذ كل ما تبغي. إن لم تنفذ الخطة على يد عفاف فسوف تنفذ على يد أي انسان آخر غيرها. هذا الانسان قد يكون أنت يا روجينا..
أنا اقتل فريد؟!.. أقتل من عطيته جسدي لأول مرة ودون أن أفكر لماذا؟ّ.. هل هو الحب يا روجينا؟.. امثالنا لا يكتب لهم أن يحبوا، ولا يعيشوا حياة المحبين.. نحن أبناء الشيطان، نعرف اللذة والشهوة والشر والجنون فقط، وفكرة قتل فريد، ان نفّذت، هي خير دليل على ذلك..
امتلأت الصالة الكبرى بالمدعوين الذين جاءوا من كل حدب وصوب. الرجال العاملون في المنظمة يلبسون بذلاتهم السوداء، وفوق رؤوسهم اقنعة تخفي الرأس كله والوجه.. ما عدا الفم.. وحده الفم بقي دون تغطية. وفوق الرأس يعلو قرنان بارزان يشبهان قرني شيطان وحرملة لونها سماوي فاتح تحيط خاصرة كل رجل مرسوم عليها رمز الجماعة، وهو عبارة عن حبل مشنقة والى جواره كأس وامرأة عارية. اما النساء العاملات ايضا كن يرتدين نفس القناع فوق رؤوسهن، الظهر عار من فوق والصدر تلفه قطعتا قماش رفيعتان، واحدة بلون البرتقال والثانية سوداء مربوطتان في العنق، ولاشيء يغطي النهدين.. وبقية الرداء عبارة عن قطع متعددة الألوان، على شكل شرائط مربوطة في الوسط ومتدلية الى أسفل.
أما الضيوف فكانوا بملابس السهرة العادية. وهكذا أصبح من السهل جداً معرفة من يعمل في المنظمة التي تديرها المدام ومن هم الضيوف في تلك الليلة.
قبيل الساعة التاسعة مساء اختفى العاملون في المنظمة، ثم أعلن البدء بالاحتفال. دخل الضيوف الى قاعة المعبد، فوجدوها على شكل حدوة الفرس، فتحتها ناحية الشرق، وبها كرسي كبير مطعم بالذهب.. كانت روجينا واقفة عن يمين الكرسي، وسوسو عن يساره. باب الدخول كان من ناحية الغرب وكانت المقاعد على شكل يحدد مجلس الاعضاء كل حسب مركزه. أما الضيوف فقد جلسوا في الناحية الجنوبية للقاعة.
مع دقات الساعة التاسعة مساء، دخلت المدام من ناحية الشرق، وسط حراسة من رجال ونساء المنظمة. ثلاثة فقط كانوا غير مقنعين.. المدام في اجمل زينتها، وروجينا وسوسو.
استقبل الجميع المدام بالوقوف، فأشارت لهم بأصبعها بالجلوس، فجلسوا بعد ان جلست. طلبت من روجينا بنظرة من عينيها أن تبدأ الاحتفال، انحنت روجينا امامها وحيّت الحضور، ثم صفقت بيديها، ففتح الباب الغربي.. استدارت ناحية المدام، وطلبت من سوسو أن يتفضل ويحضر المحتفى بها.
أحضر الحراس عفاف وهي معصوبة العينين، ترتدي فستاناً ممزقاً متسخاً، يظهر عورتها، وحول رقبتها حبل مشنقة، يمسك بطرفه أحد الرجال، تقدم سوسو ناحية الرجل، انحنى له انحناءة خفيفة، وأمسك بطرف الحبل وقاد عفاف، كالبهيمة خلفه.. وهي تمشي دون أن تدري الى أين، او دون ان ترى شيئا حولها. كانت خطواتها متعثرة، ويداها تضربان في الهواء بحثا عن الطريق.
أعضاء المنظمة واقفون والضيوف الذين لم يروا احتفالاً كهذا من قبل، كانوا في دهشة من امرهم، ولا يعرفون ماذا سيحدث للمسكينة.
وقف سوسو أمام المدام، فأشارت بطرف اصبعها الى روجينا كي تستلم منه عفاف. انحنى سوسو لروجينا وسلمها طرف الحبل الملتف حول رقبة عفاف. في وحشية وغلاظة شدت روجينا الحبل، فأندفعت عفاف الى الأمام، وكادت ان تقع، لكن روجينا بحنكتها وخبرتها، امسكت بعنقها من الخلف، ومنعتها من السقوط وان كانت قد أجبرتها على السجود امام المدام.. ثم صرخت بصوت عال عبر ميكرفون صغير معلق بفستانها:
- سيدتي، سيدة هذا الكون والاركان الأربعة.. سيدة الشرق حيث مجلسها، وسيدة الغرب حيث موضع قدميها.. وسيدة الشمال حيث يخضع ليدها اليسرى، وسيدة الجنوب حيث يخضع ليدها اليمنى.. أقدم لك سيدتي، خادمتك وعبدتك عفاف، التي اخترت ان يكون اسمها من اليوم وصاعداً فنيسا، لتظهر ولاءها وطاعتها العمياء لك امام الجميع.. وفي هذا الحفل البهيج الذي اضيء بأشراقة طلعتك علينا، ستردد القسم خلفي، كما رددناه جميعاً من قبل، يوم قبلتينا أعضاء بجسدك الجميل النابض بالحياة.
أرخت روجينا قليلاً من قبضة يدها على رقبة عفاف، وطلبت منها ان تردّد خلفها قسم الولاء والطاعة العمياء للمدام وللمنظمة، وأنها لا تتردد في تنفيذ ما تؤمر به دون أسئلة أو رفض، عليها القبول والطاعة والتنفيذ.
ما أن انتهت عفاف من ترديد القسم، حتى تقدمت منها ثلاث نساء من المنظمة، واحدة خلعت العصبة السوداء عن عينيها والثانية ازاحت حبل المشنقة والثالثة مزقت ما تبقى من ثيابها، فبدت عارية أمام الجميع، وبدأت الموسيقى الصاخبة تتعالى في أرجاء القاعة.. والنساء الثلاث يرقصن مع عفاف رقصات جنونية ثم انضمت لهن عضوات المنظمة. الموسيقى تصرخ والأضواء المختلفة الألوان تتراقص.. وفنيسا وسط الدائرة تتلقفها ايدي النساء ويدرن بها كيفما شئن.
فجأة صفقت المدام، فتوقف كل شيء عن الحركة. لا اضاءة ملونة ولا موسيقى ولا رقص مجنون. تطلعت المدام الى الجميع، وحديثها موجه الى فنيسا:
- ابنتي الحبيبة فنيسا، إنه لشرف عظيم لك ان تنضمي الينا وتصبحين واحدة منا. واحدة مميزة ومقربة الَيَ شخصيا. وبما انك اقسمتي على الولاء والطاعة وتنفيذ كل ما يوكل اليك من اوامر نصدرها.. وكما تعرفين ان جزاء من يخوننا الموت.. ها الوقت قد حان لاثبات ما اقسمت عليه.
أشارت المدام بيدها ناحية الشمال، فتح باب، ودخل حراس ممسكين برجل ربطت يداه خلف ظهره، وأعصبت عيناه حتى لا يرى شيئاً، وتابعت القول لفنيسا:
- واحد بيننا خائن، إنسان وثقنا به لكنه خان الثقة، وعليك انت تنفيذ حكم الموت به.. احضروا المجرم الخائن.
دفع الحراس بالمجرم الخائن، حتى اصبح قبالة فنيسا التي لم تعرف من هو ولا ماذا ستفعل.
نزلت المدام الىحيث تقف فنيسا والمتهم، فأفسحوا لها المجال، ثم جاءت روجينا حاملة صينية من الفضة عليها ثلاثة خناجر سلمتها للمدام.. جاء الحراس بطاولة وضعوها قبالة المدام، التي أمرت بكمّ فم المتهم، وتمديده على الطاولة، وتقييد جسده حتى لا يتحرك. ثم تقدمت الى فنيسا وهي تحمل الصينية وقالت لها:
- فنيسا.. الآن وقت امتحانك.. فأما ان تكوني موضع ثقتنا، وإما ان تكوني الى جواره، وأقوم أنا بنفسي بتنفيذ الحكم عليكما.. هذا زوجك الذي جاء بك بريئة ساذجة وأراد استغلالك واستغلالي.. رجل وثقنا به وانتشلناه من الفقر والضياع، وها هو يخونك ويخونني.. وعقوبة الخيانة..
تعالت الأصوات مجلجلة:
- الموت.. الموت.. الموت..
أمسكت المدام احد الخناجر الثلاثة، وقدمته الى فنيسا وهي تقول:
- بهذا الخنجر.. إطعنيه الطعنة الأولى في قلبه..
بيد مرتعشة وعينين زائغتين امسكت عفاف الخنجر وهي لا تدري ماذا تفعل.. شذرتها المدام بنظرات شرسة مهددة، وبدأ الأعضاء يتحركون ويشكلون دائرة صغيرة بدأت تكبر وتكبر حتى احتوت المكان.. والكل يهتف في صوت واحد:
-اقتليه.. اقتليه.. الموت للخائن..
اقتربت روجينا وسوسو من المدام، وقفت هي من جهة وسوسو من الجهة الثانية.. بينما وقف أحد اعضاء المنظمة المقنعين وراء المدام مباشرة، واخرج مسدساً رفعه الى أعلى، وأطلق عياراً نارياً في الفضاء.. فساد صمت مفاجئ.. بسرعة ازاح الرجل قناعه ومثله فعل عدد كبير من النساء والرجال المقنعين، بعد ان اخرج كل واحد منهم مسدسه. ثم توجه رئيس المباحث الواقف خلف المدام نحو روجينا وسوسو وقال لهما:
- شكراً لكما علىمساعدتكما خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة.. لو لم تكن مساعدتكما، ما كنا قد استطعنا ان نختفي بين أعضاء المنظمة.. اما أنت يا مدام فسألقي القبض عليك بنفسي.. لأنك انت الخائنة.. ولا احد غيرك.
طلبت روجينا من احد الحراس احضار ما يستر عري عفاف وزوجها فريد، وهي تنظر الى المدام بعينين دامعتين وتقول:
- سامحيني.. لم أعد احتمل هذا العذاب، انني افضل السجن على هذه الحياة.
بصقت المدام على وجهها ومشت في عزة وكبرياء وسط حراسة الشرطه، التي القت القبض على كل الموجودين. وتم إحالتهم للمحاكمة بعد إثبات إدانتهم، فقد وجدت عند تفتيش القصر على كميات كبيرة من الممنوعات كالمخدرات والمسروقات والاسلحة النارية.
حكم على المدام بالسجن مدى الحياة ومصادرة ممتلكاتها وأموالها، وعلى فريد بالسجن لمدة خمسة عشر عاماً ولم يكن لديه شيء يمتلكه فقد كان البيت الذي كان يعيش فيه ضمن أملاك المدام.. وحكم على روجينا وسوسو بالسجن لمدة سنتين مع وقف التنفيذ لتعاملهما مع رجال الشرطة ووضع خطة محكمة للتواجد اثناء الاحتفال.
أما عفاف فقد أودعت في مصحة للعلاج من الادمان الذي فُرض عليها..وتم تطليقها من فريد، كما انها حصلت على تعويض مالي كبير نتيجة الاذى الذي لحق بها. وقد خيرت بين البقاء في أستراليا واحضار والدتها واشقائها الثلاثة ، وخاصة وان اباها قد مات.. وبين العودة الى وطنها الأم.. فقررت البقاء.. والرجوع لتسهيل سفر العائلة وإحضارها معها، بعد زيارة قبر الوالد الحبيب.
(تمت).
الثلاثاء، أبريل 06، 2010
الضياع 6
أنطوني ولسن
أستراليا
تحذير: هذه القصة للكبار فقط
كانت عفاف تظهر تقدماً ملحوظاً في كل ما تتدرب عليه.. وكانت تحمل معها دائماً الى اي مكان تذهب اليه مع روجينا، حقيبتين، واحدة تضع بها ادوات التجميل والعطور الثمينة، وواحدة لا تعرف ما بداخلها، فقط عليها ان تحملها.. انها الأوامر.. وعفاف وصلت الى مرحلة الطاعة العمياء. تجلس في المكان الذي تحدده لها روجينا ولا تتحرك إلا بإذن منها. اذا جاء من يطلبها للرقص عليها أن لا تنهض إلا إذا أشارت اليها روجينا بغمزة سريعة من عينيها. أما اذا أدارت رأسها في اتجاه معاكس فهذا يعني عدم الموافقة.
خلال الاشهر الستة، هذه، خرجت مع سوسو ايضا، وطبيعي كان يتكلم معها باللغة العربية التي علمها له فريد.. لكن عفاف كانت قد قطعت شوطاً واسعاً في تعلم اللغة الانجليزية. لم تشعر بفارق كبير بين سوسو هذا وروجينا.. فهو رجل بالشكل والمظهر فقط. اما بطريقة حديثة ومعاملته للرجال فهو أقرب الى الانثى منه الى الرجل. كان تصرفه مصدر تساؤلات عندها. لكنها كانت تتغلب على تساؤلاتها بجملة واحدة (أنا في أستراليا وكله ماشي.. وماحدش عارف حد.. الست زي الراجل.. والراجل زي الست).
الدوامة التي تعيش عفاف في وسطها جعلتها مشلولة التفكير والحركة. أصبحت مثل دمية جميلة، تصطحبها معها روجينا الى حيث تذهب او تتوجه. دمية تضعها فوق كرسي بجوارها، وتعطيها للغير ساعة تشاء. دمية تتحدث بما تمليه عليها صاحبتها وتسكت عن الكلام عندما تطلب منها ذلك. نسيت كل شيء، زوجها، أهلها، بلدها، حتى انها نسيت استراليا. لم تعد تعرف أين هي ولا من هي.. أصبحت مثل ريشة تتقاذفها رياح المدام، لتتلقفها أيادي روجينا.. ولا تعرف شيئاً عن مهمة زوجها او عن وضعه مع المدام. في الليل هي في حال.. وفي النهار هي في حال آخر.. رجال كثيرون.. ونساء كثيرات.. وهي مثلهن، أحيانا تبدو سيدة محترمة، ترتدي أفخم الملابس وأحدث الأزياء، وأحياناً تبدو وكأنها طالبة مثل باقي الطالبات اللواتي تتواجد بينهن في حفلات الرقص الذي يطلقون عليه إسم (ديسكو).
لم تكن تدخل قاعة الحفلات من الباب الرئيسي مثل الطلبة والطالبات، بل كانت تصل قبل الجميع ومعها الحقيبة الكبيرة المحرم عليها فتحها او معرفة ما بداخلها.
أما فريد فقد نفذ ما طلبت منه المدام، إذ أحضر زوجة صبية وجميلة وسلمها لها، خاصة انها ارسلته على نفقتها للزواج.. وسهلت له أمر إحضارها معه. فهي امرأة معروفة ولها يد قوية في كل المصالح الحكومية. خُيل اليه انه افرحها عندما اخبرها عن الحشيش الذي احضره معه.. ولم يعد الى منزله بل ظل مرافقاً لها كظلها، لا يتركها لحظة واحدة، أو بالاحرى لم تتركه يغيب عن نظرها حتى وهو بعيد عنها للحظات فكانت تتابع كل تحركاته. وصلته رسالة من أهل زوجته تحمل خبر وفاة والدها.. فسأل المدام ماذا يفعل، هل يخبر عفاف؟.. أم ماذا؟!.. طلبت منه ان يترك الامر لها، وان يكتب رسالة تعزية مرفقة بمبلغ من المال، بغية مساعدة العائلة، على الحياة، مع الوعد بإرسال مبلغ مماثل مع بداية كل شهر، مما جعل فريد في حيرة من أمره.
لم تعرف روجينا سبباً وجيهاً لاهتمام المدام بالبنت (المفعوصة البلدي دي).. وتذكرت كم للمدام من أفضال عليها هي بالذات. فقد نامت في العراء ولم تبلغ السادسة عشر من عمرها.. انفصل والداها.. خرجت امها من المنزل برفقة عشيقها، وأدارت ظهرها لوالدها قائلة له:
- باي باي.. انا خارجة مع صاحبي ومش راجعة تاني.. انت حر، عايز تطلق.. طلق، مش عايز مش مهم عندي..
-والبنت الوحيدة دي.. حا تسيبيها لمين؟
- البركة فيك.. مش انت أبوها؟!
صمت الأب ولم ينبس ببنت شفة، وإن كان لسان حاله يقول:
- الله أعلم ان كانت بنتي أو بنت غيري؟
ظلت روجينا مع والدها فترة من الزمن. إلى ان جاء اليوم الذي طردها فيه من المنزل. أصبح سكيرا لا يطيق رؤيتها، لأنها تذكره بأمها الخائنة. كان يحقد عليها ويؤنبها دون اي ذنب ارتكبته.. يضربها.. يحرمها من أبسط متطلبات الحياة، لم تعد تستطيع الذهاب الى المدرسة. خرجت الى الحياة دون ملجأ يأويها. نصحها البعض بالذهاب الى المسؤولين لعلهم يجدون لها مأوى تلجأ اليه. وبالفعل بعد دراسة لحالتها، أرسلوها الى مكان خاص بأمثالها من البنات والصبيان. فتاة جميلة في مقتبل العمر.. طردت من منزلها بسبب شهوات والديها.. ونظام حكومي يشجع مثل هذا العمل في مجتمع حضاري، من المفروض فيه ان تكون الأسرة نواته، وعليها تنبني فضائله ونجاحه وتقدمه.
في الملجأ تعرفت على سام.. شاب في مثل سنها، ومشكلته تكاد تطابق مشكلتها، وان اختلفت مأساته. انفصل والديه.. عاش مع امه وصديقها " البوي فرند " واعتدى هذا البوي فرند عليه جنسيا دون ان تردعه تلك الأم التي إرتمت في أحضان المخدرات والجنس الرخيص. إستمر العشيق في إغتصابه والاعتداء عليه بالضرب وإهانته، مما دفع به الهرب من المنزل.. وشاءت الاقدار أن يوضع في نفس الملجأ الذي وضعت به روجينا.
ارتبط سام وروجينا ببعضهما البعض بطريقة تختلف كلياً عن علاقات من في الملجأ.. كانت ترتاح اليه، وكان يأنس بوجودها.. ذات مساء قررا الهرب من الملجأ والخروج من دائرته التي لم تحم احداً من ارتكاب الرذيلة، ولم تساعد أحداً على ممارسة الفضيلة.
هربا معاً دون عناء او مشقة.. اقتادتهما اقدامهما الى بؤرة الفساد في سدني.. الى حي السياحة والاباحة.. الى الكينجز كروس..
وجد سام عملاُ بسرعة، إذ تلقفته ايدي محبي اللواط.. وبقيت هي الفتاة العذراء التي تخشى ممارسة الجنس، لانها تحس في قرارة نفسها ان الجنس هو الذي دمّر عائلتها.. لو لم تترك أمها المنزل هرباً وراء شهواتها الجنسية، لما وصلت هي الى هنا.
سام.. أقسم لها بأنه لن يسمح لأحد بان يلمسها او يعتدي عليها او ينام معها.. اذا لم ترغب هي بذلك وبكامل حريتها. أما المأكل والمشرب فبإمكانه تأمينهما عن طريق الدولارات التي يحصل عليها.. وكان قد أخبر (القواد) أنها شقيقته، عرض عليه القواد التقاط صور عارية لها وبأوضاع مختلفة، على ان يدفع لها بسخاء.. فوافقا وفرحا بهذا العرض فرحاً عظيماً.
بعد سنوات من العمل المرهق، وصلت شهرتهما إلى سمع المدام، فطلبت من احد اعوانها ان يدفع (للقواد) مبلغاً كبيراً من المال بغية شرائهما.. وضمهما الى قصرها.
تغيرت الحياة تماما عند المدام.. لم يعودا مراهقين كما كانا من قبل. لقد ناهزا العشرين من عمرهما.. أعجبت المدام بجمال روجينا وقوامها.. كما لمست في سام فحولة رغم شذوذه الجنسي، بعد مرور عامين تزوجته المدام في احتفال كبير.. وأصبحت روجينا هي المرأة الوحيدة المقربة من المدام. بل صارت ساعدها الأيمن في ادارة مملكة الشر التي تتزعمها. بعد سنوات انضم فريد الى تلك المملكة. فأمتلك بشكله الشرق اوسطي ولكنته الانجليزية حواس ووجدان روجينا، لاحظت المدام ذلك، فرفعته من موزع للمخدرات الى مقرب اليها مع سام وروجينا.. وأصبح فريد د يك (البراري) بين الثلاثة، روجينا احبته، سام أحبه، والمدام ايضا.. وكم كانت المفاجأة عظيمة عندما وجد ان روجينا ما زالت عذراء.
كبرت المنظمة السرية التي كانت تديرها المدام، وأصبحت مملكة قائمة بذاتها، لها رعاياها من رجال الأمن وكبار رجال المخدرات والعاملين في الدعارة. أصبح لها سطوة على كل شيء.. تستطيع رفع أسعار الكيف، وتستطيع نشر بائعات الهوى في أي مكان في سدني.. لا حدود لسطوتها وقدرتها على التحكم في شارع الشر والفساد.
شعر فريد بالحنين الى بلده مصر واراد ان يذهب في زيارة خاطفة، عرض على المدام فكرة سفره وزواجه وإحضار دم جديد ينضم اليهم، وتكون لهم القوة للسيطرة عليه.. وفي الوقت نفسه الدخول بها الى الدوائر التي ما زالت مغلقة امامهم، نظرا لأمانة بعض رجال الشرطة ورفضهم الخضوع للمدام والانضمام لرعاياها.
اقتنعت المدام بالفكرة.. وعاد فريد ومعه عفاف التلميذة الفقيرة البريئة. وها هي الاشهر تمر على وجودها معهم دون ان تحدث مشاكل او يشتبه بها احد. كانت تدخل تلك المناطق المحرمة برفقة روجينا التي طالما غيرت من شكلها الخارجي حتى لا يتعرف عليها أحد. تماما كما كان سوسو يفعل.. وعفاف تتجاهل كل هذه التغيرات.. لأنها لا تدري بما يدور حولها.
في الليلة التي سبقت الاحتفال الكبير الذي تنوي المدام اقامته لعفاف، جلست مع فريدي وقالت له:
- فريدي احنا عايزين نعمل احتفال كبير لمراتك.. وعندي فكرة أن أغير اسمها من عفاف الى فنيسا.. وفيه شوية حسابات بيني وبينك عايزة أصفيها علشان مراتك بعد الاحتفال لازم تكون لها حياة جديدة ودور فعّال معانا..
فوجيء فريد بكلام المدام. بدأ يفكر فيما قالته عن الحسابات التي تريد تصفيتها معه.. ماذا فعل دون أن يدري؟ وما هي الحسابات التي تريد تصفيتها؟. فجأة ومضت في ذهنه فكرة الحشيش الذي أحضره معه. هل علمت بما اخفاه.. يا تُرى؟
يبدو ان المدام انشغلت عنه لفترة حتى يصل بنفسه الى الحسابات التي بينهما.. فالتفتت اليه وقالت:
- ايه يا فريدي.. يعني ما سألتنيش عن الحسابات اللي عايزه أصفيها معاك.
- (في لجلجة وتلعثم) أنا.. انا تحت أمرك يا مدام.. انت عارفه ولائي وامانتي معاكي مالهاش حدود..
ضحكت ضحكة عالية، وفي حركة مسرحية أستدارت اليه بعد ان كانت قد اولته ظهرها وهي تضحك مادة ذراعها وهي تشير باصبعها اليه.
- كان ولاؤك مالهوش حدود.. وكانت امانتك محل شك عندي.. لكن كنت با سيبلك في الصغيرة.. أما الكبيرة فأنا بعتبرها خيانة.. فاهم.. خيانة.. وإنت عارف القواعد عندي.. إيه جزاء الخاين يا فريد؟
طأطأ رأسه الى الارض ولم يتكلم..
- مالك سكت ليه.. عرفت اني اعرف كل حاجة..
سكتت وذهبت الى مكتبها وأخرجت «صور» ألقتها في وجهه وهي تصرخ بصوت عال تعتري نبراته رعشة الغضب والشر:
- بص شوف إيه الصور دي..حقائب مراتك والحقائب بتاعتك في الجمرك وانت داخل. الأوامر انها لا تفتح ولا تفتش، لكن تؤخذ لها صور تظهر أدق ما في الحقائب.. وصلتني الصور في نفس اليوم اللي شرّفت فيه. كنت منتظرة الامانة انك تيجي وتقولي على كل حاجة.. لكن خيبت أملي فيك..عايز تشتغل لحسابك.. تقول أنك جبت اربع ترب حشيش وأنت جايب ثمانية. والالماظ اللي في الصورة.. ليه ما جبتش سيرة عنه!! آه بقيت كبير وحتقدر تستغل الغلبانة مراتك.. مش كده برضه..
- يا مدام انت ما ادتنيش اي فرصة.
- ولك عين تتكلم يا مجرم.. ما انا سبتك لما وصلت بيتك واخذت الحقائب ودخلت الجراج.. وتحت البيت فتحت الخزنة السرية وخبيت فيها الالماظ والحشيش اللي ناوي تخبيه عني.. تحب اقولك وإيه اللي عملته كمان؟ أيوه مراتك فتحت خزانة الملابس وشافت صورة روجينا العريانه وشخطت فيها وهددتها، وبعدين شافتها وهي لوحدها وبصّت في المراية وبدأت تخلع ملابسها وتقلدّ الصورة.. كنت انت وصلت وشفتها ودخلت عليها ومسكت خاصرها ووضعت ايديها على كتفك. في اللحظة دي خليت سوسو وروجينا يخبطوا على الباب وبشدة.. صحيح كلامي.. ولا.. لأ.
سكت ولم يجب.. استمرت في حديثها:
- مع الأسف أنا كنت فاكرة انك أذكى من كده كثير.. خليتك دراعي اليمين.. وتقريباً خليتك تعرف كل حاجة عن عملنا.. لكن فاتت عليك إني أنا المدام.. وأنا الي أنتشلتك من الوحل ولعب البوكر ماشين وتطليق مراتك الاولى وخروجك من البيت حافي.. فاكر يا فريد!!
- سامحيني يا مدام.. الشيطان غواني وضحك علي..
- شيطان.. شيطان مين يا.. حيوان..
ضغطت بأصبعها على زر خاص.. فتح الباب، دخل اثنان من الحراس.. أمرتهما بالقبض عليه، نادت على روجينا بواسطة ميكرفون موضوع فوق المكتب.. فجاءت مهرولة، هالها منظر فريد وهو بين أيدي الحراس.. نظرت الى المدام مستفسرة.. فقالت لها المدام:
- شفتي حبيب القلب.. الراجل اللي حبتيه وكان أول راجل سلمتيه نفسك.. شفتي يا روجينا.. خاين (أشارت الى الصور) بصي في الصور دي.. شوفي الخيانة مجسمة.. إيه رأيك يا روجينا نعمل فيه إيه؟
- الأمر امرك يا مدام..
- الخاين عقوبته إيه؟
- اللي تؤمريني بيه يا مدام نافذ المفعول..
- عايزه اسمع منك انت بالذات حكمك على فريد الخاين ايه..
سكتت روجينا احتارت ولم تعرف بماذا تجيب..
- آه لسه بتحبيه.. ما انا كمان حبيته وخليته الراجل بتاعنا.. لكن خان يا روجينا.. نعمل فيه إيه؟
- الخاين لازم.. لازم..
- لازم ايه يا روجينا.. إتكلمي
- لازم.. لازم يموت يا مدام..
ساد المكان صمت رهيب، ووقف الجميع بانتظار المدام، التي تحركت باتجاه مكتبها.. جلست وراءه، ورأسها بين كفيها.. بعد فترة خالها الجميع دهراً، رفعت رأسها وقالت بصوت حزين..
- خذوه، ما تسيبهوش، خلوه تحت الحراسة المشددة لغاية ما أدبر أموري.
همّت روجينا بالخروج مع الحراس، لكن المدام استبقتهها معها وقالت لها:
- روجينا.. خليكي معايا علشان عايزة ننظم احتفال كبير لعفاف، والمناسبة هي انضمامها معانا.. مش بس كده.. لأ.. دي رايحة تحل محل جوزها فريد..
- أمرك يا مدام.
ساد الصمت من جديد، لكن روجينا قطعته بصوت متردد:
- مدام.. معلهش سامحيني.. رايحه تعملي إيه مع فريد؟
(يتبع)
الاثنين، مارس 29، 2010
الضياع: 5-7
أنطوني ولسن
أستراليا
تحذير: هذه القصة للكبار فقط
تعبت عفاف من كثرة الحركة في المنزل، وهي التي لم تذق طعم النوم منذ أسبوع تقريباً، أضف الى ذلك مشقات سفرها بالطائرة.. ما أطولها وما أتعبها من رحلة؟.. لكنها ابتسمت عندما تذكرت المضيفه التي كانت تخاطبها بالاشارة وتمنت رؤيتها مرة ثانية.
وسط الضباب الكثيف المحيط بها وبمستقبلها في هذه البلاد.. وسط احزانها لفراق والديها واخوتها وأهل حارتها ورفاقها في المدرسة.. وسط كل هذه الشجون سمعت صوت والدها يناديها، ارتجفت ووقفت تبحث عن الصوت، عن صاحب الصوت، لكنها لم تجده، رغم ان الصوت أصبح واضحا. لكنها لم تفهم منه ماذا يريدها أن تفعل.. فقط سمعت صوته الذي أخذ يتلاشى رويدا رويدا.
حدة البرق والرعد تزداد في الخارج، وزوجها فريد غائب عن عينيها، ولا تدري الى أين ذهب؟ وصوت والدها كان كالزائر الغريب الذي لم يجد راحته فأثر العودة الى ربوعه.. وهي وحيدة غريبة في بلاد الإفرنج.. انهارت واخذت تبكي بصوت عال، وما من احد يسمعها، كأن الارض انشقت وبلعت فريد. مسحت دموعها بيديها ونهضت تبحث عنه. دخلت غرفة النوم، قادها فضولها الى الخزانة. فتحت الباب وتطلعت بالصورة العارية الملصقة عليه، لم تصدق عينيها. أخذت تحدث نفسها.
- أمن المعقول ان تتصور امرأة بهذا الوضع المشين الفاضح؟ والأغرب من هذا ان تكون صاحبة الصورة صديقة لزوجي.. وسوف أراها الليلة اوغداً كما قال.. ياه.. بلاد الخواجات ياما فيها وياما.. آخ يا بت يا عفاف، دي لو كانت عندنا لقاموا بتقطيعها قطعاً قطعاً وألقوا بها للكلاب، وما الفرق بين تقطيعها وإلقاء جسدها للكلاب، وبين وقوفها عارية تماماً في وضع مخز امام عدسة المصور رجلا كان أم امرأة، وعيون الرجال تنهش جسدها العاري في الصورة.
استمرت في حديثها مع نفسها في صمت وهي تتفحص الصورة العارية، لكنها جميلة.. لم أر في حياتي امرأة بجمالها.. الشعر الأشقر الطويل يغطي الجهة اليمنى من صدرها، بينما الجهة اليسرى تشرئب بفضول وكأنها تتحدى الوجود، ويداها متجهتان الى أسفل، ووجهها الغجري تزينه عينان شقيتان توزعان نظرات التحدي والرغبة والاغراء، وشفتاها حبتا كرز يفصل بينهما شط لؤلؤ جميل.
تذكرت عفاف عُريها في تلك الليلة التي لم تتكرر. كم كان جسدها جميلاً وقوامها ممشوقا كقوام هذه المرأة، وإن كان اقصر منه بقليل.. هي في ريعان شبابها، في ربيعها السابع عشر.وصاحبة الصورة قد ناهزت الثلاثين من عمرها. يكفي عفاف انها محترمة وبنت عائلة لم ير جسدها انسان سوى زوجها فريد في تلك الليلة المشؤومة.
تطلعت خلفها، فوجدت طاولة التجميل «التسريحة»، ومرآة كبيرة، ولم تعرف أي شيطان دفعها الى الاستدارة نحو المرآة، وزرع بداخلها رغبة شديدة جامحة لأن تخلع ملابسها وتقف عارية تماماً كصاحبة الصورة.
عاد فريد من (الجراج) وحالة من الغيظ الشديد تجتاحه، بحث عن عفاف فلم يجدها. همّ ان يناديها، لكنه أحجم عن ذلك، بعد ان رأى باب حجرة النوم شبه مغلق. أطل برأسه، هاله ما رأى.. عفاف عارية. تسلل الى الغرفة بخفة، لكنها رأته من خلال المرآة، ابتسمت له لأول مرة، استدارت نحوه ووضعت يديها على كتفيه.. فوضع يديه حول خصرها، بعد تردد، وحاول تقبيلها. فإذا بدقات قوية ومتلاحقة تهزّ خشبات الباب الخارجي للمنزل.
ارتبكت عفاف وخافت من تلك الدقات المتلاحقة، التي ازدادت حدّتها، أبعد فريد بسرعة يديه عن جسدها، وطلب منها ارتداء ملابسها. أغلق باب غرفة النوم خلفه، واتجه صوب الباب الخارجي، وصوته يسبقه باللغة الانجليزية:
- من هناك؟
- الشرطة.. افتح وإلا..
أخذ يتلفت يمنة ويسرة، كأنه يبحث عن شيء يخفيه، أو يبعده عن عيون رجال الشرطة. بعد لحظات تماسك نفسه وفتح الباب بيد مرتعشة، فإذا به أمام مفاجأة..
- هالو فريدي.. انت ليه تأخرت في فتح الباب؟!
- يا اولاد الأبالسه.. هو انتو.. وقعتو قلبي بين ركبي..
- يا سلام.. ليه بقى.. انت جايب معاك من السفر ممنوعات؟
- ممنوعات إيه روجينا انت وسوسو..
- آه ممنوعات.. جايب معاك واحده ست.. مش كده برضه؟
- ما انت عارفه ان المدام بعتتني علشان اتجوز.. يبقى أجيب معايا واحده ست والا واحد راجل؟!
- ايوه كده.. أحسن كنت ازعل منك لو كنت جبت راجل معاك..
- هي فين عروستك يا فريدي؟
هنا ارتبك قليلاً وأجاب:
- في غرفة النوم..
- آه ياشقي.. وانت ما بقاش لك كام ساعة.. اشتقت خلاص؟
- لا أبداً روجينا.. انا مشتاق لك انت صدقيتي.. استنو شويه رايح أنده لها..
اتجه الى غرفة النوم، فتح الباب، وجد عفاف متكورة على الأرض، في جلستها المعتادة، عندما تكون في حالة نفسية سيئة، تطلع فيها.. ولأول مرة شعر بالعطف والحنان نحوها، ربت على شعرها، فرفعت عينين حزينتين ملؤهما الخوف والضياع. هدأ من روعها، طمأنها بان صديقه جاء للترحيب بها.
نهضت من جلستها، أخذت تصلح هندامها وشعرها. بينما هي على وشك الخروج، إذ بسوسو وروجينا يدخلان عليها. ما ان وقعت عيناها على روجينا حتى انتابها اعصار داخلي موجع. لم تتبين ان الواقفة امامها هي بشحمها ولحمها، صاحبة الصورة العارية الملصقة خلف باب خزانة غرفة نومها.. لكن هالها جمالها الشيطاني، ولجمتها الجرأة في عينيها، وفي حديثها الذي لم تفهم منه شيئاً.
أخذت روجينا تدور حول عفاف، وسوسو يضحك والدهشة تغمر فريد..
- حلوة.. أوريجنال خالص.. انت عندك ذوق حلو كتير فريدي..
رمت روجينا بفرمانها الهمايوني هذا، وسوسو يحاول رفع فستان عفاف الى أعلى ليرى مفاتنها عن كثب، مما جعل فريد ينتفض ويصيح:
- إيه اللي بتعمله يا مجنون.. انت ناسي دي مين؟ دي مراتي يا بني آدم؟!
صعق سوسو من تصرف فريد الذي لم يكن يتوقعه، فوقف مذهولاً كطفل كسروا لعبته، ولا يعرف كيف يعلل فعلته. فخيم على الغرفة صمت غير محبب بينهم بدده سوسو بصوته.
- أنا آسف فريدي.. الحقيقة انا عايز أشوف ركبها بعدما وقعتها انت خارج المطار.
- إيه.. انت كنت هناك؟!!
- أيوه.. المدام بعتتني علشان تطمن انك وصلت بالسلامة..
- تطمن وبس.. مش كده برضه؟
- دي أوامر المدام.. وانت عارف المدام.
تدخلت روجينا بالحديث وقالت لفريد:
- على العموم حصل خير.. يا الله بقى يا جماعة أحسن المدام مشتاقة جدا تشوفك وتشوف امورتك الحلوه.. ياه دي اوريجنال خالص يا فريدي.
استأذن فريد وذهب الى (الجراج) ليأتي بحقيبة من المؤكد انه وضع بداخلها هداياه للمدام ولكل الذين يعمل معهم.
ركب فريد إلى جوار سوسو، وجلست عفاف وروجينا في المقعد الخلفي.
كانت مفاجأة كبرى لعفاف عندما رأت ان الشمس المشرقة محت في وقت قصير كل اثار الرعد والبرق والمطر، وأصبحت السماء صافية كعيون اخوتها الصغار. نظرت الى الشوارع فلم تجد أثرا يذكر لمياه المطر، فتمتمت في سرها:
- عجيبة البلد دي.. المطر دا كله بعديه شمس وسما صافية، وشوارع نظيفة لا وحل ولا طين.. والناس عجايب.. يبقى ايه دا سي سوسو والست روجينا.
عندما ذكرت اسم روجينا في سرها، رشقتها بنظرة سريعة، وفي داخلها شعور خجول يقول لها انها رأتها قبل اليوم. لكن كيف يكون لي هذا.. وهذه هي المرة الأولى التي أتعرف بها عليها في أستراليا.
بينما هي تلقي بنظرهاعلى روجينا، كانت هذه الأخيرة على وشك اشعال سيجارة، وعندما وقعت عيناها على عفاف قدمت لها علبة السجائر، لكن عفاف هزت رأسها علامة للرفض، وازاحت بيدها الناعمة علبة السجائر.
وصلت السيارة الى منزل المدام، أو بالأحرى الى قصر المدام.
نزلت عفاف مع روجينا، وهرول فريد الى داخل القصر وهو يحمل حقيبته. دخلت عفاف القصر ولم تر أثرا لزوجها. أخذتها روجينا الى بهو كبير، كل شيء فيه يصلح لأن يكون في معرض للتحف، طلبت روجينا من عفاف الجلوس بعد ان استأذنت لبضع دقائق.
كان فريد قد دخل مكتب المدام بمفرده. سلم عليها بشوق ورفع يدها ليقبلها. نظرت اليه نظرة متفحصة وكأنها تسأله عن محتويات الحقيبة، فقال لها:
- مفاجأة يا مدام.. يا ست الستات وأجمل الجميلات.
إبتسمت المدام في حياء مشوب بتكبر وغطرسة.
- المفاجأة في الشنطة واللاّ في المفعوصة اللي رحت واتجوزتها؟!
- حضرتك شفتيها؟!
طبعاً، أمال جهاز الامان والتلفزيون بيعملوا ايه!
طبعاً.. طبعاً.. انا نسيت.
- ما تبقاش تنسى يا فريد.. احسن.. شغلنا اللي ينسى فيه بيروح ورا الشمس.. فاهم.
- أيوه فاهم.. طبعاً.. المهم لحظة واحدة وتشوفي المفاجأة..
فتح الحقيبة وأخرج العديد من الهدايا.. بعدها أخرج لفافة من القماش وقدمها للمدام..
- ايه يا فريد.. جايبلي لفة قماش؟
- روق يا جميل.. ما تبقاش حامي علي.. أمال.. شمي اللفة وقوليلي رأيك ايه.
قرّبت لفافة القماش من أنفها وصاحت:
- حشيش.. يخرب بيتك.. إزاي قدرت تطلع بيه من الجمرك؟!
أشار الى عفاف الظاهرة في شاشة المراقبة الجالسة وحدها في هدوء وكأنها طفل بريء مطيع يسمع وينفذ.
- شوفي يا مدام.. المفعوصة دي قدرت تطلع أربع طرب حشيش درجة أولى من غير ما حد يشك فيها..
- اما انت ابن جنية حقيقي.. قوللي كانت تعرف ايه اللي شايلاه؟
- تعرف ايه يا مدام؟!.. دي تلميذة غلبانه.. يعني كنت عايزاني اتجوز واحدة مفتحة ومدردحه وتبوظ علينا الشغل.. هي دي «مشيرا الى عفاف» البنت اللي تنقصنا.. واللا ايه رأيك يا وحشاني؟!
- فرد إحنا(في دلال) دلوقتي في وقت بيزنس.. دا كل اللي جبته معاك؟
- آه.. ايوه دا كل اللي جبته.. وكمان شوية هدايا للزملا..
- فيك الخير.. احكيلي اتعرفت عليها ازاي؟ ولما اتجوزت ايه اللي عملته معاها؟
اخذ يقص عليها قصته مع عفاف، ويصور لها ليلة دخوله عليها، وما كان في تلك الليلة من سكر ومخدرات.. بل حكى لها بالتفصيل كل امورهما الجنسية.. واشمئزازها الساخر منه لدى مجامعته لها.. ولم ينس ان يخبرها كيف رأت لدى وصولها الى البيت، صورة روجينا العارية في غرفة النوم.. وكيف وقفت مثلها امام المرآة ولم تشمئز منه عندما حاول تقبيلها، وكأن الغيرة دفعتها الى ملاطفته.
إستمعت المدام اليه بأذن صاغية ولم تقاطعه اثناء حديثه.
بعد ان انتهى من سرد قصته، قامت بفتح خزانتها الحديدية واخرجت منها علبة قطيفة وطلبت منه اخفاء الحشيش وعدم اخبار احد به.. بعدها ضغطت على زر مثبت فوق مكتبها، فجاء سوسو مهرولاً. فطلبت منه ان ينادي على روجينا وباقي البنات.. وطلبت من فريد احضار زوجته بنفسه.
ما هي الا لحظات حتى امتلأ مكتب المدام بالعاملات معها، فطلبت منهن استقبال فريد وزجته بالتصفيق.
وقف فريد وزوجته امام المدام في أدب واحترام، والدهشة تعلو وجه عفاف من كثرة التصفيق والهتاف. كان على يمين المدام سوسو وعلى يسارها روجينا. تقدم فريد وسلم على المدام وقبل يدها، وقدم زوجته لها. اقتربت عفاف وصافحتها في خوف وارتباك، وهي لا تعرف اذا كانت في حلم ام يقظة. هل هذه هي أستراليا واهل أستراليا؟ ام من يكون هؤلاء؟ وأهم من ذلك.. من يكون زوجها فريد!!. قطع عليها حيرتها صوت المدام وهي ترحب بها وتأخذها بالاحضان.
رحبت المدام بعفاف وكان فريد يقوم بالترجمة. وإن كانت الترجمة لطرف واحد، فقد شلّت المفاجأة عقل وتفكير عفاف.
أهدت المدام طقما ذهبيا مرصعا بالماس لعفاف كهدية جوازها من فريد.
سهر الجميع حتى ساعة متأخرة من الليل في فرح ورقص وشرب، وعفاف ما زالت في ذهولها مما يجري حولها.
بعد ذلك أمرت المدام بوقف الاحتفال وطلبت من فريد ان يأخذ زوجته الى غرفته في القصر التي أعدتها لهما ليقضيا أجمل لحظات عمرهما.
ستة أشهر مرت منذ وطئت قدما عفاف ارض سدني.. ستة أشهر وهي تعيش في حلم وردي جميل. لم تر المنزل الذي نزلت فيه يوم وصولها. بل عاشت في قصر المدام، مثل بقية النساء والرجال الذين يعيشون داخل القصر الكبير.
الليلة الأولى نامت مع فريد.. ولا تتذكر ان تم اتصال جسدي بينهما ام لا.. او حتى ان كان قد نام معها في الغرفة من اصله.
عندما افاقت في اليوم التالي لم تجده بجوارها.. ولم ينم معها بعد ذلك.. فقد كانت روجينا رفيقتها صباحاً ومساء والمسؤولة عنها. وهي التي كانت تنام معها وقامت بتعليمها اللغة الانجليزية وأشياء اخرى كثيرة.
لم تقف اللغة عائقاً بينهما، لأن روجينا تعلمت اللغة العربية على يد عشيقها وحبيبها فريد. فكانت روجينا همزة وصل بين الجميع.
تخرج يوميا من القصر وتذهب مع روجينا او سوسو احيانا الى أماكن مختلفة، من سدني، وعندما يرخي الليل ستارته السوداء على المدينة، يبدأ السهر والرقص والغناء، حياتها ولا أجمل، شربت الخمر ودخنت السيجارة، ارتدت الملابس وفق أحدث ما تنتجه الموضة الاوروبية. لبست (الجينز) فبدا جسدها ملفوفاً وملفتاً ومغرياً. التف حولها الشباب كل يريد ان يراقصها او أن يعلمها رقصة ما. كل هذا وروجينا لم تغفل عنها لحظة واحدة، فعندما تحتاجها كانت تجدها بقربها.
تغيرت عفاف.. إزداد اعجابها بنفسها.. انانيتها جعلتها تطلع بمفاتنها في كل مرآة تجدها.. وروجينا تشجعها وتمدح جمالها ومفاتن جسدها.
رؤية زوجها أصبحت نادرة.. واذا رأته، يكون على عجلة من أمره، أما روجينا فكانت تقص عليها حكايات وحكايات عن كل مكان ترتدانه، وكانت قبل ان تنام تقدم لها شراباً ذا طعم غريب ولكنه لذيذ. بعد ان تنتهي من الشرب، كانت تعيش في عالم غير هذا العالم. عالم كله احلام جميلة تأخذها الى البعيد.. البعيد، لتحلق في سماء النغم الهاديء الحالم. انها نائمة مستيقظة، تدري بما يدور معها و حولها ولكنها لا تستطيع المقاومة.
ذات مرة، وهي على تلك الحالة، خيل لها انها رأت المدام وزوجها فريد ينظران اليها. فريد يبتسم ويتطلع الى المدام بكل فخر واعتزاز ولسان حاله يقول.. ها هي زوجته تفعل ما تفعله روجينا.. وكأنه يريد ان يثبت للمدام انه كان محقاً بزواجه من هذه (المفعوصة) حسب تعبير المدام.
(يتبع)
الأحد، مارس 21، 2010
الضــياع 4- 7
أنطوني ولسن
أستراليا
تحذير: هذه القصة للكبار فقط
... هل تأكد الناس من ان الماشية لاتبكي وهي تسير الى الموت؟ وهل تملك الماشية حرية الاعتراض والرفض؟
هكذا الانسان المحروم من الحرية، حرية إبداء الرأي، حرية التعبير، وحرية القبول والرفض وفتاة في ريعان شبابها تؤخذ أسيرة المجهول. وما هي الحجة؟ هل هي الحاجة.. المستقبل الأفضل.. الحياة الأجمل.. العيش الكريم.. اقتناء الأثاث والسيارة والثلاجة والملابس الإفرنجية.. خروج الأسرة من خندق الفقر.. من حارة الغلابة والمساكين.. من العمل الشاق المضني الذي لا يثمن ولا يغني عن جوع؟!!
هذه الفئة التي منها اهل عفاف، لا امل لها، لا في زواج بناتها من اي رجل يأتي من دول الخليج او الدول الغنية، او دول المهجر.
هذا النوع من الزواج ماذا نسميه؟ هل نسميه زواجاً شرعياً يرضي عنه رب العباد؟ غالبا ما تنتهي هذه الزيجات بالطلاق، وطرد الفتاة البريئة بعد ان يقطف الثري زهرة بكارتها ويستمتع بألامها وانكسارها وقبولها لرجل لا مودة بينهما ولا رحمة او شفقة في قلبه، لكنه يدفع الثمن!! مهما كان الثمن فإنه لن يعوضها فقدان طهارتها، شخصيتها وبالأخص حياتها.
إذن ما الفارق بين هذه الزيجات والدعارة العلنية او المستترة!! لأنه في كلتا الحالتين جسد المرأة هو الغاية ويدفع الرجل الثمن. لا من اجل الإستقرار وتكوين الاسرة، بل من أجل تحقيق شهوة طارئة ورغبة الاذلال للمرأة التي لا ذنب لها سوى انها من اسرة فقيرة وحقوقها كإنسانة مهدورة من حكام غلاظ القلوب لا يفكرون إلا في السلطة والحكم ولا يقلون عن الاثرياء الذين يجدون في ضعف المرأة لذة لشهواتهم ..
عندها ماذا ينفع الأهل.. التلفزيون، الفديو، الثلاجة والبوتوجاز؟! ماذا تنتفع به الأم.. فساتين الحرير المستوردة؟!! وماذا ينتفع به الأب.. بذلات الجوخ الانجليزي التي يتأنق بها؟! والابنة تتعذب مع رجل اشتراها بما له، وما من قانون يحميها من غدره، فتترك بعد ذلك للضياع.
قالت عفاف لنفسها... سأحاول ان اعوّض أبي عن فقداني.. سأرسل له شهرياً مبلغاً كبيراً من المال. سأخلصه من عمله المضني وسأرسل له العلاج. بل، سأجعله يسافر الى أستراليا لأعرضه على اكبر الاطباء. نعم يا ابي سأفعل ذلك من أجلك. كما تزوجت هذا الغريب لارضائك، سأبذل ما بوسعي من أجل شفائك وراحتك وراحة امي واخوتي.
في الطائرة وجدت النافذة التي بجوارها صغيرة جدا، حاولت فتحها لكنها لم تفتح، فأدركت أنها جزء من الطائرة لا يفتح، لا إلى الخارج ولا الى الداخل. وما بدأت الطائرة تتحرك، حتى لفها خوف شديد، حاولت معه ان تمسك بيد زوجها، فنظر اليها وطلب منها ان تضع حزام الأمان حول خصرها. لكي يفهمها ما يريد بدأ بوضع حزامه لتفعل مثله. عندما بدأت الطائرة بالاقلاع شخص ببصره الى أعلى، وأمسك بكلتا يديه بساندي المقعد. تغير لون وجهه، أصبح بلون الزعفران،وشفتاه تتمتمان صلوات غير مسموعة. فسرت العدوى اليها. ومع هذا الارتفاع شعرت وكأنها خسرت سمعها. لم تعد تسمع صوتاً في الطائرة، ولا تعرف إذا كانت قد توقفت أوأنها تسير او تطير. خافت ان تلتفت الى ناحية زوجها، فتصاب بصدمة تفقدها وعيها، لو رأته قد لفظ أنفاسه ومات.
حاولت ان تشغل نفسها بالنظر الى شباك الطائرة. رأت كل شيء صغيراً. لم تر صديقاتها وهن يلوحن بمناديلهن البيضاء كما وعدنها. لم تر منزلها ولا حارتها ولا مدرستها. إنها في قلب السماء تسأل نفسها.. هل تسبح روح الانسان، عند موته في السماء مثل الطائرة؟ وهل الطائرة في السماء! انها المرة الأولى التي تسافر فيها. لم تحلم يوما بالسفر بالقطار، فكم بالاحرى بالطائرة. ذلك الجسم المعدني الذي كانت تراه يحلق فوق الحارة عاليا في السماء.
ها هي الآن تتربع على عرشها في الطائرة، والطائرة تشق غيوم السماء. ترى اي سماء؟! هل هي سماء القاهرة؟ وهل هي تطير الآن فوق منزلها؟! انها السماء يا عفاف، السماء التي لا يمكن حصرها مثل البحر تماماً. وهل بإمكان الضائع في وسط البحر ان يعرف في اي اتجاه هو متجه؟! الارض يعرفونها بالطرقات والشوارع والاسماء التي تطلق عليها. امافي السماء، فلا طرقات ولا شوارع ولا لافتات توضح الاتجاه الذي تتجه اليه الطائرة. والأدهى من هذا كله انها لم تشعر بادنى حركة للطائرة، لم تسمع ذلك الهدير الذي كانت تطلقه فوق الحارة. لولا ازيز المحرك لحسبت ان الطائرة خرساء.
فجأة، سمعت صوت جرس أفزعها، وبدد تخيلاتها، وجعلها تلتفت الى الجالس بجوارها، رأت أساريره بدات تنفرج، والحياة تعود الى محياة، ورأت يديه تتلاعبان بحزام الأمان وتنقذان خصره من الطوق الذي يمنعه من الحركة، نظرت اليه مستفسرة عما يفعل، لكنه لم يلتفت اليها. مرت بهما مضيفة، ناداها تحدث معها بالانجليزية، ولم تفهم عفاف من كلامه سوى (سكوتش)، لأنها كانت أوضح كلمة نطق بها، وإن كانت لم تفهم معناها. لم يكلمها ولم يطلب شيئا لها، وكأنها غير موجودة. أحنت رأسها على شباك الطائرة وأطلقت لناظريها العنان، وكأنها تريد الافلات ومعانقة الفضاء وزرع نجومه وغيومه في عينيها.
إحتسى فريد أكثر من ثلاثة كؤوس من الخمر، في فترة زمنية قصيرة، وتجاهل كليا تلك الزوجة المسكينة الجالسة بجواره.
عندما احضرت المضيفة الطعام، اشار اليها بنرفزة واضحة، ان تفعل مثله كي يتسنى للمضيفة وضع الطعام أمامها. لم تعرف ماذا تفعل؟ كانت جائعة وعطشى وكان فمها يمتنع عن استقبال الطعام، نظرت اليه بطرف عينها، فوجدته لايأكل، بل يمسك بعلبة معدنية يصب منها بين الحين والحين سائلا أصفر. تطلعت بكوب عصير البرتقال الذي امامها، ازاحت غطاءه وشربت ما بداخله.
أطل الليل بأعناقه السوداء، فأظلمت الطائرة بعد ان أطفأوا الانوار فيها، وتراخى الركاب في مقاعدهم. حاولت عفاف ان تنام، لكن الهواجس والمخاوف كانت تدق على أعصابها الحاناً مزعجة جعلتها تقلق، لماذا يعاملها بهذه الطريقة الجافة؟ ماذا يخفي لها الغد، مع رجل غريب في بلد غريب ليس فيه صديق او قريب؟ إرتجف جسمها كورقة في مهب الريح. سالت دموعها في صمت قاتل، ومنعها خوفها من ان تتزحزح من مكانها بغية قضاء حاجتها.
لا تعرف إذا كان النوم قد سرق من عينيها ام لا؟ لكنها أحست بنور الشمس يدق على شباكها. فرحت باستقبال شروق الشمس. لكن فرحتها لم تدم، إذ تذكرت ذلك الزوج الجالس بقربها. تطلعت صوبه .. أين هو؟!
جاءت احدى المضيفات، حاولت ان تحدثها لكن عفاف لم تفهم كلمة واحدة. مع ذلك أمسكت المضيفة بيدها وأخذتها الى الحمام، وهي تبذل كل ما بوسعها لطمأنتها.
زيادة بالإهتمام، انتظرتها حتى قضت حاجتها، فقادتها الى مكانها السابق لتعود، بعد فترة، وهي تحمل لها فنجانا من الشاي وقطعتين من البسكويت.
أما فريد.. فقد تقيأ في الحمام كل "السكوتش" الذي أفرغه في جوفه، ولم يشعر بما حدث لزوجته. والحقيقة لم تكن اصلاً في تفكيره ليشعر بما حدث لها.عندما عاد الى مقعده وجدها تشرب فنجان الشاي فتعجب دون ان يبالي.
جاءت نفس المضيفة وطلبت منه ان يتبعها وبعيدا عن مسمع زوجته والناس، لفتته الى الإهمال الذي يعامل به المرأة التي معه، والتي تبين لها منه أنها زوجته، شرح لها ان سبب الإهمال خوفه من ركوب الطائرة، وان شعوراً غريباً ينتابه، فيحاول ان يتغلب عليه بكثرة الشرب، عله يغيب عن الوعي وينسى انه داخل طائرة شبح في الفضاء. لم تعلق المضيفة على ما قال، بل تركته يعود إلى مقعده ليرمي زوجته بنظرة بلهاء كأنه يقول.. ماذا تريد مني؟ فلتتركني وشأني ولتذهب الى الجحيم.. مالي ولك يا امرأة؟
شعرت عفاف براحة نفسية لأول مرة في الطائرة، رغم حاجز اللغة الذي يفصل بينها وبين المضيفة، الملاك التي اعتنت بها.. انه العمل الانساني الذي لا يحتاج إلى لغة ولا الى تفاهم.. انه شيء رائع ينبع من القلب ليصب في قلوب الآخرين.
لم تترك المضيفة عفاف لحظة واحدة. كانت كلما مرت من أمامها تبتسم لها وتتحدث معها بلغة العيون وتقول لها.. لا تخافي.. أنت لست وحيدة. أحضرت لها الشراب بعد الشراب، عند تقديم وجبات الطعام كانت تقدم لها السندويتشات المحشوة باللحم والسلاطات، غير ما يقدم للآخرين حتى تأكل ولا تشعر بحرج.
تصرف المضيفة الغريبة، زرع البهجة في صحراء عفاف الجافة، وشجعها على استقبال حياتها المقبلة في البلد الغريب بأمل كبير، وثقة بالله الذي لا يترك عبيده يتعذبون.
حاول فريد أن يتجاوب مع حنان المضيفة وإهتمامها بزوجته، ليشعرها بصدقه، فبدأ بالاهتمام والعمل على راحتها والتلطّف بها. لكن المضيفة استطاعت ان تقرأ ما بنفسه وان تكشف معدنه، فلم تعره اي اهتمام، بل كانت ترعيه بنظرات مشحونة بالسخرية منه ومن لغته الانجليزية التي يحاول ان يثبت لزوجته انه يعرفها جيداً ويعرف كيف يحادث ويلاطف بها الستات الخواجات.
عفاف البسيطة الطيبة كانت تبتسم في سرها، وتحمدالله الذي أرسل لها هذه المضيفة التي استطاعت ان تتحدث معها، وتستجيب لها، وترعي طلباتها، بلغة هي أعمق واقوى من لغات البشر كافة. انها لغة المحبة، لغة الإنسانية، فما أعمقها، وما ابدعها من لغة!!
قبل ان تصل الطائرة الى مطار سدني، وزع المضيفون والمضيفات اوراقاً خاصة بالجمارك والجوازات والهجرة. أعطته نفس المضيفة، الأوراق الخاصة بهما، وطلبت منه ان يجيب على الاسئلة ويملأ البيانات المطلوبة بالانجليزية له ولزوجته التي بامكانها ان توقع بلغتها إن شاءت، وهي (المضيفة) ستعيد قراءة البيانات المتعلقة بها.
جاءت لحظة هبوط الطائرة. فعاد فريد الى حالته المزرية ساعة الاقلاع، فربتت المضيفة على كتفه وابتسمت له لاول مرة إبتسامة مشجعة، وهمست في أذنه.. لا تخف، فكل شيء سيكون على ما يرام. تطلعت الى عفاف، وهي ترفع ابهام يدها اليمنى وابتسامتها المشرقة تقول لا تخافي.. الله معك.
بعد الانتهاء من الاجراءات الجمركية، خرج فريد وزوجته عفاف من مطار سدني، كان المطر غزيراً، وكأن الملائكة تذرف دموعها حزناً على عفاف في بلاد الغربة، وصوت الرعد وبريق البرق، كانهما الشيطان وجنوده يصرخون ويرقصون فرحاً بقدومها الى أستراليا.
تلفت فريد حوله، عله يجد احداً ما جاء لإستقباله. لكنه لم يجد هذا (الأحد) فزمجر وسب الأصدقاء ومن يعرفهم او يعمل معهم، دفع بقوة «تروللي» الحقائب الصغيرة التي كانت عفاف قد إتكأت عليه، فقدت توازنها، وراحت تزحف على الأرض تحت هذا السيل المنهمر من المطر وهي تصيح بأعلى صوتها..؟إلحقني يا بابا..
في اللحظة التي سقطت فيها عفاف على ارض سدني، في أول خطوة لها. كان والدها على فراش الموت قد صاح وبأعلى صوته أيضاً عفاف بنتي، سامحيني.. واسلم الروح.
الدم المتدفق من ركبتي عفاف يلوّن مياه المطر بارجوانه الطاهر، ويسبقها الى اكتشاف شوارع سدني. اما فريد فقد نظر اليها بلؤم بالغ. فخافت المسكينة من نظراته، نهضت دون ان تفكر بالآمها، ومدى احتياجها الى يد تسندها في محنتها هذه.
سيارة الاجرة تخترق شوارع المدينة، والمطر الشديد يحجب عن عفاف الرؤية، لتتمتع بمنظر مدينة سدني، في لحظات وصولها الأولى.
صوت الرعد واشتداد البرق زادا من وحشة المكان. فأخذ الخوف يسري في عروقها، ورعشة محمومة تنتاب جسدها المبلل، فأخذت اسنانها تصطك محدثة صوتاً مسموعاً، جعل السائق يلتفت اليها، ويوقف السيارة ليخرج من صندوقها الخلفي «بطانية صوف» أعطاها للرجل كي يغطي عفاف بها.
إغتاظ فريد من تصرف السائق. لكنه لم يعترض. بل قام بوضع البطانية على عفاف دون ان يتطلع بها، فهدأت رجفتها بعض الشيء، وما هي إلا لحظات قليلة حتى وصلت بهما السيارة الى حي ماركفيل، حيث يسكن فريد. أوقف السائق السيارة والمطر يزداد إنهمارا. طلب من فريد الاجر وهو جالس وراء المقود، وفي عينيه نظرات تحد واشمئزاز منه. فتح السائق صندوق السيارة الخلفية اتوماتيكيا من الداخل، فنزل فريد تحت المطر ليأخذ حقائبه. فما كان من عفاف إلا أن ازاحت البطانية واعطتها للسائق وهي تتمتم باللغة العربية.
- متشكرة يا عم.. كتر خيرك..
وكانت المفاجأة الكبرى لها عندما قال لها السائق باللغة العربية
- العفو يا بنتي.. لا مؤاخذه الراجل دا يقربلك إيه!!
- جوزي يا عمي..
- الله يكون في عونك.. دا باين عليه كلب.. ما تزعليش مني يا بنتي.. ما تنزليش من السيارة.. انتظري.
بسرعة أحضر السائق مظلته، وفتح باب السيارة لتنزل منها عفاف. اصطحبها حتى مدخل المنزل، كي يحميها من المطر، وشتائم فريد تخدش سمعيهما وهويفتح الباب لتدخل عفاف وتخطو خطواتها الأولى في هذا المنزل. بينما السائق يعود الى سيارته وهو يقول محدثاً نفسه:
- الله يكون في عونك يا بنتي مع انسان زي دا.. كان إيه الي رماكي الرمية السودة دي!!.. استغفر الله.. لك في ذلك حكم لا نفهما!
صاح فريد بعفاف كي تتحرك وتساعده في حمل الحقائب غير عابيء بالترحيب بها في بيتها الجديد، الذي من المفروض ان يكون عشّ الزوجية في أستراليا. تصرف معها كأنها خادمة وليست زوجة وشريكة حياة. الفرحة التي ملأت قلبه ليلة دخوله عليها لم يعد لها مكان في قلبه. لم تمنحه نفسها من بعد كما منحتها له تلك الليلة، بل كانت تتسلل من الفراش الى الحمام، بعد ان ينام، لتتقيأ كل ما في جوفها، وكانها تريد ان تلقيه، هو بالذات، في حوض الحمام وتدفعه بالماء الى حيث يستحق، ومن ثم تعود الى جلستها الحزينة فوق الكنبة الاسلامبولي.
مرّ الوقت كئيبا موحشا، وهي تجري من غرفة الى غرفة، من الصالون الى المطبخ، لتزيل الغبار والأتربة من داخل هذا المنزل المهجور وصوت فريد المرتفع يغطي على هدير الرعد في الخارج.
بعد تنظيف المنزل، دخلت غرفة النوم لتضع ملابسها وملابسه في الخزانة، وما ان فتحت بابها حتى فوجئت بصورة امرأة عارية ملصقة خلف الباب، صرخت وألقت بالملابس أرضا. ركضت الى الخارج وهي تبكي. جاء فريد ليستطلع الأمر، عندما عرف السبب صفعها علىوجهها وهو يصيح.
- حسك عينك تفتحي حنكك بكلمة اعتراض علي اي حاجة في البيت اللي تشوفيه ما تحاوليش تعترضي عليه. واللى تسمعيه ما ترديش عليه، إلا اذا طلبت منك تردي عليه. صاحبة الصورة دي واحدة صحبتي حتشوفيها النهارده او بكره بالكتير علشان تعرفي الفرق بين الستات يا جربوعة با بتاعة الحواري.
لم تصدق اذنيها.. هل هذا معقول؟ لكنها مغلوبة على أمرها.. وحيدة في غربتها، ليس لها اقارب أو معارف.. فأحست انها قد جاءت الى العذاب.. الى جهنم وبئس المصير.
فكرت في والدها، في سائق التاكسي الذي يتحدث لغتها في بلاد الفرنجة، فقد ظنت ان سكانها لا يتكلمون سوى اللغة الانجليزية. شعرت بنوع من الارتياح النفسي، تضرّعت الى الله وطلبت منه ان يساعدها في حياتها المقبلة، حيث بدأت تعاستها تظهر منذ اليوم الأول.
حاول فريد ان يستخدم الهاتف فوجده معطلاً. كان قد طلب في آخر مكالمة له قبل عودته الى أستراليا، من (الواد) سوسو أو سام كما ينادونه، ان يتحدث الى المدام بغية استقباله وزوجته في المطار وارسال من يقوم بتنظيف المنزل وإجراء اللازم في كل ما يتعلق بالهاتف والسيارة وما شابه.
تذكر السيارة فركض الى (الجراج)، وجدها كما تركها، حاول تشغيلها فلم يفلح. كيف يتحرك وكيف يقضي أشغاله والمطر غزير في الخارج، والبيت خالٍ من كل شيء إلا من الكهرباء، وما الفائدة، لا شاي ولاقهوة ولا حليب ولا هاتف يستطيع ان يتصل به بسوسو ليحضر احتياجاته.
ضرب أخماساً بأسداس وأخذ يتساءل أين المدام التي أرسلته، ليتزوج بأبنة الحلال الطيبة التي يمكنها أن تعمل معهم؟ اين روجينا صاحبة الصورة العارية المعلقة خلف باب خزانته؟ أين الذين أحضر لهم الهدايا التي طلبوها من قبل سفره؟
تعبت عفاف من كثرة الحركة في المنزل، وهي التي لم تذق طعم النوم منذ اسبوع تقريباً، أضف الى ذلك مشقات سفرها بالطائرة ما أطولها وما أتعبها من رحلة؟.. لكنها إبتسمت عندما تذكرت المضيفة التي كانت تخاطبها بالإشارة وتمنت رؤيتها مرة ثانية.
(يتبع)
السبت، مارس 13، 2010
الضياع 3-7
أنطوني ولسن
أستراليا
تحذير: هذه القصة للكبار فقط
... وبسرعة متناهية ألبسها فريد جلبابها، وارتدى جلبابه أيضاً، خوفا من دخول أمها عليهما وهما في هذا الوضع العاري جدا...
عادت الى كنبتها متكورة والدمعة في عينيها، ورأسها الصغير مدفون بين ركبتيها، ويداها ملفوفتان حوله، وشعرها الأسود الحريري الناعم يغطي اليدين والركبتين. لم تدر ماذا تفعل، ماذا تقول، ومن أين جاءت تلك الدماء التي لطّخت الغطاء؟!
كانت تسمع ان الرجل ليلة زفافه يذبح قطة كي يخيف زوجته، ويجبرها على طاعته، ولكنها كانت عارية، وكان هو عارياً أيضاً. منذ اليوم الأول لزواجهما، وهو يحاول ان يجعلها تنام إلى جواره، وكانت ترفض، وتصّر على النوم فوق الكنبة، تماماً، كما تجلس الأن.
- مبروك يا عروسه.
أجفلت وهي تسمع صوته وتراه واقفاً أمامها، ويداه تداعبان برقة رأسها الغارق بين يديها.
- أنت أشرف الشريفات، ما تخافيش، الدم ده شرفك وعفتك يا عفعوفتي.. إنت نسيتي والا ايه!.. انا فرفورك.. امبارح بالليل كنت أدلعك وأقو لك يا عفعوفتي، وإنت تدلعيني وتقولي يا فرفورتي..
لم تصدق أذنيها.. شعرت بالخزي والعار.. وانها ارتكبت الفحشاء، دون ان تدري.. تمنت لو استطاعت ان تقتل نفسها لتستريح من هول المذلة التي عاشتها ليلة أمس.. كيف ومتى حدث ذلك؟!.. هل من المعقول ان يكون قد نالها أخيراً؟!..
عندما رأها تتصارع مع أفكارها، وانها لن تستجيب له، تركها على ما هي عليه، حاملا معه (الغطاء) خارجا من الغرفة، ليجد والدة عفاف واقفة واجمة في آخر الصالة، لا تعرف ماذا تقول او ماذا تفعل. تطلع بها والأندهاش يلفه من حالتها ووقفتها، وقدم لها غطاء السرير وعليه بقع الدم الأرجواني، وقال لها:
- صباح الخير يا أم العروس.. مبروك عليكم وعلٍي.. بنتك شريفة واسمها عفاف وهي عفيفة بحق وحقيقي.. خدّي العلامة أهه.
أمسكت أم عفاف بغطاء السرير، رفعته بيد، واليد الأخرى تساعد فمها في اطلاق الزغاريد.. اتجهت الى شباك الصالة المطل على الحارة وراحت تصرخ:
- يا بنات.. يا ستات.. باركو لنا يا أهل الحي.. يا جيران.. العلامة آهه.. بنتنا حرة وشريفة. اسمها عفاف وهي عفيفة.
أطلت من أطلت من البنات، وباركت من باركت من الستات، وانطلقت زغاريدهن مدوية في الحارة ومعلنة شرف عفاف.
أربعة أيام بلياليها، والجميع، بما فيهم أم عفاف، ينتظرون معرفة ما حصل بين العريس والعروسة.. بدأت بعض الألسنة تلوك سمعتها، والبعض الآخر يلوك سمعته، على أساس ان من يشرب من (ماء الخواجات) لا يعتبر رجلا بنظرهم.
أحس فريد بالفخر والاعتزاز، واعتبرنفسه رجلاً تمكن بالفعل من ان ينام مع زوجته، ويبرهن للجميع انه فارس نسائي مغوار.
عاد فريد الى الغرفة، فوجد عفاف، كما تركها، متكورة فوق الكنبة، لا تريد ان ترفع رأسها، ولا ان تفتح فمها. إقترب منها، حاول ان يربت على كتفها، خافت منه كمن لسعته أفعى. فأبعد يده عنها والصمت يخيم عليه. لقد ضاعت الفرحة منه، وأنطفأت البهجة في عينيه وقلبه. أحبها معتقداً انها مجرد فتاة يتسلى بها وقت الحاجة. لكنها بعد ليلة البارحة، اصبحت عنده كل حاجة. صحيح انها كانت سكرانه لحظة دخوله عليها وفض بكارتها، لكنه أحس بنشوتها وهي تتلوى بين يديه وانها كانت تطلب منه المزيد، فأعطاها كل ما تذكره وتعلمه من تلك الافلام اللعينة التي كان يدمن مشاهدتها في أستراليا. قام بأدائه خير قيام، وعندما رأها تتأمل جسدها العاري باعجاب زائد، ظن ان الرياح بدأت تجري كما يشتهي الملاح. لكن.. لا زغاريد أمها أفرحتها ولا تهاني النسوة والصبايا.. وها هي جلستها حزينة بائسة وكانها تريد الهروب من حياتها.
دخلت أمها الغرفة، فرأت فريد واقفا كالصنم، لا يتحرك ولا يستطيع الاقتراب من ابنتها. رأت ابنتها متحجرة في جلستها، فأقتربت من صهرها وربتت على كتفه بحنان وقالت:
- أستاذ فريد اتفضل أنت روح استنى في الصالة.. وأنا جايه حالاً أعملك الشاي وأحضر لك الغداء.
إقتربت من ابنتها، مدت يدها وربتت على كتفها بحنان.. إرتعشت عفاف وانتفضت وهي تبكي بحرقة احتضنتها أمها وأخذت تهدئ من روعها:
- بس يا حبيبتي مالك حد زعلك.. مبروك يا عروسه وأحلى وأشرف عروسه في الحارة.. لا في الحتة كلها.. في الدنيا كلها رفعتي راسنا قدام جوزك وقدام الناس.
- لا.. لا أنا.. أنا بنت وحشة و.. ومش كويسة..
- ليه يا حبيبتي؟.. يا عبيطة الدم اللي كان على (الغطاء) دا شرفك يا بنتي واللي بين انك عفاف وعفيفة وشريفة بحق وحقيقي..
ارتجفت عفاف أكثر فأكثر، وتطلعت الى أمها بوجه حزين، وعيون مبللة بالدموع والشهقات تتعالى مع كل نفس يتسابق مع دقات قلبها وهي تقول لأمها:
- ماما أنا بنت وحشه.. مش كويسه..
- ليه يا حبيبتي، دي سنّة الحياة.. الواحدة منا مالهاش غير جوزها وعيالها..
- لا يا ماما.. انا.. انا كنت نايمه جنبه عريانه من غير هدوم. ماعرفتش كده غير لما نزلت من السرير وشفت نفسي في المرايه..
- حقك عليّ يا بنتي. كان لازم حد يفهمك أصول الحياة والجواز.. لكن أنا كنت مكسوفه أتكلم معاك.. وأهو أديكي دخلتي دنيا وبقيتي ست زيك زي أمك.. قومي يا حبيبتي تحضري معايا الفطار. صدقيني ما انا عارفه إن كان فطار واللا غدا. المهم قومي بقى وبلاش كسل.. الأول رايحه اولع وابور (الجاز) واسخن لك مية علشان تستحمي وهو كمان يستحمه..
- " شهقت ".. يستحمه معايا؟!
- وماله.. ما هو جوزك؟!
- لا.. لا.. لا يا ماما مش ممكن..
- طيب يا حبيبتي.. طيب.. استحمي انتي الاول وبعدين هو..
هكذا كانت الليلة الأولى التي عرف فيها زوجته عفاف.. صحيح انه شعر بتجاوبهامعه اثناءالجماع، إلا انه كان تجاوباً مخموراً.. تتأوه تارة، وتصرخ تارة اخرى صرخات خافته ترسلها بتقطع بلا مقاومة أو شعور أو إحساس كامل.
حين رأت جسدها العاري يتلوى في المرآة لاول مرة.. أحبته.. نعم أحبت جسدها، وحدّقت فيه ملياً بطريقة لم تفهمها. بدت وقتذاك مشدوهة بقوامها، بنهديها، بكل ما وهبها الله من مفاتن. أخذت تتحسّس كل جزء من جسدها، بيد مرتعشة، ورغبة جامحة لاحتضان هذا الجسد الممشوق، والتحليق به من سماء لسماء. لكنها عندما رأت فريد عاريا خلفها، أصيبت بنوع من القرف، لم يعجبها جسده، فأغمضت عينيها، وضاعت في حالة هستيرية حاولت أمها إنقاذها منها.
خرجت من غرفتها، لم تتمكن من المشي بادئ الأمر. استندت على كتف امها، رأت فريد ينظر اليها والشفقة تكسو ملامحه، طأطأت رأسها في خجل ومشت.
عند المساء لم يحضر فريد معه خمراً ولا كباباً. أكل ما قدمته له من طعام. بعدها ذهب الى غرفته لينام، أمسكها من يدها وأخذ يداعبها، عادت اليها قشعريرتها.. احتضنها وقبلّها، أحست بالغثيان، ومع ذلك تمالكت أعصابها وكتمت غيظها، ولم تشعر بأية نشوة وهو جاثم فوق صدرها. وما ان انتهى من غزوها جنسيا، حتى ارتمى على ظهره وراح في نوم عميق.. وبسرعة غريبة.. أما هي فلم تعرف للنوم طعما، لأنها لا تعرف ما هذا الذي يدور بينهما.
قبل سفرهما الى أستراليا، هكذا كانت حياتهما.. كل فرد من افراد العائلة، مهتم بها.. وكل بنت من زميلاتها في المدرسة أو من بنات الحارة، كانت تحسدها على النعمة التي حلّت عليها، آلا وهي نعمة الذهاب الى البلد الغربي المليء بالسيارات والملابس الأفرنجية والمال الوفير.. وهي فرحة معهن وكأن المسافرة فتاة أخرى وليست هي، يتكلمن عنها، فتنصت إليهن وتوافقهن على كل ما يقلن. طفلة بريئة لم تعرف من الحياة غير مساعدة والدتها في شؤون المنزل، والاهتمام بدروسها. لهذا لم تستطع ان تتخيل ما سوف تكون عليه حياتها في أستراليا.. وماذا ستفعل هناك هل ستكمل تعليمها أم ستبقى في البيت لإعداد الطعام لزوجها؟!..
آن أوان السفر.. وها هي الليلة الأخيرة التي ستقضيها مع والديها وإخوتها وأهل الحارة، تجيء بسرعة لم تتوقعها.. بدأ قلبها يرتجف. شعرت بدقاته العنيفة التي أخذت تزداد عنفاً كلما فكرت بالإبتعاد عن اسرتها والاتجاه نحو المجهول. إنه زوجها الذي ستسافر معه. لكن الفترة التي عاشرته فيها لا تتعدى الأسابيع الثلاثة، من هو؟!.. ما عمله؟!.. كيف ستتصرف معه؟!.. هل في أستراليا بنات في سنها يمكنها ان تلعب معهن أو ان تصاحبهن على الأقل؟!.. كل هذا كان يشغل بالها.. ستترك أمها وأباها وأخوتها وترحل. ستحرم من صوت والدها، ساعة ايابه من العمل كي تعد له الطعام. لن تسمع صراخ أمها مع إخوتها عندما تطلب منهم شيئاً. البيت كله يتحرك كخلية نحل، وهي المحرك الأول فيه.. ما الذي يحدث؟! لماذا تزوجت؟!.. ما هو الزواج؟!.. أهو النوم، في سرير واحد، مع رجل غريب؟!.. وهل موافقة والدها على زواجها منه كافية لإعطائه حق مضاجعتها؟!.. وبدون هذه الموافقة، هل كان بإمكانها مضاجعته أو مضاجعة أي رجل آخر؟!..
لياليها مليئة بالخوف والرهبة، مع العلم أنها في بداية الزواج!! كانت تنهض باكية مرتعشة تتوسل الى النوم فوق الكنبة (الإسلامبولي).. المكان الذي وعت فيه الدنيا. بعد زواجها طلبت من والدها ان يضعها في الغرفة التي تنام فيها، مؤقتا، مع فريد.. والآن يطلب منها النوم في حضن رجل غريب. لماذا يا ابي توافق على هذا؟!!..
- انها سنة الحياة يا ابنتي. كل رجل وامرأة عليهما ان يتركا والديهما ويعيشا مع بعضهما مستقلين. وعندما ينجبان أطفال يزداد التقارب والتفاهم بينهما مع مرور الأيام.
- لكن يا أبي.. كل من يتزوج يعيش قريباً من أهله، يشعر بالامان ويستطيع رؤيتهم ساعة يشاء. أما انا يا أبي فمشواري طويل، لقد درست في مادة الجغرافيا ان قارة أستراليا تعتبر آخر القارات جنوب الكرة الأرضية. معنى هذا ان المسافة بيننا ستصبح بعيدة وبعيدة جداً يا أبي.. وانت مريض، فكيف لي أن أسمع صوتك أو ان أراك؟.. حرام هذا يا أبي.. ارحمني وارحم نفسك من هذا العذاب.
- انه المكتوب يا ابنتي، وعلينا السير في الطريق المكتوب.. علينا ان نقطعه حتى النهاية التي حددّها الله لنا منذ جئنا الى الحياة.
حوارها مع والدها كان حلماً يقظاً. أفاقت منه عندما جاءتها احدى المودعات وأخذتها بالاحضان وهي تدعو لها بالسعادة والهناء ، ومين زيك رايحة استراليا.. يا بختك.
بعد ذلك خلا المكان من الأصدقاء ولم تر لزوجها صديقاً واحداً جاء لوداعه، باستثناء بعض أقاربه الذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد.
الساعة السادسة تماما ستقلع الطائرة. ها هي الساعة قد أعلنت قدوم منتصف الليل، ولم يبق سوى ساعات قليلة لا تعتقد أن حداً سينامها، بمن فيهم والدها المريض، الذي ومنذ وصوله من عمله، وهو يتحرك ويساعد بإعداد الحقائب واستقبال الناس وإرتشاف القهوة والشاي معهم. لكنه كان دائما يتجنّب ان تتلاقى عيناه بعينيها. كلما فكّر بالأمر يحزن ويكتئب ويشعر بتمزق في قلبه. ابنته البكر التي أحبها حبا يفوق الوصف، والتي كانت أول طفل يلاعبه ويناغيه، كانت عندما تسمع صوت الباب يفتح تشرئب برأسها متطلعة الى مكان مجيئه، مبتسمة وهي لا تكمل عامها الأول، فيحملها ويرفعها الى أعلى ثم يهبط بها ليرفعها مرة اخرى، ويضعها على السرير، ويدفن وجهه في جسدها الناعم ويطلق صوتا من فمه يجعلهاتضحك وتقهقه بصوت عالٍ.
طوال حياتها، وهي تقوم بدور الإبنة والأخت له. إنه وحيد والديه، فوجد في عفاف الأخت الصغرى التي ستترعرع وتكبر بين يديه ، العلاقة بينهما وطيدة جداً.. يفهمها وتفهمه بنظرة عين. تعرف ما إذا كانت قد أغضبته.. وماذا يريد. لم يضربها مرة واحدة. دللّها دون أن يفسدها. لم تكن لديها مطالب خاصة.. وإن ارادت شيئا تطلبه منه في حياء وهي تردد:
- مش مهم يا بابا.. اذا كنت مش قادر تجيبه.
تطلعت به مرة ثانية وثالثة ورابعة، فكان يشيح بنظره عنها ولسان حاله يقول:
- والآن يا ابنتي الحبيبة اودعك.. ونحن على قيد الحياة.. حلمي كان ان تكملي دراستك الثانوية والجامعية، وأن تجدي عملاً يليق بك، تكتسبين منه رزقك الى ان تختاري ابن الحلال. لكن الأقدار تخبئ لنا ما لا نعرف او نتوقع. ها هو المرض يزحف إليّ، وأنا أمارس عملين مختلفين من أجل توفير لقمة العيش النظيفة. أحاول جاهداً ادخار مصاريف دراستك ودراسة إخوتك. وأمك تبذل المستحيل من أجل تدبير شؤون هذا البيت.
غدا صباحاً، ستحلقين يا عفاف في سماء بلدك الحبيبة مصر.. ستكونين مثل كبار الناس الذين يسافرون بالطائرة. لم تسافري ولا مرة في حياتك. كنت أتمنى أن تسافري الى بيت جدك في الصعيد وأن تركبي الدرجة الثالثة في القطار، وترين بعينك وتحسين بنفسك كم هو شاق السفر. اما الآن يا حبيبتي، فقد جنبّك الله كل هذه المتاعب والمشقات، لأن لا أحد يقف بالطائرة كما بالقطار. فلكل راكب مقعده الخاص به. وبالطائرة مضيفات جميلات مثلك، يقمن بخدمتك والسهر على راحتك، فهنيئاً لك.
حبيبتي.. لا تنسينا بعد وصولك لأستراليا، تذكرينا وابذلي جهدك لمساعدة أهلك والعمل على سفرهم الى جنتك العتيدة.. آه يا ربي.. لماذا نعيش هذه الأيام.. أيام الفرقة والعذاب.. كنا نعيش قانعين بقسمتك، بعطفك، بحبك لنا. أما الآن فالجوع يزحف الى بطون الكبار والصغار.. فلا العمل الوظيفي يكفي لمواجهة مطالب الحياة، ولا الارض تحتوي مكاناً نقدر ان نسير عليه بأمان. الناس يعيشون فوق بعضهم البعض بطريقة عجيبة غريبة، واليأس هو المهيمن الأول والأخير على عقولنا وأفكارنا وتصرفاتنا. لم نعد نميز بين الصالح والطالح. بعتك يا ابنتي بأبخث ثمن، ولم آكن أطمع في مهر يقدم إليّ. بل كنت أطمع في حياة أفضل أقدمها اليك.. أين ستكون هذه الحياة.. ليس مهما.. المهم أن تنالي حقك المحرومة منه.. أن تعيشي العيشة التي لم أستطع توفيرها لك.
لا تغضبي مني يا وحيدتي.. يا صديقتي ويا ابنتي.. فأنا لا أعرف اذا كان قبولي بهذا الرجل زوجا لك، عملاً صحيحاً يرضي الله أم يغضبه؟!.. كل ما أتمناه هو ان تحافظي على نفسك في بلاد الغربة.
إغرورقت عيناه بالدموع.. لم يستطع الاستمرار في تلك الحلقة الخيالية مع ابنته. أخرج منديله وأخذ يمسح دموعه. تركت عفاف الجميع، زوجها، رفيقاتها، امها واخوتها وركضت نحو والدها لتجفف دموعه بمنديلها، ركعت على ركبتيها. ساد المكان صمت رهيب. الأب يبكي والبنت تبكي، والأم مسمّره في مكانها لا تستطيع الحركة، وفريد منبهر في مكانه، لا يصدق ما يرى.. فجأة هرول اخوتها الصبيان إليهما وأرتموا عليهما وهم يبكون ويصرخون ويبددون صمت المكان.
لم يستطع الأب الذهاب مع ابنته الى المطار لتوديعها هناك، فبقيت والدتها معه، وتطوّع احد الجيران بأخذ اشقائها الى المطار لتوديعها.
خرجت المسكينة من دار ابيها الى المجهول والدموع تنهمر من عينيها بغزارة، وصمت أخرس يلجم فمها، ويشل تفكيرها، وكانها بقرة مساقة الى الذبح، لا تستطيع الإعتراض او التوقف عن الحركة.
هل حدّق الناس في عيون الماشية وهي مساقة الى سكين الجزار؟!
هل تأكد الناس من ان الماشية لا تبكي وهي تسير الى الموت؟ وهل تملك الماشية حرية الاعتراض والرفض؟
(يتبع)
الأحد، مارس 07، 2010
الضياع 2-7
أنطوني ولسن
أستراليا
تحذير: هذه القصة للكبار فقط
زميلاتها اللواتي جئن ليباركن لها، كان حديثهن يدور بمجمله حول أستراليا، وان شدّت (البنت) ثريا، وتجرأت وسألتها عن الحب وما رأيها فيه؟ ويبدو ان شكلها، عندما طرحت عليها السؤال، كان جوابا بحدِّ ذاته، لذلك قالت لها ثريا:
- باين عليك هبلة وعبيطة. انا مش عارفه الهبل بيتجوزوا بسرعة.. واحنا اللي فاهمين يا عيني علينا، بختنا مايل، خلينا ياختي في الست اللي اسمها أستراليا، اللي انت رايحة عليها.
أخذت كل زميلة تدلي بدلوها عن أستراليا، واحدة تقول.. انها بلد اوروبي..واحدة تدعي انها بلد مرمي في آخر الدنيا.. وأخرى تجزم على ان فيها الجماعة السود اللي بياكلوا البني ادمين. وكن يضحكن وهي معهن تضرب اخماساً باسداس حول أستراليا والحياة هناك.
اليوم هو اليوم الرابع بعد الزواج. لقد خرج فيه فريد مبكراً على غير عادته، دون إيقاظ زوجته عفاف، التي ظلت " مقرفصة " فوق الكنبة وهي نائمة بوضع غير مريح، ركب الاتوبيس، وتوجه الى حي الدراسة ثم الى الباطنية. اشترى قطعة (حشيش معتبرة)، وكأن السنين التي قضاها في أستراليا لم تغير من تصرفاته، كما انه لم ينس كيف يشتري الممنوع.
مشى من الباطنية حتى الازبكية وهو يحلم بالليلة المرتقبة. ليلة حصوله على حقه كزوج واستمتاعه بالصبية عفاف. هناك في حي الازبكية سار في ممر تجاري يضيق قبل نهايته ويصب في شارع رئيسي. عرج فريد داخل مدخل لا تعرف اذا كان يؤدي الى محل تجاري أم الى حارة، لكنك تجد نفسك امام (مقهى بلدي) يجلس فيها اولاد البلد، يلعبون الورق ويدخنّون (الجوزة) لأنها على الأقل (نظيفة).. كما يجلس فيها بعض الأفندية المحترمين.
طلب فريد شاي الخمسينة التقيل، وطلب ايضاً (الجوزة) وغمز (للواد القهوجي) بعينه، وناوله حتة من الحشيش اللي اشتراه ومعها (جوز جنيهات) وهو يقول له:
- يللا يا مَعلمة.. ولع لنا حجرين حلوين زيك وخلينا نفطر بالشاي الخمسينة اللي على مزاجك.
تطلع القهوجي (بجوز الجنيهات وحتة الحشيش) وقال له:
- تكرّم يا ذوق، يا أبو الجدعنه..
وأدار ظهره متجها الى الداخل وهو يصيح:
- عندك واحد شاي في الخمسينة و(جوزه بِلي) دهب وحجر مولع بنار الغيره.. وأنا جاي..
اختفى القهوجي داخل المقهى، وبعد برهة عاد ثانية واتجه نحو فريد وقال له:
- بقول ايه يا ذوق.. لا مؤاخذه ما تتفَضل جوه علشان لا مؤاخذه يعني تاخد راحتك..
- وما له يا معلمه..
نهض فريد من مجلسه، وسار مع القهوجي، الذي اشار اليه بالجلوس على طاولة خاصة، وقال له:
-لا مؤاخذة يعني يا سيدنا لافندي، احنا ما شفناكش هنا قبل كده..
- أصلي أنا كنت مسافر، وجيت ووحشتي المكان..
- لا مؤاخذه كده، وهو حضرتك كنت بتيجي هنا!
- جرى ايه يا وللا.. أمال فين المعلم عبد الكريم الشبكشي، صاحب القهوة؟
- ما فيش حد هنا اسمه المعلم عبد الكريم. صاحب القهوة اسمه المعلم أبو سنه.. احسن ما تكون لا مؤاخذه مباحث، ولا من رجال الأمن..
أطلق فريد لضحكته العنان والقهوجي ينظر اليه في بله، ولا يعرف ماذا يقول له.. ، .. بعد لحظات هدأت ضحكة فريد، فنظر الى القهوجي وقال له:
- اسمع يا ابني.. أنا جاي هنا عشان مزاجي، بقالي اكتر من خمس سنين ما جتش هنا.. هاجرت لستراليا وأحب أعيش شويه في الماضي.. عندك مانع.
- لا أبداً.. وفين لا مؤاخذه أستراليا دي.. عند الخليج؟..وفيها بترول برضه؟
- خليج ايه وبترول ايه.. روح ياواللا هات الشاي والجوزه وبلاش عَكنَنه.
- لا.. اصلي اول مرة اسمع الاسم دا.. وحضرتك بتشتغل ايه هناك؟
- انا بوص في شركة كبيره..
- بوص.. يعني ايه بوص دي.. وظيفة مهمة؟!
- طبعاً.. يعني ريس..
- يعني زي الريس بتاعنا!
- يا واد ما توديناش في داهيه.. بوص يعني ريس على العمال..
- وبوص دي كلمة عربية؟
- لا.. انجليزي؟
- هو انتو ما بتتكلموش عربي هناك؟
- لا.. دي بلد انجليزي
- ودا سمه كلام.. دي الأرض بتتكلم عربي.. والارض بتاعة ربُنا ولازم تتكلم عربي.
- لا يا سيدي.. دي بلد افرنجي.. بتاعة خواجات. بس على فكرة فيها ناس من كل بلاد العالم. فيها عرب وامريكان وانجليز وفرنسويين.. الله جرى ايه يا واللا.. عايز ايه؟.. ما تفزّ تجيب الطلب.. واللا دا تحقيق بقى؟!
- لا يا بيه.. بس كلامك حلو وشدّني.. أنا من الاول كنت خايف زي ما انت راسي. لكن فر يره رايح اجيب الطلبات.. وأيوه جاي..
أحاديث كثيرة وطويلة دارت بين القهوجي وفريد ، وان كانت متقطعة لاضطرار القهوجي على مواصلة طلبات الزبائن، والظاهر ان فريد وجد فيه الانسان الذي يستطيع قضاء الوقت معه دون ملل.. وهو.. فريد.. ليست عنده نية العودة الى المنزل قبل الثامنة أو التاسعة مساء ليجد الجميع نياما.. فتناول طعام الغداء في المقهى، وكما اشار عليه القهوجي كان الغدا سمك وجنبرى ليستعد للدخلة.
- كل بالهنا والشفا.. آه.. انت داخل على معركة ومحتاج تتغذَى، لا مؤاخذه، دي دخلتك تعتبر الليلة يا سبع..
ضحك فريد بانسجام، وتناول طعامه بالهناء والشفاء، كما يقولون. استمر يدخن (الجوزه) ويشرب شاي الخمسينة، حتى قاربت الساعة السابعة مساء. عندئذ نهض وودع القهوجي واعدا اياه برؤيته مرة اخرى، قبل سفره، لاخذ بياناته، ليرسل له ضمانا بالسفر الى أستراليا. بعدها توجه الى محل (الحاتي للكباب) وأمر باعداد عشاء كبير من «الكباب والكفته والسلاطات» والذي منه.. ثم توجه الىمحل الخواجه (بنايوتي) وطلب كاسا من الخمر، تجرعها دفعة واحدة ولم ينس اصطحاب زجاجة من الخمر الغالي معه. وكانت عقارب الساعة قد بدأت تعانق العاشرة والنصف ليلا.
على الرغم من القلق الذي ساد المنزل، طوال اليوم. إلا انه لم يجد احدا مستيقظاً عندما فتح الباب ودخل الغرفة.. الأب، كما نعرف علاجه الوحيد الراحة والنوم، والأم، من كثرة عناء العمل في المنزل، ما ان تضع رأسها فوق الوسادة حتى تستغرق في نوم عميق والأولاد ينامون كالعادة باكراً.. ما عدا عفاف، فقد كانت جالسة القرفصاء فوق الكنبة (الاسلامبولي) واضعة يديها فوق ركبتها ورأسها محنيا بين يديها. وما ان رأت فريد داخلا، حتى رفعت رأسها الصغير، ونظرت اليه بعينين مشحونتين بعتاب أخرس، وتساؤل صامت عن سبب غيابه.
فاجأها بما يحمل.. أحضر الطاولة المستديرة الموجودة في الغرفة، ووضعها امامها والطعام فوقها، وبطريقة شيطانية أخذ ينظر اليها مبتسماً، وهو يخلع ملابسه قطعة قطعة، الى ان أصبح عاريا كما ولدته امه. وفي حركة تمثيلية، عندما رأها قد أغمضت عينيها، ووضعت يديها فوقهما حتى لا ترى ما رأت، قفز الى خزانة الملابس، وأخرج جلباباً أبيضاً لبسه دون ان يرتدي ثيابه الداخلية.
كبهلوان مدرب، فتح لفافة الأكل، بعد أن أمسك بيديها ورفعهما عن عينيها، لكي ترى ما احضره الليلة من عشاء فاخر.
لم يطلب منها النهوض من مكانها، ولا ان تعد له شيئاً ابدا، بل أخذ لنفسه مكاناً الى جوارها فوق الكنبة، وقرّب اللفافة الى أنفها وهو يردّد.. ليلتنا فُل يا فُل. ثم أمسك بزجاجة الخمر وتمتم بينه وبين نفسه.. الليلة خمر.. والليلة ايضا أمر..
عندما فتحت فمها لتستفسر عما قاله وعن الزجاجة. مدّ يده في حنان مبالغ فيه، ومرّرها على شعرها، وهو يتطلع اليها ويقول:
- أبدا يا حبيبتي.. انا لاحظت ان لونك أصفر وضعيفة، قلت لا زم تتغذّي، علشان كده جبت معايا مع العشا قزازة الكينا الحديدية تفتح نفسك للأكل وتخليكي زي الحديد.
صب قليلاً من الخمر في كوب قرّبه الى أنفها، فنفرت من رائحته. إلا انه لف ذراعه حول خصرها وجذبها اليه وقال:
- لا تخافي يا أجمل واحدة في الدنيا دي كلها.. أنا حاشرب الأول.
تجرّع ما في الكوب جرعة واحدة، وصب مرة أخرى، بعضاً من الخمر في نفس الكوب الذي بيده، واليد الأخرى ما زالت حول خصرها.
تأففت عفاف عندما ذاقت اولى قطرات الكاس، شعرت وكأن شيئاً يكوي فمها وحلقها، مما جعلها (تتشردق) حتى أغرورقت عيناها بالدموع. ظل فريد ممسكا الكاس.. قرّبها من فمها مرة ثانية، رغم الحالة التي آلمت بها ويده الثانية تقدم لها قطعة من اللحم المشوي، وهو يهمس في أذنها:
- ما تخافيش، المشروب ده طعمه لاذع حبتين، خدي حتة الكباب، وهي رايحه تضيع الحرقان، وتخليكي مبسوطه.
وضع قطعة اللحم في فمها، فشعرت بتغير تجاه فريد.. صورة الرجل (الحمش) الذي تخاف منه المرأة، بدأت تحل محلها صورة الرجل الطيب، الذي ترتاح اليه المرأة. لم يعطِها فرصة لمضغ قطعة اللحم بل ناولها رشفة من الخمر، لم تكن لها نفس القوة، ولم تترك اي تأثيرعلى فمها وحلقها، كالمرة السابقة، وبدأت تستسيغ طعم الخمر الممزوج بطعم اللحم المشوي، الذي يلقمها اياه رجل تزوجته منذ اربعة أيام، لم يحاول، قبل ذلك، معاملتها بمثل هذه الرقة وهذه النعومة.
شربت واكلت، وحاول الاقتراب من فمها بغية تقبيلها، لكنها نفرت منه، وابعدته عنها، رغم الخمرة التي بدأت تلعب بها، وتخدر حواسها، وتجعلها تترنح قليلاً. حدّث فريد نفسه قائلاً:
- لا ما بدهاش.. فاضل ع الحلو دأه..
أخرج السيجارة الملفوفة، وبدأ يشمها وكأنه يتمتع برائحة نوع غال جداً من العطور.. قرب السيجارة من انفها وتمتم:
-شمي وشمي.. ايه الريحة العطرة دي.. ايه رأيك يا عفعوفتي.. دا صنف آخر مزاج.. صاروخ حياخذنا ونطير هناك (مشيراً الى سرير النوم).
أعجبتها كلمة (عفعوفتي) وحكاية السيجارة الصاروخ التي ستأخذهما كطائرين الى السرير، فهمست وكأنها تحلم:
- وبعدين يا فرفورتي؟..
ما أن نطقت بهذه العبارة حتى نسي فريد نفسه، ووقف مهللاً مصفقاً..
- ايه دا ايه دا.. حلوه دي (فرفورتي)، قوليها كمان، قولي يا اختي قولي..
أشعل السيجارة، وصب كأسين من الخمر، ناولها كاسها، فأمسكت به، وفمها يستقبل قطعة لحم من يده الأخرى، ثم رفع كأسه عالياً ففعلت مثله..
- في صحة عفعوفتي..
- في صحة فرفورتي...
- أهو كده انحلت العقدة.. اشربي يا اختي اشربي.. حلاوتك يا واد يا جميل..
- هُس، أحسن اللي في البيت يسمعونا..
قرّب السيجارة من فمها وقال:
- خدي نفس خفيف الاول، تمام كده، ما تخافيش، خدي نفس أطول شويه وابلعي الدخان وطلعيه من مناخيرك.. زي كده.. عظمة على عظمة يا ست الستات.. امال داحنا جدعان وبنعرف نسكر ونحشش وآخر جدعنه.
- بتقول ايه يا فرفورتي.. احنا بنسكر ونحشش؟!
- لا يا حبيبتي.. احنا بناخد دوا علشان يفتح الشهية، ويدينا القوة علشان نقدر على اللي رايحين نعمله..
- حا نعمل ايه يا فرفو...
لم تكمل الكلمة، ولم يتوقف عن دفعها للتدخين والشرب والأكل في نفس الوقت. أحس انها قد نضجت وحان وقت قطافها.
قامت من فوق الكنبة «الاسلامبولي» وهو يمسك بيدها ويرقص بقدميه.. ترنحت قليلاً وكادت ان تقع.. احاط خصرها بيده.. حضنها بقوة.. قرّب فمه من فمها.. ازاحته في خفر ودلال.. سقط الغطاء عن رأسها.. انساب شعرها الفحمي الاسود وكأنه خيوط من حرير. صمت ولم يتكلم. أخذ الكأس من يدها. وضعه على الطاولة. سحب نفساً طويلاً من السيجارة.. نفخه في وجهها.. إنتشت من رائحة دخانه.. اعاد الكرّه مرة ثانية.. أنتشت أكثر فأكثر. بدأ بمداعبة جسدها بيده اليمني، بينما اليسرى تحاول الامساك بها خوفا من الوقوع على الأرض.
حملها الى الفراش.. أغرز بها ناظريه بولع وشهوة.. تعرّى من ورقة التين.. تلوّت أمامه.. بهره عُريها. بدأ يراجع في مخيلته ما كان يشاهد من أفلام جنسية، والطرق المبتذلة التي كان يمارسها ممثلو تلك الافلام المشينة. نسي او تناسى، ان التي أمامه هي زوجته، وليست بائعة لذة، وان الذي في الافلام مجرد تمثيل رخيص جداً.
مع كل لمسة من يده، وقبلة من فمه، كانت عفاف تتأوه وتتلوّى وتصرخ، وفريد يعوّض من جسدها العاري حرمان الايام الأربعة التي أتلفت أعصابه. لكنها بالرغم من دغدغة حواسها ولذة الشعور الجنسي، لم تكن واعية او مدركة لما كان يفعل فريد.
أطل صباح اليوم التالي، او بالأحرى، ظهيرة اليوم الثاني.
استيقظت عفاف ثقيلة الرأس، كأن مجموعة من الشواكيش تدق كل خلية في رأسها. نزلت عن السرير، فوجئت في المرآة التي أمامها بأمرأة عارية تقف امامها. فزعت وضعت يداها على عينيها. لكن آثار الحشيش ما زالت تتلاعب بها في المرآة.. حدّثت نفسها.. لا، هذه امرأة اخرى.. هذه ليست عفاف.. مرة أخرى حدثت نفسها غير مصدقة.. بدأت تتمايل ذات اليمين وذات اليسار وتتأكد من ان هذه المرأة العارية التي امامها.. هي.. هي بلحمها وشحمها عفاف.
أعجبها جسدها.. استدارت واعطت ظهرها للمرآة.. تأملت جسدها من الخلف.. أهدت قوامها الممشوق ابتسامة. لم تكن تعرف انها تمتلك مثل هذا القوام الانثوي الجميل.
تقلب فريد وتململ في نومته، مدَّ يده ليحضنها فلم يجدها، وبعينين ناعستين لمحها واقفة عارية امام المرآة تستعرض جسدها. ضحك ونزل عن السرير ببطء، وقبل ان يتمكن من احتضانها، رأته في المرآة عاريا مثلها. شهقت وصرخت وكاد ان يغشى عليها. امسك بها قبل ان تقع على الأرض.. لامس جسده جسدها.. شعرت بقشعريرة وقرف. ازاحته عنها.. هالها منظر الدم الموجود على غطاء السرير.. صرخت وألقته أرضا وهي ترتجف.. في سرعة متناهية ألبسها فريد جلبابها، وارتدى هو جلبابه ايضاً، خوفا من دخول امهاعليهما وهما في هذا الوضع العاري جداً.
(يتبع)
الجمعة، فبراير 26، 2010
قصـــة : الضـــــــيـــــــاع-1
أنطوني ولسن
أستراليا
زغرودة المرأة التي تطلقها في ليلة الزفاف، تعلن بها الفرحة عالية مدوية، حتى يعرف الحاضرون والقريبون من مكان الاحتفال، ان الليلة ليلة فرح وهناء.. لهذا تتبارى كل امرأة من الحاضرات القادرات على اطلاق الزغاريد في إعلاء صوت زغرودتها على الآخريات.
في تلك الليلة بالذات.. ليلة زفاف عفاف، تحولت اصوات تلك الزغاريد الى اصوات مدافع رشاشة، تطلق الرصاص عليها لتقتلها. فكل زغرودة تنطلق، كانت الطلقات تخرج منها في اتجاه واحد لتقضي على عفاف.. طلقت تصيب رأسها فتترنح، وطلقة تصيب قلبها فيتوقف عن النبض، واخرى تصيب ساقيها، فلا تقدر على الوقوف. انها ليلة زفافها الى رجل، حاولت المستيحل، ان تهرب منها، ولكنها مثل الذبيحة المقدسة التي تقدم على مذبح التضحية لتفدي غيرها وتموت هي. . تموت هي لتعود الحياة الى والدها.
عندما تقدم لها ذلك الرجل الذي يكبرها بحوالى خمسة عشر عاماً لم تشعر بارتياح عند رؤيته لأول مرة وهي تقدم له فنجان القهوة، نظرته اليها ناعسة خبيثة.
ارتجفت جفناها عندما اصطدمت عيناه بعينيه، بعد ان قدمت القهوة، أدارت ظهرها وهمت بالخروج من الغرفة. لكن والدها طلب منها الانتظار والجلوس.
منذ ذلك اليوم، والاحداث تجري بسرعة، لان العريس يريد الزواج قبل ان تنتهي فترة إجازته التي جاء ليقضيها بين أهله واصدقائه، وفي الوقت نفسه، الزواج.. اذا وفقه الله من بنت حلال، ليعود الى استراليا بعروس جميلة يفوق جمالها أجمل الجميلات هناك.
تحدد موعد الزفاف. لم تره بعد تلك الليلة سوى مرات قليلة، خارجا فيها مع أفراد العائلة لشراء الشبكة وحاجات الفرح. الحديث بينهما قليل.. لا تعرف ماذا تقول، وهو يحاول ان يظهر بمظهر الرجل العاقل الرصين القليل الكلام، عله بهذه الهالة يضفي على نفسه صفة الحكمة والتعقل والترفع عن مستوى البشر العاديين كثيري الكلام في أي موضوع. وعلى الرغم من ذلك فقد لاحظت انه لم يعط فرصة لاحد في اختيار اي شيء بل كان هو الذي يختار، مما أدهش العروس، وجعلها تشعر ببخله، لكنها لم تفتح فمها.. وإلا..!!
قبل الزفاف باسبوع انتهزت فرصة وجود والدها بمفرده.. فتضرعت اليه وسألته ان لا يتعجل بالزفاف. فهي لا تعرف العريس، وتريد ان تستمر في دراستها. لكن لسوء حظها لم تدر في ذلك اليوم ان والدها شعر بوعكة صحية منعته من الذهاب الى العمل. لذلك، واثناء حديثها معه إزداد نبض قلبه، وارتفع ضغطه واحمرت عيناه، وانحشر لسانه في فمه ولم ينبس بكلمة واحدة مما جعلها تجري الى والدتها التي ما ان رأته على تلك الحالة، حتى أخذت تولول وتصرخ صرخات حادة عالية، دفعت باحد الجيران الى الاسراع اليها وطلب الاسعاف.
نجا والدها من تلك النوبة القلبية بأعجوبة، لامت نفسها واعتقدت انها المسبب لتلك النوبة القلبية التي كادت تودي بحياة والدها، عندما كشفت مكنونات فؤادها، لذلك اثرت الصمت، وانساقت الى المذبح قرباناً طاهراً ، هدفها الاول والأخير نجاة والدها من الموت.
لم يعرفها زوجها لمدة ثلاثة ايام بلياليها. أخبرته في الليلة الاولى انها مجهدة وتريد ان تستريح، وفي الليلة الثانية حاولت المستحيل ان تتجاوب معه، لكنها فشلت وانتابها فزع شديد جعله يخاف منها ويبتعد عنها. وفي الليلة الثالثة حاول ان يقترب منها، لكنها في كل مرة تلامس يده بشرتها، تشعر بقشعريرة غريبة تسري في عروقها. قشعريرة لم تعرفها من قبل. حاول إحتضانها وهي نائمة، فزعت منه ونهضت مرتجفة، وجلست القرفصاء وهي تنظر اليه وكأنها تستعطفه وترجوه ان يتركها وشأنها. ومع تضرعها إستشاط غضبا وصفعها على وجهها متهما اياها بأنها قد اقترفت الفحشاء، وانها فقدت عذريتها. لهذا لا تريده ان يلمسها ولا ان يقترب منها.
بكت وأقسمت له أنها عذراء لم يلمسها رجل من قبل. ولكنها خائفة، ولا تعرف مما تخاف، هذا شعورها، وليس باستطاعتها أن تجد تحليلاً واحداً لهذا الخوف الذي يعتريها كلما اقترب منها.
شعر بصدق حديثها من الدمع المنهمر بغزارة من عينيها، ولكنه رجل ويريد حقوقه كاملة وهي زوجته وله حق الزوج عليها في كل شيء.
خرج تلك الليلة ولم يعد الا مع شروق شمس صباح اليوم التالي. قضى ليلته مع رفاقه القدامى، يشرب الخرم ويدخن (الجوزة) التي تشبه النرجيلة تماما ولم يكن التدخين خاليا من (الحشيش). شرب ودخن حتى ينسى انه جاء ليتزوج، وليقضي وقتاً سعيداً قبل رجوعه الى أستراليا، الى عمله الشاق.
كان يتمنى ان يعوضه هذا الزواج عن ايام الوحدة والضياع التي قضاها في النوادي الليلية وأماكن الدعارة والميسر. في تلك الليلة ، لاحظ صديق قديم إفراطه الشديد في الشرب والتدخين، وان صمتا مضجرا يلف عينيه بمسحة من الحزن. سأله ما به؟ فلم يبح له باحزانه كي لا يسخر والشلة منه. فهو كبير بالسن نسبة لعروسه الشابة الجميلة، والتي يعرف اهل الحارة مدى استقامتها على الرغم من تهافت الكثير من شبان الحي عليها. وانها والحق يقال لم تشجع احدهم ولو لمرة واحدة على الاسترسال في معاكستها. لم يلح الصديق في طلبه. بل تركه للخمرة كي تحل عقدة لسانه. والحشيش كي يعمل على اخراج احزانه.
وما هي الا لحظات حتى لعبت الخمرة برأسه، وادمع الدخان عينيه، فأخذ صاحبه الى ركن قصي في الغرفة، بعيدا عن الشلة، حتى لا يسمعهما احد.. وأخذ يقص عليه مراجله في استراليا.. كيف النساء يرتمين عند قدميه.. نسوان خواجات من أحلى النسوان اللي في الدنيا. مقارنا بينهن وبين هذه التلميذة التي لا تطيق لمسة يده.
صمت الصديق محمود فترة ليست بالقصيرة، مما اثار غضب فريد. لكنه وقف واشار اليه ان يبقى في مكانه ريثما يعود. فتوجه الى حيث كانا يجلسان من قبل، وعاد وفي يده زجاجة الخمر وبدأ يمثل امامه دور السكران ويقول:
- اسمع يا فريد.. يا صاحبي.. بصّ وشوف ايه اللي في ايدي.. خمرة.. والشاعر قال عن الخمرة انها علاج.. وداويها بالتي هي الداء. يعني يا سي فريد.. الخمرة هي الدواء لداء مراتك.
- يعني أسكرها!
- عندك حل تاني؟
- لا.. لكن إزاي ودّي بنت باين عليها غلبانه، ومش بتاعة كده؟
هنا، عاد محمود الى حديثه الطبيعي:
- هي من ناحية غلبانه، هي فعلاً بنت متربية وبنت ناس. ولكن يا صديقي لكل داء دواء. حتى تستطيع ان تحصل على حقوقك الزوجية. لا تستعمل معها العنف او التهديد. بل استعمل الحكمة والهدوء.
- ازاي يا طبيب العيله؟
- بسيطة يا مريض العيلة. يا بتاع أستراليا ونسوان أستراليا.. يا مفتّح. الواحدة من دول تتربى مرتين، مرة تربية أبوها، والثانية تربية جوزها. وانت راجل تحب الفرفشة والنعنشة والذي منه. يبقى خلاص المشكلة إنحلت.
- برضه مش فاهم؟!
- يظهر ان الطاسة بتاعتك ما تعمرتش كويس. تعالى ناخد لنا نفسين حشيش يعمرو الطاسة مظبوط.
- فهّمني الأول وبعدين نعمّر الطاسة.
- شوف بقى يا سيدي ، البنت خايفة منك. ما فيش حد فهمها عن الحياة الزوجية، لا مؤاخذة يبقى نحل عقدتها ازاي؟! إسمعني بقى وركز معايا. النهار قرب يطلع. طبعا حا تروح تنام. بالليل بقى يا ناصح، تخرج وما ترجعش إلا لما كل اللي في البيت يكونوا ناموا. وانت راجع خد معاك قزازة خمرة معتبره. ويا ريت تكون قزازة ويسكي من اللي بتشربوه في استراليا. وخد معاك اتنين كيلو كباب وكفته مع شوية حلويات كده لزوم الشيء. طمنها وفهمها انك عايز تقعد قعدة كده لا مؤاخذة رومانتيكي. إحنا ولاد بلد آه. لكن نفهم في القعدات حتسألك عن القزازة. قل لها دي مشروب مقوي ويفتح الشهية.. عال..
- عال يا سيدي.. وبعدين؟!
- ولا قبلين، مجرد ما تشرب كاس والتاني حتكون في خبر تاني والحدق يفهم.
- بس كده.
- لا.. ويا ريت تاخد معاك صاروخين.. تلاتة من الحشيش الاكسترا.
- اعلمها التدخين؟!
- وفيها ايه.. يعني ما انت راجع أستراليا وكل النسوان بتدخن هناك وأخر ألصطا ومنجهه.
- يخرب بيتك يا محمود يا ابن الجنيه..
- ليه تخرب بيتي بس.. احنا عايزين نخدم.
- لا مش قصدي.. اصلي ما كنتش مصدّق انه ممكن يكون الحل بالشكل ده؟!
- على العموم المسامح كريم.. وكله بثوابه.
أعجبته فكرة محمود، لذلك لم يبق طويلا مع الشله، بل شد رحاله وعاد الى المنزل. دخل غرفته فوجد المسكينة جالسة القرفصاء واضعة رأسها على ركبتيها، ويداها تحيطان ذلك الراس الصغير فوق الكنبة «الاسلامبولي»، ويبدو انها كانت غارقة في نعاس عميق، فلم تشعر به.
نظر اليها وكاد ان يوقظها، ويحاول معها مرة اخرى. لكنه عاد واحجم عن تنفيذ ذلك الخاطر الذي لم يوصله خلال الايام الثلاثة الماضية الى شيء. توجه الى السرير لينام وهو يقول بصوت مسموع. . حاضر ان ما وريتك وخليتك تدوبي في دباديبي وتترجيني واتقل عليكي.. ما كنش فريد.
يبدو ان الكلام أعجبه فأخذ يردده:
- الله.. دي تنفع أغنية.. إن ما وريتك وخليتك تدوبي في دباديبي وتترجيني واتقل عليكي.. يا حلوة يا صغيرة.. آه أخليكي تدوبي في دباديبي.. تململت عفاف في جلستها. ويبدو ان صوت زوجها فريد أيقظها من نوعها، فرفعت رأسها الصغير وقالت له:
- إنت جيت يا استاذ فريد؟..
لم يجبها فريد.. فقد راح في ثبات عميق.
عادت عفاف الى مكانها فوق الكنبة «الاسلامبولي».. واخذت تفكر في الحالة التي آلت اليها. لماذا يخرج ولا يعود إلا في ساعة متأخرة من الليل؟! يأتي مخمورا، لا يستطيع الحديث او الحركة. يلقي بجسده على السرير دون تململ، حتى ظهيرة اليوم الثاني، او بالأحرى نفس اليوم.
لا تستطيع مفاتحة والديها بالموضوع، فالذبحة القلبية التي آلمت بوالدها قد اثرت على حياتها تأثيراً كبيراً. يذهب الى العمل ويعود منه منهكا تعبأ يتناول طعام الغداء ويدخل غرفة نومه، ولا يستيقظ من النوم إلا وقت العشاء. اما والدتها فقد سألتها عن حالها، بعد اليوم الأول من الزواج، وحاولت باستحاء ظاهر ان تعرف ماذا حدث بينها وبين زوجها، ولكنها لم تتمكن، بسبب حيرتها، من توضيح ما تريد معرفته، ففضلت السكوت.
الأم ترى ابنتها تذبل امامها، ولا تعرف سبباً لذلك، تشعر بالألم الذي يجتاح قلب عفاف، ولا تستطيع الدخول معها في حوار مباشر يشجعها على البوح بمكنونات قلبها، كلتاهما تعرفان ذلك تماماً وكلتاهما تتحاشيان إلتقاء العين بالعين.
ثلاثة ايام بلياليها مرت على الزواج، والمنزل فوق فوهة بركان، كل شيء يغلي بداخله، لكنه لا يستطيع الانفجار. مرض الأب، نوباته القلبية الدائمة التي يعيش فيها كل يوم بعد عودته من عمله وهو ملقى على السرير، لا تعرف ان كان نائماً ومستيقظا أم مغشياً عليه، فترك الحمل كله على الأم المسكينة، التي لا حول ولا قوة لها. فجأة وجدت نفسها امام هذا الاعصار الشديد الذي يهزّ كيانها. اعمال المنزل، غسيل، تنظيف واعداد طعام. صحيح ان عفاف تساعدها، لكن في صمت ، يضيف الى عذاب الأم عذابات كثيرة مؤلمة.
في اليوم الرابع، نامت عفاف حتى الظهيرة، وعندما استيقظت لم تجد زوجها فريد نائما كعادته، ظنت انه ذهب لقضاء حاجته او للأستحمام، وعندما خرجت من الغرفة، استقبلتها امها بتحية الصباح.
- صباح الخير يا عفاف.
- صباح الخير يا ماما.. ماشوفتيش الاستاذ فريد؟
- صحي من بدري يا بنتي وخرج من غير مايفطر او يشرب الشاي.
لم تعلق عفاف بشيء، بل استمرت في سيرها الى الحمام. بعدها أخذت تساعد امها في اعمال المنزل، دون ان تتحدثا في اي موضوع. ارادت الأم ان تسألها عن أحوالها، عن رأيها بالزواج، وهل هي سعيدة مع الاستاذ فريد.. ام لا؟ لكن شيئاً بداخلها كان يخبرها بان ابنتها غير سعيدة، وان هناك اشياء واشياء بدأت تلاحظها على سلوكها وتصرفاتها لا توحي بالخير، فان سألت ابنتها وصدقت ظنونها، ماذا بامكانها ان تفعل؟! بالطبع لا شيء، انها ستؤجج فوق نار حياتها ناراً اخرى قد لا تستطيع تحملها. وإن سكتت واكتفت بالملاحظة والظن، فانها لن تضيف الى عذابات يومها عذابا، هي متأكدة من وجوده تحت سطح حياتها. وعفاف المسكينة كلما استيقظت من النوم، تتمنى لو ان الأرض انشقت وابتلعتها، وانهت حياتها.
رجل يحاول التقرب منها اثناء النوم، يخيفها، وتشعر وكأنه يريد اغتصابها. لم تسمع عن الجنس كثيرا، سمعت عن الحب مع زميلاتها في المدرسة اللواتي كنّ يغرَّن من اي طالبة ارتبطت بعلاقة مع رجل. تذكرت حكاية عنايات واحمد، عنايات طالبة في السنة الأولى ثانوي. واحمد يعمل في محل (عجلاتي) في نفس المنزل الذي تقطنه عنايات وكانت كل يوم تأتي الى المدرسة فرحة سعيدة لأنها رأت (الاوسطى أحمد)، على الرغم من انه لم يكن (لا اوسطى ولا حاجة)، مجرد صبي في محل (البسكليتات). يقلد بتصفيفة شعره المغني الشهير الفس برسلي، و(افرهوله)، الازرق دائم النظافة. لكنه بالنسبة لها أوسطى ومعلم، استطاع ان يملك على حياة وعقل وروح عنايات، والدافع لها للذهاب الى المدرسة كل يوم، رؤية احمد عند الصباح، لانها في ذهابها تستطيع ان تراه، وفي ايابها تراه بانتظارها عند (العطفة) بالبسكليت، فتسير الى جواره، يتناغشان ويتحابان.
ذات يوم، لم تأت عنايات الى المدرسة، فظنت الرفيقات ان وعكة صحية آلمت بها. لكن غيابها طال، فعلمن والمدرسة وكل الحي قصة ضبط الاوسطى حسين للواد احمد والبنت (المفعوصة مكسورة الرقبة)، عنايات تحت سلم المنزل، وهو يقبلها ويفعل اشياء وأشياء. فآلم هذا الخبر أذن عفاف، لأنها لا تطيق سماع أخبار كهذه، فما بالنا بهذا الغريب الذي أعطاه الزواج حق الالتصاق بها عند النوم.. عنايات واحمد.. اقل ما يقال في قصتهما انهما يحبان بعضهما بعضا. أما هي المسكينة، فلم يدق قلبها ولو لمرة واحدة، لا قبل فريد ولا مع فريد. مع ذلك يطلب منها هذا الفعل الفاحش، وعندما تمتنع يتهمها بالفحشاء وانها فقدت عذريتها، وانها تخشى فضيحة اكتشافه، ولهذا فقط ترتجف وتبتعد عنه في هلع شديد.
تصبر المسكينة ولا تعرف لمن تشكو همها، ولا لمن تقص حكايتها، واستراليا التي ستسافر معه اليها، لا تعرف عنها غير الذي درسته في كتاب الجغرافيا. نرفزته الدائمة، لأنه لم يحصل على ما يريد منها، تجعله غاضبا ومبتعدا عنها وعن المنزل. والحياة الصعبة التي تعيشها الاسرة تجعلها ايضاً تفضل عذاب الصمت، حتى يأذن الله بما سيأذن به.. استراليا فليكن ما سوف يكون من مفاجأت في استراليا!!
(يتبع)
الخميس، فبراير 25، 2010
قصـــة : الخــــــــــائـــــنــــــة
أنطوني ولسن
أستراليا
أنا متزوج.. زوجتي جميلة..كلها انوثة.. أحببتها منذ وقعت عيني عليها.. تقدمت لطلب يدها..وافقت الاسرة، تزوجتها وصرت أسعد انسان في الوجود.
هل السعادة تدوم؟!
لا أعرف، ظننت انها تدوم.. تمنيت الا يكون اليوم اربعة وعشرين ساعة، بل أطول بكثير، حتى استمتع بحياتي مع زوجتي الى لا انقضاء.
مرّ عام، اثنان، ثلاثة.. لا شيء يعكر علينا صفو السعادة والحياة. لم افكر ابدا في الاولاد. لا اريد آخر يشاركني حبى لزوجتي ولا تريد هي بدورها أحدا يشاركها حبها لي، ومع ذلك، بدأت اسرتها تتدخل في الاشياء الحميمة.
في الأول نصائح.. لا تأخذي حبوب منع الحمل، ما هو سبب عدم الانجاب؟ هل استشرتما الطبيب، وأشياء أخرى، انا في غنى عن ذكرها.
اخذوها دون استشارتي الى الأطباء، وجدوا ان لاعيب يمنعها من الحمل.. لم تفاتحني في الأمر. لم تشعرني بذهابها الى اي مكان، حسب مفهوم الزوجين المتحابين الوفيين. لم يجرؤ احد ان يلمح اليّ بشيء.
مرّت أعوام ثلاثة، بدأ التغير على زوجتي، بدأت تسألني:
- الا تتمنى ان يكون لدينا طفل، يؤنس وحدتنا ويملأ علينا البيت؟
لم أمانع.. لم أعترض، رغم حبي لزوجتي ونفوري من اي شريك يقاسمني الحب.
كم ضحكت عندما تحدّثت معي في هذا الشأن، فقلت لها:
- الليلة تحملين تسعة اشهر، وتلدين.
تجّهم وجهها. لم تنطق بحرف يثير مخاوفي. سألتها بلهفة:
- أليست رغبتك؟ اذن لماذا هذا الاكتئاب؟!
ترقرقت الدموع في عينيها، ونهضت الى النافذة..
- يبدو انك غير فاهم.. انا اريد ان أكون اما..
- تكونين أما؟.. ما الذي يمنع هذا!.. كل امرأة هي أم..
- إسمع يا صفوت..
«إسمع يا صفوت».. رنّت رنين قذيفة أطلقت من سهم أصاب أذني. لا استطيع السماع يا سناء، لا أستطيع. اعادت الكلام مرة ومرتين وأنا أطرش.. أطرش .. لماذا يا ربي؟ سعيد أنا في حياتي، لا أشعر بفراغ!! انها صالحة للأمومة.. وأنا للأبَّوة ليس العيب من أحد.
لم أذق طعم النوم، لا تلك الليلة ولا الليالي التي تلت، صرت عصبياً، لا احتمل رؤية الاطفال. لا استطيع التركيز على شيء. أهملت عملي. لا شيء يحتل تفكيري سوى الوهم لعدم صلاحيتي للبنين. أقوم بواجبي الجنسي ببراعة الرجل، فلماذا لا أكون صالحاً؟! هل العيب منها؟! لا أطلعتني على النتائج الطبية التي أجريت لها. طلبت مني أن استشير الأطباء ربما يشرق في ليلتنا قمر.. ربما العلم والطب طلعا علينا بالجديد.
اقتنعت بضرورة الذهاب الى اخصائي. عرضت نفسي عليه. اجرى لي الفحوص بكل دقة وشمول. ثم قال لي:
- النتيجة غدا يا صاح.
وزاد عذابي. لم اعد أُطيق عملي. لم أعد أحب بيتي .. ماذا لو ظهرت النتيجة وعكس المراد، والعيب مني؟ كيف اواجه زوجتي؟ كيف اواجه الحياة؟ ماذا لو طلبت مني الطلاق؟ وهذا حقها علي؟ لا طلاق عندنا إلا لعلة الزنا.. الا لعلة العجز عن الانجاب. هذا ماافهم عن الطلاق.
مرَّ أسبوع، وأنا على هذه الحال.
ذات صباح شعرت بكسل وتراخ، لم أذهب الى العمل. زوجتي في المطبخ وأنا في الفراش. دقَّ جرس الهاتف. رفعت السماعة، رفعت زوجتي في المطبخ السماعة الثانية.. لم تشعر بأنني على الطرف الآخر سمعت صوت رجل. بعد صباح الخير سمعتها تقول له «أنا في المنزل، لم أذهب الى العمل ، وزوجي لم يذهب الى العمل اليوم» رد عليها.
- سأتصل بك.
اسودت الدنيا في وجهي. لم أعد ارى.
ظلام، ظلام.. زوجتي على علاقة برجل آخر؟ ماذا أفعل؟ أنهض من فراشي وأقتلها؟! إني احبها.. هل هو عجزي عن الانجاب، جعلها تتعرف برجل آخر؟
مستحيل.. أنا أعرفها جيداً ليست من هذا الصنف من النساء.. يا إلهي ماذا أفعل؟!!
ما زالت حيث هي.. ومازلت في عذابي حيث أنا..
واتخذت القرار. قمت من فراشي.. ارتديت ملابسي.. خرجت خفية على رؤوس أصابعي..
استأجرت غرفة باحدى اللوكاندات بحي «كلوت بك» كان بامكاني الذهاب الى أحسن فنادق القاهرة.. انا غني..كل ما كان يدور في ذهني، أنني انسان وضيع حقير لا استحق الغنى الذي انا فيه، لا استحق الحياة.
وحدي، لا أفيق إلا لأسكر ..السيجارة مؤنسي .. الكأس سميري .. لا أفيق الا لأسكر من جديد.. انتابتني حالة من الهستيريا الصامته، أفكر وأفكر.. لا شيء غير هذا الضياع.. ساكن ساكت. لا ابارح غرفتي.. لا أغير ملابسي، حتى شك في صاحب اللوكنده، وفراشها.. لم أهتم بهما.. لم أكن أشعر بما يدور حولي.. غبت عن الواقع، خارج الزمن.
ذات مساء، جاءني الفرَّاش يسألني عن حالي. أخذ يلقي النكتة تلو الأخرى وهو يقهقه. وأنا فاغر فمي، لا أعي شيئاً مما يقول. ولما ييئس مني، قال كلمته الأخيرة:
- سعادة البيك.. كفاك سجنا.. مهما كانت ظروفك، أخرج الى الدنيا.. أخرج لربما حلّ الله عقدتك..
- يا جاهل.. كيف يحلّ الله عقدتي.. وانا زوج لإمرأة خائنة؟!! إمرأة أحببتها من كل قلبي، وخانتني لشيء لست ادريه.
ومع ذلك خرجت أترنَّح، أتسكَّع في جوار كلوت بك، اذ بي اجدني امام كنيسة الحي الوضيع، حي البغاء والاجرام. عجبت.. كيف؟ من المستحيل وجود كنيسة في هذا المكان.!
وقفت فترة، متأملا الكنيسة في ذهول، وزادتني ذهول، الاضاءة في الداخل، وسمعت صوت ترانيم التسابيح والصلاة..
تساءلت ان كان اليوم، هو الأحد.. أعرف ان الكنيسة تفتح للقداس عند الصباح.. لكنه المساء.. آه اني سكران.. اليوم ليس الأحد.
مرّ علي قوم في طريقهم الى الكنيسة. هممت أسأل أحدهم، لكني تراجعت. لا أعرف كيف أبدو.. خشيت من رائحة الخمر التي تفوح من فمي.
استدرت مكاني، شعرت بشيء يجذبني الى هذا الرجل، شيء جعلني أفيق من سكري.. لحيته البيضاء، جلبابه الابيض، وجهه الضاحك، عيناه المشعتَّان بالمحبة والصفاء، يداه الممدودتان الي كيديّ صديق بعد طول غياب..
صافحني بحرارة مرحباً وسألني:
- لديك وقت؟
لم أجبه، لا قيمة للوقت عندي.. استمرّ في الحديث.
- تعال، اسمع كلمة الرب، صلِّ معنا صلاة العشية يا بني.
صلاة العشية؟! اليوم ليس الاحد. والكنيسة تفتح أبوابها مساء للصلاة، لسماع كلمة الرب. اين هو الرب؟ لماذا اختارني انا دون الآخرين، لأمرّ بهذه التجربة!؟
ظهرت أمامي صورة «سناء» لم استطع النظر اليها.. وضعت يدي فوق عيني، حتى لا اراها.. إنّ من أحبها تخونني.. يتصل بها عشيقها اثناء غيابي عن البيت.. وقد يأتي اليها في البيت..!
شعر الرجل بما انا فيه، فأمسك بذراعي وشجعني على الدخول معه. لا افهم ما يدور حولي. أنا مسيحي. لكني لم أدخل الكنيسة الا يوم زواجي وفي بعض المناسبات، لا اعرف الطقوس..
وقف الكاهن يلقي عظته. لم أفهم شيئاً، لكن التقطت اذني هذه الآية.. «وخفاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع..»
ما هذا؟! الله لا يريد ان يرى وجوهنا ولا يستمع الينا؟! خطايانا تحجب وجهه عنا فلا يسمعنا؟ّ خطايانا.. خطايانا؟!!
أنا انسان لا اله. لم استطع النظر الى صورة «سناء» التي تمثلت لعيني وأنا عند الباب.
أحبها أحبها، لكنها خائنة.. لا تستحق حبي، لم أحتمل استحضار وجهها فأغمضت عيني بيدي وغبت عن الوجود.
افقت من غيبوبتي على صوت الكاهن وهو يقول ضمن عظته:
«ان كانت خطاياكم حمراء كالقرمز، تبيضّ كالثلج...»
الله لا يحب الخطأة، انا لاأحب هذه الخائنة. الخيانة خطيئة. أستغفر الله، من أكون أنا حتى أُقارن نفسي بالله؟ الرب يطلب منا أن نتحاجي معه. نلجأ اليه نطلب منه العفو، وليغفر لنا.. «ان كانت حمراء كالقرمز تبيض كالثلج».
سامحني يا الهي، أنا لا استطيع أن افعل هذا، لو تحاجَّت معي «سناء» أغفر لها. أنت الاله الرحيم، أما انا، فإنسان لا يستطيع أن يغفر. خلقتنا وأنت عارف ضعفنا. تزوجتها ولم يخطر ببالي أنها تخونني. مستحيل.. أعطيتها حبي، قلبي، مالي، شبابي.. وتخونني؟..
لا.. لا.. هذا كثير، لو رأيتها لقتلتها.. لشربت دمها.. لغسلت العار الذي لطخ سمعتي.
غافلٍ عن نفسي، لم ادرِ ان الكاهن قد انهى عظته، لم أتبين ان الصلاة قد انتهت، ولم ار المصلين وهم على أهبة الخروج..
رفعت عيني، رأيت الرجل المسن واقفاً بوقار كأنه يحترم ما يدور في خلدي من هواجس، واغرورقت عيناي بالدموع، أمسكت بتلابيب جلبابه.. صرخت قائلاً:
- لماذا يا رب تضعني في هذه التجربة؟.. لماذا؟
ربت على رأسي بحنان ولم يتكلم حتى هدأت أعصابي وأرتحت..
بدأ يحدثني في الدين حديثاً عذباً، لم اسمعه من قبل، لم يسألني عما بي. عندما هدأ غلياني، سألني بأدب إن كنت لا أمانع في الذهاب معه الى منزله.
لم أقل شيئا، أمسك بذراعي ونهضت متكئا عليه.. وخرجنا معاً..
قصصت عليه قصتي، لم أُخف شيئاً عنه. استمع الي بإمعان. لم يُعلق على شيء، نهض وأحضر الكتاب المقدس واخذ يقرأ الاصحاح الثالث عشر من رسالة بولس الرسول الاولى الى أهل كورنثوس.
يتحدث عن المحبة. وأنا أحبها.. لكن الاصحاح، لم يتحدث عن الخيانةّ إنها خائنة.. فماذا يفيد حبي لخائنة؟!
انتهى من قراءته، طلب ان نصليِّ معاً، لم اسمع، لم ار في حياتي انساناً يصلي هكذا. صلاته من نوع غريب.. يصلي الى الله لا يتضرع بخوف بل بثقة التقي غير القادر، الى القادر العظيم، وصلاته صلاة الواثق بالاستجابة للدعاء.
أ إلى هذا الحد ايمانك يا رجل ؟ لم أفكر في خيانة زوجتي. لم أشعر بتأثير الخمر علي. كنت مُصغياً الى كل كلمة خرجت ليس من فمه بل ومن قلبه معاً.. هذا القلب الملئ بالايمان الذي لا يشوبه شر..
أنهى صلاته، نظر اليّ، طلب مني الاتصال بزوجتي إنها لا شك قلقة عليّ. لم أعترض.. لم أتردد.. لم أفكر في خيانتها لي، حلَّ سلام في قلبي..
نهضت الى الهاتف، اتصلت بها.. وكم كانت لهفتها إليّ!
عدت الى المنزل تلك الليلة.. أخبرتني بكل شيء. صارحتني بأنها أتصلت بالطبيب وطلبت منه الا يخبرني بنتيجة الفحوص لئلا يجرح شعوري. أفهمتني أنني بحاجة الى عملية جراحية بسيطة، بعدها أصير انسانا عاديا، زوجاً وأباً..
تمت المعجزة.. صار عندنا ثلاثة أولاد وابنة. تضاعف حبي لزوجتي. ولم يكن الاطفال يوما سبباً في الابتعاد عني والاهتمام بهم. بل كنا جميعاً نشترك في حب واحد.. حبي لها.. وحبها لي..
(تمت)










