‏إظهار الرسائل ذات التسميات نادر ابو تامر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نادر ابو تامر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، سبتمبر 28، 2009

كل إس أم إس وأنتم بخير

نادر أبو تامر

كيف تعطلت لغة الكلام؟ نادر أبو تامر يتساءل لماذا صمت هاتفه في العيد الأخير. لماذا لم تصله مكالمات معايدة، وبدلا منها انهالت عليه سيول من رسائل الـ "اس أم اس"

دهشت من هاتفي في العيد. لم يرن. هاتفي يرن عادة مرارًا في اليوم العادي. في العيد، توقعت أن لا يتوقف عن الرنين. وضعت البطارية في الشاحن خوفًا من أن تنفد. لكنها بقيت كاملة مكملة. هاتفي لم يرن. استغربت حين صرنا في ساعات بعد ظهر اليوم الأول من العيد. لم يرن هاتفي!! هل تعطلت لغة الكلام؟؟!!..

صحيح أنه لم يرن لكنني لم أتركه. لم يتوقف عن تلقي رسائل الـ "اس أم اس". معايدات بالجملة. أكثر من 140 رسالة ليلة العيد وفي اليوم الأول. من أشخاص ربما التقيتهم مرة في حياتي، فما ألطفهم. والغريب أنني أحيانًا أتلقى من نفس الشخص أكثر من معايدة. (ربما معه أكثر من هاتف، أو له أكثر من رقم... أو أنه مثلي مصاب بالنسيان، ونسي أنه سَبَقَ وعايد عليّ).

والتهاني جميلة. كلام شاعري يردّ الروح. المشكلة أن عشرة يبعثون نفس الرسالة الجميلة. موضة!! والمعايدون من كل الفئات والأجيال. لم تعد تقتصر على الشباب الصغار. (لكن لا أحد يباريهم ويجاريهم في سرعة الطباعة، كأن والدتهم علمتهم كتابة رسائل الـ "اس أم اس" وهم في بطنها).

في حديث لي مؤخرًا مع النائب طلب الصانع قال لي: "صدق يا نادر، حتى في جلسات الكنيست ولا حدا هون... كل يغني على اس أم اسه... لا أحد ينتبه للنقاش في الجلسات".

لا شك أن رسائل الـ "اس أم اس" غيرت الحياة الاجتماعية وعجّلتها واختصرتها... وقتلتها..

أحد اصدقائي يكتب رسائل الـ "اس أم اس" بدون أن ينظر إلى الهاتف..

لكن حتى ورغم كثرة رسائل الـ "اس أم اس" فهناك توقيع خاص فيها. رسالة وصلتني من ابن اخي أمير ختمها بعبارة "يا عمي". عرفت أنه بعثها لي وحدي ففرحت. وربما أيضًا إلى عمه ماهر. ابن خالي زياد بعث الي تهنئة أنهاها بنداء .. يا ابن عمتي. فعرفت أنني أنا المقصود دون غيري.

بعض الرسائل الموحدة وصلتنا أنا وزوجتي في نفس الوقت. من نفس المهنئ. يعرف كلينا، كما يبدو.

لكن..

اصارحكم انني لم أقرأ كل رسائل الـ "اس أم اس". فتكاد تكون قالبًا واحدًا. تفتقد نكهة الصوت. لكن، ذوقًا، حتى لو لم أقرأ، بعثت شكري لصاحب التهنئة.

في العيد. نظرت إلى هاتفي نظرة شكر ممزوجة بالازدراء. فتحت دفتر الهواتف. اخترت عدة ارقام عزيزة علي. واتصلت بأصحابها. تفاجأوا. وكأنهم يريدون ان يقولوا لي، مش عيب بتتصل. ما في رسائل الـ "اس أم اس"... ليش مغلب حالك... وكأن المعايدة الصوتية صارت دقة قديمة.

لكنهم لا يعلمون أنني أحب هذه الدقة القديمة.

أجمل التهاني التي وصلتني كانت من ميلاد وعطالله. من أصدقاء الطفولة. نكاد لا نلتقي. لكنهما يصران على أن يعادياني صوتيا. الصوت له نكهة أخرى.

حتى صديقي الذي التقي به عدة مرات في الأسبوع. سمير، عايدني برسالة "اس أم اس"...فقلت معزيًا نفسي: "على الأقل هو الذي بادر. فلا بأس".

صديقي طارق كنت أجلس معه فراح "يبحبش" عن رسائل الـ "اس أم اس" التي وصلته وبعثها. أعطى هاتفي اشارة. فتحت رسائل الـ "اس أم اس". وإذا هي رسالة من طارق. لم ينتبه أنه أرسل إليّ معايدة حتى وأنا جالس معه.

استنتجت أن الذي يبعث فإنه يقوم بإرسال رسالة واحدة موحدة إلى جميع الأسماء الواردة في هاتفه. وليس دائمًا يقصد أن يهنئني أنا شخصيا.

عندها أحسست بقيمة مكالمة صديقيّ ميلاد وعطالله. الصوت يخرج من القلب. رسائل الـ "اس أم اس" تخرج من ذاكرة الهاتف الجافة والناشفة والجامدة.

لا تتخلوا عن رسائل الـ "اس أم اس". لكن لا تعطلوا لغة الكلام. كل عام وهواتفنا بخير.

بعدما كتبت المقال:

أرسلته إلى أحد أصدقائي ليطالعه قبل أن أنشره. كيف أعلمته بأنني أرسلت إليه المقال... بعثت إليه وطلبت أن يتكرم ويلقي نظرة من خلال رسالة اس أم اس!!!

للمراسلة naderabutamer@gmail.com

السبت، يونيو 13، 2009

رازي والنظارة العجيبة


نادر أبو تامر


هل تمزح معي يا رازي، أم أنك بالفعل لا ترى الكلمة المكتوبة على اللوح؟
سألت المعلمة رازي الذي فوجئ من سؤالها، وردّ على الفور:
أنا فعلا لا أراها يا معلمتي.
وبدأ رازي يشعر بالقلق.

في البيت لم يتناول رازي إلا جزءًا صغيرًا من الغداء. لم تكن لديه شهية. ولما سألته ماما- غالية لماذا لم يتناول وجبته ككل يوم، أخبرها بما حدث في الصف.
في ساعات المساء، بعدما قرأت الماما غالية لرازي قصته المفضلة، اتصلت بالمعلمة وسألتها، واتفقتا على أن تتوجه الماما مع رازي إلى المختص بفحص العيون لتفحص نظره.

في اليوم التالي لم يذهب رازي إلى المدرسة. وبدلا من ذلك ذهب إلى الأخصائي الذي فحص نظره. وقال للماما بأن رازي صاحب العينين الجميلتين بحاجة لنظارة نظر.
طلبت الماما من الطبيب أن يعطي رازي النظارة الملائمة على الفور.
وعندما لبسها قالت له الماما: ما أجملك يا حبيبي!
نظر رازي إلى المرآة، فرأى نفسه جيدًا، لكنه استغرب من شكله وهو يلبس النظارة.
سأله الأخصائي عندما لاحظ تردده:
ألا تحب النظارة الشمسية؟
أجاب رازي: لا أحبها.
فقال الأخصائي وهو يضع النظارة على عيني رازي:
هذه النظارة مثل النظارة الشمسية، لكنها نظارة عجيبة، حيث تساعدك على الرؤية، وتجعلك بطل الأبطال وقد تستطيع مساعدة الآخرين.

في صباح اليوم التالي اصطحبه البابا - راجح إلى المدرسة.
لم يرغب رازي بأخذ النظارة إلى الصف، لأنه خجل من تعليقات أصحابه، فوضعها على مقعد السيارة، ونزل منها وسلم على المدير علاء الذي كان يستقبل الطلاب عند مدخل المدرسة. صافحه المدير بحرارة وقال له : صباح الخير يا بطل الأبطال.
فتساءل رازي بينه وبين نفسه : كيف أكون بطل الأبطال بعدما وضعت النظارة في السيارة؟
بابا راجح الذي انتبه إلى النظارة الموجودة على المقعد، توجّه إلى مربية الصف التي كانت في الساحة، وأعطاها النظارة.

ذهبت المربية إلى الصف ووضعت كفها على شعر رازي، وأعطته النظارة وهي تعبّر عن محبتها له. فشعر رازي بسعادة كبيرة في البداية. وبعد لحظات صار رازي يحسّ بشعور غريب، حيث توقف الجميع عن الكلام عندما رأوا النظارة على عينيه، وصاروا ينظرون بصورة غريبة إلى رازي الذي يلبس النظارة لأول مرة في حياته.

أطلق الكثير من طلاب الصف عبارات الدهشة والاستغراب. لكن الدهشة خفت عندما دخلت أمه بعد قليل إلى غرفة الصف، وهي تحمل كعكة مصنوعة بشكل نظارة.
صار الطلاب يقتربون من الكعكة ويفحصونها إذا كانت كعكة حقيقية أم نظارة.
ثم قطعتها والدة رازي، وكان رازي يوزع القطع على أصدقائه.
لكن مجدي وسعدي ورهام بدأوا يضحكون بصوت عال عندما غادرت أمه الصف.
فانزعج منهم رازي وذهب إلى طاولته، وجلس وهو حزين وخلع النظارة.
وعندما لاحظت المربية ذلك سألته عن سبب حزنه، ولماذا لا يلبس النظارة، فلم يجبها.
لكنها طلبت منه أن يلبس النظارة، لأنه سوف يستفيد أكثر خلال الحصة إذا لبسها.

في الاستراحة خرج إلى الساحة مع طلاب الصف، فاقترب منه مجدي وسعدي ورهام، وقالوا له: اخلع هذه النظارة يا رازي، فهي غير جميلة!
لكن رازي تذكر ما طلبته المعلمة منه، ولم يستجب لطلب زملائه.

وفجأة عندما كان الأربعة في الساحة اشتد الهواء، وهبت عاصفة شديدة تحمل الغبار وأوراق الشجر والرمل، وطيّرت شعر الأولاد في الهواء. وبدأ مجدي وسعدي ورهام يصرخون، لأن الرمل والغبار دخل إلى عيونهم، ولم يستطيعوا الرؤية، ولم يهتدوا كيف يعودون إلى الصف.

أما رازي الذي كان يلبس النظارة فلم يدخل الغبار والرمل إلى عينيه، ولم يتأثر من العاصفة.
نظر إلى أصدقائه وهم يتألمون من العاصفة، وفكر قليلا، ثم أمسكهم من أيديهم، وأخذهم إلى غرفة الصف.

عندما وصلوا إلى الصف سألتهم المعلمة: لماذا يمسكون بيدي رازي؟
أخبروها بأن عاصفة مخيفة هبت في الخارج، وحملت الأوساخ والغبار والرمل إلى عيونهم، فقام رازي بمساعدتهم على الفور.
طلب مجدي وسعدي ورهام من المعلمة أن يشكروا رازي على ما فعله من أجلهم، وعلى المساعدة التي قدمها لهم، ووعدوها بأن لا يسخروا من رازي أبدًا.
وعرف رازي عندها لماذا قال له أخصائي النظر " إن هذه النظارة هي نظارة عجيبة".

naderabutamer@gmail.com

السبت، مايو 16، 2009

على باب البريد

نادر أبو تامر

حدث الأمر قبل عدة أيام، وهو يحصل يوميًا .
باب البريد يغلق في الثانية عشرة والنصف في اليوم المحدد. ولكني وصلت إلى البريد بعد الساعة الثانية عشرة والنصف بقليل.
حملت الموظفة مفاتيح باب الدخول لتقفله من الداخل، ولم تكن تفتح الباب إلا لكل من ينهي عمله من الموظفين، وذلك حتى يغادر. ولم تتوقع الموظفة ما ينتظرها.
فتحت الباب لتسمح بخروج البعض من الفرع ، فما كان من المنتظرين إلا الهجوم على الفرصة الأولى المتاحة لهم.
حشر رجل متقدم قرعته التي كانت حمراء تلمع من شدة الحر، وكأنه سلط عليها السشوار الساخن ناسيا بأن شعراته القلائل قد غادرت مقرها إلى غير رجعة، ولم يعد يسمح لها بالدخول أو بالخروج.
- أرجوك يا أخت، فأنا مضطر للدخول إلى البريد، وإلا لن تسنح لي فرصة أخرى.
ما السبب ؟ سألته
كان يحك قرعته التي اشتدت حمرتها أكثر وهو يدفع بنفسه على الباب، ولو ظل على إصراره قليلا فسوف يدخل ، كان يرجوها ويرجوها، ولكنه لم يجدها متأثرة بكلامه أو برجائه، فراح يتنهد، ويقول إن ابن عمه المتوفي غادر الدنيا مبكرًا، وفي ريعان الشباب حتى قبل أن يزوج ابنه الأول، ولا بد من إنهاء المعاملة.
احتارت الموظفة، وسمحت له بالدخول ليشارك - كما ظنت- في الجنازة المبكية.
وما كادت تغلق الباب حتى اندفع شاب في أوائل العشرين يلبس بلوزة بكمين قصيرين للغاية، فوضع يده على الباب، وشده برفق، وربما ليبين للفتاة قدراته العضلية المفتولة. الفتاة التي لم تلاحظ رجولته المتفجرة من كميات الـ اكس ال التي يبلعها. شدت الباب لتغلقه، فوضع قدمه أمام الباب، وقال لها بغنج خفيف: طلب مني أبي أن أحول مبلغا من المال لأخي في الخارج، فهو يدرس في رومانيا، ولم تعد معه نقود، وقد يفشل في دراسته في حال عدم تلقيه الأموال.
تراجعت الموظفة قليلا إلى الخلف، وسمحت له بالمرور. نظر إلى الشباب خلفه، ورمقهم نظرة معناها:
"زبطت" يا شباب. وشق طريقه بثقة إلى شباك الموظفين، ليس قبل أن يفحص تصفيفة شعره المشدودة بطبقات من الجل كفيلة بحمايته من الإصابات- حتى ولو وقع عن ظهر التراكتورون، وقبل التأكد من أن الجهازين الخلويين في جيبه ظاهران بصورة كافية.
لم تكن بيننا نساء أو فتيات في الخارج. يبدو أن الفتاة لا تقف خارج باب مغلق في حال انتهاء وقت الاستقبال، أو الدوام.
الرجل الثالث راح يشتم البلدية التي لم تشق الطريق أمام بيته، بحيث تأخر عن موعد البريد. هو الآخر أقنعها ودخل رغم تأخره.
الرابع اشتكى الدولة والضرائب التي تفرضها على الشعب المسكين.
الخامس استغرب من أن الساعة متأخرة.
كنت أتأمل كل حكاية بدهشة. ......لم يبقَ سبب إلا وسمعته حتى جاء دوري.
لكنني لم أكن قد وجدت سببًا مقنعا، فالشاب الثامن سرق مني السبب. خططت أن أقول إنني مدعو لعرس ابن جيراننا ، وقد لا ألحق الزفة، لكنه قال نفس الكلمات التي نويت قولها لها لأقنعها بكلامي.
وكنت قد استغربت.
في بريد حيفا، كنت في الأسبوع الماضي، وكنت تمامًا في الساعة الثانية عشرة والنصف تمامًا، وقد تأخرت هذه المرة بسبب المواصلات.
أغلقوا الباب تماما في الموعد المحدد، ولم يستطع أحد أن يقنع الفتاة الروسية التي تعمل حارسة هناك.
أما نحن فالحجج لدينا كثيرة مقنعة أو غير مقنعة . ويبدو أننا أكثر انضباطًا منهم بالنظام .
وفجأة وجدتها تسأل: أنت بالطبع تريد استلام طرد البريد... وصل أمس من مدينة القدس.
كان الأمر غائبًا عن بالي، ولم يكن لدي أي سبب مقنع للدخول إلى البريد .
قلت لها: الصحيح أنني تأخرت، أما موضوع الطرد فلم يخطر ببالي، لكنني وقفت أتأمل الأسباب التي يخترعها البشر لتبرير تأخرهم عن موعد إغلاق البريد.
فتحت الباب ، ودعتني للدخول وهي تقول لي: الأسباب التي سمعتها قبل قليل، هي نفس الأسباب التي سمعتها أمس وأمس الأول والأسبوع الماضي.
ثم اختفت وراء الطاولة، وغرقت في تصنيف كومة من الرسائل التي أفرغتها سيارة البريد للتو.
عندما وصل دوري، دفعت ورقة الكهرباء، وطلبت الطرد البريدي من القدس.
بحثت عنه زميلتها، لكنها لم تجده.
بعد يومين اتصلوا بي من القدس، وقالوا إن الطرد البريدي سوف يصل خلال أيام.
استغربت كيف عرفت الموظفة أنني أنتظر طردًا من القدس.
آه عرفت السر: ربما تكون هذه هي الحجة التالية التي تسمعها يوميا من المتأخرين عن موعد البريد.

naderabutamer@gmail.com

الثلاثاء، مايو 05، 2009

الكلب الأعرج

إعداد: نادر أبو تامر
لافتة مكتوب عليها "كلاب صغيرة للبيع" كانت معلقة على جدار حانوت. عندما وصل إليها دخل الطفل الصغير واستفسر عن سعر الكلب، فأخبره البائع أن كل جرو يُباع بحوالي ثلاثمائة شاقل.
مدّ الطفل يده إلى جيبه فوجد فيه مبلغا من المال، ولما عرف أنه يستطيع شراء جرو طلب من البائع أن يرى الكلاب الموجودة في المحل.
صفر البائع للكلاب فخرجت كلبة كبيرة. وكانت تمشي خلفها خمسة جراء جميلة، بينما كان أحد الجراء متأخرًا عن إخوته في السير.
طريقة سير هذا الجرو لفتت نظر الطفل الصغير فسأل البائع: لماذا يعرج هذا الجرو؟
فأجابه البائع دون أن يخفي عنه الحقيقة كما يفعل البائعون أحيانا: لقد وُلِدَ هذا الجرو أعرج. كان مريضا. منذ وُلِدَ وهو يعرج وسيبقى على هذه الحال طوال أيام عمره. سيظل يعرج.
شعر الطفل بسعادة كبيرة لم يفهمها الرجل وقال للبائع: هذا هو الجرو الذي ابحث عنه. بالذات هذا هو الجرو الذي أريد أن أشتريه.
استغرب الرجل من الفرح الغامر الذي حلّ على الطفل وقال له: "إذا كان هذا هو الجرو الذي تريد أن تشتريه فلن آخذ منك نقودًا..."
تبدلت ملامح الطفل وبدت عليه دهشة واستياء في الوقت ذاته: "لا أريد أن آخذ الكلب منك بدون مقابل، فهذا الجرو يجب أن يكون ثمنه مثل ثمن باقي الجراء!!".
ثم نظر مباشرة في عيني البائع وقال بحزم: "سوف أعطيك الآن ما بجيبي من نقود، وسأكمل المبلغ على أقساط، كل مطلع شهر من المصروف الذي يعطيني إياه أبي للمدرسة".
لم يتوقف الذهول المرسوم على ملامح التاجر وواصل يسأل الولد وهو غير مصدق لما يسمع: "هل أنت متأكد بأنك تريد أن تأخذ هذا الجرو وليس أي جرو آخر؟"
"نعم"، أجاب الطفل بثقة كبيرة.
"لكنه لن يلعب معك، ولن يقفز ولن يركض مثل باقي الجراء...." قال البائع، غير أن هذه العبارة بالذات لم تعجب الطفل الذي قرّر أن يخبر البائع ما هو سرّ اهتمامه بالجرو... فانحنى بجسمه قليلا، رفع بنطاله عن ساقه وطلب من البائع أن يرى قطعة الحديد التي تدعم ساقه الملتوية ليستطيع السير من خلالها، ثم قال بنبرة الأستاذ الذي لن يكرّر شرح الدرس بعد هذه المرة: "أنا أيضـًا يا عمي لا استطيع المشي. تمامـًا مثل الجرو. ولذلك، فإن هذا الجرو بامس الحاجة لمـَن يفهمه، ويتضامن معه ويتعاطف معه ويسنده وقت الحاجة، لأنه مثلي قرّرت أن آخذه دون كافة الجراء الأخرى".
ارتعش البائع من شدة التأثر والخجل وراحت الدموع تترقرق في عينيه، ثم اقترب من الطفل وعانقه وقال له: "إنني أتمنى، وأصلي أن يكون لكلّ جرو من الجراء التي أبيعها في هذا المحل مَن يحبه كما تحب أنت هذا الجرو".
***
في الحياة، لا يهم ما هي الظروف المحيطة بك، والتي تترعرع في كنفها، فمن الضروري أن تجد مَن يحبـك ويقدّرك ويتقبلك بدون أيّ قيـد أو شرط، فالصديق الحقيقي تجده في وقت الحاجة، في أحلك اللحظات، تجده عندما يتركك الجميع فتجده إلى جانبك...

الاثنين، نوفمبر 17، 2008

كتاب جديد حول الصداقة من إعداد نادر أبو تامر



إذا كان "من هو صديقي؟" التساؤل الذي يراود الجميع منا وخاصة في فترة الطفولة والشباب فيأتي كتاب جديد للإجابة عن هذا السؤال الصعب والعسير.
صدر الكتاب مؤخرًا عن دار الهدى للطباعة والنشر كريم وهو في الأصل باللغة العبرية، وقد توجه الناشر إلى الكاتب والإعلامي نادر أبو تامر طالبا منه تعريب الكتاب تهيئته ليكون ملائما للأطفال العرب في كلّ ما يتعلق بأجواء القصة ومناخها والشخصيات الفاعلة فيها مع المحافظة على الرسومات والمضامين كما وردت في الأصل. وبالفعل فقد استجاب الكاتب وعمل على إعداد الكتاب ليكون مناسبا للطلاب والأطفال في الوسط العربي.
"من هو صديقي" يسرد قصة الطفلة "ميادة" التي يبتعد عنها زملاؤها في المدرسة حيث لا يريدون اللعب معها ومشاركتها وقتها بفرحه وأوجاعه فوجدت نفسها وحيدة إلى أن جاءت المربية لكي تواسيها.فحاولت ميادة البحث عن أصدقاء لها خارج غرفة الصف، غير أنها لم تجد أصدقاء في الخارج. وحتى الطيور التي تقف على السياج كانت ترفض اللعب معها. فخطرت على بال أمها فكرة أن تقوم "ميادة" بتحضير دعوة شخصية لكل واحد وواحدة من الأولاد والبنات، تدعوهم من خلالها مع لفتة شخصية جميلة للمشاركة في عيد ميلادها.
وفي يوم عيد ميلادها أتى جميع زملائها وأصدقائها للاحتفال معها. وبعد مغادرتهم ذهبت "ميادة" إلى والدتها وشكرتها. ومنذ ذلك اليوم بقوا على علاقة صداقة معها.

السبت، نوفمبر 15، 2008

الأحد: الكرمل يحتفل بمبدعيه



تقام في الساعة السادسة من مساء الأحد في قاعة المركز الجماهيري في قرية عسفيا أمسية تكريمية بمشاركة عشرات المبدعين والأدباء والكتاب ومن الشخصيات الاجتماعية والجماهيرية والتربوية.
يحتفي الضيوف بصدور ديوان فهيم أبو ركن "شلال شوق"، وديوان هيام قبلان "لا أرى غير ظلي".
يدير الأمسية التي تنظمها الجمعية لدعم الديمقراطية في المجتمع العربي في إسرائيل الإعلامي والكاتب نادر أبو تامر ويكون الشاعر الفلسطيني الكبير محمد حلمي الريشة ضيف الشرف.
تتضمن الأمسية مداخلات من قبل: الدكتور بطرس دلة، آمال عواد رضوان، الدكتور منير توما، الدكتور فهد أبو خضرة الشاعر رشدي الماضي والدكتور نديم حسين، بالإضافة إلى كلمتين من الشاعرين المحتفى بديوانيهما.

الاثنين، نوفمبر 03، 2008

طلاب عمر بن الخطاب في باقة يحاورون الكاتب نادر أبو تامر




جرى مطلع الأسبوع الحالي لقاء في مدرسة عمر بن خطاب في باقة الغربية بين طلاب الصفوف الثالثة من المدرسة والكاتب نادر أبو تامر الحائز على جائزة الإبداع والتفرغ من قبل وزارة الثقافة في مجال الكتابة للأطفال. وقد ولدت هذه المبادرة من خلال التعاون بين مديرة المكتبة العامة في مدينة باقة الغربية السيدة فاتنة مجادلة وجمهور الأدباء والكتاب والمبدعين في البلاد والمربين والمديرين لما فيه مصلحة وخير لأبنائنا الطلاب وبناتنا الطالبات ولتقوية جانب المطالعة والقراءة لديهم.
وقد تمَّ التعاون هذه المرة مع مدير مدرسة عمر بن الخطاب المربي الأستاذ منير درويش وطاقم من المربين والإدارة لديه.
وقد قدمت السيدة فاتنة مجادلة نبذة عن المكتبة العامة وإمكانية استعارة الكتب من المكتبة بدون أي مقابل مادي، بل من أجل تعزيز الثقافة والاطلاع والمعرفة لدى الطلاب. ونوهت إلى أن المكتبة تحتوي على العديد من المراجع الحيوية والهامة للأولاد والطلاب كالموسوعات والمؤلفات والإصدارات الجديدة والكتب العلمية والأدبية والفنية.
تلاها لقاء الطلاب والطالبات من كافة الصفوف والذين جاءوا زرافات زرافات إلى غرفة اللقاء في المدرسة مع الكاتب نادر أبو تامر الذي عرفهم على نفسه وعلى طبيعة عمله الإعلامي وإبداعه الأدبي وولعه بالقصص منذ سن صغيرة مشيرًا إلى الفوائد الكثيرة التي يمكن أن نجنيها من القراءة والمطالعة في مجمل المجالات الحياتية.
وقام الضيف بقراءة ثلاث قصص هي: "المارد والأقزام"؛ "جدي يا جدي" و "نبوح". وتم تفعيل الطلاب بشتى النواحي اللغوية النابعة من القصة وعرفهم على أساليب وطرق الكتابة وأهمية الوضوح في اللغة والمضامين والأهداف بشرط التعامل بصورة حكيمة مع الطفل واحترام ذكائه وقدرته الخلاقة على كشف أهمية العمل من أولى اللحظات.
يُشار إلى أن هذه الفعالية تمت بمشاركة المربين والمربيات: فايزة أبو فول، رياض بيدس، إيمان شرفي، خالد وتد، فداء بيادسة ومرافقين من أكاديمية القاسمي تخص اللغة العربية والدين.
وقد استمع الطلاب إلى القصص والى المداخلات بفرح كبير وشاركوا في الفعاليات المتعددة وأثبت البعض منهم أنهم على درجة كبيرة من الكفاءة اللغوية من خلال تلخيصهم للقصص بلغتهم الخاصة وباللغة الفصحى. وقد وجه الطلاب لكاتب الضيف العديد من الأسئلة حول أفكار قصصه ومن أين يأتي بأفكاره، وما هو الدور الذي يلعبه أولاده في ذلك.
وتواجد في المدرسة المفتش التربوي صلاح طه الذي أثنى على هذه المبادرة الطيبة التي قامت بها السيدة فاتنة مجادلة مديرة المكتبة منوها إلى أن أطفاله أيضا يعشقون قراءة القصص.
وقالت السيدة فاتنة مجادلة إن هذه التجربة المشتركة بين المدرسة والمربين والكتاب هي مثلث بالغ الأهمية ليستفيد منه فلذات أكبادنا بالدرجة الأولى علما بأنه يخيل للوهلة الأولى أن الحاسوب والانترنت والفضائيات سلبت أطفالنا من عالم القراءة، لكن المرافق لمسيرة المكتبة العامة في باقة الغربية يجد عكس ذلك وسوف تنشر في القريب بعض المعطيات التي تؤكد هذا التوجُّه مدعومة بالإحصائيات والتحليل العلمي. وأكدت أن هذه اللقاءات مع الأدباء ستتواصل أيضا في مدارس أخرى خلال الأسابيع القادمة.
في إجماله لهذه الفعالية في مدرسة عمر بن الخطاب، رأى مدير المدرسة المربي منير درويش الذي كان من المتحمسين للفكرة أن الأولاد متعطشون إلى عالم القصة والى التواصل مع الأدباء والكتاب الذين يطالعون كتبهم ولا يرونهم وجها لوجه. وأشار إلى أن مدرسته تدرس إمكانية تكثيف هذه اللقاءات وتوسيع رقعتها بحيث تشمل المزيد من الصفوف والطلاب من أجل تعزيز مكانة الكتاب والقصة في عالم الطفل علما بأن أي مشروع مسرحي أو تلفزيوني لا بد أن يبدأ من القصة التي يبادر الكاتب إلى تأليفها.

الجمعة، أكتوبر 31، 2008

إبراهيم يحب الحياة



نادر أبو تامر

لم أظن بأني سأصاحبه. إبراهيم أكبر مني في العمر. بثلاثين سنة ربما. لكني بعد أوّل مقابلة لي معه لم أعد أنتبه إلى سنه.

في قريتي، كثيرون لم يتابعوا دراستهم الجامعية. كثيرون أنهوا الصف الثاني عشر. عدد لا بأس به منهم حصلوا على شهادة تمكنهم من الدخول إلى الجامعة، إلا أنهم لم يتسجلوا للجامعات.

لم أكن من هؤلاء.

ذهبت لوحدي. تركت قريتي البعيدة في الشمال. ركبت عدة باصات حتى وصلت إلى حيفا ومنها إلى الجامعة التي كنت أسمع عنها.

لم أعرف كيف أنتقل من قسم إلى آخر لأتسجل لدراسة اللغة العربية.

وفجأة ، بينما كنت أنقل نظراتي الحائرة والمترددة بين اللافتات على الأبنية العديدة التي تعج بها الجامعة لكشني شخص من كتفي. سألني عما أبحث. بعدما زلطت ريقي من شدة الخوف، سألته عن قسم اللغة العربية. فقال إنه قبل قليل عاد من هناك. ورافقني إلى السكرتيرة. حين طلبت مني بعض الأوراق، سارع هو إلى تصوير نسخة منها وعلى حسابه الخاص. في الكافيتيريا لم يقبل أن ادفع ثمن فنجان القهوة وكعكة الجبنة.

أبلغني أن اسمه إبراهيم. رجل وقور. هندامه أنيق. كرافته كحلية بخطوط بيضاء مائلة تكسر زرقة القميص الفاتحة. حسبته في البداية محاضرًا في الجامعة لأن عمره يزيد عن خمسين عاما. في قريتي، رجال في مثل عمره لا يذهبون إلى الجامعة، بل يلعبون الشدة والسنوكر ويشربون القهوة الحلوة عشرات المرات في النهار. يشتكون من البطالة. وإذا جاء العمل لا يعملون.

احترمته. واحترمته أكثر عندما أقلني بسيارته الجميلة إلى مساكن الطلاب. في الطريق أخبرني أنه دفع مبلغا إضافيًّا لكي يمتلك هذه السيارة. لماذا؟ سألته، فقال: لأن حوادث الطرق كثيرة في هذه الأيام، وهذه السيارة مصفحة. "هيكلها سيحميني في حال وقوع حادث طرق"، قال. بدا كلامه مقنعا، لكنني شككت. في الطريق علمت أنه يتعلم في الجامعة بعد ساعات الدوام في وظيفته في مدينة رام الله. فاحترمته أكثر. لم يسكن إبراهيم في مساكن الطلاب كما نفعل نحن، بل في منزله في القدس. كان بيته بسيطا، متواضعا، قديما، دافئا رغم البرودة الشديدة في الليالي، هذا ما حدثني هو عنه، واكتشفت في وقت لاحق أن كلّ كلمة قالها لي كانت في محلها.

وكانت زوجته "أم ديما" تبعث لي الكعك معه بشتى الأشكال والأنواع، وكان يلفه بعدة أكياس نايلون لكي لا يتسخ فرش السيارة. وكانت هذه هدية ثمينة لمن لا يستطيع أن يشتري أكثر من كيلو بطاطا يتفنن في تقشيرها للقلي والسلق والهرط والمرط والخبط والشبط، مرة مع بيض ومرة بدونه. لم يرزق "أبو ديما" ذكورًا. كانت لديه ثلاث بنات أمورات. وكان يتمنى أن يأتي الابن الذكر، لكن هذا الولد الذكر لم يأتِ. هذا ما قسمه الربّ.

كلّ مرة كنت أراه، كان يضيف إلى سيارته التي ستحميه لوازم إضافية. قطعة من هنا. قطعة من هناك. يصفح العجلات. يزيد مناعة هيكل السيارة ويصرف عليها الكثير لأن الحالة ميسورة والحمد لله.

ورغم أن إبراهيم لم يتغيب عن الدراسة خلال الفصل الأول والشهر الأول من الفصل الثاني فقد استغربت أنه في الأيام الأخيرة لم يأت إلى الدروس. وبما أن الفصل كان شتاء ظننته مزكومًا أو مفلوزًا، مبحوحا أو عنده حساسية، أو ربما بسبب التدفئة التي ركبها في سيارته المدللة. لم أستعجل للاتصال به لأنني قلت بيني وبين نفسي إنه سيعود في الأيام القليلة القادمة. فهو طالب لا يتغيب عن الدروس. كان معي رقم هاتفه في البيت. لم أسارع للاتصال به. انتظرت عدة أيام أخرى وعرفت بأنه لن يتصل بي، فلم يكن في غرفتي في مساكن الطلاب هاتف. لم يعرف أي واحد من زملائنا ماذا جرى لإبراهيم ولماذا تغيب طوال أسبوعين عن الدراسة، وعدا زميلة أخرى تركب على عينيها نظارة سميكة مثل قاعدة زجاجة الكولا، فهو الطالب الوحيد،الذي لم تفته أية محاضرة.

مع انتهاء الأسبوع الثاني ذهبت إلى بناية الهواتف في الجامعة. نزلت على الدرج وقلبي خائف ومتوجس. انتابتني قشعريرة مؤقته، بدون أن أعرف ما السبب. حاولت تجاهلها.

عندما نقرت رقم هاتف بيته توقعت أن يرد هو على المكالمة لأن الوقت كان مساء. ومن المفروض أن يكون في البيت بعد الدوام. لم أعرف ماذا سأقول له. هل اشتقت إلى كعكات أم ديما؟ أم أنني غير مرتاح في الجامعة بدون أخبار سيارته الأمينة والآمنة..

من الطرف الثاني لخط الهاتف أتاني صوت يقول ببطء غير طبيعي: ألو، مين؟

صديق إبراهيم من الجامعة...

نفس محدثتي ابتعد عن خط الهاتف وسمعتها وهي تحاول التقاط أنفاسها تقول

إبراهيم لا يستطيع التحدث..

ماذا؟

هل هو مسافر؟

نعم. مسافر. إلى مكان بعيد.

شعرت بضيق شديد في حلقي. لأنني تأكدت أن شيئا غير مطمئن قد حدث.

ثم تابعت زوجته: ألم تقرأ الخبر في الصحيفة.؟

قبل أن أخبرها بأنني لا اشتري الصحف يوميًّا، لأنني لا أمتلك النقود لذلك فأهلي بصعوبة يدفعون قسط التعليم، سارعت لأسالها: ماذا جرى؟ لم أنتبه للصحف هذا الأسبوع..

في الطريق من عند والده الذي ذهب لزيارته، شعر بضيق نفس ثم أوقف سيارته جانبا. وجدناه ميتا في سيارته. إصابته جلطة حادة. قتلته. لم يستطع مقاومتها. نعرف أنه يقدرك ويعزك. لم يكن رقمك معنا لنخبرك. ظنناك تقرأ الصحف....

بعد المكالمة. عدت إلى غرفتي. تلك الليلة لم أنم. لم أستطع أن لا أفكر بإبراهيم وبسيارته المدللة. وقررت أن أبدأ بشراء الصحف كلّ صباح..

تجدون المزيد من قصص نادر أبو تامر عبر العنوان التالي
nader.bettna.com
للمراسلة naderabutamer@gmail.com

الاثنين، سبتمبر 22، 2008

الولد الذي غيَّر اسمَه! تامر صار فادي



نادر أبو تامر

عندما ولدت كان اسمي تامر. أبي وأمي أحبَّا الاسم وقررا خلال فترة الحمل بي أن يسمياني تامر.
وذات مرة عندما كانت أمي حاملا التقى أبي برجل غريب يلتقي به لأول مرة. سأله الرجل: ما اسم ابنك البكر؟ فأجاب بأنه ينوي أن يسميه "تامر"، فأبدى الرجل انزعاجه من الاسم وطلب من أبي أن لا يسميني تامر وذلك لأن اسمي واسم أبي لا يتفقان، كما قال. واقترح الرجل على أبي بعض الأسماء الأخرى. وقبل انتهاء المقابلة بينهما عاد وحذره وقال له: هذا الاسم سيسبّب العديد من المشاكل لابنك، لأن اسمه لا يتفق مع اسمك.
ولأن أبي لا يحب أن يتدخل الناس بحياته الخاصة وبحياة أولاده، فلم يسمع كلام الرجل وصمَّمَ على أن يسميني تامر.
وهكذا ولدت باسم تامر. ولم يستجب أبي لنصائح هذا الرجل رغم التحذير.

أمي قالت لي لاحقا إن الولادة كانت صعبة للغاية. ثم تذكرت أن الولادة عند غالبية النساء هي ولادة غير سهلة. وبعد ولادتي صرت أمرض كثيرًا. وصار أبي وأمي يتغيبان عن العمل ليأخذاني إلى الطبيب، وعندما تكون الحالة صعبة يطلب منهما الطبيب أن يأخذاني إلى المستشفى. وأخبراني مرة أن حياتهما كانت صعبة في هذه المرحلة لكن حياتي أنا، كما قالا، كانت لا تطاق.

وصادف أن التقى هذا الرجل الغريب بأبي عندما كان في الطريق إلى العيادة. وعندما لاحظ أني مريض، قال لأبي: لماذا لم تسمع كلامي؟ لماذا لم تغير اسم الولد؟ ألم أقل لك إن اسمه لا يتفق مع اسمك وسوف يمرض كثيرًا؟
لكن أبي، ورغم كلّ هذه التحذيرات بقي عند نفس الرأي.

وعندما صار عمري ثلاثة أعوام ذهبت إلى الروضة. وكنت أغيب كثيرًا بسبب كثرة الأمراض التي تصيبني. وكنت أسمع الناس يقولون لأمي: "الله يشفيه".. وننتقل أنا وأمي وأبي من طبيب إلى آخر. من أخصائي الجلد إلى أخصائي الحساسية، إلى أخصائي الأنف والأذن والحنجرة. لكن، بدون أية فائدة.

وفي يوم من الأيام اتخذت أنا الصغير قرارًا كبيرًا...

عندما عدت من الروضة ناداني أبي: "تامر! كيف كانت الروضة اليوم؟"
لم أجبه عن سؤاله. وقلت له وكأنني لم اسمع السؤال: "أنا صرت اليوم فادي. اسمي صار فادي. لم يعُد تامر"!!
ضحك أبي كثيرًا. ولم يهتم بكلامي. ولم يعرف أنني جادّ فيما أقول.

في صباح اليوم التالي عندما أراد إيقاظي لأذهب إلى الروضة أتى إلى السرير وناداني: "تامر! تامر! هيا أفق وافرك أسنانك وتناول الفطور. نريد أن نذهب إلى الروضة"...
فتحت عينا واحدة كما يفعل "توم" عندما يراقب "جيري" في أفلام الرسوم المتحركة التي أشاهدها أحيانًا مع أبي، وقلت له محذرًا: "إذا لم تنادني 'فادي'، فلن أخرج من سريري!!!"
فتراجع وصار منذ ذلك اليوم يناديني باسم فادي. وأمي كذلك. وصار كلّ أولاد الروضة ينادونني باسمي الجديد. وهكذا صرت فادي. لكن بعض أصحاب أبي ظلوا ينادونه "أبو تامر". وعندما ينادونني أنا كانوا يرددون اسم تامر فلا أجيب. وكنت أغضب في البداية إلا أنني صرت أرى بأنني ولد مميز لأن لي اسمين. وأنا الولد الوحيد في الصف الذي له اسمان. كلّ أولاد الصف لهم اسم واحد فقط.

وذات يوم قالت لي أمي وهي تفك حقيبة الروضة عن ظهري عندما عدت إلى البيت في ساعات الظهيرة: هل تعرف يا تامر.. ثم صلحت نفسها وقالت: هل تعرف يا فادي أن الرجل الذي التقى بالبابا قبل أن تولد قال لأبيك إن اسم تامر غير ملائم لاسمه وإنك ستمرض. وأضافت أنه طلب من أبي أن يسميني 'فادي' لئلا أمرض.

انفعلت كثيرا عندما عرفت أن الاسم الذي اقترحه الرجل على أبي هو نفس الاسم الذي اخترته أنا لنفسي (فادي). ورغم أن أمي كانت أم تامر عندما ولدت فقد صارت هي الأخرى أم فادي. أما أبي فبقي "أبو تامر".

والغريب في الأمر، وربما لا يصدق بعضكم، أنني منذ غيرت اسمي من تامر إلى فادي لم أعد امرض بالمرة.

الأحد، مايو 25، 2008

الزرافة صاحبة العنق القصير


نادر أبو تامر

تفاجأت الزرافات الطويلات عندما وُلدت زرافة غريبة. كانت هذه الزرافة ذات عنق قصير. وبما أن كلّ الزرافات لهن عنق طويل فقد كان هذا الأمر غريبا على الزرافات.

ذهبت الزرافة القصيرة "ظريفة" لكي تلعب مع صديقاتها الصغيرات، لكنهن رفضن اللعب معها.

ثم ذهبت لتأكل بعض أوراق الأشجار مع زرافات أخريات في المنطقة، لكنها لم تستطع الوصول إلى الأوراق الزاكية بسبب عنقها القصير وعندها ضحكت عليها الزرافات فشعرت بحزن شديد.

وعندما طلبت "ظريفة" الانضمام إلى الزرافات الكبيرات في رحلة البحث عن الطعام لأطفالهن الصغار قالت لها إحدى الزرافات: يا ظريفة اللطيفة، أنت لا تستطيعين، لأن عنقك قصير.

ثم ذهبت إلى أبيها وسألته:
لماذا يهرب مني الجميع ولا يوافقون على اللعب معي؟
فقال لها: هم الذين سوف يخسرون، وليس أنت يا عزيزتي.
سألته: لكن، ألست جميلة يا أبي؟
فقال لها والدها "زروف": بل أنت أجمل الأطفال يا زرافتي الصغيرة...

وذات يوم اشتدّ الحر، وشعرت جميع الزرافات بالعطش.
وبدأت الزرافات يبحثن عن الماء، فلم يجدن.

حاولت الزرافات أن تأكل بعض أوراق الأشجار بدلا من الماء، لكن الأوراق كانت صفراء يابسة.

جاعت الزرافات وعطشن وقررن السفر إلى الوعر المجاور للبحث عن الماء.

وقفت زعيمة الزرافات تفكر بحل لكي تنقذ الزرافات الأخريات.

تقدمت الزرافة ظريفة إلى الأمام فمنعها الزعيم من التقدم.

قالت له: دعني فربما أساعدكم.

فقال لها: أيتها الزرافة ظريفة، هذه نكتة لطيفة. صحيح انك امرأة ظريفة، لكن، كيف تنقذيننا وأنت أقصر الزرافات... فحزنت الزرافة ظريفة حزنا شديدا وكادت تبكي، لكنها لم تستطع بسبب الجفاف والحر الشديد.

بعد قليل شاهدت الزرافات من بعيد نبعًا فيه ماء يلمع وشاهدن فيه صورة السماء الزرقاء.
فسارت الزرافات على الأقدام باتجاه الماء لكي يشربن منه، وإلا فسوف يسقطن على الأرض من شدة التعب والعطش والجفاف.

وصدمت الزرافات عندما وجدن قبل النبع بقليل جسرا منخفضا.
حاولت الزرافات الكبيرات المرور من تحته، لكنهن لم يستطعن. فالزرافات صاحبات الأعناق الطويلة لا يستطعن الدخول من تحت الجسر المنخفض.

تقدمت الزرافة ظريفة ودخلت من تحت الجسر بسهولة، لأن عنقها الطويل لم يمنعها من الدخول.
وصلت الزرافة ظريفة إلى المياه النظيفة وأخذت دلوا كبيرا وملأته ماء ثم عادت إلى الزعيم وأعطته الماء.

الزعيم الذي كان حلقه جافا ولسانه أبيض من شدة العطش وجلده يكاد يسقط عنه من الجفاف سألها: الزرافة ظريفة، ألا تريدين أن تشربي أنت أوّلا...
أجابته: أنا أحضرت الماء لأهلي وأصدقائي وأحبائي.
حتى الذين لم يلعبوا معك؟
نعم.. كلهم أهلي وأحبابي...

اقتربت جميع الزرافات من الزرافة ظريفة وشكرنها لأنها أنقذت حياتهن.
نظرت الزرافة ظريفة إلى والدها زروف وغمزته بعينها ثم عادت إلى النبع وشربت حتى ارتوت.
وعندما عادوا إلى البيت صار الجميع يلعبون مع الزرافة ظريفة ولم ينتبهوا بان لها عنقًا قصيرًا.

بقلم نادر أبو تامر
لمزيد من قصص نادر أبو تامر يمكنكم الدخول إلى الموقع على العنوان:
nader.bettna.com
للمراسلة naderabutamer@gmail.com

الجمعة، مايو 02، 2008

رأسي والكرة الأرضية


نادر أبو تامر

1 –
كنت أحبه كثيرا. وما زاد حبي له هو أستاذ عماد معلم الموضوع الذي كان يضحك معنا ويروي لنا قصصا كثيرة جعلتنا نحب الدرس. وخصوصا أنه كان في كلّ مرة يدخل إلى الصف وهو يحمل مجسم الكرة الأرضية. ويطلعنا على البحار والمحيطات والتلال والجبال.

2 –
لكن ما حدث في الدرس الأخير لن أنساه إلى آخر يوم في حياتي. فقد دخل أستاذ عماد إلى الصف بدون مجسم الكرة الأرضية. فقلت في نفسي إنه سوف يروي لنا الكثير من القصص اليوم. لكنني كنت خائفا.

3-
وارتجفت فعلا عندما رفع صوته باتجاهي قائلا: "لؤي! إذهب إلى غرفة المديرة دلال وأحضر الكرة الرضية!".
- نعم يا أستاذ.
- أقصد، أحضر مجسم الكرة الأرضية.
- حاضر.

4-
كنت أحب أرضية البلاط بين صفي وغرفة المدير. ركضت قليلا ثم تزلجت على البلاط وكأنني على أتزلج على الجليد. نظرت إلى الخلف فرأيت التلم الذي حفرته في الغبار على البلاط. وعندما وصلت إلى غرفة المديرة دلال. قرعت الباب ولم أسمع إجابة. فتحت الباب قليلا. لم يكن مقفلا. لكنني ترددت في الدخول.

5-
عندما عدت إلى غرفة الصف، سألني أستاذ عماد؟
- هل زرت القطب الشمالي.
- لا.
- ترغب في زيارته؟
- لا أدري.
- ولماذا كنت تتزلج على البلاط..
لم أعرف ماذا أقول..


6-
وواصل أستاذ عماد:
- إذا كنت ترغب في التزلج على الجليد، فابحث عن مكان آخر سوى المدرسة...
فضحك بعض الطلاب، وخصوصا لمى التي تنافسني على المرتبة الأولى في الصف.
كانت كلمات أستاذ عماد تمزق قلبي وروحي. تألمت من كلماته الحادة ولهجته الساخرة. وأسفت بيني وبين نفسي على ما فعلت. ثم أمرني:
- إجلس مكانك.

7-
جلست مكاني. إلى جانب الطاولة الأولى وأنا اسأل نفسي لماذا قمت بهذه الفعلة؟ لماذا تزلجت على البلاط؟
وفجأة، اقترب أستاذ عماد مني وقال:
- وهل نسيت أن تحضر مجسم الكرة الأرضية؟
- لا.
- إذن، لماذا لم تحضره؟
- لأن المديرة دلال ليست في الغرفة.
- لكنك فتحت الباب. هل فتحت الباب بدون إذن؟
انكمشت في مكاني والتصقت بظهر الكرسي الذي أجلس عليه من شدة الخجل. وكانت لمى تنظر إليّ وكأنها تقول لي:
- أنت لست على مستوى التنافس معي.


8-
وبينما كنت أفكر بردود فعل طلاب الصف على تصرفاتي، وضع أستاذ عماد يده على رأسي ولفه باتجاه الطلاب الذين يجلسون خلفي. وقال:
- لؤي رأسه مدوّر، يشبه الكرة الأرضية. تعالوا أشرح لكم اليوم درسا عن الغابات...
امسك خصلة من شعري وشدّها إلى أعلى وقال: الغابات قد تكون خضراء وقد... ثم بدأ يشرح عن المحيطات...

9-
نظرت إليّ لمى ساخرة ووجهت كلامها إلى الأستاذ:
- أستاذ عماد، بالنسبة للدرس السابق عن جبال الألب، لم أفهم ما هو شكلها؟
تأمل الأستاذ راسي ثم وجهي، ويبدو أنه وصل إلى أنفي وأجابها:
- هل ترين أنف لؤي. جبال الألب لها نفس الشكل تقريبا..
وعندها شعرت بغضب شديد وكدت أغادر الصف.

10-
وقبل أن يعيد راسي إلى مكانه عاد يتحدث إلى لمى وقال لها:
أنظري يا لمى... المشكلة على الجبال هي البرد القارس في ساعات الليل. فإذا سافرت إلى هناك. عليك أن تأخذي ملابس دافئة.

11-
وإذا لم آخذ ملابس دافئة يا أستاذ؟
أشار أستاذ عماد بأصابعه إلى فتحتي أنفي وقال لها:
إذا لم تأخذي ملابس دافئة، فيجب أن تختبئي من البرد في مغارة.
ضحك الطلاب طوال دقائق عليّ. وكانت أعلى ضحكة هي ضحكة لمى.
ومنذ ذلك اليوم لم أعد أحب درس الجغرافية.

موقع نادر أبو تامر
للمراسلة