‏إظهار الرسائل ذات التسميات ميرا جميل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ميرا جميل. إظهار كافة الرسائل

السبت، يوليو 11، 2009

رجــــــــــــــــــــــــل

د. ميرا جميل

في رحلة طيران جلست شقراء جميلة جدا بجانب محامٍ كبير ومعروف.. الشقراء شدت أنظاره. قال لنفسه: " لو كان لها عقل بقدر نصف جمالها لكنت أجيرا عندها. سبحان الذي يهب الجمال لمن لا عقل له ". وبعد تفكير أضاف لنفسه: " الرحلة طويلة، ومع شقراء جميلة وغبية بالتأكيد ستكون رحلة ممتعة جدا.. وقد أدعوها بعد هبوط الطائرة إلى قضاء ليلة معي ".
وبدأ يعاكسها .. من أين سيدتي ؟ هل تعرفين ان جمالك مميز ؟ انا محامي اسافر لأمثل شركة عملاقة في قضية كبيرة ستدر علي مليون دولار بالتأكيد. يعمل لدي في المكتب عشرة محامين ويبدو اني سأحتاج الى ثلاثة آخرين على الأقل .. هل تبحثين بالمناسبة عن عمل ؟ مكتبي يحتاج الى موظفات جميلات لاستقبال الزبائن .. زبائني من طبقة راقية جدا .. تصوري أغنياء من مستوى بيل غيتس يرفضون ان يمثلهم أحد غيري؟ الرحلة ستكون طويلة يا سيدتي ، هل تعرفينني على نفسك ؟ ما رأيك ان نتسلى بلعبة جميلة ، حتى لا نشعر بالوقت .. وعشرات الأسئلة .. وهي تنظر اليه شذرا وتحاول التملص من مضايقته لها ، وهو يزداد اقتناعا انها صيد رائع لمحامٍ صار اسمه عنوانا لأصحاب الملايين .
- " اسمعي يا سيدتي الجميلة ، أقترح عليك لعبة ، ونسبة الفوز من واحد لي الى عشرة لك .. انا أسألك .. اذا لم تعرفي الاجابة تدفعين لي خمسة دولارات . ثم تسألينني أنت . اذا لم أعرف الجواب أدفع لك خمسين دولار.. ما رأيك ؟"
وضحك ضحكة كبيرة معتزا بمعلوماته وقدرته على الانتصار على هذه الشقراء الجميلة والغبية والمغرية بنفس الوقت .
نظرت اليه بطرف عينها ، وهزت رأسها موافقة .
- " وقعت بالفخ " قال معتدا بنفسه ، شاعرا ان الطريق لقضاء ليلة معها باتت مضمونة .
وسألها :
- ما المسافة بين الكرة الأرضية وأقرب كوكب في المجموعة الشمسية ؟
لم تجب ، أخرجت من حقيبتها خمسة دولارات وأعطته اياها... ضحك سعيدا لأنه أثبت تفوقه بالذكاء عليها من السؤال الأول .
- " الآن دورك " قال لها .
وسالته :
- ما الذي يصعد التل بثلاث سيقان وينزل منه بأربع..؟
فكر طويلا . وشعر بالاحراج لأنه لم يعرف الجواب . ثم اضطر الى اخراج محفظته ودفع لها خمسين دولار. الشقراء أدخلت النقود في حقيبتها دون ان تقول شيئا.
المحامي قال لنفسه : "يبدو انها أذكى مما توقعت " وسألها :
- حسنا .. ما هو الجواب لسؤالك ؟
ودون ان تقول الشقراء اي كلمة ، أخرجت من محفظتها خمسة دولارات وأعطتها للمحامي!!


كاتبة وباحثة اجتماعية - نيقوسيا
meara.jameal@gmail.com

الاثنين، فبراير 16، 2009

النهضة المشلولة والأوهام الخارقة

د. ميرا جميل

لم تبدأ نهضة أي شعب من شعوب الأرض من الصفر، ولم ينجز أي شعب نهضته بالانغلاق عما أنجزته ثقافات وحضارات سبقته في التاريخ أو في التقدم. أو بالادعاء انه يملك في موروثاته الثقافية أوالدينية كل ما يلزمه للتقدم العلمي أو الاقتصادي او الفكري أو التكنلوجي .العلوم الانسانية والطبيعية لا هوية قومية أو دينية لها.حتى لو حملت أسم مكتشفها . بمعنى ان اكتشاف العالم الانكليزي اسحق نيوتن لقانون الجاذبية، لم يجعله قانونا بريطانيا لا يسقط التفاح بموجبه الا على رؤوس البريطانيين.. والعالم الألماني ألبرت أينشتاين ، الذي وضع النظرية النسبية ، لم يحصر النسبية بالفكر والعلوم الألمانية فقط .. والعالم والطبيب العربي ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية في جسم الانسان ،لم يوقف هذه الدورة على أجسام العرب فقط..

وتاريخ الثقافات مليء بالتفاعلات والنقل والتطوير ، وكل محاولات حصر الثقافة او العلوم بأسبقية في هذه الثقافة ألقومية أو الدينية أو تلك ، هي محاولات تقترب من التهريج الفكري والغباء المطلق.. لكل مكتشف قيمته ومكانته في تاريخ العلوم وتاريخ تطور المجتمعات البشرية. ولكل علم اختصاصه غير المقيد بدين وثقافة وقومية.. ومقابله نجد التبرير غير العقلاني للتخلف ، والتمسك به... في جميع مجالات الحياة ، وهذا يبرز بشكل جوهري في عدم تطبيق العلوم الانسانية والطبيعية والتقنيات عالية الدقة وتطوير مناهج التعليم .

صحيح ان عصورا مختلفة قدمت شخصيات احتلت مكانة عظيمة في التاريخ . وهذا نجده في مثلا في الثقافة الاغريقية ، في الثقافة الرومانية ، في الثقافة الفرعونية في الثقافة الفارسية وفي الثقافة الاسلامية.. وبالطبع هناك ثقافات وحضارات أخرى أثرت مجمل العقل الانساني والمجتمعات البشرية في انجاز التقدم ... وقد أحدثت كل ثقافة دفعة حضارية واصلت فيها ما أنجزته ثقافات تاريخية متعددة وبالغة الاتساع.

ان محاولات بعض "المتذاكين" ، تصوير انجازات العلوم وكأنها مساحة محصورة بفكر موروث هو أمر لا يوازي المهزلة والسخرية فقط ، بل الانتحار الحضاري أيضا!!وهنا لا بد من الاشارة ، ان الفكر العربي في القرن العشرين ( الماضي) لم يشهد تحولات تخرجه من بوتقة الأوهام الطوباوية .. التي تبرز في معظم الطروحات التي يحري تداولها وتمحيصها وتأويلها .

ان الانجاز العلمي لا يُقيم الا بالتطبيق العملي له ، وعلى فرض ان بهلوانية ادعاءات "ملكية" العلم صحيحة..اذن كيف يمكن تفسير عدم الاستفادة من العلوم "الموروثة " والتخلف العلمي الآخذ بالاتساع ؟!. وهل من قيمة ترتجى من مخبول ، يحمل مليون شهادة دكتوراة في العلوم ، يدعي ان موروثاته سباقة لكل اكتشاف علمي جديد ، ولكل معرفة علمية جديدة؟

وماذا بعد هذا البيان ؟

هل من تغير في الواقع العلمي العربي ؟

هذه الادعاءات تتجاوز حدود العقل البدائي ، وتظهر بأنها محاولة لتبرير التخلف والاحباط ، وتقود الى التمسك بحالة متدنية من التفكير ، ومن فقدان الحوافز للتقدم النهضوي ، ومن دوافع وبرمجيات لا بد منها للحاق بحركة العلوم والتقنية ، بل وتقود الى استمرار الانغلاق الفكري والاجتماعي وتنمية عقلية لم تعد تصلح لعالمنا المعاصر. بدل ان نطلق العنان لأصحاب الفكر والعلم والأدب والابحاث ليمهدوا الطريق امام نهضة حاسمة في انبعاثنا الحضاري، نقوم بزج المزيد من العراقيل ،وبعضها شديدة العنف.. لنبقى على تخلفنا وتبعيتنا الحضارية والاستهلاكية في جميع المجالات.

شعوب كرتنا الأرضية ، ودول عالمنا اليوم ، تكتسب مكانتها على الخارطة السياسية والاقتصادية ، وبالتالي ، تكتسب اتساع نفوذها وقوة موقفها ،وقوتها العسكرية ، ليس من الهرطقة الفكرية والادعاءات التي لا تشبع بقرة في حظيرة. انما لما تسهم به من انتاج حضاري ، وما تنجزه من بحوث علمية متطورة. وما تتوصل اليه من تقنيات متطورة ، وما ينعكس شرطا على تطوير معاهدها العلمية وجامعاتها ، لجعلها في مقدمة المعاهد والجامعات في العالم ، الأمر الذي يقود الى دمج الاقتصاد والاستثمارات بالتقنيات الجديدة ومردود ذلك الاقتصادي الهائل .

وهذا المردود ينعكس على مستوى الحياة ومستوى الخدمات والتأمينات الاجتماعية المقدمة ومستوى حرية الرأي والتعددية الفكرية ونوعية النظام وحساسيته لمطالب المواطنين . والأهم قيمته في رفع مستوى حياة المواطنين .

لا شك ان عصر النهضة الاوروبي كان المعبر الذي ولجه عالمنا لنهضته الحالية . قد ينتقد البعض تصرفات اجرامية سادت عصور النهضة والثورات الصناعية والعلمية والتكنلوجية.. خاصة ضد الشعوب المستضعفة. الانتقاد صحيح . ولكن ان ننفي انجازات حضارة لم نعد نعيش الا على منجزاتها ، ولم نعد قادرين على القيام باي حركة دون تجهيزاتها ، ولم نعد قادرين حتى على ذمها دون ان نستعمل ما انجزته من أدوات تكنلوجية ، وحتى تصدير انتاجنا من الطاقة الذي جاءنا هبة من السماء ، لا ينجز الا بوسائل لا علاقه لها ب "علومنا الموروثة" والنائمة نومة أهل الكهف في عقول تبريرية هرطقية ، بل بمنجزات تكنلوجية ليس لنا فيها ولو جزء صغير من التخطيط والانجاز .ومع ذلك نصر على وجودها في موروثاتنا ، حسب هرطقات يبشرنا بها "علماء"بلا علوم وبلا منطق فكري بسيط .. يعيشون بهرطقتهم وليس بعقلهم ، ببرامجهم الفضائية وليس بأبحاثهم العلمية .

بالطبع لا ننفي دور علماء الحضارة العربية الاسلامية في النهضة العلمية والفكرية والانسانية التي شهدتها اوروبا ، ومنها انتشرت الى كل أطراف المعمورة متجاوزة عالمنا العربي ، الذي خضع وما زال يخضع للتخلف منذ ستة قرون على الأقل ، ويبرره بهرطقات لا بد من تقديم أصحابها لمحاكم جنائية لما يرتكبوه من أكبر جريمة بحق شعوبهم . جريمة التجارة بالدين والتضليل المبرمج ، وما يفرزه ذلك من عدائية مستهجنة لكل انسان لا يمارس نفس العقائد البالية الدخيلة التي لا يربطها رابط بحقائق عالمنا المعاصر..

الفيلسوف الألماني هيغل لم يكن معاديا للايمان المسيحي ، بل مسيحيا مثاليا، وطرح رؤيته حول "الفكرة المطلقة" التي عبر بها عن الله. ومع ذلك نجد انه كان عقلانيا ولم يغرق بالغيبيات التي سادت الايمان المسيحي .

قال: " ان اسس الدين يرجع الى الشعور بالعجز عن تصور المثل الأعلى في الوجود ، وبالرجوع الى العنصر الأساسي في الدين ، وهو الألوهية ، نجد انها ظهرت مع البدايات المبكرة للوعي الانساني ، وكانت في جوهرها انعكاسا وهميا عن العالم لأنها وجدت في غياب الوعي العلمي في مرحلة اتسمت بأدنى مستوى لتطور العلوم " . وكأني به يتحدث عن واقع مجتمعاتنا العربية اليوم !!

ونجد ان ماركس ( الملحد ) يقول :" ليس وعي الناس هو الذي يقرر كيانهم ،انما كيانهم الاجتماعي هو الذي يقرر وعيهم ". عمليا ماركس لم ينف هيغل بما قاله ، بل أكد على رؤية هيغل العبقرية .. تطور المجتمع ( كيانهم الاجتماعي ) .. يزيد الوعي العلمي.. وبالتالي يخلص المواطنين من الانعكاس الوهمي عن العالم.

حقا الاسلام قدم مبادئ اساسية هي أيضا ملزمة ، ولكنها عامة، وليس لحالة محددة. والمنطق في ذلك هو منطق كل الديانات ، اعطاء قواعد أخلاقية عامة ملزمة. يصلح مضمونها لكل زمان ومكان . ولا يتناقض مع رقي المجتمعات وتطورها .. وتشكل مبادئ انسانية يتفق عليها المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي والهندوسي ، وهي ليست صيغة خاصة بدين .. لأن فلسفة الأديان وعلم الأديان المقارن يوضح لنا ان كل الديانات نقلت عن بعضها بدءا من الديانات الوثنية حتى الديانات التوحيدية. وبعض القصص الدينية هي تكرار وثيق الصلة بقصص من ثقافات غير دينية.

ان المبادئ التي يناضل المسلم لتحقيقها ، لا أعني التحريفات الأصولية والوهابية على وجه الدقة ، تعبر عن مثل عليا لكل انسان ولكل مجتمع .وبالطبع هناك الاجتهاد في كل دين لايجاد الطريقة المثلى لتطبيقها.. وفق معطيات العصر وليس ضده.

ان العلوم الانسانية تتطور باستمرار ، لأنه من المستحيل ادارة مجتمع صناعي علمي تكنلوجي متطور ، بنفس اساليب ادارة مجتمع ، افضل وسيلة تنقل فيه هي الجمال. وأفضل وسيلة اتصال فيه تستغرق اسبوعا لقطع 50 كيلومترا. وأفضل انجاز علمي فيه ايجاد بئر ماء..

ان تاريخ الحضارة الاسلامية يشير ان اسلافنا استلهموا من الحضارات السابقة لهم ، واستفادوا من انجازاتها وتطبيقاتها ., وغالبية هذه الحضارات لم تكن عربية. مثلا أبو هريرة نصح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بقوله : " اني رأيت الفرس يدونون ديوانا يعطون الناس عليه " فدون عمر ديوانا ( طبقات ابن سعد ).

وعندما فكر عمر بن الخطاب بوضع ضريبة على الارض الزراعية ، لم يجد حرجا في تطبيق شريعة وضعها كسرى انو شروان الفارسي المجوسي. ويعرف هذا التشريع الاقتصادي بالتراث الاسلامي باسم "وضائع كسرى" أي القانون الذي اتفق عليه الناس . وقد أدى التوسع بالفتوحات الاسلامية لنشوء أوضاع اجتماعية اقتصادية جديدة، مما فرض تغيير تنظيم الدولة البسيط ( فترة الرسول ) الى تنظيم مركب أكثر .. ولم يعترض أحد من الصحابة والانصار وسائر الشخصيات الاسلامية البارزة. فشكل عمر الجيوش الاسلامية المحترفة. . حسب ما كان سائدا في الشام قبل فتحها : " يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكا قد دونوا ديوانا وجندوا جنودا " كما قال الهشام بن المغيرة ( طبقات ابن سعد) .

هل ما ساد أيام السلف يعتبر خروجا عن الدين اليوم ؟ لم يقل أحد وقتها ان هذا النظام جاء في الأحاديث او نص الدين .. كما صارت العادة اليوم . بل نقل ما هو لصالح المجتمع واقتصاده ونظامه وتطوره.

د. ميرا جميل – باحثة اجتماعية ، وكاتبة – نيقوسيا

meara.jameal@gmail.com


الأربعاء، يناير 07، 2009

العقم الفكري في التفكير الاستعلائي

د. ميرا جميل

تعالج الفلسفة حالات بالغة التعقيد ، ومنها مواقف تحتاج الى قدرة خارقة للعقل لكي يكشف ما تخبئه تصرفات البعض. وبما ان القدرة الخارقة للعقل ، هي من نصيب قلة قلية جدا من البشر ، لذا تعلمنا الفلسفة طرقا سهلة لفهم التصرفات وما ينتج عنها من مواقف.
الفيلسوفان توماس كاتكرت ودانيئيل كلاين ، طورا طريقة جديدة لفهم اعقد المشاكل الفلسفية عبر القصص والنوادر المضحكة.. الكتاب صدر بالانكليزية ويحمل عنوانا لاذعا : " افلاطون والحمار يدخلون الى البار "
ويبدو ان الدمج بين أفلاطون ، عبقري كل العصور ، والحمار ، لم يكن بالصدفة ، فهو التعبير عن الحالات المستعصية في الغباء والانغلاق.
مثلا كيف نفهم نفسية شخص يستعلي على الآخرين ؟ وما تسمى هذه الظاهرة ؟ وما هي أفضل الطرق ليفهم بدون نهيق انه بمستوى الحمار ؟
هذه الحالة صنفها الفيلسوفان ضمن الفلسفة الاجتماعية والسياسية. مثلا نظرتنا الاجتماعية للمرأة هي نظرة دونية. ولكن الحركة النسوية التي بدأت في القرن السابع عشر، أسقطت النظرة الدونية في العديد من الدول.. واليوم نحن أمام حركة ما بعد النسوية ، أو النسوية الجديدة ، والتي تعتقد ان المرأة قادرة على الانتصار والنجاح في كل مجال ، حتى ما كان حتى اليوم وقفا على الرجال .
حسنا لا أتحدث عن المرأة في شرقنا .. وضعها محزن وتعيس .
نفس الأمر ينسحب على رؤيتنا للأحزاب الأخرى ، في حالة انتمينا الى حزب ما .. الأخر دائما ما دوننا وطنية وثقافة وقدرة على العمل الجماهيري والتنظير .. لا شيء يعجبنا في الآخر .. هذا ليس الا حالة تعالجها الفلسفة ( وعلم النفس أيضا ) وتحاول ان تعطي اجابات عليها بطريقتها الخاصة ، وكما قلت الفيلسوفان مؤلفي الكتاب المذكور أعلاه ، ينهجان بطريقة جديدة .. من معرفتهما ان طرح الاصطلاحات الفلسفية قد يدخل القارئ بدوامة وقطيعة من النص . وقد توصلا الى شرح عن طريق القصص والفكاهة السوداء أحيانا. وحسب غراوتشو ماركس ( وهو غير كارل ماركس المشهور - وربما يجب حذف الألف بعد الميم من اسمه الثاني ) لخص ايديولوجيته الآساسية بقوله : " هذه هي مبادئي، اذا لم تعجبك ، يوجد لدي غيرها" .
بالطبع سيفطن القارئ هنا ان هذا المبدأ العبثي ، واسع الانتشار بين "مثقفينا" الذين دخلوا مع أفلاطون الى البار. لا تعجبك جملة ؟.. خذ عشرة غيرها . لا يعجبك موقف ؟ .. نحن كرماء وانت تستحق .. خذ عشرون غيره . لا يجبك ما اللقب الذي انزلناه عليك ..؟ نجد ألقابا أخرى..
فقط "الحمار" الذي دخل البار، قادر على هذا الكرم ، لأنه لا يخسر شيئا .. سيبقى حمارا ولن يصير افلاطون.. أو بعضا منه !!
بالطبع هناك افلاطون واحد .. ولكن البشرية ليست بعاقر .. هناك فلاسفة آخرون .. تجلت عبقريتهم في مجالات مختلفة لم تكن قائمة في عصر أفلاطون .
اما الصنف الآخر .. صنف الحمار .. فهو صنف لم يتغير منذ عصر أفلاطون ، حتى لو اتخذ أشكالا جديدة. أحيانا أشكالا بشرية ، ولكن العقل هو المقياس والتصرف هو الاثبات الفلسفي على التباين بين عالمين . عالم أفلاطون وعالم الحمار بأشكاله المتعددة.
اذن لماذا رافق أفلاطون الحمار الى البار؟ لماذا لم يرافق هيغل مثلا ؟ أو الفارابي القريب في رؤيته للمدينة الفاضلة من جمهورية أفلاطون ؟
يبدو ان الفلاسفة جنس نادر في ميولهم ايضا . فهم يفضلون مرافقة من دونهم معرفة وذكاء ، واذا التقى فيلسوفان يقع النزاع . واذا التقى مثقفان يتنافران فورا . واذا التقى مهنيان يجب الاستعداد للفصل بينهما . السبب ؟ لا ضرورة له . أولا التنافر ، النزاع ، الشتائم ، وبعد ذلك فقط .. يبحث كل طرف عن أسباب يفسر فيها صحيحه.. وسقوط غريمه !!
يبدو ان الحياة .. بعد تفاحة حواء .. تلخبطت أكثر مما توقع آدم . فصرنا الشيء وضده . الكلمة ونقيضها . الحب والكراهية. الأخلاق والإنحطاط . والى آخر هذه المتناقضات التي لا تحتاج الى افلاطون لنفهمها.
من السهل اتهام انسان . من الصعب التراجع والاعتذار. افلاطون ( كنموذج للمثقف الراقي عبر كل العصور) ما كان ليسقط في خطأ الاتهام بدون معرفة ويقين .. لماذا ..؟ لأنه يستعمل عقله وليس مشاعره.
الحمار عندما يرفس لا يختار ضحيته .. غريزته تطلق قدماه الخلفيتان لصد ما يتوهمه خطرا عليه . فهل يليق هذا التصرف بأبناء البشر ، وخاصة بالمثقفين من بينهم ؟
اذن لنحدد ان النظرة الدونية للآخرين هي نظرة قاتلة لصاحبها.
عندما يكون محور الموضوع بين فئة اجتماعية يفترض فيها جانب أفلاطوني ما – العقل اساسا ، وتتصرف حسب وهم يغلق عليها منافذ الفكر ..وصواب القرار – حالة الحمار ، لماذا يثورون اذن اذا تلقوا الرد على نظرتهم الدونية للآخرين ؟
لا يهمني مستوى الرد .. نحن لسنا في مختبر فيزياء لنتوقع ان يسري قانون فيزيائي اكتشفه نيوتن حول الفعل ورد الفعل. والذي يقول "
عندما يؤثر جسمان بعضهما في بعض فإن القوة التي يؤثر بها الجسم الأول في الجسم الثاني تساوي في المقدار وتضاد في الإتجاه القوة التي يؤثر بها الجسم الثاني في الجسم الأول"
هذا صحيح في الفيزياء التي تدرس الموضوع في اطار الأجسام الغير واعية. ولكن في اطار الأجسام الواعية قد يكون رد الفعل أكثر ايلاما وقوة ، أو أضعف ، يتعلق الأمر بالشخص وقدراته وذكائه.
لذلك الحوار بين شخصين عاقلين يجب ان يلتزم بعدم التجريح . لأن البادئ بالذم قد يتلقى ردا يتجاوز التجريح الذي صاغه في نصه ظنا منه انه كسب نقاطا هامة .. ومنطلقا أيضا من نظرة دونية للآخر.. ومليئة بالوهم حول القدرات الشخصية .
واذا تبين أن الأخر لا يقل ذكاء وشراسة في الرد وبمقدار وتضاد في القوة تؤثر ثأثيرا مضاعفا ، ما العمل عندها؟ الى أين سنصل؟
مجنون قذف حجرا في بئر ، لن يخرجه مائة عاقل!!
القانون الفلسفي ، والمدني أيضا ، لا يمكن أن يلوم البادئ فقط . انما يلقي عليه معظم التبعات ، ويوبخ الآخر الذي اندفع بدل ان يعطي للقانون أن يرد اليه حقه وكرامته .. ولكننا نتعامل مع منطق آخر لا علاقة له بالقانونين .. أشبه بالقانون القبلي ، وعلية البادئ أظلم قطعا .ويؤسفني أن أقول انه لا يوجد تبرير للبادئ ، مهما كانت مصداقيته واضحة. وان ما يطرحه ويصر عليه من تبريرات هي عذر أقبح من ذنب.

في الاجسام غير الواعية لا توجد مشكلة ، بل توجد حلول علمية ، في الأجسام الواعية المشكلة غير سهلة... وتلقى آثارا سلبية على تطور الثقافة واتساع دائرة المهتمين بما نكتب وننشر كأصحاب رأي وثقافة من المفروض اننا لا نمثل فقط أنفسنا عبرها ، وانما نمثل مسيرة ثقافية تاريخية ، وكل اسفاف هو طعن بهذه المسيرة..
راجعوا الحوارات الفلسفية في تاريخ البشرية .. راجعوا مناهج النقد الفكري والثقافي والأدبي .. لن تجدوا النظرة الدونية للأخرين .. تجدون النقاش الجاد والحاد . تجدون الجهد الكبير لتطوير النظريات الثقافية والفلسفية وانعكاساتها الايجابية على الفكر والانسان والمجتمع والعلوم والتاريخ والقانون والدين والنظام والوعي والمعرفة والتربية . فهل لحواركم أيها الأساتذة نفس النتيجة أو ذرة منها؟

تخيلوا قائدا عسكريا يخطط لمعركة فاصلة من وجهة نظر دونية لعدوه ؟ يقول لنفسه : " عدوي غبي .. عدوي لا يعرف استعمال السلاح ، عدوي جبان ، عدوي يهرب من أول طلقة ، عدوي لا يفهم تكتيكات الحرب ، عدوي فقير باللوجيستيكا ، عدوي متخلف ثقافيا عني ، عدوي لا يملك ما يصد اندفاع جنودي.. "
سلفا أقول لكم انه سيهزم شر هزيمة في الحرب ...
اذن النطرة الدونية هي مشكلة من يمارسها.
انت لا تعرف عدوك .. لا تعرف قدرته على الصمود حتى بمعدات أقل شأنا من معداتك .. ارادته للقتال تغطي على نصف نواقصه .. يؤمن بقضية عادلة وانت تراها من زاوية حسابات عسكرية مجردة .
تعرف كم كيلومتر تقطع الدبابة في الساعة .. ولكنك لن تعرف أبدا اذا كانت طريقها سالكة ولا يواجهها قناص بلا علم عسكري ، وبسلاح بدائي قاتل.. يدفنها في الأمتار الأولى من تحركها ..
التاريخ البشري أثبت ان القوة الكبيرة الضامنة لكل أسباب الانتصار ، لم تكن هي الرابحة في النهاية. او خرجت أقل شأنا من وضعها قبل الحرب.
في الثقافة الموضوع أكثر بساطة بالطبع .. ولكنه أكثر انفلاتا .. الاستهتار بالآخر سيف ذو حدين ، وأحيانا حده الآخر أكثر ايلاما.
النظرة الدونية هي السقوط الأول والأكبر لأي مثقف .. تعالوا أحدثكم عن قصة مناسبة لعلها تشرح أفكاري بشكل أفضل .. وانهي فيها مداخلتي :
في رحلة طيران جلست شقراء جميلة جدا بجانب محامي كبير ومعروف .. الشقراء شدت أنظاره . قال لنفسه : " لو كان لها عقلا بقدر نصف جمالها لكنت أجيرا عندها . سبحان الذي يهب الجمال لمن لاعقل له ". وبعد تفكير أضاف لنفسه : " الرحلة طويلة ، ومع شقراء جميلة وغبية بالتأكيد ستكون رحلة ممتعة جدا .. وقد أدعوها بعد هبوط الطائرة الى قضاء ليلة معي ".
وبدأ يعاكسها .. من أين سيدتي ؟ هل تعرفين ان جمالك مميز ؟ انا محامي اسافر لأمثل شركة عملاقة في قضية كبيرة ستدر علي مليون دولار بالتأكيد . يعمل لدي في المكتب عشرة محامين ويبدو اني سأحتاج الى ثلاثة آخرين على الأقل .. هل تبحثين بالمناسبة على عمل ؟ مكتبي يحتاج الى موظفات جميلات لإستقبال الزبائن .. زبائني من طبقة راقية جدا .. تصوري أغنياء من مستوى بيل غيت يرفضون ان يمثلهم أحد غيري؟ الرحلة ستكون طويلة يا سيدتي ، هل تعرفيني على نفسك ؟ ما رأيك ان نتسلى بلعبة جميلة ، حتى لا نشعر بالوقت .. وعشرات الأسئلة .. وهي تنظر اليه شذرا وتحاول التملص من مضايقته لها ، وهو يزداد اقتناعا انها صيد رائع لمحامي صار أسمه عنوانا لأصحاب الملايين .
- " اسمعي يا سيدتي الجميلة ، أقترح عليك لعبة ، ونسبة الفوز من واحد لي الى عشرة لك .. انا أسألك .. اذا لم تعرفي الاجابة تدفعين لي خمسة دولارات . ثم تسألينني أنت . اذا لم أعرف الجواب أدفع لك خمسون دولارا.. ما رأيك ؟"
وضحك ضحكة كبيرة معتزا بمعلوماته وقدرته على الانتصار على هذه الشقراء الجميلة والغبية والمغرية بنفس الوقت .
نظرت اليه بطرف عينها ، وهزت رأسها موافقة .
- " وقعت بالفخ " قال معتدا بنفسه ، شاعرا ان الطريق لقضاء ليلة معها باتت مضمونة . وسألها :
- ما المسافة بين الكرة الأرضية وأقرب كوكب في المجموعة الشمسية ؟
لم تجب ، أخرجت من حقيبتها خمسة دولارات وأعطته اياها... ضحك سعيدا لأنه أثبت تفوقه بالذكاء عليها من السؤال الأول . " الآن دورك " قال لها . وسالته :
- ما الذي يصعد التل بثلاثة سيقان وينزل منه بأربعة سيقان..؟
فكر طويلا . وشعر بالاحراج لأنه لم يعرف الجواب . ثم اضطر الى اخراج محفظته ودفع لها خمسين دولارا. الشقراء أدخلت النقود لحقيبتها دون ان تقول شيئا. المحامي قال لنفسه : "يبدو انها أذكى مما توقعت " وسألها :
- حسنا .. ما هو الجواب لسؤالك ؟
ودون ان تقول الشقراء اي كلمة ، أخرجت من محفظتها خمسة دولارات وأعطتها للمحامي!!


د. ميرا جميل - باحثة اجتماعية وكاتبة فلسطينية مقيمة في نيقوسيا
dr.meara@gmail.com

الجمعة، نوفمبر 28، 2008

هرطقة "الحداثة" في النقد داخل فلسطين 48

د. ميرا جميل
عن "الحداثي" الذي تجاوز أدونيس بمراحل !!

لفتت انتباهي جملة في مراجعة لديوان شاعر عربي من فلسطين 48 ، كتبها الدكتور بطرس دله في نقد نشر على موقع "صوت العروبة "، يقول فيها : " يدعي الكثيرون أنهم وحدهم يعرفون ما هو شعر الحداثة؛ وكنا أنا ومجموعة من أصدقاء مدرسة "يني" الثانوية قد عقدنا مهرجاناً كبيراً حول شعر الحداثة" ، وكان قد قال في جملة سابقة واصفا الديوان : " ففيه خروج عن المألوف وتطور للأفضل فيما يسمّى باسم شعر الحداثة modernism. ".

لم أقرأ الديوان وأمل ان يصلني الى منفاي الاختياري في نيقوسيا لأقرأه وابحث عن العلاقة ين النص الشعري والنقد والحداثة التي اكتشفها الناقد ، وماذا يعني ب :" الخروج عن المألوف وتطور للأفضل فيما يسمّى باسم شعر الحداثة" لعلنا نستفيد بعنصر جديد نلحقه بمفهوم الحداثة .

لست في باب تقييم الديوان أو "الحداثة " في شعر الديوان ...

جملة الدكتور بطرس دله تشير الى عدم فهم رهيب لموضوع الحداثة في الأدب والفكر والفلسفة . وكيف له ذلك والثقافة العربية، في كل الوطن العربي ، لم تنجز استحقاقات الحداثة بعد، وتبدو الحداثة موضوعا للترف الفكري في الثقافة العربية ، لأن الثقافة العربية تفكر وتنتج نفسها في واقع عربي اجتماعي واقتصادي وثقافي هو ما قبل الحداثة أصلا..!!

يستطيع د. دله ان يدمج كلمات لاتينية بعد كل جملة . هل سيتغير الحال مع مضمون الحداثة الأدبية ؟ وهل أضحت الحداثة معلما ابداعيا .. بدونه لا قيمة للعمل الأدبي ؟

اقدر تقديرا كبيرا جهود الدكتور بطرس دله في مراجعاته الأدبية ، أو النقدية كما يحب ان يسميها ، رغم ان النقد غير قائم في نصه ، وليس لهذا أهمية ... فهو يقدم خدمة كبيرة باعطاء فكرة جيدة عن الاصدارات الأدبية ، وقد استفدت حقا من مراجعاته لأبقى على معرفة بأخبار الوطن الثقافية .. ومع ذلك آمل ان يتحرك نقاد الأدب ، في فلسطين 48 ، وفي العالم العربي لإعادة التوازن الثقافي النقدي ، واعادة ضبط الإصطلاحات التي يستعملها نقاد الآداب ، ولا أعني د. دلة تحديدا ،انما رهط كبير من ممارسي النقد في الثقافة العهربية المعاصرة ، ويفتقدون لمعرفة فكرية وتاريخية دقيقة لمصدر هذه الاصطلاحات ، وأسباب نشوئها في الأداب الأجنبية ، والأدب الأوروبي على وجه التحديد.

لنرجع الى النص الملفت للإنتباه . يقول الدكتور دله : " يدعي الكثيرون انهم وحدهم يعرفون ما هو شعر الحداثة ؟"
أولا الحداثة لم تولد للشعر .. انما لمجمل الثقافة من ابداع ونقد وفكر وفلسفة ومجتمع وعلمانية وانتاج مادي ، وكل ما يخص الحياة الإنسانية بأبعادها المادية والروحية ، وهي نقض كامل لكل ما سبقها من فكر واتجاهات ثقافية وفلسفة وايمان. الحداثة ترتبط جذورها تاريخيا بعصر اسمه عصر التنوير الأوروبي الأول الذي آمل ان استاذ التاريخ الدكتور بطرس دله ، قد مر عليه في دراسته للتاريخ ، وثم عصر التنوير الثاني .. وصولا الى عصر النهضة الأوروبية ، ويعتبر رسميا الأديب الفرنسي شارل بودلير 1821-1867 المؤسس الرسمي لتيار الحداثة . كذلك نجد من أوائل الحداثيين الاديب الفرنسي غوستاف فلوبير 1821-1880 والشاعر الفرنسي مالارامية 1842-1898 وهو من أبرز شعراء مدرسة "المذهب الرمزي" . والشاعر الروسي الشيوعي الشهير مايكوفوسكي ، الذي نادى بنبذ الماضي والاندفاع نحو المستقبل ، وعندما تعثر حلمه الحداثي ، بسب بيروقراطية النظام الجديد ، انتحر. وهل نستطيع ان نضع آباء الماركسية خارج نهج الحداثة ؟
وفي الثقافة العربية الى جانب أدونيس الأبرز حداثيا في فكره ، نجد الكاتب والشاعر اليمني عبد العزيز المقالح والمفكر المغربي عبدالله العاروري والشاعر عبد الوهاب البياتي والشاعر محمود درويش ومن الجزائر الفيلسوف محمد أراغون والكاتب كاتب ياسين والشاعر المصري صلاح عبد الصبور ، والسوري المقيم في فرنسا د. هاشم صالح والتونسية د. رجاء بن سلامة والتونسي المقيم في فرنسا العفيف الأخضر (الملقب بفولتير العرب )، كذلك نجد المفكر الفلسطيني الكبير د. ادوارد سعيد ، خاصة في "الثقافة والامبريالية " و" الاستشراق " و " وصور المثقف " ، حيث يطرح رؤية حداثية انقلابية في المفاهيم الثقافية والتاريخية . ولا بد من اعتبارالمفكر الماركسي الايطالي الكبير انطونيو غرامشي ضمن تيار الحداثة الفكرية والفلسفية والاجتماعية والثقافية . لعلي بذلك اساعد ، من يريد التوسع ، للتعرف التطبيقي والعملي لمفهوم الحداثة في شموليته الثقافية والفكرية والفلسفية والدينية والاجتماعية والانتاجية .. وتناقضات الحداثة بين الحداثيين أنفسهم ، وتعدد رؤاهم واختلافها ، بل وتناقضاتها الكبيرة . وكما أسلفت مفهوم الحداثة يعاني من التباسات واتجاهات كثيرة متناقضة ، وهي غير ميسرة وواضحة الا في نقد د. بطرس دله كما تفاجأت .
واود أن أضيف للدكتور بطرس، وآمل ان يتقبل ملاحظاتي بصدر رحب ، بأن الفكر أو العقل الغربي قد تجاوزالحداثة التي ما زال د. دله ( وليس وحده ) يتوه بخضمها ، نحو تأسيس المنظومة المعرفية ، أو ما يعرف ب " فلسفة العلوم والتكنومعلوماتية" ، وهي مرحلة "ما بعد الحداثة" كما يطرحها بعض الفلاسفة الاوروبيين . لعل الدكتور دلة يكتشف ان بعض شعرنا يتبع "فلسفة العلوم والتكنومعلوماتية " فهي أرقى من حداثته الشعرية ، وقد ترضي الكتاب أكثر من الصيغة الأوروبية العجوز ، المتصابية في نقد بطرس دلة ، وأعني الحداثة التي " يدعي الكثيرون أنهم وحدهم يعرفون ما هو شعر الحداثة" حسب قوله ؟!
صدقني يا دكتور ، رغم دراستي الأكاديمية للموضوع ، في اطار علم الاجتماع ، والأبحاث التي اضطررنا لقرائتها حول الحداثة والمجتمع ، الثقافة والحداثة ، فلسفة الحداثة في القرن العشرين وعشرات المواضيع المتنوعة ، ما زلت أغرق في تعقيدات وتناقضات الفكر الحداثي ، ولا أجرؤ على وصف عمل أدبي بالحداثة ، خاصة في أدبنا العربي ، أما في الآداب الأجنبية فالحدود واضحة أكثر .. الأمر الذي يعني ان للحداثة متطلبات مادية واجتماعية وفلسفية وثقافية لم تنشأ بعد في المجتمعات الشرقية.
يقول الدكتور دله : " وكنا أنا ومجموعة من أصدقاء مدرسة "يني" الثانوية قد عقدنا مهرجاناً كبيراً حول شعر الحداثة ."

ربما بدأت أفهم مشكلة دله مع الحداثة ،وذلك ظنه الخاطئ ، بسب عدم معرفة فلسفية وفكرية وثقافية كاملة ، وهي مشكلة ثقافية عربية عامة، تفتقد لآليات فكرية للتمييز ين مصطلح الحداثة ( modernism ) ، والمعاصرة ( modernity ) ، والتحديث ( modernization ) ، وهي اصطلاحات تختلف مضمونا ونهجا وفلسفة .وكثيرا ما تستعمل في الأدبيات العربية بنفس المعنى. وليته يقبل نصيحتي بأن يبتعد عن هذه الحسناء المشاكسة التي اسمها "الحداثة" اذا لم يكن قادرا على ترويضها.وليعرف ان جمالية النص لا تقررها الحداثة ، بل قدرة المبدع على التواصل مع المتلقي . والأهم أن الحداثة لم تتطور فقط كنزعة أدبية .
ان الحداثة هي مصطلح لا يتعلق بالأدب والنقد الأدبي فقط ، بل بالثورة على الواقع الاجتماعي كله ، بكل جوانبة السياسية والاجتماعية والفكرية والأدبية من أجل تغييره .. وكل نص أدبي تقليدي مسالم ، غير ثائر ، غير رافض للواقع ، لا يدعو لنبذ كل المسلمات الاجتماعية المتخلفة ، وتنمية المعرفة الانسانية ، وانعتاق الفكر ، ولا يربطه رابط بجذوة الانقلاب الثقافي والفكري .. ولا يرتبط بفلسفة ثورية .. هو تقليد ، بمعنى عدم تجديد في المضامين ، وهذا لا ينفي قيمة العمل الأدبية ،الحداثة لا تعني الابداع يا بطرس ، ولا تعني التألق ، والنهج التقليدي لا يعني الفشل وضعف جمالية الابداع . أما أن نُعمد كل نص مبهم ، وكل صياغة مهما كانت جمالية ، بمفهوم الحداثة أو التحديث ، فهو يشير الى الفقر الفكري والثقافي للناقد ، وممارسته للنقد من خارج الفكر النقدي ، وهذا نهج لا علاقة له بالثقافة ، بعيد عن الاهتمام الحقيقي بالابداع ، والدكتور يعترف ضمنا انه لا يميز بين الحديث والحداثة من جملته المقتبسة: " عقدنا مهرجاناً كبيراً حول شعر الحداثة" !! من الواضح انه يعني الشعر الحديث .. ( حتى هنا توجد اشكالية بين الشعر الحر والحديث ولا أعرف ماذا يقصد بجملته ، وهل شمل المهرجان الشعر الحديث والحر ، أو ربما يقصد ضمنا شعر التفعيلة الحديث ، او المنثورات الشعرية ؟ ) ومهرجانه الشعري لا علاقة له بالتأكيد بالحداثة التي يتوهم البعض بانه يسخرها في خدمة قلمه .

في كل الأدب العربي بالكاد نجد عددا صغيرا من الأدباء والمفكرين على فهم فكري وقناعة حضارية بمضمون الحداثة ، ومرة أخرى الحداثة هي مضمون الحادي ثوري لتغيير المجتمع والقيم الاجتماعية والعقائد السائدة والتفكير الماضوي ، ولتحرير الانسان المطلق وانعتاق المرأة ومساواتها ، وبعض هذه الطروحات قد لا نقبلها ، خاصة قضية الالحاد في المجتمعات العربية المحافظة والمغلقة والتي تعاني من نسبة أمية مرتفعة . أولا ليتعلموا القراءة والكتابة .. ليتعلموا فهم المقرؤ في اللغة العربية المبسطة، فهل نطرح على مثل هذا المجتمع مفاهيم بعيدة عنهم مئات السنين ؟!

قد نقبل ، كمثقفين ، وعلى المستوى الشخصي ( الانديفدوالي ) جوانب مختلفة من الحداثة . وهذا ليس سهلا كما في النص المتسرع لبطرس . الحداثة هي غابة متصارعة من الأفكار الانقلابية والثورية والتجديدية والهرطقية أيضا ، وليس كل ما يطرحة نهج الحداثة مقبول على كل مفكر حداثي . انا حداثي في حدود معينة وأرفض الكثير من طروحات الحداثة الأوروبية مثلا . فما هي الحداثة التي يطرحها بطرس دلة عندما يصف نصوص شعرية بالحداثة ، هل يفسر لنا مفاهيم ادراكه للحداثة حتى نفهم قصده ونقده ؟!
الشاعر الكبير أودنيس يعتبر من رواد الحداثة العربية ومفكريها، تعالوا نراجع فهمه الثوري للحداثة . يقول أدونيس : " إن الإنسان حين يحرق المحرم ( أي النهج التقليدي ) يتساوى بالله " . ويضيف : " إن التساوي بالله يقود إلى نفيه وقتله ، فهذا التساوي يتضمن رفض العالم كما هو ، أو رفضه كما نظمه الله ، والرفض هنا يقف عند حدود هدمه ، ولا يتجاوزها إلى إعادة بنائه ، ومن هنا كان بناء عالم جديد يقتضي قتل الله نفسه ( كمبدأ العالم القديم ) وبتعبير آخر لا يمكن الارتفاع إلى مستوى الله إلا بأن يهدم صورة العالم الراهن وقتل الله نفسه ".
ترى هل يقبل مجتمعنا هذه الطروحات ؟ هل يتحملها حتى في اطار نقاش فلسفي ؟
عزيزي د. بطرس دله ، هذه هي الحداثة بكلمات لا غبار عليها .. وهو أفضل تعبير عربي وجدته لهذا المفهوم الذي تحبه وتستعمله بغير معناه ، بجرأة تحسد عليها. لا تأخذ النص المباشر حول الله .. يجب فهمه مضمونه الفلسفي ، مثلا نسف كل النهج السائد ، الذي بات يشكل عقبة امام الانطلاق الفكري والثقافي والفلسفي والانتاجي المادي .
هل هناك بعض الظن ان مجتمعاتنا العربية في وضعها الراهن ، وضع وجود أكثرية المواطنين تحت خط الفقر ، هي على أهبة اتخاذ القرار في موضوع الحداثة ؟
من الواضح من جملتك: " يدعي الكثيرون أنهم وحدهم يعرفون ما هو شعر الحداثة " .. انك وقعت في مصيدة ادعائك .. لا أعرف من يدعي انه لوحده يفهم شعر الحداثة ؟ هل تعرف ان الحداثة أيضا تهدف الى نسف اللغة من جذورها؟ انا أيضا أستصعب فهم الموضوع .. ما سيحل مكان اللغة ؟ هل من لغة أخرى تبشرنا بها الحداثة ؟ ربما تتحفنا بحل لمعضلة اللغة التي ينشدها الحداثيون ؟
ليس العيب ان لا يعرف المثقف مفهوم الحداثة ، خاصة المثقف الشرقي الذي نشا في مجتمع تقليدي محافظ ، ويواصل التقدم الى الخلف ، وهو تطور أيضا ، حسب تعريف فريدريك انجلز ، حيث قال ان: " التطور شكلان ، واحد الى الامام وآخر الى الخلف ..."
المثقف الذي لا يجرؤ على طرح التحدي .. وعلى التمرد .. لا علاقة له بالحداثة ، أو ببعض متطلباتها ، ولا يضر المبدع ان يعطينا أدبا انسانيا راقيا بدون الملعونة التي اسمها حداثة...

هل تظن عزيزي ان مجتمعاتنا المشرذمة طائفيا واثنيا وقبليا ، ولا يستطيع الكثيرون من الأفراد فهم المقروء ، حتى بلغة عربية بسيطة مثل لغة الصحافة ، هل يستطيع ان يكون مجتمعا حداثيا ، وان يقبل الحداثيين فكرا ونهجا وابداعا ؟

نحن نعرف ما يواجهه أدونيس في العالم العربي من تكفير واتهام بالزندقة ، لدرجة طرد كاتب معروف هو الدكتور أمين الزاوي، مدير المكتبة الوطنية في الجزائر ، قبل أسابيع قليلة ، لتجرؤه على دعوة أدونيس لالقاء محاضرة ، الذي اعتبرته حتى دولة المليون شهيد من أجل التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي ، كافرا وملحدا ، وجريمة أدونيس انه طرح رؤيته بأن هناك : "مشكلة كبرى في المجتمعات الإسلامية تتعلق بـ"إخضاع الوحي للتأويلات السياسية والمذهبية بدوافع قبلية، ومذهبية، وأيديولوجية، وسياسية بدافع البحث عن السلطة". . .ووصل الأمر الى مسائلة وزيرة الثقافة في البرلمان الجزائري ، وسارعت وزيرة الثقافة في الجزائر خليدة تومي، الى رفع تقرير بمدير المكتبة الوطنية الدكتور أمين الزاوي، إلى الرئيس بوتفليقة تتبرأ فيه من مسؤولية "الانزلاق الفكري الذي حدث أثناء محاضرة الشاعر السوري أدونيس" . هل ترى ما تفعل الحداثة في مجتمعاتنا العربية ، حتى المتأثرة حتى النخاع بالفكر الفلسفي الفرنسي الحداثي الأرقى في العالم ؟

حقا يبدو انك على حق بأن الكثيرين يدعون انهم وحدهم يفهمون شعر الحداثة . لا ليسوا وحدهم ، أنت في مقدمتهم ، ومجرد دمجك الحداثة بالشعر لوحده هو اشارة لفهمك "العميق والمميز" !! لمضمون الحداثة .. والمهرجان الذي نظمته لشعر الحداثة ، حتى في اوروبا قد لا ينجحون بتنظيم مهرجان لشعراء الحداثة بسبب قلتهم .

نعرف ان ادباء المغرب العربي هم أكثر الأدباء العرب تأثرا بالحداثة فكرا وابداعا . فهل تظن استاذنا الجليل ان ثقافة الفلسطينيين داخل الخط الأخضر ،اجتازت وسبقت ، مواجهة أدونيس ضد القوى الظلامية في العالم العربي من أجل تثبيت الحداثة في ثقافتنا العربية وفكرنا العربي ومجتمعنا العربي ؟.. والتي تعني نسف المسلمات الفاسدة للسلطة والعقائد والمجتمع والتعليم والانتاج المادي والثقافة ..؟

لا أكتب دفاعا عن مواقف أدونيس ، ولكني مع حرية الرأي الكاملة وحق الحوار والنقد، وضد كل محاولة لمنع مثقف ، كبير مثل أدونيس ، أو غيره من ابداء رأيه ومناقشته . انا ضد الانغلاق الفكري .

بالطبع هذا المفهوم ( الحداثة ) يحمل الكثير من الاشكاليات التي لم تحل في الثقافة التي أطلقت مفهوم الحداثة ، وأعني الثقافة الاوروبية . وغني عن القول ان المفهوم تعمه الفوضى والسطحية في الثقافة العربية .. ولكن مثل جرأتك في استعمال هذا المفهوم لم أجد بعد .
وهذا بحد ذاته يكسبك حق وضعك ، ثقافيا .. في مكانة تسبق بمراحل أدونيس وسائر تيار الحداثيين العرب !!

Meara.jameal@gmail.com

د. ميرا جميل – كاتبة وباحثة اجتماعية فلسطينية مقيمة في نيقوسيا

الأحد، نوفمبر 09، 2008

الذخيرة غير موجودة : لمصلحة من هذا الدفاع المستميت ؟

د. ميرا جميل

وصلتني بالبريد الألكتروني صورة لمقال نشرة حبيبنا الشاعرالفلسطيني الكبير سميح القاسم ( 08 – 10 - 31 ) ، في صحيفة عربية تصدر في اسرائيل اسمها " اليوم السابع " تحت عنوان " عيب " ، ظننت للوهلة الأولى انه يقصد بالعيب بقاء الجسم الميت الذي يسمى " اتحاد كتاب " ،ويصر على رئاسته "رئاسة ملكية" لكل العمر ، الكاتب محمد علي طه. ولكن ما أضحكني وأثار فضولي ، لغة الوعظ ، والشهادة غير المشفوعة بالقسم عن شخصية الكاتب محمد علي طه ، وكأن ما كُتب حول اتحاد الكتاب ، لا يخص الساحة الثقافية والطهارة الثقافية ، والمثقفين والأدباء ، بل وطنية محمد علي طه وابداعه ،هذا ما يشغل بال شاعرنا سميح القاسم ..وليس الواقع الثقافي في فلسطين 48 ؟؟

ميرا لم تطرح وطنية طه ، خاصة بعد ان طيرت العشوش فراخها .. انما انتقدت التمسك المخجل وغير المفوض به من أحد ، لتنظيم مات وووري التراب .. وكان أفضل للشاعر الكبير أن يقرأ الفاتحة على روح الاتحاد المرحوم ، ولا بأس ان تكون متأخرة من ان لا تكون اطلاقا .

والسؤال للشاعر الكبير : ما علاقة الكلمات المدائحية الوطنية عن الشعب والحرية والاستقلال وتقرير المصير بموضوعنا الصغير وغير الهام حول الاصرار على ترؤس اتحاد كتاب ، لا يوجد فيه غيره تقريبا ، مدعيا تمثيل الأدباء العرب في فلسطين 48.. عنوة واغتصابا ؟! هكذا يظهر بلا حق في وسائل الاعلام .. هذه الصفة باتت ملحقة باسمه .. هل في الأمر تجارة باسم الاتحاد لحساب شخص واحد ؟

أستطيع ان أكشف رسائل عديدة وصلتني بالايميل تمدح موقفي وتتماثل معه من أدباء لهم مكانتهم وقيمتهم ، ولم يصلني الا انتقاد واحد يشكك بشخصي وليس بموقفي .. هذا ما يشغلهم ... يبدو أني حقيقية أكثر مما يستطيع عقلهم تحمله ...؟؟!!

وهل سرا ان الانتقادات للحفاظ على زعامة جسم أدبي قائم بالوهم ، وجهت من أدباء آخرين أيضا ، منهم المسرحي رياض مصاروة بمقال حاد نشر في موقع الجبهة الدمقراطية ، وآخرهم الناقد د. حبيب بولس في مقاله الرؤوس والقنانير نشر في عشرات المواقع ؟

يدعي سميح القاسم ،" بقدر ما يعلم" ، انه :" اجتمع عدد من الادباء والشعراء في بلادنا وانتخبوا الأخ والصديق والزميل محمد علي طه رئيسا له ."

هل هي حركة سرية يا شاعرنا الكبير ؟

هل اتحاد الكتاب هو تنظيم سري ؟

هل اجتمعوا في بلادنا ام في بلاد ليس لها وجود على الخارطة الأدبية ، لذلك لم نسمع عن هذا الموضوع الوطني العظيم ؟

وهل باستطاعة " الرئيس " ان يذكر أسماء عشرة ادباء وشعراء من التنظيم الأدبي السري الجديد ؟

وهل عدد من الأدباء يقررون لحركة أدبية ولمئات الأدباء والشعراء ، زعيما وتنظيما لا ينشر عنه حتى خبر ثقافي في الصحافة ؟!

أين هو العيب ؟!

اذا كانت أسماء بارزة في الأدب المحلي ، لا تعرف عن أجتماع عدد من الأدباء ( ربما الوهميين ) ولم تدع ، وجرى تجاهله أصحابها تماما ، ربما لأنهم لن يبايعوا " الرئيس " الملتصق منذ ثلاثة عقود بالتسمية ، التي كما يبدو تفيده شخصيا .. ولايعرفون عن نشاطات الاتحاد أكثر من التعازي والتهاني التي ينشرها ، كما جاء في مقالات المنتقدين .. الا ترى يا شاعرنا الكبير ، ان تبريرك لوجود "رئيس أبدي " ، يقترب من حالة " عذر أقبح من ذنب " عندما تصف نقد الظاهرة المستهجنة ب " العيب " ؟!

وهل هناك مؤسسات للاتحاد الجديد ، مثلا أمين صندوق ، مسؤول عن النشاطات الثقافية ، مسؤول عن التعازي والتهاني ، وهل هناك مسؤول اعلامي مثلا ، ومسؤول عن الاصدارات الثقافية والنشر ؟ بالله عليكم أذكروا لي نشاطا ثقافيا واحدا يستحق ان يلحق بالثقافة في العشرين سنة الأخيرة قام بها اتحاد الأدباء المذكور؟

مجرد أسئلة بسيطة لنعرف ، نحن في المهجر ، وأحبائنا الشعراء والادباء في الوطن عن وجود هذا التنظيم " السري" .

لماذا سري ؟

ربما حرصا عليه من الصهيونية والاستعمار وعملائهم الخونة ؟

ومن المهم عزيزي الشاعر الكبير ، ان تقول لصديقك وأخيك وزميلك"الرئيس " ان يخبرنا اذا كانت أبواب "اتحاد الكتاب " مفتوحة لإنضمام حبيب بولس وتركي عامر ونادر أبو تامر ورياض مصاروة وسالم جبران وسيمون عيلوطي وبطرس دلة وأمال رضوان وراوية بربارة وحنا ابراهيم وجمال قعوار ونبيل عودة وحنا أبو حنا وناجي ضاهر وجريس عيد وحسين مهنا وسليم مخولي وسليمان جبران ومحمود غنايم ومنير توما ورشدي الماضي وفاروق مواسي ورياض بيدس ولؤي مصالحة ونوال ابراهيم وجريس دبيات ونزيه قسيس وعايدة نصرالله وعطالله جبر وادمون شحادة وفوزي ناصر وسامي مهنا .. وعشرات وربما مئات من الأدباء المعروفين في الساحة العربية في مناطق ال 48 . وسنعذرك ، يا شاعرنا الكبير ، متفهمين انك غير قادر على المشاركة في عضوية اتحاد ( وهمي ) ومن واجب اتحاد الادباء في أول بيان يصدره عن تنظيمه ( السري ؟) ان يشكرك ويحني راسه أمامك على : "وضع نفسك وامكانياتك تحت تصرف الاطار الجديد ".

كيف سيستفيد اتحادنا السري من امكانياتك .. ؟ هل هو سر أيضا ؟

نحن نعرف ان القبض على الوهم هو مهمة صعبة وانت أذكى من أن تلعب هذا الدور ، نحبك ونحترمك يا سميح ولكن لا ترم بثقلك المعنوي على الأقل بعشوائية لا تليق بأديب مبتدئ.

التدمير والتدمير الذاتي الذي تحذر منه في مقالك ، هو التهريج الإعلامي الفارغ لإتحاد كتاب موجود في الأوهام . العيب يا صاحبي هو التربع مثل تنابل عبد الحميد على كرسي رئاسة لم يختره اليها أحد ، ولم يفوضه بها حتى المبتدئين في ثقافتنا المحلية ، وهو أضعف الايمان .. والعيب يا صاحبي هو تجاهل ان المسألة لا تتعدى مساحة حب التزعم والادعاء الذي لا تغطية ثقافية له .

على الأقل ، يا سميح ، أبرز مثقفي شعبنا ، لا يعرفون ان التنظيم قائم . مقالك يعتبر "فتحا صحفيا نادرا" حيث تؤكد ما يجهلونه بأن الاتحاد تجدد ، ولكن بلا الأدباء البارزين في الثقافة العربية في فلسطين 48 .. وربما تجدد بدون ادباء اطلاقا للحفاظ على اللقب للرئيس ، لأن هذا هو الأهم في المهزلة...او العقدة الكافكية.

انتبهوا جيدا لما أقوله ، لو كان للإتحاد مصدر دخل تحوله الى قوة ثقافية نشطة ، لوجدنا أسماء الشعراء الكبار والأدباء الكبار يتتنافسون على رئاسته ...وفسروا هذه الجملة كما تشاؤون .

لا أعرف من ورطك بالكتابة ، حقا للأدباء الكبار أخطاء كبيرة بحجمهم .. النقاش ليس شخصيا ، ولكنه مستهجدن . جندوا مدفعيتهم الثقيلة ، ونسوا أمرا هاما ، ان الذخيرة لقصف نقاد المهزلة ، غير موجودة .

ماذا استفادت ثقافتنا من هذا الدفاع المستميت ؟!

يبدو اننا امام مسالة ميتافيزيائية.. تليق بالفيلسوف الإغريقي أريسطو .. وليس بتنظيم اتحاد كتاب .

محمد علي طه متفائل ، يرى نصف الكأس المليء بشخصه . وحبيب بولس ونبيل عودة ورياض مصاروة وأخرون متشائمون ، يرون نصف الكأس الفارغ . ولكن سميحا يحاول ان يكون واقعيا ، يقول ما معناه ان الكأس أكبر مرتين مما كان يجب أن تكون . أي ان طه يملأؤها لوحده .

نقطة!!

انتبهوا سنلتقط صورة تذكارية !!

د. ميرا جميل - صحفية وكاتبة وباحثة اجتماعية ، نيقوسيا

mearadimiteryos@gmail.com



السبت، نوفمبر 08، 2008

"الموقد" يحاور الكاتبة المثيرة للجدل ميرا جميل

لماذا هذا الاهتمام غير العادي بشخصيتها وكتابتها ؟
الثقافة الفلسطينية في الداخل غير قادرة على العودة إلى مكانتها الريادية في الثقافة العربية عامة، وفي الداخل إشكاليات كبيرة "وهيصة "أدبية غير مفهومة!!
* يجب نسف كل المعوقات الثقافية والاجتماعية والأيديولوجية لفتح الطريق أمام التطور الجديد الأرقى والأجمل والأكثر إنسانية * لم ألمس نشوء جيل جديد قادر على حمل الشعلة التي تركها محمود درويش * دماغنا يعيش تحت تأثير الغرائز والمعجزات .. عكس الفكر الغربي الذي تأسس على المنطق القائل أن " لا شيء يأتي من لا شيء " * الإبداع مستحيل بلا تجربة حياتية وممارسة فكرية شاملة في قضايا المجتمع والناس *
حاورها : سيمون عيلوطي – محرر الموقد الثقافي
ميرا جميل فجرت العديد من القضايا المسكوت عنها في السياسة والأدب والدين على حد سواء، حتى أن إحدى الصحف نشرت افتتاحية وبقلم رئيس تحريرها تناقش فيها بعض طروحات هذه الكاتبة "المشاغبة" وقد اتصل بي بعض الكتاب والمهتمين يستفسرون عن هوية ميرا جميل ، وانتشرت تأويلات مختلفة تقول إنه اسم غير حقيقي لكاتب قد يكون من الكتاب المحليين .
معرفتي بميرا جميل جاءت عن طريق المواد التي ترسلها إلى الموقد كما ترسلها إلى عشرات المواقع .. وقد نشرتُ بعض مقالاتها وامتنعتُ عن نشر البعض الآخر .
ميرا كتبت في مواضيع مختلفة مثيرة . ويبدو أن لها اطلاع واسع على ثقافتنا المحلية، وخاصة ما يدور في الغرف المغلقة، وهو أمر أثار اهتمامي، كما أثار اهتمام نفر من القراء والمثقفين لما تطرحه مقالاتها من مواقف حادة وجريئة ليس لثقافتنا عهدًا بها . الأمر الذي حفزني أن أتوجه إليها ، عبر بريدها الألكتروني بعدد من الأسئلة ، لعلني أنجح بكشف شخصيتها بشكل أفضل للقراء المهتمين بالشخص ، وقد كنت مضطرا لتوجيه المزيد من الأسئلة بعد تلقي أجوبتها الأولى ، ولكن الملاحظ أن ميرا جميل، تصر على أنها ميرا جميل، وليست أي شخص آخر، وترفض كشف المزيد من شخصيتها، بل وتعتبر ذلك مسخرة وتؤكد أن الشخص بقلمه وليس باسمه وصورته .. وأعترف منذ البداية أنني توجهت إليها بأسئلتي ، لكي أكشف أكثر عن عالمها وهمومها ومواقفها، ولكنني بعد أن أنهيت هذه المقابلة تفاجأت أنها فجرت لدي المزيد من الأسئلة التي أرجو أن تتوفر لي الظروف يوما للعودة إليها بحوار جديد .

سؤال- ميرا جميل: أنت كاتبة مثيرة للجدل، عميقة جدا، ومستعدة لنقاش جميع المواضيع دون أن تضعي طابو على القضايا الفكرية والثقافية وكل ما يشغل الواقع العربي من مواضيع..
هل ميرا جميل اسم حقيقي ؟
ما هو عملها ؟.. ومن أين لها كل هذا الاهتمام والمعرفة بما يجري على ساحتنا الأدبية ؟

ميرا – وصل لعلمي أن البعض يبحث عمن تكون ، أو يكون .. ميرا جميل .. واتهم أدباء ذكرت أسماؤهم في مقالاتي بأنهم ميرا .. أحدهم أكاتبه منذ سنة على الأقل ولم نلتق بعد .. ولكني على ثقة أننا سنلتقي إما في قبرص أو في الوطن .. ولكنه موضوع شخصي ليس للصحافة .
ما يدور من مطاردة مخابراتية من بعض المثقفين حول من أكون، هي حالة مضحكة وهزلية وملائمة للمستوى الثقافي المتدني والمأزوم للثقافة العربية داخل فلسطين 48 .
أولا أعتذر من الذين اتهموا زورا بأنهم أنا .. وثانيا شكرا لموقع "الموقد الثقافي" الذي يتيح لي هذه الفرصة للمصارحة ..
لنفرض أني لست ميرا ؟.. هل يتغير مضمون ما أطرحه ؟ هذا هو السؤال الأهم والجوهري. لا تبحثوا عن إنسان متخف في ميرا ، لن تجدوا إلا ميرا جميل ، جليلية تشبعت من هواء الجليل وصلب عودها بحب ترابه . وما زال سحر بلادها منغرسا عميقا في وجدانها .. وكما قال الشاعر المبدع سالم جبران ، في أجمل قصيدة حب فلسطينية للوطن : " كما تحب الأم طفلها المشوها // أحبها حبيبتي بلادي" . وآمل أن لا يتهم جبران أيضا بأنه ميرا جميل !!
أنا من بيت مسلم وعلماني، لم أعان مثل صاحباتي من قيود عائلية حول حرية تصرفاتي .. أو حقي في اختيار شريك حياتي من قومية غير قوميتي ودين غير ديني . لم أجبر على التحول لدين زوجي ولم أدفعة لقبول ديني . نحتفل بكل الأعياد، وأجمل عيد لنا أن نرى ابننا الوحيد يحقق ذاته كطبيب وإنسان ...
ميرا هو أسمي ، جميل هو أسم أبي ، أسم عائلتي ليس واردا ولا أريد أن أسبب إزعاجا لأهلي بسبب بعض مقالاتي عن الدين والإعجاز العلمي في القرآن ، وأسم عائلة زوجي اليوناني لا ضرورة لها .. لا أريد أن يطاردوني حتى بيتي ..
الأدب شدني منذ بداية وعيي ... وما زلت قارئة جيدة للأدب .. وهو ما قادني للتعرف على زوجي اليوناني –عربي اللسان والثقافة . درست الأدب العربي والشرق الأوسط في جامعة حيفا .. ثم تحولت للعلوم الاجتماعية .. لا أعمل في المجال، ولكني على اطلاع لا بأس به على واقع المجتمعات العربية، بفضل أستاذي الدكتور حليم بركات الذي كان محاضرا في جامعة جورج تاون، والذي ترك أثره العميق في تفكيري، عمق رؤيته وبكتابه الشمولي الضخم والرائع " المجتمع العربي في القرن العشرين ".

علم الاجتماع وسع مداركي الثقافية والفكرية، وأعطاني مقاييس معرفية لفهم حركة الحياة والثقافة والمجتمع والبشر
لم أكن في يوم ما بعيدة عن مجريات الثقافة الفلسطينية في فلسطين 48 .. أعرف الأسماء وأتابع إنتاجها وأتابع خلافات الأدباء المضحكة المبكية منذ بداية تشكيل اتحاد الكتاب والانقسامات وموت الاتحادين وثم إنشاء اتحاد أعلى برئاسة الشاعر سميح القاسم الذي احترم نفسه ولم يعد يذكر شيئا عن رئاسته لاتحاد هو عبارة عن اسم بلا كيان بينما البعض يرى الثقافة تزعما ومناصب ولو على حساب جسم مات وشبع تعفنا ..
يؤسفني أن أقول إني لم ألمس نشوء جيل جديد قادر على حمل الشعلة التي تركها محمود درويش. الجيل القديم يحركه وهم العظمة ... ولا أجد أن الثقافة الفلسطينية في الداخل قادرة على العودة إلى مكانتها الريادية في الثقافة العربية عامة . وفي الداخل إشكاليات كبيرة " وهيصة" أدبية غير مفهومة !!

تقولين أنك تعرفين الأسماء وتتابعين إنتاجها وخلافات الأدباء المضحكة المبكية،.. سؤالي هو - هل لك أن تصارحينا بهذه الأسماء ؟


ميرا – لا أريد الدخول بإعطاء علامات .. ليست هذه وظيفتي . ولست ناقدة أدبية لأعطي تقييما موضوعيا ، إنما أتحدث عن رؤية ثقافية عامة .

سؤال – نعم : ولكنك وجهت نقدا حادا للنقد المحلي ... وذكرت أسماء؟

ميرا – انتقدت تيار الصياغات الخلو من النقد، والمليئة بالثرثرة الضارة، ولم أذكر النقاد المحليين .. الذين لي مع بعضهم حساب من نوع آخر.. لتهاونهم مع ظواهر الهبوط الإبداعي وفوضى النشر .. وقد أعود للموضوع فيما بعد

سؤال - هل هذا تأثر من موقف طرحه أديبان محليان وربما أكثر ؟

ميرا- لا علاقة بأحد إطلاقا ، أعتقد أن رأيي تشكل منذ نهاية التسعينات ، اليوم أجد تماثلا مع بعض الطروحات وهي لم تؤثر على مواقفي لأني كنت السباقة إلى رؤيتها.. التماثل لا يعني التأثر . والتأثر ليس عارا بنفس الوقت ..
أعرف وأقرا الكثير مما ينشر في مواقع الانترنت، للأسف الصحافة المطبوعة لا تصلني، أقرأ بعضها على الانترنت .. فإذا كانت صحافتكم بمستوى ما أراه على الشبكة العنكبوتية، فانتم تواجهون أكثر من أزمة ، تواجهون تسطيحا لعقولكم واستهتارا بوعيكم .. الموقف هو وليد تفكير منهجي سليم ورؤية ثقافية واجتماعية لأهمية النقد في صيرورتنا الاجتماعية والإبداعية . لا أنفي أن موقفا ما شدني أكثر من غيره لتعبيره القريب جدا لوجهة نظري، وشدني أيضا بوضوح رؤياه الاجتماعية والسياسية ، وأمتنع عن ذكر الأسماء حتى لا اسبب الإزعاج لأحد ..
التأثر لا يقلل من استقلالية رأيي وقدرتي على المساهمة وتطوير النظرة الثقافية. الثقافة تشكل مجمل رؤى الكون والحياة ودور الإنسان ومعارفه ومفاهيمه وعقائده . انتبهوا لما يقوله المفكر الكبير محمود أمين العالم : " إن لكل إنسان ثقافته التي تتمثل في رؤيته للعالم ، وسلوكه العملي والاجتماعي والوجداني ... وان هدف التثقيف قد يكون نقدا ونقيضا وتغييرا للبنية الثقافية المسيطرة ، من أجل إرساء بنية ثقافية أخرى جديدة مختلفة، وان الثقافة تشمل كل المضامين الفكرية والوجدانية والتذوقية في مختلف مجالات السلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، وهي بهذا المعنى جزء من البنية الأيديولوجية الاجتماعية العامة التي هي أكثر شمولا وتجريدا ".
من هنا رؤيتي أن كل المعوقات الثقافية والاجتماعية والأيديولوجية يجب نسفها لفتح الطريق أمام التطور الجديد الأرقى والأجمل والأكثر إنسانية .
ومن هنا انتقادي للحفاظ على الجيف الميتة من تنظيمات وأفكار، والتصرف كالغانيات في الثقافة والنقد ..

سؤال – تبدين في بعض كتاباتك كأنك لا تميزين بين الدين كمادة دينية وبين الأصولية ؟ هل يختلط الأمر عليك في هذا الموضوع ؟

ميرا – الصحابي أبو حيان التوحيدي كان يقظا منذ مطلع الإسلام للتحولات السلبية،وقد قال بوضوح : "الشريعة دُنّست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية".
المجتمع العربي يعيش بحنين إلى الماضي دون أن يستوعب كيف كان ذلك الماضي .. وهل هو مستعد للعودة 17 قرنا إلى الوراء مع كل ما يترتب على ذلك ؟
إن عبادة الماضي صارت دينا جديدا ألحق بنا. وبدل أن نستعمل العقل لاكتشاف قوانين الطبيعة، وتطوير التكنولوجيات والصناعة والزراعة والمرافق الحياتية والتأمينات الاجتماعية والصحية والقضاء على الأمية والتعليم والرفاه الاجتماعي، يغرق عقلنا بأوهام الإعجاز العلمي الذي لن يفيدنا ببناء مستقبلنا بل يزيدنا غرقا بالماضي والانغلاق العقلي عن الحاضر.. وعن مسيرة العلوم الإنسانية .
يقول المفكر التونسي الكبير العفيف الأخضر : "ثقافتنا ثقافة نص ديني يفترض التسليم بالمعجزة بما هي إلغاء لقوانين العقل وقوانين الطبيعة. ومنذ القرن 12م لم تعد غير معقولة وحسب بل سادها العداء المناض للعقل " . هذا هو باختصار ملخَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّص نقاشي لهذا الموضوع.

سؤال - نعود إلى الأدب والكتابة .. أين كنت كل هذه المدة ، ولماذا لم تحملي القلم وتنشري إلا في الفترة الأخيرة ؟

ميرا- كنت أما وربة بيت بوظيفة كاملة ، وما زلت ، ولكن وقتي أكثر فراغا ... وما زلت قارئة وباحثة نهمة ومتابعة لكل الأحداث السياسية والثقافية والفكرية والدينية والفلسفية في مجتمعي العربي ، وخاصة داخل حدود ال 48. أعمل مراسلة جزئية لبعض وسائل الإعلام اليونانية والقبرصية حول قضايا العالم العربي والشرق الأوسط .. وكنت دائما متحمسة للكتابة بلغتي الأم .. ولكنني مترددة وخائفة من المواجهة ومن الفشل .. وما أثرته من اهتمام أبسطني ولكنه أثار مخاوفي في نفس الوقت ، هل أنا قادرة على المواصلة بنفس المستوى ؟

سؤال – مقلاتك تثير الكثير من علامات الاستفهام ، طبعا وغضب البعض .. وتضع الكثير من علامات الاستفهام حول شخصيتك . هل لك عداوة شخصية مع الذين تنتقدينهم ؟

ميرا – إطلاقا .. الدكتور بطرس دلة معلم رائع كما أعرف .. وأحترم تاريخه التعليمي ، ولكنه أدخل نفسه في مجال يفتقد فيه لكل الأدوات والقدرة على فهم حقيقة الإبداع ، ومركباته . لذلك كتاباته بلا معنى ، ولا أقول ذلك تهجما ، بل إقرارا بواقع أكون بلا ضمير إذا قلت غيره . ويؤلمني أن من يعتبرون أنفسهم نقادا ومبدعين يصمتون أمام الألعاب النقدية للدكتور بطرس دلة. من جهة أخرى أقدر اهتمامه بالأدب وحرصه على متابعة الإنتاج .. ولكن بين النقد ، وبين المتابعة مساحة هائلة جدا تحتاج إلى أكثر من الرغبة الذاتية والحب الذي لا يعرف حدودا للمبدعين .
لست معادية لمحمد علي طه .. أعرفه معرفة جيدة من صحيفة الإتحاد بعد أن أنضم للحزب الشيوعي في إسرائيل . . ومن مؤتمر الشباب الذي عقد في كوبا ، التقينا مرات كثيرة في المؤتمر ، وفي احد اللقاءات شارك كما أذكر الكاتب اللبناني الكبير الياس خوري ، ولكني أرفض التمسك بجيفة ميتة ( اتحاد الكتاب ) والادعاء الفارغ برئاسة اتحاد كتاب وهمي ضرره على ثقافة الداخل كبيرة ومؤذية .. أنا أعرف من هو محمد علي طه منذ كان ينشر في الأنباء الحكومية وهاجم صحيفة "الاتحاد" لنشرها إحدى قصص مجموعته الأولى احتراما له ولقلمه .. هذا جانب سلبي لم أنسه ، ولكن هناك جانب ايجابي ، إذ كان لفترة قصيرة معلما لابني في اورثوذكسية حيفا ، وما زلت أذكر تحليله لكتاب "عرس بغل" للطلاب ، وكان ابني منهم لفترة قصيرة ، وقد تحمست وقرأت الرواية فشدني عالم الطيب صالح وقرأت كل أعماله .. والفضل يعود للأستاذ محمد علي طه طبعا . لماذا يقبلون المديح ولا يقبلون النقد مثلا ؟!

سؤال – ما هو موقفك من بعض الكتاب الذين يخلطون ما بين السياسة والأدب لتحقيق مكاسب شخصية ، ورأيك في هذه الظاهرة ؟

ميرا – هناك فهم خاطئ للسياسة .. يقود إلى موقف سلبي من السياسة ، التهمة أوجهها للسياسيين وليس للسياسة. السياسة فن وعلم وتجربة وتطوير للقدرات والمعارف . الادعاء أني أديب ولا تهمني السياسة تعني أني لا شيء .. واني مجرد ثرثار بلا معرفة ولا خبرة حياتية . الإبداع مستحيل بلا تجربة حياتية وممارسة فكرية شاملة في قضايا المجتمع والناس .. وقراءة الأدب لوحده لا تصنع مبدعا كبيرا . الأديب الحقيقي هو إنسان موسوعي في قراءاته وتجاربه ..
حقا انأ لست مبدعة، ولم أفكر بكتابة نص أدبي .. ولكني قارئة مواظبة وعلى اطلاع على كل ما يشغل عالمنا من فكر وتطورات .. ولي اهتماماتي الكبيرة بما يجري داخل مناطق ال 48 خاصة، وبالمجتمعات العربية عامة ..

سؤال – بماذا ميرا مشغولة الآن ؟

ميرا – لا شيء خاص يشغلني .. أقرأ كتابا رائعا لمعروف الرصافي عن الشخصية المحمدية . حصلت عليه من عراقي لاجئ التقيته في قبرص، مقابل حاسوبي المتنقل ، زوجي يعتقد أني خرجت خاسرة ، ولكن عندما يقرا هذا الكتاب النادر سيقتنع أني الرابحة في الصفقة ... على كل كان حاسوبا من الجيل القديم وحان الوقت لشيء أكثر تطورا .. ووصلتني عدة أعمال جديدة لأدباء عرب ، منها رواية "شيكاغو" لعلاء الأسواني ورواية " كأنها نائمة " لإلياس خوري .. ويشغلني منذ فترة الفيلسوف كارل بوبر ببحثه العظيم عن المجتمع المفتوح وأعدائه بالانكليزية طبعا : ( THE OPEN SOCIETY AND ITS ENEMIES ) هذا عدا الانترنت ومتابعة أخبار الوطن والأهل وواجباتي المنزلية التي لا بد منها ، ومساعدة زوجي ببعض أعماله المكتبية ... وتشدني بالطبع الرغبة في الكتابة والمساهمة في المعترك الفكري ، وآمل أن تنتهي التأويلات المضحكة حول من أكون ، وان يتعاملوا معي في وطني كما يتعاملون معي في الوطن العربي ، باحترام لقلمي وطروحاتي .

سؤال- بودك أن تضيفي شيًا ؟.

ميرا – أرجو أن يقوم حقا اتحاد للكتاب والصحفيين .. أن ينتخب مؤسساته وأن ينشط ثقافيا .. وأن لا يبقى مغلقا على اسم رئيسه ، كلقب يسبقه اسمه !!
وبالطبع آمل أن تتغير حال الثقافة في فلسطين 48 إلى الأفضل .. وهذا يقتضي جهودا من نقاد جادين ... ومن مختلف الهيئات العربية في الداخل . والأمنية الكبرى أن ينجز شعبي الفلسطيني حلمه الوطني بدحر الاحتلال الصهيوني وبناء دولته المستقلة ...


الأربعاء، أكتوبر 29، 2008

مطلوبة حية أو ميتة.. التهمة : كاتبة غير معروفة

ميرا جميل

كثيرا ما ألتقي في نيقوسيا ، العاصمة القبرصية ، ادباء ورجال فكر عربا ، خاصة من لبنان ، وبعضهم يقيمون منذ وقت طويل في المنفى الاختياري ، منتظرين تبدل أحوال وطنهم ، واستقرار أمنه ، قبل العودة ومتابعة ما انقطع من حياتهم .
وكثيرا ما جرنا النقاش لنتحدث عن عشقنا للوطن .. عن ذكرياتنا ، وعن مأساة الابتعاد القسري عن الأهل والأصحاب والبيت ، والحياة بتوتر ، بانتظار خبر من الوطن ، والقلق الدائم الذي يجعل حياتهم أكثر صعوبة .. وخاصة ابناء لبنان ،" يا قطعة سما " كما تصدح فيروز .. وكم يؤلمني هذا الحب اللبناني للوطن "على مرمى العين " كما يقولون .. ولكنه " البعيد دهرا " كما يتأوهون .. وأتأمل حالي .. ولكن وضعي يختلف ، مع ان حبي لوطني ، وفلسطينيتي ، لا تقل عن حب اللبنانيين لوطنهم الفيروزي .
حقا خياري يختلف عن خياراتهم . انا مقيمة في نيقوسيا لزواجي من قبرصي يوناني ، ولد ، شب وتثقف في القدس العربية ، من أبوين يونانيين . جاء لحيفا بعد احتلال القدس عام 1967 وعشقها ، بل جن فيها ، وما زالت حتى اليوم أجمل مدينة في نظره ، سكن فيها لفترة قاربت السنتين ، وهناك تعرفت عليه ، اثناء دراستي الجامعية ، تزوجنا ، ، ثم قرر بيع بيت والديه في القدس والعودة الى وطن الآباء والأجداد ، ليبني بيته ومستقبله ، كما كانت رغبة والديه العجوزين ،بعد تغير أحوال القدس للأسوأ .. والذين توفيا ودفنا في قبرص .
زوجي مشبع بالثقافة العربية ومن القراء النهمين للأدب العربي ،قديمه وحديثه ، ويعتقد ان كاتبا مثل حنا مينا يستحق خمسة جوائز اوسكار ، ولكن اللوم على الانغلاق العربي ، وعدم وجود قيمة للأديب أكثر من مساحة عدد قرائه التي لا تتجاوز بأحسن الأحوال خمسة الاف قارئ . والأهم ان صوت الأديب لا قيمة له في مجتمعه ، وقد تجذرت اللغة العربية في روحه بصفتها لغة الأم الأولى ، وكيف لا وهو خريج مدارس القدس وبيت لحم العربية ، واليونانية كانت لغة الوالدين في البيت ، ليس أكثر ..!!
كانت له محاولات شعرية يرفض نشرها .. ويعمل اليوم في مجال السياحة ، وعمله يشغل معظم وقته ... ويرفض حتى ان يفصح عن معرفته للغة العربية كلغة أم أولى أو ثانية أمام الزبائن العرب ، وأنا أحترم موقفه وأحترم خصوصياته ، وقد بدات أفهم اصراره على الاحتفاظ بهذا الحاجز الذي يقيمه بين نفسه وبين عمله وزبائنه العرب . من قناعته ان التعامل مع بعض الزبائن العرب ، سيكون أصعب ، اذا اختصر المسافة اللغوية بينه وبينهم . رغم انه يضطر أحيانا لاستعمال بعض الكلمات العربية مع زبائنه .. فيتحمسون ويكونون في آخر انبساط لأن يونانيا قبرصيا " يعرف " بعض كلمات لغتهم . ولكنه أبدا لم يسمح لنفسه بالافصاح عن "هويته العربية " كما يقول ، ضمانا لراحة البال ... ومن هنا اسمي غير الكامل فيما أنشره .. وصورتي القديمة ، التي اضطررت لنشرها بضغط من منتدى واتا .
كتاباتي تغضبه ، ولم يكن يتوقع ان أخوض اللجة بهذا الحماس ، وأن أثير حولي مئات علامات الاستفهام ، رغم انه لا يخفي اعجابه بقدرتي الانشائية وينتقد أخطائي اللغوية ... ويغضبه ، خاصة ، مئات الايملات التي تتوارد يوميا ، والتي يحمل بعضها كلمات نابية ، وتهجمات شخصية ، وتأويلات حول من أكون ، رافضين أن أكون انا نفسي ميرا جميل ، متوهمين اني شخص آخر ، وقد وصلني من صديقة دراسة حيفاوية وأديب نصراوي معروف ، ان الاستفسارات عن ميرا جميل باتت شغل البعض الشاغل ، والتأويلات لا تتوقف في محاولة لكشف " المستورة " ميرا. وان "التهم " بدأت تروج والبعض على ثقة ان فلانا هو ميرا او ربما غيره .. وكأن وجود امراة عربية قادرة على اقتحام عالم الرجال وعلى النقد الفكري والثقافي ، هو أمر غير وارد بالحسبان العقلي العربي !!
لزوجي موقف ناقد للعقلية العربية ، بدات أتماثل معه ، فهو يقول ان العقلية العربية " تبحث عن الأسم وليس عن الموقف " .... " هذا ما لا احبه في العقلية الشرقية " يقول ببعض الغضب . ويضيف : " انها عقلية تناقش الشخص وليس الفكر ، وتقيم صاحب القلم وليس مضمون ما يخطه على الورق " وكثيرا ما وبخني بلطافته ، بأني لم أستوعب بعد ان المجتمعات العربية تسير القهقرى ، وأن قوة الكلمة عاجزة عن فرض التحول ، ويقول بلهجة الحسم : "عقل تعود على التلقين يحتاج الى أجيال عديدة حتى يبدا بالتفكير المستقل والابداعي " .. ودائما يقول :" ما عدا اللبنانيين ". ويبدو ان حبه للبنانيين بسبب مارون عبود والشدياق أولا وميخائيل نعيمة وجبران وجميع أدباء المهجر ثانيا ، وسلام الراسي والدكتور أنيس فريحة ثالثا . وقد أعاد قراءة بعض أعمال عبود وفريحة والراسي خمسة مرات أو أكثر ، خاصة كتاب فريحة الرائع "الفكاهة اللبنانية" الذي لا يفارق مكتبه ... وانه لو لم يكن يونانيا ، لاختار أن يكون لبنانيا. . ويمدح مساحة الحرية التي تميز لبنان والتي جعلته مرفأ المبدعين العرب ، يلجأون اليه هربا من بطش أنظمتهم وافاقها الضيقة. . . وانه لا يرى أن التنويريين العرب قادرين على احداث نقلة نوعية في هذا الاندفاع التراجعي للعالم العربي والفكر الاسلامي الماضوي ، ويصفه ب : " حالة مستعصية وميؤوس منها " ... هل حقا نحن مجتمعا لا يقيم وزنا للفكر والرأي ، بل للشخص والأسم والانتماء الديني ؟؟
لا اعرف .. الظواهر تقول ان زوجي مصيب . حقا البحث عن ميرا جميل يضحكني ويسليني ، ونفس الوقت يغضبني تطاول الظلاميين خاصة حول شخصي ، وكنت قد تلقيت رسالة من " مفكر " عربي ، على أثر ما ذكرته في مقال لي بأن الفاتيكان اعترف بصحة نظرية داروين ،في محاولة مني للتدليل على ضرورة فصل الدين عن العلوم ، وعدم ارهاق عقولنا بالاعجازات العلمية الوهمية للقرآن ، وان نعمل على جعل العلوم قيد التطبيق في مجتمعاتنا ، وليس مجرد مفاخرات جوفاء لا تفيدنا بشيء، الا باضحاك العالم على جهلنا. .. فكتب ذلك "المفكر" ( البهيم ) لي : " يا ابنة القردة ميرا .. مبروك عليك العيش على الأشجار وتناول الأعشاب مع فصيلتك من القرود ". وكلمات سخيفة أخرى تعبر عن عقلية مغرقة في الظلامية والتخلف ... فرددت عليه مرحبة بأخ لم تلده أمي .. وان داروين قد يكون على حق بأن أصل الانسان الاوروبي قرد ، ولكن بعض القرود ترفض ان يكون أصلها من بعض البشر في الشرق ".
بالطبع أتلقى رسائل أفتخر بها .. من كتاب وباحثين لفتت مقالاتي انتباههم ، ومنهم أسماء وصلت للعالمية بابحاثها وتفكيرها الابداعي ... بل وتلقيت قصائد غزل مضحكة .. لو عرفوا جيلي لخجلوا من التغزل بشخصي ، ويبدو ان انتمائي لعالم المراة جنسا ، حرك عواطف المراهقين الشعراء . وتتدفق على حاسوبي ايملات كثيرة تطلب ان اشارك بقلمي في مواقع الكترونية مختلفة . وانا التي بدأت النشر متأخرة ، بت أرى حقائق لم اكن أتوقعها بمثل هذا السواد ، وعقليات مسطحة وتافهة .من داخل فلسطين 48 ومن العالم العربي ، والحسن أخو الحسين بالتأكيد !!
حقا بعض المعلومات حول الجوائز وواقع الحركة الثقافية ، مدني بها صديق أديب نصراوي ، وقد ساعدني في البداية على توزيع كتاباتي .. وعلمت انه متهم بأنه ميرا نفسها .. اعتذرت منه ، فأجابني : " بالعكس ، أنا أفخر ان تنسب مقالاتك لي ، ليتني أستطيع ان أكتب بمثل صراحتك !! "
ومع ذلك لم التق ذلك الأديب الا على صفحات الأنترنت ، حيث شدتني صراحته وحدته فيما يكتب من مقالات فكرية ونقدية وقصص ممتازة ورائعة ، ولمست القدر الكبير من المصداقية في مواقفه ، ومن القدرة على اثارة دهشة القارئ بنصوصه .. كاتبته ، ونتواصل في تبادل الآراء .. وكان من أكبر المشجعين لي على نقد جائزة الابداع ، وشرح لي تفاصيلها ، وأرسل لي ما كتبه عن الثقافة العربية في فلسطين 48 ( ولكنه يرفض الا ان يقول اسرائيل معتبرا كل التعابير الأخرى مثل دفن النعامة لرأسها في الرمال . . لدرجة انه قال لي بعد ان وصله مقالي انه يتمنى لو كان صاحب المقال ، وأصر على نشره ... وورطني بالنشر .. وكم أنا مدينة له بفتحه هذه النافذة أمامي على عالم الفكر والثقافة .
حقا هناك اختلاف كبير بين أن تكون مجرد متلق ، وبين أن تكون مساهما في معركة الفكر .والحوار .. ولكن يبدو ان تقييم زوجي للحوار العربي ، ليس بعيدا عن الواقع . للأسف معظم ما أتلقاه اما ذما أو مدحا ، ويغيب عنه الرأي الشخصي والرؤية التي تضيف للموقف وتثريه !!
السؤال الاخر : لماذا د. ميرا ؟
أجل أنهيت الدكتوراة في العلوم الأجتماعية قبل زمن طويل ، لا يهمني اللقب بحد ذاته ، ولكنه لا يخجلني . وأقرأ لدكاترة في منتهى التخلف نصا وفكرا ... فلماذا اتجاهل لقبي الذي عملت للحصول عليه أكثر من خمس سنين ؟؟ وهل يتغير الحال باستعمال اللقب ؟ هل تصبح ميرا ميرتين ؟؟
الذي يظن ان الثقافة العربية في مناطق ال 48 لا تعنيني هو واهم .. هذه ثقافتي التي شدتني في شبابي المبكر ، حيث درست في بداياتي الأكاديمية اللغة العربية والشرق الأوسط ... وما زلت أذكر ندوات محمود درويش وسالم جبران وسميح القاسم في حيفا .. وما زلت أذكر محاضرات الدكتور اميل توما التي اعتبرها بمثابة جامعة ثانية للتثقيف والتنوير ..
وما زلت أعيش نبض أجمل فترة في أدب المقاومة الفلسطيني . ما زالت قصيدة المرحوم درويش برثاء الشباب العرب الخمسة ( ربما 1961 ) تبكيني حتى اليوم ( يحكون في بلادي يحكون في شجن - عن صاحبي الذي مضى وعاد في كفن ). ما زلت أذكر جنازة الأصدقاء الحيفاويين الثلاثة من الشباب الخمسة وكيف دفنوا بقبور متجاورة في مقبرة الروم .. وما زال هتاف الجماهير الحيفاوية الغاضبة يدوي في راسي : " شعبنا شعب حي دمه ما بصير مي " كنت أهتف وأبكي .. وما زلت أشعر بالدمعة عالقة تحت رمشي .. . هل حقا حافظنا على قسمنا .. على دمنا ؟ أم تبعثرنا وتهاوينا وصارت الزعامة أهم من الدم وأهم من التثقيف ، وأهم من الأدب ؟
صارت الزعامة أهم من الثقافة والتربية السياسة ، كما كتب الدكتور الناقد حبيب بولس عن نفس الموضوع المتعلق باتحاد الكتاب الميت في مقالته " عن الرؤوس والقنانير " – حقا قنانير يا حبيب ، بارك الله بقلمك ، أنقذتني في الوقت المناسب مع أني لا أعرفك شخصيا ، ولكني سعيدة جدا بقراءة مقالاتك على مواقع الشبكة العنكبوتية ؟ لا أعرف اذا كانوا سيتهمونك انت ايضا بأنك ميرا جميل ، وأعتذر منك سلفا ؟؟
بات كل شيء يقاس بالقبان .. حتى جوائز الأدب صارت بهدلة للأدباء .. شاهدت صور تكريم الشاعر تركي عامر لنيله الجائزة ، يوزعها بفرح يضحكني ويشعرني كم نحن بسطاء وبدائيون... عشرات الحضور وعشرات الصور .. هل حقا تستحق الجائزة هذا الاحتفال ؟ ألم يكن اجدر بك يا تركي ان تعيد الجائزة المهينة للابداع الأدبي وللفائزين أنفسهم ؟
لماذا يحصل الناقد الدكتور بطرس دله على 50 الف شاقل ، والقصصي نادر أبو تامر على 40 الف شيكل ، وأنت على 30 الف شاقل ؟ وآخرون على 20 الف شاقل ؟
أين كرامتكم أيها الأدباء ؟! هل بعتموها ببعض الفضة الشيكلية ؟! كيف نثق بكلماتكم بعد اليوم ؟! هل انتم مبدعون حقا ، أم شحاذون ؟! تعلموا من الكاتب المصري الرائع صنع الله ابراهيم ، الذي رفض جائزة وزير الثقافة المصري ، جائزة من النظام الذي زج به لسنوات طويلة في السجن بسبب أفكاره الانسانية وحبه لوطنه وشعبه !!
الأدباء اليهود حصلوا على مبالغ متساوية - 66 الف شاقل لكل منهم .. على الأقل يجب الأصرار على المساواة في القيمة النقدية .
كلمة أخيرة ... لاتشغلوا أنفسكم كثيرا بمن أكون . كتاباتي هي هويتي .. وأسمي هو حقا ميرا جميل .. ولكنه غير مهم .. تعالوا ناقشوا كتاباتي .. أفكاري .. رؤيتي .. طروحاتي . اسمي ليس هويتي . قلمي هو هويتي . .. وأكثر من ذلك تعالوا للبحث عني في قبرص أيضا وفي الصحافة القبرصية واليونانية .. ربما تجدون ضالتكم .. تجدون عقولكم التي ترفض الاعتراف بما ينتجه المرء من ابداع وتصر ان تعرف شكله وتجس نبضه وتضعه على القبان ، لكي تقيمه ..
لا انتظر تقييما من عاجزين يشغلون أنفسهم بالخمخمة عن ميرا وتأويلات مستهجنة من تكون أو من يكون .. أعتذر لمن سببت لهم المضايقة باتهامهم بأنهم ميرا .. ولكني عند كل كلمة صدرت مني .
يكفيني ما اتلقاه من رسائل ادباء عرب من المغرب حتى العراق ومن عرب ال 48 في التقدير والاشادة بما أكتبه . ويكفيني قناعتي بأني لا أكذب على قرائي !!

د. ميرا جميل - كاتبة وباحثة اجتماعية فلسطينية مقيمة في قبرص

الأربعاء، أكتوبر 15، 2008

دور الثقافة في تعزيز الانتماء

ميرا جميل
تابعت الحركة الثقافية من ابداع أدبي ومسرحي وفني في البلاد منذ بداية وعيي .. وأقول بأسف شديد ، ان عدم وجود مؤسسات عربية محلية قادرة على استيعاب الدور الحضاري المؤثر للحركة الثقافية وسائر الفنون الثقافية والفنية ، أسفر عن ضياع جهود الطلائعيين الذين قدموا جهودا بطولية في ارساء القاعدة للتطور الثقافي متعدد الجوانب.. وللأسف ، مثلا .. بعض الموهوبين المسرحيين اصيبوا بحالة يأس واعتزلوا النشاط المسرحي الخلاق الذي بدأوا مسيرة حياتهم به .. وكانوا قد كرسوا احلامهم لرؤية تطور مسرح محترف وجماهيري ، منهم مثلا المخرج والممثل الموهوب صبحي داموني من الناصرة ، الذي قدم حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي مجموعة كبيرة من الأعمال اخراجا وتمثيلا ، كما تبين لي من مراجعة أرشيفات الصحافة وقتها . أيضا الصحافة كانت تلع دورا هاما لا أراه اليوم ، نقدا واستعراضا وتغطية صحفية . كان الاقبال على المسرح والأدب اقبالا جماهيريا منقطع النظير. كانت الندوات الشعرية والثقافية تعقد اسبوعيا وفي مختلف البلدات العربية وبحضور متفاعل ونشيط ، كانت المحاكم الشعبية لمختلف القضايا الوطنية أو الثقافية تقليدا يشد الاف الحضور.. كانت الندوات الشعرية يحضرها الآلاف وتتحول الى مهرجانات شعرية وسياسية . ثم بدأت ثقافتنا تترهل وتتهاوى ، وبدل ان يجد جيل الطلائعيين المسرحيين الدعم .. وجدوا الصد ومحاولات تقزيمهم ، فاعتزل من اعتزل وأبرزهم بالطبع صبحي داموني . نفس الحال جرت في الشعر والندوات الثقافية ، اليوم تحتاج الى محفزات وتأثير شخصي لانجاح ندوة أدبية .

بالطبع الحياة لن تتوقف ، رغم الكبوة التي طالت .. ولا بد من الانطلاق من جديد ، بدونه لا تطور ولا تقدم ولا حضارة ولا ثقافة ولا انتاج مادي وتطور علمي وعقلي .

الأمر الذي يقلقني حقا هو غياب التخطيط الثقافي من مؤسساتنا وسائر هيئاتنا الشعبية ، والفهم العميق لأهمية هذا التخطيط وانعكاساته على مجتمعنا . .

الثقافةهي معيار صحيح لقياس تطورالمجتمع .. وغني عن القول ، ان المسرح يعتبر من أهم الأدوات ، وأكثرها فاعلية ، في اثراء الحياة الثقافية الاجتماعية ، والتأثير عليها .

في الشهر الأخير شاهدت مجموعة كبيرة ، وأقول هذا بفخر وتأثر .. من الأعمال المسرحية ، ومن المعارض الفنية ، ومن الكونسرتات الموسيقية الغربية ، ومن العروض الموسيقية والغنائية الشرقية ..

هذا اثراء غير مسبوق لحياتنا الثقافية والفنية . بالمقابل لا ارى تنامي الوعي ، لدى مؤسساتنا، حول دور الثقافة والفن الاجتماعي والسياسي , واضيف لدور الفن التربوي في تنشئة الأجيال الجديدة ، التي نريدها ان تنشأ مرتفعة القامة ، صلبة العود ، فخورة بانتمائها الوطني والحضاري ، وأن ترى بالثقافة والفنون والعلوم مقياسا لحضارة مجتمعنا .

اني ارى الترابط العضوي الكامل بين الحديث عن الابداع الثقافي ، وطرح قضايا واشكاليات هذا الابداع . والقصور الذاتي في توفير وسائل الدعم .



ان غياب اي برناج ملموس في برامج الهيئات الرسمية ، للموضوع الثقافي ، هو اشارة حمراء للواقع المتهاوي ثقافيا الذي نندفع اليه بدون وعي.

استطعنا ان نطور ثقافة ابداعية بهرت العالم العربي .. ووصلت الى العالمية .. ان مجتمعا لا ثقافيا هو مجتمع من السهل هزيمته وتفسيخه .. وعزله عن محيطه الطبيعي .. وجعلة مجتمعا يعيش في محميات طبيعية ، أشبه بمحميات الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية . وهل نستطيع ان ننسى ما تفوه به لوبراني مستشار رئيس حكومة اسرائيل الأول ، دافيد بن غوريون للشؤون العربية ، عن رؤيته ، وعمليا رؤية السلطة الاسرائيلية .. بان المخطط تحويل الأقلية العربية الباقية في وطنها الى " حطابين وسقاة ماء ؟! هذه الجملة يجب أن تبقينا على أهبة الاستعداد دوما ..!!

فقط عبر الرؤية النهضوية الفكرية والثقافية ، استطعنا ان نهزم سياسة التجهيل ، وأن ننطلق في اجواء المعرفة والثقافة والعلوم ، لنتحول الى أقلية عربية متماسكة ..

ومع ذلك الظن ان معركتنا انتهت .. هو خداع للنفس . نحن في صراع دائم ومتواصل .. غير ان واقعنا ايضا يتغير للأسوأ .. ربما بسبب المساحة الدمقراطية الواسعة التي بتنا نتمتع بها ، بدل ان نستغلها لتعميق الانتماء والابداع أضحت تخلصا من الانتماء واستهتارا بالابداع. ونفتقد لأي مفهوم متقدم لأهمية الفعل الثقافي !!

عندما قررت الكتابة عن موضوع الاعجاز العلمي في القرآن ، كنت على وعي بأن ما أطرحه سيثير عاصفة ضدي ، ولكني أحترم عقلي وذاتي كمثقفة ، وأرى الخطر الداهم على مجتمعنا من ترويج حكايات وهمية لا استناد مادي لها في الواقع الملموس . يقودنا الى وضع صار فيه بسطاء الناس المتدينين ، وهم كثيرون ،خبراء في الاعجاز العلمي وهم لا يدرون اسس ومباديء أبسط مسألة علمية. وباتوا كلهم يكررون مقولات وآيات أنا في شك اذا كانوا يفقهون لها معنى ، او قادرين على شرح الاعجاز المكتشف . يتحدثون عن نظرية الكهرباء وهم لا يعرفون معنى الدائرة الكهربائية وكيف تعمل الكهرباء. يتفلسفون حول المجموعة الشمسية ، بحدود لا تتجاوز صياغات من العيب ان نذكرها لطلاب الصف الثاني ابتدائي . وقس على ذلك .. هل يمكن لمجتمع اتكالي ، مقتنع انه قمة الحضارة ، ويعيش في حضيض العالم علميا ، ان يفهم أهمية احداث نهضة علمية وحضارية ، نهضة تعليمية والقضاء على الأمية. . ؟!

ان خطر الحديث عن اعجاز غير قابل للاستعمال المادي في التطبيق ، هو محض تخريف ، وبغض النظر عمن يقف ورائه.

الثقافة ليست الابداع الأدبي والفني فقط ، انما الابداع المادي أيضا بانتاج ضروريات استهلاكية للإنسان . وهذا ما نفتقده بالمستوى اللائق والكميات الكافية .

عندما نتحدث عن حضارتنا العربية نغرق في نوسطالجيا . محاولين الاستعاضة عن واقعنا غير الحضاري اليوم ، بتاريخنا الحضاري.

ماذا ينفعنا تاريخنا اذا كنا غير قادرين على استئناف ما توقفنا عنده ؟!

من هنا رؤيتي ان للثقافة والتنوير أهمية عظمى في التجديد . ومن هنا حملتي على ابقاء العقل العربي خاملا مخدرا بأننا نملك العلوم ، وما هي الا "زغلول" آخر ونصبح مصدري علوم وتكنلوجيات ، نخرجها من قرآننا الكريم كما نخرج النفط من صحارينا!!

العقل العقل يا أبناء أعظم الحضارات ، مجدنا في تحقيق اعجازتنا العملية والثقافية وتحويلها الى قوة اقتصادية انتاجية تخلص مجتمعاتنا من فقرها وأنظمتها الاستبدادية المتخلفة ، وليس الثرثرة حول اعجازات وهمية ندعي اننا سبقنا بها الغرب . متجاهلين أن علومنا " المخبئة " فات عهد صلاحيتها ، ولم تعد تنفع للتسويق ، في الوقت الذي تحولت نفس العلوم الى قاطرة تنطلق بالمجتمعات الغربية ، وتتركنا مترهلى العقل والجسد ، نجتر الماضي ونختلف في تأويله !!

ميرا جميل - صحفية – حيفا – نيقوسيا

gmeara@walla.com

السبت، سبتمبر 13، 2008

فضيحة توزيع جوائز الإبداع: أرفضوا هذا العار

ميرا جميل

كتب لي مصدر موثوق من وزارة الثقافة ، وهو على اطلاع كامل حول تفاصيل جوائز الوزير غالب مجادلة المحترم ، الذي هدد قبل اسبوع رئيس الحكومة بالاستقالة بسبب سياسة التمييز ضد العرب ، التي إكتشفها قبل التهديد باسبوع أيضا، بان ما جرى بتوزيع الجوائز هو مهزلة .وهذا نص الرسالة :

" صديقي : أحييك أولاً

لعلمك فإن جائزة تركي هي عشرون ألف فقط ( كتبت في مقالي 30 الفا – ميرا جميل ) ، وليس كما ذكرت ، وأن جائزة نادر ( يقصد نادر أبو تامر – ميرا جميل ) هي بين العددين اللذين ذكرتهما وهي أربعون ألف.

مهزلة حدثت : َتوزع المبلغ الذي كان قبلاً ( كانت قيمة الجائزة 72 الف شيكل – ميرا جميل ) على عشرين بعد أن كان مخصصًا لتسعة ، وذلك ليفاخر الوزير بإنجازات مفترضة ،وأما في الوسط اليهودي الذي ستوزع فيه الجوائز في 17/9 الساعة السابعة في غان هعير في تل أبيب فإن الوزير سيوزع الجوائز بمبالغها 66000" .

لم أعد أفهم كيف سيستقيل وزيرنا العربي ، بسبب التمييز ، وهو اول منفذي سياسة التمييز بين الأدباء..؟؟

ان فضيحة توزيع الجوائز يجب ان تحرك أعضاء الكنيست العرب الأفاضل لصد هذه الاهانة عن ادباء شعبنا كلهم ، وليس فقط عن متلقي الجائزة - الإهانة. وكنت وما زلت أعتقد ان الموضوع يستحق ان يطرح امام محكمة العدل العليا. وامام المستشار القضائي للحكومة ، وأن يطلب التحقيق في ملابسات هذه الجائزة من مراقب الدولة. لو كنت ضمن الفائزين لأرجعت الجائزة لأن التمييز بين الأدباء هو قمة الإهانة الشخصية والأدبية .. ولكني لا امارس الكتابة الأدبية ، ويكفي الساحة الأدبية مصائبها .. ولا أظن اني ساكون كاتبة أو شاعرة أو ناقدة جيدة .. ربما في النقد ساكون بالتأكيد أفضل كثيرا من الفائز بخمسين ألف شيكل ، وأعني بطرس دلة ، فأنا على الأقل أقرأ وأستمتع بالمقروء ، او أشعر بالقرف فأطيح بالكتاب الى سلة المهملات التي كثيرا ما تمتلئ بكتب جعل بطرس من أصحابها أدباء عالميين وحداثيين . كما جعل من الوزير في كلمته المستهجنة "الشخص الذي يحقق المستحيلات" – حقا بقبوله منصب وزير مكان وزير يهودي مستقيل ، احتجاجا على دخول الفاشي العنصري ليبرمان للحكومة ، هو مستحيل سياسي في المفاهيم السياسية الكونية.

أكرر ما قلته في مقال سابق ، بأن بطرس دله يستحق التكريم والتبجيل لدوره التعليمي الممتاز كاستاذ للتاريخ ، ولكن ما يقوم به في ثقافتنا المحلية تجاوز الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاهلها ، لما تتركه من ترسبات سلبية مدمرة على مجمل ثقافتنا. وقد جهدت لأفهم فلسفة "مدرسة" بطرس دلة النقدية ..فلم أجد الا ميلا للتسلية بعد التقاعد من التعليم .

المشاكس نبيل عودة روى لي تلفونيا انه فوجئ بنقد بطرس دلة لأحد كتبه ، ووجد ان " النقد " لم يتجاوز كلمات المديح الكبيرة ، ولكن لم تكن علاقة بين نصوص الكتاب ومدائح بطرس، اي يكتب بدون أن يقرا ، مكتفيا بالعناوين وقراءة أقل من 100 كلمة من كتاب عدد صفحاته أكثر من 200 صفحة. .. وما دام مديحا ، وكلنا نحب المديح ، اذن يبسطنا مثل هذا "النقد" ونموت حبا في " ناقد " يوزع الألقاب الفخمة بلا حساب .

طيب يا أستاذ نبيل ، مش عيب عليك لا تنبسط من مديح بطرس !!

وفسر لي نبيل عبر الهاتف أيضا : بطرس معلم وطني معروف ، ولكن إقتحام ساحة الأدب عشوائيا ، بدون أدوات مناسبة ، وكنوع من التسلية ، يعكس آثارا سيئة على مجمل حالتنا الثقافية المتردية أصلا. موضوع النقد ليس صياغة انشاء لغوي . للأسف لم أجد في كتابات بطرس غير الانشاء اللغوي، ويؤلمني ان أدباء مبشرون بالخير يضللهم هذا النقد ، وقد يقضي على مستقبلهم الأدبي اذا استساغوا مدائحه الفارغة .. والأخطر ان لا يدخلهم بوهم الكمال الأبداعي .

موقف واضح وكلمات لا تفسر على وجهين.

أحد الادباء الذين جعلهم بطرس عالميين ، تمنع في رده ، ثم اعترف ان بطرس ليس ناقدا ، ولكن كتابته قد تساعده على تسويق ابداعه الأدبي ، وطرح اسمه بشكل بارز في الساحة الأدبية .. والأهم يرفض ان ينشر أسمه . وعندما ضغطت عليه بالقول ان المثقف الحقيقي هو الذي يقول الحقيقة دائما .. أعلق سماعة التلفون !!

الذي يحيرني : هل سيجرؤ الوزير على تقديم الجائزة بنفس الأسلوب للوسط اليهودي ؟ أقصد بشكل عشوائي وتمييز واضح في قيمة الجائزة بين الأدباء حسب وزنهم على القبان ؟

لماذا يجري الاختيار في الوسط اليهودي بطريقة حضارية ، تتناول الأبداع الأدبي حقا ، ونحن بطريقة متخلفة ، لا علاقة لها بالإبداع الأدبي ؟

هل الأديب اليهودي يستحق 66 الف شيكل والعربي 20 الف شيكل ، ولا يخجل الوزير من التهديد بالاستقالة بسبب التمييز صنع يديه ؟ اليس ظلم ذوي القربي أشد مضاضة .. ؟

هل من تمييز أكثر من هذا الوضع المخجل ، ضد الثقافية العربية والمثقفين العرب في عهد وزير ثقافة عربي ؟ ؟

الوزراء اليهود لم يميزوا بين العرب واليهود بقيمة الجائزة ، بل وربما العرب حصلوا على مبلغ أكبر قليلا ( 72 الف شيكل وليس 66 الف فقط ).. أما التبرير انه رفع عدد الفائزين من الأدباء العرب الى عشرين بدل تسعة ووزع عليهم الميزانية المخصصة للتسعة ، فهو عذر أقبح من ذنب ، هل بذلك كسر سياسة التمييز ؟؟ أم جعلها أكثر وحشية ؟! والأبشع انه ميز بين الأدباء ... البعض 50 الف شيكل ، البعض 40 الف شيكل ، البعض 30 الف شيكل والبعض 20 الف شيكل ..والمقياس كما ارى بوضوح جرى حسب القبان وليس حسب السجل الابداعي . على الأقل لو قسم المبلغ المخصص لجوائز الابداع قسمة حق .

وكان يهمني أن أعرف قيمة جائزة البروفسور نعيم عرايدي .. هل هي 50 أو أكثر ، أو أقل ؟! هل هذه المعلومات سرية ؟ وهل ابقائها سرا هي من سياسة مقاومة التمييز ؟ .. أو ربما معلومة تتعلق بأمن الدولة ؟ّ

لا أقول هذا بسخرية بل بغضب وغيرة على مكانة أدبنا والناشطين الأدبيين .

ايها الفائزون بما هو دون ال 50 الاف شيكل . احترموا أقلامكم .. احترموا كرامتكم .. احترموا شعبكم وردوا الجائزة المهينة للوزير .. لا تقبلوا اقل مما حصل عليه من ليس له علاقه بالثقافة والنقد الحقيقي . لا تقبلوا التمييز بينكم . انتم ضمير هذا الشعب ، انتم روحه الخيرة ، انتم المعبرين عن أمانيه وأحلامه .فلا تقبلوا إهانة ثقافتنا واهانتكم من وزير يعمل لضمان عودته للكنيست أولا ..

من ناحية أخرى ، الأديب اليهودي بوضع اقتصادي أفضل من أوضاعكم . شعبه يقرأ على الأقل ويشتري كتبه ، ونحن حتى وزيرنا لا يقرأ أدبنا . هل تظنون ان ال 20 الف شيكل للشاعر تركي عامر، والباحثة نبيلة لبس والفنانة فريال خشيبون ، ونفس المبلغ أو أكثر قليلا لغيرهم من المبدعين ، تساوي قيمتها لدى العرب نفس قيمة ال 66 الف شيكل التي توزع بدون تمييز ومراتب ، على كل الأدباء اليهود الفائزين ؟

هل كان من الصعب على وزير الثقافة جعل الجائزة 50 الف شاقل لكل فائز ؟ ومن أين هذه "العبقرية" للتمييز بين أدباء لهم نفس الفضل ونفس النشاط ونفس الغيرة عل ثقافتنا ؟

أنتظر مداخلاتكم ، وجرأتكم في الدفاع عن ثقافتكم وكرامتكم.

ميرا جميل – صحفية – حيفا / نيقوسيا

gmeara@walla.com

الأربعاء، سبتمبر 10، 2008

جائزة للأدباء .. أم جائزة علاقات عامة للوزير ؟

ميرا جميل

ما كشفته جائزة التفرغ الأدبي التي أشغلت الحالة اللاثقافية في بلادنا ، والتي إحتضنها بشكل شخصي وزير العلوم والثقافة والرياضة غالب مجادلة ، أثبتت كم هو واقعنا الثقافي مشوه وهزيل ويكاد يكون فارغا من المضامين الثقافية... حتى بوجود وزير عربي للعلوم والثقافة في اسرائيل .

لست في باب استعراض انتقاد الأدباء الذين لم يحصلوا على الجائزة ، ولكن لا بد من التأكيد بأن الأدباء الحاصلين على الجائزة ، جرى إختيارهم بشكل لا صلة له بالإبداع الأدبي. وحقيقة وجود لجنة للجائزة ، تقرر أسماء الفائزين ، حسب ابداعاتهم وعطائهم الثقافي ، هي أكبر كذبة ثقافية للسيد الوزير ووزارته .

ما وصلني مؤكد تماما . الوزير ، وربما مستشاره معه ، يقدمون للجنة التي " تقرر" أسماء الفائزين ، أسماء عدد من الأدباء الذين يختارونهم من بين المتقدمين للحصول على الجائزة، ، وعلى اللجنة إقرار الأسماء ، ولإعطاء شكل دمقراطي للجنة ُتبقي لها ولأعضائها بعض الكرامة ، يقدم مكتب الوزير للجنة 25 اسما لتختار اللجنة 20 أسما من بينهم . . وقلت أسماء ولم أقل أدباء ، لأنه في هذا الشكل من الإختيار ،الإسم هو المهم وليس الإبداع الأدبي .

الأمر البارز هذه السنة ، والذي بدأ ينكشف بمنتهى البشاعة والسوء، هو التمييز " العنصري " بين الفائزين. من قرر ان ذاك الأديب يستحق 50 الف شيكل والأديب الآخر يستحق 30 الف شيكل فقط؟ أو أن الفنان لا يستحق أكثر من 20 الف شيكل ؟ وهو المبلغ الذي حصلت عليه الفنانة الكبيرة فريال خشيبون ، والباحثة التراثية نائلة عزام لبس . هل أخذ الوزير ولجانة وتابعيه بعين الاعتبار أحجام الفائزين وأوزانهم على القبان ؟ هل هي جائزة ثقافية ام جائزة للأحجام ، وللشكل ، وللطول ، وللصورة ؟

مثلا كيف يمنح معلم التاريخ الدكتور بطرس دلة 50 الف شاقل .هل لأنه يدعي انه ناقد ؟ّ راجعت بإنتباه شديد كتاباته "النقدية "!! و"الإبداعية"!! من شعر وقصة على موقع الجبهة ، ولم اجد مادة واحدة تستحق ان تسمى ثقافة . بينما أديب معروف مثل تركي عامر ، لي عليه انتقادات واسعة ، ولكني لا أستطيع ان انفي مساهماته الثقافية ، يمنح 30 الف شيكل فقط . حقا حجمة أقل من نصف حجم بطرس دلة ارتفاعا وامتدادا عرضيا. وأديب له مساهماته الطويلة والجيدة في القصة والشعر مثل زهير دعيم ، يجري شطبه وتجاهله ، وانا على ثقة انه أحق بالجائزة من 99% من الحاصلين عليها ، وكنت سأختاره بدل نادر أبو تامر ، رغم اني معجب بكتابات نادر القصصية للأطفال أكثر من كتابات زهير دعيم ، ولكن زهير له باع طويل ومثابرة ممتازة في الابداع الأدبي للصغار والشعر للكبار ، وهو بالتاكيد احق من نادر أبو تامر ، وأحق من تركي عامر وأحق من بطرس دلة ومن باقي الأسماء ...

يستطيع نادر الانتظار للسنة القادمة ، فمشروعه الأدبي لم يمض عليه سنتين ، وربما يتغير الوزير وتعود الجائزة الى 72 الف شيكل كما كانت دائما ، وبدون تمييز بين الأدباء ومعلمي التاريخ . وماذا مع معلمي الجغرافيا .. هل لهم مكان في الجائزة يا سعادة الوزير؟.. سيكتبون الشعر بمستوى شعر رشدي الماضي الفائز بالجائزة في السنة الماضية ، وربما أفضل . فكما لا نفهم شعر رشدي ، لا ضرورة لأن نفهم شعر معلمي الجغرافيا المتقاعدين .. رتبوا الكلمات بشكل الشعر الحديث .. بلا وزن ووجع رأس وبلا معنى .. ، والجائزة بانتظاركم وتنفعكم قيمتها في تقاعدكم ؟!

ويشغلني سؤال : هل حصل نادر على 50 الف شيكل ام 30 الف شيكل ؟ أقترح على أصحاب الجوائز المنخفضة ، أي أقل من 50 الف شيكل ، اعادتها للوزير ، حفظا لكرامتهم وكرامة أدبنا في ظل وزارة ثقافة يديرها وزير عربي ، ويهدد رئيس الحكومة بالاستقالة بسبب التمييز ضد العرب في الميزانيات ، الذي، ما شاء الله ... اكتشفه مؤخرا ، بينما هو نفسه لم يتردد بأن يمارس التمييز المسيء والمعيب على ادباء شعبنا ، بل ويضم اليهم معلما للتاريخ ويجعله استاذهم في النقد الأدبي وأعلاهم في قيمة الجائزة المادية ، وهو أهم ما فيها .

فاجأني الشاعر سليمان دغش ، برفع قضية ضد الوزير ووزارته بتهمة القذف والتشهير . بصراحة هو محق . كيف يدرج اسمه بدون علمه وبدون ان يكون قد تلقى جائزة الوزير، الذي له موقف شخصي منها ، يرفضها تماما ، وهذا حقه السياسي والأدبي والأخلاقي ؟

أعتقد ان موضوع الجائزة يجب ان يحول للمستشار القضائي للحكومة ، وربما لمراقب الدولة ، لفحص طريقة منح الجائزة ، وهل تلتزم الوزارة بنهج قانوني واضح ، أم تجري الأمور بشكل سبهللي ؟ وكيف تدار الجائزة في الوسط اليهودي ؟ ولماذا لا تدار بنفس الشروط للعرب أيضا ؟ ولماذا لا يمنح الفائزون مبالغ متساوية ؟

هل قرارت اللجان والهيئات وشكل عملها هو سر لا ينشر ؟ وهل هناك بروتوكولات يمكن مراجعتها ، ام أنها جهزت سلفا ، وظل الناقص هو ختم الباصمين ..؟!

حدثتني عضوة أحدى اللجان السابقة عن مهزلة اختيار الأسماء .. قالت لم نقرأ شيئا . بعض الأسماء لا نعرف نشاطها الأدبي . لم نقرأ حرفا مما كتبوا . تجيء التوصية ب 15 اسما وعلينا إختيار 12 اسما بلا معرفة واطلاع على كتاباتهم .

ميرا جميل - صحفية - القدس / نيقوسيا

gmeara@walla.com