نعمان إسماعيل عبد القادر
قصة قصيرة
بين أحذيةِ أهالي القرية، كانت له حكاية.. وبين جدران الماضي القريب، كانت له قصة. صنع أحداثًا في الخفاء.. وعاش بين ظهرانينا فدفن في مقبرة الشهداء.. فقد كنتُ إذ ذاك من هؤلاء الجالسين.. انتظر كغيري مجيء دوري الذي عيَّنه لي طبيب الأسنان بعد أسبوع من رقع ضرسي، خارج غرفة الطبيب.. والألم الذي أصابني وقتذاك لا معيار له. خلال هذا الأسبوع شرحت مصيبتي لكثير من معارفي ورددت المثل القائل:" الأفضل اخلع السن واخلع وجعه". كان باب الغرفة مشرَّعًا.. والطبيبُ.. من عادته ممازحة مرضاه وملاطفتهم بأسلوبه الرقيق، ربمّا كنوع من العلاج النفسي لا أكثر. كلماته تنتهي إلى مسامع الحاضرين في الغرفة وخارجها، إلا أنني لم أعر لها اهتمامًا كثيرًا إذ كنت غارقًا في قراءة مقالٍ من جريدةٍ قديمةٍ يقارن فيه كاتبه بين أصحاب اللاميات من الشعراء ويخص بالذكر لامية العرب للشنفرى ولاميّة العجم للطغرائي. وكان هو منهمكًا في معالجة ضرس رجلٍ مسنٍّ، يدعى "أبو عمر" يسكن قريبًا من الحيّ الذي أسكن فيه، وقد نصحه ألا يتريث في اقتلاعه كي يتخلص من وجعه قبل أن تزداد اللثة التهابًا. وظلّ هذا يمازحه حتى انتهى من عمله وحانت عملية المحاسبة إذ قدّم له فاتورة دفعٍ وفيها سُجّلَ مبلغ يعادل ثلاثين دينارًا لا غير. انتفض الرجل انتفاضةً غريبةً لا من ألم الضرس فحسب بل من ألمٍ من نوع آخر أصاب جيبه وما حولها فصاح محتجًّا بصوتٍ عالٍ وأخذ يهزّ الفاتورة هزًّا شديدًا وهو يدسُّ يده في جيبه طائعًا واستخرج منها المبلغ المرقوم قائلاً والطبيب صامتٌ عن مضضٍ:
_ " أنتم تكوون الناس بمكاويكم الحديثة ولا ترحمون.. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.. الرحمة الواسعة تنزل على روح حسن الاسكافي في قبره؛ كان أفضل منكم جميعًا يخلع أسنان الناس بمهارة دون أن يتعلّم في جامعة وكل ذلك لوجه الله.. رحمة الله على أيام زمان.. كان كيس الطحين بخمسة قروش".
حسن الاسكافي! هذا الاسم ليس غريبًا عليَّ فقد سمعته أكثر من مرّة قبل الآن.. وما علاقة الاسكافي باقتلاع الأسنان؟ أسئلةٌ حيّرتني كثيرًا بعد أن راودتني لم أجد لها جوابًا عند طبيب الأسنان الذي وصف الشيخ باستخفافٍ أنه مصاب بالخرف لكبر سنّه وكلُّ ما يقوله يدخل في خانة الهذيان. لكنّي آثرت الصمت..
وفي صباح اليوم التالي زرتُ الشيخ في بيته فاستقبلني بحفاوة وترحاب واسعين وقدّم لي شايًا ثقيلاً رغم شدة الحرّ مدّعيًا أن الشاي الساخن يبرد الجسم.. فسألته عن حسن الاسكافي وحكايته، فأجابني متعجبًا: أحقًا لا تعرف حسن الاسكافي؟ عجبًا منك أيها الرجل! الناس كلها تعرفه. ومن في الناس من لا يعرفه؟ إنه أشهر من نار على علم.
أجبته إجابةً مقتضبةً مبتسمًا ابتسامةً صفراء: "ولكن لم يحصل لي الشرف أن التقي به يا سيدي.."
عدّل الرجل من جلسته فابتسم وقال متنهّدًا:
"حسن الاسكافي يا سيد "سامر" من سكان قرية "سيدنا علي" الواقعة على ساحل البحر والتي لم يتبق منها اليوم إلا جامعها المشهور.. حضر مع أبيه إلى قريتنا أيام احتل الإنجليز بلادنا واستقر فيها وأخذ يعمل اسكافيًا في غرفةٍ بناها له أهل الخير من الطين قرب المسجد وسط القرية.. اتخذ لأبيه العجوز منامًا في السدة العليا التي لا تتسع إلا لشخص واحد، أما هو فمنامه بين الأحذية. اعتاش على الصدقات والأجر الزهيد الذي تقاضاه من رقع الأحذية وإصلاحها. وظل حين يختفي فجأة، وكثيرًا ما يختفي، يصاب والده بقلق شديدٍ.. وغيابه يستغرق أسبوعًا دون أن يجد له أحدٌ أثرًا ولا يستدلّ على المكان الذي يختفي فيه. والشائعات أخذت تزداد شيئًا فشيئًا إلى أن شاع بأن الرجل تأخذه طائفة من الجن فتطير به إلى قصرٍ تطل شرفاته على بستان فسيحٍ وارف الظلال فيظل ينعم بمنظره ويستطيب فيه على أرائك رحبةٍ أسبوعًا دون مللٍ أو كلل ويستمتع بما لذ وطاب من الطعام والشراب.. ومن الناس من قال إن الرجل قد أعطي الولاية فصار درويشًا ينتقل من تلقاء نفسه بلمحة البصر من الشام إلى عدن يجوب الدنيا متى يشاء ويحصل على أخبار آخر الزمان ممن يسترقون السمع. أسراره التي حملها لم يكشفها أحد إلا بعد غيابه عن الدنيا. من القدر سخر فسخر القدر منه.
قابلته ذات مساءٍ في حانوته أشعل فيه سراجًا وطلبت منه إصلاح حذائي لكنه طلب مني العودة إليه عند الصباح، فاستجاب لي بعد إلحاحي عليه وتذرّعي بالسفر إلى يافا مع والدي، وشرع في الرقع والخياطة وأنا أتأمل أنامله.. فقال لي فجأة كلامًا ردده عليَّ عدّة مراتٍ لا زلت أحفظ قسمًا منه:
الناسُ في وطني أجناسْ
منهم الطيب ومنهم الخناسْ
إن ترهم جميعًا تجدهم زبدًا بلا أساسْ
يسعون بلا هدفٍ
كأنهم أحجارٌ ليس لهم إحساسْ
أو هم كالأعشاب تدسّ في الأكياس
الطيِّب فيهم منشغلٌ
والكريم حذرٌ من أن يُداسْ
لا تركنْ أبدًا لا تركنْ
صمودك هو النبراس
ظل كلامه هذا يرنُّ في أذني أيامًا وأيام وأدركت أن الرجل كان على علمٍ ودرايةٍ كافيين بأمور كنا نجهلها نحن من قبل. كتم أصله عن الناس وظل الناس يشيعون عنه الكثير من الكلام فيما حامت حوله الشكوك إلى أن اكتشف أمره أحد الرعاة حين رآه عن غير قصدٍ يسير نحو الوادي أثناء اختفائه فظل يرصد حركاته إلى أن عرف أنه يقدّم أموالاً لشخص غريب مسلحٍ وأدرك أنه أحد المتعاونين مع قادة الثورة لكنه أنكر كلّ هذا خشية أن يقبض عليه.. كان مقاومًا للشكسبيريين واستعمارهم لبلادنا فلم يجد مكانًا يلجأ إليه سوى قريتنا فتقمص شخصيّة اسكافي وظل فيها حتى مماته..
متواضع وأي تواضع عرف عن هذا الرجل.. حييٌّ وأي حياء به تحلّى.. مطواع وأي طاعة عاش بها بين الناس.. إذا قصدته تجده يسارع في مساعدتك.. لبس أبسط الثياب واقتنع بالقليل.
ثمة فتاة أحبّها كان يراقبها كلّما مرت من أمام حانوته ولم يحظ بالاقتران منها لأنه غريب لا يملك درهمًا ولا دينارًا. وثمة من كان يشفق عليه من الناس.. والحاجة زريفة أكثرهن شفقة واستمرت ترسل له مع أبنائها طعامًا كلَّ يوم. كلَّما طبخت شيئًا تحسب حسابه. وقبل المجزرة ببضعة أشهر أراد أحدهم أن ينتزع له سنًّا كان يؤلمه فوجده ميتًا. هرع الناس من كل حدبٍ وصوبٍ ولما فتشوا غرفته وجدوا بين أوراقه وثائق دلَّت على أنه من قادة الثورة. وحظي بجنازة بطل ثوريٍّ ولا يزال الناس يرددون مناقبه إلى يومنا هذا. هذه حكاية الاسكافي يا "سامر". كنّا نقتلع الأسنان عنده مجانًا فصرنا ندفع الكثير، وكنّا نسير في الشارع متى نشاء لكن صار السير في الشارع يكلّف غاليًا، كنّا نتحدث ما نشاء حتى أصبح الحديث بالهاتف يحاسب عليه الإنسان.. الدنيا تغيّرتْ.
في الحقيقة تأثرتُ أنا نفسي من حكاية الاسكافي تلك التي سمعتها من "أبو عمر" إلا أنني كدت أنساها حتى كنت في المقبرة وقمت وإخوتي بزيارة قبر والدي في اليوم الذي صادفتنا فيه ذكرى وفاته. وبعد تلاوة الفاتحة توجهت لزيارة قبر جدي ففوجئت بقبر كتبت عليه العبارة التالية: " الفاتحة على روح المرحوم حسن الاسكافي.
انتابني شعور غريب وقلت في نفسي:
"يا سبحان الله كم مرة مررت من جانب هذا القبر ولم أعلم أنه يجاور جدي في المقبرة"..
(كفر قاسم)
السبت، أبريل 03، 2010
حسن الاسكافي
الجمعة، فبراير 19، 2010
وسوسة من الشيطان
نعمان إسماعيل عبد القادر
كأنَّ الرّوح تحلّق في أجواء البيت المعبّأة بالحزن، كأنها لم يكن في مقدورها مفارقة مكانٍ أَلِفَتْهُ وعاشت فيه مدّةً من الزمن، كما تفارق الأرواح الأخرى عالم الأحياء وتعود إلى المكان الذي أخرجها منها بارئها أوّل مرّة.. والبيت لم يبق فيه مَنْ يَتَنَفَّسُ غير امرأة وثلاثة أطفال لم تَحِنْ بعد الذكرى الخامسة لولادة أكبرهم. لبست ثوب الحداد. وبقيت الأحزان تلازمها حتّى جعلت منها جسدًا لا يشتهي الطعام إلا في فتراتٍ متباعدةٍ. إحساسها بالوحدة راح يداهمها في كلّ وقت واستمرّ يحوم في حيّز تفكيرها الضيّق. إعالة الأسرة الصغيرة أمرٌ صعبٌ أقلقها كثيرًا. تتذكّر الماضي تارةً وتتذكّر المخفيَّ تارةً أخرى. كلّما نظرتْ إلى عينيه وأمعنتِ النظر في صورته المعلّقة على الحائط، أجهشت بالبكاء. وكلّما تذكّرتْ مداعبته لأطفاله تفتَّقَ قلبها المكسور وندبت حظًّا بائسًا انتابها دون النساء جميعًا..
ثمة صغيران نائمان في الغرفة اليمنى، أما ثالثهما فقد رافق خاله إلى بيته، حينَ انتهتْ زيارته الرسميّةَ ظهر ذلك اليوم. كانت تغسل الأواني في المطبخ الذي اعتادت أن تعدّ الطعام للمرحوم في نفس ساعة عودته من عمله، فإذا إحساسٌ غريبٌ ينتابها.. أحسَّتْ بشيءٍ ما في داخل البيت يلاحقها بنظراته ويرصد كلّ حركةٍ من حركاتها، كأنه يمدّ يده محاولاً لمس يدها أو خصلةً من شعرها. حرارةٌ غريبةٌ تجتاح ظاهر يدها اليمنى.. ثم تشعر بهواءٍ باردٍ يلامس شعرها الطويل فيذكّرها بأنفاسه حين كان يقرّب وجهه منها مودّعًا لها قبل خروجه إلى العمل.. استدارت في عجلةٍ والتفتت في زوايا المطبخ لكنّها لم تجد شيئًا. نفختْ في صدرها وسمّتِ الله ثم استعاذت من الشيطان الرجيم.. فتحت النافذة ونظرت منها فإذا هرةٌ تموء قرب شجرة الليمون التي زرعها زوجها قبل رحيله بشهر. وأوجستْ في نفسها خيفةً.. هرولت.. تناولت جوّالها، وضغطت على أزراره في عجلةٍ ثمَّ أخذتْ تخاطب أخاها لاهثةً:
- أخي خالد! أرجو أن تأتي إليّ حالاً وبسرعة! وأن تحضر معك "مراد".
- ما الأمر يا أختاه؟!
- أرجوك! لا وقت لديّ للكلام.. تعال بسرعة ولا تتأخر.
- حسنًا سأكون عندك في ظرف عشر دقائق.
راحت تصغي لآيات من الذكر الحكيم تُقرأُ بصوت عذبٍ مؤَثِّرٍ عبر إذاعة القرآن الكريم، أحست من خلالها براحة في النفس وباطمئنانٍ يلفُّ قلبها وشرعت في فصل أوراق الملوخية المكدّسةِ على الطاولة عن عروقها، لكنّها ما زالت مقبوضة النفس وتتحرك بكامل اليقظة وهي ترهف السمع لتسترقَّه فتعرف ما يحدث من تغيُّرٍ في أجواء البيت.
قال لها خالدٌ وهو يعدّل من جلسته:
- يبدو أن خيالك قد ساقك بعيدًا يا "فاتن"، ربّما لأنك تعيشين وحدك وتكثرين من التفكير في المرحوم ..
قطّبت حاجبيها واستمرت في فصل الملوخية عن سيقانها ثمّ أجابت في اشمئزازٍ:
- لا .. أنا لا أتخيل وليس للأحلام مكان في وجودي، كلّ ما رأيته كان حقيقةً. هذا البيت أصبح مسكنًا للأرواح بعد رحيل زوجي ولا أستطيع البقاء فيه دقيقةً واحدةً. ولو كان الأمر مثلما تقول لما وجدتُ الغرفة بعد عودتي من زيارتكم مضاءةً والكتاب مفتوحًا وصورتي ببدلة الزفاف ملقاة على الأرض.
- ما رأيك في إبلاغ حمويك بالأمر، فقط من باب المجاملة ومنها قد نفتح بابًا للتصالح معهما..
هزّت ساق الملوخية المفصولة عنه نصف أوراقه وقالت بغضبٍ:
- بماذا تجاملهما؟! هل يستحقّان المجاملة فعلاً؟ لا، لا.. أنا لا أطيقهما ولا يطيقانني. أنا لا أستطيع العيش في هذا البيت..
ثمة توتر خانق يقبضها. لم تتمكن من أخذ جرعة واحدة من النوم. صحيح أن العينين مطبقتان لكنَّ الأذنين تترقبان أمرًا قريب وقوعه. انهمكتْ تفكر في قضايا الميراث والخلاف مع حماها الذي قد يصل إلى أروقة المحاكم الشرعية ثم ينتقل منها إلى المحاكم المدنيّة وأسلوب حديثه القاسي وكلماته البذيئة التي سمعتها منه أكثر من مرّة ثمَّ أبحر بها خيالها في بحر الماضي وراحت تتذكر زوجها المرحوم وابتسامته العذبة حين تعرّف عليها أوّل مرّة أثناء مشاهدتها في أحد المحالّ التجاريّة الواقعة في غرب المدينة فكان تبادل للنظرات وتقاسم للمشاعر.. لكن سرعان ما انقطع المشهد لمّا أحسّت بكابوسٍ مفاجئ غريب يقترب منها ويُحْكِمْ قبضته على عنقها ضاغطًا بأصابعه حتى شعرت باختناقٍ سرعان ما انتفضت لتتخلص منه فجلست في سريرها لاهثةً وهي تسمّي الله وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. أخذت جرعةً من كأس ماء كان بجانب سريرها. فتحت المصحف وقرأت منه سورة يس ثمّ تحوّلت إلى سورة الفاتحة..
رائحة بخور "أم خالد" القوية انتشرت في جميع زوايا البيت وأوشك الأطفال على الاختناق منها قبل أن يتناولوا طعام فطورهم لولا أنها فتحت بعض النوافذ لتخفف من وطأتها. قرأتْ أورادًا حصلت عليها مكتوبةً من والدِ كِنَّتِها الشيخ "جابر" لتكون حرزًا حصينًا ودعت ربها أن يحفظها وبيتها وأولادها من كل عين ضارة ومن كل نفس شريرة وأن يكفيها شر البلاء. الأوراد عينها كانت آنذاك وكأن شيئًا لم يكن بعدها في تلك الليلة. حركاتها الطبيعية أخذت تتناغم مع كلمات أمها- "أم خالد"، واطمئنانها صار يتعاظم مع سماع صوت والدتها المهدئ للأعصاب. واستحالت الحال من قلق إلى راحة واطمئنان.
قال لها كبير العرّافين من ذوي الأسعار المحددة: "ربما صادفتْ تلك الليلة ذكرى ولادة المرحوم حيث تعسّرتْ يومئذٍ الولادة وعانى المولود وأمه معاناة شديدة استمرت أكثر من اثنتي عشرة ساعة وتركت تلك الحالة جرحًا عميقًا في الروح لم يتخلص منه طوال حياته ولهذا فإن روحه الطاهرة لن تستقر إلا بعد أن تجد جسدًا تتقمَّصُهُ وتُولَدُ معهُ من جديد. وقد تكون حماتُها قد حجبتْ لها حجابًا أثار الروح فأغضبها، هذا ولا يمكن التخلص منه بسهولة، ومعالجته تحتاج عدة جلسات متواصلة، وربما تكون قد أخفته في مكان لا يعثر عليه إلا من يتواصل مع عالم الجن والأرواح"..
تساوى عندها الليل مع النهار منذ الزيارة الثانية لكبير العرَافين وبعد أن أخلت بيتًا ممتلئًا بالأرواح كما أوصاها، وراحت تطالب حقّها فيه وفي الميراث عبر المحاكم المدنيّة ثمّ تفرّغت للبحث عن عمل يناسبها وتجمّلت بالصبر.. المنشود صار مفقودًا والموجود صار مكروها فلا عمل يورث ولا أحد يعيل أطفالها. قال لها أخوها ساخرًا يومًا حين تذمّرت في حديثها من قلّة الموارد وصعوبة العيش:
- " من كان منكم بلا عملٍ فليبحث له عن عمل.. ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فقد عافاه الله من العمل".
إذا كان هذا مزاحُ مازحٍ فتلك هي أحزان أرملة.. لا يمكن لها أن تكون عبئًا على أحد. أو ألعوبةً بيد البشر.. والكلّ من البشر. السكن بالأجرة خير من مجاملات الآخرين حتى لو كانوا من أقرب المقربين. فليكن استقلالاً دون انقطاع وتحمُّلاً دون انكفاء. فقد تستطيع العيش حاليًا بالمخصصات التي تحصل عليها من مؤسسة التأمين الوطني مع قلَّتِها دونَ أن تمدّ يدها لأحد. ولمّا لم تكن لتتوقع أنَّه آخر من يتنكّر لها ولو في قلبه من دون لسانه، فقد انفجرت باكيةً كمن فُتح جرحه الذي لم يلتئم بعد. تذكّرت طيف زوجها "المرحوم" وتذكّرت صورته وهو مسجى بعد غسله وتكفينه.. ألا يستطيع أحد الآن تحمّلها وأولادها؟ يكفيها أنها أصبحت أرملة. والمزاح أحيانًا تعبيرٌ عمّا يدور في خاطر النفس البشريّة. هذا هو قرارها وعزّة النفس لا تسمح لها بالتراجع عن قرارها مهما حاول البعض إقناعها.
البيت لا يبعد كثيرًا عن الحارة التي يسكنها الأهل لكنّ العمل الجديد الذي بدأته أسبوعًا بعد نشر الإعلان في الجريدة وإجراء المقابلة مع صاحبه، بعيدٌ جدًّا. عرض البضاعة، إقناعٌ الزبائن، إحضارُ المطلوب من المخزن، مراقبة النشّالين، مرافقة الأشخاص ومساعدتهم، وترتيب البضاعة على الرفوف هذه جميع الأعمال التي يتطلب منها في "بوتيك سميراميس". واشترط عليها صاحبه "إبراهيم" ألا تأخذ ثمن البضاعة من الزبون، وما عليها سوى توجيهه إلى الزاوية حيث يجلس وراء طاولة عليها آلة حسابية ودفعه المال له مباشرةً. وأن تعمل كلّ يوم ما بين ثماني إلى عشر ساعات يوميًا وتعطّل يومي الجمعة والأحد من كلّ أسبوع. وتقتضي مقابل كلّ هذا راتبًا متواضعًا لا يزيد عن أجر الحدّ الأدنى الذي حددته الحكومة في الفاتح من كل شهر.
ألحّ عليها البعض أن تتخلى عن فكرة هذا العمل خصوصًا مع رجال غرباء في المتاجر الخاصة حتّى تبتعد عن الشبهات ثم كي تتفرغ لتربية أطفالها تربية سليمةً ولا تتركهم يتشتتون هنا وهناك، لكنّها أصرّت على ذلك متذرعةً أنها لا تريد منّةً من أحد وكرامتها لا تسمح لها بطلب المساعدة من أحد.
كان حين يخلو المكان من الزبائن، يحمل صحيفة عبرية يومية ويتظاهر بقراءتها فيتتبع بحدقتيه من خلفها جسدها المكتنز الشهيّ دون أن تحسّها.. نظراته الخفيّة إلى قدّها الميّاس تحمل صدى داخليًّا مثيرًا.. وإذا التفتتْ إليه فجأة تظاهر بالانشغال في تصفّح الجريدة وتقليب صفحاتها والتدقيق في عناوينها وتفاصيلها. صار معها أشدّ من النسر من عليائه إلى فريسته لهفةً حين أدرك تمام الإدراك حاجتها الشديدة للمال، فصار يعاملها كمن يعامل طفله المدلل.. وما انفك يشعر أنه ليس من العدل أن تضيع لتصبح ملكًا خاصًا لغيره.
كان أنانيًّا في طبعه ويرى في الأنانيّة سلعة قيِّمة لا تُساوم عليها الأنفس في عصر يأكل فيه القوي الضعيف، وفقد عار الأنانيّة منذ أن تخلّى عنه أصحابه لمّا وقع في ضائقةٍ ماليّةٍ اضطر فيها أن يوصل الليل بالنهار وهو يعمل حتّى خرج منها سريعًا. وأنانيته هذه أفقدته السهر معهم في "مقهى السحَر" أيام الجمع وتدخين نارجيلة مسكرةٍ وهو يصغي لسماع المغنّي طربًا لشتّى مطربي الغناء العربي وهم يتمايلون مع نغمات الموسيقى.. علّمته الحياة حُسن استغلال الفرص وعدم تفويتها. لذا فإن البضاعة التي تُعرض عليه آناء الليل وتدرّ عليه ربحًا كبيرًا أطراف النهار لم يكن في وسعه الاستغناء عنها ويسارع في دفع ثمنها عدًّا ونقدًا قبل تسليمها.
بقي على انصرام الشهر السابع أسبوع واحد.. وآخر زبونٍ استلم سلعته مغلفة في ورقٍ سوليفان بناءً على طلبه لتكون هدية لخطيبته كما يقول. شكر وودّع وانصرف.. تقدّمت منه طالبةً أن يأذن لها بالرحيل فطلب منها التريث قليلاً.. أخرج من الدرج بعضًا من الأوراق النقديّة ثمّ تقدّم منها وطلب أن تأخذها سلفةً لتدبر شؤونها.. ولمّا تناولتها أمسك بيدها فضمّها إلى صدره وعاجلها بلثمة ساخنة في خدّها بنيّة مبيّتة.
ما بعد هذه الحادثة ازدحمت أفكارها ارتيابًا ولم تجد لها منفذًا للتخلّص منها. أفكار حبلى تنطق بمشاعر الحزن مرةً، مفعمة بأحاسيس أنثويّة مرةً أخرى، ملأى بروح الغضب والدهشة من جرأته ووقاحته، في كنف الصمت الذي أطبق على البيت بعد أن غرق أطفالها في بحر النوم.. تتساءل أحيانًا عن دوافع تصرفٍ كهذا، وعن سبب ضعفها واستسلامها له وفشلها في الاندفاع بسرعة نحو الباب فتنطلق منه هاربةً. ثُمَّ أين وفاؤها لزوجها المرحوم؟ أيطردها من العمل ويخصم عنها الراتب كلّه إذا تغيّبت أكثر من ثلاثة أيام كما اتفقا أول مرة؟ هل تترك العمل وترجع إلى أهلها فتوّفر على نفسها التعب وثمن أجرة البيت.. أي تصرّف يكون لو عرف أخواها بذلك؟ لا لا.. لا يمكن إخبارهما حتى لا يجتمع الشرّ والشيطان في آن واحد فيقدما على ما لا تحمد عقباه.
مرّ على غيابها خمسة أيام دون أن تترك خبرًا. أخبارها انقطعت والخوف والقلق استبدّا به.. أي تسرعٍ هذا كان من جانبه؟ تصرّفٌ غير حكيمٍ.. صحيح أنَّ النيّة كانت من دافع الاختبار لكنّه اعترف أنّ الوقت لم يكن مهيّأً للاختبار.. غيابها مؤشر واضحٌ على أن العواقب لن تكون سليمةً.. منذ اليوم عليه أن يكبح جماح رغباته.. ولكن ماذا ينفع الندم لو أن أحدهم جاءه غاضبًا وانهال عليه ضربًا بعصاه وأُصيب بجروحٍ بالغةٍ أفقدته وعيه؟
كان الصباحُ.. فَتَحَ باب محلّه كعادته وشرع يرتب البضاعة المبعثرة على الرفوف الزجاجيّة.. جلسَ للاستراحة بعد ساعةٍ وأخذ يتصفح الجريدة ويقرأ عناوينها المكتوبة بالخطّ العريض، وإذا بها تدخل عليه وعلى كتفها الأيمن حقيبتها فألقت عليه تحيّة الصباح وكأن شيئًا لم يحدث.. ردّ التحيّة وهو مكسوفٌ لا يجرؤ على النظر إليها مخسوفٌ لا يستطيع محادثتها في أمور أخرى خارجة عن نطاق العمل. ظلّ يومها إذا طلب منها أمرًا حكّ شعره بأطراف أصابعه أو فَرَكَ عينه اليمنى بيمناه حياءً من فعلته. لكنَّ عودتها هذه خلقتْ في نفسه شيئًا من الراحة.. وهي دليلٌ واضح على أنها لم تحدّث أحدًا من أهلها. وظلّت تعمل طوال النهار في صمت. قال لها عصر ذلك اليوم:
- أقدّم اعتذاري الكامل على مضايقتك وما بدر منّي. لم أكن أقصد الإساءة لك. أعدك أن لا أكرر الأمر مرّة أخرى.. كان الشيطان ملعونًا أينما تواجد.. هذه كانت وسوسة من شيطانٍ مخادعٍ غدر بي دون أن أدري واستغفلني من حيث لا أدري.. من منا لا يخطئ.. ألم يقل المسيح من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر.
الحذر من جانبها ظلَّ مرهونًا بالصمت وانعدام تبادل الحديث معه في أمور لا تختص بالعمل. وظنَ من جانبه الاختبار ناجحًا. رغم أن المزاح بينهما كاد ينقطع إلا أنّ النساء أهون من بيت العنكبوت. ألم ينجح مع غيرها من قبل؟ ومثلها بحاجة إلى رجل أي رجل.. فلماذا لا ويغريها بالمال الذي هي أحوج من غيرها له؟ مرّ على المحاولة الأولى أكثر من شهر دون أن يحدث شيء.. ألم يأنِ له أن يحاول مرّةً أخرى؟
كانت في عملها ترتب أصناف الملابس في المخزن العلويَّ كلّ حسب مقاسه ونوعه، مثلما طلب منها. أقفل الباب وصعد إليها يحمل الراتب مغلّفًا بغلاف من الورق.. تقدّم منها وأخبرها أنه ضاعف أجرها لأنها تستحق كلّ هذا وبجدارة.. ناولها المغلف وضمّها وأخذ بتقبيلها لكنّها رغم دفعها له لم تستطع المقاومة أمام رجلٍ أضخم منها يحاول النيل منها. ظلّ يحاول تجريدها واستمرّت في مقاومتها حتى وصلت يدها إلى حقيبتها. تناولت منها سكينًا حادًا كانت تخبئه فيها، غرزته في جميع أنحاء جسده عدّة مرات فسقط على الأرض وهو يشخر مثل شخير الثور المذبوح..
naamankq@yahoo.com
(كفر قاسم)
الجمعة، فبراير 05، 2010
وراثة الخطايا
نعمان إسماعيل عبد القادر
الربيعُ لفظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ ورحل عن الدنيا ومن فيها قبل أسابيع قليلة، ونفحاتُ الصيفِ منتشرةٌ في كلِّ فجاج الأرض وجبالها. ولبث الرجل يحرّك رجليه ويحث دابته ممسكًا بزمامها شاعرًا أن الدنيا تلاحقه.. أنفاسه اختلطت بأنفاس البهيمة التي يركبها ونبضات قلبه تسارع وتيرتها كلّما تذكر كلمات الرجل الأخيرة. تلثَّم بكوفيتهِ وأخفى وجهه، كمنْ يخافُ من عيونٍ بشريةٍ كثيرةٍ تراقبه حيثما توجّه وتخترق كل مكان يمرّ فيه فأراد تضليلها. ظلَّ يتجنّب الطرقات المألوفة والأماكن المأهولة حتّى أحسّ أنه في مأمن من أي خطرٍ طارئٍ يفاجئه به وحشٌ بشريٍّ شرسٌ. نظر حوله فوجد نفسه وسط حقل منبسط يتوسطه كرم عنبٍ كبيرٌ يبدو أن أصحابه قد رووا خضرواتهم المزروعة في أطرافه بماءٍ لم يجف بعد فأدرك أن الماء الذي صار ينشده متوفرٌ في مكان قريب وأنهم غادروا المكان قبل سويعاتٍ. همس في أذن راحلته فتوقفت.. ترجّل والعطش الشديد يكاد يفتق حلقه ويجتاح جسد دابته التي أعياها السير. تحسس المكان فوجد بئر ماء رواها منها وأطفأ ظمأه فرتق حلقه ثم توضأ وصلى العصر وتوجه إلى ربه بقلب خاشع وعين دامعة ونفس تائبة قائلا: ربي أنت أعلم بحالي ماذا جنيت حتى أعاقب بذنوب غيري.. ربي إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي.. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات. اللهم ألهمني الصبر وجنبني الشر وجنب شر أهل الشر عني..
حلّ المساء. صوتُ أذانٍ ضعيفٌ تأتي به نسمات خجلةً من خلف تلك التّلة؛ فاستبشر بعضه وأحسّ بالأنس إلا أن عواء الثعالب ذكّره بوحشة غريبةٍ في مكان بعيدٍ لم يكن هو نفسه راضيًا عنها لولا تهوّر أخويه وطيشهما الزائد. لكن تُرى أين هما الآن وماذا حلّ بهما؟ لن أعود للقرية.. كيف يمكن أن أنظر في وجه كبارها؟ تحسس خنجره بأصابعه ثم نهض يستكشف المكان لعله يجد شيئًا يُسْكِتُ به جوعه، ولمّا لم يجد شيئًا اضطر لتناول الحصرم وأوراق العنب وأوراق الملوخية الخضراء. عَقَلَ دابته في جذع دالية ثم افترش الأرض متخذًا من يديه وسادةً وراح يفكّر في قضاء ليالٍ في العراءِ وأيام في الغربة. سيعيشُ صعلوكًا بعد أن كان وجهًا، ومطاردًا بعد أن كان عنوانًا للنصائح والمشورة. تذكّر البيت وراحتْ مخيلته ترسم صورًا كثيرةً ومن جميع الجوانب للنار المشتعلة فيه والدخان المتصاعد منه والناس يهللون وقد أفشوا غليلهم قبل أن يأخذوا حقهم منه. ليرات الذهب العسمالية ومجوهراته التي ادخرها ودفنها قبل عامٍ في زاوية من زوايا البيت قد تكون في مأمن من النار وأيدي العابثين ولا يمكن أن يعثر عليها أحد. لكن كيف ينبغي الحصول عليها؟! ليس من سبيل للوصول إليها إلا في ساعات الليل المتأخرة بعد أن ينام الناس في مخادعهم. ولكن متى؟؟ متى؟؟
لم يجد الكرى سبيلا للوصول إلى عينيه.. قضى ليلته شارد الذهن يتنقل بين مشاهد كثيرة، ألوانها مختلفة، بعضها كان يشارك فيها دون أن تكون له السيطرة على صنع أحداثها فيراها تنساب أمامه انسيابًا ذاتيًا ثم يتذمر منها لخروجها عن إرادته، والبعض الآخر كان ينظر إليها نظرة ازدراءٍ وحاول تقديم النصح لأصحابها قبل وقوعها إلا أنه لم ينجح في ذلك. ومشاهد قليلة انسجم معها انسجامًا، لكنه كان مؤقتًا لا حلاوة فيه. وكان بين الفينة والأخرى يصحو من شروده فيتذكر أنه في مكان موحش قد يداهمه فيه ضبعٌ جائع أو كلبٌ ضالٌ أو ذئبٌ مفترسٌ. أيعيش مع الوحوش في البريّة أم يرجع إلى قريته فيُقتل بِمُديةِ ذئبٍ بشريٍّ ضحيةَ ثأرٍ لا ناقة له فيه ولا بعير؟ إجراءاتُ الحيطةِ والحذر أصبحت مرهونة برؤية البشر في كل وقت. ظلّ يتحسس خنجرهُ ويقرّب من مرقده عصاهُ حتى طلع الفجر فأخذته سِنَةٌ من النوم أفاق منها على صوت راعٍ يمتطي ظهر حمارٍ يسوق غنمه في اتجاه الجبل. خَمَدَ في مكانه لا يحرك ساكنًا وتابعت عيناه سير القطيع البطيء حتى توارى عن الأنظار دون أن يلحظه الراعي فتنفس تنفس الصعداء. وقال في نفسه: " لا بد من العودة ولا مكان لي إلا القرية.. لن آكل الحصرم وأوراق العنب. آلناس يعرفونني ويكنون لي الاحترام؟ لا أظنهم يسيئون الظن فيّ بتاتًا.. ثقافة الجاهلية موروثة أبًا عن جد وينبغي محاربتها.. يا رب!! لماذا يورثوننا ذنوب غيرنا؟ ولماذا لا يُعاقَبُ المذنبُ نفسهُ".
تحرَّر من هواجس كثيرةٍ وغادر الكرم قبل أن يحضر أصحابه ثم قفل راجعًا نحو الشرق. لم يكد يصل ظاهر القرية حتى انقض عليه ملثمان عاجلاه بطعناتٍ فسقط عن راحلته وتركاه ينزف منها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ثم فرّا من المكان.
(كفر قاسم)
naamankq@yahoo.com
السبت، يناير 30، 2010
شقاوة حادّة
نعمان إسماعيل عبد القادر
قصة قصيرة
الناس لا يعرفون اسمه الحقيقي، وكلّ ما يعرفونه أن اسمه "منصور".. ينتمي إلى عائلة أُطلق عليها عائلة "الربيع". وأمّا تسميته بالمنصور فلها حكاية تعود بنا أحداثها إلى أيام صباه حين ألقى بنفسه بين ألسنة اللهب التي كانت تشتعل في بيت فيه ثلاثة أطفالٍ يصرخون ويستغيثون فاستطاع فعلاً إنقاذهم من الهلاك. وتكريمًا له فقد دُعي إلى ديوان المخترة فقلّده المختار بقلادة من نحاس كان قد أشتراها لنفسه خلال زيارته لمدينة يافا وتجواله في أسواقها، من تاجر يدعى منصورًا، ثمّ أطلق عليه اسم "منصور". واسمه الحقيقي "خالد". سمّاه والده بهذا الاسم تيمُّنًا ببطل اليرموك خالد بن الوليد كما يقول. كان أكبر أخويه سنًا وأفصح منهما لسانًا وأحفظ للجميل وأسرع إلى فعل الخير وأكثر حكمةً؛ وقد لاقى احترامًا ممن لا يعرف الاحترام. وزاد احترام الناس له خصوصًا بعد وفاة والدته. ووجد حُسن الاستقبال حتى عند الذين لا تطاوعهم أنفسهم على إكرام من لا يخصّهم. كما أن هؤلاء الذين لم يعملوا بنصيحة أحد، أصغوا إليه وعملوا بنصائحه. حضوره ملازمٌ لهيبته.. هيبته معقودة بناصية جديّته التي ورثها عن والده بعد أن رحل عن الدنيا وترك له كلّ أعباء إعالة أرملة مع ولديها الصغيرين. وجديّته هذه أكسبته الخبرة والمعرفة في آنٍ واحدٍ.
في تجارة أبيه، أخذ يعمل. وكروم الزيتون ظلّ يكترث بأمرها ويزورها باستمرار في أوقات فراغه. أمّا الأغنام فلا ينام عنها إلا إذا قدّم لها الطعام وأطعمها بيده الأعشاب الذي اعتاد على جمعها على ظهر دابته قبل عودته إلى البيت. وإذا طلع الفجر صلّاه حاضرًا ثمّ حلب الأغنام وجهّز الفطور قبل أن يستيقظ أهل البيت. آمن أن الإنسان يستطيع السكن في قلوب الناس ما دام محبًّا للناس ويمدّ لهم يد العون والمساعدة في ظلّ الظروف الصعبة التي يعيشها القرويون من أبناء هذه البلاد، لهذا فقد حرص كلّ الحرص على الإنفاق على الأسرة الصغيرة وتلبية احتياجاتها دونما تأخير. لكن الأرملة ظلّت تقذفه بتهمة التقصير وتشكوه إلى "حسن" تاجر الأغنام المعروف بغناه وكرمه، إلى أن خطبها تاجر الأغنام ذاته من والدها فتزوّجها وأُضيفت إلى حرمه. كان ذلك حين بلغ ابنها البكر "زيّان" الذي تفصله عن أخيه "زاهر" سنتان، السادسة عشرة من عمره..
كم مرّةً قدّم النصيحة لأخويه الشقيين ونهاهما عن إيذاء الناس والعبث في ممتلكاتهم، ثم تنبري أمهما قبل زواجها للدفاع عنهما فتهبّ في وجهه صائحةً فيه متّهمةً إيّاه بالغيرة منهما وبالحقد عليهما وأنّه يخطط للسيطرة على إرث والده لوحده.. كم مرّة قال له رجال من القرية إنّه لولاه ولولا معزّته على قلوبهم واحترامهم الكبير له، لنكّلوا بهما جزاءً لهما على أعمالهما الشنيعة. وكان حين يسمع هذا الكلام ينتابه الحرج وتأخذه الحيرة من حيث لا يدري، فينأى بنفسه عن الناس حفاظًا لماء وجهه بعد أن قطع عليهم العهد بمحاولة ترويضهما والعيش بين الناس بكرامةٍ واعتزازٍ كامليْن.
قال له "موسى الظاهر" ذات يوم، وهو من أبناء عمومة والده من عائلة "الربيع" أيضًا، وكان هائجًا متوعّدًا:
- يا أخي! هل تشعر أن أخويْك هذين ليسا من صُلب أبيك؟ لماذا لا تلجمهما كما يلجم الفارس فرسه وتكف شرهما عن الناس؟
- هدّئ من روعك يا رجل وأخبرني كلّ ما حصل؟
- لقد بلغ السيل الزبى.. تصوّر لقد أقدما على شنق حماري الذي تركته يرعى قرب بئر الحيّات. هذا الحمار هو بمثابة رجلي ويدي اليمنى به أقضي كل شأني.. أيّ جنس من البشر هذان المخلوقان؟ ألا يوجد في قلوبهم رحمة؟ لقد كلّفني ثمن هذا الحمار ثلاثين دينارًا حين اشتريته. وأنا لا أقبل الآن بأقلّ من مائة دينارٍ تعويضًا لي على انتهاك حرمة أرضي وعلى الضرر الذي لحق بملكي، ثم أنا أقبل بما يحكم بيننا المختار.
وصدر حكم المختار الذي عقد جلسة طارئة على أثر هذه الحادثة، على وليّ أمر المتهميْن مع حضور لفيف من وجهاء القرية، بدفع غرامة باهظةٍ قدرها مائة وعشرون دينارًا عدًّا ونقدًا، وهي ربع ما ادّخره على مدار خمس سنوات، دفعها طائعًا صاغرًا دون أن ينبس بكلمةٍ.
هذه الحادثة تركت أثرًا كبيرًا في نفس "منصور"، عاد إلى بيته وهو يحسّ أن ما كان يصبو إليه صار حلمًا وهو آخذٌ في الضياع شيئًا فشيئًا. وابنة المختار "نفيسة" التي يرنو إليها صارت بعيدة المنال. أخذته إغفاءة في النفس وجولة قصيرة في الخيال رأى خلالها المختار يطرده من بيته ويصيح فيه قائلاً: "أنت لست أهلاً للنسب.. ثم تخيّل ما نفّذه أخواه من عمل قاسٍ بحمار موسى دون رأفة أو إدراكٍ بسوء العمل.
مرّ على هذه الحادثة عشرون شهرًا وهي بالنسبة له مؤشر واضح على خطرٍ قريبٍ قد يداهمه من جديدٍ. وأي حماقة يرتكبها أحدهما قد تنعكس سلبًا عليهم جميعًا. والعُرف لا يميز الخبيث من الطيب بين أبناء البيت الواحد. لم يستطع أن يتبرأ منهما ومن شرّهما. كلّما شكاهما إليه أحدٌ تذكّر أمّهما وانشغالها بأسرتها الجديدة وأطفالها الصغار. الخطر لا يبعد عنه كثيرًا وصار يحسّ بوجوده في أفق قريب يُتَوَقَّعُ حدوثه في كل لحظةٍ. أخذ يدعو الله كلّ يومٍ في صلواته لهما الهداية وحسن الخاتمة.
كعادته كان منصورٌ منهمكًا في عمله. تناول غداءه وصلّى الظهر قبل ساعةٍ. أصواتٌ غريبةٌ وجلبة رجالٍ يصل صداها إلى مسامعه تنبعث من مكان واحدٍ.. بيوت القرية. كان يقتلع الأعشاب من تحت أشجار الزيتون ويجمعها في مكانٍ واحدٍ، فإذا برجل يأتيه إلى الكَرْمِ من ناحية البيوت من الجهة الشرقية، مناديًا إياه بصوتٍ رخيمٍ ومن بعيدٍ. نظر فعرفه من عرجته، ولكن منظره يوحي أن الأمر جلل.. هذا هو "مأمون الأعرج" سفير المختار ومساعده، لا بد أنه يحمل أخبارًا سيئةً. وصل الرجل لاهثًا وقال متمتمًا:
- المختار.. يأمرك.. بمغادرة القرية.. فورًا.. قبل أن تحلّ الكارثة بك فتكون أنت الضحيّة لثأرٍ غير متوقعٍ. انجُ بجلدك حالاً!!! أخواك "زيّان" و "زاهر" ارتكبا جريمة قتل وقد اختفيا عن الدنيا والناس غاضبون هائجون وقد أحرقوا بيتكم. إن أمسكوا بك فلن يرحموك. هيا أسرع يا رجل!!
ركب الرجل دابته وأخذ يحثّها على السير باتجاه الغرب بقلبٍ خافقٍ ونفسٍ خائفةٍ، ونظراتٍ حذرةٍ.
naamankq@yahoo.com
السبت، يناير 09، 2010
المعلّم والمسعودة
نعمان إسماعيل عبد القادر
قصة قصيرة
رافَقَنا لعدّةِ أعوامٍ.. أبو شنب- كما اعتادَ الطلابُ أنْ يصفوهُ، مجرمٌ لا يرحمُ، عصبيٌّ لا يُغتَفَرُ عندهُ ذنبٌ، قاسٍ إلى أبعدِ الحدودِ، حتى بكاءُ طفلٍ يتألمُ لا يبعثُ في نفسهِ الرأفةَ، ولربما يقولُ في ذاتهِ: إنْ لمْ يجتهدْ فليذهبْ إلى الجحيمِ!!! مِسكينٌ عليٌّ.. ومسكينٌ أمينٌ.. ومسكينٌ إيادٌ.. ومسكينٌ عادلٌ. منْ أينَ يأتون بهذا الاجتهاد بعد أن تعوّدوا في سنواتٍ ستٍ خلتْ، على التعامل باللين والسكينة والرحمة.. مساكين كلّ هؤلاء، مساكين.. لقد أشبعهم ضربًا وأنهك قواهم وسلخ جلود أيديهم.. كان كرشُهُ دافعًا إلى الأَمام.. لو تعاركنا معه فلن نستطيع زحزحته من مكانه؛ ضخم الجثة، جهوريٌ صوته.. مجلجلٌ، كثٌّ شنبه وكبيرٌ. مخيفٌ إذا غضب، عنيفٌ إذا ضرب. والويل ثم الويل لمن يقع بين يديه.
كان يعلّمنا الحساب.. والحق أنه كان معلّمًا للحساب. لطالما ظلّ يحذّرنا منه مَنْ سبقونا حتّى زرعوا في قلوبنا الرّعب. ولطالما رفعنا شكوانا إلى أولي الأمر منّا حتى لا تأكل من أيدينا "المسعودة".. وما أدراك ما المسعودة.. "المسعودة" هي عصاه التي يتوكأ عليها ويهشّ بها علينا وله فيها بنا مآرب أخرى. ولطالما حلمنا أن يبعث الله عزرائيل فيقبض روحه قبل أن نصل إليه وإلى "مسعودته".. لكنّ الزمن يجري بنا جري السّحاب قبل المطر. اقترب العام الدراسيّ على الانتهاء.. وأخذنا نعدّ العدّة ونعدّ الأيام لنطوي الصفحة الأولى في تاريخ حياتنا.. لنودّع المرحلة الابتدائية ومَنْ فيها لنرحل إلى مدرسة أخرى إلى حيث تنتظرنا فيها "المسعودة" ومن يحملها.. وكانت الامتحاناتُ، ثم أوتي كلّ منا شهادته بيمينه أو بيساره وصرنا نلتقي حين نجتمع قرب باب الحارة بالرواة والمحدّثين عن أبي شنبٍ وعن أخباره القديمة التي كانت تَرِدُنا قبل ذلك أولاً بأول.. فلانٌ الذي لم يُحضر كتابه وتذرّع بأنه نسيه على الطاولة بعد أن تناول طعام العشاء أمس مساءً، وأقسم يمينًا غليظًا أنه قام بجميع واجباته، دفع الجزية.. ثماني ضرباتٍ على كفيّه.. فلانٌ تأخّر في القدوم إلى المدرسة.. الغرامة، الوقوف في الزاوية طوال الدّرس رافعًا يديه ورجله اليمنى.. وآخر! لم يقم بواجباته، لم يعرف حل المسائل الحسابية لأن حلّها كان صعبًا للغاية.. وهذه المرّة الثالثة التي يكررها.. ست جلداتٍ على قفاه.
حين كنا نسمع كلّ هذا، صار يستصرخ الواحد فينا أباه لدرء الخطر القادم لكن دون جدوى فلم نجد بدًا في اللجوء إلا إلى ربّنا بالدعاء الخالص حتى يبعد عنّا شرّه وينقذنا من عذابه.
وانقضت عطلة الصيف فدخلنا المرحلة الإعداديّة فشمّرنا عن سواعدنا استعدادًا للمواظبة والدّراسة المكثّفة بغية تفادي الكارثة.. وحان الدّرس الخامس إذ طلع علينا رجلٌ في الأربعين من عمره له شنبٌ ضخمٌ وابتسامة عريضة ونظراتٌ توحي أنه عصبيّ المزاج، يحمل بيده "المسعودة" التي حدّثونا عنها، ها هو قد أصبح بين ظهرانينا. ألقى التحيّة وبُدئ الدرسُ.. أيكم لا يحفظ جدول الضرب؟ لم يجرؤ أحد منّا على الاعتراف.. وأيّكم لا يعرف جمع الكسور بنوعيها، وطرحها؟ من فينا يجرؤ على قول الحقيقة؟ الصمتُ مطبقٌ علينا.. وأفلتَ الضعفاء فينا من العقاب. ولما جاء اليوم التالي تطلّب منّا حلّ بعض المسائل شفويًّا، فغشي على عيوننا غمامٌ من العجز، عُقِدَتْ الألسنُ ثُمَّ صمتَ الجمْعُ.. والرؤوس صارتْ مُنكّسةً كأن الطير عليها، حتى إذا بلغت القلوب الحناجر، زأر زئيرًا زلزل أركان الغرفة فارتعد مَنِ ارتعدَ ودبَّ الرعبُ في قلوبِ البعضِ، فيما قفز أحدهم من مكانه وكاد يُغمى عليه.. ومن صعوبة المسألة، بات من المؤكد أن العقاب سيطال الجميع.. كنتُ متخوّفًا كلّ التخوّف من أن أكون أوّل المبادرين وأوّل من يحمل راية الإجابة، وكنت متردّدًا كل التردّد من محاولة الظهور أمام جَمْعٍ لم أكن أعرف إلا البعض منهم. لكنَّني حين أحسستُ أن الكارثة ستحلّ بنا لا محالة، أدركتُ أن لا شيء ينقذني منها سوى المجازفة.. لم تكن مجازفةً سهلة، إذ إنه بعدما سَمِعَ إجابتي حملق في وجهي طويلاً وأخذ يتقدّم نحوي ببطء، وأخذت نبضاتُ قلبي تتسارع، وكاد نَفَسي ينقطعُ، حتى شعرتُ أنني الضحيّة الأولى من بين ضحاياه. حين اقتربَ مني ربَّتَ على كتفي الأيمن فاطمأنَّ قلبي وقالَ وهوَ يبتسمُ الابتسامةَ التي لا زالتْ مطبوعة في ذهني إلى الآن:
- بطلٌ.. أحسنتَ الإجابة..
عوقب الجمع وبكى من بكى وشعرت حينها بفخر واعتزاز شديدين.. إلا أنه لم يهن عليّ أن أرى أترابي ينكّل بهم، فأخذتني الرأفة التي لم أستطع يومها أن أصرّح بها وكدتُ أشاطرهم البكاء إلا أنني لم أستطعْ..
كانت هذه المجازفة قد فتحت أمامي آفاقًا جديدةً، عرفت قواعد اللعبة، فتقدّمتُ وانطلقتُ وأحببتُ الرياضيات والقواعد حتى صرت أتفنن وأتفلسف في حلّ المسائل الرياضيّة..
هذا هو الرفيق أبو شنب الذي ظل عالقًا في أذهاننا ولولاه لما كان فينا الطبيب والمهندس والمحامي والدكتور في تخصصه والطيّار في مقصورة طائرته، مع أنه يحرّم علينا قيادة الطائرة، والتاجر الناجح في تجارته ورجال الأعمال..
naamankq@yahoo.com
الجمعة، يناير 01، 2010
الضريح الضائع
نعمان إسماعيل عبد القادر
قصة قصيرة
جاءوا لزيارة الضريح.. والضريح يبعد عن آخر بيت من بيوت القدس من الجهة الغربية مسافة تقلّ عن عشرة كيلو مترات.. المكان يحرسه رجلٌ في الثلاثين من عمره تغطّي نافوخه طاقيةٌ صغيرةٌ منسوجةٌ من الصوفِ الأسود، يبلغ قطرها عشرة سنتيمترات، ثُـبِّتَ طرفُها بمشبكٍ صغيرٍ في شعر رأسه.. له لحيةٌ شقراء كثيفةٌ، ويلبس قميصًا أبيض متجعّدًا.. متسخ الأكمام، تدلّى نصفه على خاصره الأيسر وظلّ النصف الثاني مستورًا تحت سروالٍ أسود عليه بقع من غبار الأرض. يحمل في يمناه كتيبات صغيرة وكراريس صلاةٍ. شمس الضحى كانت تحجبها بين الفينة والأخرى بعض السحب المنتشرة في كبد السماء. والطريق إلى المقام على الرغم من ارتفاع المكان وكثرة الأشجار، ووقوعه في منحدرٍ، ما زالت غايةً في السهولة منذ أن بَنى أهلُ القرية عليه قبَّةً وصرحًا تخليدًا لذكرى صاحبه قبل ستة عقود من العقود الزمنية. فالشيخُ لم يكن إمامًا وخطيبًا في مسجد القرية فحسب بل كان مصلحًا اجتماعيًّا وحَكَمًا مسموعًا لا يردّ له أي مطلب. إذ لطالما ذَكَرَ الناسُ ممنْ عاصروهُ قَدْرَهُ الْكَبيرَ مِنْ دَماثَةِ الأَخْلاقِ وحُسْنِ التعاملِ ويشهدَ لهَ عليْها القاصي والداني.. ما مِنْ نِزاعٍ كانَ يندلعُ بينَ حمائلِ العربِ، بفعل فاعلٍ أو بأيدٍ وراءها أيدٍ خفيّةٍ، في المنطقة كافة، إلا ويكون أول السباقين والمبادرين إلى إخماده.. ولمّا باغتته المنيّة ولم يكن يتجاوز يومها الأربعين ربيعًا، سارع للاشتراك في تشييع جنازته الكبار والصغار والأشراف وحتّى الرعاة من أبناء القرى من هذه المنطقة وما حولها.. وتخليدًا لذكراه العطرة فقد كُتبتْ على باب المقام العبارة التالية: "هذا مقامُ الشيخِ الفاضلِ الجليلِ زهيرِ بنِ مرادِ بنِ حسينٍ القاسميِ طيَّبَ اللهُ ثراهُ". وبُلِّغَتْ عائلتُهُ التي تسكن في إحدى القرى البعيدة بنبأ وفاتِهِ المفاجِئِ..
نزل عبد السلام من سيارته متعبًا من عناء السفر.. وردد عبارته الشهيرة التي هي جزء من قاموس العبارات التي يتغنى بها على الدّوام أمام أصحابه ويعبّر من خلالها عن فلسفته: "إنّ مَنْ يَزْرَعْ شجرةً يحيِ أمةً". ذهب إلى الجهة الأخرى وساعد جدّته "كاملة" في النزول.. امرأة تبلغ الخامسة والسبعين من عمرها، انحنى ظهرها قليلاً لكنّها لم تفقد من الذاكرة شيئًا. دأبت على زيارة قبر والدها منذ أن غادَرَ القريةَ أهْلُها، مرّتين أو ثلاث مراتٍ في العام الواحد. ودأبتْ في كل زيارة على تنظيف المكان من الحشائش والنفايات التي يُلقيها سكّان القرية الجدد.. رأسُها كان يغطّيه منديل من القماش الأبيض. حملتْ بيدها مصحفًا كبيرًا كانتْ قد أحضرته لتقرأَ وحفيدها على الضريح بعض السور القرآنيّة. تذكَّرتِ الْحُلم الذي شاهدته قبل أسبوع وشاهدتْ فيه والدها يجري لاهثًا نحوها ويناديها خائفًا من الذئاب التي تلاحقه ويطلب منها الحماية منهم، فاستيقظت فزعةً من واستعاذت بالله من هذا الكابوس..
أرسل عبد السلام نظرة خاطفةً إلى داخل المقام فرأى رجالاً، على رؤوسهم طواقٍ صغيرةٌ، قد تحلّقوا القبر وأشعلوا الشموع عليه، يحمل كل واحد في يديه كتابًا، ويقيمون طقوسًا، وكانت أصوات ترانيمهم تُسمع من بعيد.
تقدّم الرجل منهما حتى أصبح على مسافةٍ تبعدُ عنهما بضعَ خطواتٍ ثمّ أخذ يستجوبهما بلهجة حادّة بعبريةٍ ثقيلةٍ دلّت على أن الرجل لم يتقنها بعدُ كلّ الإتقان:
- من أنتمْ؟ ولماذا جئتم إلى هنا؟
- نحن أبناء الشيخ زهير القاسمي ساكن هذا القبر وصاحب هذا المقام. هذه ابنته وأنا حفيدها. جئنا للزيارة وقراءة الفاتحة على قبر جدّنا.
- أنتم حقًا مجانين.. إنَّ هذا القبر هو قبر القديس يشعياهو بن ناحوم. ولا يوجد قبور للعرب في هذه المنطقة.
- من أين لك هذه الهرطقات؟ أي يشعياهو هذا؟ وأي بطّيخ؟ هذا القبر هو قبر جديّ والعظام التي فيه هي عظامه، والتراب ترابه. هنا دفن ونحن نزوره منذ أن دفن هنا. كيف تحوّل إلى ناحوم ويشعياهو؟
- سيّدي! يبدو أنكم قد ضللتم الطريق أو أخطأتم في الوصول إلى العنوان الصحيح.. لا شيء لكم هنا. هيا انصرفوا! هل لديكم أوراق ثبوتيّة تثبت صدق ادعائكم؟ هل عندكم الحجج والبراهين؟ إذا كنتم تدّعون هذا، أبواب المحاكم مفتوحة أمامكم.
- عن أي حجج وأي براهين تتحدث؟ وهل يملك أحد في هذا العالم أوراقًا ثبوتيّة للقبر.
- إن لم تنصرفوا من هنا، سأتصل بالشرطة لأخذكم بالقوة. قلت لكم اذهبوا إلى المحاكم!
لم تنبس المرأة ببنت شفةٍ وتوجّهت إلى المقام غاضبةً وصرخت في وجوه المعتكفين وأخذت تكيل لهم الشتائم تلو الشتائم وهي تلوّح بيدها، وتدعو عليهم وتَتَّهِمُهُمْ بتدنيس المكان.
في تلك الأثناء ظهرت الشمس وكانت ساطعةً قويّةً تبعث الدفء في الأرواح، لكنَّ المرأة كاد أن يغمى عليها حين تهجّم عليها أحدهم وضربها بأم يده بكلّ ما أوتي من عزم لولا اندفاع عبد السلام ودَفْعه عنها لأصبحتْ في عداد الموتى. في حين أشهر أحدهم مسدسًا وهدّد بإطلاق الرصاص عليهما إن لم يغادرا المكان فورًا.. في تلك اللحظة كانت طلائع وفد جديدٍ من المصلّين تتقدّم نحو المقام، فأدرك أنه بات من الضروريّ مغادرة المكان. كانت الشمسُ حرارتها قويّةٌ تكاد تحرق الجلود، ضوؤُها ساطعٌ يبهرُ الأبصار؛ أشعّتُها خيوطُها حادّةٌ تعانقُ كلّ جسمٍ تلامسه على سطح الأرض، وأنفاس الأشجار تداعب خياشيم البشر. شغَّلَ مُكيِّفَ التبريد في سيارته ولبس نظاراته الشمسية حمل جدّته وانصرف بها في الحال. في أثناء عودتهما، قال لها والألم متغلغل في قلبه:
- إنّ من يزرع شجرةً يحيِ أمّةً.. الفاتحةَ اقرئيها له في بيتكِ، في بيتكِ يا جدّتي.. إذا كان مِنَ الأحياء مَنْ لا وزنَ لهم، فعليكِ أن تفرحي كثيرًا لأنَّ والدكِ الآن – رحمه اللهُ- يُعبد ويُصلّى عليه وقد أصبح قدّيسًا وتُضاء الشموع على قبره...
naamankq@yahoo.com
الاثنين، ديسمبر 28، 2009
عبقري اللغة العربية- سيبويه
نعمان إسماعيل عبد القادر
من منا لم يسمع عن سيبويه؟ ومن منّا لا يعرف العلم الذي برع بل وأبدع فيه صاحبنا سيبويه؟ ألم نسمع بالمثل الذي يُقال – أتجعل من نفسك سيبويه؟ وأين نحن من سيبويه؟ كثيرٌ ممن درسوا النحو وفشلوا في فهمه أو في فهم بعضٍ من أجزائه يُلقون باللائمة على سيبويه ويَعتبون عليه لوضعه كتابَه الشهير – "الكتاب" الذي أصبح مرجعًا أساسيًّا من مراجع كتب النحو بل ودستور اللغة العربية.. وكثير ممن يحبون النحو ويفهمونه، يثنون عليه كل الثناء، ويزيدون في مدحه، ويودون لو تنجب الأمة المئات بل الآلاف من أمثال سيبويه..
ولو قام اليوم صاحبنا من قبره وعاد ليكمل عقودًا أخرى من حياته، مثلما أفاق أهل الكهف من نومهم، ووجد الناس على الحال التي هم عليها اليوم، لدعا الله أن يعجّل في موته، أو لولّى هاربا إلى أبعد بقعة على الأرض حزنًا وغضبًا واستياءً من الوضع الذي آلت إليه اللغة ووضع الناطقين بها.. لوجدناه حتمًا يتساءل عن مكان الأعراب الصادقين الذين كان يسمع منهم الفصحى الخالصة التي لا تشوبها شائبة..
حين رحل سيبويه عن الدنيا لم يكن يبلغ السادسة والثلاثين من عمره.. وقد اعتبره البعض معجزة عصره إذ إنه رغم صغر سنّه فقد بلغ صيته كل الآفاق، وظلّ يردّد على ألسنة علماء النحو وغيرهم إلى يومنا هذا.. ورغم كونه من غير العرب فقد فاق العرب في نحوهم، ليس هذا فحسب بل إنه استطاع خلال فترة وجيزة أن يصبح من كبار النحاة وينافس شيوخهم حتى تمّ تتويجه زعيمًا للمدرسة البصرية.. وكُتبتْ ولا تزال تُكتب الأبحاث الجامعية والدراسات والمقالات عنه وعمّا اختص فيه هذا النابغة.
كانت أمّه تحب أن تدلّله وتراقصه، فأطلقت عليه اسمًا فارسيًّا: "سيبويه"- وهو اسم مركّبٌ ويعني رائحة التفاح.. إذن هو فارسي الأصل. وهكذا اشتهر بهذا الاسم. لكن اسمه الحقيقي هو عمرو بن عثمان بن قِنْبَر وكان يكنّى أبا بشر. ولد عام (140هـ 756 م) على أرجح الأقوال في مدينة البيضاء من بلاد فارس، وهي أكبر مدينة في إصطخر وتبعد ثمانية فراسخ عن شيراز. حين رأى النور أوّل مرّة، كان فارسيّ اللسان، ولكنّه سرعان ما تحوّل إلى العربيّة.. فجاء إلى البصرة ، قبلة المتعلمين وحاضرة العلم آنذاك.. كان غلامًا صغيرًا إذ ذاك وقد بلغ الرابعة عشرة من العمر؛ جاء لينشأ فيها قريبًا من مراكز السلطة والعلم، ومن حسن حظّه أن مجيئه إليها كان بعد أن رفعت الدولة العباسية الظلم عن الفرس وفسحت لهم المجال كي يتولوا أرفع المناصب وأسناها..
وها هو ينكبّ على العلم مع أقرانه فيتلقى علوم الفقه والحديث من أستاذه حماد البصري ويحاول الاجتهاد وإثبات قدرته اللغوية أمام شيخه وهو يملي عليه حديثًا للرسول محمد صلى الله عليه وسلّم "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء…"
لكنّ النحويّ الصغير كان يدرك أن الأفعال الناقصة- كان وأخواتها- ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، لذا لم يرق له أن تكون كلمة "أبا" في حالة النصب ما دامت قد وقعت بعد ليس، فانتفض وقرأ الحديث على الهيئة التي يعرفها: "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبو الدرداء …" فما كان من شيخه حماد البصري إلا أن صاح فيه: لَحَنْتَ يا سيبويه، إنما هذا استثناء؛ خجل الفتى من تصرفه وشعر بالإحراج الشديد فقال في نفسه: والله لأطلبنَّ علمًا لا يلحنني معه أحد.
مضى سيبويه وطلب من الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب كتاب العين- وهو أول معجم في اللغة العربية- وواضع علم العروض، أن يلزمه ويعلّمه مما آتاه الله من علمٍ في النحو.. تردد الخليل في بداية الأمر لكنه بعد أن رأى شدة إصرار الفتى وصدق عزيمته وافق على شرط أن ينتهج منهجه وأن لا يحيد عن الخطوط العريضة التي يسير عليها نحاة البصرة في فهمهم للنحو. كم كانت فرحة سيبويه عظيمةً حين أدرك أنه لن يلحن بعد اليوم ولن يقع في مواقف حرجة مثل الموقف الذي وقع فيه سابقًا.. ثم أخذ يتلقى الدرس تلو الدرس.. أحبّ سيبويه أستاذه الخليل حبًا شديدًا وتعلق فيه كثيرًا ولذلك ظلّ يَذْكُرُهُ في كل مجلس وكل حديث حتى روى عنه في كتابه "الكتاب" خمس مائة واثنتان وعشرين مرةً.. وهذا إن دلّ على شيء إنما يدلّ على محبّته له ومكانته الخاصة في قلبه.. ومع كل هذا ولم يكتف بهذا المدرّس بل لزم غيره من العلماء أهمهم- أبو الخطاب الملقب بالأخفش الكبير، وعيس بن عمرو، وأبو زيد النحوي، وأخذ يتعلم على أيديهم في معظم أوقات فراغه.
تحدثنا العديد من المصادر أن سيبويه بقي في البصرة منذ أن دخلها إلى أن صار فيها الإمام المقدم، وأن شهرته قد لاحت في الآفاق..
ويدعوه أحد الوزراء من البرامكة وكان يدعى يحيى بن خالد البرمكي وهو من المقربين من الخليفة العباسي هارون الرشيد.. فيلبي العالِم الشاب الدعوة ويسافر إلى بغداد حاضرة الخلافة آنذاك، وهناك أعدت مناظرة بين كبيري النحاة: سيبويه ممثلاً لمذهب البصريين والكسائي عن الكوفيين، وأُعلن نبأ المناظرة، وسمع عنها القريب والبعيد، ولكن الأمر كان قد دُبِّر بليل، فجاء الكسائي وفي صحبته جماعة من الأعراب.. ويذكر لنا عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه مجالس العلماء نقلاً عن شاهدٍ عيانٍ من المدرسة الكوفيّة يقال له الفرّاء فيقول: "لما حضر ذلك اليوم تقدمت والأحمر فدخلنا، فإذا بمثالٍ (أي فراش) في صدر المجلس فقعد عليه يحيى وقعد إلى جانب المثال ابنا الوزير وهما جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم وحضر سيبويه فأقبل عليه الأحمر فسأله عن مسألة أجاب سيبويه، فقال له: أخطأتَ. ثم سأله عن ثانية فأجابه فيها فقال له أخطأت. ثم سأله عن ثالثة فأجابه فيها فقال له أخطأت. فقال له سيبويه هذا سوء أدب.
قال الفراء فأقبلت عليه وقلت إنَّ في هذا الرجل عجلةً وحِدّةً، ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء أبون ) و ( مررت بأبين، ) كيف تقول على مثال ذلك من وأيتُ) و ( أَويتُ فقدَّر فأخطأ. فقلتُ أعد النظر! فقدَّر فأخطأ. فقلتُ أعد النظر! فقدَّر فأخطأ ثلاث مرات يجيب ولا يصيب. فلما كثر ذلك عليه قال لا أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره قال فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال تسألني أو أسألك فقال بل تسألني أنت فأقبل عليه الكسائي فقال كيف تقول: "كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي ) أو ( فإذا هو إياها ؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب. فقال له الكسائي: لحنتَ ثم سأله عن مسائل من هذا النحو نحو: خرجتُ فإذا عبد الله القائمُ أو القائمَ؟ فقال سيبويه في ذلك بالرفع دون النصب. فقال الكسائي: ليس هذا من كلام العرب والعرب ترفع ذلك كله وتنصبه فدفع ذلك سيبويه- أي رفضه- ولم يجز فيه النصب فقال له يحيى ابن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب ووفدت عليك من كل صقع وهم فصحاء الناس وقد قنع بهم أهل المصرين وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم فيحضرون ويسألون. فقال له يحيى وابنه جعفر: قد أنصفت. وأمر بإحضارهم. فدخل الأعراب وكانوا قد تآمروا عليه وفيهم شخص يقال له أبو فقعس وآخر يقال له أبو زياد وأبو الجراح وثالث يقال له أبو ثروان، فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه فوافقوا الكسائي، وقالوا بقوله، فأقبل يحيى بن خالد على سيبويه فقال له قد تسمع ما يقولون. وأقبل الكسائي على يحيى وقال أصلح الله الوزير إنه وفد عليك من بلده مؤملا فإن رأيتَ أن لا تردهُ خائبًا. فأمر له بعشرة آلاف درهم فخرج وتوجه نحو فارس وأقام هناك ولم يعد إلى البصرة..
نعم هنا تظهر خيوط المؤامرة وتأتي بثمارها؛ فقال الأعراب بقول الكسائي؛ فانقطع سيبويه واستكان، وانصرف الناس يتحدثون بهذه الهزيمة التي مُني بها إمام البصريين. كان سيبويه لا يتصور بفطرته النقية أن يمتد الشر مدنسًا محراب العلم والعلماء؛ فحزن حزنًا شديدًا وقرر وقتها أن يرحل عن هذا المكان إلى أي مكان آخر ليس فيه حقد ولا أضغان؛ فأزمع الرحيل إلى خراسان. وكأنما كان يسير إلى نهايته؛ فقد أصابه المرض في طريق خراسان، ولقي ربه وهو ما زال في ريعان الشباب، وذلك سنة (180هـ/ 796م) على أرجح الأقوال.
من الصعب جدًا أن نحصي تلاميذ سيبويه، خاصة لو وضعنا في اعتبارنا أن كل النحاة الذين جاءوا بعده غاصوا في بحور لغتنا الجميلة عبر كتابه، ولكن لو تعرضنا للتلاميذ بالمعنى الحرفي فإننا نقول: برز من بين تلاميذ سيبويه عالمان جليلان هما: الأخفش الأوسط (أبو الحسن سعيد بن مسعدة) (أي الأخفش الثاني) وقطرب (أبو محمد بن المستنير المصري).
ومات سيبويه رحمه الله وجل شيوخه على قيد الحياة!
naamankq@yahoo.com
الخميس، ديسمبر 10، 2009
همسةٌ في الأُذن
نعمان إسماعيل عبد القادر
قصة قصيرة
ثمةَ إحساسٌ غريبٌ خانقٌ تنحّى بها جانِبًا، كانتْ كلّما تذكّرتْ منظرهُ، نُبشتْ معهُ هواجس الماضي المدفونة في قبرِ الذكريات، وكلّما تراءتْ لها ابتسامتهُ، اضطربتْ نفسها وشعرتْ بالسخريةِ الكبيرةِ التي خبَّأَها لها القدرُ وألقى بها في بحرِ الآلامٍ فكاد أنْ يتلطّخَ وجهُها في ذلكَ الحينِ في ترابِ العارِ والجريمةِ التي لا تُغتفرُ عند بعضِ الناسِ. هذا هو الذي لا يمكنُ أن تُغتفرَ له ذنوبُه حتّى لو تابَ وآمنَ وعمل صالحًا وتابَ عنهُ أهلُ الأرضِ جميعًا. ببدلتِهِ الأنيقةِ السوداءِ، وقميصِهِ الأبيضِ، وربطةِ العنقِ المخطّطةِ الحمراءِ، وغليونِهِ الطويلِ، التقى فيها في ذلكَ المجمّعِ على حينِ غرّةٍ حينَ جلستْ في المطعمِ الْمُواجِهِ للمكان الذي يدخل منه الناس إلى بطنِ المجمع التجاريّ، مع ابنها لتُناولَهُ شيئًا يُطْفئ بهِ جوعَ بطنهِ. مظهرُهُ حقًّا يدلُّ على تبدّلِ حالهِ. كانَ فقيرًا قبلَ سفرهِ لا يجدُ ما يقي جسدهُ من بردِ الشتاء، وصار الآن أشبه بإمبراطورٍ كبيرٍ. ألقى عليها نظرة تحيةٍ من على بُعد أمتارٍ قليلةٍ وهو يحتسي القهوة مع أحد معارفه، كتلك النظرة التي كان يلقيها عليها كلّما التقيا ثم انقطعتْ فجأةً عنها قبل عشرِ سنواتٍ إلا أنّها لم تعر له أي اهتمام. حين ابتسّم لها توهّجَ وجهُها حنقًا وتسارعتْ نبضاتُ قلبها.. فيما انتابتْها دوافع عاطفيّةٌ كادت تخلق له منها ضجَّةً مع فضيحةٍ ليس لها مثيلٌ لولا تداركها الموقف وإدراكها أن الأمر قد ينعكس عليها سلبًا، لانتصبت قائمة متجرئةً تتقدم نحوه بخطوات سريعة فتصفعه على مرأى الناس جميعًا صفعةً قويةً لا يجرؤ بعدها للنظر إليها مرّةً أخرى ولتذكره بجريمته.. تذكرت نظرته الأخيرة..ما أشبهها بنظرة اليوم! كانت نظرة استهتارٍ وتحايل على الضمير.
هذا هو الرجل الذي أساء إليها.. ووعدها بإصلاح ما أفسده الدّهرُ،كما قال حينها، في النفس والروح والجسد، ولكنّه لم يف بوعده.. كانت دائمًا تحاسب نفسها وتقول إنه هو الذي لولاه لكانت تتربع اليوم على عرشِ قصرِ رجلٍ يضاهي قصر الإيليزيه، لكنّها رفضته في ذلك الوقتِ.. هذا الذي وثقتْ فيه وفرّ هاربًا إلى بلادٍ لا تعرف غير المال والخمر والنساء .. هذا شخص لم يكن يؤمن بالوطنيّة ولا بالدين ولا بالمجتمع. فكره الوجودي هو الذي حمله إلى حيث لا وجودَ للروحِ والضميرِ والعقيدةِ. وتذكّرتْ ما سمعتْهُ منْ جارتِها عنْ أنباءِ عودتِهِ بصحبةِ زوجتِهِ الأجنبيةِ منْ فرنسا قبلَ أسبوعينِ ونيّفٍ فأقيمتْ على شرفهِ في بيتِ سامرٍ الحلبيّ مأدبةُ غداءٍ، وأنه صارَ يملك ثروة كبيرةً وينوي بناء مشاريع كثيرة يهدف من ورائها خدمة المواطنين ويساهم في بناء المجتمع.. ثمّ همستْ في أُذنها قائلةً: يقولون إن مصدر هذه الأموال غير شرعيٍّ...
حملت أشياءها.. وعلى يسارِ ولدِها أَحكمتْ قبضتَها واندفعتْ نحو ذلك المخرجِ مسرعةً وهي تشعر أنها تحتاج إلى أن تتقيّأ لتتخلص من كلّ ما تناولته منذ الصباح.
Naamankq@yahoo.com
الاثنين، نوفمبر 23، 2009
يَوم العيد
نعمان إسماعيل عبد القادر
كنتُ إذا جاءنا الأضحى، أفرحُ لمقدمه فرحًا كبيرًا لا يوصفُ، وأبتهج لتكرّمه علينا بزيارته لنا مرّة كلّ عامٍ ليخبرنا أنه لن يغيب عنّا الدّهر كلّه حتى ولو غبنا عنه، ولن ينسانا أبدًا.. تأخذني نشوةٌ كامنةٌ في داخلي.. تغمرني غبطةٌ روحانيّةٌ وتغمر أطفال الحارة من حولي؛ فقد كنّا ننتظر قدومه بفارغ الصبرِ ونتساءل عن سبب تأخّره عنّا.. حتّى إذا ما تأكّدنا من موعد زيارته خرجنا نتغنّى بأغانٍ توارثناها عمّن سبقونا، ونلبّي مثلما يلبّي الحجيج، ونكبّر كما يكبّر المصلّون. كنتُ أهيّء نفسي ونخرج بعد أن يؤذّن المؤذّن لصلاة الفجر سويًّا؛ لنتجمّع قرب شجرة بلّوطٍ كبيرةٍ قائمةٍ في وسط الشارع فننطلق في مسيرة صغيرة نحو مقبرة الشهداء نحمل المشاعل لتضيء لنا الطريق، والمصاحف لنتواصل مع أعزّائنا وننير بها قبورهم أو لنمحو عنهم ببراءتنا خطاياهم وما اقترفته أياديهم. وكنا متى نصل أرض المقبرة يتشتت جمعنا ويلتفّ كل واحدٍ فينا حولَ قبرٍ يسكنُه مَن كُنّا نُعزّه في مَحْياه ونتمنى ببساطتنا أن يرجع إلينا من مماته ونشرع في قراءة سورة يس ونجتهد في إتمام سورة البقرة وختم الزيارة بسورة الفاتحة. ومع انبلاج الضوء واقتراب موعد طلوع الشمس تنهمك بعض النسوة في توزيع حلوياتٍ صنعتها بأيديهن وتقديم ما تجود به نفوسهنّ من قطع نقديّةٍ جمعتها على مدار شهرين متتاليين، إلى الصبية والمتسوّلين الغرباء.
يا لروعة العيد ورهبة الموقف وبهاء تلك الساعة حين نسمع أصوات المصلين تصدح بالتكبيرات والتهليل، وحناجرهم تمدح الأنبياء والمرسلين، وقلوبهم تتجه نحو قبلة المؤمنين الموحّدين.. فنقفل راجعين إلى البيوت كأننا عائدون من حجٍ مبرور كَفَّرَ اللهُ فيه ذنوبنا وغفر لنا سيئاتنا. كنّا ننتظر الأضحية انتظارًا حارًّا مضطربًا فيذكّرنا أبي بسنّة أبينا إبراهيم الخليل وولده إسماعيل ثمّ تتجلّى أحزاننا وتتجهَّم وجوهنا وتنقبض قلوبنا على الخروف الذي بذلنا من أجل تربيته، أقصى جهودنا فصار رفيقًا لدروبنا عزيزًا علينا يشاركنا في ألعابنا ومسلّياتنا.. نتذكّر أو نذكّر بعضنا الأيام التي فيها، حملناه في صغره بين أيدينا وحضنّاه في أحضاننا وقبّلناه بشفاهنا.. كم داعبناه وقدّمنا له المأكل والمشرب ليته لم يرحل عنّا.. وما هي إلا سويعاتٍ حتّى ينطلق بنا قطار العيد إلى بيوت أعزائنا وأصدقائنا وأرحامنا...
يا لِبَهْجَتِنا الَّتي فاقَتْ كُلَّ بَهْجَةٍ في الدُّنْيا رِفْعَةً وَاسْتِكْبارًا..
يا لِعيدٍ تَلأْلأَتْ فيهِ أَنْوارُ السَّعادَةِ مِنْ عَلْيائِها
وَتَنَزَّلَتْ فيهِ الرَّحَماتُ وَنَسَماتُها
يا لِعيدٍ فَرِحَتْ لَهُ كُلُّ الْخَلائِقِ وَانْهَمَرَتْ
فيهِ، دُموعُ الثَّكالى وَالْيَتامى وَمَنْ رَحَلوا
عَنِ الدِّيارِ وَالأَوْطانِ فَانْتَشَروا
في كُلِّ فَجٍّ كُلِّ وادٍ وَافْتَرَشوا
رَمْلَ الْبَوادي بَيْنَ الزَّواحِفِ وَالْتَحَفوا
غَيْمَ الْفَيافي.. بَرْدَ اللَّيالي.. فَتَضاحَكَتْ حَشَراتُها..
يا لِعيدٍ فارَقَ الأَحِبَّةُ مِنْ إِخْوانِنا، وَارْتَفَعَتْ
أَرْواحُهُمْ إِلى عَرْشِ خالِقِها وَانْتَهَتْ
في السِّدْرَةِ الْعَلْياءِ جَلَّ باريها...
أَلا لَيْتَ الزَّمانَ يَعودُ يَوْمًا فَنُوافيهِ كَيْفَ صارَ الْعيدُ فينا..
الخميس، نوفمبر 19، 2009
أطفالنا ينتعشون بالأدب أكثر من البيتسا والماكدونالدز
القصةُ والأغنيةُ والمسرحيةُ... ألوانٌ أدبية تتعامل معها الأمُ في بيتها، والحاضنة في روضتها، والمربية في مدرستها، والطفل في غرفته.. ألوانٌ تنوّعت وتعدّدت بتعدد كُتّابها ومبدعيها، وتناغمت مع تناغم رسوماتها ومصمميها. كلّما بكى طفلٌ أعطيناه نصف عمرنا بل كلّ وقتنا وغنّينا له بأصواتنا العذبة، وكلّما نام طفلٌ حرصنا على راحته فصمتنا من أجله وصمَّمْنا على السير على أطراف أصابعنا حتى لا نوقظه فنعكّر صفو منامه.. نعم باتت الأمهات أغلبهن في عصرنا يحرصن على إيجاد ما يساعد على تعليم أبنائهن وتدريبهم على الاندماج مع الكبار في حياتهم اليوميّة ومساعدتهم في تطوير مهاراتهم النطقية والحركيّة والفكريّة، بتكثيف الإرشاد السلوكي والعقلي بنيّة الوصول إلى نتائج مرضية.. مَن مِن الأمهات لا تفرح حين ترى ابنها يقف أمامها لأول مرة على قدميه.. ومن منهن لا ترضى أن يزداد عدد الكلمات التي ينطق بها طفلها في أول نطقه.. ومن فيهن لا ترغب أن يصنع ابنها المجد لنفسه ويرفع من شأن مربيته. وتشير جميع الدراسات أن للأدب دور كبير في تنمية الطفل روحيًّا ومعنويًّا، فكريًّا وأخلاقيًّا، اجتماعيًّا وتربويًّا، وتوصي بإيجاد سبلٍ لتوعية الأمهات لضرورة التوجّه نحو الأدب والإكثار من استخدام كتبٍ للأطفال حتى يكتسب الطفل القيم التربوية اللازمة وتوجيهه نحو الأفضل وتهيئته للاندماج مستقبلا في الحياة العامة ليكون مواطنًا صالحًا منتجًا مفيدًا لمجتمعه لا عبئًا ثقيلاً عليه، وحتى يكتسب من الموروث الثقافي والحضاري والقومي والديني ليسوغ منها هويته التي يعتز بها.
إن أجمل شيء تقدمه الأسرة الأوروبية لابنها في عيد ميلاده كلّ عامٍ أو لتهنئته على شفائه إذا ما مرض هو "كتاب للأطفال"؛ لأنها تتطلع من وراء ذلك إلى تزويده بالغذاء الفكري الذي يعود على ابنها بالفائدة وتولي له أهميّة كبيرةً حتى يصبح في أعلى سلّم أولوياتها. إنّ تحبيب الطفل للكتاب واجبٌ مقدّسٌ في عصرنا الذي أخذت فيه أمتنا تعزف عزوفًا شاذًا عن القراءة وتتجه نحو التزوّد بأصناف غذاءٍ من نوع البيتسا والماكدونالدز والشاورما في الوقتٍ الذي تتباهى فيه الأمم الأخرى بكثرة قرائها ووفرة علمائها وغزارة أبحاثها وجودة إنتاجها وقوّة اقتصادها وانخفاض معدّل الجرائم والبطالة فيها، بينما تتفشى مظاهر العنف فينا وتتعدد أشكالها وتتطوّر أساليبها لتتلاءم مع متطلبات العصر لتسير في خطٍّ متوازٍ مع الابتكارات والانجازات العلمية التي يحققها الآخرون من الشعوب الأخرى هذا عدا عن تقدّمها البطيء الذي يكاد لا يذكر بالمقارنة مع تقدّم باقي الشعوب. أنا لا أنفي ولن أنفي وجود شريحةٍ لا بأس فيها في مجتمعنا من الأمّهات اللائي يقدّمن لأولادهن أرقى ما في الأدب وأروع ما أنتجته قرائح الشعراء وأنقى ما أصدرته دور النشر، لكنني أودّ أن أذكّر بالمثل القائل: درهم وقاية خير من قنطار علاجٍ.. وما أعظم ذلك المثل في عاميتنا الفلسطينية القائل: حين يلقي مجنون حجرًا في بئر، نحتاج إلى ألف عاقلٍ من أجل إخراجه منها.. ولتدارك أمر سقوط الحجر في البئر ينبغي العمل من الأساس ومنذ البداية على خلق أجواء مناسبة وظروف جديدة لتشكيل سورٍ واقٍ يقي الأبناء من الانزلاق إلى الهاوية. وللأم الدور الكبير الهام في تنشئة طفلها وتربيته وتهذيب أخلاقه التي يتفق علماء النفس جميعًا على أنها مكتسبة ومنقولة لا موروثة، بيئية لا وراثية.
من أجل تحبيب الطفل في الكتاب لا بد من توفير الكتاب له وقراءته أمامه باستمرار ومشاهدته والتمعن في مكوّناته وصوره ورسوماته حتى يلمسه الطفل ويشعر بوجوده عن قربٍ قبل أن يسمع عن وجوده من غيره من زملائه في المدرسة.
أَذكُر حين كنّا صغارًا كانت أمّي تحدّثنا قصصًا كثيرةً متنوّعةً، منها المستمدّة من التراث والحضارة العربيّين، وأغلبها مستمدّة من أساطير خرافيّةٍ لقوى غيبية خارقة مخيفةٍ متواترة تجعلنا نغمر وجوهنا خوفًا من ظهورها لنا كالغول والجنيّة والساحرة. ومع كلّ هذا كنّا نتشوّق لسماع الجديد منها من القصص الأخرى. وكنتُ إذا وجدتُ نفسي وحيدًا أعدّ النقاط الكهربائية الموزّعة في حيطان الغرفة أو سقفها حتى استدعي النعاس إلى عينيّ فتأخذني الغفوة التي أبحث عنها. فأين نحن من كتب الأطفال في ذلك الوقت. علينا أن نحمد الله ألف مرة في اليوم والليلة على تحسّن ظروف عيشنا وعلى وفرة الكتب بالمقارنة مع الأيّام التي كنّا لا نجد فيها قصة واحدة ولا نملك ثمنًا لها إن وجدت ولم نجد كاتبًا واحدًا يُعنى بشؤون الأطفال كما يُعنى بها أدباؤنا اليوم في جميع تخصصاتهم الفكريّة. ولهذا حريٌّ بجميع الأمهات التفكير والتوجّه والاطّلاع على أصناف هذا الأدب واختيار أفضلها قبل التوجّه لاختيار أصناف الطعام الشهيّة. وحيّا الله هؤلاء الكتّاب.
naamankq@yahoo.com
الأربعاء، نوفمبر 18، 2009
في المطعم التركي
الوفود التي توافدت من كلّ أنحاء البلدة كان أكثر عددًا في هذه المرّة. أوفدها خبر الوفاة المفاجئ الذي تعرّض له الفقيد وهزّ مشاعرهم. جاءت لتشارك في تشييع جثمان الرجل إلى مثواه الأخير.. وانطلقت جنازته من مسجد السلام الواقع في وسط البلدة إلى المقبرة في تمام العاشرة ضحى يوم الخميس. وحتى رجال المقاهي أفرغوا مقاعدهم كمن سئم المكان وأراد أن يأخذ قسطًا من الراحة لوقتٍ من الزمن. تركوا كؤوس الشاي والقهوة وتبعثرت أوراقهم وشاركوا في الجنازة. منهم من صلّى ومنهم من أسند ظهره على جدار المسجد وانتظر انتهاء الصلاة. تلا كلمات التلقين شيخٌ في الستين من عمره، له لحيةٌ طويلة بيضاء تتدلّى على صدره، تغطّي قمّة رأسه عمامة بيضاء، وبدت على وجهه أمارات الجدّ والوقار، حيث جلس القرفصاء جانبَ القبر من الجهة القبليّة وأخذ يتلو الكلمات بنبراتٍ فيها الخشية والرأفة. تلاها بصوتٍ مرتفعٍ عن ورقةٍ انتشلها من جيب قميصه أمسكها بكلتا يديه واستعان بنظارات طبيّة كبيرة لرؤية حروفها. تنهّد البعض فيما أصغى الآخرون بحزنٍ لتوصياته الفقيدَ بالثبات والإجابة بلسانٍ طلقٍ دون خوفٍ أو وجلٍ على أسئلة الملكين الرفيقين المكلفين حين يسألانه عن ربّه وعن النبيّ الذي بُعث في الأمّة، وعن دينه، فيقول: الكافي هو الله.. الله ربّي، والإسلام ديني، ومحمد نبيّي، والقرآن دستوري، والكعبة قبلتي... ثمّ أمّن الجميع خلف كلّ دعاء دعاه الدّاعي للميّت وقرأوا له الفاتحة قبل أن يتفرّقوا.
القوم في البلدة تداولوا الأنباء المتفرقة التي تصدّرها نبأُ وفاةِ " أبي أحمد" المفاجئ، فانتقلت معظمها من مكان إلى آخر حتى عمّت كلّ بيتٍ وكلّ مجلسٍ، وكلّ شيعةٍ.. حتّى رجال المقاهي خاضوا فيها مع الورق والعظم وحجارة الشطرنج وازدادوا حديثًا. رنّت في آذان النسوة وعمّت إلى أن وصلت إلى مكّة إلى حيثما جلس أحدهم يهاتف زوجته فاستفسر منها عن أخبار البلد والبلدة والحارة، فانبرت تغرف له مما تعرفه من ألوان القصص تفاصيلها، وأصناف الإشاعات جوانبها، وأجناس التفسيرات المتداولة إجمالها. وقد أعرب هو عن دهشته وعن عميق حزنه وشديد تأثره لما حصل.. ثم أردفت قائلة له في صوتٍ متحشرجٍ غلبه الانفعال: يا حرام!!! الرجل راح ضحيّةً لغيره.. والأطفال لم يبقَ لهم أحد إلا الله.. الرأفة واجبة عليهم جميعًا. ماذا يمكن للمرء أن يقول في مثل هذه المواقف؟!
تأثُّرُ الرجلِ مما سمعه كان حادًا لكنّ الاتّصال انقطع.. يا لهول المصيبة!! هل تعلمون أم أخاه كاظم جاء ليعتمر معنا ولا يدري.. إن علم بالخبر فقد يجنّ جنونه وقد يفقد صوابه.. كم كان يحبّ أخاه كثيرًا ويحترمه. يا الله! لا يعلم أنّ أبناء أخيه قد أصبحوا أيتامًا. رحمك الله يا أبا أحمد. جاءني عشية سفرنا إلى الحجاز وودّعني وداعًا ولسان حاله يقول: لعلّي لا أراكم ولن تروْني بعد سفركم هذا في شهركم هذا وفي عامكم هذا. جئتكم مودّعًا ولن تحظوْا برؤيتي بعد مرجعكم. أين من يملك الجرأة في إخباره بالمصيبة؟ أيّما رجلٍ ينعاه بموت أخيه.. لا، أنا لن أخبره فأكونَ السبب في كآبته. سأتكتّم على الخبر. مسكينٌ كاظم ها هو آتٍ ليدعوَنا لتناول الغداء الذي وعدنا به قبل أيّامٍ في المطعم التركيّ. من منّا يستطيع تناول الزاد في حضرته؟
المعتمرون صامتون يتحلّون بروح الصبر فلا رفث ولا فسوق ولا جدال بينهم. راح البعض منهم يرمق الرجل بنظراتٍ قصيرةٍ محمّلة بأوهام الرأفة، بعضها تثير الشكوك وبعضها تسئ الظنّ. فتساءل عن سبب تحوّلهم المفاجئ في تعاملهم وطيب حديثهم هذا بعد شدّة جفائهم منه طوال الطريق منذ دخولهم الأراضي التي قدّسها الله وعدم تدخُّل بعضهم ووقوفهم إلى جانبه.. تُرى، أسحرٌ ما أراه أم أن الله جلا قلوبهم بماء مثلّجٍ فطهّرها؟ أبناء بلدتي وأنا أعرفهم وأعرف طباعهم لا بدّ من وجود سببٍ جعلهم يتغيّرون. أمِراءً يتودّدون لي أم لحاجة في نفس يعقوب؟ هذا نعتني بالمتفلسف المتطفّل حين تدخّلت حين تشاجر مع زوجته وأخذ يشتمها على مرأى ومسمع من الناس.. وذاك فّقّدّ صوابه وشتم الذات الإلهيّة.. أستغفر الله سبعًا وسبعين مرةً.. أما ذاك فقد جعلني في خانة المجانين حين سألتُ عن المكان الذي وُقِّعَ فيه اتفاق صلح الحديبية.. وهذه.. أصلحها الله.. جاءت اليوم ولبّت الدعوة مع أنها أخبرتني أمس مساءً أنّها لن تأكل من زادي وتترفّع عن مثل هذه الدعوات ولن تسمح لزوجها بالمشاركة لاعتباراتٍ خاصّة على حدّ تعبيرها.. ولمّا لم أكن أتوقع أن يُلبّي هذه الدعوة إلا القليل فعليّ الآن إخبار صاحب المطعم بزيادة عدد الوجبات. هذا جزاء من يسافر مع من تلقوا ثقافتهم في المقاهي.
الموائد تَحَلَّقها المدعوون في هدوءٍ، وبعد لحظات ملأها النادلون بأطباق شهيّةٍ من طعام مشويٍّ أراده كاظم أن يكون عقيقةً لأبنائه الثلاثة. وظلّ همسهم ينمو وتداعبه حركات النادلين بأصواتهم المهنيّة وتحركاتهم المتسارعة حتّى قطعه صوت المرأة التي أخبرته أنها لن تأكل من زاده وتترفع عن مثل هذه الدعوات، وكانت تجلس خلف مائدة قرب الزاوية اليمنى وتوجهت للرجل قائلةً بصوت مسموعٍ ظنّها في البداية أنها سئمت الزاد:
- يا سيّد كاظم! ألا تعرف أنك رجل غريب الأطوار؟ تدعونا للمطعم وتتشفى بموت أخيك..
- ماذا تقصدين يا امرأة؟
- كلهم يعلمون بموته وأنت تجهل ما يدور في فلكك. يا سيدي أخوك أبو أحمد ...
أصيب الرجل بدوارٍ ثم سقط مغشيًّا عليه وظلّت الأطباق محمّلةً بالشواء فيما نقل في عجلةٍ إلى عيادة الطبيب المجاورة. وفي المساء كان يقف قرب المسكن ويتلقى التعازي من المعتمرين من أبناء القرى المجاورة...
Naamankq@yahoo.com
الخميس، أكتوبر 29، 2009
الفلماية
كنت صغيرًا إذ ذاك، وكنت كلّما ذكروا "الفلماية" ظننتها شجرة عظيمة ومخيفةً يستظلُّ بظلّها الرعاة والعابرون ويأكل من ثمارها الصغار والسارحون وتعشش على أغصانها آلاف العصافير؛ وصارت اسمًا علمًا يشير إلى المكان الذي نبتتْ فيه فنمتْ وترعرعتْ حتى أخذت شهرتها ثم انقرضت مثلما انقرضتْ غيرها من المخلوقات. كنتُ أظنُّ هذا لأنها لا تبعد عن السّدرة سوى نصف ميلٍ على أكثر تقدير.. ولعلّي لا أبالغ حين كنت أتصورها صخرةً ضخمةً أو في أحايين كثيرةٍ غولاً يظهر في ليالي الشتاء لمن يعصي والديه أو يهمل في دروسه أو يرتكب جريرةً ليحاسبه على كل صغيرة وكبيرة فإما أن يأكله ويترك عظمه للضباع الجائعة أو يحبسه في مكان بعيدٍ يعذبه متى يحلو له. وكانت نساء القرية إذا خرجت في زفّة عريس تنطلق به أغلبهن إلى السّدرة وكأنهن يقلن أمام الملأ إن العرس لن تستوفى شروطه إلا بزيارة السدرة، ثم يشرعن في الطواف حولها مع تصديةٍ من غير مُكاءٍ فيهزجن ويرقصن لساعةٍ ثم يقفلن معه راجعات لتناول وليمة العرس ساعة الغداء.. ومنهنّ، زيادةً في الاطمئنان، لا يكتفين بالسدرة فيهرعن نحو الفلماية حتّى يزول الحسد ويحلو العيش للعروسين معًا.
ولا زلت أذكر ذات مرّة حين بلغت الخامسة من عمري، سألت أبي لمّا سمعته يحدّثُ صديقه عن المجزرة وجاءا على ذكر الفلماية فقلت له: وما هي الفلماية يا أبي؟ أجابني بابتسامة صفراء قائلاً: هي المكان الذي وقعت فيه المجزرة.. هي المكان الذي نصبوا فيه رشاشاتهم.. وهي المكان الذي طلبوا مني حينها عند عودتي مع صديقي من العمل، بطاقة الهوية، قبل أن تأتي ساعة الصفر ويبدأ القتل.. هذه المجزرة الرهيبة جاءت بعد مجزرة دير ياسين وقبية، أثناء العدوان الثلاثي على مصر يا بنيّ.. ثم شرع في سرد تفاصيل المجزرة وأحداثها بدقّة متناهيةٍ فانكشفت أمام عينيه صورٌ غريبةٌ مبهمةٌ كأنه يشاهد فيلمًا سينمائيًا فسرح بخياله ثم انفعل وانزلقت من عينيه دموع الحزن على فقدانه أصدقائه وأحبّته.. حينها لم أعرف عن أي صديقٍ يتحدث ولكنني أدركت من حديثه أن الفلماية تعني المكان المشؤوم الذي تقع فيه المجازر، وظلّ الإبهام يلازمني دون أن أعرف شيئًا عن الفلماية..
أقيم النصب التذكاري وكتبت عليه آية قرآنيّة وأسماء تسعة وأربعين من الشهداء. وصرنا إذا مررنا من ذلك المكان نقرأ على أرواحهم الفاتحة حتى أخذ المكان قدسية في نفوس أهل القرية جميعًا وبدأنا نشعر أن دماء الشهداء قد روت تراب الفلماية وما حولها.
زال اسم الفلماية من قاموسنا الجديد المعاصر، وصرنا لا نستخدمه إلا مرّة واحدةً في كلّ عام حين تحلّ الذكرى ويلبس الناس لباس الحداد، فننطلق بمسيرة التاسع والعشرين من أكتوبر إلى النصب التذكاري ونتوجه إلى المقبرة لنقف قرب أجداث الشهداء. زال اسم الفلماية وحلّ محلّه اسم جديدٌ مركب من كلمات ثلاث- منطقة النصب التذكاري. ثم زال بعده اسم السدرة أيضًا وصار الصغار إذا ذكرنا كلمة الفلماية أو السدرة لا يفهمون شيئًا. وإذا تطرّقنا على أسماء أخرى كنا نستخدمها وقفوا مشدوهين وأخذتهم الحيرة وتساءلوا عنها وعن وجودها وأخذوا يبحثون عنها في معجم البلدان أو لسان العرب ليضعوا أفكارهم على مواقعها.. وقالوا أين السدرة وأين الفلماية ؟...
بعد وفاة والدي جاءنا أحدهم لتعزيتنا، فجلس إلى جانبي وقال لي: كان المرحوم إنسانًا عزيزًا على قلبي، وكانت تربطني به أواصر الصداقة. كان أكثرنا تجربةً وأسرعنا فهمًا وأعظمنا تديّنًا وأسبقنا في الوصول إلى الصبر. في اليوم الذي وقعت فيه المجزرة كنا نشتغل معًا في معمل لتكسير الحجارة وفوجئنا بتقدم مشغّلنا نحونا وطلبه منا ترك العمل قبل الموعد بساعتين دون أن يفصح لنا عن السبب ركبنا دراجاتنا واسترحنا في طريقنا قرب حقلٍ، يعمل فيه من ركبوا قافلة الشهداء بعدنا فتناولنا منهم الماء فشربناه بعد أن تنادرنا معهم وتابعنا سيرنا. عند وصولنا إلى الفلماية فوجئنا بانتشار كثيف للجنود.. توقفنا ودققوا في بطاقاتنا وقبل أن يخلوا سبيلنا قال لنا أحدهم بالعبرية: "يا كلاب لو تأخرتم قليلاً لأصبحتم في عداد الموتى". ثمَّ أخذنا نحثّ خطانا نحو بيوتنا دون أن نتوقع الكارثة.. ولا ندري ما الذي يمكنه أن يحدث في قريتنا لتصبح فيما بعد تاريخًا وتسجل في كتاب يطلق عليه أسم المجازر. لم نكن نحسّ بهذا مع أننا كنّا نسمع عن أنباء التعبئة في الجبهة المصريّة وحشد الجيوش. ما إن وصلنا إلى السدرة حتى بدئ إطلاق الرصاص وشرِّع القتل وشرعوا في حصد كل من صادفهم بدمٍ باردٍ.
سبحان الله.. أأنت أنت؟؟ أنت الذي رافق والدي أثناء عودته من العمل قبل أن يبدأ القتل بدقائق معدودة. أنت الذي حدّثني والدي عنه. ما أصغر هذا العالم يقولون في عاميتنا الفلسطينية: " جبل على جبل، لا يلتقيان، وإنسان على إنسان، يلتقيان ولو بعد حين".. أجابني بانفعال وعيناه رقراقتان: نعم أنا كنت في صحبة والدك المرحوم في ذلك اليوم.. ثم أخذ يغني شعرًا كان قد كتبه عن المجزرة لا زلت أذكر الشطر الأول منه:
أنا ابن الفلماية أرض الفدا متى أضع الكوفيّة تعرفوني
كدنا ننسى السدرة والفلماية وانشغلنا في أمور كثيرةٍ حتى حلّت علينا هذا العام الذكرى الثالثة والخمسون وفوجئت بأحد الشيوخ يحدّث عن إصابته برصاصة في تلك المجزرة حين وصوله مع غيره ممن نالوا الشهادة إلى الفلماية، وهروبه واختبائه في كروم الزيتون وهو ينزف دمًا.. فسألته بعد أن أنهى حديثه، عن الفلماية وما تعنيه؟ فأجابني بحماسٍ: إن الفلماية هي لافتة وضعها الإنجليز أثناء استعمارهم لبلادنا ونصبوها على مدخل قريتنا وكُتب عليها- كفر قاسم..
naamankq@yahoo.com
الأربعاء، أكتوبر 14، 2009
الزيتونة والحريّة
في صباحٍ مُشرقٍ منْ أحدِ أيّامِ الرّبيعِ الدّافئةِ، بينما كنتُ جالسًا تحتَ شجرةِ زيتونٍ معمّرةٍ في كرمِنا المحاذي لبيتِنا منَ الجهةِ الجنوبيّةِ، وكنتُ قدِ اعتدتُ الجلوسَ تحتَها، أخذتُ أستظلُّ بظلِّها المنعشِ، وأستمتعُ بجمالِ الطبيعةِ من حولِها، وأُصغي إلى زقزقةِ العصافيرِ، إذْ مرّتْ منْ أمامِ ناظريَّ ثلاثُ فراشاتٍ تطيرُ في الهواءِ دونَ أنَ يُعيقها عائقٌ ولا يقفُ في طريقِها حائلٌ.. راقبتُها متأمّلاً في حركاتِ أجنحتها، وراحتْ تنتقلٌ منْ زهرةٍ إلى أخرى.. فقلتُ في نفسي: أينَ حريّةُ الإنسانِ منْ حريّةِ الفراشاتِ تلكَ؟ هلْ يحمل الإنسانُ كاملَ حرّيته في دنياه التي يعيشها ؟
لم تمض لحظاتٌ حتى أقبلتْ بعضُ العصافير وحطّتْ على الزيتونة من فوقي وهي تزقزق زقزقاتٍ سريعةٍ وكأنَّها تُداعبُ بعضها أو تحذّر بعضها من خطري.. فشرعتُ أرسل لها إشاراتِ الطمأنينةِ عبر نظراتٍ خافتةٍ وثباتٍ في الجلوسِ حتّى لا تحسّ بوجودي فتفرَّ ثمَّ أخذتُ أرهف السمع علّني أعي ما تقول. وعدّلتُ من جلوسي فعدّلتْ من وقفتها.. وظلّت تبادلني النظراتِ حتى وجدتُ نفسي أخاطبها وتخاطبني:
- أيتها العصافيرُ الجميلةُ! كمْ أنا أغبطُكُنَّ حينَ أراكُنَّ تسرحْنَ وتمرحْنَ، ترُحْنَ وتجئنَ في حرّيّةٍ تامّةٍ دونَ أن يمنعكنَّ أحدٌ أو أن تقفَ في طريقكُنَّ حدودٌ، فتزرنَ الشجرة المباركة التي أَجلسُ تحتها، متى تشأنَ، وتودّعْنَها متى تشأنَ. هنيئًا لكنَّ!
سمعت زيتونتي المباركةُ كلامي وقالت مخاطبةً لي في عجبٍ:
- عجبًا! وهل أنتَ سجينٌ أيّها الرّجل؟ أراك تزورني كلّ صباحٍ وكلّ مساءٍ.. تقلّمني وترويني. تقطف ثماري وتحرق الزائد من أغصاني.. وها نحن الآن نحتفي بوجودك بيننا، ثم نراك تأكل وتشرب مثل غيرك وتنعم بحريّةٍ لم يحصل عليها غيرك...
قفز أحد العصافير إلى غصنٍ قريبٍ وقال:
- الحريّة ليست أكلاً أو شربًا، يا عزيزتي.. الحريّة إحساسٌ لا يعرفُها إلا من كان حرًّا ويشعر بوجودها...
naamankq@yahoo.com
الاثنين، أكتوبر 05، 2009
لغة التسكين
تعاني الأمة في عصرنا الحاضر من تعقيدات مستعصية كثيرة ومتنوعة في لغتها العربية، لا يمكن حلها بين ليلة وضحاها أو في مهلة زمنية محددة، مهما طرحت من حلول ومهما كتبت من أبحاث أو دراسات. ولعلّ الكثير منا يدرك تمام الإدراك أن لغتنا باتت لغة منقسمة على نفسها إلى جزيئات لا يمكن جمعها كسابق عهدها إلا بعصاً سحريّة لا وجود لها إلا في الخيال. والانقسام هذا لا نجده على صعيد الأقطار العربيّة فحسب إنما حين خُلقنا وجدنا له مكانًا داخل القطر الواحد ذاته. هذا عدا عن معضلة الازدواجية التي لا نجد شبيهًا لها في اللغات الأخرى والتي باتت تقض مضاجع الكثيرين ممن يدركون مدى تأثيرها العكسي الذي تركته وتتركه على الناطقين بها أكثر من أي لغة أخرى في الدنيا فصار الناس ينظرون إلى الفصحى على أنها لغة تحتاج إلى مجهود كبير للوصول إليها، والتعبير بها، نطقًا أو كتابةً بصورة صحيحة وسليمة، هو غاية لا يدركها إلا الخاصة وهم فئة قليلة من الناس، والعامة ليست في حاجة لها. ليس هذا فحسب، فقد صار طلابنا يعزفون عن دراستها أو التخصص في أحد مجالاتها مفضّلين دراسة موضوع آخر أو لغة أخرى والتبحّر فيها بحجة صعوبة اللغة العربية وقواعدها وسهولة الأخرى.
كم تغنّينا في لغة الضاد ولها، وكم هتفنا بأعلى أصواتنا: هي لغة القرآن والأنبياء وأهل الجنّة، لغة الشعر والموسيقى.. لغة قيس وعنترة وأبو نواس والجاحظ والمتنبي.. لكنّنا اليوم نجدهم يعزفون عنها ويفضّلون تطعيم حديثهم العاميّ بغيرها، ولا يروق لهم إلا بكتابة لافتاتٍ بالعبرية أو الإنجليزيّة. ولا يزال الترويج لبضاعتهم في قراهم ومدنهم لا يكتمل إلا بلغة الآخر. الغيرةُ لديهم انطفأت شعلتها أو كادت تنطفيء، وهذا ما يدعو للأسف. حتى اللافتات في الشوارع تجدها تسخر حين تزخر بكلماتٍ عربيّةٍ محرّفةٍ وغير محرّفةٍ، متعمّدة في ذلك أم غير متعمّدة. حين تسافر إلى كفر قاسم أو سترى في طريقك إليها، حتمًا وقبل الالتفاف نحو اليمين، لافتة مرور كبيرة كتب عليها بخط عريض باللغات الثلاث – كفار قاسم، وإذا سافرت إلى اللد ستجد في طريقك إشارة مرور كُتب عليها- ممنوع التوقف على خوانب الطريق.. وهل للطريق خوانب؟؟
كم سررنا لمّا قام البعض من الغيورين على العربيّة في السعودية ودول عربية أخرى، بمحاولات ناجحة، مع أن ثمارها لم ترقَ إلى أكثر من المستوى الفردي وظلت تراوح مكانها وعلى نطاق ضيق، بتدريس الفصحى في جيل مبكر قبل الإلزامي. وانبرى بعضهم بإلزام أهل بيته بالحديث بالفصحى بغية نشوء الأطفال عليها والتمكن منها واتقانها أيّما اتقان.. هي خطوة مباركة وجيدة.. والإشارة هنا لمن لا يعرف إلى عبد الله الدنّان خبير تعليم الفصحى بالممارسة والفطرة، فقد بدأ بمخاطبة ابنه باسل منذ أن صار عمره ستة أشهر بالفصحى، حتى أتقن ابنه الفصحى إتقانًا يذهل السامعين.. يُذكّرنا هذا ، لمن لا يعلم، بأولائك الأوائل من اليهود الذين قاموا بإحياء اللغة العبرية بعد موتها بألفي عام ونيف، وليس العيب التعلم من الآخر إنما العيب أن يظل الإنسان قابعًا في مكانه.. كان اليعيزر بن يهودا أول من أصرّ على التكلّم بالعبرية فقط في بيته في العصر الحديث وهو من يهود ليتوانيا وطالب زوجته بأن يسمع أطفالهما العبرية لا غيرها بعد أن كانت لغة لا تستعمل إلا في الطقوس الدينية. ولهذا فقد اتُّهم بأنه يسيء معاملة أطفاله وواجه معارضة شديدة حتى من اليهود أنفسهم على استخدام اللغة العبرية في الحياة اليومية لاعتبارها أنها لغة مقدسة ولا يمكن استخدامها إلا لغايات دينية. حتّى أدى الخلاف بين بن يهودا وقادة الطوائف اليهودية إلى حبسه في السجن العثماني بعد أن اتهمه القادة اليهود بالتمرد ضد السلطات العثمانية. ثم أطلق سراحه بعد تدخل بعض القادة اليهود المعتدلين. لكنّه ظلّ مصرًّا على موقفه حتى أسس عام 1890 "لجنة اللغة العبرية" التي جمعت كبار الأدباء واللغويين اليهود، فعملوا على ترويج التعليم بالعبرية في المدارس اليهوديّة واتخذوا قرارات بشأن الصيغة واللفظ المفضليْن للغة العبرية في المدارس والمؤسسات. من أهم المشاريع التي عكف عليها بن يهودا هو قاموس شامل للغة العبرية يشتمل على جميع كلمات اللغة عبر التاريخ وعلى التجديدات التي اقترحها. وتمكن بن يهودا من إصدار 5 مجلدات قبل وفاته. والسؤال لا يزال يُردَّد: أين هم الطّلائعيون فينا لقيادة المركب إلى بر الأمان؟ أين من يكمل ما بدأه الطهطاوي والبستاني والشدياق؟ لا بدّ أن نقف لهم وقفة إجلالٍ وإكبار...
لا شكَّ أن الازدواجيّة في لغتنا قد نالت منّا ولا زالت تعيق التفكير ثمّ تعيق الإبداع، لأنّ الطالب في الصفوف الدنيا يجد نفسه أمام لغة جديدة يصعب فهمها، وجهود معلمته تنصبّ على كتابة الأشكال المختلفة للحرف الواحد ثمّ لا تلبث أن تنتقل إلى الكتابة الإملائية الصحيحة قبل أن يفهم أن في انتظاره إعراب شاقٌّ يثقل كاهله. في حين تجد الطالب من نفس الجيل في مدرسة أجنبية، يعالج قصة أو قصيدة أو مقالاً يناسب جيله ثمّ ينطلق في التعبير دون أن يعيقه عائق، ثُمَّ نتساءل: لماذا يعزف الناسُ عن القراءة وينكبُّ غيرنا عليها؟
ولو نظرنا إلى البُعد "الجغرافي"، إن صحّ التعبير، فإننا حتمًا سنجد أن هناك مسافةً شاسعةً تفصل بين اللغة التي يتحدّث بها عامة الناس وبين الفصحى. الأولى في جهة والثانية في جهة أخرى وللتقريب بينهما لا بدّ من إجراء تغيير في كلا الطرفين. الخطوة الأولى تبدأ بتكثيف الجهود وزيادة الوعي لضرورة استخدام تعابير فصحى خلال الحديث والحوار اليومي المباشر بين الناس وتخصيص برامج تعليميّة تلفزيونيّة يوميّة تبثّ في جميع القنوات الفضائيّة العربيّة. والتسكين خطوة ضروريّة في الاتجاه الصحيح نحو الترغيب والتحبيب والتقريب من الفصحى لأنه يسهّل النطق ولا يلتزم بقواعد الحركات.
لهذا فالتفريق بين لغتين يتعلمهما الطالب في مدرسته على مرحلتين واجبٌ. الأولى يمكن تسميتها لغة التسكين والأخرى لغة الحركات. فالأولى تُلاءَم للمرحلة الابتدائية بحيث تنأى كتب التدريس عن الإعراب كي لا ينشغل فيه الطالب فيُتاح المجال له للتركيز على أمور أخرى هي أهمّ وأوْلى.
فما الذي يضرّ الطالب في المراحل الأولى حين نقول له: لنْ يفتحْ محمدْ البابْ؟ ألا يكتمل المعنى؟ لماذا نشغله بالفعل المضارع المنصوب بأداة النصب وبعلامة نصبه والفاعل المرفوع والمفعول به. لماذا نحمّله ما لا طاقة له به؟ ألا يكيفينا تعرّفُهُ على الفعل والمضارع المنفي والفاعل والمفعول به من حيث الترتيب والحدث والزمن، دون الوقوف على الحركات؟ ألا يجدر بنا إشغاله في أمور أخرى تتعلق بالفكر والمعنى والتعبير. لماذا نضع طلابنا الصغار في متاهات هم في غنى عنها؟
في اعتقادي أنه لا بد من نهج جديدٍ لوضع منهجٍ جديدٍ وكتب جديدة للمرحلة الابتدائية تنتهج هذا المنهج، يتمّ فيها تسكين جميع الكلمات دون تأخيرٍ، ولا يُستثنى إلا بعضها للضرورة كالضمائر المنفصلة والمتصلة وأحرف التوكيد وغيرها من الكلمات التي لا يصلح النطق بتسكينها. إن الاستغناء عن الحركات في المرحلة الابتدائيّة وتدريب الطالب على النطق بالفصحى أفضل بكثيرٍ من معرفته أحوال بناء الفعل الماضي أو المضارع أو الأمر. وانشغال الطالب بمهارات تعتمد على الإبداع بعد التفكير أهمّ بكثير من معرفته لأدوات النصب والجزم. لماذا نقضي على روح الإبداع عند طلابنا؟ لماذا لا نطوّر التفكير لديهم ونوجههم إلى فهم لغة العلوم والتاريخ والسياسة وغيرها؟
وحتّى لا يُفهم كلامي خطأً فأنا أُسقط عن الطالب في المرحلة الابتدائية دراسة "علم الإعراب" لأنه يشبه إلى حدٍّ ما "علم الكلام" الذي أشغل بال الأمة فتفرّقت إلى شيعٍ وتناحرت على أمور جانبيّة هامشيّة هم في غنى عنها.. وحتّى لا يُفهم حديثي فهمًا مغلوطًا ويُفسّر تفسيرًا مزاجيًّا فلا بدّ لي من القول أن المغالاة في الإعراب شيء، وإتقان اللغة شيءٌ آخر، والتسكين فيها أسلمُ، والنأي عن الإعراب أحمدُ، والتطبيق في تراكيب الجملةِ أجودُ.
حين نرى أن الإشباع الفكري عند أبنائنا قد بلغ أوجه وأن نفوسهم أخذت تتوق إلى معرفة ما خفي عنهم في مراحل حياتهم الأولى وأرواحهم تتلهف لمعرفة المزيد من أسرار اللغة، عندها نعمد إلى الحركات لهم بصورة تدريجية، ونتقدم نحو الإعراب بخطى مدروسة وحذرة حتى لا يُصدم المتعلمون من ثوابت وضعها سيبويه والكسائي والفراء..
الأربعاء، سبتمبر 30، 2009
موتٌ من تحاليل
على الرغمِ من حياتهِ المنوطةِ بواقعٍ، فيهِ كُتب عليهِ أن يظلَّ على حالٍ غير مستقرةٍ وليسَ عنها هو راضٍ.. وعلى الرغمِ من كراهيتهِ للبساطةِ والوسطيةِ وحبهِ الشديد للارتقاء.. وعلى الرغم من الثوابت التي وضعها وزوجته في بداية ارتباطهما.. وعلى الرغم من مواقفه المناهضة للرجعية، حين رأى أن كثرة الإنجاب مظهر من مظاهر الرجعية..
أربعةُ أطفالٍ جاءوه وأعباءَ الحياةِ.. أفواهٌ ثلاثة وشظفَ العيش.. قسوةُ الحياة وظروف تواكب العولمة، والخامسُ يصرخ في غرفة الولادة في ساعة متأخرة من الليل. أتى إلى دنياه التي سئمها دون أي تخطيط ومن غير سابق إصرار. وازدادت الأسرة نفرًا جديداً يحتاج إلى نفقاتٍ من تحتها نفقاتٌ. تردَّدَ حينَها وتغشّاهُ الارتباكُ طويلاً حتى جاءتْهُ الفتوى المؤلمةُ من شيخ الشيوخِ تحرّمُ الإجهاضَ بشتى الحالاتِ مهما كان الحال. أَيجعلُ صرختَهُ المدوِّيةَ الآن في وجه ذلك الشيخ المتشدِّد فيجعل منه أضحوكة على مرأى ومسمع من الناس أمْ في وجه هذا المولود الذي مضى على خلقه نصفُ ساعةٍ ويحاسبُه على القدوم إلى الدنيا في وقت لا يناسبه؟ ماذا الذي ينتظرُه؟ الغلاءُ؟ التمييزُ العنصري؟ والضرائب والعمل الشاق؟ شيءٌ في داخله يصرخ: لا! الطفل لا ذنب له. والواقع لا بد من قبوله!
حمل الطفل الملفوف بقطعة قماشٍ بيضاء فأذَّنَ في أذنهِ اليُمنى وأقامَ الصلاةَ في اليُسرى وخرجَ ليبشرَ المنتظرينَ في غرفةِ الانتظارِ. هتفتْ حماتُهُ الْمُبَجَّلَةُ مبتهجةً:
- صبيّ! ألف مبروك. ليعمَّ الخيرُ وتأتي البركة وينمو في كنفِ والديه وليكن ذرية صالحة.
وَهَتَفَتْ أُمُّهُ أَيْضًا:
- ألف مبروك يا ابني. ألف مبروك. أمد الله في عمرك حتى تأتينا بالصبيان والذكور.
هه! ما شاء الله عليهنَّ! الحالُ يرثى لها ويفرحن على شقائي وكدّي. ما أغبى هؤلاء النسوة! ألا يعلمن أنني الآن محتاج للبحث عن عمل آخر لسد حاجات الأسرة والبيت؟ يعزينني على سوء حالي! عجبًا! وما العيب لو كان المولود بنتًا؟ ألا يحق للبنت العيش بكرامة مثل أخيها؟
سؤالُ حماتِهِ المتربعةِ على المقعد الخلفيِّ في سيارتهِِ، أيقظه من سهوٍ كاد ينسيه الالتفافَ يمينًا نحو الطريقِ المظلمِ المؤدّي إلى بلدتِهِ:
- ماذا ستسمّي المولودَ الجديدَ يا "جوادُ"؟
- سأسمّيهِ "صلاح". ما رأيك يا حماتي؟
- اسمٌ قديمٌ وغير مريح وغير شائع في بلدتنا، ولكن الأمر يعود لك.
- أنسيتِ صلاح الدين القائد العربيِّ الشهير. وعسى أن يكونَ صالحًا في الدنيا والآخرة.
في مستشفى الولادة هذا، محددة لسويعات، هي الزيارة، منها ما بعد الظهر ومنها ما بعد السابعة مساء، وفي غير هذه الأوقات، لا تُسمح. والتقيد بالمواعيد هو جزءٌ من ثقافةٍ اكتسبها في طفولةٍ كانتْ أشبهَ بالبائسةِ. والصيامُ عن الخبزِ واجبٌ دينيٌّ يُطبَّقُ في جميعِ المستشفياتِ؛ ولهذا لا يُؤْذَنُ لأحدٍ بإِدخالِ الخبزِ ومُشتقّاتِهِ إلى المستشفى طوال أيام عيد الفصح مهما كانت عقيدتُهُ. لم يحدثْ أنْ كسَرَ الأنظمةَ وخالفَ المواعيدَ وتنكَّر لِما تعارفَ عليه الناسُ. ولم يحدثْ أنْ أنكرَ خِلاً أو معروفًا لأنَّ الأنفةَ والكبرياءَ والتّعالي كلّها ليس لها وُجودٌ في قاموسِهِ. وكانتْ نسوةٌ منَ الحارةِ قد عملنَ على الوصولِ إلى المستشفى منذ سماعهن الخبرَ؛ للزيارة والاطمئنان وتقديم التهاني بالمولود الجديد. وكان إذا التقى بهنَّ، شكر لهن سعيهن وحُسن صنيعهنَّ.
يومان، لا الطّعامَ في المستشفياتِ ولا جوَّها، لم تطقْ أمُّ أحمد.. رغم كامل العناية. وأية عناية أفضل من رعاية المواليد وأمهاتهم.. والمعاملة هنا من شأنها أن تجعل الناس يحيّون أصحابها ومن يشرف عليهم، عدا عن عجزهم على إنكارها. هنا لا يُسألُ الإنسانُ عن قوميتِهِ ولا لأي دين يُدين. وزميلتها في الغرفة "شاني" لا دينٌ ولا ديّان لكنها تقول إنها تقبله على مضض. تصريحها هذا لا يعكس جرأتها على التحامل على دينها بقدر ما يعكسه نفاقها لامرأة عربية تجاورت معها في السرير وراحت زيارات القريبات والصديقات التي لا تنقطع تزعجها. لم يكن ليل الممرضات سهلاً حين أطلقت "شاني" صرختها حين أُحضر لها رضيعُها لترضعه.. هُرعتِ الطواقمُ وشرعتْ تتقصّى سبب انفعالها بهذه الشدة.. الطفل ليس طفلها! لقد تم استبدال طفلها بطفل عربيٍّ. وطفلها تستطيع أن تميّزه من بين آلاف الأطفال لو أُحضروا للتمييز. أصواتٌ أخذت تتعالى.. إذا كانت الفاعلة قد دبّرت الأمر عن قصدٍ أو عن غير قصد فلا بد من أن تحاكم وأن تطرد على الفور..
تحقيق واستنتاجات في الحال. إحدى ممرضات النوبة الثانية وتدعى "حدفا"، قامت بتغسيل آخر هذين طفلين وهي آخر من حملهما ودبّر شؤونهما ولكنها معروفة دائمًا بشدة حرصها على وضع كل طفلٍ في مهده، والعجلة من الشيطان لا يمكن اتهامها في شيء. ولا بد من إجراءات أخرى حتى لا يخرج الخبر من الباب أو النافذة فيُعمم على ألسنة الناس أو يصل إلى مسامع الصحافة ومن يعمل فيها. لا مفر من إجراء اختبار مستعجل لتحليل البصمة الوراثية- دي إن إيه .. عيناتٌ من الدم، من الواجب أخذها من الطفلين ووالديهما حالاً.. هذا أمرٌ من مدير المستشفى ومُحالٌ أن لا يتحقق.
نتائج الاختبار ترقبّها الناس بفارغ الصبر. وعلى الرغم من اطمئنان "شاني" وتيقُّنِها الآن أن طفلها ما زال هو هو، وعلى الرغم من زوال وسوسات الشيطان عنها، فقد تفتَّحتْ أبوابٌ أخرى لم تخطر على بالِ أحدٍ من المترقِّبين.. الطفلُ "صلاحٌ" عربيٌّ، ولكنَّ والده مجهول الهوية وغائبٌ. من يكون أبوه يا ترى؟ أُصيبَ الرجل بما يُصابُ الناسُ به في مثل هذه المواقف. صدمة وانهيار فإغماء. وأُعلن بعد ساعةٍ عن وفاته إثر نوبة قلبية حادة....
السبت، يونيو 13، 2009
منْ قالَ إنَّ العربَ لا يقرأون؟
مُخطِئٌ منْ ظنَّ يومًا أنَّ العربَ لا يقرأون.. ومخطئٌ حقًا كلُّ منْ يقولُ هذا.. بلْ وينبغي إعادةَ النظرِ منْ جديدٍ في قولهِ وتوخي الحذر قبل أن يصرحَ مثل هذا التصريح الغريب؛ لأن نسبة القُراء عند العرب لا تتطابقُ مع زعمه وادعاءاته. ومما لا شك فيه أنها كانت ولا تزال نسبةً عاليةً تعانق عنان السماء بل وتفوق نسبة القراء في الدول الأوروبية وباقي دول العالم وحتى اليابان.. وفي اعتقادي أنك لو قررت السفر ذات يومٍ بالقطار السريع من عمّان الأردنية إلى الرياض السعودية أو من دمشق السورية إلى بغداد العراقية، أو من طرابلس الليبية إلى الدار البيضاء المغربية، ستجد حتمًا بين الركاب مَنْ يتصفح جريدةً أو يقرأ كتابًا في السياسة أو يستقصي شخصيات رواية أو يتتبع أحداثًا تاريخية من كتاب في التاريخ، ومنهم من يقرأ في كتاب سماويٍ أو موسوعة علميةٍ يحاول أن يفهم كل مصطلحٍ فيها.. وقد تجد فيهم من ترك كل هذا وأمسك قلمًا وأخذ يكتب بحثًا علميًا أكاديميًا لينشره في مجلة علمية عالمية. أليس هذا دليل واضح على تقدم الأمة؟ ثم لا يمكنك أن تجد شخصين اثنين يتبادلان الحديث في أمور غاية في التفاهة؛ لأنك ستجد الناس جميعًا منهمكين في القراءة، وكأنك قد تحسب نفسك متواجدًا في مكتبة جامعية، الكلام فيها محظور، والهمس فيها مسموح، والقارئ فيها ممدوح.. ولقد غمرتني السعادة حين قرأت تلك الدراسة الإحصائية التي تشير إلى أن معدل ما يقرأه المواطن العربي خلال عام واحد هو ما مجموعه 11 كتابا، في حين يقرأ البريطاني ما معدله 7 كتب، والأمريكي يقرأ ربع صفحة تقريبًا كل عام.. فقلت في نفسي: ما أرقى هذه الأمة! ما أعظمها من المحيط إلى الخليج! تضع القراءة على رأس سلم أولوياتها! أليس هذا دليل واضح على أن الأمة تقرأ أكثر من غيرها؟؟ إذن أمتنا هي أمة قارئه بكل ما في الكلمة من معنى.. ومن يقول غير هذا فهو مخطئ..
لا أدري لماذا يرددون دومًا المقولة التالية: "أمة اقرأ لا تقرأ"؟.. وتكاد العبارة تنطلق لتسير في مجرى القداسة لتتضمن في معناها دلالات غير مرغوبة بتاتًا.. والحقيقة أنني سمعتها في مناسبات عدة، مع أني دائما أجد عكس ذلك في واقعنا.. والأوْلى والأجدر أن يُوَجَّهَ هذا الخطاب إلى الأمم الأخرى. إن من يرددها، لا يمكن اعتباره ناقما ومسيئا وفي قوله تجريح للأمة فحسب، إنما هو مرتد خارج عن الملة.. ولا أعرف ولا أفهم لماذا ينسب بعضهم كلامًا إلى "موشي ديان" رجل الحرب المعروف في حرب الأيام الستة: "العرب لا يقرأون، وإن قرأوا لا يفهمون، وإن فهموا سرعان ما ينسون". والأخذ بهذا الكلام أو ببعض منه فيه مغالاة وإجحاف ونزعة شعوبية جديدة ومعاداة للعروبة، وقد يستفزني ويغيظني كل الغيظ؛ لأني لا أطيق سماع أحد يسخر من الأمة أو ينعتها بنعوت هي ليست منها ولا فيها إطلاقًا. ولو اعتبرنا الأمر صحيحًا فماذا يمكننا القول عن الابتكارات والاكتشافات العربية الكثيرة اليوم، وماذا نقول عن الاختراعات الحديثة التي تتسارع الأمم لشرائها.. أليست هناك علاقة بين القراءة والاختراعات؟ وكلما قرأت عن ابن سينا وابن حيان والخوارزمي والرازي.. تحركت في نفسي ألوان مختلفة من السخرية وأحسست بدغدغة في جسدي تدفعني انفجر ضحكًا وكأنّ الواقع الذي نسميه واقعًا لا يعرف شيئًا عن أمتنا المعطاءة..
إن ما يقال عندنا يطبق بحذافيره بمهارة فائقة.. وينفذ تنفيذًا دقيقًا. وهذا مدعاة للفخر والاعتزاز. النظافة من الإيمان.. إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. العلم يرفع بيتًا لا عماد له.. فليقل خيرًا أو ليصمت. نحن لا نرفع شعارات أو نحفظ ديباجاتٍ، أو نردد كالببغاوات أو نتميّز بالخطابات، إنما نترجمها كلها إلى أفعال على أرض الواقع.
هب نفسك تنطلق في رحلة في حافلة فرنسية من باريس إلى مارسيليا، ستجد فيها من يقطب جبهته وحاجبيه في وجهك إذا أقدمت على توجيه سؤال تستفسر عن مكان ما، وستجد من يسخر منك حين تسأل عن مدة الرحلة، فيقول لك بكل صراحة ودون خجل: "إكرامية يا بيه".. أقول هذا لأنني حين سافرت إلى كندا ورأيت ما رأيت بأم عيني، وجدت العجب العجاب، وعرفت أننا حقًا نسير في الاتجاه الصحيح. نزلت في ميدان وسط مدينة تورونتو، قرب مجمع تجاري ضخم، يطلق عليه الكنديون اسم "إيتون سنتر"، وكم كانت دهشتي شديدة حين وجدت الأوساخ تتراكم على الأرصفة، والقمامة رائحتها تنتشر في المكان، ما إن هبت ريح من البحيرة المجاورة إلا وانتشرت معها تلك الرائحة في كل الاتجاهات. ليس هذا فحسب بل شاهدت المباني كلها سوداء تراكمت عليها طبقات مما نفثته السيارات من دخان عبر سنوات طويلة. ما لفت نظري واسترعى انتباهي أنني حين صعدت إلى حافلة كانت تتجه إلى الحي الذي أسكنه، رأيت الرمال تغطي سلم الحافلة وأرضيتها، والأوراق تنتشر في الممر وأسفل المقاعد تحت أرجل المسافرين.. سألت أحدهم عن كل هذا فأجابني غاضبًا: "هذه بضاعتنا إن أعجبتك، اشتر منها ما تشاء، وإن لم تعجبك، افرنقع عنّا ولا تتكأكأ علينا! دعنا في حالنا! نحن لا نتدخل في السياسة".. سارعت في الافرنقاع وأحسست ساعتها أنني في بلاد لا يزال سكانها يعيشون حقبة القرن التاسع عشر.. وقلت في نفسي حمدا لله الذي خلقنا عربًا ولا زلنا نكتسب آداب النظافة منذ نعومة أظفارنا.. وحين سافرت إلى قاهرتنا الحبيبة، وجدت فيها النظافة الحقيقية، التي تغنى بها شعراؤنا طوال السنين، والتي كنت أشتهي أن أراها في بلاد الغرب. وجدتها تبهر الأبصار، وتفتح الشهية، وتبعث الراحة والطمأنينة والسكينة في النفوس، وتنضر بها الوجوه. كانت الشوارع بريقها يلمع كأنها مرصوفة بألواح زجاجية، والبيوت جدرانها كأنها صفائح برونزية، والسلالم كأنها قطع ذهبية.. والحدائق الغناء ممراتها لا تجد فيها ذرة من التراب. إن هذا التميز المبارك لدليل صارخ على أن الأمة تقرأ، ولا تزال تقرأ، وستظل تقرأ حتى تفوز بجائزة "أكثر أمة تقرأ" ثمَّ تُسجل في كتاب جينيس للأرقام القياسية.
naamankq@yahoo.com
السبت، يونيو 06، 2009
نقض الجنون
نعمان إسماعيل عبد القادر
لقد طلع علينا في الآونة الأخيرة شخص بمقال جديد أطلق عليه اسم "جنون الفتحة والكسرة"- فتملكني الظن في بداية الأمر أن الكاتب أراد أن يطرح نظرية جديدة واقعية تفيد الأمة العربية وتحل مشكلاتها النحوية واللغوية. لكن ظنّي سرعان أن خاب بعد أن قرأت ما كتبه وأدركت أنه يرمي عكس ما توقعته. ويسوق لنا مثالاً من عالم سيبويه والكسائي العالمين النحويين الشهيرين، من مدرستي البصرة والكوفة، واختلافهما على قراءة جملة ما، ليوهم القراء أن الاختلاف كان على أمور غاية في البساطة والسذاجة. ثم يضرب لنا أمثلة أخرى من عالم الشدياق- صاحب الساق على الساق- وجبران خليل جبران- صاحب النبي- ليثبت للقراء أن الإبداع لا يرتبط بالنحو ولا صلة بينهما. وإلى هنا كنت أوافقه الرأي لكن الذي يثير القارئ هو ادّعاؤه في نهاية مقاله أن من يضبط كلامه من المثقفين بعلامات الإعراب إنما هو طائش كتلميذ الثانوية وسخيف كمعلم النحو.. ما كنت لأتوقع أن يقال هذا الكلام لأن الكاتب لم يدرك أن هناك قطاعات واسعة من الأمة عامةً ومن المثقفين خاصةً تتخصص بالنحو كأي طبيب يتخصص في موضوع ما في الطب بعد الانتهاء من دراسة الطب العام. ثم نسي أن اللغة منوطة بالقرآن لا يمكن أن فصل الواحد عن الآخر لذلك لا بد من الإدراك أن اللغة العربية ونحوها وأدبها لهم جميعًا قدسية خاصة في قلوب الكثير من الناس ينبغي احترام هذه القدسية ولا يمكن التطاول عليها.
إن من يظن أن نفسه وحيدًا في هذه الدنيا، إنما هو ضرب من الجنون، فلا يمكن تجاهل الآخر وضرب مشاعر الآخرين بعرض الحائط أبدًا. فالحرية أن تحافظ على حرية غيرك وتحترمها.
حاول طه حسين ذات مرة في كتابه "في الشعر الجاهلي" معتمدًا على أستاذه المستشرق مارجليوت وقد فُتن بمنهج الشك الديكارتي، أن يشكك في وجود الشعر الجاهلي، فأدت محاولته هذه إلى
تقديمه للمحاكمة. وكان ذلك في آخر شهر مايو، عندما تقدم الشيخ حسنين الطالب بالقسم المخصوص بالأزهر ببلاغ للنائب العمومي يتهم فيه طه حسين بأنه ألف كتابا أسماه في الشعر الجاهلي ونشره على الجمهور، ويؤكد "أن في هذا الكتاب طعنا صريحا في القرآن، حيث نسب المؤلف الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم". وتحرك شيخ الأزهر فأرسل، بدوره بلاغا إلى النائب العام في أوائل يونيو سنة 1926 وتقريرا من علماء الجامع الأزهر عن طعن طه حسين بكتابه في القرآن والنبي. ثم تقدم أحد أعضاء مجلس النواب ببلاغ هو الآخر يتهم فيه طه حسين بالتعدي على الإسلام.
وقامت العاصفة حول الكتاب. ووصل الأمر إلى قيام مظاهرات توجهت إلى البرلمان. وتدخلت الأحزاب في المعركة، وأعلن الشيخ علي الغاياتي عزمه على استجواب رئيس الوزراء عدلي يكن في هذا الشأن، وقدم أحد نواب الوفد اقتراحا من ثلاثة أقسام: أولها إعدام الكتاب، وثانيها إحالة طه حسين إلى النيابة، وثالثها إلغاء وظيفته. وانتهى الأمر بموافقة البرلمان على إعدام الكتاب وإحالة طه حسين إلى النيابة. ثم قامت الجامعة بسحب نسخ الكتاب من الأسواق.
كان طه حسين بلا شك مفكّرًا عظيمًا ولا يخفى على أحد أنه ترك بصماته على الأدب العربي واللغة العربية. ولكن ما حصل معه جاء بسبب انشغاله بأمور تتعلق بالماضي السحيق كان معروفًا مسبقًا أنها لا يمكن بأي صورة من الصور أن تفيد الأمة في شيء. بل جاء مردودها عكسيًا أدى إلى إثارة حفيظة الأوساط المحافظة. ثم أدرك عميد الأدب العربي أن التفكير في المستقبل ووضع الحلول المناسبة أكثر نفعًا من نبش الماضي فسارع في وضع كتابه الرائع "مستقبل الثقافة في مصر". وما يحصل اليوم هو نبش جديد آخر في الماضي ونحن في غنى عن هذه الأمور الجديدة التي لا تنفع. ما لنا وخلافات سيبويه مع غيره. أما زلنا نتجادل أيهما أحق في الخلافة علي أم معاوية؟ متى ننتهي من هذا؟
لا شك أن النحو العربي فيه من الصعوبات الكثير الكثير.. ولكنها ليست على قدر النحو في اللغتين الفرنسية والألمانية، ونتساءل: هل يفكر الألمان والفرنسيون مثلنا؟ ولهذا فالأولى أن نفكر في إيجاد آليات جديدة لتدريس النحو بدلاً من توجيه النقد اللاذع لهذا أو ذاك.
وقد يسأل سائل: ماذا يفعل من لا يتقن النحو؟
ليس في ذلك عيبٌ، وإن من يلحن اليوم لا يمكن نسميه مرتكب جريمة لا يغتفر له عليها، وليس هناك أي حرج للإنسان إذا لم يتقن النحو، فالعامة اليوم لا تتقنه.. ومع هذا فبإمكان المرء إذا أراد أن يلقي خطبة ما أمام جمهور أن ينتهج منهج التسكين بدلا من محاولته دون فائدة، أن يترك انطباعًا أمام الناس ويظهر لهم مدى تمكنه من اللغة ونحوها كما كان يفعل أصحاب المقامات سابقًا.
(كفر قاسم)
naamankq@yahoo.com
الخميس، يونيو 04، 2009
رسالة إلى فاروق
(الرَّمل)
يا جِدارَ ٱلرُّعْبِ في أَوْطانِنا قَدْ حَجَبْتَ ٱلنّورَ عَنْ أَحْلامِها
شَيَّدوكَ مِنْ سَرابٍ زائِفٍ في شِعابِ ٱلأرْضِ تَكْوي جِلْدَها
صِرْتَ مَمْسوخًا يَنِمُّ وَجْهُهُ عَنْ غُرابٍ ناعِبٍ في دارِها
يَسْأَلُ ٱلْفاروقُ* عَنْ مُسْتَنْسَخٍ أَيَّ يَوْمٍ يَخْتَفي عَنْ عَيْنِها؟
لا تَسَلْني عَنْ كُرومٍ حَوْلَها باتَ يَمْضي لا يُبالي "سورُها"
قَطَعَ ٱلدَّرْبَ وَظَلََّ جاثِمًا في فِجاجٍ بُحَّ مِنْهُ صَوْتُها
لا تَسَلْني عَنْ جِبالٍ خَلْفَنا كانَ يَرْعى في أَمانٍ ظَبْيُها
نَشَرَ ٱلْخَوْفَ وَغَنّى طَرَبًا زَرَعَ ٱلْحُزْنَ وَفَلَّ جَيْشَها
أَيُّ مَخْلوقٍ تَحَدّى أُمَّةً حَمَلَ ٱلضُرَّ فَضاعَ مَجْدُها
فَقَدَ ٱلْفَلاحُ قوتَ يَوْمِهِ نَبَشَ ٱلْفَقْرُ بِغَيْظٍ كَلْمَها
حُرِمَ ٱلأطفالُ مِنْ زَيْتونِهِا خَيَّمَ ٱلصَّمْتُُ طَويلاً فَوْقَها
يَبِسَ ٱللَّوْزُ وَصارَ حَطَبًا عَرْبَدَ ٱلْيَأْسُ وَفَرَّ طَيْرُها
كُنْتَ في بَرْلينَ (2) نَجْمًا ساطِعًا صِرْتَ تِمثالاً تُسَلّي شَعْبَها
قِفْ تَأَمَّلْ يا رَفيقي ساعَةًً كَيْفَ يَحْيا في حِصارٍ أَهْلُها
------------------
1) فاروق- هو الدكتور فاروق مواسي صاحب قصيدة الجدار التي نشرها مؤخرًا.
2) جدار برلين المشهور.
naamankq@yahoo.com
(كفر قاسم)











