‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعيب حليفي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعيب حليفي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، أبريل 16، 2010

رحلتي المقدسة



شعيب حليفي


هل رأيتَ كم هي شامخة آثار الشوق على وجهي الأسمر؟

• أبشرْ..يا صاحبي
هل تريدُ فعلا أن أصف لكَ شعوري وأنا أهبط لأول مرة بجزيرتنا ، المملكة العربية السعودية ، على صوت طاهر، جهوري لآذان فجر يوم الأربعاء، وأصوات أخرى بداخلي ظلت حبيسةَ نفسي منذ آلاف السنوات..حينما وطأت أرض مطار الملك خالد بالرياض ، قادما من الدار البيضاء بعد ست ساعات ونصف من الطيران، اعتقدتها ثوانٍ معدودات رغم الاختلاف الزمني الذي قدره الفلكيون في ثلاث ساعات مُضافة .

لا أستطيع بالتأكيد ! لأني غير قادر على لَمِّ فيضِ خاطري بكل طبقات الحب الفطري في وجداني وهويتي لمملكة الله الواحد القهار ..حيث عرَّشَت مشاعري وظللت أرضا كنتُ أخبئها مثل موسيقى ابتهالية أُدَنْدنُها في نفسي..
نفسي العامرة بالآثام التي لا تُذَوِّبُها دموعي الآن، أو جثوي طويلا فوق آثار الأنبياء، أتنفس طولا لإفراغ الهواء الذي يقبعُ بداخلي، ومَالِئا رئاتي وكل مسامي بهوائهم الطاهر .
من هنا، تشكلت لغتنا وتخاييلنا الرائقة واللذيذة في السرود الصغرى ثم الكبرى .ومن هناك تَفَجَّرَت شَلاَّلات أنهر الشعر العربي مع فحوله المؤسسين .

من هنا أيضا ، بزغ نور الإسلام الذي روى عَطَشَ الأفئدة وأضاء ظلاما ثقيلا .نُورٌ لو حَضَرَهُ الأنبياء السابقون لانخرطوا فيه ..

أليس كل هذا كافيا لنُحب هذه الأرض ونخاف عليها ؟ حتى أنني ، في صفاء مطلق ،مقتنع أن الأرض التي منحتنا لغتنا ومتخيلنا وديننا ، ما زالت قادرة على العطاء ، وتحفظ لنا حقوقنا في صاحبي.

سبعة أيام قضيتها بممالك الله : الرياض وجدة ومكة المكرمة، للحضور والمشاركة إلى جانب عدد من الأدباء من المغرب وباقي الدول العربية في مهرجان الجنادرية ، الدورة الخامسة والعشرون في الأسبوع الثالث من شهر مارس .

• من قبل ..
في كل رحلة لا أشعرُ بما شعرتُ به اليوم ، فخاطري متحفزٌ ، به شيء جديد كما لو كنتُ مهاجرا عن المكان منذ ألف وأربعمائة سنة مرت مثل ظل في فصل ماطر. وها أنذا أعود إليها وبي خوف يهزني مما سألقى ..بيتي وكهوفي وأرضي وإبلي وكذلك الرقاع التي خبأتُها بعناية بعدما دونتُ عليها آيات ربي ..وتلك الجبال التي عبرتُها طويلا في رِحْلاتي التجارية ورِحْلاتي رُفقة امرئ القيس بحثا عن فداء دمه ودمنا ، أو في حروبي الجاهلية كما في غزواتي بجانب صاحبي خاتم الأنبياء .

ما زلتُ أذكر (كما لو أن كل شيء وقع قبل قليل فقط، وحرارته تسري في دمي )أنني كنتُ حزينا بعد وفاة صاحبي عليه الصلاة والسلام .شعرتُ باليتم ولزمتُ بيتي بالنهار ، وفي الليل أقضي الساعات بجوار غار حراء جالسا مُتَعَبِّداً .

ما زلتُ أذكرُ ( وكل شيء أمامي الآن، حيٌّ مشتعل) أني انتفضتُ فزال عني الغمُّ، بعدما عدتُ إلى نفسي، أن الله وحده الحي القيوم ، وأننا نواصل ثورتنا . آنذاك نويتُ ورحلتُ غازيا ومهاجرا حتى وصلتُ أقصى الغرب فطاب لي المقام .
***
خلال غمرة الإعداد للسفر في هذه الرحلة انشغلتُ بانخراطي ، معَ أصدقائي بكل ربوع البلاد في انتفاضة أطلقنا شرارتها الأولى في العشرين من فبراير دفاعا عن الثقافة المغربية من الأصنام والسدنة وأتباع مُسيلمة ..مما زاد من اجتماعاتنا واتصالاتنا لبلورة رؤية واضحة نواجه بها تلك الغمة التي بدأت تستأنس بواقعنا .

ورغم كل ذلك ،كنتُ أعود يوميا إلى جناح خاص بمكتبتي، به مؤلفات ونصوص في الرحلات، وضمنها توجد النصوص الحجية التي كتبها مغاربة وعرب على مر القرون، بالإضافة إلى مخطوطات حجازية مغربية غير مُحققة ، اخترتُ منها نصين، وقرأت الأجزاء الخاصة بوصف مكة والمدينة . الأولى للفقيه عبد الرحمن بن أبي القاسم الغنامي الشاوي( رحلة القاصدين ورغبة الزائرين) في القرن 17، والثانية لأحمد الصبيحي: الرحلة المكية في النصف الأول من القرن العشرين .
***
في يوم سفري ، وكان يوم ثلاثاء ، قضيتُ الصباح كله بالكلية ، بينما كان عليَّ اللقاء، في ما بين الزوال والعصر ، بصديقين لي لاستكمال بعض الترتيبات معهما .

الأول رجل أعمال جاء لي معه، من فرنسا، بوثائق غميسة حول الشاوية . التقيتُهُ بوسط المدينة في المقهى التي اعتدنا الجلوس فيها من حين لآخر .وبعد عشر دقائق رآنا أحد أصدقائه فالتحق بنا دون استئذان وشرع يحدثنا عن نفسه ومنجزاته حينما كان مسؤولا وطنيا هنا وهناك، ثم تحول مستعرضا علاقاته بالوزراء القدامى والجدد.
استشعرتُ أن شهيته للكلام تزداد توقدا ، فقطعتُ حبل الاستماع إليه ثم نهضتُ منسحبا ،معتذرا لصديقي بعدما أخذتُ منه الكتب وأنا أفكر في حياة هؤلاء الموصولة بعوالم رجالات الدولة ومشاغلهم ، مقابل حياتنا البسيطة التي نعيشها بدون روتوشات أو بذخ بل بدون وساطات أوأسماء تُرصعها الألقاب والنياشين ..ونحن أسعد دائما لأن سَنَدَنا هو الله فقط لا غيره .

واصلتُ سيري نحو صديقي يوسف بورة، وهو رئيس الجمعية البيضاوية للكتبيين وصاحب مكتبة لبيع الكتب المستعملة بسوق شعبي شهير بالدار البيضاء يسمى اقْريعة درب السلطان .جالسته للترتيب معه بخصوص معرض الكتاب بكازابلانكا والتزامات سابقة. كنت ُقد وجدته منتهيا من حالة تردد تنتابه ، استطاع إفراغها في خاطرة من خواطره الرقيقة ، دُوَّنها على ورقة واحدة .سلمها لي، وواصلنا حديثنا لساعة أو أقل، قبل أن أتوجه إلى البيت استعدادا للسفر .
كتبَ يوسف في ورقته ما رأيتُه نصا يستحق القراءة والتأمل :
"أشعر بخوف كبير .لا أدري .
هل هو إحساس بالرحيل .لكنني أريد من هذا الإحساس أن يُمهلني وقتا كافيا، ولو قليلا، لكي أتمم بعض الأفكار التي تتحرك في رأسي .إنها جد مهمة .لا أريدها أن ترحل برحيلي .
لماذا الحياة قاسية بهذا الشكل ؟ هل المادة هي التي تتحكم فينا ؟ أم العلم أم أشياء أخرى نجهلها؟
ربما سأُجَنُّ .أريدُ جوابا شافيا لكل ما يدور برأسي .هل سأستمر معهم في اللعبة أم أُغير مسار حياتي ؟
أتمنى أن أفقد ذاكرتي وأعود إنسانا آخر لا يهتم بالمبادئ والأخلاق .إنسان يكون هَمُّهُ الوحيد جمع المال والعقارات ولو على حساب الطبقة الكادحة ..أما العلم فليذهب إلى الجحيم !!."

• ابتهالات شافية
بالرياض ،استقر رِحالي صبيحة يوم الأربعاء بفندق ماريوت ، الغرفة 549 .ثم انتقلنا بعد الزوال إلى قرية الجنادرية ، هناكَ استمتعنا جميعا، وإلى غاية الساعة الواحدة صباحا، بحفل فني رفيع المستوى ، شارك فيه خمسة من كبار الفنانين السعوديين : محمد عبده وعبد المجيد عبد الله وراشد الماجد وعباس إبراهيم وماجد المهندس بالإضافة إلى يارا وفدوى المالكي والطفل خالد الجيلاني .
اوبيريت الجنادرية ( وحدة وطن)بموسيقى ملحمية ، أخذتنا بقوتها وسحرها ..فرسان يفتحون المكان ويخترقون الزمان ، يقودهم بطل مؤمن بالله والرسول والصحراء.

وأنا أتابع هذا المشهد الأخَّاذ، التحمتْ روحي بالحدث فصرتُ أسمع وقع سنابك الخيول وحركاتها الواثقة .وسَقَطَ في قلبي سؤال رحيم عما يمكن أن يكون قد وقع في نفس اليوم قبل ألف وأربعمائة سنة خلت وربما قبلها بسنوات ؟

هممتُ بالقيام كأني أريد الدنو مما أرى ، فرفع أكثر من واحد ممن كانوا على يميني وشمالي أبصارهم الشاخصة ..ثم انتبهتُ وقد استبدَّ بي الوجد والحال فتسربت مني الكلمات التالية وأنا أتهالك على مقعدي مرة أخرى :
- أريد أن أكون معهم الآن !!

لم يفهموا قصدي البعيد .هل عنيتُ أني أبغي الدخول في الصحراء على فرس بربرية فاردًا جناحي ببُرنسي الأبيض المنطلق..أم ماذا؟
***

حينما ولجتُ غرفتي بالماريوت، وسط سكون صحراوي بليغ، لم أكن أسمع إلا لدقات قلبي ولم أدر كيفَ ولماذا طلعت مني كلمات ندِيَّة من ابتهالات كلام شعبي غيواني ، تستفتحه موسيقى صحراوية موغلة في استعاراتها اللاهبة :

يا ذا الرِّيْم منها مَوْلـُـوعْ مَرْحَبْتِي به إلى جَانِـــــي
ولا زلتِ منها ملســــوع ولوْ عَ الحبلْ مَشَّانـِــــي
أدَنْ أدَنْ أدَنْ
غيرْ خُذُونِي ... لله غير خُذُونِي
روحي نْهِيبْ لَفـْدَاكم غير خُذُونِي
مَعْدُوم وُلـْفـِــي . . . لله دلُّونــــــــــــي
ما صابرعَ اللِّي مْشَاوْ . . . أنا ما صابر
صفايح فِ يِدِّينْ حدَّادْ أنا ما صابـــــــــــر
قلبي جا بين يِدِّينْ حدَّادْ.. حداد ما يْحنْ ما يشفق عليه
ينزل الضَّربة عَ الضَّربة وإلى بْرَدْ زاد النار عليــــــه.

أرتاحُ للموسيقى..لأن وجداني له مزاج خاص يُحب الابتهالات هنا بكلمات تجد أجوبتها في ما أنا فيه .
ما زلتُ مرتميا في فراشي بملابسي والساعة تشير إلى الثانية صباحا .قمتُ مُطلا من النافذة على السماء باحثا عن نفسي في كل مراحلها منشغلا بالآتي ،وعما لم أستطع استيعابه في حياتي .. الأشياء التي لم أكتب عنها أو ما زالت نطفة في كبدي.
- هل أنا ابن الأرض أم السماء ؟
عدتُ بعدما استحممتُ وجلستُ على المكتب الوحيد بالغرفة أمام أوراقي البيضاء متفكرا في ما وقع لامرئ القيس لاستدراج النوم والتغلب على فارق الساعات الثلاث الغريبة عني .
***
لم نجد أحدا يكتب عن تفاصيل رحلة ذي القروح الطويلة ، والتي استغرقت الجزء الأخير من حياته ، خصوصا حينما كان عند الحارث بن شمر الغساني بالشام ، قادما من حصن السموأل.
ألم يسحره المكان وقد وصله في دسمبر وسط دفء الأمطار وتباشير أرض زاهية بالحياة .والتقى هناك على ربوات الرقة جوار نهر جار ، حبيبته سُلافة والتي غذت روحه "برحيق مفلفل".
جلسَتْ قُبالتهُ وهو يتفاوض مع زعماء وثوار القبائل العربية خلال أربع ليال، لإقناعهم بعدالة قضيته وحقه التاريخي ، وكانوا جميعهم يعتقدون أن الأمر كله يتعلق بدم أبيه ، في حين كان امرؤ القيس يعني حبَّ سُلافة ، وهو الذي قال :
تُضِـيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَــا
مَنَـارَةُ مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ
إِلَى مِثْلِهَـا يَرْنُو الحَلِيْمُ صَبَابَــةً
إِذَا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ
تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عَنْ الصِّبَـا
ولَيْـسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاكِ بِمُنْسَـلِ.

الثالثة والربع صباحا ، قمتُ من مكاني وقد شعرتُ باحمرار وجه سلافة ، وهي تعود إلى خيالي بعدما انفض جمع الثوار وبقيتُ أراقب امرأ القيس وهو يُحدثها عن الحب والأسى وما تُخبئه الأقدار التي تسير بما لا تشتهي النفس.
قالت له ( وكنتُ ممددا على فراشي على أهبة الانتقال إلى ملكوت النوم ، مخيلتي ما زالت مفتوحة ، منتشية باستمرار الحكاية )
- (قالت سُلافة ): أنا لا أُعوِّلُ كثيراً على الجانب الإعصاريّ في تأثيري عليك أيها الملك الشاعر ، يهزّ، ويخطف ثمّ يتلاشى، بعد أن يدمّر الأرض وما عليها...! إيماني أكبر بآليّة عمل السيل، يمتدّ، ويستمرّ، وقد يغرق، لكن ما أن تنحسر حركاته الطلائعيّة حتّى تخضرّ الأرض، وتصحّ الحياة!
فانظر أيّهما أبقى، لأظلّ أنعم بمشاعرك النبيلة والمحبّبة.
- (قال لها بعد لحظات مديدة ): أنتِ يا سُلافتي شمس مثل بهجة تُحررُ روحي .كنتُ – من قبل - لا أخشى الموتَ أبدا وهو يتجنبني وأنا أبحثُ عنه في كل مكان .
الآن، لا أريد أن أموت دون أن ترتوي مشاعري الشاهقة بالأنين .
روحي التي تعلو وتعلو وأنا أعلو معها. وأطمع في معجزة من ربي ليشاركني بوحْي منه حتى أُعَبِّرَ عما يُلهب في دواخلي بقول مُعجز منه صادق عفوي نافذ .
قول تسري فيه حرارة تجعلني أتمنى لو كانت لي يد روحانية لمددتُها إليك أينما كنتِ ...
يد ...تتلمس وجهك[أولا]( والذي كلما تذكرته أفتح قلبي وأبادله النظر) بيدي التي هي روحي فأرتعش ارتعاشة الثمل وأشعر بسخونة حارة كما أشعر بها الآن وأنتِ أمامي.ثم أرمي بيدي نفسها، وبنفس مشاعرها الشاهقة وسخونتها التي لا تحتمل استعاراتي فأنزل قليلا كما لو أنها تصلي.
هل تعرفين أن نقطة ضعفي هي العنب والعسل والرمان.وكلما رأيته أو تلمسته أرتعش رعشة الأنبياء فتسري في كل جسمي نار تتقد وتغلي .
سُلافة، مزنة ،ليلاي، تالة ،نشوة، رامة ،فاطم ..بماذا أناديك؟
لو تعانقيني الآن حتى أذوب فيك ؟
لو تمنحيني الشجرة التي أعادت إلينا جدَّنا ؟...لو !
سأسافر يوم الثلاثاء إلى ملك الروم بالقسطنطينية، وعهدي لك ، وأنا الغريب الوحيد، أن تذكريني كل يوم كلما تأهبت الشمس للغروب .

• أنا وثابت بن أوس العدواني
في اليوم الثاني من وصولي ، وفي البهو العام للفندق ، أثار انتباهي شخص غريب ونزق من ضمن المدعوين ، في حوالي السبعين من عمره ، تَصدرُ عنه أفعال تهور ، يُدعى موسى النمَّاسْ.
اقتربتُ منه وهو يتكلم عن نفسه بدون رابط، مما أغراني بالاقتراب منه وقد حدستُ أن"شخصيته" قد تفيدني بشيء ما !
جاء للمشاركة باعتباره ، كما صرح لي ، مهتم بالتراث الشعبي ، فقد سبق أن كان فنانا شعبيا ينشد الأغاني البدوية بالأرياف وبجوار الأضرحة والأولياء قبل أن يعتزل ويهتم بتجارته .
ازدادت شكوكي حوله وبدا لي أن به حُمقا مُترسِّخًا حينما كان يتكلم مُتهورا ومدعيا مما يفضح جهله وخواءه .

ومما قاله لي مثلا ،موسى هذا ، بأن سلطان بلاده تحدث مع سلطان الحجاز كي يكون حاضرا ممثلا لبلده خير تمثيل.
كنتُ كلما حاورته واستمعتُ إلى أكاذيبه المفضوحة ازددتُ اقتناعا بأنه شخص جاء عن طريق الخطأ.
***
استمرت أشغال المهرجان بشكل متنوع ومتكامل في ندوات فكرية وأنشطة موازية تعكس روح الحياة بتنظيم مُحْكم ودقيق، يشعر معه الضيوف بالأمان والراحة من طرف لجنة تنظيمية علمية تسهر على تلبية طلباتهم ، الصغيرة أو الكبيرة ، بدءا من الأستاذ الفاضل حسن بن عبد الله آل خليل والأديب فالح العنزي والروائي الصديق الدكتور سلطان سعد القحطاني ، وبرفقتهم فريق كامل يعمل مثل خلية نحل لا تتعب ولاتكل .

في السابعة مساء، وبدعوة كريمة ،انتقلت مع صديقي ثابت بن أوس العدواني( وهو نفسه من كان بجواري في الشام حينما رافقنا امرئ القيس نفاوضه نثريا في شعرية ثورته) وكان معنا أحمد المصري للترويح عن النفس في المكان الذي جلس فيه امرؤ القيس في نفس يومنا من سنة 561ميلادية، عشر سنوات قبل ميلاد صاحبي.

لم أستوعب حقيقة الأمر .هل فعلا هو المكان نفسه أم ظله في هذا الليل الرائق والمتمايل في غنج فاضح كأنه ما زال يردد ما قاله هنا وهناك عن لياليه الطويلة ، والتي كان الصمتُ يلُفُّها من عَجَبٍ حتى يتكلم المرقسي ويُدندن.

جلسنا نحن الثلاثة ، قبل أن يلتحق بنا صديق ثالث . وفي جلوسي سعيتُ إلى استجماع مشاعري وأنا أراها وهي تتشتتُ هنا ، وقد ضاع منها ما ضاع وتبخر الباقي، لاحقا، وسط غيم مرَّ في موعده بحسبان .مرَّ مرور مُزنة خالدة عَبَرت المحيط ثم الجزيرة والشام وهامت في ملكوت الله تسبح وتنتشي .

انغمسنا في أحاديثنا ، ومن حين لآخر كنا نمد أيادينا البيضاء إلى أطباق من التوت والعنب، نُغَمسُها في عسل نعيم .

لكن المشهد ، نفسه، الراسخ في أكبادي ومشاعري،يُفاجئني ويحضر أمامي ..فأرى امرئ القيس بوجهه المشع نورا وعينين أرخاهما الوجد والتذكر وامتداد الأرق في قلبه .
توقف يتأملني حتى خِلتُنِي نقطة يعبر منها إلى عوالمه الأخرى ؛ بنظرة تستطيع القفز فوق الليل والصحراء والموت .ثم قال لي قبل أن يمضي ويتركني :

فقلتُ له لا تبك عينك إنما *** نحاول ملكا أو نموتُ فنعذرا
لقد أنكرتني بعلبك وأهلها *** ولا بن جريح في قرى حمص أنكرا

قبل أن يمضي ويتركني أرفع رأسي إلى السماء ، أقفزُ من نجمة لأخرى باحثا عن الكلام الذي سمعناه والتقطته الزَّفَّانات لتدوينه على غيوم صديقة .

هزَّتْتي حرارة القول فرأيتُ ثابت بن أوس العدواني صاحبي يخاطبه:
- لا تلبس لباسهم وابقَ حُرا لا تطلب المدد إلا من ربي الواحد .
عاد الشوق يهزني هزا ، فتناهى إلى سمعي صوتُ قديم لزفّانات زفَّت إليَّ من أناشيد الثوار ما يلي :
أنا مَا نْسِيتْ "السيف" / أنا مَا نْسِيتْ الكصبة
أنا مَا نْسِيتْ الكور / ولا مَجْمَعْ الطلبة
أنا مَا نْسِيتْ دوّاري/ يا بلاد الكَصْبَه
أنا مَا نْسِيتْ لعْشيرة/ ولا قمْحْ الرَّحْبَه
أنا مَا نْسِيتْ حياتي/ يا ناس المْحَبَّه
ما هَمْني ولا رَشّاني غير فراق الصحبه ؛لا ما ، لا تربة ،لا صابه لا غمره.
شمسنا ضوها جمرة ، لا نجوم لا كمرة ..ويا ليعتْ القُدرة .]

***
كان الغلام ازْبير (الهندي) يخدمنا، في كل حين يأتينا بأطباق التوت والعنب ،وإلى جوارنا نار تُدفئُ وحدتنا رفقة ذي القروح ونحن جلوس قرب بحيرة ماء ، نفترش الأرض في فضاء صحراوي واسع تحول إلى واحة ممتعة ، تُحيط بنا بيوتات من وبر أبيض يجلس بداخلها فقراء وفقهاء وأولياء وشعراء يعبدون بدون حساب .
وأنا من أكون هنا ، وسط سؤال يؤرقني ، أقَلبُه على كل الجهات دون الظَّفَرِ إلا بحياة جديدة ، أشدُّ غرابة من الأولى .
الساعة الثانية صباحا .ودعتهم وعدتُ إلى خلوتي قاصدا خيالي لمواصلة رحلتي مع أصدقائي الآخرين الأشد ، بدورهم،نورا وإدراكا .
بل نسيتُ، فمن قبل كل هذا ، كُنَّا جالسين قُربَ بحيرة الرمال بالحجر، أنا وثابت بن أوس العدواني وأحمد، نتأملُ الليل حولنا تتلاطم صفحاته البيضاء مذعورة مما سيُكتب عليها .وفجأة يلتحق بنا ابن آكلُ المرار ، امرؤ القيس، وكنا نناديه المُرقسي، وحيدا وسعيدا يحمل معه زاده .ربطَ فرسه على جدع نخلة غير بعيدة عنا ..ثم أخذ مكانه بيننا ، قبل أن يلتفتَ نحو ضوء بعيد ومتراقص .هناك لاحت امرأة بخمار قرنفلي ، فخاطبها بصوته المشبع برقة الشعراء الرخيمة:
أفاطِـم مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ
وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي
وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ
وإِنْ تَكُ قَدْ سَـاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَـةٌ
فَسُلِّـي ثِيَـابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُـلِ
وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي
بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـلِ.
استمرَّ معنا يلعب النرد ويشربُ حليب النوق المخلوط بالعسل ، قدَّمه لنا الغلام ازْبير، وقد عجبتُ وأنا أرى بعيدا، كيف أمكن للنمامين الافتراء عليه ، خصوصا حينما فاجأنا شيخ وقف أمامنا حاملا لأمر جلل ، فأخبر امرئ القيس بأن بني أسد قد قتلت والده الملك.
رفعَ رأسه نحو مُخبره، وقد جحظت عيناه واحمرَّتا.فأعاد الشيخ تأكيد كلامه ثم انصرف دون أن يسمع منه شيئا .
انهار الشاعر مثل طفل شعر باليتم التام وبكى طويلا ونحن في قنت صامتين ..والرياح تطوف بنا فتزندُ جمرنا وليلنا .
قال بعد ساعة أو أكثر : رحم الله أبي ، ضيعني صغيرا وحمَّلني دمه كبيرا .اليوم جمرٌ وغدا أمر.( لم أعرف لماذا حرَّفَ الرواة حرف الجيم واستبدلوه بحرف الخاء ).
قبل أن يأتيه نبأ الغذر بوالده ، كان امرؤ القيس ،كما عرفناه، رجلا طهرانيا وشاعرا لا يعجز أبدا عن تحويل أي كلام إلى شعر ساحر .لكنه لما بلغه الخبر صار شخصا آخر تجري في عروقه دماء ساخنة للثأر والحروب ، فرحلنا معه لسنوات نبحثُ عن جيش نحارب به ونقفز فوق الموت .
• تاسع عشر مارس
قُمتُ في الساعة الثامنة إلا ربعا .نزلتُ إلى المطعم بعدما اغتسلتُ،ثم في بهو الفندق شرعتُ أتصفحُ جرائد الصباح .
بعد ساعة التحق بي السيد موسى ،وبدون تمهيدات شرعَ يُمطرني بأكاذيب جديدة مفتعلا أنه يُكلمُ ،بهاتفه، أميرا أو يتحدث إلى مسؤول كبير بعاصمة بلاده .ثم عاد إلى أحاديث فقيرة تعكس وعيه المحروم ..وأنا أنظر إلى أفاعيله مما دفع به إلى الاقتراب مني وهو يُكلمني بصوت خفيض:

- هل أنت نظيف وفي حالك؟
- لم أفهم ياموسى ما تعنيه؟
- وتقول أنك مثقف وكاتب ...أعني أنه لا دخل لك في أمور السياسة في بلدك؟
- ( أكدتُ له بكلامي وكل حركات رأسي ) أنا يا موسى ، في بلدي من الدار إلى العمل ومن العمل إلى الدار.
افتعل بدوره انه صدقني ، ثم قال لي ما كان يهيء له:
- سأكلم لك مسؤولا كبيرا جدا ببلدك يجعل منك شخصية مهمة ، ولا أريد منك سوى الدعاء .
الغريب في موسى ،هذا، ان مواهبه متعددة ، فكلما أنهى كلامه "المؤثر" دمعت عيناه وارتمى يعانقني .وليست المرة الأولى التي يفكر فيها بالبكاء بعد أحاديثه ، فيلجأُ إلى تحريك وجنتيه وعينيه لتسقط الدموع مِدرارة وجافة.

عدتُ أسأله بصيغ متعددة حول سبب قدومه إلى المهرجان وهو لم يُفارقَ أبدا بهو الفندق ، ولم يحضر أي لقاء من الأنشطة الكثيرة ، فانطلق يحكي لي كلاما كثيرا ، جلُّه افتراء ، ومن خلال هذا السيل من الكذب استطعتُ القبض على خيط دفعني إلى البحث في اللائحة الكاملة للمدعوين لأكتشف أن اسمه غير موجود ، في حين عثرتُ على اسم آخر لمثقف من نفس بلده يشترك معه في اللقب العائلي فقط.
كل القرائن تدل انه انتحل صفة شخص آخر، أعرفه أيضا، وهو مثقف مغمور له جمعية تهتم بالتراث الشعبي .
***
انتقلنا إلى الغداء بقرية الجنادرية في جو صحراوي عرف عواصف رملية ،عمت أرجاء كل البلاد ، ولما عدنا بعد العصر توجهتُ إلى رحلة في تاريخ الجزيرة بمركز الملك عبد العزيز ، حيث زرتُ محطتين من فضاء واسع ومتعدد: قصر المربع والمتحف الوطني الذي صُمم بطريقة حديثة ومتطورة وبتنسيق جمالي رفيع يروي تاريخ المنطقة منذ ما قبل الإسلام حتى الآن .وقد أخذتني البهجة وأنا أطوف لساعتين كاملتين كما لو أنني طفت لأزيد من ألفي سنة .
رجعتُ إلى الماريوت بعدما هبط الظلام ، حيث زارني صديقي الباحث محمد بن سعود الحمد وهو أديب يقتفي آثار العلماء ويجتهدُ في عمله.فقد عرفته منذ سنوات بحاثةً يزور البلدان العربية لأزيد من عشر سنوات منقبا عن معلومات متفرقة في مراجع ومصادر أشبه بالتنقيب عن كنوز شديدة الغور ..حتى أتم مؤلفه الهام ( موسوعة الرحلات العربية والمعربة .المخطوطة والمطبوعة: معجم ببليوجرافي ) ومازال مستمرا في عمله مواصلا لفتوحاته العلمية والأدبية ؛ وقد أخبرني أنه بصدد إصدار مؤلف جديد يستكمل الكتاب الأول .
لبيتُ دعوته الكريمة إلى عشاء بمطعم جميل قضينا فيه صُحبه بعض الأصدقاء الأجلاء أزيد من ثلاث ساعات ، سعدتُ فيها بالتعرف إليهم وإلى اهتماماتهم في الأدب والتاريخ والأنساب .

• في ضيافة الملك
تابعتُ ندوة أخرى يومه السبت ، قبل أن ننتقل إلى قصر الملك ، خادم الحرمين الشريفين ، بدعوة كريمة منه للغداء ، في قصر مهيب .فسلم علينا واحدا واحدا ثم دعانا مُرحبا إلى مائدته العامرة والسخية بكافة أنواع المأكولات والفواكه .
قصر مهيب في مدينة فارعة ، كبيرة وعصرية ، تُشْرِحُ النفس كأنها روضة منبسطة وقد قامت على أنقاض وبقايا مدينة حجر اليمامة التاريخية ،والتي يعود تاريخها إلى زمن قبيلتي طسم وجديس .بناها واستوطنها بنو حنيفة كما يروي ياقوت الحموي ذلك ، مثلما أن ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي يورد حكاية لقائه بأمير حجر، ويُسمى طُفيل بن غانم، والذي رافقه في الرحلة إلى مكة آنذاك .
***
تواصلت الندوات بوم الأحد مع دخول فصل الربيع ،على مستوى عال من الفكر والنقاش، وفي الساعة العاشرة صباحا انتقلتُ وصديقي العُماني د/ محمد المحروقي إلى جامعة الملك سعود حيث ألقيتُ محاضرة بقسم اللغة العربية وآدابها بعنوان (التمثيل والتخييل في الأجناس السردية العربية الصغرى) أمام أساتذة القسم ، وعلى بُعد عشرات الكلمترات وبتقنية عالة جدا في توصيل الصوت يوجد قسم الطالبات رفقة أستاذاتهن للاستماع والحوار نظرا لمنع الاختلاط. وتعتبر جامعة الملك سعود إحدى أهم المعالم العلمية في الوطن العربي وربما تفوق العديد من الدول الأوربية ..

ثلة من الأساتذة الباحثين بجامعة الملك سعود بالرياض ، من خيرة العلماء والأدباء الذين يحملون مشعل النقد الأدبي يؤسسون لتقاليد علمية رصينة ستُظهر آثارها في مستقبل الأيام .
جامعة تتكامل فيها كل الشروط العلمية العالمية ، بحيث إن كل باحث جاد أو عالم مقتدر إلا ويتمنى قضاء ردح من عمره العلمي بين أساتذتها وباحثيها .
ويوجد بهذه المنارة العلمية صديقي الناقد د/ مُعجب العدواني ود/ أحمد صبرة كما تعرفتُ إلى أصدقاء جدد منهم د/ صالح ود/ زياد وآخرين .

***
عدتُ إلى الماريوت .تناولتُ وجبة الغداء رفقة أصدقائي وقد صرت متبرما من موسى النمَّاسْ الذي تحول إلى شخصية مزعجة ومشبوهة ، فكرتُ لو كانت شخصية في إحدى رواياتي لتجرأتُ وقدمتها للمحاكمة بتهمة النصب والكذب والإدعاء .

عدتُ بسرعة إلى خلوتي في قيلولة متأخرة ولما استفقتُ هبطتُ لمتابعة المناقشات الفكرية المتواصلة إلى غاية الثامنة لحظة جاء صديقي ثابت بن أوس العدواني وأخذني إلى خلوة امرئ القيس بالرمال .في جو ليلي بارد دخلنا الخيمة السابعة .هناك تمددنا نتسامر بالحديث الطيب ونأكل التوت والعنب مُغَمَّسًا في عسل حريف ، قبل أن يلتحق بنا كل من أحمد المصري وصديق ثالث ..وبقينا مواصلين سهرتنا والغلام ازْبير يخدمنا إلى أن أتانا بعشائنا ساخنا ولذيذا .

رويتُ لهم حكاية موسى النماس الذي خدع دولتين بنصبة سريعة ، فضحكنا وبصري من حين لآخر يُراقب الباب في انتظار مرور طرفة بن العبد من هنا ..وكنت متأكدا من عبوره نحو حتفه.
تخيَّلتُ أن أكتب إليه رسالة مني يحملها إلى المغرب الأقصى بافريقيا بدل البحرين ..ثم رأيتهما ،هو والمتلمس، يقفان بجوار تلك البحيرة المقابلة لنا وكل واحد منهما يحمل كتابه بيمينه . شاب أسمر اللون في العشرين من عمره كما أقدر ، هو طرفة وإلى جواره المتلمس ،شيخ شايْبْ ومهْلُوبْ.نادى المتلمس على الغلام ازبير وهو خارج من خيمتنا القريبة منهما،( وأنا أتابع كل شيء كما لو كنتُ واحدا منهما أو هما معا ) حتى إني تململتُ من مكاني هَامًّا بالقيام فسقطت بعدما خانت الركب حاملها لأقول له إن لي حقوقا في معلقته وإني مسافر يوم الثلاثاء إلى مكة وسأعلقها على أستار الكعبة . كنت أريد قول كل ذلك وارتخيت أحرك المشهد المتسمر أمامي خارج الخيمة ببضعة أمتار .
قال المتلمس للغلام (ازْبير) أن يقرأ له الرسالة، فقال له هذا الأخير إنها تحمل أمرا بقتلك على عجل ( وكنت أعرف حق المعرفة أن ازبير لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولكنه تنبأ وتوهم وقال ما قال لتكون الحكاية أمامي كلها لصالحي ).خرّقَ المتلمس الرسالة ورماها في البحيرة وهو يتطلع إليها والتيار يجول بها في كل جدول .ولما رفض طرفة تقطيع صحيفته، دعوته أن يستبدلها بصحيفة كتبتُها له ويحملها إلى حبيبته مُزنة الشامية ذات الملامح الأندلسية ، ملكة الشمال الأشهل ، عوض عامل الملك على الحيرة .
جاء في الصحيفة البديلة ما يلي :
"هل يستطيع النهر تغيير مجراه حتى أُغير قدري عن الموت المحتوم؟لم يفكر أحدٌ ، من قبلُ ، كيف تشكلت تلك العلاقة أول مرة بين الماء والمجرى ..وليس بين النهر والنهاية .
ليس عبورا أو انفلاتا وجدانيا ، بل دهشة ربانية .

[الـنــهــر ظـمــــــــــــــــــآن لثــغـرك الـــعـــــــــــــــــذب
قل لي إلى أين المســـــــــــــير في ظلمة الدرب العســـــــــير
طالـت لياليـــه بنـــــــــــــــا والعمر لو تدري قصيـــــــــــر ]

أنا شاعر أحلمُ بحرث الأرض وبذرها بالكلمات.ولما أموت أحب أن أكون بذرة أخرى في بطن الأرض الرحيم ، قصيدة دالية تتدلى منها أيامي العذبة .

التاريخ الذي يضرب في الجذور ، ليس عابرا لأني حينما أفكر فيك أشعر بالفرح (شعورا ومذاقا) في كل مكان لا يهمُّني والدك ابن الرقاني أو المتلمس خالي .أنتِ من يترك حرارة في اللسان وعذوبة في الكلام .
الشمس التي تطلع يوميا منذ أن رفع آدم نظراته الطاهرة بحثا عن نصفه الأزلي وسط زمان ومكان لا محدود ...ليس عابرا .
المطر الذي يهبط منذ بدء العالم ويضرب الأرض حبا وغزلا ليس عابرا .
كذلك أنتِ التي أوجدها الله في هذا الزمان لاختبار الوجدان ..لستِ عابرة أبدا .

[أخـــاف أن أمـشـــــــــــــي فــي غربتـــي وحــــــــــــدي
آه مـــن الأيـــــــــــــــام
آه لم تـعط من يهوى منــــــــــــاه
ما لي أحــــــــــــــس أنني روح غريب فــي الحيـــــــــــــــــــــــــاة
أخـــاف أن أمـشـــــــــــــي فــي غربتـــي وحــــــــــــدي]

***
أتمنى لو ينامُ العالم لجزء من الثانية ، توازي رمشة عين بها كحلٌ وبراءة الشفق ، وحينما تنقضي تلك المدة الزمنية التي هي ذرة لامرئية ، يكون ربيَّ اللهُ قد عدَّل في الزمان بقدرته، وهو القادر المانح العزيز المدرك والمستجيب ، بعد رمشة العين تلك، سنجد أنفسينا – أنا وأنتِ – وقد صرنا مثل سفينة عائمة ..
ألا يا ثاني الظبــي * * الذي يبرُقُ شنفاهُ
ولَولا الملكُ القاعد * * قد ألثَمَني فـــــاهُ.

***
حينما التفتتُ إلى صديقي ثابت بن أوس العدواني وجدته منهمكا في قراءة رقعة جلد قديم، له لون مثل لون جلدي ، كُـتِب عليه الجزء الضائع من رحلتنا إلى الشام وقصائد مجهولة لطرفة بن العبد .
قال لي :
- لقد ضللنا أعمارنا وراء الملك الضليل ، ثم عُدنا نرافقُ طرفة في رحلته الأخيرة ؟
قلتُ له :
-بل لبسنا جبة امرئ القيس التي هي علينا حتى الآن .وركبنا فرس طرفة للقفز فوق ظل الزمن.
• أنا والفجر ونوار اللوز

وصلتُ مكَّةَ قبل الفجر بوقت معلوم عبر رحلة مِعراجية من الرياض إلى جدة، ثم برا في حوالي ساعة وقليل إلى مكة .وكان الظلام مرفوعا غير عاقل .رتبتُ بسرعة حقيبتي في فندق قريب من الحرم ثم خرجتُ في إحرامي حافيا عاري الرأس كأني ذاهب إلى نبع حياتي لتفقُّد دهشاتي الأولي ودفاتري التي دوَّنَ فيها ملاكي ، بإذن ربي مالك الروح ، كل آثامي وخطايايَ الخفيفة منها والثقيلة .
دخلتُ دربا سرتُ فيه وحدي ، متعجلا بمهل.عقلي يتأمل وأنا أمشي على خطوات الأنبياء منذ سيدنا إبراهيم الذي مرَّ شامخا ووحيدا قبل أن يملأ العالم بذريته الصالحة ..

من هنا كان محمد (ص) يُجالس أصحابه ورآني منذ ذلك التاريخ في هذا المكان .

أتقدم مثلما تتقدم الأمطار من السماء نحو الأرض ..المطر هو الأشد عطشا للاندساس والذوبان في التراب .

بيني وبين باب الملك عبد العزيز خطوات فقط .استبدَّ بي شوق الأطفال لأثداء أمهاتهم ...للحليب الساخن ..لحبات الرمان بلذة البراءة ، بمذاق القرنفل وورق البسباس البري وصوت الوحيش المختلي منذ زمان ، بحنين الشفق الشفيق إلى مخابئه السرية .

هكذا كان إحساسي ، سخونة في هويتي تجتاح كل جسمي ، فلم أعد أتحكم فيه ؛ فقط خطواتي تقودني وأنا لا أبصر سوايَ في خط مستقيم أهش على روحي التي تسبقني ثم تلتفتُ نحوي تستعجلني ..
تستعجلني أن أفتح قلبي وقد صرتُ على درج الباب أرى الكعبة شامخة فترتعد فرائصي ويملأ الدمع عينيَّ والعرق يتصبب مني مدرارا وقد فاضت دموع العين مني صبابة حتى بلَّ دمعي روحي .
اندفعتُ بعدما جدّدتُ النية في الاعتمار ،ودخلت وسط جموع أحباب الله والرسول من كل الجنسيات ، أطوف طواف العبد المستغفر .أطوف كأنني في أول حياتي خلف سيدنا إبراهيم نرسم الخطوات التوحيدية الأولى لعقيدتنا .

كأنني في أول حياتي خلف سيدنا محمد في وداعه لنا.. أردد ما يردده وأتمنى ما يتمناه.

سبع دورات كنتُ فيها ملفوفا بسبع لفَّاتٍ ثقيلات بالآثام والذنوب وفي كل طوفة أستغفر ربي وأدعوه أن يغفر لي سهوي وانشغالي عن حقوقه كما يغفر لي سوء تقديراتي وشططي عن قصد أو غيره .

في كل طوفاتي السبع حضرتني سبعة واجبات بترتيب عفوي بدءا بحقوق ربي عليَّ، وحقوق والديّ ثم أبنائي ، يليهم أساتذتي الذين علموني وأخرجوني من الجهل إلى النور ومكنوني من تعبيراتي وربُّوني على القيم وعزة النفس .وكذلك حقوق وطني بدءا من القبيلة إلى المجتمع، وأخيرا استغفرتُ ربي مما اقترفتُ في حق أصدقائي وحق كل الذين أعرفهم أو لا أعرفهم .
أحسستُ وأنا أُنهي دوراتي كمن دخلت في البدء وعلى كتفي جبالا رواسي، وخرجت رشيقا ..كمن صرت شجرة لوز في جبل عال بنوار أبيض أو غيمة حرة تحملُ روحها وتسبحُ في كون الله.

اقتربتُ من الكعبة ، تلمستُها وقبلتُها في المكان الذي تلمَّسَها وقبَّلَهَا صاحبي ، ولم أشأ أن أخبر أحدا أنني شعرتُ خلال طوافي بارتفاعي عن الأرض مثل نبي يأخذه الله إلى جواره أو كنوَّار أبيض مشبع بعسل .لم أصدق ما أنا فيه ، لذلك كنتُ منقطعا عن كل ما هو زائل ومتصلا بما عرفَته روحي من مكمنها وكأن أياد أبوية لا مرئية تشدُّني وتحملني من إبطي .

ثم أعلنَ المؤذن قيام صلاة الفجر المكي لكل العالمين فأقمنا راكعين ساجدين خاشعين بشموخ لا محدود للرب الواحد الأوحد ، وسط غبش الفجر المتسلل من جبال وشعاب كل الجزيرة. وبعد انتهائنا من الصلاة أتممتُ السعي وباقي الفروض .

كنتُ في حالة انتشاء مُفرطة .ذهني خال من كل ما أفسدته الأيام ...فقط أفكر في ما كان يفكر فيه سيدنا إبراهيم لحظة انتهى وطاف وفي كل ما كان يفكر فيه سيدنا محمد يوم هبوطه من غار حراء .بل راقني رؤية أن طوافي في تلك اللحظات الجليلة قبل انبلاج أولى نوَّارات الفجر الأبيض قد أشعرني أن من كانوا حولي هم أصحابي على مر العصور ..وجميعا كنا خلف صاحبي.
***
أحس بدبيب قوي يضخُّ الحياة في ذاكرتي ، فأشعر، ولأول مرة، أنها بثلاث طبقات تَسَعُ أرشيفا بألوان مختلفة ، جزء مُغلق يثوي أزمان وحيوات سلالاتي ؛ وجزء ثان به حياتي مذ ولدتُ حتى اللحظة التي أنا فيها ؛ أما الجزء الأخير المثير فهو الذي يختزنُ ما سيأتي من أزماني ، وأنا هنا ، في هذا المكان الذي اختاره الله لانطلاق النور والحياة.


أنهيتُ عُمرتي ، وعدتُ إلى غرفتي .استحممتُ وتناولتُ فطورا خفيفا من حليب بارد وتمر وخبز شعير لأرجع إلى حالات الذهول؛ أرى ببصري في مشهد لا يقبض عليه بالكلام ، كل الأزمان التي سبقت هذه اللحظة .

وأنا أغادر مكة في اتجاه مدينة جدة للعودة إلى المغرب ، كانت السعادة تغمرني بالكامل ، وفي العمق البعيد هناك حزن صغير يقبع بدواخلي، لكوني لم أستطع إقناع اللجنة التنظيمية بتدبير إضافة ثلاثة أيام أخرى أطوف فيها دروب مكة وكل الأماكن التاريخية والدينية وأزور المدينة المنورة .
لكنني كنتُ أعود لأعزي النفس بأن الفرصة ستأتي مرة أخرى وربما بشكل أحسن بكثير .
***
قال لي : يا شعيب يا ابن محمد ، عليك بالدقة والوضوح فأنتَ في أرض الحقيقة والأحرار لا تحتاج إلى الاحتمال .
قلتُ له: أنا في حاجة إلى غار تستريح فيه روحي .أمكث به ساعة أو دهرا كاملا أناجي ربي، أبوح له بذنوبي ..أنا العبدُ الخطَّاءُ في حق نفسي وأرضي وهويتي .
أريدُ أن أكون في غاري عابدا مُطْلقا ، أُدَوِّنَ حياة أمتي وأحلامها متأملا في من نكون ..هل نحن نور الأنبياء أم رمادهم الساخن أم صوتهم الساكن في أكباد الأزل ؟
لَوْ تَمْنَحُنِي ، رَبِّي، فُرْصَةً أُخْرى ،وَأَنْتَ المَانِحُ بِلا حِسَابٍ ،لَطَلَبْتُ أَنْ أَحْيَا وَأَمُوتُ كَمَا كُنْتُ دَائِمًا فِي حياتي خلال كُلِّ العُصُورِ وَالأَزْمَانِ .

chouaibhalifi@yahoo.fr




الخميس، مارس 11، 2010

حول رواية مجازفات البيزنطي لشعيب حليفي



عبد الفتاح الحجمري

مَلائكةٌ تُدَوِّنُ أسْفارَهَا بِدُون تَأْوِيل !


المُجازفاتُ،عند شُعيب حليفي،رواياتٌ قصيرة جدا ترصُدُ مسار شخصيات رئيسية ومعلومة؛ المجازفاتُ رواياتٌ مستقلة ومتقاطعة ومتعانقة في الأسلوب وعوالم الحكاية والكتابة.يقترح علينا حليفي في روايته"مُجازفات البيزنطي"(منشورات القلم المغربي 2006) أربع روايات قصيرة جدا لكلّ واحدة شخصية محورية. في الرواية الأولى:محمد العيار؛في الرواية الثانية:العيساوي؛في الرواية الثالثة:أحمدالعباوي؛في الرواية الرابعة:مصطفى الخمري.

أربع روايات قصيرة تؤثث المشهد الحكائي،اختار السارد أن يحكي عن تجربة هذه الشخصية أو تلك، وينقل بعض أخبارها لمّا تلتقي يوميا بمقهى بيزنطة حاملة معها اغترابها وقنوطها وهي تدخن الكيف، وحيرتها ومرارتها وهي تشرب الشاي.

تكشف قراءة هذه الرواية عن خاصية الاقتصاد السردي الذي يقرنه شعيب حليفي بالإيحاء حينا والترميز أحيانا أخرى؛وللاقتصاد وظيفة حكائية مدارها تشذر أسلوب السرد وهو يتطوّرضمن هذه الروايات القصيرة في اتجاهات مختلفة ولا نهاية لها.

"مُجازفات البيزنطي" رواية مركبة من روايات قصيرة،هؤلاء أبطالها:

1

عمر العيار،بطل الرواية الأولى،اسمه الحقيقي سيف ولد لالة فطيمة.ابن ملتبس النسب لعمر العيار كبير الحكائين في المغرب منذ الحرب العالمية الثانية حتى هزيمة العرب (ص9). كانت أمه لالة فطيمة امرأة جميلة تلبس الجلباب وتضع لثاما بلون القرنفل على وجهها،أبوه عمر العيار يروي حكاياته عن سيف بن ذي يزن . ولما خرج ذات فجر بعدما توضأ وصلى طلب منها أن تسمي الوليد سيفا،ثمّ اختفى مع قيام حرب يونيو.صبرت فطيمة وانتظرته لثلاث سنوات،دون أن تقدر على المزيد،فتركت سيفا عند أختها.يخبرنا السارد أن عمر العيار تربى وسط أبناء خالته حتى حصل على شهادة الإجازة في الاقتصاد،لكن ظروف طرده من طرف زوج خالته وأبنائها جعله يختار نسيان كل شيء،وقبول اسم والده عمر العيار اسما جديدا له بدل اسمه الحقيقي سيف ولد لالة فطيمة.وهو يسكن الآن مع ليمان صاحب مقهى بيزنطة ويعمل عنده نادلا.

تبدو سيرة عمر العيار مرهونة بحدود رابط ملتبس بين الوحدة والعلاقة لطرد الضجر وألوان النحس التي تطارده مثل ما وقع له يوم سبت،أمام بائع الصوصيت،وهو يتأبط حبيبته في انتظار خبزهما وسط الأدخنة والضجيج؛وحين شدّ أحد البدو الفتاة من شعرها متيقنا من أنها هي من أخذت منه عربون الليل قبل حوالي شهر دون أن تأتي عنده.يبدأ العراك،ويدخل عمر بعده السجن الفلاحي (عين علي مومن) لشهرين متتالين؛كلّ ذلك من أجل نوايا حسنة وفتاة تعرف عليها كيف تصبغ النوايا وتكتري النهار بالليل ( ص14). بين الوحدة والعلاقة،على عمر العيار أن يحيا بدون قلب وعقل؛ لا يملك شيئا إلا هواه الذي أضحى معقودا بصبوة فاضحة ومفضوحة تضعف نبض القلب حين يدمّر الحبّ الزمن،ويكون على كلّ واحد منّا "أن يعيش أربعين عاما نبيا أو سيف ذي يزن حتى يحارب الفزاعات الكبيرة في رؤوسنا (ص15)".

لعمر العيار أحلام عالقة بذهنه على الدوام، غيبة طويلة عن مقهى (ليمان) تورطه مرة أخر مع امرأة لما رمى برأسه عليها ليواصل الأحلام في مراكش؛تهمة جديدة بخمسة أشهر نافذة.احترف عمر في شيء واحد:الانتقام من ذاته. يقينا هو لا يسعى إلا إلى علاقة متحررة مع ذاكرته وذاته ومنفاه اليومي الذي يتوعّده بالغبن وألوان مهرّبة من العشق. ألم يستبدل عمر اسمه من أجل استعادة السلالة ومجد العبارة؟

2

يروي السارد في الرواية الثانية سيرة العيساوي، ويخبرنا أنه ولد حوالي 1913 قبيل الحرب العالمية الأولى، وهو أيضا مثل محمد العيار،تربى يتيما عند خالته بعدما تركه والده دون أن يراه معتقدا بموته، كما ماتت أمه منانة.وبدوره سيفرّ م بيت خالته ويصبح مريدا وتابعا للشيخ العساس. سينخرط في الحرب العالمية الثانية ضمن صفوف الجيش الفرنسي ويشتغل في مهن مختلفة،قبل أن يجاور فنانة شعبية ويكتب لها الأزجال ويسامرها ويحقق بعض موازينها. سيعاوده الحنين إلى الحرب ليلتحق بصفوف الجيش المصري محاربا ضد إسرائيل.مثلا كان عمر العيار يحمل اسمين ، فإن العيساوي سيلتحق جنديا ضمن الجيش المغربي باسم علال العساس؛ سيستقدمه مطلع السبعينيات الكولونيل اعبابو بعد ترقيته إلى ضابط صف بمدرسة اهرمومو، ويقوده ضمن خمسة وعشرين شاحنة إلى مدينة الصخيرات في إطار انقلاب عسكري على الملك.فشل الانقلاب انسحب العيساوي مختفيا في شخصية جديدة بثلاثة أسماء: العيساوي،العسكري،الكابران... يحيا وسط الأسواق يبيع ويشتري في الحمير، ويمارس الحلقة بجامع الفنا لبضع سنوات قبل أن يصير واحدا من الرواد الأربعة لمقهى بيزنطة، يجيد الحكي ويبيع الكلام، خاصة أخبار سلالته : العيساوي الأب وجده العيساوي الكبير(ص 28-29).

يتجاذب سيرة العيساوي تذكّر ونسيان،اختناق وانفراج، تأمّل بين الحلم والعته. ترى العيساوي الأب يكتفي بالتنهّد تعويضا عن رقصة ظلّ يدفنها في نفسه مثلما دفن الكثير من الضيم والإهانات دون أن يردّ عليها... روّض نفسه حتى صار قلبه مقبرة كبيرة لدفن كلّ شيء (ص32). تغدو صورة الدفن اختصارا للمسافة وطيا للشوق، مثلما هي صورة المسخ المصحوبة بالمرارة والتيه؛والدليل على ذلك أن والده العيساوي الكبير لم يمتسخ إلى أفعى، وإنما سافر إلى الحجّ، وأثناء رجوعه استهوته تلك الرمال بالجزيرة العربية، الملأى بالأفاعي،فتاه مسكونا بالشعر والصيد وبالتهام كلّ شيء يمشي على بطنه (ص33).

عيساوي يتذكّر عيساويا آخر، ويتماهى مع ظله ووهمه.

من العيساوي الكبير إلى العيساوي الإبن مرورا بالعيساوي الأب ، وحدها الذاكرة تقدر على استعادة حيوات أتعبها زمن مكرور وبطولة سامقة لم تعد قادرة على الصمود في وجه الخراب. ولا عجب أن يعلن العيساوي الإبن " الآن لم أعد أحيا إلا بصدى تلك الأشواق (ص41)" ؛ ويتساءل : " هل نساند الماضي للتشفي في الحاضر أم من أجل فهمه فقط؟(ص43)".

لكلّ عيساوي إعلانه وسؤاله وتاريخه. لكلّ واحد منفاه وذكراه ... حقيقة واحدة تجمع بين عيساوة هذه الرواية الثانية:" لا فرق بين الأمس واليوم، فالكثير من الأعراض والسمات ما زالت حتى الآن لم تتغير إلا نحو الأسوأ (ص51)".


3

وينقل لنا السارد في الرواية الثالثة بعض أخبار أحمد العباوي الذي أطلق على نفسه لقب النشبة. تربى بمركز الخيرية قبل أن يخرج منها إلى الحياة ويبحث عن موقع يحقق له وجودا ما دام أنه لم يستكمل دراسته ولا يتقن مهنة. من حارس كهف فوسفاطي مهجور إلى مخبر يكتشف عبث الحياة برمتها، سيتحوّل إلى روائي يتلق تاريخا كاملا لمرحلة سقطت في براثن الكذب (ص67).

تلعب الصدفة في هذه الرواية دورا بارزا في رسم حدود مجازفات أحمد العباوي؛الصدفة التي تعْدل القدر واللحظة النادرة،مثل تلك اللحظة التي سيسمع فيها العباوي خطو أشخاص يخزنون أسلحة نارية وبيضاء ومعدات على مقربة من مكان أثير اعتاد الجلوس فيه مساء خارج المدينة ليشرب زجاجة نبيذ.سيروي العباوي الحكاية كاملة للجنرال بعدما يلحّ على لقائه في ساعة متأخرة من الليل. وتتجاور هذه الصدفة عند العباوي مع طموحات قديمة كانت تيسّر له رسم الخطط حين سيشغله رجال الأمن المكلفين بمراقبة القطاع التلاميذي بمهمة التربص وتدوين التفاصيل والتحركات وأجواء الإضرابات. وتتخلل هذه المهمة حكاية جميلة بينه وبين يوسف الغواتي وفاطمة الحمري.

4

تحكي الرواية الرابعة سيرة مصطفى الخمري، في الخامسة والستين من عمره،؛يحظى بتقدير كبير في مقهى بيزنطة التي يجلس فيها يوميا مع أصدقائه، يدخن الكيف ويستمتع بحكايتهم القديمة. هو عند بعض أصدقائه ورواد المقهى مجنون ومشرد ولكنه مسالم؛ عند البعض الآخر كاتب له مجموعة من الدواوين والمسرحيات والروايات (ص81).

بهذا تكون الكتابة عند مصطفى الخمري قدرا يوميا للبحث عن كلمات محددة قادرة على وصف " طهرانية الأحلام". يبدو الخمري منشغلا بأسئلة وجودية :" هل نحن فعلا جيل يمكننا أن نتواصل مع الجيل السابق؟ أم أن ما يوحدنا هو الشتات والتيه والخيبات، فسرعان ما راكمنا دزينة إخفاقات؟ (ص85)". مصطفى الخمري كاتب يختار جمله بعناية لكي يقول الحياة. هو القائل:" أنا ألتقط بعيني الزمن العابر والمختل،أدونه وأعيد رسمه حتى أفهم ما يدور حولي (ص93)". وإذا لم تسعفه العبارة أو استعصى الفهم يمكنه أن يرمي الرواية، وقد فعلها ذلك الصباح حين " فتح الباب.رمى الرواية.أغلق الباب (ص105)". هذه هي المرة الأولى التي يحسّ فيها أنه لا يتفق مع أحداثها ومسارات شخصياتها، أقلقته كثيرا وعوض الدفع بها إلى الناشر،قرّر –دون عناء كبير في التفكير- التخلص منها. هل خذلته الرواية؟(ص 106). الأكيد أن روايته الأخيرة ملعونة؛ بطلها سعيد الطالبي لم يخل يوم في حياته من نحس. واليوم أحس بنحس مضاعف حين رمى مصطفى الخمري بالرواية، ما عليه إلا الانتقام من المؤلف ، فلا يعقل أن يمضي الإنسان جزءا كبيرا من حياته في الخيال !

5

ملاحظات موجزة برسم الاختتام:

1. تبدو شخصيات رواية "مجازفات البيزنطي" لشعيب حليفي قريبة من الهزيمة والخسارة،لذلك فهي تلجأ إلى الوهم علّها تسترجع بعض اليقين.

2. تستثمر الرواية الإيحاء والترميز والتشذر بقصد. أَ لِأَنها نصّ حكائي مشغول بسؤال المصير لمّا يحوّله إلى قدر جارح وضاغط ؟

3. يأتي تنوّع الأصوات والرؤى السردية في الرواية مصحوبا بتضعيف الكتابة وقلب الأدوار الحكائية من الحضور إلى الغياب، ومن السّر إلى العلن.

4. المجازفات ، في رواية شعيب حليفي،مفارقات، لذلك تجد كلّ الشخصيات نفسها في مواجهة أسئلة تصوغها بكبرياء وبغير قليل من السخرية السوداء.

5. المجازفات معناها:عدم انتصار الواقع على الخيال، و قدرة الخيال على التحوّل إلى ندّ للواقع؛ بعد قراءتي لهذه المجازفات تحصّل لديّ الاقتناع بأن الواقع والخيال عالمٌ واحدٌ يكتنفه النسبي في كلّ شيء: لا بطولة مطلقة؛ ولا زمن لملاحم الماضي والتاريخ الراهن.

6. المجازفات كبوات:في الرواية وصف دقيق لمعنى الحرمان والانكسار العاطفي واليأس.

يقينا... لمّا انتهيتُ من قراءة رواية شعيب حليفي "مُجازفات البيزنطي" أدركتُ أنّ لكلّ رواية مُجازفة تحْمِيها.

شكرا " بويا" على هذا السرد البديع

الخميس، مارس 04، 2010

رسالة إلى المثقف المغربي



شعيب حليفي


في سياق احتجاج المثقفين المغاربة :

التفاف غير مسبوق حول مبادرة احتجاج المثقفين المغاربة على التدبير الثقافي وما استتبعه من مُعوقات ، والرغبة الفاعلة التي عبَّر عنها عدد من المثقفين للانخراط في إطار "المرصد المغربي للثقافة " .

اقتناعا منا بالقيمة الاعتبارية والرمزية للمثقف ، وإيمانا بدوره التأسيسي والتأطيري لكل المبادئ الإيجابية ، ووعيا بالتحولات غير المريحة التي يعرفها المشهد الثقافي المغربي ، وتقزيم دور الثقافة والمثقف، وبرغبة نابعة من رؤية ثقافية تعكس الروح الشفافة والثائرة والنزيهة للمبدع والمفكر بعيدا عن ضغوطات لعبة السياسي والثقافي في علاقتهما بالسلطة،والتي عرفها المغرب في العقد الأخير حيث قادت إلى اختلال آن الأوان لتصحيحه والعودة إلى وعينا المُعبر عن الدور التاريخي للمثقف تجاه ثقافته ومجتمعه ،

انخرطنا في الإعلان عن تشبثنا بصورة المثقف الملتزم بقيمنا التي شكلت وعينا الجماعي وحسنا المتوثب بعيدا عن الارتماء في أحضان السلطة وإغراءاتها الوقتية، وبعيدا عن الخضوع لوصفات تبرر التحولات الجديدة لصالح قيم جديدة .وأعلنا انخراطنا في قرار يُعيدنا إلى واقعنا الذي لا زيغ عنه، وقلنا إننا سنقاطع كل أنشطة وزارة الثقافة المغربية، ولن نشارك في كافة برامجها المباشرة وغير المباشرة كما سنمسك عن التقدم لجوائزها ... ودعونا إلى تثمين هذه الدعوة التي تُحررنا من سبات أليم.

وفي انتظار بلورة أفكارنا بوضوح،لا لبس فيه، ضمن ندوات سنعقدها في عدد من المدن المغربية خلال ما تبقى من السنة ، شرعنا في التهيئ لندوة الدار البيضاء في شهر أبريل والتي سنتطارح خلالها ، وفي ترفُّع عما هو عابر ونزقي، أسئلة الثقافة المغربية اليوم ، وأدوار المثقف في المجتمع ، ثم موقفنا من علاقة المثقف بالسلطة وقد تحول إلى خبير وداعية لأفكارها التي لا تلتقي بالقطع مع أفكارنا ، وتحول إلى منظر ومدافع ومهيمن وأحيانا ناكر ومتنكر ، جاحد ومزيف ، يحلل ويحرم ، يكره ولا يحب .

نريد مناقشة كل هذا في ضوء الوقوف عند فشل السياسة الثقافية والتدبير الارتجالي المزاجي للقطاع الوصي على الثقافة .

في هذا السياق الأولي ،نناشد كافة المثقفين المغاربة الراغبين في هذا التطلع المتحرر مما راكمته المرحلة السابقة التي ناهضت أصواتنا..إلى الاحتجاج والتعبير عن انخراطهم في هذه الدينامية والتوقيع عليها على العنوان التالي : bilmirssad@gmail.com ومشاركتهم في النقاش الذي سيتم تنظيمه بالعديد من المدن المغربية.


نادي القلم المغربي - الدار البيضاء
penmaroc@yahoo.fr


penmaroc@gmail.com



الجمعة، يوليو 03، 2009

الرحلة إلى طرابلس : كَازَابْلانْكا- تْريبُّولي ذهاب وإياب

شعيب حليفي

• مقدمة العقد
في كل رحلة تتحقق لي فرصة للتأمل وبناء الأفكار واستيضاح الرؤى ، وقد عدتُ إلى نفسي في صيف حار فنويتُ السفر إلى طرابلس الليبية بعدما كنتُ، وخلال سنة كاملة، مُتبرمًا من الانتقال خارج الوطن ، أجد من الأعذار ما أُقنع به نفسي وغيري .
كانت أمامي ، هذه المرة ، لقبول الدعوة ، أسباب أعتقدُها مقنعة لي .أهمها انتهائي من ثلاثة أشغال..فقبل شهر انتهى موسم الحصاد في جو مشبع بالصهد والغبار الحارق والتعب الذي أشعرني بإرهاق شديد .كما انتهى الجزء الأكبر من امتحانات طلبة الإجازة والدراسات العليا ومن مناقشات البحوث ، وأخيرا انتهاء أنشطتنا الثقافية.
كما انجذبتُ إلى رغبتي في الكتابة ، بتقييد هذه الرحلة ، بعدما انتهيت قبل ثلاثة أشهر خلت من كتابة آخر حلقة من اليوميات والتي كنتُ أدونها في نهاية كل شهر خلال عام كامل ، فشعرتُ بالرغبة في كتابة شيء آخر له علاقة بما هو ثقافي ، يعكس مشاهداتي برؤية مفتوحة ...فتشجعتُ وعقدتُ العزم والحزم ، وفي يقيني تدوين "نص رحلي " يأخذ شكل رُحيلة مروضة، أكتبها بروح روائية .

• أقول ما قاله في خاطره
يوم السبت عشرون يونيو ، قمت باكرا ، متجها نحو مدينة سطات . وجدتُ بالبيت والدتي التي كانت لا تزال نائمة من تعب خفيف أَلَمَّ بها .جلستُ إلى جوارها نتحدث ونحن نتناول فطورنا ، كما رتبتُ لأخذها ، بعد رجوعي ، لإجراء بعض الفحوصات الطبية بالدار البيضاء .بعد ذلك توجهتُ إلى سوق السبت حيث وجدتُ بويا محمد بن عبد السلام جالسا في مكانه برحبة الأبقار يحكم –كما تعوَّد - بعدله الاستثنائي ، وهو محاط بعدد كبير من المتخاصمين .
وصلتُ في اللحظة التي كان فيها أحد الفلاحين - وتبدو عليه علامات الغفلة والسذاجة- يقدم شكواه برأس منحنية وعيون دفينة .وكان بويا ، الذي يكره المغفلين ، ينظر إليه وهو مشمئز منه ، وربما قال في خاطره :" أنتَ هنا آكُرِّيط في سوق يخشى الشيطان دخوله والمعاملة مع أهله هؤلاء ".
أتممتُ باقي يومي بسطات إلى حدود الساعة السادسة ، في قضايا روتينية بالمقهى ثم بالبادية .
كلمتُ زوجتي بالهاتف كي تهيئ لي حقيبة السفر بما خف من ملابس ، بعدما تعذر عليَّ الرجوع إلى الدار البيضاء تلك الليلة .
في الصباح وصلتُ باكرا ، وفي التاسعة خرجت رفقة علاء إلى سوق السمك والخضار والفواكه، كما أنجزتُ مهام أخرى متعلقة بالبيت ، ثم مررتُ لدى حلاق بشارع الفداء قبل أن أعود في العاشرة النصف ..استحم ثم أحمل جواز سفري وحقيبتي السوداء .

• ويضيعُ من قدمي الطريق
في الساعة الحادية عشر والربع صباحا ركبتُ القطار من محطة الوازيس في اتجاه مطار محمد الخامس ، وبعد أربعين دقيقة وصلتُه لأشرع في إجراءات السفر الأساسية ، وكان من المفروض أن تقلع الطائرة في الواحدة ظهرا ، لكنها تأخرت بأربعين دقيقة عن موعدها .
ركبنا طائرة الايرباس 320 - الرحلة 313- برفقة قائدها عبد الله طيرا. وبعد قليل صار طريقنا فوق السحاب على علو يقارب عشر كلمترات عن سطح الأرض ، في طائرة شبه فارغة ربما بسبب بعض الإجراءات التي استحدثتها السلطات الليبية تجاه دخول وخروج العمال.
كنا رفقةً في هذه الرحلة من وفد متكون من : أنور المرتجي ، أحمد حمدان، محمد الداهي ، سعيد يقطين ، عبد اللطيف محفوظ ، مصطفى الشادلي ، عبد الجليل ناظم ، وعبد ربه ، فيما سيلتحق بنا في اليوم الموالي كل من محمد الفران وبديعة الراضي وهي أديبة وصحفية ملحقة بالسفارة الليبية بالرباط ، باقي المشاركين المغاربة هم من النقاد والباحثين الذي يشتغلون بالجامعة المغربية ولهم تآليف في النقد .
جلستُ بالمقعد التاسع إلى جوار عبد اللطيف ، وبعد ساعة قدموا لنا أكلا رديئا ، ولاحظت كما لاحظ صديقي ، في الجهة المقابلة لنا شابة محجبة في حوالي الثلاثين من عمرها ، تحمل بين يديها مصحفا شريفا في حجم كف اليد، تقرأ فيه منذ ركوبنا الطائرة ، لكنها قبل نصف ساعة عن الهبوط بدأت تتخلص من كل ما كان يوحى بالجو الديني الذي كانت مستغرقة فيه ، وأخرجت عُدةً كاملة من أدوات التجميل القادرة على تغيير ملامحها من امرأة مستترة وهادئة إلى أخرى فاضحة .
هبطت بنا الطائرة في مطار طرابلس العالمي في الساعة 4.25 بالتوقيت المغربي (التوقيت الليبي المحلي يزيد بساعة عن توقيتنا) .استقبلونا بحفاوة كبيرة ثم ركبنا الحافلة المخصصة لنا نحو فندق باب البحر حيث آويتُ مباشرة إلى غرفتي بالطابق الخامس غرفة رقم 523 قبل أن أنزل للقاء باقي الوفود وتناول طعام العشاء سويا ، والبقاء منتشرين على الكنبات الموضوعة ببهو الفندق إلى ساعة متأخرة من الليل.
يقع فندق باب البحر بوسط المدينة ،يطل على شاطئ البحر المتوسط ، وهو ثاني أكبر الفنادق بالعاصمة بعد الفندق الكبير ، يحتوي على أربعة عشر طابقا وعلى كافة التجهيزات الضرورية ، وقد وجدناه يعج بالحركة كأننا في "سوق عام "،به ثلاثة مؤتمرات يشارك فيها عرب وأفارقة وأجانب .
كنا حوالي ثلاثين مشاركا من المغرب والجزائر وتونس والبلد المنظم في المؤتمر الذي قدِمْنا للمشاركة فيه وهو حول (علوم السميائيات وتحليل الخطاب: معالم وآفاق ) والذي ينظمه مجلس الثقافة العام .

• أنا حر في تريبولي
يوم الاثنين ، هو ثاني يوم لي بليبيا ، وكان نهارا حُرا لأن أشغال المؤتمر لن تنطلق إلا في الغد ، لذلك نزلتُ من غرفتي في الساعة التاسعة صباحا ، تناولتُ فطورا خفيفا ، وفي بهو الفندق كان كل الضيوف يتبادلون الحديث ويستعدون للخروج في جولة جماعية منظمة عبر الحافلة إلى المدينة القديمة .
في النهاية خرجنا رفقة الوفد الجزائري حيث تجولنا وتحدثنا وعُدنا في الواحدة والنصف فتناولنا وجبة الغداء وصعدت إلى غرفتي في قيلولة فسيحة .
في الخامسة نزلت البهو وكنتُ مع عبد اللطيف نتهيأ للخروج في جولة متحررة فلفتَ انتباهي شاب يقف وحده ينظر إليَّ فأشرتُ إليه برأسي مُسَلما ثم تقدم نحوي .سلم علينا بحرارة كما لو كان يعرفنا . اسمه سيد العزيز كما قدم نفسه لنا.ثم سألته عن بلده ، فضحك وقال لنا بأنه مغاربي إفريقي ، جاء لتتبع أشغال المؤتمر وسيكتب متابعة لجريدة القدس العربي .
كان منشرحا ، ولما علم أننا عازمون الخروج اقترح علينا مرافقته إلى مقهى نُحبها .
كنتُ منتبها لكلامه ، فجملة "مقهى نحبها " أمر جعلني أرتاب من شخص نتعرف عليه في بضع دقائق ويُشعرنا بأنه يعرف ماذا نحب وماذا نكره .
وصلنا إلى مقهى بلا عنوان يميزها ، لا يجلس فيها سوى بعض العمال والمعطلين من مصر والمغرب وتونس ، وجوه متعبة ومستسلمة بعضهم أخذه النوم والبعض الآخر يشرب شايه أو يدخن الشيشة .
مقهى شعبي على الرصيف بجادة عمر المختار الممتد من شارع الرشيد والمتقاطع مع شارع درنة ، ذو مساحة صغيرة يحمل رقم 147 ، محاذ لمقهى هويدي ، وهما معا في ملكية المصريين.
لم نجد مكانا فارغا بالكراسي الخارجية السبع ، فدخلنا إلى رحابة ذلك الضيق اللافت . جلسنا بالقرب من صاحب المقهى وهو مصري يدخن الشيشة وينظر إلى الزبائن بعين الشفقة. ومن حين لآخر ينادي على "بِلْيا" صبيهُ المصري .كما تعرفنا على النادل عبد السلام وهو مغربي اعتقل لمرتين ، لا يملك جواز سفره الذي تحتجزه سلطات الجماهيرية .
طلبنا شايا وقهوة بينما طلب سيد العزيز شيشة .وخلال ثلاث ساعات وربما أكثر بكثير ، ونحن جالسون نستمع إلى حكايات عبد السلام وباقي "الوفد "المغربي العامل .ولكن بعد "التبديلة الثالثة" أو السابعة لشيشة سيد العزيز (وقد صرنا نناديه ب"مولايْ لَعْزيز") شرع يعترف لنا بأنه لم يأت لمتابعة أشغال المؤتمر ، ومهد لنا بأن مؤتمرنا هو جلسة للطلاسم والأوهام والكلام الفارغ ، وقال حرفيا :بماذا تفيد السيميائيات في حل مشاكل هؤلاء العمال المنشورين مثل أشباح تاريخية .
استمر ينتقد المؤتمر الذي لم يبدأ بعد ونحن نضحك ونعلق على سخريته وشوقنا معلق على ما سيقوله بعد هذا التمهيد .
اعترف بأنه يحب فتاة ليبية سوداء البشرة ، تُدعى سمدونة وهي ضمن اللجنة التحضيرية للمؤتمر.وكان يصف الأمر كأنه قضية مصيرية لوجدان يحترق .
لم أعره انتباها وواصلنا الحديث والاستماع إلى الأغاني الصادحة من جهاز معلق في ركن حزين ومشبع بالغبار .لكن صوت محمد عبد الوهاب ينتفض وهو يقول :

لا لا لا تكذبي إني رأيتُكُما معا
وَدَعِي البكاء فقد كرهتُ الأدمُعا
ما أهونَ الدمع الجَسُور إذا جرى
من عينٍ كاذبة فأنكر وأدعى وأدعي
إني رأيتكما.. إني سمعتكما..

• قاتل وعابد ومذنب
استفقتُ في السابعة والنصف ، وبقيتُ في فراشي بعدما استحممتُ بماء شبه دافئ ، إلى غاية الساعة التاسعة ، أقلب حينا في الكتب التي سلموها لنا من دراسات وقصص وأشعار لأدباء ليبيين ، وحينا آخر أبحث في القنوات التلفزية عن آخر الأخبار .
لم أتناول في فطور الصباح سوى الياغورت وبعض الزيتون فقط .وفي طريقنا إلى قاعة الندوات جلست في الحافلة بجوار سعيد يقطين، الذي يستمتع المتحدث معه ويتعلم ، وكنا نتبادل أطراف الحديث حول الثقافة الشعبية المغاربية. فروى لي بالمناسبة ،وفي سياق التمثيل للثراء السردي الشعبي، الحكاية التالية :
" يحكى في زمن سابق، أن رجلا فقيرا كانت له زوجة ودزينة أطفال فعانى في إعالتهم ووجد صعوبة كبيرة في الاستمرار رغم إن إخوته وأبناء عمومته من الأغنياء . و ذات ليلة قرر الرحيل ، دون أن يخبر أحدا ، باحثا عن الله ليسأله تغيير حاله من الفقر إلى الغنى .
أثناء مسيره وهو يخوض في الفيافي والصحارى ، وبعد أيام طويلة ..عثر في طريقه على خيمة تقف أمامها امرأة . صرخت في وجهه كي يهرب ويفلت بجلده لأن زوجها لو حضر ووجده فسيقتله ليستكمل به وعدا قطعه على نفسه باستكمال مائة ضحية وقد بلغ التسعة والتسعين .
وبينما هي تحدثه لاح طيف زوجها من بعيد ، فأدخلت الغريب بسرعة وخبأته في ركن مهمل ، ولما حضر زوجها سألها فطلبت منه الأمان ، وقالت له بعدما أمنها ان بالبيت ضيفا غريبا .
رحب به وتناولا طعاما وسلمه كسوة ونعالا استبدل بهما ما تقطع عليه ثم أمره بالرحيل فورا عن المكان وسأله عن وجهته فأخبره الغريب بأنه في البحث عن الله ليسأله .فطلب القاتل من الغريب أن يسأل الله عن مصيره.

واصل الغريب السير لأيام أُخَر قبل أن يجد خلوة معزولة بها عابد يدفن نصفه في الأرض ،يتعبد منذ أربعين عاما ليل نهار، وفي كل ليلة يُنزل الله إليه عنقود عنب أسود وخبزة من دقيق الشعير .لكن الملاك الحنون وبأمر من ربي الكريم أنزل في ذلك اليوم، بالإضافة إلى ما كان يأتي به، نصيب الضيف الغريب من عنقود عنب أبيض وخبزة من دقيق القمح .فطمع العابد في تذوق الطعام المغاير لطعامه واستبدلها مقدما للغريب العنب الأسود وخبزة الشعير .وفي الصباح طلب العابد منه أن يسأل الله هل أدرك الجنة أم لا .
في مسيره ظل الغريب يبحث داخل نفسه عن الشعور اللذيذ الذي بدأ يستشعره رغم المعاناة، وهو ما خفف عنه أهوال الطريق .وفي اليوم السابع عن خروجه من خلوة العابد أبصرفي الصحراء العارية ، ووسط الرمال الكادية رجلا يدفن جسمه عاريا إلا من رأسه المتبقي، فاستغرب لحاله وسأله، فقال له بأن الله جعله في الدنيا كلما لبس لباسا إلا ونزعه عنه حتى أصبح عاريا بين الناس، ولما دفن نفسه في هذه الرمال أحس بالستر رغم العذابات التي يحياها .وطلب منه أن يسأل الله عن مصيره .

غادره وواصل سيره في اتجاه مشرق الشمس دائما، وفي اليوم المائة وبينما هو يستريح أسفل شجرة زيتون نزل عليه ملاك بإذن من ربي القدير على كل شيء يحدثه عما يسأل الله .فقال الغريب بأنه يسأل أسئلة الرجال الثلاثة الذين لقيهم، فقال له الملاك: إن الله يقول للأول بأنه قد غفر له كل ذنوبه وجعله من الأولياء .أما الثاني العابد فيقول له ربنا العليم بأنه لن يدرك الجنة حتى ولو عبد الله العمر كله . ويقول للثالث المدفون في الرمال عاريا بأنه إذا لم يحمد ربه على ذلك الستر فسيرسل إليه ريحا صرصرا تطارده أينما حل وارتحل .
وعن سؤال الغريب قال له الملاك بأن الله يدعوه إلى العودة وسيجد ما يريد ."
***
لو أردتُ كتابة هذه الحكاية من جديد فإنني سأضيف إليها ما يلي :
- أجعلُ للرجل الغريب اسما ،مع مقدمة في البدء تبرز أنه فَقَدَ كل ما يملك في جائحة من جوائح الزمان.
- أجعلُ خروجه بعد حلم رآه حتى يبدو مطبوعا ببعض التخييل الرائق.
- التوقف عند الشخصيات الثلاث (القاتل والعابد والمذنب ) وسرد حكاياتهم التي تجيب عن سؤال: كيف آلوا إلى ما هم فيه؟ .
- التغيير في نهاية الحكاية حتى تبدو منطقية، بحيث وهو عائد بعد وعد الله له ، يجد كهفا لم يره في مسيره الأول فيقرر المبيت فيه حتى الصباح .وبداخله سيجد تلاليس من الذهب والمال محملة على مائة جمل تنتظره ليسوقها .
سيد العزيز يغني
وفي العاشرة وصلنا إلى مبنى قاعة المحاضرات بوسط طرابلس .وفي قاعة بالطابق الثاني افتتح المؤتمر أشغاله بكلمة أمين عام مجلس الثقافة العام سليمان الغويل مرتجلا كلمة صادحة ببديهة مثقف رفيع المستوى متمكن من التراث العربي ومن العلوم الحديثة بفصاحة وسلاسة .كما كانت كلمة صديقنا محمد عبد الحميد المالكي في نفس السياق الممهد لأرضية المؤتمر،مرحبة ومعبرة عن مشاعر الأخوة والتواصل.
استمرت أشغال الصباح بمداخلات ومناقشات حتى الثانية ظُهرا، بعدها عدنا إلى الفندق .تناولنا وجبة الغداء ثم صعدتُ إلى غرفتي في الثالثة والنصف ، وقبل الخلود إلى القيلولة ،كلمتُ البيت فأسرعت مريم الصغيرة (ثلاث سنوات ونصف) إلى الهاتف ولما سمعت صوتي صرخت بين الفرح والبكاء تدعوني إلى العودة وأنها ستنتظرني في المساء أمام الباب .عانت زوجتي في أخذ الهاتف منها ، وهي تطمئنها بعودتي القريبة مع لعبة جميلة لها.
في الساعة السادسة عاودتِ الندوة أشغالها إلى غاية العاشرة ليلا ، فقررنا نحن الثلاثة دائما تناول ساندويش خفيف والذهاب إلى المقهى رقم 147 ( أسميناها مقهى عبد السلام وشركاؤه الكرام وعلى رأسهم بِليا المشرف على إمداد الشياشين بالنار).
كنا معا ، أنا وعبد اللطيف وسيد العزيز، بحاجة إلى مكان خال تماما من النظريات والسيميائيات والمرجعيات وكل الأقوال التي تتأطر ضمن قوالب جاهزة أو مكسرة .
سألتُ سيد العزيز عن سمدونة وهي فعلا موجودة معنا في المؤتمر وكان إلى جانبها طوال الوقت ، فرد علي بأنها قد خلبت عقله كما فعلت " العزوة "، من قبل، مع الشاعربودلير.
الجوهرة السوداء كانت طوال اليوم إلى جواره تجلس بقربه في غنج افريقي خارق وتقوم بخدمته وتغازله بكلمات أقرب إلى شعر الملحون الافريقي.
قال له عبد اللطيف : لقد وقعتَ آمولاي لَعْزيزْ في حب وجب .
غريب أمر مقهى عبد السلام ، ففي كل مرة يصادفنا صوت محمد عبد الوهاب ، يغني نفس الاغنية على العود ، حتى أني اكتشفتها أول مرة ، رغم سماعي لها بصوتي عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة .

عيناكِ في عينيه.. في شفتيه.. في كفيه.. في قدميه
ويداكِ ضارعتان.. ترتعشان من لهَف عليه
تتحديان الشوق بالقبلات تلذعني بسوط من لهيب
بالهمس، بالآهات، بالنظرات، باللفتات، بالصمت الرهيب
ويشبُّ في قلبي حريق ويضيع من قدمي الطريق
وتطل من رأسي الظنون تلومني
وتشد أذني
فلطالما باركتُ كذبكِ كله ولعنتُ ظني.

قمنا قبل منتصف الليل بقليل وعدنا إلى الفندق ، ومباشرة دخلنا في مفاوضات بخصوص البيان الختامي للمؤتمر بعدما انتدبنا السيد المبجل أنور المرتجي لهذه المهمة الصعبة لأننا نعرف قدراته في جعل نص واحد يتضمن طبقات من التأويلات أكثر من طبقات فندق باب البحر، بالإضافة إلى غرف وخزائن لا يصلها إلا الضالعون في مدارس الثوار.

• لا تفزعْ مني ..فلستُ بثائر
واصلنا ندوتنا في اليوم الثاني وكان مشحونا بتوترات خفية..كنا كوفد مغربي متعودين عليها ، بل أعتقد أننا ونحن جماعة استعدنا حياة المثقفين الثوريين وإلا لماذا اقترحنا السيد أنور (عليه السلام)ليحرك المفاوضات في اتجاهات توحي بأننا في مؤتمر قمة حاسم ، لأن أنور يمكن أن يكون في الصباح الباكرجدا ماركسيا حرفيا ، وفي الظهيرة ليبراليا ممسكا بالقضايا الجوهرية وفي المساء اشتراكيا على الطريقة المغربية لا يمسك إلا بما بين يديه وعينيه مما يجعل منه ثوريا فادحا من جهة ومحدثا في الدين والدنيا من جهة ثانية ، بل إنه في العشاء الأخير لما كنا عند السفير المغربي سيُقدم لنا الشيخ أنور شرحا جديدا لسورة سيدنا يوسف انطلاقا من قوله تعالى :" وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ".
كنتُ إلى جواره في اللحظات الحرجة من المفاوضات والتي تتحول في أحايين كثيرة إلى "مؤامرات ثقافية" مشروعة وهي في النهاية جزء من حراك ثقافي يتطلب حوارا عميقا تؤول نتائجه للذي يستطيع امتلاك لغة الإقناع .
اكتشفتُ في الصديق المالكي وهو من بنغازي أننا أخوال أبنائه ، وهو مثل كل الليبيين المثقفين والأدباء ، الخلصاء والأوفياء ، وطنيته عالية وصادقة تجاه الروح الثقافية المغاربية .كما اكتشفتُ في سيد العزيز تلك الشخصية التي تعجن الخيال بماء الواقع، أما باقي الوفد المغربي فهم حكماء ومتصوفة ، لهم مثل غيرهم من المغاربيين غيرة كبيرة على المغرب الكبير .

***

بعد الزوال، اقتطعنا جزءا مهما من الزمن للذهاب إلى مقهى عبد السلام وكان معنا سيد العزيز أيضا فتركناه يتكلم ويعبر عن مشاعره البيضاء حول جوهرته سمدونة التي اعتبرها ولية من الوليات الصحراويات الإفريقيات ، اختارها الله لتكون له في الزمان والمكان ، ثم تحول إلى الحديث عن مفاتنها السوداء وقلبها الأبيض الحر .يتكلم مسترسلا لا يتوقف إلا لكي يأخذ أنفاسا من شيشته المجذوبة وشاءت الصدف أن يُتحفنا عبد السلام بنفس الاغنية كلما رآنا ، وفهمتُ أن القرص المدمج هو لمولاي العزيز العاشق للفن ولسمدونته.
ثم يواصل محمد عبد الوهاب نقراته الروحانية على العود :

ماذا أقول لأدمُعٍ سفَحَتها أشواقي إليكِ
ماذا أقول لأضلع مزقتُها خوفا عليكِ
أأقول هانتْ؟.. أأقول خانتْ
أأقولها؟.. لو قُلتها أشفي غليلي.. يا ويلتي..لا
لا، لن أقول ، فقولي..
لا تخجلي.. لا تفزعي مني.. فلست بثائر.

صديقي عبد اللطيف صدق الحكاية وتعاطف مع مولاي لعزيز، بينما اعتبرتُ الأمر كله لعبة أو مشهدا ضمن صيرورة.
في لحظة ما ، وكان عبد اللطيف قد استشعر شيئا بحدوسه الفيلالية ، فأخذ ورقة وكتب عليها ما يلخص شعوره نحو سيد .سلمها إلي لأقرأها في المساء وحدي .
تقول الورقة وهي تصف الحالة الأخيرة التي رأينا فيها سيد العزيز :"كانت الأشياء تلهمه باستمرار وهو ينظر إلينا فيتصاعد ما يشبه البخار الروحي في عينيه وشفتيه .كان أمامنا يتلوى وهو يفكر مأخوذا بسحر داخلي يغمر وجدانه المثقوب كليل صحراوي حزين".

• أين الغربال لأرى ما أريد؟
حل يوم الخميس وهو يوم حُر تلقينا فيه دعوتين الأولى للغداء من طرف الدكتور المهدي امبيرش في برج الفاتح بقاعة طوافة، والثانية للعشاء عند السفير المغربي المهدي العلوي والذي كان حريصا على حضور افتتاح هذا المؤتمر ومتابعته من خلال السؤال وأيضا حرصه على حضورنا في دار المغرب إلى جانب سفراء كل من لبنان ومصر وسلطنة عمان بالإضافة إلى السفير الليبي بالمغرب وشخصيات ثقافية من ليبيا .
وباستثناء هاتين الدعوتين ، خرجتُ في صباح يوم الخميس رفقة عبد اللطيف بعدما تعذر علينا العثور على سيد لعزيز فتركنا له رسالة بالاستقبالات عليها رقم 147 ،وهو ما يعني مقهى عبد السلام .
تجولنا قليلا بوسط المدينة ثم توجهنا نحو المقهى وجلسنا في الكراسي الخارجية .سألنا عن عبد السلام فقال لنا" بليا"بأنه لا يشتغل هذا الصباح .وبعد حوالي نصف ساعة رأيته يتقدم نحونا ويجلس مثل أي زبون .
تحدثا في مواضيع شتى ، وفي لحظة سألته عن سيد العزيز، فأنكر أن يكون قد عرف هذا الاسم .( في تلك اللحظات كانت أغنية الشيخ الكروابي وهو يغني .. "البارح كان في عمري عشرين .. البارح كان الزمان سلطاني واليوم كِي صار خلاَّني" .كلمات بصوت حنين يحفر عموديا في الوجدان ) لكن حدسي وكلمات الأغنية حفزاني للتدقيق والبحث أكثر، وبعد نقاش فهمت ُأنه أنكر أن يكون رأى معنا في اليومين السابقين شخصا ما، وادعى أننا كنا نأتي لوحدينا أنا وصديقي عبد اللطيف .
ارتبتُ واعتقدتُ أن له مشاكل مع السلطات الليبية ، فقلت لعبد السلام بصوت خفيض :
- هل يمثل سيد العزيزمشكلة هنا ؟
- أنتما تختلقان شخصية وتريدان مني أن أعترف بها ...أنا لا أعرف هاذ مولاي لعزيز،وإذا أردتما أن أكذب وأقول إنني أعرفه ورأيته فإن المخزن ديال الجماهيرية العظمى لن يعترف لكما به .
- إذن حتى سمدونة غير موجودة آبا عبد السلام !!
- الله يجيبكم على خير .الغربة شربت عقولكم .آشْ من سمدونة ولا كرونة.لآلة سمدونة هي ولية الله وصالحة من طرابلس ماتت منذ قرون .
سألته عن أغنية عبد الوهاب فأنكر أيضا أن يكون سمع بها طوال حياته في هذه المقهى أو في غيرها.فأدركت أن الوهم قد اخترقنا عموديا ، فانشطرنا .
قمنا من مكاننا ونحن في غاية الحيرة، عُدنا بسرعة إلى الفندق نبحث عن سمدونة فلم نجدها وقيل لنا بأنا متعبة وتوجد ببيتها تتعبد الواحد القهار.
كان علينا أن ننسى بسرعة سيد لعزيز حتى لا يشكل لنا عقدة .
ذهبتُ ضمن وفد المؤتمر إلى دعوة الغداء ببرج الفاتح ثم عدتُ بسرعة إلى الفندق وأنا حزين .نمتُ لساعتين ونصف رأيتُ فيها حلما تذكرته ولما استفقتُ دونته بتفصيل حتى لا أنساه .

• أنقدتني من زيف أحلامكَ
رأيتُ في منامي سيد العزيز يكلمني بالدارجة المغربية وهو يضحك وسألني :هل أنت شعيب حليفي ؟ قلت : لا، أنا الغزواني بن محمد، ثم أحسستُ بهبوط وجداني عميق أشد حمرة من دم الحلم الذي طلاني، ومن لون الأرض والغروب والإحساس، بعد ذلك اختفى دون أن يلتفت نحوي .
حزن ثقيل تملكني، وشوق أعظم وزئبقي للقائه ، خصوصا بعدما نمى إليَّ عبد اللطيف بأن داخل تلك المقهى الخربة توجد الجنة في شكل "قصبة" بداخلها كل شهداء هذه الأرض .
-أنت اختفيتَ أم متَّ آمولاي العزيز ؟قلت له دون أن يرد علي.
مشينا في صمت تحت تدفق الغروب الذي كان حبيس إشارته، فتمددت رائحة مختلفة عتيقة قادمة من فتاة اسمها سمدونة تجلس منعزلة أسفل شجرة خروب، رأيته يقترب منها وقد نسي ارتباكه الأول وهي ما زالت في نفس عمرها الذي خلفته منذ قرون ، منذ كانت تخدم جدي علي الشاوي في قصبته العامرة ، وتشتهي النظر إليه من ثقب الابواب وهو يغازل جدتي ..فتحس كأنما أنوار الحق الطوفانية قد صبغتها زبدا .
عدتُ إلى ارتباكي وأنا أدنو منهما فقلت لها : أنا حفيد علي الشاوي الذي أفنيتِ عمركِ في خدمته منذ آلاف السنين ؟ ضحكت، ثم أخرجت دفاترها القديمة. ببطء فتحت الصفحات الأربع الأولى، وفي الخامسة لمحت صورة سيد وقد رسمتها بالرصاص الأسود. لم أتكلم وجلستُ جوار سيد مثل طفلين يهيئان مؤامرة ضد العصافير القادمة، خمنت هل ستتذكر حينما أشرح لك طرق الصيد بالفخاخ والشباك؟. لم نعد يا سيد نرث في هذه الدنيا غير غموضك وطهريتك ثم عانقته وأحسست برعشات موروثة أستعيدها من دمي، أغمضت عيني ، ثم هممت بفتحهما فرأيتُني وقد صرتُ أعمى. لم أصرخ، توحدت داخل نفسي هبطتُ إلى وجداني أبحثُ عن منديل رمتني به سمدونة فأبصرتُ واستفقتُ من حلمي .

• موسيقى
استفقت باكرا ، هيأت حقيبتي .ولما كان لديَّ متسع من الوقت ، أشعلتُ التلفاز وكانت كل القنوات تُخبر عن وفاة المغني الأمريكي مايكل جاكسون .أما قناة الأرتي فتقدم إعادة لمقابلة نصف نهاية كأس القارات المقامة بجنوب افريقيا بين البرازيل ومنتخب جنوب افريقيا.. وصادفتُ الربع ساعة الأخيرة من المقابلة والفريقان متعادلان فتتبعتها وأنا أستمتع بتهويمات المذيع الذي يصف كما يشاء كأننا مشاهدون عميان .وفي لقطة طريفة كان اللاعب البرازيلي كاكا قد ضيع كرة بعد احتكاك مع لاعب الفريق الخصم فأراد الاحتجاج على الحكم وهو ينظر إلى المدرب .اللقطة الموالية تبرز المدرب البرازيلي يأمر كاكا بمواصلة اللعب لكن المذيع ترجم ذلك قائلا باللهجة المصرية
- انظروا ..المدرب ...يقول لكاكا : العب ياواد العب بلاش فلسفة !!
امتطينا الطائرة الايرباس بعد المرور من سبع نقط تفتيشية ذقنا خلالها عذابات الوقوف والانتظار قبل أن تقلع بنا الطائرة بقيادة القائد عبد الله القبيلي في الساعة 10.50 . وكانت هذه المرة ممتلئة بالعمال والعاملات المغاربة .
يدندن محمد عبد الوهاب في أذني وهو ينهي أنشودته :

أنقذتِني.. من زيف أحلامي وغدرِ مشاعري
فرأيتُ أنكِ كنتِ قيدا حرصتُ العمر ألا أكسِرَهْ
فكسرتِه !
ورأيتُ أنكِ كنتِ ذنبا سألتُ الله ألا يغفره
فغفرتِه
كوني كما تبغين لكن لن تكوني
فأنا صنعتُك من هوايَ، ومن جنوني
ولقد برئتُ من الهوى ومن الجنونِ !!

chouaibhalifi@yahoo.fr

الأربعاء، يونيو 04، 2008

مُذَكِّّراتُ كاتب

شُعَيب حَلِيفِي
(حكايات زمنُ سُوقِ السَّبت وحُكْمُ بويا ى البَشَرْ و حلاقة الرأس التي لا تهم إلا صاحبها وحكومة السيد عباس الفاسي ،ثم الختم بالسفر المبارك إلى فاس والشاون ،وأيام أخر...)

- أَوَّلاً
هذه المذكرات، دونُتها بناءً على طلب ورغبة عدد من الأصدقاء الذين ألحوا في معرفة ما أفعله خلال أسبوع، وهو تقرير مفيد جدا أليَّ أنا أولا، وثانيا بالنسبة لوالدتي وزوجتي وهما تسألاني بدون كلام ..ومهم لبويا محمد بن عبد السلام الذي يسألني باستمرار عما أفعله في الدار البيضاء؟ ومهم لمن لا يهمه الأمر أيضا .
وقد عنونتها بما يلي :مُذَكِّراتُ كاتبٍ وزمنُ سُوقِ السَّبت وحُكْمُ بويا على البشر وحكاية حلاقة الرأس التي لا تهم إلا صاحبها وحكومة السيد عباس الفاسي، ثم الختم بالسفر المبارك الى فاس والشاون.وهي يوميات مهداة إلى روح العربي الذهبي ، بعد عام في ضيافة سيدي ربي في ملكوته .
والى أصدقائي الذي تحملوا معي عبئ هذا الشهر والشهور الفائتة:
إلى محفوظ ،الحجمري ، الشريشي ،صدوق ، الساوري ، عبد الحق ، سعيد ، المحجوب ، خالد ...وممن نَسِيتُهم لأني أُعِزُّهُم.
- ثَانيا
ماي شهر التحولات والتقلبات، فيه تنمو، بعد الحصاد، كل الكلمات الرَّاقِدَة و كافة الإشاعات التي تطوف بالنفس والخاطر.. ويعودُ الوجدانُ إلى تَفَقُّد رُسُومِه وحيطانه بحثا عن مواقع ظليلة يتجنب فيها الصهد القادم .
يوم السبت - ثالث ماي 2008:مفاوضات لا تنتهي
فجر ماي ، يجري مثل نهر متعجل بمياه تغتسل بدفئ غير طارئ.كنت بسوق السبت (وهو من أكبر أسواق الشاوية لبيع جميع أنواع البهائم ، يؤمه الفلاحون والتجار)إلى جانب محمد بن عبد السلام ، نحتسي الشاي ساخنًا وفي أيدينا كسرات خبز محشوة ببيض ، داخل قيطون لمعلم صالح في الجهة الشمالية من رحبة الأبقار. ومن حين لآخر يرفع بويا رأسه في الثلاث بقرات المعروضة للبيع ، كلما أقبل مشتر يُقَلِّب ويسأل.
الزمن في سوق السبت متعدد، نموذج فريد لتقاطع الأزمنة الخاصة المتحققة في نفس الزمن الفيزيقي، فكل مساحة فيه مزدوجة الصورة والدلالة، فارغة ومتلاشية، توهم بالذوبان والفراغ لكنها في الحقيقة عامرة بالحياة والتعلم.
محاطا باثنين من معاونيه، يجلس بويا محمد بن عبد السلام في مكانه المعتاد، يراقب ويبيع ويشتري ويفاوض، وعندما يقتضي الأمر يحكم، لأنه الأمين المكلف بفض النزاعات كما يحكم، باعتباره الأمين الذي يعمل على فض النزاعات وحل المشاكل السابقة والآنية التي تقع بين رجالات السوق، الجميع يشهد له بالقدرة على استخراج الفتوى مما يسمعه من الأطراف المتنازعة، دون الرجوع إلى قوانين وضعية تعجز عن فهم طبائع السوق، وسوق السبت على الخصوص.
كنتُ دائما ولا زلت أعتبرُ سوق السبت مدرستي الأولى لاختبار درجات قوة وضعف الحقائق، فقد دخلتُه وعمري تسع سنوات مُحاجا ومُفاوضا. ومن غرائب المنطق الذي يحكم الجدل فيه، أن الكلام الذي تقوله يكون في نفس الآن لك وعليك..معنى ظاهر يتيم ومعاني متعددة ولقيطة في الباطن تتناسل .وما زلت كلما أحسست بالحاجة إليه والى أحكام بويا على الخَلْقِ ..أَشُدُّ إليه الرحال تلميذا راغبا في الجلوس إلى أمام كبار المرجعيات.

الأحد رابع ماي:رفيسة وبحر وعرق
عدتُ إلى الدار البيضاء مساء السبت لقضاء الأحد مع أهل البيت. استفقت في الخامسة إلا ربعا، قرأت فصلا من ( ما بعد الكتابة، نقد إيديولوجيا اللغة )، كما قرأت ثلاثة بحوث لطلبة الإجازة. وابتداء من الساعة التاسعة خصصت باقي اليوم للسيد المحترم علاء والفقيرة إلى الله مريم وأختها الكبرى زينب.. وفي الواحدة كان غذاؤنا الرفيسة بناء على طلب جماعي ..
بعدما نمت لساعة كاملة، كانت رغبتي في الرفيسة ما تزال قوية.. ركبنا السيارة كما أرادت الفقيرة مريم وقد طلبت ذلك منذ أسبوع بحركاتها في العوم ، فاتجهنا نحو شاطئ عين الذئاب بمكان نعتبره ملكنا. لعبنا الكرة وركضنا لأزيد من ساعتين وأثناء عودتنا في حوالي السادسة كانت رائحة الحلبة قاسية علينا وعلى من يقترب منا.. فكان لا بد من الذهاب إلى الحمام، وقد رافقني علاء أما مريم وزينب فستستحمان بالبيت .
في التاسعة والنصف كان الجميع قد أنهى مراجعة دروسه، وإتمام ما تبقى من يوم السبت وهو قليل، ثم خلدنا إلى النوم.

الاثنين من الأسبوع الأول دائما :الاجتماع المفتوح
أول من يستفيق بالبيت أنا وعلاء ، ثم تلحق بنا السيدة الأولى، تليها زينب فيما تتأخر مريم حتى السابعة والنصف.
قرأت فصلا آخر من كتاب ( ما بعد الكتابة ..) ومقالة عن تاريخ النقود بالمغرب.ثم دونت عددا من الأفكار في خمس صفحات.. وختمت الصبيحة في السابعة والنصف بالاطلاع على البريد الاليكتروني .( اطلاعي على البريد يكون ثلاث مرات في الأسبوع ولا أتجاوز في كل مرة أكثر من نصف ساعة ، قراءة وردودا ).
في الثامنة والنصف خرجت من البيت متجها نحو الكلية. أنجزت حصة النقد مع طلبة الماستر. وفي العاشرة والنصف حتى الواحدة يبدأ الاجتماع المفتوح بالمكتب. اجلس رفقة عبد اللطيف محفوظ وكل الزملاء الآخرين من المختبر، نستقبل طلبة البحوث والدراسات العليا وبعض الزوار من كليات أخرى... نناقش ونهيئ ونقرر ثم نتشاور بالهاتف مع زملائنا الآخرين من خارج الكلية، أو أتكلف باللقاء معهم في جلسات بالمقهى.
(والاجتماع المفتوح معناه أننا نبدأ أول اجتماعاتنا في بداية أكتوبر ولا نغلقها ألا في نهاية يونيو..ويعتبره محفوظ اجتماعا واحدا يدوم سنة دراسية كاملة .ولولا إلحاح سَعْد ومَرْيم وسيدته الأولى لجعلنا له الصيف أيضا ملحقا لهذا الاجتماع العجائبي !.)
بعد زوال نفس اليوم قدمت حصة في الأدب الإفريقي لطلبة سنة الإجازة، بعدها شاركت في اجتماعين، الأول بمقهى الشاوية بوسط المدينة، والثاني بساحة السراغنة، وكانا لأجل استكمال ترتيبات اللقاءات الثقافية القادمة.

الثلاثاء: رشاقة الجونديير
خرجت من الدار البيضاء مع أول خيوط الفجر متجها نحو سطات، في موعد مع بويا لمباشرة انطلاق عملية الحصاد.
التاسعة صباحا خرجنا متعجلين، كنا أربعة ، على متن سيارتي ، هاتفت للمرة الثانية أحمد سائق الجوندير" آلة الحصاد "، فأخبرني أنه بعين المكان بلاد النويلة .. لحصاد أزيد من عشرين هكتارا من الشعير.
اليوم كله قضيته وسط حرارة صيف مستعار وغبار الشعير الحارق.. اشتغلت – كما تعودنا منذ الصغر– في حمل الأكياس والتبن ، أمر أعتبره جزءا من حبي للأرض و تعبيرا عن الذوبان الحقيقي في الصيرورة.
يوم كامل من الجهد الحقيقي، لا مكان فيه للسرد أو الوصف، غابت فيه النظريات وتلاشى البوليميك الخاوي والعامر والسرديات والمؤتمرات ، وقْالِ ليِ وقُلْتْ لَكْ ، وكل ما نلوكه يوميا بدون ملل.تليفونات ترتيبات ،آلو الحجمري آلوا الساوري آلو الشريشي آلو عبد الحق ، سعيد،وليد ،عبد العزيز ... نحن في الحقول عراة أمام الله ..إحساس بالطهرانية التي أتلمسها في أعماقي والعنف الداخلي الذي أحسه لم يبرد إلا حينما جيء لنا بقصعة كسكس قبل العصر بساعة.. أكلنا في صمت وبنهم شرس.. لأكتشف أننا لم نغسل أيدينا قبل الأكل ولم نبسمل كما تعودنا.. ولكننا شعرنا ( أو بالأحرى، يمكن أن أتحدث فقط عن نفسي ) شعرتُ بارتياح فعدتُ إلى البَسْطِ مع الفلاحين بعدما انزوى والدي بعيدا قرب السيارة.
كنا بالبيت في حوالي التاسعة والنصف ليلا... وجدنا أمي قد هيأت لنا عشاء دسما.. كانت غاضبة بود على ما أنا فيه... ارتميتُ بملابسي لأستفيقَ في الصباح الباكر وذهبتُ إلى حمام أقراب ..فعدت إلى رشاقة أحسستُها.

الأربعاء نفسه:أحلام القيلولة
التاسعة صباحا كنا بمقهى بوشتى وجدنا الشيخ العبدوني وعددا قليلا من رواد هذا المقهي الذي يجلس فيه من يحب شرب الشاي المعتق ، فلاحون بالأساس وبعض باعة سوق السبت والشناقة، ولم أر مثقفا أو رجل تعليم جالسا هناك.
جلسنا، أنا وبويا وعددا من الرجال نشرب الشاي ونتكلم أو نتفاوض .في الساعة الحادية عشرة والنصف ذهبتُ عند القائد الذي لم أجده لتقديم شكوى باسم محمد بن عبد السلام ضد السلطات التي هدمت لنا حائطا وإسطبلا وردموا لنا بئرا دون وجه حق في أولاد سليمان بالعزيب القديم. عدت أخبرت والدي فأرشدني أن أكلم الأستاذ أحمد نور اليقين، وهو محام مثقف ومستقيم وذو علم قانوني غزير.
في منتصف النهار ترجَّلنا عند العدل بعد مكالمة منه يخبرنا بأن الذين سيبيعوننا أرضا فلاحية مجاورة لأرضنا قد وصلوا.لم نمض عنده أكثر من نصف ساعة ..قُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوتْ..
أهم شئ في النهار تلك القيلولة الجميلة بعد وجبة كسكس من دقيق القمح. استفقنا في الثالثة فأوصلت والدي إلى حقولنا حيث توجد ضيعتنا، وهي على بعد خمس كلمترات من مدينة سطات بمنطقة عين نزاغ.
عدت فهاتفتُ "مي فاطنة" وهي سيدة تملك أرضا بأولاد بوزيري، كنا اتفقنا معها أن تبيعها لنا، دون أن تُشعِر الذين تكتريها لهم منذ سنوات..او تكشف لهم عن هويتي، ورتبتُ معها أن أرى الأرض ثم تؤسس لها عقد استمرار ملكية.
وصلنا خميسات الشاوية بعد خمس وعشرين دقيقة من مدينة سطات.. توقفنا أمام باب الخيمة، فخرجت امرأة، هي زوجة السيد الذي يكتري الأرض. رفضتُ أن أدخل البيت ما دام لا يوجد صاحبه أو رجل فيه، وقد ذهبوا جميعهم - كما قيل لنا- إلى حصاد حقل بمنطقة نائية ولن يعودوا إلا متأخرين.. فألححنَ عليَّ، وقد قدمتني إليها باعتباري ابن أخيها. دخلت بيتا واسعا ورحبا مفروشا بزرابي تقليدية. الجلوس أرضا بهذه الطريقة نعمة من الله. امرأتان وثالثة ممددة في ركن تجاوز عمرها المائة،كما ستقول لنا مُستقبِلتُنا. تكلمت مي فاطنة معهن وقد صاغت حكاية محبوكة اقتنعن بها ونحن نشرب الشاي ونأكل البطبوط والسمن..ثم خرجنا فأرتني الأرض وعدنا أدراجنا إلى سطات.
الخميس بالدار البيضاء :يُومَكْ آرَاسِي
قضيتُ صباح يوم الخميس كله في مكتبي بالبيت منذ الخامسة صباحا حتى الثانية عشرة والنصف تكلمت من هاتفي مرتين ثم أغلقته..سألتُ
في شأن ترتيبات لقاء ثقافي بعد زوال نفس اليوم يتدخل فيه ثلاثة باحثين من الماستر الذي نشرف عليه.
انعقد اللقاء وبعد انتهائنا تكلمنا مع الباحث المكلف بانجاز المتابعة الصحافية للقاء وإرسالها لعبد اللطيف محفوظ من أجل مراجعتها قبل إرسالها إلى عبد الحق وخالد والمحجوب وسعيد ( وهو الفريق المكلف بالإعلام في المختبر ).خرجنا من الكلية إلى مقهى الحوزية، جلست وعبد الرحمن غانمي نتمم ترتيبات تخص لقاء 23 ماي ...
الساعة الثامنة افترقنا. اتجهت نحو ساحة السراغنة. اشتريت جرائد يوم الجمعة وبعض الفاكهة .وضعت كل شئ في السيارة، ثم عدت إلى أمر مهم خصوصا وأني مسافر في الصباح الباكر إلى فاس ثم الشاون.
صرتُ أبحثُ عن حلاق لم يسبق لي أن زرته ..وهي حكاية تَخُصُّني .
كنت قبل سنة 2001 لا أحلق رأسي إلا بمدينة سَطَّات عند عبد القادر، ما وقع بعد هذا التاريخ جعلني لا أسلم راسي لحلاق واحد ، وصرت في كل مرة أبحث عن حلاق جديد لا أعرفه ولا يعرفني.
ما وقع ،أمر مرتبط بحكومة التناوب التي نُصبت في مارس 1997 حيث كانت انتظاراتُنا كبيرة وطموحة ، وأحسستُ مثل غيري، أنه علينا انجاز جزء من وعودنا للمغرب والمغاربة. وبعد ثلاث سنوات من عمل الحكومة .."راب"و"تهدربَ" كل شئ وسقطت أحلامنا في الطاس ،و تبين لي أننا كنا سلَّمنا لهم رؤوسنا مثل يتامى/رهائن تعلموا فينا الحكم الحجامة والتفنطيز والتعنتير...أحسستُ بخذلان كبير فلم أجد ما احتج به سوى الانسحاب من ساحة الحجامة ، سنة 2001، بعدما أخذت قراري بتحرير راسي...
وهو أمر قد يبدو فيه نوع من العبث، ولكني أراه منطقيا بالنسبة لشَعري وشُعوري. ولم يحصل منذ تلك السنة أن زرتُ الحلاق الواحد أكثر من مرة .. وسيلزمني أربعمائة سنة إن أنا أردت أن أَمُرَّ على كل حلاقي الدار البيضاء.
تذكرتُ بأنني صُغتُ هذا الاحتجاج بطريقة شبيهة بما فعلت، في روايتي مجازفات البيزنطي، وأنا أصف شخصية العيساوي. قلت في الرواية:
"أصبح العيساوي واحدا من أهم الرواد الأربعة بمقهى بيزنطة، يجيد الحكي وبيع الكلام، وينتقل إلى حرفة أخرى، جوالا بالمدينة والأسواق يبيع الفرح والضحك رفقة جحش مدرب ، وبقي حتى أصبح الجحش حمارا غير قادر على لعب الأدوار القديمة التي تعلمها قبل ثماني سنوات، آنذاك قرر التقاعد عن أي عمل، وقد شجعه على قراره هذا تزامن عجز حماره مع إعلان أول حكومة تناوب في المغرب (مارس 1997)، والتي استراح لها العيساوي كثيرا لأنها ستجعل المغاربة جميعا يتحررون من الفقر والخوف والقهر، وتذكر أيضا ذلك المناضل اليساري الذي عَبَّدَ له الطريق للذهاب إلى الهزيمة في حرب 1967، فخمن أن حكومة التناوب ستفتح باب التطوع للجندية إلى فلسطين والعراق.
اكتفى بالجلوس في المقهى رفقة أصدقائه الآخرين يراقب التلفزة ويتابع أنشطة الحكومة ويستمع بإمعان إلى الوزير الناطق باسم الآخرين والى وزير الشغل والى الجميع... وبعد سنتين من الانتظار نطق بحكمته الشهيرة:" قالت الجرانة: هَا ذَا مَا آخُرْ ؟ !... لم يعد ينظر أبدا إلى التلفزة ، وبدأ يحكي حكاياته وأخبار سلالته."(رواية مجازفات البيزنطي)

انتهى الحلاق من عمله .وقفتُ .نظرتُ في المرآة إلى رأسي. نقدتُه وشَكرتُه في الآن نفسه ثم انصرفت إلى البيت. في الليل كلمت ، هاتفيا الحجمري والساوري وغانمي لاستكمال ترتيبات مختلفة.
هذا ما وقع لي مع حكومة التناوب في طبعتها الأولى بدار المخزن، أما ما يجري في هذا الشهر مع حكومة السيد عباس الفاسي، وهي طبعة أخرى عن نفس الدار، ستجعل جميع المغاربة ينتفون رؤوسهم نتفا في مندبة لا تنتهي.

الجمعة:الطريق إلى فاس
شوقي إلى مدينة فاس يعطيني الإحساس بأنني معتمر إلى مكان عزيز .كنت زرت المدينة للمرة الأولى سنة 1983، أما المرة الثانية في هذه ، استفقت لها في الخامسة إلا ربعا ، وخرجت من البيضاء رفقة الشريشي ومحفوظ في اتجاه مدينة فاس، عبر الطريق السيارة. وفي الثامنة والربع وصلنا فندق نزهة الموجود بساحة الأطلس. تناولنا وجبة الفطور ثم توجهنا إلى كلية ظهر المهراز حيث ستبدأ أشغال ندوة " المغرب في نصوص الرحلات الغربية " والتي سَهِرَ عليها الصديق والباحث عبد المنعم بونو.. وهناك التقينا بعدد من الأصدقاء.
كانت ندوة ممتعة في جلستين، صباحية وزوالية، تعرفت خلالها على نصوص وأصدقاء من تخصصات مختلفة، كما تعرفت على نص رحلي لكاتب كولمبي اسمه لويس كاردوزا زار مدينة طنجة سنة 1927وهو في العشرين من عمره، مؤلفه بعنوان "فاس مدينة العرب المقدسة " والذي نُشر لاحقا بغلاف يحمل صورة الكاتب وهو يدخن السبسي. وقد قدم عنه الأستاذ سعيد سبيعة ورقة مهمة مما جاء فيها قولة للويس كاردوزا، وهي عبارة عن اعتذار شبيه باعتذارات شعراء الملحون في خواتم قصائدهم:
"السفر بالنسبة لي بمثابة انفجار فكري وعاطفي(...) ودنيئ أن تسافر من اجل أن تكتب فقط ".
ما زالت آثار احتفالات 12 قرنا على تأسيس فاس ..بادية للعين والخيال .وعَبْرَها رأيتُ ثلاثة أحداث حاسمة في تاريخ سلالتي لها علاقة بهذه المدينة .
الأول في ذهاب جدنا الأول مؤسس الشاوية الحديثة ، علي الشاوي،قدس الله روحه إلى فاس سنة 1768 ومنها جاء حاكما أزليا على الشاوية .
ثانيا ويتعلق بجدنا خليفة الشاوي الذي كان من أعيان المزامزة الكبار .قرر الذهاب إلى فاس ، وكان ذلك سنة 1873 ، طالبا المصاهرة من أحد الأعيان في ابنته..عارضا عليهم الاموال والضياع ..فرفضوا عروضة وقبلوا تزويجه الدرية شريطة الا تكون لها ضرو ، وان يتكفل جدي خليفة ، بفرقة موسيقية للملحون تكون في خدمة ابنتهم .
شرط مجنون ، علم في ما بعد انه كان طلبها من أجله أساسا وليس من أجلها .فقد أسكن الفرقة الموسيقية ببيت قريب وتحمل أكلهم وشربهم وأجر أسبوعي .مهمتهم تأدية أغاني في الملحون كل يوم مرتين ، بعد الظهيرة وبعد العشاء ، يجلسون بلباسهم الرسمي في بهو الرياض والسدة الاولى لجدي رفقته في غرفة علوي لها شرفة من أرابيسك الموشرابي ..يستمعون في استرخاء وقت الظهيرة وجلوسا بعد العشاء ..ويُحظَر على أي كان ،وسط الرياض بِخُصته الفيحاء، أن يرفع رأسه.
ثالثا هو أمر يتعلق بي شخصيا .

يوم السبت ،الشاون تستكمل الدورة.
ودعنا جبل تْغَاتْ وجبل زلاغ. وتركنا فاس خلفنا مبللة بأمطار مثل غزل شفاف. أمطار ستفاجئنا قوية في كل مراحل رحلتنا إلى الشاون خلال أزيد من أربع ساعات.. مررنا خلالها على عشرات الأودية والجبال ، قبل أن نصل إلى مدينة وزان.
استرحنا لساعة فيها ثم واصلنا سيرنا، نحن الأربعة ( انضاف إلينا عبد الرحيم مؤدن )حتى طالعتنا رائحة سحرية من جبل طالع من جبل تمسد رأسه /أو رؤوسه أبخرة ضباب يتثاءب..
قضينا النصف الثاني من يوم السبت في الندوة وفي ضيافة شرف الدين ماجدولين، ثم انتقلنا إلى جزء من جنة محمولة على جبل في فندق دار الشاون ..سهرنا حتى منتصف الليل نتعشى ونتكلم رفقة الأصدقاء الذين شاركونا في الندوة.
صبيحة الأحد تجولنا قليلا في المدينة القديمة بالشاون قبل أن نشد الرحال من جديد نحو الدار البيضاء.

ما تبقى من أيام الشهر
شهدت الأيام الموالية عدة أحداث. فقد عدتُ والصديق العزيز محمد عطيف إلى عقد جلسات متواصلة أصدرنا خلالها عددا جديدا من جريدة السي دي تي ..كما حضرتُ ترتيبات الإضراب الوطني العام الذي دعت إليه المركزية النقابية الكونفدرالية .د.ش يوم 21 ماي وعرف تحولا في الحياة اليومية والإعلامية والسياسية .فعدد من الجرائد تضاربت تقييماتها، أما حكومة عباس الفاسي فإنها دعت من خلال مركزية نقابية أخرى إلى محاربة الإضراب وجعله يوما وطنيا للعمل.
في هذا الصدد قال لي احد الأصدقاء النكتة التالية في الموضوع : يوم الأربعاء 21، صادف أن كان السيد عباس الفاسي، الوزير الأول بمدينة مراكش وأثناء تفقده للحركة بجامع الفنا التقى بشاب مراكشي وسيم.
قال عباس :كِِيفْ عَاملْ آوَلْدِي .يَاكْ انْتَ اليوم خَدَّامْ؟
قال الشاب المراكشي باحترام وتقدير :نعم آسعادة الوزير الأول. أنا خدام اليوم ودائما.
قال عباس :الله يرضي عليك آولدي. وفاش أنت خَدَّام.
قال الشاب المراكشي الوسيم بنفس الاحترام :خَدَّام آسيدي في المرسى ديال مراكش ؟
تعجب السيد الوزير الأول عباس الفاسي وقال مستفسرا ومستنكرا: وهل توجد مرسى وبحر بمدينة مراكش ؟
غير الشاب من لهجته وقال بدوره مستنكرا بصوت مراكشي : واشْ كايْنَا آسيدْ الوزير الخَدْمَا في مراكش حْتىَ تْسَوَّلْني ؟
يوم الجمعة 23 عقدنا مائدة مستديرة نقاشية حول الخطاب النقابي بالمغرب، شاركتْ فيها خمس نقابات بالمغرب.