عبد الكريم عليان
مثالان بارزان لشاعرين من غزة ينتميان لشعراء الحداثة الذين قفزوا على قواعد الشعر العربي، وذهبوا لأبعد من ذلك.. حين تميزت أشعارهم بالغموض والفلسفة تاركين الرمزية (القريبة) وراءهم، كما تركوا القوافي والتفعيلات، إلى حد الإبهام والتعقيد والتعمية أحيانا لإرهاق الذهن.. وصولا إلى حد القطيعة مع القارئ العادي والأكاديمي المتخصص، أو كما قال (جون بارت): " إننا مع نصوص أدب الحداثة بحاجة إلى مرشد بسبب هذه الصعوبة الخفية.." ولعل عددا ليس بقليل من شعراء الحداثة يكفرون بمبدأ التواصل عن قصد توعوي.. وفي تقديري أن هذه الشعرية غير المتواصلة هي نحو من "شعرية السلب" القائمة على أن تكون العلاقة بين الفن والمجتمع علاقة سلب؛ فلا وظيفة اجتماعية إيجابية للفن، كما يؤمن _ ثيودور أدورنو: " إن على الفن أن ينفي المجتمع الذي أنتج فيه. والفن الأصيل من وجهة نظره، هو الذي يقيم عالمه الخاص، من نوع الاستقلال الذاتي بنفسه بعيدا عن أي ارتباط خارجي.." (1) فشعراء الحداثة الذين يؤمنون بما يؤمن به أدورنو هم بعض هؤلاء الشعراء الذين تغيبُ قصدا جسور التواصل بينهم وبين المتلقي، والذين أسهم شعرهم كثيرا في خلق إشكالية التلقي، فكيف إذن نمدّ جسور تواصل بين شعر الحداثة وقرائه..؟ وبعبارة أخرى: كيف نتلقى هذا الشعر؟؟
لا بد أن نعترف بعجز المناهج النقدية القديمة وطرائق التلقي التقليدية عن أن تكون صالحة للتعامل مع هذا الخطاب أو النص الشعري الحداثي، وأن ننهض بمهمة تلقيه وقراءته.. فما هي الأدوات أو الأداة البديلة التي تصلح للتعامل مع هذا الشعر؟. كنت أطالع مرة في الفلسفة، فوصلت إلى فلسفة " التأويل" أو فن التأويل وأعجبني تعريف بسيط لهذا الفن، يقول: " إنه نقل النص من حالة السكون إلى حالة الحركة، أو من حالة الصمت إلى حالة النطق.." إذن القراءة التأويلية تصلح منهجا أو استيراتيجية لتلقي هذا الشعر وفهمه؛ لأن شعر الحداثة العربية المعاصرة صعب ومهم ومشتت دلاليا ونصه يبدو متشظيا مليئا بالشروخ والفراغات والمساحات البيضاء التي تنتظر من يملؤها.. ونص شعر الحداثة متشابك المسالك معقدها كأنه "متاهة" حسب تشبيه (إيكو) يصعب الاهتداء فيها .(2) ونحن في هذه المتاهة مضطرون إلى التحسس والتلمس لأي ملمح يشير إلى الدلالة وينتجها؛ فنحن من خلال هذا أشبه بمن يحاول اقتفاء الأثر بالعثور على خيط داخل النص يقودنا إلى المعنى أو الدلالة. لهذا تبدو القراءة التأويلية هي مرشدنا في هذه المتاهة، ما لم يبتعد النص عن الشعرية الحقيقية وإيحاءاتها، مقتربا من الإلغاز والتعمية والسخف من القول.
ما يميز شعر الحداثة هو ( التساؤل ) والقراءة التأويلية صالحة لهذا الشعر، لأن (التساؤل) أداة إبداعية مع المبدع وأداة تأويلية مع المتلقي، بل لعل التأويل يزداد تناميا مع هذا التساؤل الذي لا يبتعد عن الحيرة والارتباك اللذين ينمو التأويل (الهرمينوطيقيا) بهما.. كما يقول "جيوفري هارتمان Geoffry Hartman واللذين يتولدان من القراءة التي تضع باستمرار سلسلة من علامات الاستفهام .(3) ولا بد أن نعترف بأن فن التأويل منفتح على سائر القراءات والمناهج النقدية الحديثة يتفاعل معها ويستفيد منها كما هو متعالق مع الفلسفة وبخاصة الظاهراتية، وهذا الانفتاح والتعالق يجعل حركته أكثر شمولا وعمقا. ولعل هذا الانفتاح وهذا التعالق هو ما جعله سواء مع مؤسسيه أو مع أصحاب نظرية التلقي، يبحث في سياق حفرياته عن القيم الإنسانية والجمالية في النص بعد أن غاب أو تراجع الاهتمام بهما في النقد الأيديولوجي والنفسي فيما يتعلق بالقيم الجمالية بخاصة، وفي الاتجاه الشكلاني فيما يتعلق بالقيم الإنسانية أيضا.. ومن هنا وجب علينا أن ننحو بعيدا عن مدارس النقد التقليدية في قراءتنا لقصيدتين حديثتين للشاعرة أمال العديني والشاعر خالد جمعة ولنبدأ من القصيدة الأولى، وهي:
" تبّا لمن ينتشي بالافتراس " للشاعرة: أمال العديني
أعترف أولا أنني أقرأ للمرة الأولى لهذه الشاعرة ولم أسمع بها من قبل، ومنذ البداية تقف أمام قصيدة حداثية بامتياز؛ فهي محكمة لدرجة أنها لا تحمل تاريخا يمكنك من خلاله الاستدلال على زمن القصيدة، ومن ثم معرفة ما تروم إليه هذه الشاعرة الناشئة، وأعترف أن قصيدتها دفعتني إلى التوتر والقلق ودوختني بقراءتها مرات عديدة.. فالشاعرة أمال تريد أن تمتحن القارئ في وعيه باللغة وبمحيطه وثقافته وقدرته على حل لغز القصيدة، فتقوده إلى دهاليز فكرية، وعاطفية، ومتاهات دلالية كثيرة قد تدفع به لأن يترك القراءة، ويلقي بها دون عودة.. وهنا يكمن سرُّ الحداثة، وما تتركه من تحدٍ كبير للمتلقي المثقف، إن قبل التحدي فهو لن يترك القصيدة حتى يمسك بطرف الخيط الذي سيقوده إلى سبر غور المرام حتى ينتشي ويتلذذ ويتمتع بالانتصار..
هاهي شاعرتنا تخطفك من أول القصيدة بجمعها بين المتناقضات، بل المتنافرات؛ فتتصارع داخلك الأسئلة، كما تتصارع الكلمات والأفكار في باطن الشاعرة المتألمة عاطفتها من الظروف المحيطة بها، وبكل إنسان يعيش في غزة المكلومة التي انقلبت فيها الحياة رأسا على عقب، فهي تستحضر الماضي الكاذب المخادع لتسقطه بين الخطى المستعرة من ظهور الشمس حتى مغيبها، عسى أن تجد في الغروب التائه منارة يمكنها أن تحضر عذابات التاريخ في معزوفات موسيقية تخفف عنها الآلام..
كراتُ نار وثلج،**
وذاكرة خائنة تسعر الخطى،
لا أواكب شمسا آتية،
لا أحصي المشاعلَ في كوة الحواس
أقفز في غروبٍ متحفظٍ ،
كأن لا منارة تحضر معزوفات العمر حواليها..
أمال العديني المبدعة تظفر بنفسها من خلال محاكاتها لذاتها.. ولعل محاكاة المبدع لذاته هي تطهير للمتلقي خصوصا عندما تكون هذه الذات هي المأساة الفلسطينية.. وهذان المحوران (المحاكاة للمبدع، والتطهير للمتلقي) دارت عليهما آراء أرسطو في الفن.. فالمحاكاة تصوير للطبيعة البشرية والعيانية، وهي عند شاعرتنا ليست تصويرا حرفيا، بل تضيف شيئا من عندها إلى الحقيقة والصدق، ليصبحا حقيقة فنية وصدقا فنيا.. (4) وفي هذا ظَفرُها الكبير، أما المتلقون فإنهم يكتسبون لذة عقلية:
وحلمنا الذي قطفناه من حمى القارات
تفرده عريشة الشعر
كشرشف كونيّ،
كعيد للأنبياء ينقصه خرز الطفولة،
.........
تستمر الشاعرة بمحاكاتها لذاتها ولوجدانها (الذات الفلسطينية) الممزقة وهي تفضح ذاتنا ( الغزيّة ) بأوهام الأمنيات وتكشف لنا زيف المقاومة العمياء /الرصاصة الكفيفة/ والصواريخ الفاشلة /مجانيق أجفلت الريح/ ولهونا بالموت والقتل /لقتلانا موت يقلد ساعة رملية/ لتكشف أننا أصبحنا إمارة عابرة توهمنا فيها الأمل.. لكن السماء وهما والصباح مبهما غامضا
أوهموها أن السماء مغلولة بالأقفال،/
وأن الصبح لفافة تبغ تصفر ضوءا مبهما،/
ولما صحت أضحت ـ كقنفذ الشك ـ /
تحت أجراسها يختمر التناقص.
لعل البناء الهارموني المتواصل كان جليا في قصيدتها لتصل بنا إلى الذروة في نهاية القصيدة، فهي تشبه لحظة التنوير في القصة القصيرة التقليدية، فالتفاصيل تتزاحم من أول القصيدة حتى قرب نهايتها لتجلو موقفا ما.. وتبدو هذه التفاصيل في بعض الأحيان لونا من الثرثرة الحميمة المحملة بالأحاجي والأسئلة الخرساء.. ثم ما يلبث كل ذلك أن يرتفع بارتفاع الذروة، ويكتسب دلالاتها بعمقها.. وهنا يعود القارئ مرة ثانية على ضوء الذروة الأخيرة لكي يعيد تقدير قيمة التفاصيل الأولى..
وهم بكنه الضوء يجرون زمنا ضريرا؛
لأن فراشاتك الخمرية كانت تمشي على ضحى الجسد،
وكنت تهيل شهقة الأقاصي من راحتك
وحين تذكرت قلت:
تبا لمن ينتشي بالافتراس
أخيرا تصل الذروة التي فيها إجابة لكل الأسئلة والتفاصيل الأولى لتكثفها في عبارة واحدة فيها دعوة بالهلاك للذين ينتشون بالافتراس.. وهنا تذكرنا بحديث الفيلسوف ـ نيتشه ـ عن المأساة اليونانية التي نبعت من الديانة الديونيزيوشية أو عبادة (ديونيزيوس) تلك العبادة التي تقدس النشوة وتمجد اللذة البدنية، وتؤثر الفرح، وتحيي طقوسها بالعربدة، فهي تكريم لغرائز الإنسان وتفجير لها، وليس من شأن التفجير أن يتخذ شكلا أو يلتئم في نظام.. ومن هنا جاءت (الأبولونية) لكي تتوازن مع الديانة الديونيزيوسية التي من شأنها عبادة أبولو بتقديس العقل وتحترم التصميم والإحكام وتحيي طقوسها بالتأمل.. إن ديونيزوس هو إله المتعة،ورمز امتلاك الفرح، ودليل الحركة المنتشية والمغامرة.. أما أبولو فهو إله السلام النفسي والسكينة الروحية يوجهها المنطق والتأمل الفلسفي ويلهم أتباعه فنون التصوير والنحت والشعر الذي تنتمي له الشاعرة أمال العديني، فندعو القارئ بعد هذا التأويل لقصيدتها بالعودة لقراءتها من جديد عسى أن ينتشي بالانتصار...
" أعتقتُها فمتُّ مرتين " للشاعر: خالد جمعة
أيُّ شاعرا هذا الذي يموت مرتين؟ كيف يموت الشاعر ويعود ليحيا من جديد؟ ولا نعرف إن كان هو ميتا الآن؟ أم حيّا؟! وإن كان حيٌّ فأي قصيدة ولدت له بعد أن مات في المرة الأخيرة..؟ هل حقا يموت الشاعر بعد كل قصيدة..؟ ويحيا مرة أخرى ليولد من جديد مع ميلاد القصيدة الجديدة؟؟ من هي التي أعتقها الشاعر خالد جمعة ليموت مرتين..؟ هل هي روحه الشاردة؟ أم حبيبته؟ أم هي الشيء الآخر من ذاته التي يبحث عنها؟ أم هي اللغة التي ما برح الشاعر من " جوجلة " كل الأشياء فيها..؟
في الحقيقة، أن التحدي الذي واجهناه في قصيدة الشاعرة آمال " تبا لمن ينتشي بالافتراس " حتى أمسكت بطرف الخيط الذي قادني إلى تأويل القصيدة، السابق.. إلا أن ـ خالد جمعة الشاعر المتمرس، والذي اقتحم عالم الحداثة مبكرا، راح أبعد من الحداثة، أو ما بعد الحداثة في قصيدته "أعتقتها فمت مرتين" وسيواجه القارئ تحديا أكبر، ولا يوجد بصيص أمل في الإمساك بطرف الخيط الذي يقوده لفهم القصيدة، أو ما يروم له الشاعر، ليتركنا في حيرة من التأويل لنصل ما قد لا يكون في ذهنه عند ميلاد قصيدته "أعتقتها فمت مرتين"، يقول موريس ميرلو ـ في كتاب (أصل الحقيقة): "التواصل في الأدب ليس نداءً بسيطا يوجهه الكاتب إلى دلالات تشكل جانبا من (هيئة) ما قبلية للفكر البشري؛ بل إن هذا التواصل هو الذي يحرض على قيامها من خلال تدريب أو نمط من السلوك المائل. إن الفكر، لدى الكاتب لا يوجهه اللغة من الخارج؛ الكاتب هو نفسه كمثل لسان جديد يتأسس" . وكتب موريس في موضع آخر: "تفاجئني كلماتي أنا نفسي، وتعلمني فكري.." .
أي ضرب من الجنون يصيب شاعرا بهذه الحالة؟ عندما يناقش نفسه المتعالية:
قال: أنا لا أشبه أحداً حتى صورتي في المرآة **
تجيب ذاته الأخرى بسؤال آخر:
قال: أما زلت لا ترى أحداً في مرآتك؟
قال: آخر نظرةٍ لي في المرآة خرج شبحان يعضّانِ المسافة بيني وبين المرآة
قال: رأيت العدم في علبة الكلام على الطاولة ولم تزل عاشقاً؟
إن الأمل والتفاؤل لدى الشاعر تبدو كأنها مجرد توابع لفكرة الذات المتعالية أو المستديمة من الناحية التجريبية، وتجريد تلك الأشياء، ويعمل بموجبها يوميا دون الرجوع إلى (الذات) من هذا القبيل، وغير ذي صلة بالموضوع إلى درجة السُّخْف، برغم كل شيء هناك فارق معقول بين الأمل، والأمل تماما مثل وجود فارق بين (الكلمة) والكلمات وعلينا أن لا ندع الشاعر بمنأى عن الملاءمة لكونه يخلط بينهما، وكذلك يجب أن لا نتساهل إزاء جعله إيّانا ننسى بأن التاريخ لا يضيع دون العمل، والقصد والمقاومة والجهد أو الصراع.. وبأن واحداً من هذه الأشياء غير قابل للامتصاص الصامت من جانب الشكليات المجهرية للسلطة (سلطة المعرفة).
قال: أفرغت نفسي من نفسي لأملأها بها، ففاضت عني
قال: حكايتك حقل حنطة هرب ناطوره قبل أن تنحني حباته على سنابلها
قال: حكايتي بحارٌ عذبتهُ اللآلئ والمسافات المبهمة بين عينيها والحقيقة
قال: وما الحقيقة؟
قال: أن تكون ما تعي أنك هو
قال: هكذا عرفت لي الجنون قبل موسمين على حافة قدر مغزول من أشعار عتيقة
قال: القدر الذي تغزله أشعارٌ عتيقةٌ يرتبكُ حين يحرسُ غاباتِ حُلمِها السري
قال: حلمها نارٌ سريةٌ وأنصافُ آلهةٍ متروكةٍ على ضفاف المعنى
لا تبتعد اللغة المعشوقة لدى الشاعر في صورتها عن المرأة/الحلم ـ الصورة المقلوبة للغة ودلالتها، فتنبجس الكلمات من ريشته بطريقة مذهلة تقارب الجنون، رغبة منه في تأسيس انطلاقا جديدا مطلقا، وكأنه يقول: علينا أن نكون محدثين مطلقا.. إنها تجربة الهذيان الشعري الموجودة لديه بوعي مثقف، هي تجربة من طبيعة لغوية تتمثل بخرق قواعد اللغة الدلالية أي تحطيم بُنى مُقعّدة عن إحداث معنى جديد بـ " هلوسة الكلمات " كما في: غابات حلمها السري / أنصاف آلهة / ضفاف المعنى / المسافات المبهمة / كلها خلخلة للمعاني ولكل قواعد الحياة والجسد حتى يتسنى له انطلاقا جديدا، وبفتح قوة الرؤيا العليا.. إذ يجعل من نفسه رائيا، فالشعر لديه مفهوم كطريقة لمعرفة الجسد لتؤدي به مباشرة بعد أن قطع علاقته مع الوعي إلى الجسد نفسه للغة..! هذه الخلخلة لا تمرّ إلاّ من خلال التيار الباطني لـ "الجنون" في اللغة وحتى لو أن هذا الجنون حاضر ظاهريا من أجل ألا يقول شيئا ما، لكنه في الواقع حاضر ليقول شيئا ما..
قال: خيلها براري الأسئلة، وجيوشُها السكونُ الملائمُ لمذبحةٍ ملائمة
قال: لا خيلَ لديَ ولا سكون ولا مذبحة، أنا الممسكُ بالغيابِ من ريشهِ وأحلامِهِ
قال: توحد في المعنى يأتيك الفتحُ لا لبس فيه
قال: لا معنى بلا قصب وناياتٍ، ولا فتح يشبه اليأسَ إلا حين تموتُ الطرق
قال: طرق البصيرة أطول الطرق لكنه تعطيك حين تعطيها
قال: لا أقايض ولا أقاتل، أنا الموهوب للظلال التي سقطت دون أجسادها
قال: شمسك بعيدة كموجهة في صحراء، أقتلها لتعيش فيك
قال: إذا ماتت ، ترجل المعنى عن سفح الذاكرة وانتبه الحراس الأزليون إلى زوايا روحي
إذن الشاعر هنا يقرر أن المعركة الإستبصارية أو الفلسفية للمثقف تأتيه من خلال خيول تصارع براري الأسئلة.. وكأن المعرفة معركة طاحنة في هذا العصر ـ عصر ثورة المعلومات التي لا يستطيع الإنسان العادي أن يجاريها إلا إذا كان فارسٌ مغوارٌ يعرف متى ينقض على عدوه، ومتى يستكين؟؟ يعود الشاعر ليقلب الصورة وتجيب ذاته الأخرى ليقول: لا خيلَ لديَ ولا سكون ولا مذبحة، أنا الممسكُ بالغيابِ من ريشهِ وأحلامِهِ/ أنه ليس كذلك فهو يعلم بالغياب من خلال تأمله وإلهامه وأحلامه لتقوده إلى البصيرة .. نعم ! هذا هو خالد جمعة الشاعر المنتمي للغة الشعر الراقية / لا معنى بلا قصب وناياتٍ/ الرائي والحكيم يؤكد أن طرق الوصول لغاية ما عن طريق العقل قد يكون طويلا، لكنه كلما كان منظما ومدربا سيكون أسرع وأسهل.. ولن يتخلى الشاعر ولن يساوم على هذا الطريق، وسيبقى عليه وهو موهوب له وليس لغير سواه..
قال: تعلق بناياتك تحت ظلال قصبٍ لا يُرى، ستأتيك الرؤيا قبل الرؤيا
قال: أنا متعب ٌكثيرا لأصنع قمرا
قال: القمر يصنعه التعبُ، والنار يصقلُ الكلام
قال: أرقبها وهي تركض خائفة من ظلها فأخاف من ظلها عليها
قال: الظل عذابه ليله، يشنق أسئلته ويمحوه كخط طبشورةٍ حتى يخرج الصبح من حنجرته
قال: اعتقها
قال: أعتقتها فمت مرتين
قال: اختبر نارك في روحها
قال: سأخبزُ صمتي لأعيدها إلى بداية الكلام
قال: ... ...
قال: ... ...
يقول "ميشيل فوكو" لمجلة الماغزين ليترر : " المعرفة هي من اختصاص الفلاسفة المنعزلين في بروجهم العالية، أناس لا علاقة لهم بالواقع الخارجي، أناس محاطين برفوف الكتب والمراجع والمحابر فقط!" وخالد جمعة ـ يؤكد تلك العزلة بشكل هزلي/ قال: تعلق بناياتك تحت ظلال قصبٍ لا يُرى، ستأتيك الرؤيا قبل الرؤيا/ كمن يقول: اذهب أنت وناياتك (كناية عن الشعر/ المعرفة) لتعش معها لوحدك ولا يراك أحد /ظلال قصب لا يُرى/ لكنه يؤكد أن هذا التوحد مع الذات بعيدا عن المؤثرات الخارجية، سوف يكون ملائما لتأتيه الرؤيا والإلهام أسرع من التفكير، على طريقة الكهنة والرهبنة بطقوسهما.. كيف لشاعر مصاب بالهذيان يقرر بأنه يعاني كثيرا ليصنع قمرا..؟ والقمر هنا كناية عن النور وسط الظلمة الحالكة.. هذا بالضبط ما يسعى له الشاعر يريد أن يصنع لنا نورا من المعرفة المسحورة بالجمال.. نعم! لا يوجد أجمل من هذا التعبير الساحر للمعرفة (يصنع قمرا)، إنها قدرة عظيمة إن تحققت.. ويجيب الشاعر بأن القمر يصنعه التعب، وهو ليس بالأمر اليسير في صناعة المعرفة التي تنتقل إلينا من جيل إلى جيل ومن حقبة إلى حقبة عبر الكلام (اللغة)، والتي لن تُصقَل إلا بالنار/ قال: القمر يصنعه التعبُ، والنار يصقلُ الكلام/ إن إنتاج المعرفة مخيف، ومن حق الشاعر أن يخاف كبشر.. فكم من عالم وفيلسوف قتل أو سجن، أو أعتبر مجنونا، أو منبوذا في مجتمعه لمجرد وصوله إلى حقيقة أو معرفة جديدة؟؟ فحتى عهد قريب قتل أحد المفكرين الكبار في مصر نتيجة توصله لـ (الحقيقة الغائبة).. والعديد من المفكرين ما زالوا مضطهدين في أيامنا هذه.. فها هو شاعرنا خائف من انتشار كلماته وأشعاره / قال: أرقبها وهي تركض خائفة من ظلها فأخاف من ظلها عليها/ هنا تعبير عن الخوف عند ميلاد القصيدة. يقول، جاك دريدا: "إذا كانت الكتابة خطيرة وباعثة على الانحسار والقلق؛ فلأنها "بدئية" لا تعرف أين تمضي، وما من حكمة تمنعها من الاستعمال الجوهري في اتجاه المعنى الذي تؤسسه هي، والذي هو (الشاعر) مستقبلها أولا، لكنها تكون نزقة إلا بفعل جبن، لا ضمانة لها إذن ضد هذه الخطورة .." شاعرة جربت الأمومة، أكدت لي: إن القصيدة عندما تولد لديها، بالضبط كما المولود لدى المرأة عندما تكون حامل، وعندما تكون في حالة مخاض مؤلم، والخوف أكثر على وليدها بعد الميلاد.. ربما لا يشعر بذلك الرجل/الشاعر، أو لم يجرب أو يحس مثلما تجرب المرأة في حالة الميلاد.. خالد جمعة الشاعر في ختام قصيدته يقول: قال: أعتقتها فمت مرتين / قال: اختبر نارك في روحها / قال: سأخبزُ صمتي لأعيدها إلى بداية الكلام / أنه سرح قصيدته، فمات مرتين، كما أشرنا في البداية أنه سيموت بعد ميلاد القصيدة ويحيا من جديد عند بدء تدشينه لقصيدة جديدة، وحتى بدء ذلك سيبقى يخبز صمته وسكونه حتى ينضج الكلام لديه من جديد..
فيما سبق نكون قد قدمنا نموذجين من شعر الحداثة الذي سيطر على عدد من شعراء غزة، ونأمل أن نكون قد وفقنا في تأويل النصين بما يشحن القارئ بأفكار مغايرة عن التقليد السائد في الشعر الحر والتقليدي، كما نأمل أن نكون قد وصلنا لمقصد الشاعر فيما ذهبنا إليه من تأويل.. ونخلص القول بأن شعراءنا الحداثيين يسيرون على نهج مؤسسي الحداثة وفلاسفتها من نازك والسياب والعقاد وأدونيس إلى ميشيل فوكو ودولوز وجاك دريدا وآخرون... يقول فوكو في مقابلة مع التوفيل أوبسرفاتور 12 مارس 1977: "أحلم بالمثقف هدّام القناعات والبديهيات العمومية. أحلم بالمثقف الذي يستكشف في عطالة الحاضر واكراهاته نقاط الضعف والشقوق وخطوط القوة. أحلم بالمثقف الذي يتحرك باستمرار دون توقف. غير عارف أين سيصبح غدا. لأنه شديد الالتصاق بالحاضر." ويقول أدونيس: "لا يستطيع الشاعر أن يبني مفهوما شعريا جديدا إلا إذا عانى في داخله انهيار المفاهيم السابقة، ولا يستطيع أن يجدد الحياة والفكر إذا لم يكن عاش التجدد، فصفا من التقليدية، وانفتحت في أعماقه الشقوق والمهاوي التي تتردد فيها نداءات الحياة الجديدة. فمن المستحيل الدخول في العالم الآخر، الكامن وراء العالم الذي نثور عليه، دون الهبوط في هاوية الفوضى والتصدع النقي" . (5) ونختتم بقول العقاد في نقده لأمير الشعراء، شوقي: " إن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء، لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها. وإن ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه وإنما مزيته أن يقول ما هو؛ يكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به". (6)
ــــــــــــــــــــــ
** مجلة عشتار ، العدد 11 ـ 12 ، ملف الشعر،ص 8 ـ 17، غزة 2009 .
1 ـ أبو أحمد، د. حامد: الخطاب والقارئ ، ط ـ 1 ، الرياض: 1996.
2 ـ القعود، د. عبد الرحمن محمد: الإبهام في شعر الحداثة، سلسلة عالم المعرفة، العدد 279، الكويت: 2002 .
3 ـ نصر، د. عاطف جودة: النص الشعري ومشكلات التفسير، مكتبة الشباب 1989 .
4 ـ أرسطو، الشعر ص 18 ، ترجمة عبد الرحمن بدوي.
5 ـ أدونيس: زمن الشعر، دار العودة، بيروت: 1972 ، ص 49 . 50 .
6 ـ العقاد : الديوان ص 20 .
السبت، ديسمبر 19، 2009
جنون الحداثة وسلطتها على شعراء من غزة
الخميس، يونيو 18، 2009
كيف نعد أطفالنا للمستقبل ـ2
الطفل والكتاب
كتاب الطفل عرضة للتسفيه والتردي.. نظرا لعدم إقبالنا عليه، وقد يشكو البعض من ارتفاع سعره، إن ذلك مرتبط بإقبالنا على شرائه، وأن سعره يتناسب عكسيا مع شرائه، وأن الناس يقبلون على الألعاب والملابس والحلويات وغيرها.. أكثر من الكتاب وفي الغالب تكون أسعارها أغلى من الكتاب.. إن شعورنا بالعجز عن شراء الكتاب يعكس نظرتنا الدونية له. إن مشكلة كتاب الطفل متعددة الجوانب، ولا تقتصر على ما ذكر فقط.. كما أن إصرار كتّاب الأطفال على التعامل مع الأطفال على أنهم ساذجون وقدراتهم محدودة أمر في غاية الخطورة، فالكتابة للطفل ليست مجرد مجموعة من الحكايات والحواديث.. إن طفل العصر يجب أن يقرأ عن مشكلات الكون، الاهتمام بكتاب الطفل يقطع الطريق أمام الثقافة الوافدة والتي تصدرها ثقافات أخرى، أو المنطلقة من أسس ثقافية وافدة ـ كما هو حاصل الآن ـ ففي كثير من الحالات تحتوي على مزيج من التناقض والغرابة وعلى قدر كبير من الغثاثة والتشويه، فلا هو تعبير عن قدرتنا وإنجازاتنا، ولا هو في نهاية الأمر نافع لأبنائنا وبناتنا..!
الطفل وأدب الطفل
ما زال أدب الطفل أسير عقول الكبار ويخضع لمقاييسهم دون أي اعتبار لتذوق الطفل، وقلما نجد كتابا يخضع لرؤية من يكتب لهم أساسا، بل إن هذا الأدب لا يزال أسير نزعات وشطحات توجهه (الكاتب) وجهة معينة وتسقط صفته عن كل ما يخالف هذه الوجهة، سواء أكانت وجهة أسلوبية أو فكرية، وما يرد فيه من كلمات وتراكيب تبقى على أسس افتراضية تفتقد التجربة والبحث الميداني، أو تغفل عن أهميتها، فليس من تصانيف مبدئية لطبيعة المفردات المرحلية، فطرف يرى رؤية معينة، وثاني يخالفه وآخر يرى في أنسنة الحيوانات والنباتات والجماد أسلوبا تشويقيا مفيدا، وآخر يرى فيه أسلوبا تقليديا سيئا.. لذلك فإن أدب الأطفال سيبقى أسير نظرات ضيقة وتجارب غريبة عن واقعنا وافتراضات واهمة ونظريات غير علمية ورؤى منفصلة عن الواقع ما لم يأخذ دوره في التنشئة سواء أكان هذا الأدب مطبوعا أو مسموعا ومرئيا، وإذ يتحرر ـ نادرا ـ فإن ضيق الانتشار يهمش هذا التحرر النادر!
وحتى نستطيع الحكم على أدب الأطفال علينا مراعاة الفوائد التي يمكن أن يعطيها هذا الأدب في الجوانب التالية:
1. الجانب القيمي والأخلاقي الخاص بالمجتمع من خلال سياق يوضح الآثار الإيجابية والسلبية.
2. الجانب السلوكي والحركي من خلال السلوكيات التي يدعو إليها أو ينهى عنها أو من خلال تحليل الأحداث بطريقة تبين أهمية الاتزان والتوازن، وكذلك بما تزرعه من سلوكيات تدفع الطفل إلى المزيد من النشاط والحركة إيجابا.
3. الجانب اللغوي والجمالي بتنمية ثروة الأطفال اللغوية والجمالية من حيث المفردات المتسقة نثرا أو شعرا أو من حيث الإيقاع والسلاسة والبساطة أو من خلال التصوير والوصف.
4. الجانب المعرفي والعلمي بما يضيفه من معارف وعلوم تنساب عبر السياق بسلاسة وإمتاع .
5. الجانب الاجتماعي بما ينقله من مشاهد مميزة وجديرة بالملاحظة حيث يصبح الطفل أكثر جرأة في دخول المجتمع، وأكثر قدرة على فهم قوانينه وضوابطه وقيمه وأكثر إدراكا لطبيعته وجوانبه وأكثر وعيا لمعرفة تحولاته وحاجاته..
6. الجانب النفسي من خلال التجارب والخبرات التي تؤدي إلى تربية وعلاج وكشف الغموض بقدر من المتعة والمعرفة غير المباشرة.
7. الجانب العاطفي والانفعالي بحيث تؤدي إلى اتزان عقلاني وموضوعي وعلمي من جهة والحرص الشديد على سلامة المجتمع بتركيباته وأفراده من جهة ثانية فلا يكون تابعا سلبيا، ولا مناهضا سلبيا، بل يدخلها في دائرة عقلانية حريصة على مشاعرها وأحاسيسها في دقتها واتزانها..
الطفل والتلفزيون
لعب التلفزيون دورا بارزا في هذه المرحلة ـ بشكل خاص ـ في حياتنا وسلوكنا، وكان الطفل هو المتلقي الأول والأخطر في حياتنا وتساءل الجميع منا على مدى تأثير التلفزيون في سلوك الأطفال وانعكس ذلك في تصرفاتهم الغريبة سواء كان ذلك في تصرفاتهم الغريبة في الشارع أم البيت أم المدرسة، وعجزنا جميعا أمام هذه المعضلة؟ هل نمنع أطفالنا من مشاهدة التلفزيون؟؟ أم نسمح لهم بذلك ؟ وإن سمحنا لهم. أي البرامج يشاهدون؟ من منا يراقب أطفاله عند مشاهدتهم للتلفزيون؟ من منا حاول تنظيم هذه العملية؟ أسئلة كثيرة مهمة؟ والأهم منها: هل نملك الجرأة سواء كنا مربين؟ أم معلمين؟ للسعي على تنظيم هذه العملية؟
تعلق الطفل بالتلفزيون يجب ألا يثير محاذيرنا ومخاوفنا فقط، بل يجب أن نلتفت إلى أهمية استغلال هذا التعلق بما يفيده ويفيد التربية، فالعملية التناغمية بين الطفل والتلفزيون لم تعد ظاهرة عفوية مجانية، بل أصبحت صالحة للاستغلال في جميع الاتجاهات، فتأثير التلفزيون على الطفل تأثير شامل يشمل مختلف جوانب المعرفة والسلوك والتنشئة، إن المعرفة الآتية إلى الطفل عبر الشاشة قد تحوي من المشاهد والحوادث والقيم والقواعد الحياتية ما يخالف تماما ما ينطق به الأهل ويوصي به المربون والمرشدون وهذا ما يخلق نوعا من الالتباس والتناقض يؤدي بالطفل نفسيا وعقليا وتربويا إلى حالة من الاضطراب والبلبلة. وانطلاقا من ذلك يجب أن ننتبه إلى جملة أمور لا بد منها لتحسين واقع الطفل وعلاقته بالتلفزيون منها ما هو مرهون بالمجتمع ومؤسساته الإعلامية والتربوية، وما هو مرهون بالأسرة والمشرفين على تربية الطفل مباشرة .
◄ دور المجتمع والمؤسسات الإعلامية :
· السعي إلى تقديم برامج مفيدة ومشوقة تجذب الطفل إلى التلفزيون المحلي وتقطع عليه الطريق للقنوات التي تؤثر سلبا فيه.
· أن تكون البرامج مدروسة بحيث تكون قادرة على نفض القيم الرديئة والوافدة عن عقله باستمرار.
· نشر نوع من الوعي الإعلامي والصحي في التعامل مع جهاز التلفزيون.
· تنسيق البرامج وأوقات إذاعتها بحيث نتلافى إطلاع الطفل على ما لا يجب أن يطلع عليه في شكله المعروض، وذلك من خلال التفصيلات البرامجية وتقدير الأوقات التي يتزاحم فيها الأطفال على الأجهزة.
◄ دور أهل الطفل وذويه:
· تصحيح علاقة الطفل بالتلفزيون، فالحجر لا يفيد، كما أن الإهمال يؤدي إلى أخطاء فاحشة في بناء الشخصية.
· تنمية هوايات الطفل ومهاراته ليستغرق فيها وتغطي له أوقات فراغه .
· التصرف السليم أمام الطفل، فاستسلام الكبار للتلفزيون وتعلقهم به يرثه الطفل ويصبح سلوكا أساسيا لديه.
· تحديد عدد المحطات التي يمكن للأسرة متابعتها والاقتصار على ما هو مفيد منها.
· تنظيم أوقات الأسرة يوميا وتوزيعها بحيث يكون وقت التلفزيون محدد يتوافق مع البرامج المفيدة.
الطفل والألعاب
تمتلئ أسواقنا بألعاب مستوردة، أو مصنوعة محليا على غرار المستورد. وجلّ هذه الألعاب ينطلق من أسس لا تمت بصلة إلى واقعنا، تحمل للطفل سلوكيات وقيم مغايرة ومختلفة عن خصوصيتنا ومع ذلك لا نستطيع مواجهتها وتلافيها، فهي أساسية في حياة الطفل وكذلك ألوانها المثيرة وأشكالها المحببة وتقنياتها المدهشة وما تقدمه من إمتاع وتسلية يغري الطفل وذويه. ولأن الألعاب ضرورة يمليها واقع الطفولة وطبيعتها لا بد للطفل من أن يحصل عليها، بل ربما يكون لحرمانه منها تأثير ضار جدا به، لكن علينا إدراك أن الألعاب ليست لمجرد الإلهاء، إنما الغاية منها المساهمة في نموه العقلي والجسدي والنفسي والحركي. لذلك يجب البحث عن اللعاب التي تسبب المزيد من المتعة المفيدة لا المتعة العقيمة.
الطفل والمهارات
المهارات تتعلق بجوانب النمو الحركية والعقلية مباشرة وتتداخل أيضا مع جوانب النمو الأخرى، والمهارات تدفع الطفل مبكرا نحو التوازن بين ما هو جمالي وما هو وظيفي إذ أن مهاراته تكون ظاهرة، وهذا يعني أنه سيتعرض لعمليات تقييم وتقويم مباشرة من قبل أسرته ومجتمعه. وكلما نمت مهارات الطفل تتاح له فرص أفضل للتواصل مع المجتمع، واكتساب المزيد من الخبرة، وتجعله قادرا على قياس مدى فاعليته وحضوره في المجتمع والدور الذي يمكنه أن يقوم به في إطار الجماعة الإنسانية أي تمهد له السبيل ليكون فردا إيجابيا بناء متفاعلا، له حضوره ومكانته وفرادته، وهذا ما يجعله يتصف بالاتزان، ويخلق في نفسه نوعا من الثقة بطاقاته وملكاته ويفتح له المجال لتحقيق الحد الأقصى من طموحاته وأحلامه، إضافة إلى ما تشكله هذه المهارات من اكتفاء حياتي وذلك من خلال اختصار حاجاته إلى الآخرين لأداء أعمال يمكنه القيام بها بنفسه.
الطفل والتعليم
بما أن الغذاء ضروري لنمو الجسد وتكامل وظائفه، كذلك التعليم ضروري لنمو القدرات العقلية وتوازن الحاجات النفسية ورفد الملكات وصقل المواهب. والأهم في التعليم هو المناهج التعليمية التي أخذت منذ القدم اهتماما وافرا وحتى الآن. فالمناهج تتغير بتقدم المعرفة وتحولات الظروف ونوعية الحاجات والمواصفات المرحلية للأمم في مجالات المعرفة والحياة. إذن أهمية التعليم تنبع من أهمية مناهجه وأهمية المناهج تأتي من خلال تنوعها وغناها وشموليتها واستجابتها لطبيعة الأطفال من جهة، إضافة إلى تحولاتها وتغيراتها المواكبة للتحولات والتغيرات التي تطرأ على المعارف والعلوم وظروف المجتمع وثقافته من جهة ثانية، إضافة إلى احتساب المدى المأمول للمجتمع والمستقبل المطلوب له في أسس هذه المناهج من جهة ثالثة ….
بعد هذه الدراسة القصيرة والمتواضعة لا نفهم لماذا يوجد لدينا في كل الدول العربية وزارات تربية وتعليم ؟ ولماذا لم تقم هذه الوزارات بعلاج هذه المشكلات الواضحة والتي يعرفها الجميع ويعاني منها كافة الناس وكافة المدارس في كافة البلدان منذ زمن طويل؟ هل هذه الوزارات قاصرة عن معالجة هذه المشاكل أو الحد منها..؟ ما المانع أن تتوحد مناهج الأمة العربية جميعها في منهاج واحد ما دام تربطنا لغة واحدة؟ وقضايا واحدة ومصير واحد وجغرافيا واحدة؟ أليست وحدة مناهجنا كافية لتوحيد ثقافتنا وهويتنا؟ ومن ثم مواجهة التحديات معا أقوى وأفضل من تفرقنا وضعفنا..؟ أين جامعاتنا المتناثرة والكثيرة في كل البلدان من هذه القضايا؟ نعتقد أن كليات التربية بكل أقسامها من حيث هي كليات لإعداد المعلم في مراحل التعليم العام. في حاجة إلى تطوير من الداخل، وبحاجة إلى توحيد مناهجها أيضا لتخريج معلم واحد يستطيع أن يتعامل مع كل القضايا بشكل جدي ويتداول التجارب والخبرات معا حتى نستطيع الخروج من دائرة الإحباط والتجهيل،وتتبنى دولنا مجتمعة فلسفة تربوية واحدة تتآلف وتتعاون مع كل أنظمة المجتمع المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتاريخية والدينية ...وبهذا نكفل لمجتمعاتنا التطور والتقدم لنرتقي إلى مصاف الأمم المتطورة ونشاركها كل الإنجازات الحضارية...
ـــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
· إسماعيل ، د. محمد عماد الدين : الأطفال مرآة المجتمع ، سلسلة عالم المعرفة /99 ، الكويت ، 1986 .
· عاقل ، د. فاخر : معالم التربية ، دار العلم للملاين ، بيروت ، 1983 .
· كرم ، د. جان جبران : التلفزيون والأطفال ، دار الجليل ، بيروت ، 1988 .
· الهيتي ، د. هادي نعمان : ثقافة الأطفال ، سلسلة عالم المعرفة / 123 ، الكويت ، 1988 .
· وزارة الثقافة والإعلام ، الشارقة : الطفل والقراءة ، الشارقة ، 1993 .
· أحرثاو ، د. الغالي : الطفل واللغة ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ـ الدار البيضاء ، 1993 .
· إبراهيم ، د. عبد الستار وآخرون : العلاج السلوكي للطفل ، سلسلة عالم المعرفة / 180 ، الكويت ، 1993 .
السبت، يونيو 13، 2009
كيف نعد أطفالنا للمستقبل ـ1
سألني أحد أصدقائي المعلمين : إننا المدرسة والمدرسين نعلم كل شيء من الأخلاق والقيم.. إلى المعارف والعلوم، لكن النتائج تأتي غير ذلك.. أو غير المرغوب فيها؛ فالقيم والأخلاق تكاد تكون مدمرة إلى غير ذلك.. وكلمني عن تفاصيل وسلوكيات غير مرغوب فيها.. بالتأكيد كل تلك المظاهر من فساد وغش وكذب وخوف ..إلخ لم نعلمها في مدارسنا، وبالعكس تماما.. إذن ما الذي يجري؟ هذا بالتأكيد يدفعنا للسؤال التالي : هل نحن نعلم، أم نربي؟؟ في مشاركتي لإحدى جنازات الشهداء في المخيم، جذب انتباهي: أحد الفتيان (لم يتجاوز عمره 16 عاما) كان يحمل سلاحا ويطلق الرصاص في الهواء.. عمر الطفل كان يثير في نفسي تساؤلات عديدة.. همست لمن كان بجانبي بأننا سنحتاج وقتا كبيرا لتعديل سلوك أطفالنا، وقد لا ننجح.. ما هي إلا لحظات حتى كان بعض المصورين الأجانب يلتقطون صورا للطفل.. اختاروه من بين العدد الكبير من المسلحين الذين شاركوا في الجنازة..
أكثر من طفل في المستوى الابتدائي أكدوا لي أن بعض المعلمين يضيعون وقت حصصهم في كلام السياسة، وأن أحدهم سأل تلاميذه عن انتمائهم السياسي.. بعدها سلط ضربه وغضبه لفئة من تلاميذ الصف لأنها تناصر، أو تنتمي لحركة سياسية..!؟ كم من المعلمين يملكون الزاد الكافي ليكونوا معلمين حقيقيين؟ وكم من المعلمين مقتنعين بأن لدى التلاميذ ما يتعلمونه منهم، مثل ما لديهم ما يعلمونه لهم؟ وكم من المعلمين عندما يخطئ يعترف بخطئه أمام تلاميذ؟ أسئلة كثيرة.. التغافل عنها غفلة لها ثمن جد باهظ! والاهتمام بها يؤدي إلى نتائج أعظم ما فيها أنها تفاجئنا بالاحتمالات غير المتوقعة التي كانت في مستوى الأحلام، بل يتجاوزها أيضا.. علينا أن نعترف أن المجتمع بأفراده ومؤسساته مسؤول عن الولادتين: ولادة الفرد البيولوجية، وولادته الثقافية.. وإن كانت الولادة الأولى ذات طابع بيولوجي تنتج كائنا حيا؛ فإن الولادة الثانية (الثقافية) تحوله من مجرد كائن حي إلى كائن ثقافي.. وهذا يدفعنا للقول: إن رعاية الطفل ليست نوعا من التفضل أو فعل الخير، أو من قبيل الإحسان، ولا عملا من أعمال التظاهر الاجتماعي؛ وإنما هي وظيفة اجتماعية تبدأ بالإنجاب، ثم الرعاية، ثم التحويل إلى عضو عامل في المجتمع، لكن هل ندرك معنى الطفولة حقا؟ وهل نتعامل مع الطفل (هذا الكائن المقموع) تعاملا سليما؟!
هذا ما نستطيع نفيه بوضوح استنادا إلى الممارسات اليومية التي تمارس بحقه، سواء داخل الأسرة أو المجتمع أو المؤسسات التربوية؛ فهو يعاني من تربية غير مدروسة في أسرته، ثم يتعرض لمؤثرات المجتمع، وهو لم يتمتع بالحصانة الكافية، ولا بالنمو العقلي السليم، الأمر الذي ينعكس سلبا في ضعف قدراته على المحاكمة والتصور والتعميم والتجريد والتركيب والتحليل والتذكر وما إلى ذلك… وبعد ذلك يواجه المؤسسة التربوية غير المجهزة تماما سواء في مواصفاتها المادية، أو في أطرها التعليمية والتوجيهية.. هنا وفي هذه العجالة من الأمر، لا يمكننا إضاءة نقطة صغيرة في عالم التربية الكبير والمعقد التركيب؛ إلا أننا سنحاول تسليط الضوء على عوامل تنشئة الطفل وما يحيط به ويؤثر في ثقافته، وثمة أمور يمكن جمعها ضمن جانب معين لأنها تكون متقاربة، فمن علاقة الطفل بالغة والقراءة والتعليم وتنمية المهارات… إلى أثر أدب الأطفال ومطبوعات الأطفال والتلفزيون والألعاب، إلى أنواع التربية التي يتعرض لها بشكل مباشر، سواء أكانت تربية دينية أو قومية أو اجتماعية أو فكرية أو صحية أو جنسية، في البيت أو الشارع أو المدرسة..؟ (العرض هنا لإثارة الأسئلة أكثر من كونه إجابة لأسئلة ـ كما بدأنا ـ فإدراك أهميتها أكثر أهمية من تحديدها كعلل لها وصفة وعلاج معينين ..)
الطفل واللغة
تتجلى أهمية اللغة بالنسبة للطفل من خلال أهميتها في حياتنا كراشدين، فاللغة هي مفتاح تواصلنا عبر المكان والزمان، إنها ذاكرتنا الجماعية ومخزن مفاهيمنا وقيمنا ورؤانا وآفاقنا، ومصدر انتمائنا الاجتماعي والثقافي، هي التي تحفظ الخبرة عبر الأجيال، من الماضي عبر الحاضر إلى المستقبل، ويكتسب الفرد باكتسابها معظم ما يجمع شخصيته مع مجتمعه، وهي ذات تأثير كبير على حياة الفرد منذ نشأته، بما تشكله من حوافز لقدراته العقلية التي تنعكس على مجمل جوانب شخصيته، وبالتالي تنعكس على حياته على امتدادها، وبقدر تمكنه منها، بقدر ما يكون قادرا على التواصل مع المحيط، وطرح تصوراته، والإفصاح عن حاجاته ورغباته، وتعليل وتفسير مواقفه وآرائه، إضافة إلى استقبال هذه الأمور مع الآخرين، وكلما تمكن الفرد منها في عمر أصغر، كلما كان أكثر تميزا ونجاحا في حياته، وأكثر قدرة على التكيف والتفاهم والإقناع، وكلما تأخر في اكتسابها، كلما انعكس الأمر عليه سلبا، فيكون أقل قدرة ونجاحا، وهو بأسئلته وملاحظاته وإجاباته وتتبعه السمعي البصري (لاحقا) يكتسب معظم الجوانب الثقافية التي تكون شخصيته، إذ أننا ـ كبشر ـ لا نستطيع أن نفكر في شيء لا تسمح به كفاءتنا اللغوية، كما أننا لا نستطيع التفكير فيه فنحن محكومون إلى مدى معين في أفكارنا وأفعالنا باللغة التي نعرفها. اللغة بطبيعتها ونوع تراكيبها ودلالاتها تدل على الفرد وثقافته ونوع التربية التي خضع لها، وكذلك تدل على المجتمع ومفاهيمه وقيمه، فالكاتب أو الممثل يتقمص دور شخصية ما؛ فإنه يكون حريصا على تمثل لغة هذه الشخصية في مستواها ومجالها الاجتماعي، وكلما أفلح في هذا التمثل كلما كان أكثر إقناعا وصدقا..
واللغة التي يكتسبها الطفل لن تكون حيادية، إنما توجهه وتزوده بالمفاهيم السائدة وطرق التفكير المعتمدة سواء أكان هذا الاعتماد مقصودا أم عفويا.. هذا يعني أن الطفل يتأثر باللغة وكذلك معارفه تؤثر في لغته، وهذا التأثير المتبادل بين المعرفة واللغة أمر في غاية الأهمية، ويؤكد أن تكون أهمية اللغة بمفرداتها وتراكيبها ومفاهيمها سليمة لتكون التربية سليمة، وكذلك يؤكد أن سلامة التربية تعني أن الطفل يكتسب لغة سليمة.
في الواقع العربي الذي نحن جزء منه، تشكل اللغة أزمة حقيقية للتربية، وهذه الأزمة غير عائدة للغة العربية وطبيعتها، وإنما تعود إلى طبيعة تعامل الفكر العربي (التربوي خاصة) مع اللغة، إضافة إلى ما يشكله الواقع من عقبات في وجه هذه اللغة، ويمكننا إجمال هذه الأزمات في النقاط التالية:
1. اللغة الفصحى والعامية: الطفل منذ نشأته يكتسب لغة ويعايشها بشكل دائم ويبني تصوراته من فهم للوجود وانتمائه للجماعة، ثم يفاجأ أن لغة أخرى تزاحم لغته هذه، وإن كان يحس أحيانا بما يربطهما، إلا أن اللغتين تبدوان متناقضتين أو مختلفتين كل الاختلاف أحيانا، مثال: (ذهب الطفل إلى والدته الجالسة قرب النافذة .. ) ◄ راح الولد لعند أمو القاعدة جنب الشباك.. في العامية المصرية ◄ راح الواد لعند مامته الآعدة كنب الشباك.. وفي عامية دول الخليج ◄ راح العيل عند أمه الكاعدة حد الشباج..إلخ . هذه الأمثلة توضح مدى غرابة الفصحى على الطفل، فإما أن نلجأ إلى تعليمه إياها على أنها لغة ثانية أو نحاول تدارك الفصحى وإشاعتها بدلا من العامية.. ولا نؤكد أن العامية والفصحى لغة واحدة، فالطفل لن يكون مقتنعا بذلك ..
2. الاصطلاح الأعجمي الحديث: مصطلحات كثيرة ذات مصادر غريبة، دخلت وما تزال تدخل في لغتنا اليومية، الفصحى والعامية في آن واحد سواء كنا نتحدث أو نقرأ. وتشكل هذه المصطلحات أزمة حقيقية تدعو للحيرة تفقد لغتنا بريقها وتشكل نوعا من التبعية الثقافية، وغالبا ما تكون غير معبرة عن لغتنا ودلالاتها المتعددة، ومن أمثلة ذلك: (بيولوجيا : علم الحياة ـ بسكليت: الدراجة ـ بسكوت ـ جاتوه ـ تكسي ـ آيس كريم ـ مايكروفون ـ كمبيوتر ـ ديجيتال…إلخ) كلمات كثيرة لا يمكن حصرها واستبعادها ما لم يكن لها بديل مقنع ومعقول تتبناه مختلف الأطراف المساهمة في تربية الطفل وتشكيل ثقافته..
3. البنية اللا علمية، والخرافة: اللغة ليست مجرد تراكيب ومفردات ميتة، وإنما هي كائن حي، وحياتها في المعاني والمفاهيم التي ننقلها من جيل لآخر، وكذلك في تكيفها وقدرتها على التواصل عبر الزمان، لذلك فإنها بحد ذاتها بحاجة إلى تربية مستمرة، وبمعنى آخر بحاجة إلى تهذيب وتشذيب إضافة إلى تطوير بما يواكب العلم والمعرفة والعصر. فإذا كانت اللغة تحمل مفاهيم غير علمية، فإنها ستكون عقبة في طريق المعرفة الصحيحة والإدراك الموضوعي والعلمي للوجود! مثال في قولنا : (أشرقت الشمس) عندما ندقق فيه نجد أنه خطأ علمي، ولكي نكون أكثر دقة ربما يجب أن نقول: (أشرقنا على الشمس)، فلا بد من الاهتمام بهذا الأمر بمسؤولية ووعي لكي ننشئ الأطفال نشأة لغوية زاخرة بالعلوم والمعارف ضمن تراكيب وأساليب بعيدة عن مفاهيم الخرافة وعن العاطفية السلبية والانفعالات، وقريبة من العلم والمنطق .
4. تطوير اللغة: اللغة العربية في رسمها الإملائي تطورت وخضعت لتبدلات وتغيرات وإضافات كثيرة، أوصلتنا إلى نوع من التوازن والدقة . لكن هذا الأمر استمر إلى حد معين.. ونحن الآن نجد أنفسنا في ظل رفض غير عقلاني لتحسين هذه المبادئ والقواعد كيف نتقبل التحسينات التي تمت عبر القرون الخوالي ونرفض أي تحسين في عصرنا الحالي ؟! إنه أمر في غاية الغرابة.. ذلك أن دواعي التحسين الآن أكثر من أي وقت مضى.
الطفل والقراءة
من المعروف أن اللغة المنطوقة تسبق دائما اللغة المكتوبة وتكون أساسا لها. وما لم يدرك الطفل معاني ما في الكتب من كلام مطبوع، وما لم يكن متشوقا إلى الكشف عما فيها من أفكار، فلن يكون عنده (المسوغ) الذي يدعوه إلى أن يتعلم قراءتها.. هنا يكمن قيمة الكتاب وثمنه وقيمة العلم واحترامه، فالقراءة استجابة لرغبة الطفل في أن يكتشف المعرفة بنفسه، إذ أنها بوابته الشخصية إلى المعرفة، ليتفاعل معها وينتقي منها ويربطها بما لديه أو بما تربط به في مجتمعه وليستقي منها ما يحتاجه.. أو بمعنى آخر ليقرأها !.
◄متى يتعلم الطفل القراءة ؟؟ هناك اتجاهان. الأول يقول : إن الطفل يجب أن يأخذ وقتا طويلا قبل أن نقحمه في مجال تعلم القراءة وتعاطيها بدعوى إرهاق كاهل الطفل بهذه الأمور مبكرا يجعله يمل منها بسرعة، وكذلك يؤثر في أوجه نموه الأخرى سلبا!. وآخر يقول: إن لم يتعلم الطفل القراءة مبكرا فإنه سوف يفقد فرصته الأثمن في الحياة، وإن السن المناسبة لتعلمه القراءة هي قبل الرابعة، وإذا تمكن منها فإنه يكون مميزا وإن تأخر فلن تعوضه كل العلوم والمعارف التي يحصل عليها خسارته من جراء تأخير تعليمه القراءة.
إن طفل اليوم أصبح أكثر تميزا من طفل الأمس، ولعل هذا عائد إلى العملية التربوية التي أصبحت أكثر قربا من الاستمتاع والإثارة، وتطور الوسائل المتنوعة في تعليم الطفل المرتبطة باللعب والتشويق والإثارة المدهشة..
◄من مشكلات القراءة التي تواجه الأطفال ما يتعلق بالرسم القرآني والإملاء العربي. فالرسم القرآني ترسم فيه بعض الكلمات رسما لا يوافق لفظها مثل: (الزكوة، الصلوة، السموت، الرحمن…إلخ) إن استسلم الطفل لاختلافها فتثير في نفسه إشكالية.. هل هناك ضرورة للحفاظ على هذا الرسم؟؟ إذ أن القرآن الكريم أنزل لفظا ولم ينزل كتابة.. إذن ما الذي يمنع كتابة القرآن وفق قواعد الإملاء الحديثة طالما أن اللفظ محفوظ ومصان؟! ولماذا نصر على عدم وضع إشارات الترقيم (النقط، الفاصلة، الواصلة…إلخ) مع أنها ذات فائدة كبيرة لتيسيرها سهولة القراءة والفهم؟! وثمت مشكلات عديدة في الإملاء يختلف عنها بلاد عربية دون أخرى، خاصة فيما يخص أحكام الهمزة والأحرف المزيدة والمحذوفة رسما والثابتة نطقا…إلخ . إنها مشكلات حقيقية مهما تغافلنا عنها، فهي تحتاج منا إلى أكثر من وقفة تأمل وإلى جهود حقيقية وفاعلة من أهل الاختصاص. يتبع في الحلقة القادمة ◄
ـــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
· إسماعيل ، د. محمد عماد الدين : الأطفال مرآة المجتمع ، سلسلة عالم المعرفة /99 ، الكويت ، 1986 .
· عاقل ، د. فاخر : معالم التربية ، دار العلم للملاين ، بيروت ، 1983 .
· كرم ، د. جان جبران : التلفزيون والأطفال ، دار الجليل ، بيروت ، 1988 .
· الهيتي ، د. هادي نعمان : ثقافة الأطفال ، سلسلة عالم المعرفة / 123 ، الكويت ، 1988 .
· وزارة الثقافة والإعلام ، الشارقة : الطفل والقراءة ، الشارقة ، 1993 .
· أحرثاو ، د. الغالي : الطفل واللغة ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ـ الدار البيضاء ، 1993 .
· إبراهيم ، د. عبد الستار وآخرون : العلاج السلوكي للطفل ، سلسلة عالم المعرفة / 180 ، الكويت ، 1993 .
الجمعة، يونيو 12، 2009
ميلاد جسم ثقافي جديد باسم صالون القلم الفلسطيني
أمام الحشد الكبير الذي ملأ قاعة المؤتمرات التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني بغزة، وبحضور الدكتور رياض الخضري عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وممثلي القوى والفصائل الفلسطينية، ولفيف من الأدباء والمثقفين، ومندوبين عن المؤسسات الأهلية والجامعات أعلن عن ميلاد صالون القلم الفلسطيني الذي ظل يعاني الانطلاق لأكثر من سنتين بسبب الانقسام والحصار إلى أن أصر مؤسسيه إقامة حفل ميلاده رغما عن الظروف المعقدة التي يمر فيها شعبنا الصابر في غزة. تقدم عريف الحفل الكاتب الدكتور ناصر جربوع بادئا الحفل بالوقوف سماعا وخشوعا لموسيقى السلام الوطني الفلسطيني، ومن ثم الوقوف دقيقة حداد وقراءة الفاتحة اجلالا وإكبارا لأرواح الشهداء الأكرم من الجميع، وبدأت رئيس الصالون د. فاطمة قاسم كلمتها بالترحيب بالحضور الكريم الذي اعتبرته بمثابة مرسوما شعبيا ورسميا لميلاد صالون القلم الفلسطيني الذي نطمح بأن يكون واحة آمنة لكل المبدعين وأصحاب الرأي ومنتجي الأفكار يليق بمستوى شعبنا المرابط على أرضه الطاهرة المقدسة وفي المنافي والشتات، وأضافت أن الصالون ليسَ طرفاً في السجالات السياسية، بل إنهُ دعوةٌ مفتوحة لهذا الشعب، الذي تفوق بصمودهِ وصبرهِ حتى على الأساطير نفسها، وساهم في رعايةِ شجرةِ الذاكرةِ والمعرفة الفلسطينية لتكونَ كبيرةً على امتداد الانتشار الفلسطيني، وارفةَ الظلال على قدرِ الوفاء لفلسطينَ وشهدائها الأبرار، وشعبها الصامد، وقضيته العادلة، ودعت دكتورة قاسم إلى إنهاء حالة الانقسام، وشددت على التمسك بالوحدة الوطنية التي لا خيار غيرها لتحقيق أهداف شعبنا، وختمت كلمتها بمقولة شاعرنا الكبير: " على هذه الأرض ما يستحق الحياة.." وتخلل الحفل عروضا فنية من فرقة الهودج للفلكلور والتراث، وأغنية الوطن للفنان حسن الأستاذ، وكذلك أغنية الوحدة الوطنية للفنان محمود الحلو من فرقة الهودج أيضا، وقصائد شعرية لكل من الشاعر أحمد بارود والشاعرة إلهام أبو ظاهر والشاعر الشاب عبد الحميد عبد العاطي والشاعر عمر الهباش، فيما ألقت الشابة مجد أبو سلامة قصيدة للشاعر محمود درويش ـ رحمه الله، وقبل اختتام الحفل داهمت قوة من حماس مدججة بالسلاح للقاعة مطالبة بإنهاء الحفل؛ فغادرت جماهيره بهدوء محتفظة بقلوبها ميلاد أمل جديد انبثق من عمق المعاناة والحصار..
الاثنين، ديسمبر 22، 2008
إليها
عبد الكريم عليان
حينما طلبت مني أن أكتب شعرا
رَبِيعُ عَيْنَيكِ الأَخْضرُ،
نبيذُ شفتيكِ الأحمرُ،
هَلْ لي أعذبُ منها؟
في الدُنْيا لا أَتَصَورْ!
وخَيَالي يَعْجَزُ عَنْ الوَصْفِ
يا حُلْوةَ..
أنتِ أَحْلَى مِنْ كُلِّ خَيَالي،
وأَكْبرْ!
... ... ...
وتَقُولِينَ لِي:
لمِاذَا لا تَكْتُبَ عَنِي شِعْراً؟
وكَانَ جَوَابِي:
لا أقْدَرْ..
وتُعَاتِبَني
وَتَحْلفُ بأَنْ لا تُكَلّمَنِي..
مَنْ مِثْلِي يا حلوةَ يُعذَرْ؟
... ... ...
يا رَبّي!
في أَوَّلِ لقَائِي بِها
وثَغْرها صَارَ أَزْهَرْ
بِأَحْلَى مِنَ الوَرْدِ
وأَصْفَى وأَشْهَى وأَنْضَرْ!
مَنْ عَلَّمَها أَنْ تزْهَرْ؟
مَنْ عَلّمَهَا؟
... عَلَى الدُنْيَا أنْ تَتَكَبّرْ؟
وتَتَحَدّى بِمَوْسِمَهَا الطَالِعَ
كُلَّ مَوَاسِمَ البَيْدَرْ
مَاذَا أَقُولُ؟
وفِي عَيْنَيكِ
ظلُّ اللَيالي مَعِي
يَسْهَرْ..
وتُراقِصَني وتُعَذِّبَني وتُبْعِدَني..
وتَتَمَنّى فِيمَا تَتَمَنّى!
أنَّ الصُبْحَ لا يَظْهَرْ..
......
وعَلَى صَخَبِ الهَمْسِ
لَمْ نَتْعَب..
لكِن، دوَّخَنا المرَّ..
وقاَلتْ فِيما أَتَذَكَرْ:
إِنْ ضَاعَتْ رَحمَْةَ الرَبِّ
كلَّ ذِنُوبَكَ عِنْدي تُغْفَرْ..
وبَيْنَ الشفقِ والفَجرِ ضِعْنا..
وضاعتْ الدُنيا...
وامتزَجَتْ النارُ مع السُكّرْ،
وخُصُلاتِ الشَعرِ تُغَطيني
أطفالاً نَلهُو، بَلْ أصْغَرْ
أصابعٌ نامتْ على القدِّ
وأصابعٌ كانتْ..
تضيعُ في الشعرِ الأشقَرْ
وما عُدْتُ أذكرْ
سوى
أنْ نحيا في الحبِّ.. لا أَكْثرْ
وإنْ حَرّمَ الرّبُّ
حلالٌ عِندَما في الحبِّ نَسْكَرْ
الاثنين، ديسمبر 01، 2008
المرأة والرجل -2
عبد الكريم عليان/ هدلا القصــــار
نداء ـ المرأة المزواجة
هدلا القصار :
هل ننصف النساء في تعدد الأزواج بعد كل طلاق وتبادل الأدوار؟؟
قد يكون الكلام قاسيا في البداية، لكنه يحمل بين طياته سطور الصدق الذي سنكتشفه، فكلما اقتربنا من حياة الأزواج، كلما اكتشفنا أنه ما زال غير مكتمل النمو والنضج الاجتماعي والنفسي، وكلما قلّ التفاهم بين الزوجين، كلما تفاقمت الخلافات بينهما، مما ينتاب كلا الطرفين انه بحاجة إلى تجربة ثانية وثالثة ورابعة، وكثيرا ما نقرأ أو نسمع من الزوج شكواه ومبرراته وأسبابه، منها: إهمال الزوجة، كثرة متطلباتها، أمراضها، التقصير في واجباتها المنزلية، عدم الاهتمام بمظهرها، فقدان لغة الحوار، سيطرة الزوجة على الزوج، تبادل الأدوار والشخصيات، عدم التكافؤ، فقدان الثقافة الأسرية والاجتماعية، عدم احترام الزوج، عدم الاكتراث به، تجاهل متطلباته، وو... الخ، لكن المجتمع لا يكترث لشكوى الزوجة، ولا يطلب التوضيح لأسبابها ودوافعها وأخذها بعين الاعتبار، تعددت الأسباب والنتيجة واحدة.
من هذه البداية الساخنة نتطرق اليوم بإيجاز عن أسباب وتكرار الزواج عند النساء بعد الطلاق، أو الترمل، هذا الموضوع الذي لم ينفرد به الإعلام على نطاق واسع، ولم ينل أيُّ اهتمام في مجتمعنا الذكوري، كما وأنه لم يتطرق أحد للظروف الإنسانية والنفسية والمرضية والاجتماعية المصاحبة لحالات الطلاق المتصدعة التي تدخل بطريقة أو بأخرى في مبررات تكرار الزواج، وصارت حالات الطلاق التي أصبحت في هذا الزمن خبر روتيني بـارد في مجتمع ذكوري لا يتعاطف مع نساء لا ينصفهن الحظ في اختيار الزوج المناسب ؟ ولم يسال أحد: لماذا تنتهي حياة الزوجات خاصة والأزواج عامة بالطلاق وإعادة التجربة بعد كل فشل، كما وأنه لم يتساءل الزوج الذي يريد الارتباط بمطلقة يوما، أو يبحث عن الدوافع والأسباب التي قد تكون معنوية، أو إنسانية، أو عقائدية مما تؤدي إلى هذا الفشل، ولو من باب حرص الزوج لتلافي أو لمحاولة إصلاح وحل المشكلة قبل أن تتكرر تجربة من سبقه من الأزواج ؟ وليحصر لنا أو نحصر معه مبررات الزوجة وأسبابها الكامنة، والتي تدخل الزوجة بعد فترة من الارتباط بمشكلات لا حصر لها . ولا أنكر أن هناك بعض النساء لا يكتفين بتجربة واحدة بعد كل طلاق أو ترمل، بل لديهن استعدادا تاما لخوض التجربة أكثر من مرة كالـسيدة (نــداء)، وربما نداء لا تستطيع الاستغناء عن وجود رجل في حياتها، ولا ضير في ذلك، لكن هل نتلمس لها العذر ونتفهم ظروف ودوافع هذه السيدة؟ وإذ كان يمكننا الدخول إلى عمق تجاربها المتكررة ومبرراتها التي دفعتها للتنقل من زوج إلى آخر؟! فربما تكون) نــداء( بحاجة إلى طبيب أو معالجة خاصة ؟ أو أنها ما تزال بحاجة إلى إشباع عواطفها وشعورها بأنها ما زالت مرغوبة من الجنس الآخر ؟؟ وهذا احتمال.
(نـداء) التي طلقت من ثلاثة أزواج بعد طلاقها من الزوج الأول الذي كان يكبرها بعدة سنوات وكانت ثمرة ذلك الزواج أربعة أبناء، منذ ذلك الوقت وهي ما زالت تبحث حتى الآن عن الرجل الآخر الذي ينسجم مع رغباتها بالحب الرومانسي الجامح في عشقه لها. لم تجد (نـداء) هذه التركيبة الفطرية المنقرضة في مجتمع تسيطر عليه الخشونة، إلا من الأشهر الأولى للزواج كل مرة، وهذه الفترة هي بالأصل دائما منبع الحب والشهد لتفريغ غرائز الشهوة المكبوتة منذ البلوغ حتى النضج. بعد مضي الزمن تشعر (نـداء) بأن هذا الحب الأفلاطوني الذي كانت تعيش فيه قد أصابه البرود وتبعثر، ليبدأ جرس الإنذار لديها بإعلان الخطر! ومن ثم تبدأ الغيرة والشكوك تحتل صدرها، وتسيطر على تفكيرها بدون تدبر منها لتستبدل الحب والملاطفة الودية والألفة، وتتجمد رغباتهما.. إلى أن يتجه سيف الجفاف نحو صدور الزوجين بالسيطرة المتبادلة، والعناد، ليستحيل بعد ذلك استمرارية العيش معا في جو يسوده التوتر النتاج من تبادل الاتهامات والتراشق بالألفاظ المقززة والبذيئة التي تعجز عنها أجناس الأدب والثقافة الأخلاقية التربوية من كلا الطرفين، يستحيل استمرار التعايش في ظل هذه الهتافات اللفظية التي تؤدي بهم في نهاية المطاف إلى الاشمئزاز من بعضهم البعض، وإلى طريق مسدود من لتفاهم بينهما، وتنتهي علاقتهما بتكرار الطلاق. ماذا يعني لنا: أن السيدة (نـداء) ما زالت تبحث عن الحب؟ وتصرخ بصمت الألم النفسي والمعنوي لعدم إيجاد الزوج الملائم لها؟ بخلاف الصديقتان (نادرة) و(حنان)..
عبد الكريم عليان:
ما لم تقله ـ هدلا في حالة نداء
لنبدأ من السؤال الرئيسي في أن بعض النساء لا يكتفين بتجربة واحدة بعد كل
طلاق أو ترمل، بل لديهن استعدادا تاما لخوض التجربة أكثر من مرة كالـسيدة " نــداء ". ألا يقودنا هذا السلوك إلى سؤال رئيسي هو: ماذا يريد الإنسان من الزواج ؟ وهل سلوك نداء في تعدد الأزواج أمر طبيعي؟ أم هناك خلل في شخصية نداء؟ ومن مثلها؟ من منا يختلف على ما نريد من الزواج غير الاستقرار والاطمئنان والمتعة بدون مشاكسات سواء من الذكر، أم من الأنثى؟ أليست هذه هي فطرة الحياة؟ من يستطيع الاستغناء عن الآخر؟ سواء الذكر، أم الأنثى؟ كبيرا كان، أم صغيرا؟ الأمر لم يعد مقتصرا على ذلك فقط ! بل إن درجة الاطمئنان والاستقرار لها متطلباتها كي تستمر الحياة..
نعتقد أن حالة نداء تحتاج منا اهتماما أكثر من الاهتمام بحالة صابرة، لأن نداء استطاعت كشخصية نادرة أن تتخطى كل التقاليد والأعراف السائدة في المجتمع، ولا نعرف إن كان هذا النموذج هو المطلوب في (كل حالاتها..) تحت مظلة مجتمعنا المحافظ؟ أو كيف يمكننا تنميط هذا النموذج بشكل يقبله المجتمع. ربما المسحة الجمالية لنداء وتحررها من التقاليد أعطاها فرصة تغيير الأزواج بشكل يرضي فضولها ولو مؤقتا؛ لأنها لم تنجح في زواجها الثاني، وكذلك الثالث، وقد لا تنجح في غيرهما أيضا. ولو بحثنا في شخصية نداء لا نجد أية مشكلة، إنما المشكلة الرئيسية هي الزوج الذي يكبرها بكثير إلى درجة أصبح فيها لا يستطيع ملء فراش زوجته إلا ما ندر إن لم يكن عاجزا تماما، أو أصبح لديه مشكلة بات من الصعب على نداء تقبل معاشرته، وهي الفتاة الشابة الشبقة دائما حسب ما ورد في القصة، ولنذهب لأبعد من ذلك في عصر التكنولوجيا والفضائيات وما تبثه يوميا من أفلام ووثائق لا أحد ينكر أثرها على الرجال الذين يتهافتون على مشاهدة تلك الأفلام بحيث يرون فيها ما لا يرونه في زوجاتهم، أو أن زوجاتهم لا يمكنهن من القيام بتلك الأدوار لإشباع رغباتهم الجنسية.. فماذا لو عكسنا الصورة عند "نداء" المتحررة؟؟
نعتقد أننا أمام ظاهرة منتشرة بشكل سري في مجتمع لا يجرؤ على مناقشتها.. وفي كثير من الحالات أوصلت الزوجين إلى الطلاق بدون البوح عن هذا السبب المهم، أو تحميله إلى أسباب ثانوية.. إذن نحن أمام مشكلة تحتاج إلى تكثيف في الثقافة الجنسية للجنسين تتلاءم مع ظروف العصر والرغبات الإنسانية التي لم تنتهي، ومن يعتقد أن هذه المشكلة هي مشكلة شرقية قائمة في المجتمعات المحافظة فقط ، يكون مخطئا أيضا..! بل هي قائمة في المجتمعات المتحررة، لكن في هذه المجتمعات يتم معالجتها من خلال البرامج الإعلامية والتلفزيونية والمؤسسات المتخصصة في ذلك.. كل هذا يحدث أمام أعيننا وكلنا يعرف ذلك، ولن نجرؤ على مناقشته خوفا من سوط التقاليد والأعراف المتحجرة المصبوغة بالدين، وما يؤسف أكثر هو القائمين على المنابر المختلفة، هم أيضا يعيشون نفس المشكلة ويتهربون منها بشكل، أو بآخر ولا يجرؤ حتى الشيخ مناقشتها مع أولاده، أو مريديه... إذن نحن أمام معضلة تربوية ثقافية تحتاج منا تغيير كبير في منظومة التربية السائدة بدء من البيت والمدرسة والشارع ووسائل الإعلام المختلفة وانتهاء بالجامعات...
كيف يتم الزواج في مجتمعنا؟ وعلى أي أسس؟ هل هناك معيار يمكن أن نقيس به إن كان الزواج ناجحا؟ أو غير ذلك..؟ في الحقيقة أن غالبية حالات الزواج في مجتمعاتنا تتم من قبل الأهل، أو بمساعدتهم في تحديد الزوجة ولا يكون للعروسة مفر آخر، سوى الموافقة والثقة التامة بما يفرضه الأهل عليها.. ولا يكون لها رأي في ذلك، كذلك العريس لا يتعرف على عروسته سوى بالشكل الظاهري دائما، وحالات قليلة جدا من الزواج تتم عبر قصص من الحب يكون فيها الطرفان قد تعرفا على بعضهما عبر الرسائل، أو مقابلات سرية قليلة.. فهذه "نداء" بعد الخمسين من عمرها وثلاثة أزواج تبحث عن الحب المفقود لديها منذ أكثر من عشرين سنة.. الشيء المهم الذي يجب ذكره هنا هو: غالبية عظمى من الشباب والشابات في مرحلة ما قبل الزواج يعيشون أحلاما وردية ويرسمون في مخيلتهم أشياء لم تتحقق لهم بعد الزواج ويصطدمون بواقع آخر لم يتحقق.. ولم يتفاهم الطرفان على تحقيقه، أو لم يجدا الوسائل التي تساعدهما في تحقيق ما يحلمان به، وحتى يفقدان طريقة الحوار الهادئ التي من المفترض أن توصلهما إلى حياة سعيدة بقدر ما.. يشاركان في خلقها بشكل يرتضياه الطرفان، بدلا من القطيعة التي قد تؤدي إلى الطلاق.
إن "نداء" كإنسانة من حقها أن تبحث عن سعادتها وتعمل على تحقيقها ضمن تقاليد المجتمع والأعراف السائدة فيه، لكن هل تجد ما يحقق لها ذلك.. إلا من الطامعين (كزوج صابرة) وأصحاب النزوات المارة في مجتمع ينظر إلى (المطلقة) أنها امرأة سيئة، أو شاذة؟؟ نعتقد أن المشكلة تكمن في المفاهيم الخاطئة السائدة في المجتمع والتي تتناقض مع النصوص الدينية، حسب قول الرسول (صلعم): "تنكح المرأة لأربع: جمالها، ومالها، وحسبها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك.." إذن ما دام الأمر واضحا بهذه الصورة، لماذا لا يقبلها المجتمع؟ عندما يتزوج رجل امرأة طمعا في مالها، أو جمالها..؟
الأحد، نوفمبر 23، 2008
صابرة وزوجها الثاني
عبد الكريم عليان
وهدلا القصــــار
المرأة والرجل (1 )
هدلا القصار : لا يغركم النقمة في ظاهرة الطلاق فقد تكون نعمة في ابتلائها ...
أيها الأصدقاء الأعزاء: يا من لمستم وعرفتم معنى الآلام، اعلموا أنه حينما تجتاحنا أمواج المتاعب لكل حادث جديد ينتابنا فزعاً شديدا، وتفكيرا عميقا في كل ما حولنا .وعندما تهب علينا رياح الحظ رقيقة، نفكر في التمتع بروح نستمد منها سعادتنا .وحين تنتابنا المخاوف، نرى غضب السماء في كل تهديد، وتطن في آذاننا نغمات لا تحوي أية تعويذة شافية .إن هذه التأملات والاستنتاجات هي التي دفعتني اليوم للكتابة بعد أن توقفت لعدة أشهر في تأمل عميق عن مسببات الطلاق، وما ترتب عليه من معاناة وقسوة وظلم بحق المرأة.. قابلت حالات كثيرة من الطلاق، تأثرت بها كثيرا.. سنحاول عرض بعضها لاستخلاص العبر، والخروج بتوصيات أو نصائح عسى أن نساهم في تخفيف المشكلة، أو الحد منها..
ربما تأثرت بعض العائلات والأزواج تحديدا من الوضع الاقتصادي والسياسي السائد في غزة . من معاناة نفسية ومعنوية بسبب الحصار، والبطالة المتفشية، وتعطيل الحركة التجارية التي سببت الغلاء الفاحش، والوضع المعيشي عامة، مما أدت هذه العوامل إلى الاختلال في العلاقات، وخاصة بين الأزواج في بقعة جغرافية لا تحتمل! كل ما يحصل فيها من خلافات عائلية، أو زوجية تؤدي في النهاية إلى الطلاق.
فالبعض من هذه الخلافات قد يكون محقا، أو منصفا، أو قد يكون ظلما وعدوانيا، والبعض منهم يكون لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم مدفوعين ومجبرين على أشياء لم تكن في الحسبان. ولا أنكر أن بعض من هذه المشكلات قد مستني بشكل أو بآخر.. وعايشتها بسبب اقترابي من بعض النساء اللواتي يجمعني بهن غربة الوطن، أو من خلال علاقاتي المهنية والإعلامية من جهة، والأدبية من جهة أخرى، ناهيك على أن الطرفين بالأساس من شريحة الموظفين والمثقفين، واليوم يلتزمون منازلهم بسبب الوضع السياسي المفروض على غزة تحديدا.
لن أطيل على القارئ في بعض التفاصيل لكنني قصدت أن أشير عبر هذه المقدمة محاولة (جوجلتها) والبوح بها بصوت مرتفع، ربما أتمكن أو نتمكن من التقاط حل لبعض هذه المشكلات .كما أحب أن الفت نظر القارئ إلى أن الأسماء التي ستذكر هي بالطبع ليست حقيقية وإنما هي مجرد أسماء وهمية لتسهيل السرد إن السيدة "صابرة" هذه المرأة التي طلقت قبل عشرة سنوات بعد زواج فاشل بسبب هجرة زوجها إلى دولة عربية شقيقة في مهمة عمل رسمية ثم قرر البقاء هناك والزواج من امرأة أخرى .فقررت هذه السيدة التي ما تزال في العشرينات من عمرها عدم الزواج من آخر والإبقاء على حضانة طفليها والتفرغ لوظيفتها في السلطة الفلسطينية، لكن شاءت الأقدار بعد هذه السنوات العشر الطويلة من هذا الزواج أن تصادف رجلا آخر وتتفق معه على الزواج.
اندفعت السيدة "صابرة" في عاطفتها لدرجة أنها تكلفت معه في جميع نفقات زواجهما وصداق مهرها؛ لان الرجل كان متزوج من أخرى ووافقت أن تعيش في غرفة واحدة في بيت هذا الزوج وأرسلت ولديها للعيش مع عائلتها بشكل مؤقت، لكن ما حدث فيما بعد أن هذا الزوج بعد مضي شهرين فقط ! أصبح يمارس عنفا جسديا ولفظيا على الزوجة ضدها حتى وصل به الحد إلى طرد أطفالها خلال زيارتهم لها، وأن يعتدي عليها بالضرب المبرح ولم يتوارى من طردها وإخراجها من منزله ليلاً، وكما تعلمون وجدت هذه المرأة المصدومة بزواجها الثاني في مأزق حين علمت أنها حامل، عدا عن ذلك فقد كانت تخشى إدانتها بسبب قرارها بالزواج للمرة الثانية، وأن تجد نفسها أيضاً مطلقة للمرة الثانية من رجلين، فقررت أن تتحمل وأن تصبر، ولعلي سميتها "صابرة" بسبب ذلك، فقررت إقناع زوجها أن تنتقل للعيش هي وولديها إلى المنزل التي تملكه هي بالأصل قبل زواجها من الثاني، إلى أن بلغت معاناة هذه المرأة ذروتها حين اكتشفت أن زوجها أصبح يلاحقها بطريقة ماكرة أحيانا، وعنيفة أحيانا أخرى، وذلك للضغط عليها حتى تبيع شقتها التي هي من حق أبنائها وهي آخر ما تملكه بعد أن نفق كل مالها ومدخراتها على هذا الزوج الطماع والقاسي، لأجل ذلك اخذ يضيق عليها الخناق بعزلها عن جميع صديقاتها وعائلتها بشكل أو بآخر، كما تعلم السيدة "صابرة" أن زوجها يحاول الآن إقناعها ببيع شقتها، لكنها لا تعرف ماذا تفعل بعد كل هذه المعاناة.. "على عكس السيدة نداء" التي سأتكلم عنها فيما بعد.. ترى ما هو الخيار الذي تواجهه صابرة في مثل هذه الحالة ؟ أليس الطلاق هو الحل وهو بمثابة النعمة؟
للتنويه: حتى لا يعتقد البعض أنني بهذه الأطروحات أحصر سلبيات الرجل وحده، أو أحمله نتائج الطلاق، بل هناك نساء تتحمل مثل هذه الأخطاء، وربما أكثر، وهناك الكثير من الأزواج يجهلون حسن التصرف في فوضى المشكلات التي تجتاحهم وهي ساخنة، حتى لو كانوا أطباء أو فلاسفة.
(ملاحظة بهذه السطور اعترف أنني ربما اختصرت أشياء كثيرة واختزلت أشياء أخرى، وأعتقد أنني أبرزت أهم ما في الموضوع).
عبد الكريم عليان : ما لم تقله ـ هدلا في حالة ( صابرة )
قبل أن نبدأ بعرض رأينا وأفكارنا حول زوج " صابرة " لا بد أن نقدم الشكر للشاعرة " هدلا " التي فاجأتنا برؤيتها وأفكارها .. فاجأتنا برقة مشاعرها تجاه قضايا المرأة والمجتمع في غزة، بعدما ظننا أنها تعيش اغترابا لا حد له في المجتمع الغزي، وإذ بها تنبش قضايا اجتماعية عميقة تعزز صدق انتمائها، وتؤكد لنا حقيقة: أنها لن تتخلى عن قضاياها التي هي قضايانا جميعا..
عندما نتحدث عن زوج " صابرة " لا بد أن نذكر أن شاعرتنا لم تعش في غزة مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولا شك أن الحياة كانت مختلفة أدواتها وقيمها، وكما يقولون: "وسائل الإنتاج هي التي تحدد سلوك البشر.." فحياة الصحراء مثلا تختلف عن حياة القرية، وكذلك حياة المدينة تختلف عن الاثنتين، وأيضا حياة المجتمعات الصناعية تختلف عن حياة المجتمعات الزراعية، وما يهمنا هنا هو: أن المجتمع الغزي يعيش منذ عشرين عاما في حالة غير مستقرة نوعا ما إذا ما قورنت بالسابق، حالة يسودها العنف بكل أشكاله وفي شتى المجالات، وكذلك التناحر السياسي وما يسوده من عنصرية وتفكك في النسيج الاجتماعي، وما أفرزه من تدمير في منظومة القيم والمفاهيم التي كانت سائدة إلى أن توجت أخيرا بمحاولة أدلجة المجتمع الغزي بفكر جديد بعدما فقدت الكثير من الزوجات أزواجهن بفعل الاحتلال، أو بفعل الهروب من واقع غزة الذي أصبح لا يطاق خاصة من فئة الشباب الذي أفادتنا آخر استطلاعات الرأي: " أكثر من 45% منهم يرغب في الهجرة من غزة.."
حالة " صابرة " هي حال الكثيرات وإن كان لها مشكلتها الخاصة حسب ظرف زواجها الأول والثاني، لكن كثيرات هن الصابرات اللواتي يعانين من ظروف حياتهن.. وإن كانت صابرة الصغيرة والجميلة قد وجدت لها زوجا يكبرها بعشرين سنة تقريبا؛ فغيرها وربما أصغر منها لم تجد إلا كهلا.. هذا يدفعنا إلى التساؤل عن مورثونا الثقافي والديني الذي كان على صابرة وغيرها أن تفهم في أي وسط تعيش؟ من حق صابرة وغيرها أن يكون لهن طموحهن العالي في حياة هادئة وهانئة، وحتى يتحقق ذلك لا بد من ثورة على المفاهيم والتقاليد الاجتماعية المصبوغة بطابع ديني تتباين حوله المذاهب الشرعية.. وما تريده الشاعرة هدلا وغيرها من المناضلات في نعمة الطلاق هو: أن يكون طريقا لزواج ناجح، بحيث لا تعيش المرأة بعدها فريسة لذئاب المجتمع..
الغائب في حالة صابرة هو الزوج الأول، والذي لا نعرف كيف سمحت صابرة لنفسها أن تقبل بأن يغادر زوجها الوطن في رحلة عمل كما ذكر في المقال، وهي تعرف أن زوجها الشاب لا يستطيع الحياة بدون زوجة خاصة إذا كانت هذه الرحلة طويلة، ونعتقد أن صابرة هي التي طلبت الطلاق منه، أو قامت هي بتطليقه بعدما غاب عن فراشها المدة الشرعية، هل كانت تعتقد أن بإمكانها أن تتزوج الرجل الذي تريد؟ وفي غزة التي يعتمد فيها الزواج على الحظ ؟ وواضح أنها كانت واهمة تماما في زواجها من الرجل الثاني الذي لم تتعرف إليه فترة لم تتجاوز الشهر، فأخطأت حين اعتقدت أن هذا الرجل بثقافته المزيفة والتي ساهمت هي بتزييفها أنه الزوج المناسب، والذي يمكن أن يسعدها ويحميها... خصوصا أنها كانت تعرف أنه رب أسرة كبيرة، وتدور حوله مشاكل عديدة أهمها المال كما ذكر، حيث تكلفت هي بكل تكاليف زواجها منه بما في ذلك مهرها.. هي قررت ذلك تماما، ولو كلفت نفسها وأهلها برهة من التفكير والبحث عن هذا الرجل لما وقعت في هذا الخطأ، لكن المسكينة وقعت ضحية قلبها الذي طغى على تفكيرها.. أما هذا الزوج الذي وجد في صابرة طريقه إلى المجد والشهرة وأنها مناسبة تماما لحالة ( البريستيج ) الجديدة قد اصطدم بواقع أسري جديد لا يمكنه الاستمرار بين صابرة التي تخلت عن أولادها من الأول وتريد منه أن يتخلى عن أسرته الكبيرة، وبين زوجته الأولى التي تقوم على تربية أبنائه.. فذهب إلى محاولة ابتزاز صابرة ليجبرها على بيع شقتها حتى يجمع الاثنتين في منزل واحد يعيش فيه مستقرا.. هل يمكن لصابرة أن تتكيف مع هذا الواقع الجديد وتتخلى عن طموحها الغير واقعي، وغير منطقي في مجتمع بطريركي مازالت فيه العائلة الممتدة متجذرة؟!
لنسأل أنفسنا إن كانت الحالة السابقة مبنية على أسس لزواج سليم؟ وما هي مفاهيمنا عن الزواج؟ هل الزواج هو علاقة جنسية؟ وإن كانت كذلك، ما هي متطلباتها حتى تكون ناجحة؟ أو أن الزواج مؤسسة لها أسسها وقوانينها ونظمها وتحتاج منا إلى تأهيل وتدريب جيدين بشكل يدفعنا إلى النجاح والتقدم؟ ماذا يمكننا أن نفعل حتى نخفف، أو نحد من ظاهرة الطلاق؟ هل نحن بحاجة إلى تشريعات قانونية تلائم الظروف والحياة المستجدة في واقعنا؟ أسئلة كثيرة منها ما يتعلق بالمجتمع ومنها ما يتعلق بالدولة لكن الإجابات عليها تساهم إلى حد كبير من حل المشكلة والتخفيف من حدتها...
إلى اللقاء في الحلقة القادمة مع قصة أخرى ورأي جديد ...
الخميس، أكتوبر 16، 2008
للنســـاء فقط
عبد الكريم عليان
عضو صالون القلم الفلسطيني
جاءتني مرة تسأل عن كتاب في التربية .. لا أعرف كيف استدلت إليّ .. لنساء الحارة التي أسكنها أسرارهن .. لم أكن أعرفها من قبل ، ساعدتها فيما أرادت ، طلبت مني أن لا أنزعج إذا كررت الزيارة ..!
اطمأنت كثيرا لحضور زوجتي وزادها ذلك من أن تتخطى اللعثمة في الحديث ، زاح لديها كثير من الخجل الأنثوي في مجتمعنا .. انفتحت في الحديث كأنها لم تتكلم من قبل ، أو أنها وجدت شيئا مفقودا لديها ، كانت تبحث عنه منذ زمن طويل .. كنت أشعر أنها تريد أن تهجم علي لتأخذ مني ما تريده دفعة واحدة .. كانت تلقي علي أسئلتها كالمطر الغزير لدرجة لم أستطع فيها تلقي الأسئلة ؟ كانت تضيع الإجابة مع كل سؤال جديد .. فجيعتي كانت بأنني لم أكن أفكر بالإجابة على أسئلتها بقدر ما كنت أفكر بظروفها وبواقع المرأة في مجتمعنا .. أعرتها بعض الكتب التربوية وشيء في البحث العلمي ربما تساعدها في منالها ..؟
في المرة الثانية باغتتني على مائدة الغداء .. طلبت منها أن تتناول الغداء معي ، رفضت في بادئ الأمر نظرا لأنها تلبس القناع ، حيث أنني لم أر وجهها في المرة الأولى إذ كانت تحدثني من خلف قناعها المزيف ..! قررت أن أقول لها : أن تخلع القناع ، أو لا تأتي مرة أخرى إلي .. فخلعت قناعها على الفور وهجمت تتناول الغداء كأنها واحدة من أفراد البيت .. يا الله !
تناولت الغداء كأنها لم تأكل من قبل .. يبدو أنها كانت جائعة ؟! انتهينا من تناول الغداء .. جلست بأريحية فيها سعادة كبيرة ، بدأ يشع نور ساحر من وجهها المشرق ، بان جمالها الأخاذ ليملأ غرفتي سحرا عجيبا .. عادت تطرح أسئلتها التي تدور حول موضوع في التربية حيث كانت أطروحتها لرسالة الماجستير .. هي كانت تسأل في التربية ، وأنا كنت أسألها عن أحوالها الاجتماعية ..؟فائقة الجمال .. على درجة من العلم والأخلاق .. متزوجة من عامل بسيط ، منحها إجازة عند أهلها الذين يسكنون في حارتنا كي تتفرغ للدراسة .. كانت تأتي إلي متسللة حيث لا يعلم أهلها الذين يعرفونني .. أهلها جد محافظين إلى درجة الجنون والخوف المرعب من نسمات الهواء على بناتهن كما يقولون .. إذ لا أحد من الجيران يعرف بوجودهن ..؟
وكما عرفت مؤخرا أن ربهن يوصد باب غرفتهن داخل البيت .. لا يعرفن سوى المدرسة ، لا يشاهدن التلفزيون ولا أعرف إن كن يتناولن الحديث مع والديهما أو أخوانهن من الذكور ، أم لا ..؟ كن ثلاثة ، اثنتان في الثانوية وهذه المتزوجة .. وأربعة شبان تزوج أحدهم مؤخرا .. لا أحد منهم أنهى تعليمه الثانوي .. تكررت زياراتها لي حتى أكملت رسالتها .. وجهت لي دعوة لحضور مناقشة رسالتها في الجامعة ، حضرت المناقشة بصحبة زوجتي التي كانت تعطف عليها وتساعدها بدرجة كبيرة والتي تفهمت ظروفها بشكل كبير .. حضورنا أثار الدهشة لدى أهلها الذين كانوا يعدون بوفيه النجاح .. انتهى النقاش ومنحتها الجامعة إجازة الماجستير مع مرتبة الشرف . تناولنا حلو النجاح .. باركت لها ولأهلها بهذا النجاح الباهر .. عدت مسرورا للبيت كأنني أنجزت هدفا كان صعب المنال ..!في أثناء غيابها عن زوجها ، كان هذا الحقير قد تزوج من أخرى ، يبدو أن الزواج قد تم يوم نيلها الشهادة ..؟
مسكينة فرحتها لم تتم ..! لا أعرف ماذا جرى لها ؟ إذ لم تعد تزورني .. ولا أعرف إن كان تغير سلوكها ، وهل امتلكت جرأة جديدة في حياتها كما امتلكت إجازة الماجستير ؟ أم أن المرأة في مجتمعنا لا تغيرها شهادة عليا ..؟ كان عليها أن تتعلم الفروسية والقتال حتى تستطيع أن تحقق ذاتها وتنال حقوقها .. في غابة أدغالها كثيفة ، لا أحد يمكنه كشف مكنوناتها العجيبة الخارجة عن كل تنظيم ..!بعد وقت طويل .. كنت قد نسيت أمرها ، فتحت باب بيتي دون استئذان وهجمت على غرفتي تبكي .. كانت في حالة رثة .. علامات الضرب ظاهرة على جسدها الممشوق ، شعرها المنفوش غير مرتب امتص الدم النازف من جرح في رأسها .. أخذتها زوجتي لتضمد جراحها وتهدئ من روعها .! طرق باب بيتي وإذ بأخويها واقفان دون أن ينبس أحدهما بنبت شفه !
دعوتهما للدخول ، جلسا وسمعا مني ما يتأسفان عليه .. تأسفا واستأذناني بأخذ أختهما المكسورة الجناح .. ووعدا بأن لا يتكرر هذا الفعل .. مضى وقت طويل دون أن أراها ، ولا أعرف ما جرى لها ..؟ ولا أعرف إن كانت حية ترزق ..؟ تذكرت تلك الفتاة المناضلة التي قالت لي يوما : سنبقى نناضل حتى نحقق المساواة الكاملة مع الرجل ..!
السبت، أكتوبر 11، 2008
مملكةُ الغربان
الجمعة، سبتمبر 19، 2008
كســـوف
الأحد، سبتمبر 07، 2008
الفلسفة والحب عند ـ هدلا القصار ـ في ديوانها: نبتة برية
عبـد الكــريم عليــــان
قد يقرأ المرء آلاف القصائد والنصوص الأدبية منها الغث ومنها السمين ، وقد يستمتع بالقراءة ، أو يلقي بالكتاب جانبا ، أو يهمله بلا رجعة .. إلا أن ديوان " نبتة برية " يفتنك منذ البداية ، ويختلي بك ، لتتنزه في عوالم النفس الإنسانية والفلسفة ، ومكنونات الطبيعة ، وموقع الإنسان في النسيج الاجتماعي ، وحركة الحياة ، في صور من الفانتازيا إلى لغة الحكمة والشعر .. وإذا كان معيار الأدب هو : نسيج من الكلم خارج عن المألوف لدى الناس ؛ فنحن أمام " ديوان شعر " فريد في قصائده وصوره ، لشاعرة تمردت على اللغة .. وتمردت على كل ما هو مألوف ! فهي تقتحم القارئ لتحتل عقله وتفكيره .. وحيث إن الشاعرة ذهبت بعيدا عن المألوف ، فيحلو لنا تقديمها بعيدا عن مألوف النقد ومدارسه المعروفة ، مباشرة لقصائد الديوان :
الكلام أولا والقصيدة فيما بعد
تبدأ شاعرتنا ديوانها بالسؤال الرئيسي عن ماهية الشعر ، ولماذا يكتب ؟ فتؤكد لنا أن ( الشعر ) لا يقبل الكذب ، ولا يؤكد الحقيقة .. منذ اللحظة الأولى تبدأ بالأسئلة الفلسفية تمهيدا لحقيقة وجودها كشاعرة حائرة مندهشة متأملة ذاتها وكيمياء حركتها في هذا الكون :
العاقل يفكر ويكتب
ليكسر صور الحزن بالحقيقة
نفسي لا ترضى بمكانها تبقى
ولا ترضى أن تكتب الشعر وحدها
ماذا أفعل ؟
تتجلى هنا شاعرتنا بأسئلتها التأملية لتقارب شاعرنا الأممي " محمود درويش " عندما أجاب الأطباء حينما طالبوه بالابتعاد عن المنبهات ـ في ذاكرة للنسيان قائلا : " الحمار هو الذي لا يشرب القهوة ولا يدخن ولا يكتب ..."
لم تتركني للتفكير وحدي
إذن سأسلك الطريق التي أريد
وأطلق الكلمات تحكم بين الخيال والحقيقة
فيه أنسج الحزن بالحقيقة
الشاعرة هنا توضح لنا أهمية الشعر والفن وتقرر أنها ستسيطر على القصيدة حتى آخر عمرها ؛ لأنها تعرف أن الشعر سيبقى ولن يموت ... بالضبط كما أنشد الشاعر محمود درويش في جداريته : يا موت هزمتك الفنون جميعها ، يا موت هزمتك الأغاني ..
وهناك بين الأرواح والكلمات تكمن السعادة
لترعد أصابعي القصيدة
كأن الحياة ليست سوى حبل يشدنا للوراء والأمام
سأسيطر على القصيدة
حتى لو وضعت السنون على رأسي قبعة الشيب
نزهــة
نزهة الشاعرة " هدلا القصار " ليست نزهة ترفيهية ، بقدر ما هي نزهة في التفكير بعذاباتها ووحدتها وغربتها . إذن هي نزهة مع الذات حينما تحدد موعد سفرها إلى موطنها الأصلي لتلتقي الأهل والأحبة والأرض بكل تضاريسها ومناخها وما عليها من تراب وهواء وماء وشجر ...
أتاني الحنين والشوق إلى بيروت
أصوات الأخوة تخاويني
وأنا أفكر
في هذه القصيدة يتجلى الزمان والمكان والهوية لدى شاعرتنا ، فهي إذن بيروتية الأصل غزية الوطن قدمت إلى غزة مع زوجها الفلسطيني لتعيش غربتها وعذاباتها مثل كل الغزيين الذين يرغبون بالسفر خارج غزة ( السجن ) وما يواجهونه من عذاب حالما يخرجون من بوابة غزة إلى أرض التيه في سيناء المنفذ الوحيد لها إلى العالم الخارجي :
أحتاج شهرا لتفتح بوابة غزة
أحتاج يوما لأصدق نفسي
أحتاج يوما لأحضر الشنطة
أحتاج يوما لأشتري البهجة
يوما لأشحذ البسمة
ويوما لألملم الشوق
ويوما لأصل المعبر
ويوما لأقطع الصحراء
ويوما لأتوه في أرض مصر،
أية نزهة حوارية هذه التي تمارسها الشاعرة مع ذاتها ؟ إنها تسافر مع كينونتها متوقعة كل ما سيحدث لها ، كأنها الحقيقة المؤكدة ساعة ركوبها الطائرة تعرف أنها بعد ساعة أو ساعتين ستصل بيروت وتكون بين الأهل .. كيف لها أن تقطع الشوق الذي يزداد متسارعا في هذه اللحظات ليصل الحنين ذروته :
وساعات لأقطع الشوق بين بيروت وغزة
يوما .. لأصدق أنني بين الأهل
كيف للشاعرة أن تختصر الزمن والمسافات في حوار مع النفس؟ كيف لها أن تروي ظمأها للقاء الأهل والوطن ؟ وماذا ستحتاج لكي تحقق ذلك ؟ وكأنها سافرت لهناك :
على الأقل
أحتاج شهرا لأقبل الأخوة
وشهرا لأفرغ الغربة
أحتاج عمرا لحضن أمي
شهرا لأرى بيروت والجبل
حنين إلى لبنان
مع أن شاعرتنا تعيش في غزة منذ أكثر من عقد ، إلا أن لبنان يعيش فيها لحظة بلحظة ، لا بل هي تعيش فيه .. مستبعدة غزة من كينونتها ، كيف لا ؟ وغزة مات فيها كل شيء .. مات الحب ، ومات الفن ، وانتصر فيها الموت ..! الشاعرة تتصدى لاغترابها المقيت بالاستحضار الدائم للبنان في مخيلتها :
أجلس كل يوم أذرر نهر اغترابي
داخل حدود ملعبي
لأفجر معاناتي المخبأة
.......
هنا تموت كل الأشياء حولي
كالمنازل التي لا تشرع نوافذها
كالمراكب التي لا تبحر
أحاول مقاومة الحياة
كالعشبة التي لا تموت
في قسوة غربتها مناجاة كبيرة لكل شيء في لبنان من التاريخ إلى الطبيعة إلى الأهل
تصرخ أشجار الأرز
ضميني بين أغصانك
وبين أوراقك خبئيني
وفي صفحات تاريخك ضعيني
وبين حروفك الفينيقية ابحثي عن غيابي
وتؤكد مرة أخرى أن غزة ليس بوطنها وأنها تعيش غربتها مع الشعر والمهدئات الدوائية
هنا لا السماء خيمتي
ولا الشوارع وطني
ولا الكواكب عائلتي
وليس الزمان مأمني
ولا الشواطئ مرفأي
........
قبل أن تبتلعني أقراص الشعر المهدئة
نبتة برية
قلّما نجد شاعرا من الشعراء المعاصرين يتماهى مع الطبيعة كما تماهت شاعرتنا الرقيقة " هدلا " حين تنازلت عن كبريائها الأنثوي إلى عشبة في الطبيعة لتغوص متشابكة في الأدغال مرة مع الشجر ، وأخرى مع نباتات الأرض ..!
" هدلا " الشاعرة ذهبت بعيدا عن المألوف لتحاكي النباتات البرية ، والأشجار ..
أنسنة النباتات عرفناه من على شاشة التلفزيون في الأفلام الكرتونية عندما تقدم النباتات بشكل أناس يتحدثون ... أما أنسنة النباتات في الحالات الشعرية يعتبر تصويرا جديدا لم نعهده عند الشعراء .. هنا انفردت " هدلا " الشاعرة في ( نبتة برية ) وسيقف النقاد ومتذوقو الشعر حائرين مندهشين لهذا التصوير الفريد والنادر ..
استطاعت شاعرتنا أن تكون نبتة برية تهرب من أكتاف الجدران تسرع وتسرع لتصل أشجار النخيل الشامخة .. تتوغل في عمق الغابة الكثيفة لتراقص أقدامها العشب ، ويعود العشب ليداعب أسرار الجسد .!؟
وصلتُ سلسلةَ أشجارِ النخيلِ الملتفةِ
توغلتُ في عمقِ الغابةِ،
راقصتْ قدماي العُشبَ
داعبَ العشبُ لغزَ الجسدِ وتنحى
احتضنتُ الأرضَ كالزهرةِ
شعّتِ السماءُ حولي كالنبتةِ.
حاول الشيطانُ إغواءَ خيالي
قـذفَ رِمشي الخطايا ورماها
معاناة الشاعرة المتمردة التي تعيش مغتربة في غزة دفع " هدلا " إلى الهروب من عالم الإنسان إلى عالم آخر .. لا تنتمي له ، وهو : عالم النبات ! هناك تحاور نفسها على أنها ( نبتة برية ) تنتمي إلى الأرض والشمس والماء والهواء ...
ينتفض الجسد ليسأل عن اسمه ؟ يسأل الأزهار ، ويسأل النخيل ؟ لم يأتها الجواب مباشرة .. يعود يسألها ، فتجبه الأشواك بدلا عنه .. وتسأل من جديد : كيف علقت النبتة ( هدلا ) بأوراق الأشجار المتطايرة .. أو قدمت في رجل طائر مهاجر ( رمزية للرجل الذي قد يكون زوجها ...؟ ) تهدأ لتنغرس في أرض جديدة !
مِنْ أين أتيتِ أيُّتُها النبتةُ؟!
كطائرٍ مهاجرٍ لحقتْ بأوراقِ الشجرِ المتطايرِ
هربتْ مني كالرياحِ امتدتِ الأرضُ وهدأتْ
أيّ روعة هذه الأسئلة ( الحوارية ـ السقراطية ) التي تقودنا بها هدلا الشاعرة ؟ كيف تتولد الأسئلة لديها بطريقة مسرحية حوارية عذبة تجذبنا إليها بقوة ؟!
ها هي ( النبتة البرية ـ متمثلة في الشاعرة ـ هدلا ) تعود إلى إنسانيتها حين تسمع ألحانا وموسيقى قديمة تصدر عن خشخشة الأشجار وحفيفها .. تعيدها إلى طفولتها ، لتؤكد من جديد أن الرياح أبعدتها عن موطنها إلى وطن آخر من نفس المناخ ونفس التراب .. لتردد بشكل غنائي ملحمي : أنا منكم .. أنا مثلكم .! مخاطبة وطنها الجديد الذي تشعر وسطه باغتراب شديد ..
أنا منكُم
أنا مثلكُم
أنا إليكُم آتٍ
أنا كشجرةِ النخيلِ تراها في كلِّ الأوطـانِ
وهي لِنفسِها وطنٌ
لكنّ الرياحَ أبعدتني
فَلَمْ أَعُدْ أرى وجوداً لوطني
حتـى أصبحتُ بريةَ النبتةِ
أنا منكُم
أنا مثلكُم
... إليكُم آتٍ
بعد رحلتها الطويلة بين الأشجار والأشواك تتنقل بين تضاريس الطبيعة الجميلة ، ومناخها المتغير .. تعود لتكتشف نفسها بين الجدران تحاور نفسها المعذبة وتعترف بإنسانيتها .. تهدأ نفسها المتمردة لتخلد إلى سرها وتقبل أن تنام في فراشها على أمل أن يأتي صباح جديد يخفف عنها ، أو يعود بها إلى رحلة جديدة !
قرأتْ في عيوني عن ماضٍ قــد ولى
سمعتُ همسَ الليلِ ينادي القمرَ
فانسحبَ النهارُ من جَفْني
وأتاني سلطانُ النومِ
فأهـديتُ سِرِّي لفراشِ الليل .
اعتذارات
عندما يكون النص مرآة الشاعر ! ويكون لوحة فنية أبعد من السوريالية ، وأقرب إلى محاكاة الذات ، وفلسفتها الوجودية لتدور حركتها مع الزمن والأشياء التي تكون الشاعر الإنسان ليتفاعل وسط كيمياء الحياة ... كيف " لهدلا " الشاعرة أن تقدم اعتذاراتها لشيطان الشعر الذي أخرج لغز الكلمات ..؟
أقدم اعتذاري لمن أخرج لغز كلماتي
أقدم اعتذاري للأخطاء الصحيحة التي ارتكبتها
ولأصابعي الخمسة وحسن نواياها
كيف لا ..؟ ومن غير الشاعر يستطيع أن يثور على اللغة ؟ ومن غيره يتمرد على الذات ليقدم الاعتذار لأصابعه الخمسة التي تمسك بالقلم ؟ وتقدم الاعتذار للعقل الذي يخزن الحروف ومعانيها ..؟ كيف لا .. وهي تقدم الاعتذارات لكل الأشياء من حولها ، من أثاث المنزل إلى صيغتها وحليها ، إلى حبيبها القديم .. وصديقها الجديد ..! إلى الجيران الذين يرقبوها ، إلى كل المعجبين والمجاملين .. إلى الشوارع ، ورمال البحر وصخوره ومده وجذره :
في كانون الثاني
قدمت اعتذاري للمحب القديم ... الجديد
ولصديق صوري
للأكاذيب التي عشتها في ملعب الثعابين
اعتذرت من سذاجتي الملحوظة
وضياع عقدي وخاتمي
وخيوط الخيانة المجانية
والأثاث المدمن عى التنازلات
كما قدمت اعتذاري للمنزل الذي تركته
وللجيران الذين حرمتهم مراقبتي
إن " هدلا " تقدم اعتذاراتها في دورية الزمن لتشكل بشهوره زخرفة ، أو مطرزة لقصيدتها فتلبسها زهوا بهيا بكل كبرياء وشموخ .. وتمنحها الدفء ، كأنها عروس تحلت برمزية شهور السنة الجميلة : من كانون الثاني رمزا للعطاء .. إلى نيسان رمزا لكل الزهور ، وكل الألوان .. إلى حزيران وآب تعبيرا عن الحصاد وجني الثمار
في شهر حزيران
اعتذرت من دقات قلبي السريعة
ومن أوردتي المحقونة بالمهدئات
.......
والوجوه المتعددة
والمنازل التي سكنتني
كما اعتذرت من الزهور التي اشتريتها لنفسي
في شهر آب
اعتذرت من اسئلة المخبأة
والخواطر المدفونة
............
ومن الأمواج التي كسرتها الصدمات
واليوم أعتذر من كلماتي التي توهت قصيدتي
تلك هي اعتذارات " هدلا " لأشيائها وذاتها .. وهو تواضع من شاعرة متمردة ، لتبشرنا بانطلاقة في ثوب جديد !
صحو
للمرأة الإنسان أحلامها وتأملاتها ورؤيتها الآخر/ الشريك .. وهل من امرأة لا تريد لها شريكا ؟ يقاسمها حياتها بحلاوتها ، ومرارتها ؟؟ وهل من إمرأة تحقق لها كل ما تريد في مجتمع تسيطر عليه الذكورة ..؟ وكم من النساء استطعن البوح عن ذلك وسط هذا الصمت المؤلم في عالمنا ..؟
ببطء الصمت اليوم أتكلم
حتى كلماتي بصعوبة أدونها عنك ..
ولأنني لا أريد أن يصبح الحلم صنعا أو مطبا
ولأنني لا أريد أن أفتش في وجوه العابرين يوما
ولأن الحرية ليست لهذا الحد سهلة
إذن هي قررت أي رجل تريد ..؟ بحيث تقبله كما هو .. ولا يعطيها فرصة لتصطنع أحلامها ورغباتها التي تريد .. إنها تريد منه الحب بدون حدود وستكون متواضعة حتى لا تموت فيه حبا :
فأنا لا أريدك قبطانا تبحر في البحر
لا أريد لحبي حدودا
لا اريد للحياة حدا
لا أريد النهاية
ولا أريد أن أموت فيك حبا
هذه الآمال جاءت من تجربة الشاعرة في الفعل اليومي للحياة الزوجية .. هي ما تريده كل أنثى ، كل من يقرأ هذه القصيدة يشعر أن الشاعرة تخاطبه هو ؛ فلو كانت أنثى لقالت : إن حالة الشاعرة مثل حالتي ؛ ولو كان رجلا ، لقال : إن هذه الشاعرة توجه لي أسئلتها ، ورغباتها .. إذن المضمون الأدبي يتجلى في هذه القصيدة بأبعاده الثلاثة والرؤية الشمولية للشاعرة : من البعد الذاتي حيث قدمت رؤيتها وأحلامها التي تريد .. إلى البعد الاجتماعي في الفعل اليومي .. إلى البعد الإنساني ، حيث يشترك الجميع في حالتها ... حقا إنها توصل لنا رسالتها الأساسية في أهمية الشعر والفن ، التي قررتها في بداية الديوان ، عندما قالت : بأنها ستسيطر على القصيدة .
هذا الرجل
إذا كان وحي الشعر عند الرجل هو المرأة والحب ، فإن وجد العشق وجد الشعر ، وإن وجد الشعر وجدت فيه المرأة ... لكن إذا كانت المرأة هي الشاعرة ، فهل يكون الرجل وحي للشعر عند المرأة الشاعرة ..؟ يقول نيتشه : " إن الشاعر يلف حول الأنا في القصيدة ككل ، لكن عندما يدخل في المسرح ، فإن الأنا تلف حول الآخر .." ، الآخر عند " هدلا " في هذه القصيدة هو الرجل/الشريك ، وهي تعرض لنا مشهدا مسرحيا يلف فيها الأنا حول الآخر ( الزوج ).. والآخر حول الأنا ( الشاعرة ) ، فالأفكار التي تعرضها في صورة الرجل هي أفكارها وفلسفتها التي تريد ..؟ وهي منذ بداية الديوان عنونت كتابها بمقولة فلسفية للشاعر والفيلسوف الألماني ـ أنجلوس زيلسيوس : " إذا أردت أن أجد بدايتي ونهايتي فلا بد من أن أبحث عن الإله داخلي / وأكون مثله / أكون ضوء في الضوء / أكون كلمة في الكلمة / إلها في الإله .." فهل يكون ( الرجل ) هو الإله داخلها ؟ وتكون هي مثله ..؟ كما احتكمت لشاعرها وفيلسوفها الألماني :
على مدار ضوء النهار يفكر
ويفكر بما يقرأ
ويرى ما يريد أن ير
يذهب في بحور الأساطير
هذا الرجل يحلل في السياسة
يتحدث عن الطب البديل
يحلم بالسفر الجميل
ينجذب للماضي البعيد / يتأمل الحب العذري
يعجب بالآلهة والديانات
.........
ويعود للحاضر المؤلم
ثم يصطدم فيه كالغريب
ونحن نتأمل هذا المشهد الأسري نقرر سريعا ، أن هذه الأسرة هي : الأسرة الفلسطينية التي تنشغل بالفعل اليومي الشمولي ، وهذا هو الرجل الفلسطيني / المفكر ، الذي يفكر دائما بمصيره ، وبالحياة ، والتاريخ ، والسياسة ، والدين ، والفلسفة ، والحب ، والطب ,,, لكنه يصطدم بواقعه الذي لم يتغير ..؟ الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للفلسطينيين لم تعطهم فرصة لممارسة حياتهم بشكل طبيعي ، والحب الذي تبحث عنه الشاعرة يتعطل أحيانا ، أو ليس ما هو مرغوب فيه عند الزوج بسبب الحالة الفلسطينية .. ولهذا جاء السرد الشعري تفصيليا لفعل الزوج اليومي
هذا الرجل
لغروب نهاره نكهة مختلفة
يرتشف قهوته / يشعل سيجارته / يمسد شعر رأسه
يتأمل غروب الشمس
.............
في المساء يستمع لجميع نشرات الأخبار
ويعود للقراءة قليلا
بينما ينادي النوم
والنوم يناديه
الشاعرة تفاجئنا في نهاية القصيدة بمكنون رغباتها المفقودة ..؟ عند شريكها الذي تغير إلى طفل ، بعد أن كان عاصفة لا تهدأ .. جاء هذا البوح طبيعيا دون مبالغة ، أو تصنع من شاعرة مرهفة ، صادقة لا تخبئ ما يمور في صدرها ، دون مجاز أو استعارة .. فالشعر هنا ، وفي أغلب قصائدها يأتي مع الدفق حالة حضوره وتلبسه للشاعرة ، فتلقيه على الورق دونما عناء ، أو تكلف في الصنعة :
في ليلة شتاء باردة استسلم للنوم مبكرا
التحقت به متأخرة / ما أن لامست يداي الغطاء / وجسدي الفراش
حتى زحف إلي مختبئا / منكمشا كالهارب من الخوف
دس رأسه تحت إبطي
نظرت إليه بدهشة !!!
رأيت نوم الطفل في جفنيه / ربت على كتفه بلمسة الأم لطفلها
نظرت إلى وجهه ... لتختفي !! تلك الصورة النهارية كلها !!
دمدمت شفتاي تقول :
إن هذا الرجل لا يمت لذاك الرجل
العاصفة فيه هدأت والأمواج انسحبت / والدوار استسلم
خيالات
رومانسية الشاعرة الحائرة المتأملة ! الباحثة دائما عن الحياة الوردية .. إضافة لصوت المرأة القوي الذي يناضل بالمساواة مع الرجل بطريقة هادئة مستخدمة فلسفتها وعقلها في الوصول لذلك ..! في قصيدة خيالات تبحث عن ذلك الرجل الذي يفهمها ( الأنثى / الإنسانة ) بحيث يتوحد مع جنسها وتتوحد هي مع جنسه لتستقر إليه كما يستقر الإنسان في وطنه ؟
بين عناوين الكتب والمؤلفات
أبحث عن شخص ما ... يسميني كما أريد
شخص ما ... أطلق عليه نعاسي
يخرجني من ثورتي
يطفئني حين أشتعل
.........
يرسم أحلامي بعيون الشعر
يكسر براكين قصائدي المجمرة
يغني أناشيدي
يلاحق ألوان ليلي / أحلم بعنوانه / أطاوع أوراقه
أحتوي كلماته / أنتمي لجنسه / أحتفظ به
أسكنه كالوطن
أي ناي هذا الذي يغني لحن الحزن ..؟ وسيمفونية الحب ..؟ وألم العشق المفقود ..؟ يقول الفرنسيون : الشاعر دوما بطبيعته حزين ولغة الشعر دائما تتميز بنغمة الناي .. و " هدلا " تعزف آمالها على ناي في صمت يلف المكان ، فتخرج نغماتها حزينة كأنها تراتيلٌ للعشق ، وصلاة للمحبين ... ورؤية " زليخا " ليوسف !. إذا كان الشعراء الذكور قد ذهبوا بعيدا في وصفهم الجسدي للمحبوبة ..! فشاعرتنا " هدلا " استعاضت عن كل ذلك في روح المحب ، وسلوكه ، وعقله ..؟! إنها تفضح ما هو مستور في مجتمع ذكوري لا ير من المرأة ، إلا جمالها ..ونجحت في جذب الآخر / الرجل بهدوء وتواضع ليطمح كل رجل يقرأ القصيدة في أن يكون هو الأمل الذي تبحث عنه الشاعرة :
شخص ما .... يراني كل يوم
وكل يوم ينسيني أمسي
شخص .... لا ينخدع بإغراءات الحياة / يقاوم دعوات الرذيلة
يتخلى عن أنانيته واسترسال خسارته
يلملم خطايا مواسمه وبؤس أفكاره
شخص ..... يشهد على أطيافي / يسيطر على سهولي / يكون أكثر من اشتياقي
وأكثر من مساحات قلبي
شخص ما .... يدخل رقعات آلامي
يهز قلعتي وحجرات خيالاتي / يقاتلني بسلاح أبيض
شخص ما ... غير جلدي
وشخصيات الكتب والمؤلفات .
نكتفي بهذا القدر من قصائد ديوان " نبتة برية " ، رغم أنه العمل الأدبي الأول للشاعرة ؛ فهو يبشرنا بشاعرة فذة ،جريئة .. تسبر غور النفس الإنسانية في حالاتها المعقدة عندما تغترب عن بيئتها ، ومجتمعها .. عندما تحب ، وعندما تكره ، وعندما تواجه التقاليد الموروثة ، ووجع الحريات المكبوتة في بيئة تحتاج إلى أن تكون غير ملوثة .. فهي إذن قدمت لنا رسالتها التي تريد ؟ وهذه الرسالة ليست رسالتها عن ذاتها المعذبة فحسب ؛ بل هي رسالة لغالبية النساء في المجتمع ..؟ يقول ريمون في تفسيره للذات وحلم اليقظة - عند جان جاك روسو : " الفنان يكشف عن نفسه في عمله ، وهو أيضا يشكل بواسطته - علاقة مزدوجة تبادلية بين الذات والموضوع ، بين العالم والوعي ، بين المبدع وعمله .." ويقول مونتين : " الفرد لا يملك ذاته إلا من خلال انعكاس علاقته بالآخرين ،كل الآخرين .." إن قصائد " نبتة برية تكشف بوضوح تأثر الشاعرة بالآخرين وبالمحيط ، وأثر ذلك على شخصيتها وعملها ، مستخدمة ثروتها الفكرية واللغوية دون تكلف ، وعناء .. فجاءت جملها وكلماتها الشعرية سهلة وبسيطة ، لكنها تحمل لنا مدلولات فلسفية عميقة مخاطبة المجتمع في وعيه وسلوكه لتضيف لنا صوتا أنثويا جديدا في أرقى أشكال التعبير اللغوي ، وهو : "الشعر" الأسرع وصولا للمتلقي ، والأكثر تأثيرا ... بقي أن نقول : مازال الكتاب الذي عرضناه يحتوي على تسعة عشر قصيدة أخرى هي : ألوان ، من منا يعتذر للآخر ، لن أبوح ، الرصاص والنحلة ، عربي الجد ، سؤال اليوم ، وأسئلة الغد ، ثرثرة ، حذاء الزمن ، مباغتة الحلم ، مسرحيات رجل ، أهاليل الغياب ، الناي ، تعويذة الروح ، المؤامرة الوردية ، ألف لام ميم ، متطلبات الصباح ، شذرات اليقظة ، أتفاءل بتسعة وأربعين احتمالا ... هنيئا للقارئ هذه القصائد ، وهنيئا للشاعرة هذا النجاح ، وننتظر منها عملا جديدا ونجاحا مستمرا ...












