‏إظهار الرسائل ذات التسميات خالد ساحلي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خالد ساحلي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، يوليو 08، 2009

حديث الرجل الغريب

خالد ساحلي
وقال الرجُلُ لمّا أَيْنًعَ العُمْرُ
و أسْرَجَ خيلَ الوقتِ المُتَسَاِبِقِ
حًيْثُ أًنًاهُ يُنافسُ غُبَارَ العدمِ
تحت حوافر المجهولِ المُخَبَئِ
في مِعْطَفِ صُوف الغَيْبِ
ترتجفُ القلوبُ من برد القلوبِ
حين تنكشف سُوَءةُ الحريِر
قال الرجل:
كُنتُ كما الحََّبَةَ في يدِ القدر
تبذرني تنثرني زرعا
فأشتّدُ سُنْبُلة
أنحني مُجْبَرًا
بما حَمِلْتُ من ثِقل الأسئلة.
وقال الرجل:
كنتُ شعاعًا بمملكة الشمس
سفير الصباح
إلى حيث يكبس الخواء
على الجرح و الصراخ
أسير الفراغ
أفاوض الخراب
ابقرُ ظِلَهُ بسيف الخلاص
أستحيل مفاتيح ضياءْ
لأبواب الظلام الموصدة.
تفر العيون المغلقة
إلى جنة البياض؛
ارسم خط نور
افضح الهباءَ المنثورَ.
قال الرجل ولفظه ينزف حقيقة:
كنت القطرة في قلب المطر
أشتد هطولا على واحة خضراء
أتحرّقُ شوقا
للانسياب في جداول التراب
حيث الأصل والوطن
فَيَحِّلُ الربيع صافيا كما أنا
و العتاة صحراء
تمنحني كما العادة
عواصفها ورمالها
و الجفاف لأغور.
أعاود الهطول
متلألئا مع الشمس ندى
في انبعاث جديد
مرسلٌ من السماء كيما لا أموت.
أحيي اليَبَاسْ في قلوب البؤساء
تصير ورودا في حدائق الله
حين ترتوي من حوض المعجزة .

وقال الرجل:
كنت في الولادة تاج صراخٍ
مَنَحْتُنِي صَوْلجانًا وقيصرا
أتحدى الموت في الصمت
أغالب بسيف الله الذي لا يصدأ
غول الشقاء.
والكلابُ قطيعَ سِيَاجٍ نابحة
في لهاثها العظيم
تهز الأذناب بغرور
تَعُسُ طيور الخداع المفرّخة.
وكنت في الولادة شاطئا
تابعا لبحر الله
يمتحِنُنِي الماءُ بأمر الله
حين يأتي الأرض
ينقصها من أطرافها
يموت بعضها من كُلِهَا
تنفلق الحصا زاد الرمل
ويولد الشاطئ معطرٌ بالملح.
يحدّث ُالماء الرمل
والسفن تناجي المرافئ البعيدة.

قال الرجل ونظرته فتوحات:
كنت في الغابة فأسا معلّقة
و الذئاب تعوي
كانت الأشجار في كتفي
حيث يأتي المكر من ورائها
غدرا كأرنب
يحمل لقب دمنة
و الجبال تلتقي حينها
في تقابلها
شاهدة و مشهودة
تشتعل الكلمات نجوما
تصّعد إلى السماء
لا زالت نفخ من روح الله
ملائكة نور.
قال الرجل ومضى
في عير المستحيل.
في هودج الضوء مشى بيقين
على أقدام من ذهب.

الاثنين، مارس 16، 2009

كوابيس

خالد ساحلي

استيقظ مرعوبا على إيقاعات المنبه، أسكته بضربة من قبضة يده ثم نزع الغطاء من على جسمه ومدّد ذراعيه كهر. كان كل عضو في جسمه يؤلمه كأنه صارع ثيرانا في نومه و الحقيقة أنه يقاتل خلقا كثيرا ويهرب من حيّات وزواحف كثيرة في كوابيسه. الأشباح ذات الوجوه القبيحة المرعبة تلاحقه ولا تشفق عليه ، أصواتها مجلجلة حتى أنه يتعرّق بسبب صورها المهولة ثياب نومه المبللة تلتصق بجسمه النحيل ، تظهر عظامه يمكنك عدّها. يصيح فزعا بأعلى صوته فيوقظ كل نيام المنزل. يقرؤون له آية الكرسي و المعوذتين. يهدّأ أخاه الأصغر من روعه دائما

ــ " سمي الله وألعن الشيطان، عد للنوم سيحفظك الرب "

هو يقرأ الأذكار والآيات، ما نساها يوما أبدا ومع هذا الكوابيس لا تفارقه. بصراخه يفزع كل ليلة إخوته الذين سئموا هذا الوضع. هذا الصراخ الذي يهز الطمأنينة في أغوارهم. هناك من يسقط لإثره من على سريره. الأخطر حين يفزع في نومه يركض هرعا من غرفة إلى غرفة.وأحيانا يضرب الجدار بقبضة يده أو أي شيء يصادفه متصورا إياه كابوسه العدو. ــ إنه اللاوعي الذي يمنحنا القدرة على اختزال الزمن و الشجاعة معا.ــ هذا الأمر جعل إخوته يموتون هلعا يبدون قلقهم لوالديهم . أخاهم اعتبروه خطرا عائليا. مع هذا لا يستطيعون إذاعة مرضه للجيران أو لأبناء عمومتهم و أخوالهم. حتى الجيران من حين لآخر يسألون الإخوة عن تلك الضوضاء و الجلبة ويندهشون لها. لا يجد الإخوة حجة لإخفاء الحقيقة إلا التذرع بمجموعة خلافات تحدث أحيانا بين الإخوة ليلا.
الكوابيس لا تفارقه ليلا، أما في النهار فإنه فطن ومع هذا تتبدى له الحيّات تتبعه لأي مكان يقصده، يتوجس بمباغتتها له، بانسلالها من حائط ما فجأة أو تأتيه من الخلف. ثعبان الكوبرا الذي يشغل كثيرا فضاء هلوسته.
يرجع للنوم بعدما يؤشر المنبه من جديد على ساعة أخرى. ربما هذه المرة سيفلت من الكوابيس بتجريب الوصفة العلاجية لطبيبه النفساني الذي شخّص مرضه أو هكذا يبدو انه تمكن من تشخيص حالة مرضه.
يستيقظ فزعا مرة أخرى على صوت المنبه الذي ينط صخبا. بضربة من قبضته يسكت المنبه من جديد، وفي كل مرة يرن المنبه ينخطف إخوته فزعا. ما عساهم يفعلون وأخاهم يعاني الألم. يلزمهم الصبر والصبر لا غير. حين ينام فهم نيام وحين يستيقظ لصوت المنبه فمستيقظين معه حتى الصباح الباكر.
كانت أول ليلة للعلاج المعيّن من طبيبه، تكررت الليالي وزاد ت معاناة الإخوة إضافة إلى معاناته هو. كان إخوته الثلاثة ينتقلون لأماكن عملهم وعيونهم مغلقة. حين فتحها تراها محمّرة الحدقة تضيق فيها أكثر، تنغلق لنفسها دون إرادة كمثل مصباح سيارة ينطفئ لنفاذ البطارية. حتى أن أخاه أسعد تضاءل مردوده في الورشة . هدده صاحبها بالطرد فقد صار خاملا كسولا... لا طاقة له.

ــ " أسمع يا أسعد قبلت أعذارك الكثيرة لكن هذه المرة تأكد سآتي بآخر يحل محلك، شهر بكامله و أنت على هذه الحالة"
ــ " آسف يا سيدي حقا لكن هناك ظروفا....
ــ " لا ينفع الأسف وحده، يلزمك إثبات حسن نيتك بتفانيك في العمل "
ــ " إنها ظروف عائلية مزرية"

لا يستطيع أسعد أن يتحدث عن مرض أخيه خاصة و أخوه معروف في هذه المدينة كطابع بريدي.
لا يستطيع أسعد وصْفُهُ المعاناة بأنها تنتشر على امتداد أيامنا و أننا جميعنا معرضون لهذه الكوابيس، معرضون بأن تكسّر لحظات راحتنا، بهجتنا، إيماننا، مشيئتنا لتلحق بسلسلة مشيئة القدر. بأنّ الإنسان تتعقبه مستجدات على ضوئها يصير في غير إرادته. هل يخبره أن لا شيء في الدنيا ثابت على حال. لا يمكنه الإفصاح بأن أخاه لا يستطيع الانتصار على خوفه ، لا يثق في نومه ولا في صحوه ، أنه أسير الضلال وبأنه كره حتى إرادة البقاء... حتى الظلال و الأطياف تخضع لتوزيع فائق العناية لتُعرف لتبقى لتدوم، حتى الكوابيس تتقاسم أيام حياتنا والداعي للبحث عن علتها نوع من الهروب عن واقع قاهر مفروض فمهما كانت العلة يبقى الإنسان عالم معقد داخل نفسه وعند الآخرين.

ــ " لا يهمني ظروفك يا أسعد بل يهمني ظروف ورشتي، أن أحافظ عليها وعلى هؤلاء العمال، يهمني أن لا تغلق أبوابها، أسمعتني؟"

و الحق أن صاحب الورشة العم فرحات كما ينادونه شكّ في أمر أسعد بتعاطيه المخدرات أو الحبوب المنومة أو عقارا سحريا يجعله ينام واقفا كذا مرة. لم يستطع أسعد أن ينبس بننت شفة. يعرف عمي فرحات لم يظلمه يوما لكنه قال فقط الصواب. أسرّها في نفسه و لم يبديها حقيقة .

ــ "يا نعمة النوم... الصلاة فقط خير منك".

المنوّر أخاه الثاني الذي يعمل نجارا تمكنت الآلة من التهام ثلاثة رؤوس أصابعه والحمد لله أن يده لم تبتر بكاملها، توقف عن العمل لأجل أن يتعافى. عطلة مرضية بشهرين ليلتئم جرحه . أعوانه دهشوا كيف تمكن منشار الآلة اللعين من سرقة أصابعه، وهو الخبير. لطالما حفّزتهم جرأته على المضي للعمل دون رهبة من الآلة التي تدور ما يقارب الثلاثة مائة دورة في الثانية. قال المعاونون للمنوّر

ــ " لحظنا تعبك في الأيام الأخيرة لكن ما ظننا هذا سيحدث"
ــ " هو المقدر يا جماعة، هو المقدر، ولا ينفع الحذر مع القدر"

قيه قيه ثم ضحكة مصطنعة" ههه ههه". لم يكن المنوّر ليفضح سر أخيه الذي يعاني الكثير ويكادون يفقدونه بفقدان عقله، لا يمكنه البوح بأن أخاه يصرخ ويسحق كل شيء يجده أمامه و أحيانا يرمي بنفسه، المسكين جسمه صار نيليا من أثر ما يتعرض له من صدماته الكابوسية.

أخوه الثالث فتحي أستاذ الموسيقى صارت أعصابه لا تتحمل سماع أصوات الآلات الموسيقية نفسها، صار مزاجه عصيا لا يفهمه طلابه. صار كمجنون يرمي بالطلاسة أو بالطباشير كل طالب يتكلم حين إلقاء درسه. تعدى الأمر حد الشتيمة و السُباب. شكوه لمدير الاكمالية وبّخه وتوعده بخصم و تقرير ومجلس تأديبي أيضا.

ــ " اسمع يا فتحي لا أدري ما غيّرك لم تكن هكذا البتة، مشاكلك عالجها خارج جدران المؤسسة، نحن أسرة تربوية قبل التعليم أتفهمني؟ "
حتى مدير الاكمالية كان محقا فيما قاله.

كانت أعصاب جميع من بالدار تنهار عن آخرها. وجدوا الحل في كراء بيتا آخر حتى لا تضيع حياتهم مع حياة أخيهم. ليسوا مرغمين على عيش مرضه. رفض الأب و الأم هذا الاقتراح . لكن توصل الجميع لحل مقبول وشبه إجماع.
قصدوا طبيبه، أطلعوه على ما يلاقونه و اقترحوا عليه

ــ" حضرة البروفيسور نتعرض لضغوطات نفسية كبيرة قد نصير جميعنا مرضاك ، تكاد تضيع أوقاتنا بل أكثر، أنا فقدت عملي وأخي فقد أصابعه، أخانا الآخر تحول من فنان إلى مجنون يتعاط المهدئات فقد عقله، جئناك عسى تجد لنا حلا"
ــ " الحل..... اصبروا"
ــ" الحل يا بروفيسور إدخاله المصحة النفسية الحكومية في العاصمة"
استطاعوا إقناعه وأدخل المسكين المصحة النفسية.

وصفة العلاج لا زالت هي نفسها، يؤشر المنبه كل ساعة حتى يألف الوضع فيتمكن بعد شهور من الاستيقاظ دون منبه. و بذلك يجعل فصل في نومه وهذا بدوره يجعل فصلا لكوابيسه.
الكوابيس لا زالت تطارده و في أثناء الساعة نفسها، استعصى علاجهم له. أخرج من المصحة بعد شهور.

لمّا كان راجعا ذاك اليوم لمنزل العائلة، كان يفكر في الحالة التي وصل إليها، هذا الابتلاء الصعب الملم به.. حيوانات تجري ورائه تكاد تنقضّ عليه، الزواحف يتخيلها تخرج من كل مكان، من زوايا الشوارع من البالوعات من كل مكان يقف فيه، على أي شاشة يتفرج عليها، الثعابين تتجول في المدينة بحرية هكذا يعيش كابوسه داخله.
في عودته للمنزل فتح هاتفه النقال، أخرج رقم صديقه دكتور الترجمة وقد كان جاره ورفيق صباه، كان الهاتف يرّن ولا مجيب، أعاد الكرّة و هذه المرة لصديق قديم آخر لا مجيب، لصديق ثالث لا مجيب. أحسّ بضيق يقفز لقلبه، لا شك الجميع علم بدخوله المصحة وعلموا بمرضه، علموا بنفسه المعذبة التي لا ترتاح أبدا. يتغير الناس وتبقى ذكرياتهم فقط وذكرياتهم هي ما تألم. دخل المقهى طلب فنجان قهوة حتى يصحو أكثر، أقلب الفنجان دفعة واحدة أفرغه في جوفه ثم انصرف مهموما مطأطئ الرأس يفكر في حال الدنيا و شعور الإخوة والخلان.
كانت صور الحياّت و الثعابين و الزواحف لا تغادر عقله. لا علاج له إلا الصبر وهذا خياره الوحيد الذي يملكه. لم يعد ممكنا تحمل الأمر.
في طريق عودته مر على السوق في المقلب الآخر من المدينة الذي يتهرب منه دائما ومن وقت صغره. رأى الثعابين في قفة دائرية من القش موضوعة أمام شيخ طاعن في السن يجلس القرفصاء ويمسك بناي ينفخه. اقترب من القفة أكثر، حتى صار فوق رأس عازف الناي، أراد وضع حدا لوهمه هذه المرة غير مبالي بخطر دنوه أكثر.
كان بعض المتفرجين يتابعون المشهد بانتباه و خوف متعجبين من إقدام هذا المتهور لاقترابه من هذه الثعابين المخيفة المائلة مع نغمات الناي، مد يده فوق القفة وصاح عليه الشيخ الطاعن في السن بعد ما رمى نايه من يده.

ــ " ويلك احذر"

لكن هذه المرة كانت الأفاعي حقيقية، لدغته بعض لدغات حُمل على إثرها إلى مشفى قريب على جناح السرعة. علمت العائلة و الجيران و الحي والمدينة ما أصابه. لما رجع للمنزل، و اللدغات لا زالت تؤلمه و الحمى تعصره، كان الليل قد حل والإخوة كلهم مستاءون، لكن هذه المرة رقد حتى الصباح دون أن يسمعوا له صراخا وخيم هدوءا على الحي تلك الليلة لم يعرفوا مثله.

الخميس، فبراير 26، 2009

حكاية الرجل الذي رهن عقله

خالد ساحلي

ما الذي يريده بالضبط ؟ الفوضى تسكن عقله كما أحاسيسه، نشاط روحي متذبذب عشوائي يشعر به من زمن لا يشبه نشاط الأفراد الذين يراهم ويتعامل معهم أو هكذا بدا له. مالهم مرتاحون لا يبالون لا يأبهون لشيء، لا رباط يشدهم، هم في فوضى إلى درجة تعديهم كل الخطوط الحمراء." أتعبه التفكير وهو لا يقوى على اقتحام المواقف المتكررة معه. كان دائما يردد جملته السحرية كلما عجز عن تخطي أمرا في الحياة" تمسّك بمثالك الأعلى دائما لأنك ستشعر بانحطاط شجاعتك يوما ما"
ركب الحافلة المكتظة بالركاب، الوقوف جميعهم يكادون أو ملتصقون بالكامل كأعواد ثقاب في علبة. تزاحم في الممر بصعوبة حتى ضمن مكانا لقدميه. السيدات واقفات، بعضهن مدرسات تحملن محافظ و بعضهن الطالبات اللواتي تجملن. تفوح من أجسادهن رائحة الماكياج و المراهم. العطر النسائي الصارخ يجلب البلاء كثيرا . الحافلة تمتلأ في الصباح الباكر في ذهاب الجميع للعمل. يجدها كثير من المتطفلين و المتطفلات فرصة وجب اغتنامها. الالتصاق هنا بجسد أنثى في هذا الزحام المهول متعة وغنيمة لا تتكرر. الإناث أفاعي لينة الملمس يترصدن الطريدة في هذا الالتصاق ليجنين من ورائه الكثير من النقود التي تذرها الجيوب السخية فأصحابها في غفلة لحظات النشوة، واقعون تحت تأثير سكرات عسل العيون والأنفاس ، وحشر المؤخرات والأثداء و الابتسامات الكثيرة التي تخفي خراب الجيوب.
ــ عذرا أذيتك بمرفقي، الرجاء لا أكون آلمتك؟
قالها للشاب الذي كان لجانبه وقد أحس يده تجول داخل جيبه، كاد يسرقه هاتفه المحمول. تأكد اللص الفنان أن حظه سيء اليوم مع هذا الرجل الطويل. كان يتصفح وجوه اللصوص الواقفين المدققين الذين كانت وجوههم مألوفة و عيونهم تزداد تعلقا بأمل فيمن لحظوا فيه خوفا وشمّوا فيه أو فيها رائحة النقود أو الحلي.
توقفت الحافلة عند المحطة الشرقية، "الترمينوس" صاح بها السائق البدين كثور. تمكن أخيرا بشق الأنفس من شق هذا الصف البشري. تمكن من الهبوط بعدما علقت رجلاه برجل فتاة في درجة السلم الأخيرة وقعت على أثرها فطارت المحفظة من يدها ولحسن حظها أن جسدها اللطيف تهاوى على بدنه فدفعته بصدرها ثم أمسكته بيديها، أحمّر وجهها : ــ يا له من يوم معوّج. المعذرة أخي.
ــ لم يحدث شيء، بسيطة أمور كهذه تتكرر يوميا بصورة أو بأخرى. طاب يومك سيدتي.
كانت خطواته متئدة، مر على الكشك المعتاد، أخذ ثلاثة عناوين جرائد كعادته وقصد الوزارة البعيدة عشرات الأمتار . أغتنم هذه الأمتار لتصفّح العناوين. فتح الصفحة المقصودة تأسف في أعماقه، شعر بجنون، تأبط الجريدة الأولى، فتح الثانية، وجهته الصفحة الداخلية تأسف مرة أخرى وكما الأولى تأبطها أيضا. الثالثة وكانت دقات قلبه تنبض سريعا. شعر بحرارة تدب في كل جسمه وفتح الصفحة يتحرى شوقه لتصفحها كل أسبوع. لا جديد اليوم أيضا. جمع الجرائد الثلاثة حزمة أوراق في يده. لا زالت رائحة الحبر تفوح من أوراقها الملونة. لواها على شكل عصا قصيرة ومشى ضاربا بها قدمه كلما خطى خطوة. بصق عن شماله ، لم يطفأ البصاق غضبه. هذه المرة بصق بعنف حتى أحدث صوتا سمعه من كان يسير أمامه، ألتفت وطوقه بنظرة استغراب.
ــ لا أقصدك سيدي عذرا.
دخل الوزارة، أكد حضوره على سجل عون الأمن وانصرف إلى مكتبه منهمكا بعد ذلك في عمله المعتاد. كان يقول دائما "ما معنى عملك في وزارة و سومتك سومة كلب.؟"
بعد يوم شاق من العمل و على فكرة هو مطبوع على عمله، يؤديه بإتقان لأجل تحليل دنانيره خوفا و خشية من رب العالمين كما يجيب دائما زملائه في استغبائهم ذكائه و نشاطه بمقابل ما يحصل عليه من أجر زهيد.
كان ينتظر الحافلة لكنها تأخرت اليوم دقائق كما العادة، التأخر سمة في ثقافتنا لا استغناء عنها ومصالح الدولة لا تأبه لمراقبة أصحاب هذه الحافلات الذين جعلوا الركاب كالسمك. لا حيلة إما تركب في الحشر و إما تركب عنادك فتستقل سيارة أجرة تدفع أضعافا مضاعفة. "الميزانية لا تسمح" قالها في نفسه و ضحك ضحكا يشبه الخيبة. أمسك بالدربز ثم بحلقة مشد الركاب. كان الزحام مقززا، كره الالتصاق و لا مفر من قدر صنعه غيره. كانت امرأة تقف أمامه تدير ظهرها ، يدها في الأعلى تمسك بالمقبض الحديدي، يدها الشمال تمسك بمحفظة، حين تحركت الحافلة وأحدث محركها خلخلة التصقت به أكثر و ألتصق بها، استدارت طلبت العذر متأففة من هذا الالتصاق وتفّوهت منزعجة: ــ غبن و نحن فيه
ــ نعم
عرفها، الفتاة نفسها التي كادت توقعه أرضا هذا الصباح
ــ أنت؟ قالاها معا.
ــ كدت أوقعك صباحا.
ــ لم يحدث شيء .
كان الركاب يأكلونهما بنظرات ريبة وخبث و سوء نية أيضا. لحظا ذلك فأوقفا الكلام . ربما هنا عيون تشي بما رأت و تزيد في الإفك وقد تنهش عرضهما.
كانت صدفة ، نزلا معا في نفس المحطة: ــ إذن تقطنين هذا الحي.
ــ نعم، هناك في تلك العمارة، يبدو أنها من زمن الفيل أليس كذلك.؟
ــ أما أنا فأسكن في المقلب الآخر من الحي.
ــ متشرف.
ودّعها ومضى لحاله، كانت واجهات المحلات تلمع بمصابيحها التزينينة وأعمدة الكهرباء أشعلت أضوائها. كان الليل يعلن قدومه ، ما أقصر أيام الشتاء و بخاصة أيام شهر جانفي. وصل لباب غرفته في العمارة المتآكلة المتهرئة، برزت قضبان الحديد من على جوانبها وفي السلالم. دخل الغرفة الشبيهة بعش الطائر وطرد فكرة الزواج بمجرد دخوله؛ طرد معها معنى الصورة التي رآها اليوم في الفتاة التي أخبرته بمكان سكنها و بعض التفاصيل الأخرى عن عملها كمدرسة طور ابتدائي... يا لها من صدفة لكنه يستبعد الارتباط مهما وقعت في قلبه الموقع الحسن. رمى بجسده المنهك على السرير حتى سمع كزيز سريره يشكو مثله السنين. لقد رافقه من زمن طويل و لم يفرّط أحدهما في الآخر. فتح الجريدة الأولى، راح يقرأ كل ما فيها، عثر على مقال يشبه مقاله أو يكاد يكون هو، ممضي باسم مدير التحرير، ليست المرة الأولى التي يجد أفكاره هنا، يغيّرون له الكلمات فقط.
ــ يراسلني مدير التحرير يحثني على الكتابة و إبداء الرأي خدمة القارئ وإظهار موهبتي على حد زعمه وهو يسرقني أفكاري.؟
لم يكن يقوى على مواجهة مدير التحرير أو إثبات سرقته هكذا فكرة مقال له. القراء يعرفون اسم مدير التحرير و الجهات الحكومية أيضا تعرف اسمه، لكن اسمه بالنسبة إليهم نكرة. فتح الجريدة الثانية، لم يجد لقبه فيها وقد وعدوه بنشر إحدى أعماله. مدراء ورؤساء التحرير ليسوا كلهم سيئين وليسوا كلهم كهنة و إن كان بعضهم يخلق الكذب ويتفنن في رسمه. لصوص المعاني . قالها بتهكم وهو ينظر إلى العنوان العريض. بصق على الكاغط و بالضبط على مكان اسم مدير التحرير.
رمى بالجرائد فوق طاولة خشبية فهي كل ما يملك من أثاث كان التلفاز الصغير موضوعا عليها. خرج قاصدا مقهى الانترنت في الحي. بمجرد فتحه الباب نظر فيه صاحب المقهى متضايقا ، هو لم يدفع اجر استعماله النت عشرات الساعات. الاتفاق بينهما كون الدفع بالتقسيط وقد أخلّ بالشروط لم يدفع مدة. انتظر كما الآخرين و حين لحق دوره جلس أمام الحاسوب فتح بريده الالكتروني ، رسالة من مدير التحرير يعرض فيها عليه صفقة بيعه بعضا من مقالاته بمبلغ محترم. فار الدم من رأسه وصاح يكلم نفسه ويبصق على الحاسوب وعادة البصاق قد تقتله يوما" تجرأ هذه المرة الكلب بوقاحة الخسيس." لكن تراجع عن انفعاله ماذا لو يأخذ هو المال ليعين نفسه فالآخر يريد الشهرة عساها توصله لمنصب مرموق كمستشار في وزارة أو وزير خاصة و أنه كما أفضى له أنه عضو وطني في الحزب الحاكم. مدير التحرير هذا تعرف عليه من زمن، حين بعث له بمقال و ترجاه في نشره من ثمة صارت تربطهما علاقة. ينشر له مقالاته وبالمقابل المقالات الجميلة المؤثرة يسرق روح فكرتها ولا تخرج إلا باسمه. " أصحاب الوجوه الوقحة" قالها بحنق. لكن العرض مغري لأجل الظروف القاسية التي يمر بها ، قد يعينه المبلغ على تحسين شيء من حاله، يدخره لأجل أن يصير كباقي خلق الله ويجد زوجة توافقه على كفاف من عيشه. كانت الصفقة مربحة للطرفين، تسير على أحسن حال دون الإخلال بشروطها زمنا " دفع لكل مقال".. إلى أن وافاه مدير التحرير برسالة الكترونية ــ هو لم يقابله و لو مرة واحدة في حياته ــ يبلغه خبر ترقيته لمنصب كبير و لم يعد في حاجة لمقالاته. كانت مقالاته قد أحدثت ضجيجا و أثرا طيبا في الأوساط السياسية والثقافية. ترجمت لعدة لغات ، تداولتها الصحف الأجنبية و المجلات المختصة بالنقد، أثنت على صاحبها . جمعت الأعمال وطبعت؛ نال صاحبها حظوة الجوائز وأرباحا خيالية من ديار النشر الكبيرة، إضافة إلى التكريم. المدير المرقـّى الآن ليس في حاجة إلى كتابات أخرى. الأفكار نفسها قد تتكرر، أو ربما وجد كاتبا آخر أكثر مقدرة منه. كانت الغيرة تأكل قلب الرجل الطويل المملوء حقدا على مدير التحرير و على حظه المنحوس وعلى الفقر. أسقط غضبه على نفسه في هوى سحيقة من العذاب و العتاب.
كيف يرى نجاحه يتجسد في غيره. لكنه تقاضى أجر ما عمل ووافق بمحض إرادته. استسهل الأمر بصفقة لم يكن مرغما عليها أبدا. تجرأ على بيع ما لا يباع.
كان ينتظر الحافلة التي تعج بالركاب، أخذ يتزاحم كما المعتاد ليجد مكانا لقدميه و لعله يحظى بابتسامة من عند الفتاة التي وعدها بالزواج ، لم يعد يراها إنما لا زال يرى وجوه اللصوص المتزاحمين إنهم لا يشبهون اللصوص الخياليين لصوص المعاني و النجاح. لا زال الندم يثقب ضميره ويشغل تفكيره ، خسر الكثير من وزنه و لحقه شيء من الخبل. ذاك اليوم وهو ينزل من الحافلة قاطعا الطريق للشارع المقابل في المقلب الآخر تخطفته سيارة سوداء من القداّم....

الأربعاء، فبراير 18، 2009

زلزال في قلب رجل طيب

خالد ساحلي

يبدو الكوخ الصغير ملاذا آمنا من سخرية تلوكها الألسن هناك في المدينة التي ودعتها بقلب بارد كالصقيع غير آسف. لست نادما عن قرارك الأخير لمفارقتك أهلها الظالمين. دخلتها وكلّك همة الملوك و الفاتحين وغادرتها كنبي مكروه أخرجه قومه قهرا وعنفا؛ سخطا و سفاهة على ما اعتقدوه بدعة. لست الأول من يناله الأذى و لن تكون الأخير من تقبل عليه الظروف بحالكات شقائها، تكبدبت هزائم كبيرة. لا تعتقد الظروف أقدارا بقدر ما هي عوائق تصنعها أيدي البشر وتتيحها لإحداث خسائر وأضرار نفسية جسيمة. لم ترضى عن نفسك قط، لم ترضى بالوجود الذي أنت فيه. شكّكّت في أقدار الناس وحملت الخطر. لا تدري وقتها أنك لبست اللعنة الأبدية، لو فعلت أي شيء إلا هذا الذي فكرت فيه وقتئذ. عيبك كبير. أيقظت شياطين تعبث معها ، لن تتركك، ارتبطت معك للأبد. لم يكن محتم عليك التفكر في معرفة نفسك ودعوة غيرك لذلك. تريد البحث عن حل لآفة خسر غيرك لأجلها الكثير. لا تود تذكر المزيد، ذكرياتك كحولا على قلبك المجروح ، ستمنحك بدل الراحة مزيدا من ضعف بالتفافك للوراء. يكفيك أنهم منحوك مرتبا غير قابلا للاقتطاع وعطلة مرضية دائمة. أنت لست مريضا برغم تناولك لهذه الحبوب السامة القاتلة . لست مريضا حتى و لو أعتبرك الجميع كذلك. هم بكثير من الريبة ينضرون إليك، يكادون يزلقونك بعيونهم المتلصصة الممزوجة بالشماتة. يتصرفون معك بحذر كبير، يجاملونك أحيانا ويتحاشون مقابلتك ولقائك. منهم من أعتبرك مجنونا ومنهم من قال غير ذلك، أعتبر حالتك مرضا نفسيا مشكلة خطرا على طلبتك وعلى المحيطين بك. كتبوا تقاريرهم الكثيرة المطولة عن سلوكك العدواني على بعضهم وعلى تلقينك الدروس الداخلة في باب الحرام من الكفر. تدعو للخروج من الملة، قالوا أن فيها أسرارا من التهاويل المحاطة بالأكاذيب المشحونة بالهبل. عرفت يوم رجوعك من البلاد الغريبة أن مفهوم التحريض يتضح أكثر كلما اقتربت من معرفة الغيبوبة والعدم الذي يجوس خلال هذه الديار. قالوا لست أهلا لشرف العلم و الكلمة و القلم. لأنك المريض المسكين وما زاد في مرضك قراءتك الكثيرة لجلال الدين الرومي وترديدك أشعاره. منحوك تهمة البدعة و الضلالة. تهم تلقيتها من منخرطي الأحزاب المتكاثرة كالفطر الخارجة من قيح النظام العمالة . مناضلو حزب اليمين رأوا فيك أصولي والمتعاطفون مع اليسار اعتبروك امبريالي والحزب الذي أدعى أن الله له وحده قال أن تفكيرك صهيوني . وغيرهم لم يجد لك تهمة إلا أن قال تتعاطف مع الخوارج . كل هؤلاء زملاء العمل قالوا ما أوحاه لهم عدوك.
يوم قادك الوالد رحمه الله من يدك وهو الشيخ لا يقوى على الحركة يتكأ على عصا من الخشب الأحمر، انهارت أعصابك لهول الصدمة، أخذك للمصحة النفسية البعيدة بمئات الكيلومترات عن هذه المدينة المتيّـم بها. لم تكن تعرف وقتها أنك عبئا يضاف لشيخوخة أبيك. الرحمة والرأفة طلبتهما من الله في قلبك، لم تكن تستطيع الكلام، لسانك كان يعجّ بالعقد. كنت تبكي داخلك ، لا أحد يحس ببركانك المكبوت الذي لا يفيض، كنت تقولها في داخلك وهي إبر تثقب روحك
ــ " عذرا أبتاه أتعبتك على كبرك" .
قضت أمك نحبها و أنت لا تزال طالبا بالجامعة. تذكر يوم كانت تجمع حبات الزيتون فتأخذها للمعصرة و تبيع زيته، دراهمه المعدودات لتغطية مصاريفك بغية رؤية حلمها وهو يكبر أمام عينيها تقولها مفاخرة بحب وعطف وحنان للنساء الأخريات وهن يجمعن حبات الزيتون ويثرثرن والأولاد يحفّون أمهاتهم ، كانت تقول لهن : " ابني جمال، جميل كالقمر وكبير قدّ الدنيا" هكذا كانت تقول دائما وتفخر بك. هكذا حكت لك العجائز ما كانت تقوله لهن من زمان. لم تكن تعرف وهي في الأبدية أنك الآن أضفت شقاء آخر لأبيك. أنت وحيدَ أبيك وهو الوحيد من زمان. انهارت أعصابك وقتها، كدت تهلك، لم تكن تتوقع خيانة أصدقائك ولا حتى هجران حبيبتك. انقلب عليك أحباؤك لحقك ليلهم وقسا عليك الزمن. شكلوا حلقة الوفاء أمام ناظريك ثم غدروا بك. صديقك الثري السياسي المتدين صاحب الحسب والنسب يخطب حبيبتك وله معنى واحد فقط ...حين كان يخطب من على المنابر ويعد الصابرين بالجنة والنعيم كنت تشك في إخلاصه لله... وزميلك الذي تخرّج من الجامعة في العام نفسه تغير سلوكه معك بعدما صارت له لحية طويلة تغطي وجهه وأسفل ذقنه، كلما رآك يصاعر وجهه عنك. كلهم متائمرون عليك، حاصروك حين أذاعوا أنك المتأثر بالخميني وتقرأ كثيرا لفوكو حول الثورة. أخافوا كل من يتحدث إليك. صديقك السياسي الذي لا زال يصعد المنبر خطب حبيبتك التي كرهها بحقد يوما ما وقال أنها شيوعية فاجرة ليبعدك عنها. وقال أنها عاهرة ويشترك فيها الجميع. حبيبتك التي كانت تحمل لافتات عريضة ذات يوم " الفن والمدنية والتحرر، المناصرة للقضايا العادلة والمتحدثة في الديمقراطية " تتعامل مع الأمر على انه صفقة مربحة ببرودة حية رقطاء باردة شرحت لك مبادئ الليبرالية والسوق الحرة وعجزك على أن تكون مثل غيرك؛ وغيرك لن يكون إلا فارسها المغوار الذي لطالما خطب من على المنابر و له غواية كبيرة على النساء. كم يحب اللعب بلهيب أعواد المنابر ؟ كان يتباهي حين يركب السيارة المرسيدس السوداء الفاخرة لأبيه المفتش العام الذي يتدحلق له الجميع .إستعماله قوة الدولة ليرضع حقوق الضعفاء يقول لك ابنه" هي الدنيا."
لم ترى في حياتك النقيض يجتمع، لم تجتمع النار مع الماء، لكن العروس والعريس في الأخير تماثلا تشابها و توافقا. ماذا حصل للعالم؟ هل يذوب النفاق في المكر والجشع؟ سألت القدر في نفسك وحاسبته"ماذا فعلت للعالم حتى أطرد من حدائق الورود الحمراء والأمنية وينفى الحب داخلي لشعاب وقفار كرههم؟ يا للوجوه الجميلة التي تخفي معناها المدنس."
لما سألت الحبيبة عن سبب تمسكها بك كل هذا الوقت؟
قالت : ــ كنت حالمة لا غير .
وقالت ــ "أنها رأت فيك بعض المشاعر الضائعة في هذا الزمن لكن استفاقت على وقع خشخشة الأوراق النقدية ومستقبلها النابض بالحياة تختبره بواقعية السيارة الفضية الثانية رباعية الدفع التي يمتلكها صديقك... والفيلة في قلب العاصمة، وشقق في ولايات أخرى، زواج بزنس يا جميلو"
سقط قناعها وبدت لك الآن تشبه دمية آلية مبرمجة على الشر و التدمير تتكلم بانتقامية في فيلم خيالي. ألم تقل لك مرارا أنك تخيفها بما تتلفظ به من كلام؟ كانت تقيم حجتها عليك وقتذاك، أفلتت يدها من يدك وأمسكت بيد صديقك الإمام الذي بدوره أخبرها عن الجن الذي نال منك بمس ورقاك هو ببصاق. تضاحكا يومها عليك. ومع هذا كان يكذبا على بعضهما البعض. يعرف أن بصاقك أطهر من دمه.
يتخطفك طير الوجع و معاول الغدر تنكش أرض طهورك الخصبة. الذين وثقت فيهم سكاكينهم أدمت إحساسك العميق الغائر. بدا الجميع ينظر حولك بشك وريبة. انتحر صديقك من على الجسر العالي، للأسف كان أقربهم لنفسك يلازمك. انتحر لأمر أنت تعرفه ولا تذكره. ولأنهم فشلوا جميعهم في جعلك مثلهم شكّوا في كونك طبيعي. الغير طبيعي بالنسبة لهم لعنة ينبثق منها الخطر المهدد لحياتهم وحياة أبنائهم.. يالسخرية ... أنت لست بالمريض، ومع هذا تتناول هذه الحبوب السامة حفاظا على عقلك.هم المجانين تحذرهم. تقول هذا. هم يقولون المجنون الوحيد في العالم الذي لا يشبه جنونه أي جنون هو أنت. يوم عرضك أبوك ــ رحمه الله ــ على الطبيب طمأنه بتشخيصه لحالة نفسية انفعالية لا غير. مع هذا كان قلبك يقطر أسفا على الخيانة الساكنة للعيون، تلك العيون ترى فيها مأساتك . يتوفى الوالد و الغصة تملأ قلبه. مات حزنا وخوفا عليك من أنياب الزمن وغدر أهله؟ كيف ستواجه مصيرك المحتوم وقد تسلل اليأس لحياتك و انسلّ من بين تحصين ذاتك؟ كان يكررها لك كل شروق شمس.
ــ " يا ولدي لك الله، والذي له الله لا يشقى، لا تبكي عليها و لا عليهم، هم لهم معارفهم وأموالهم و أنت لك الله لا تأسى على ما فقدت. خُبرت بمصابك لسنا من طينة هؤلاء، سيسجنونك، أو يقتلونك. لا تفكر فيها و لا فيهم. ارحم أباك و أحرق كتبك، انظر كيف أصبحت، لما لا تتكلم صرت كالميت"
ثم يجهش أبوك في البكاء، يمسح دموعه بمنديله الأبيض، كنت ترى المنديل يبتل كأن كوب ماء صب عليه. كنت تود أن تصيح من العذاب والألم، تمنيت لو كانت لك قوة سحرية وأوقفت الزمن. لست نادما على شيء إلا على بكاء أبيك الغالي وامتناعك عن الكلام وقتها، نادما على أمنية أمك التي تاقت لتحقيقها، تعرف أنها لم تتمنى شيء في حياتها و لم تحصل على السعادة أبدا تعرف هذا من يوم صرت تفرّق بين الأسماء والأشياء... كانت فترة فقط "كل قعود و له قيام" هكذا قلت لنفسك. اخترت العزلة و أنت الغريب في بلدك. تفكر الآن وأنت في هذا الكوخ كيف تقطع البحر و ترمي خلفك الوجع و الحصى السبعة. استطعت التخلص من تلك الحبوب السامة . وانفلتّ من مخالب عجزك كزئبق، رجعت ثقتك لنفسك من جديد. لا زلت تتظاهر بحالتك المرضية نفسها، يوم رحلت لم ينتبه لك أحد.
لم تأسى على أحد منهم. وقفت يومها عند قبر أمك و أبيك وعدتهم بالعودة لزيارتهما متى تقوّيت. مسحت على شواهد قبريهما، بكيت طويلا عليهما وقبّلت الحجر الذي يحفّهما. لو قدر لصدرك و انشق لانفجرت عيون ولأغرقت القرية بكاملها. حين رجعت للبلاد الغريبة نجحت في الذي فشلت فيه في وطنك، ومع هذا لم تشتم بلادك كما يفعل الجشعون لأجل أن يرضى عنهم أسيادهم و يعطونهم فتات خبزهم. عملت ونجحت في إنشاء مشروعك. أمنيتك تحققت لكن وجعك يقول " ماتت العزيزة ما جدوى النجاح."
صقلت مرآة عقلك، و ما فائدة الآدمي إن عجز عن معرفة قيمة نفسه.
ضحكت هناك أخيرا و لم تضحك من زمن بعيد، ضحكت على ضرب الجنون هناك في القرية التي حوّلتك لمجنون، ضرب اللامعقول. ضحكت ولم تضحك سنينا طويلة .سألت نفسك:" الفاشلون في ديارهم وبين ذويهم ينجحون هنا بين الأغراب المتحضرين" . النور هنا يتدرج للأعلى فأرتقيت معه.
تتذكر ذاك الكوخ ، هو من حملك على كتابة شرف خلودك. قسا عليك الذين أحببتهم، قست أيامهم معهم عليك. تبتسم الآن. هزيمة يقولها المكتوب انتصار، تحفر دمعتك كنزها، تلألأت جواهرها ، لم تتذكر تلك الوحوش التي سامحتها أمام مرآة الذات والضمير في محراب الرب . إنما تذكرت الوالدين وصديقك المنتحر انتقاما لوئد تَفَوَقَهِ..ــ لم ينتحر صديقك بسبب ما أشيع عنه أن المجاهد المزوّر صاحب المزرعة طرده شر طردة لما ذهب لخطبة ابنته ــ. لقد أنقذت نفسك أخيرا، أنجيت عقلك لتكون لمن خلفك آية وعنونت أول ما كتبت " الكوخ الذي أنتفض منه رجل ميت" " الجسر الذي فتح ذراعيه لصديق منتحر" "الكوخ الذي خبأ داخله أشياء الرجل المفقود". تتذكر كل هذا على إيقاع نغم سنفونية حزينة جدا ممزوجة بماضي صنع لك جزءا من مستقبلك المستجد أحدثه تغيير قديم لتكون لمن بعدك آية... رجعت للقرية كما وعدت والديك وزرت مدينة الأموات، ومن ثمة رحت على الجسر و نثرت أزهارا من أعلاه... عدت للقرية و لم تمكث فيها إلا ساعة و اتخذك أهلها إله لمّا رأوك لأنهم رأوا فيك المعجزة.. رجعت وشئت أن لا تتذكر فيهم أحدا فقد كنت وحدك لهم آية... مباركة هي المعجزة.

الأربعاء، فبراير 11، 2009

الصورة النادرة



خالد ساحلي
كان يحدق في الصور المختلفة الأحجام المتفرقة على مكتبه النصف الدائري ذو اللون الآجوري لمّا دخل مستشاره الشخصي المنتفخ العينيين ببذلة سوداء و ربطة عنق زرقاء نيلية اللون، كان أصلع الرأس و بجبهة عريضة بارزة سقط عليها ضوء المصباح المثبت في السقف فلمعت كقطعة زجاج. المصابيح هنا كثيرة ملتصقة بالجدران وفي السقوف وعلى الرفوف. لا تعرف من كثرتها هل هو النهار أم الليل حتى تنظر للساعة.المستشار يتصنع الطاعة بتملق لا حد له، والرئيس يدرك دور التمثيل الذي يؤديه مستشاره ببراعة بهلوان سيرك. أفشى المستشار تحيّته بصوت تَصَنَعّهُ أنزعج له الرئيس. رد عليه الرئيس تحيته و أطرق رأسه ثانية يتصفح الصور ماسكا رأسه بكف يده ثم مررها على شعر رأسه الحريري. يدنق النظر، يحرر من عينيه سؤالا كبيرا لحظه مستشاره.
لم يزل لم يقرر بعد، الأمر يبعث على الحيرة. صعب هو الاختيار في مثل هذه المواقف، لكنه في الأخير هو من يقرر. لا يفصل في الأمر أحد سواه. جمع الصور بعضها ببعض بعدما رفعها من على المكتب ومن جديد راح يقلب الواحدة تلو الأخرى. كانت من بين كل تلك الصور صورة واحدة يحدّق فيها طويلا يعطيها وقتا أكثر من أي صورة أخرى. هذه الصورة داخل الملف بمجرد أن رآها سيادته لامس الحنين نفسه وذابت مشاعره رقة.
"هذه الملامح كأنها هي". طرح السؤال ذاته كم مرة " هل تمنحنا الحياة فرصة أخرى نرى أحبائنا فيها، أحبائنا الذين دفناهم وظلمناهم ؟ الشبه البشري يمنحنا إياه الله لتصحيح مساراتنا لتفريطنا في حقوق الآخرين. امتيازات الوظيفة تُميت الحب بالقلب ، تنسي الإنسان وعيه ووجوده. يا للأسف".
أخفى الرئيس الصور في غلاف بريدي أنيق إلا صورة وحيدة أرجعها إلى أذن الملف و ألصقها بلاقط ووقّع على قصاصة صغيرة ثم ألحقها بختم.دفع الملف للمستشار المتسمر أمامه كتمثال رخامي بارد: ــ خذ الملف و قم بالإجراءات اللازمة.
ــ حسنا سيدي سينفذ الأمر كما أمرت، سأخبر المعنيين أنها رغبة سيادتكم.
ــ أحرص على ما تعرف.
خرج المستشار الأصلع، ساحبا الباب خلفه بهدوء، كانت يده الشمال تمسك بالملف ذو اللون الأزرق وكان عليه رقم يكاد يبرز.
قاربت الساعة منتصف الليل . ضوء الكهرباء يضر بحدقات عين الرئيس حتى أنها لتدمع دون دافع إرادة. على الرئيس أن يأخذ قسطا من الراحة بعد يوم من الجهد هذا ما رآه. من عادة الرئيس لا ينام إلا ساعات قليلة حتى أنه لا يأخذ القيلولة أيضا. ضغط زرا أحمر على مكتبه، دخل حارس شخصي على جناح السرعة طويل القامة أسمر اللون بعينين حذرتين منفتحتين متقدتين كذئب: ــ نعم سيدي أمرك
وقال الرئيس بصوت خافت: ــ سأنام الليلة في المكتب لا تتردد في إيقاظي لو دعت الضرورة لذلك أسمعتني.
ــ أمرك سيدي.
غطّ سيادته في سبات عميق بعدها استيقظ على وقع كابوس جعله يتصبب عرقا، الكابوس الذي لا يفارقه ، مد يده لقارورة الماء ، أفرغها في جوفه ، أحس بعطش الصحراء؛ مزمز القارورة عن آخرها ، الصورة الشبه أحيت له الألم القديم، تعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم غفا مرة أخرى حتى الفجر ليستيقظ على أمل.
كان ينتظر الخبرالسار من مستشاره الذي لم يتصل به بعد. كان قلقا للغاية. رن الهاتف المرة الأولى، في الثانية رفع السماعة وبصوت متردد مرتعش سمعه: ــ سيادة الرئيس لم نجده.
أمسك الرئيس بجبهته، أحس بصداع من جراء الكابوس المؤرق لليلة أمس:ــ تريد القول أن جن سليمان أختطفه.
ــ سنفعل المستحيل سيادة الرئيس.
تسلل الضيق لصدره ينط داخله ليستقر ثانية عند حلقه، يكاد يخنقه. لحظات بعدها دخل ثلاثة رجال ببزاة زرقاء عليها نياشين بعدما طرقوا الباب طرقا متواصلا ودون انتظار عَلِمَ الرئيس أنهم هم.. أَذِنَ بدخولهم، قدّموا التحية العسكرية ثم دعاهم للجلوس.
ــ أطلعكم مستشاري على ما أقررته؟
ــ نعم سيادة الرئيس، يشبهه حقا لكن هذا لا يعني ولده...... ليس له أهل أصلا ولا نعلم أنه تزوج... بحثنا عن ذلك و هذا ما نعرفه.
ــ أنصتوا، أريده ماثلا أمامي، نريد التكفير عن خطايانا و خطايا الذين سبقونا إلى هذا المكان. آن الأوان لنرد بعضا من الدين، ظلمه الجميع وما ظلمه التاريخ، سجون المنافي تعرفه، لم يكن خائنا أبدا، كان متمسكا بطريق لم يرق للبعض. كان شجاعا و جريئا وصاحب موقف كل ما هنالك أنه كان رجلا صاحب موقف.
أعطى سيادته أمره الذي لا يرد كالقدر و صاحب الصورة ما كان ليختفي من إرادته، كان في دائرتهم. حين أرسلوه للرئيس بمجرد أن رآه الرئيس قال له:ــ"كأنك هو."
ارتجف وهو لا يكاد يصدق عينيه أنه أمام الرئيس، وأنه سمع انه سيحصل على العفو .نظر الشاب للصورة التي كانت على مكتب الرئيس ، رأى والده يقف وبجانبه شاب في مقتبل العمر باسم الثغر وقال له حتى دون أن يأذن له بالكلام : ــ ذاك أبي سيادة الرئيس، هناك صورة نادرة توأم لهذه الصورة حفظتها أمي لأجلي ذكرى أبي... لليوم لا أعرف من كان بجانبه.؟
لم يتفاجئ سيادته فقد كان صوتا بأغواره يخبره بذلك.
ــ"كان يجب أن يحدث العفو التاريخي ورد الاعتبار من سنين... يجب أن أخبرك أن والدك أعدم لأنه تحمل تبعات أفعالي في الوقت الذي جبنت فيه، الفضل له كوني اليوم رئيس البلاد. منحني الحياة و أنا بدوري أهبك الحياة من جديد."

الخميس، فبراير 05، 2009

راية هزمتها العناوين

خالد ساحلي


وعدهم بحياة أفضل
تمنوا الشفاء من حلم
مثل أبراج جرائد الصباح
تزرع السأم
بروج وهمّ مشيّدة
تهاويل قلب مخدوع،
يشكو الزمن
تحليل السحر في العقول
طموح كاذب لراية
هزمتها العناوين
قالها نبيهم المنتظر
صبرا صبرا آل مظلوم
فمصيركم الانتظار


سفر للأصل
حين أرتجف قلبه ورقة
و الحب فصل خريف
مالت ألوانه للأصفر
منتظرة الاخضرار
كان الفرج
بانحلاله في طين و تراب


عيون وقتل الجنون

في البداية
ألف الحب الألف
ألف الحب حبه
الميم ماء حين تاه
نصف الإنسان
ونصفه الآخر
اعتراه الجنون

سراب
الورود
غرّرت الألوان بالتيه
طوقته مسافة الأوراق
والفرشاة

سيد
صحراء وقفار
منفيٌ الواحة الخضراء
والسكينة تقرص الوحدة
انتبه لحواء منزوية
خلف المرايا
وكحل العيون

حواء
لو تغيّرت
المجرة و النجوم
لو فقدت الأرض الجاذبية
وركب المستحيل الحقيقة
تظل حواء هي
و إن رصّعت رأسها
بجواهر العلوم

هي
بحار بلا شواطئ
و المرافئ مسافرة
نست ظلها
معتزلة المراسي والحبال
هي في الميم الألف
هي الحبيبة نار حرون
طيب ومسك وكحول
و الملاذ الوحيد
على إيقاع مرتجف



ابن النار

لاذ بالصمت محتفيا بالعذاب
و النار تأكل القلوب
كحل العيون الجميلة
وقود سراج الفؤاد الملتهب
من يحفل ببعض الكل
حين يصير رماد
لا أحد يأبه بالحريق
في هشيم حبه الطيب
فالرماد ابن النار
تذروه الرياح
في واد النسيان السحيق


الثلاثاء، يناير 13، 2009

عندما تمطر السماء صواريخ

خالد ساحلي

شمس ونجوم

طلعت فوق سطح المنزل
هاربة من رصاص غادر
يجول فراغات الشارع
ومن شظايا القنابل
تبتغي اللعب مع صويحباتها
وتلك غاية البراءة
طفلة تشبه الشمس
و الأخريات كالنجوم حين تلمع
ورود جميلة
تحت ظل أشجار آدمية
في غابة الاحتلال


صاروخ شيطان

سمعت المسكينة الهدير
ضوء في السماء لاح
صواريخ تتحدى الطفولة
من هول الفاجعة
لم تعي بعدها الذي صار.
قطفت المحرقة رجليها.
القلوب البيضاء للصويحبات
أكلها الفسفور الأبيض
سلاح جيش الظلام



أنين حزين

بأنين القلب الحزين
قالت: حسبي الله
و شاشات العالم نوافذ
تطل من خلالها العيون
على خراف مسكينة
يسلخها الذئب الجائع
على مرأى راعي
يتباهى بعصاه
وبسيفه المفخرة
المخبأ في غمده الذهبي
كم من رقصة أدّاها بلمعانه الأخاذ؟
في أعراس البطولة؟.


مواجع

قالت: نصبر على حروق الجسد
نفثها حدّاد يصنع العذاب
ألفناه من زمان
الضير في حروق النفس
يصنعها صمت ولاة الأمور
و الإخوة الأعداء
والحدود المسخرة.


فواجع

اكتشفت الطفلة العجز
لا في كونها الآن معاقة
لا تملك رجلين
و لا تقوى على رسم
طيورها على الجدار
والجري وراء الفراشات
و تسلق شجرة الزيتون
في باحة المنزل.
بل العجز في الأقدام
التي لا تقوى على الوقوف.
لتضمد الجراح
وتوقف النزيف
قالت بعمق الأسف : حسبي الله.

الأربعاء، ديسمبر 31، 2008

الأراجيف

خالد ساحلي

قال الملك العظيم و ظن نفسه خالدا لا يفنى و ملكه لا يزول: " كيف لنا النسيان بأن لأعمارنا حدا تنتهي إليه؟ و ملكنا العظيم المبني على البطش والقهر و الجبروت وبأنهار الدم وليل المؤامرات سيزول أيضا؟ أينتفع به الآتي بعدنا ونحاسب عليه نحن من الرب؟ أم هكذا هي الممالك من عهد إلى عهد ؟ " نظر الوزير العظيم إلى جلالته و أحنى رأسه دلالة رضا على رجاحة عقل مولاه الملك ، ثم ما لبث أن أنحنى كليا حتى ألتصق بصره بسجاد الأرض وقال وهو راكع طاعة:" هو الملك يا مولاي كالنار يراها التائه ملاذا في ليل الصحراء المقفرة الباردة ، يراها خلاصا من عذابات الضياع، يرى فيها الدفء و النجاة من الذئاب الجائعة و الضواري الكاسرة والحيّات السامة .حتى إذا ما أقترب من أصحابها ومنحوه الأمان ، أطعموه وآووه بعد استعطافه ثم تأكد اطمئنانهم له ، حتى إذا ما تفتّحت عيناه شبعا بعد جوع هالك ثم رأى بعدها ما عند هؤلاء من مال و متاع وراحلة أجهز عليهم وانتزع منهم ما يملكون غدرا و بلا شفقة. نفسها النار التي قادته إليهم لا زالت مشتعلة مستعرة ثم نام قربها و قلبه البارد بالغدر لا يؤنبه ، لمّا غاص في بحر نومه أزعجته الكوابيس فأنقلب نحو النار حتى أحرقته فلا زال أثر الحرق ما عاش يذكّره بخيانته ومصدر ما هو عليه من نعمة ليست له. ووارثه لا يدري عنه شيئا إنما يعمل على المحافظة عليه ولو كان حراما كله فكذلك الملك يا مولاي". فهم الملك ما يرمي إليه الوزير ملمّحا ورد عليه: "أنت رجل لمّاح يا وزيرنا لكن كيف لنا أن نعهد بهذا المُلك حتى نحقن الدماء فلا تسيل كما سالت من قبل ، نجنب الناس الفتن و الهرج فلا تتعطل مصالح الناس فلا يخافون على أنفسهم وأموالهم؟ و رأيت أن أستشير الشيخ الحكيم جمال الدين فهو القادر تدبر أمر دعوتنا فكلامه مسموع وأمره مطاع، نأمره بجعل الخلافة في أبنائنا فلا نخاف بعدها مقتلهم أو خلعهم و يبقى ذكرنا بعد مـماتنا ما بقى المُلـك فيـهم" رد الـوزير:ــ سيرفض يعرف قد أخذنا الملك قهرا ؟
ــ نجبره فالوسائل كثيرة.
ــ الأمر ما يراه مولانا وانحنى طاعة ثانية وانصرف وقد رفعا الحاجبان رمحيهما وفتحا الباب الكبير المطرز بالذهب و عليه نقوش نسر وزخارف.
أمر الملك في طلب الشيخ الحكيم جمال الدين حين وقف بين يديه قال له: ــ أتدري لما أمرنا في طلبك؟
ــ لا أعلم وتمنيت لو منزلي أقصى ومسيري إليكم ألاف الأميال خير لي من دنوي لملك أو أمير.
ــ أستشيرك في أمر مهم يخص المملكة؟
ــ ربما لن تجد عندي ما يرضيك يا مولاي
ــ و كأنك تعرف ما نريده ؟
ــ لا أعرف لكن علمي بأمر الملوك لا يستدعون رجلا و لا يقربونه إلا إن كان في صالح ملكهم لا غير أما ما عدا ذلك فالكل للهلاك و لا يبالون.
ــ لا لا ، نحن نريد الأخذ برأيك السديد في أمر الفوضى التي بدأت تحدث في البلاد فلك عقل تعرضه و أدب تظهره في حلقة علمك.
ــ ما المطلوب منا ؟
ــ الدعوة لملكنا حتى يثبت .
قال الحكيم جمال الدين : أتريد النصيحة جارحة لا نفاق فيها أم تريدها عسلا فنرضيك ومن بعدها تكتشف السم الذي فيها.
ــ نريدها جارحة لا نفاق فيها.
قال الحكيم و قد نظر في الوزير العظيم شديد البطش و القهر الذي أشترى عداوة العامة وكان واقفا في مهابة قابضا يديه بين بطنه و صدره:
"ــ أصلح الله الملك إنك لتعرف ما يتوجب عليه أمر الضعيف و الغريب، إنك لتخيف المقهور حتى ضاق صدره وغلّ عليك قلبه، و الغريب الذي أتاك من أقاصي الأرض يعرض عليك شكواه في كتابه يعود خائبا بعدما احرق حجابك وعمّالك كتابه، يعود خائفا من جنودك وخدامك فيتحول خوفه لثورة يتحين الفرصة للانتقام ، وهذا كله لأنك لم تعاهده بالحماية ، يرجع خائفا مرتعدا من مصير في سيف بتّار وسوط لاسع ذابح، إنك يا مولاي لتميز بين شريف وغني وتعطيه الوجه الحسن بل إنك تطمعه في حيفك ضد خصومه وتقربه من طرفك ومجلسك تقيم الحد على صاحب المظلمة دون بينة عادلة، ذاك يا مولاي لا يملك ناصرا إلا ربه ولسانه و شجاعته، فأفعل عكس هذا و آس بين الناس كان عدلك ظلك وكان سيفك فزاعة للغربان والبوم."
غضب الملك العظيم من الشيخ الحكيم ورأى في النصح مهانة وقلة حياء ووقاحة ما بعدها وقاحة خاصة بعدما رفض الترويج لدعوته فأمر بسجن الحكيم جمال الدين ما تبقى له من أيام عمره بين اللصوص و القتلة...
سجن الشيخ الحكيم سنين ذاق في أثنائها ألوان العذاب من جلادين متنكرين. كان كلما خرج سجين خالط الحكيم إلا و أخذ حكمته، فصار حكيما بأخذه العلم الغزير. بدأت الأخبار تنتقل للملك الخائف على ملكه وعلى دنو أجله فالمدن بدأت تشهد صلاحا ، قلّ القتل فيها و السرقات و أمن الناس من الخوف. رأى الملك العظيم هذا أمرا جللا وخطرا عظيما وشرا مستطيرا على ملكه، ففتنة الناس بينهم جُنة الحاكم والعصور المثالية قصيرة الأمد وهو لا يرضى أن تكون مملكته مثالية فيقصر عمرها، هو يريد أن يأكل الشعب بعضه، فيحتاج للجند الكثير ففي مشاكل الشعب يكثر العسس. أمر عيونه باقتفاء أثر أصحاب الدعوة الجديدة وزجهم في السجون مع القتلة.
كان للملك العظيم ما أراد و أتباع الشيخ الحكيم جمال الدين لا زالوا تابعين لطريقة حكيمهم. السجون تفرغ من اللصوص و القتلة وتملأ بهؤلاء الأتباع، إلا أن الغريب مفاجأة اللصوص بخروجهم دعاة و عبّادا،كلما أُُُسر أحدهم زرع فيمن وجد أمامه بذور النصح و الخير و دعوة الحق وأصلح شأن فساده.0
قال الملك العظيم للوزير العظيم: ــ كلما أشتد الأسر و السجن و التضييق زاد الخطر و طوقنا أكثر.
قال الوزير العظيم: ــ أترك رؤوس أتباع الحكيم يقولون ما يشتهون، يطلقون ألسنتهم في ذم ملكك فإن الكلاب إذا نبحث كثيرا ضاعت شجاعتها لكن إذا ما كمّمت أفواهها ثم إذا ما شقت الكمامة عضّت من حولها و لو كانوا أصحابها. يامولاي أتركهم يتكلمون فيفرغون ما في قلوبهم فتمتص غضبهم ونقمتهم و تشتري ألسنة للرد عليهم و تكفي نفسك العوام و الأعداء وكم هم الباعة، يعرضون ألسنتهم للبيع يا مولاي إنهم بالآلاف.
أفرغ الملك العظيم سجونه بعدما رآها تحولت لمدارس الثورات، إذا ما ادخل إليها الصالحون و الحكماء و أمر بترك حرية الكلام؛ أشترى بعض الألسن المتقنة لفن الكلام و المراوغة و النفاق و أستأجر أبواقا محترفة في بث الشقاق بين الناس. كان الحكماء بعد سراحهم قد نالوا الحظوة في الكلام و التقوا بعد سنين من فراق وغياب لكنهم هذه المرة قرروا السكوت وحفظ اللسان. حار الملك العظيم من أمر سكوتهم وصمتهم. رأى الناس ما آل إليه موقف حكمائهم و انزوائهم في الظل، فشغلهم أمرهم عن أمر المتكلمين المستأجرين و المنافقين في المملكة.. راحوا يسألون ويخمّنون وصارت قضية الحكماء الصامتين محل خلاف وضاعت الألسنة المأجورة وصداها. قال الملك العظيم للوزير العظيم: ــ قد زاد خطر هؤلاء ماذا ترى أيها الوزير العظيم فلكم أنقذت هذا الملك من الزوال.
قال الوزير العظيم: أطال الله عمر مولانا و أبعد عنه الهمّ والحزن، عليك يا مولاي بالأفاقين و الكذابين وحدهم من يملكون السحر لعقول العامة.
بدأ الأفاقون و الكذابون عملهم بالليل و النهار و راحوا يتقاضون المبالغ الكبيرة و العطايا من أراضي و محلات و قصور بعدما نفوا الحكماء خارج مملكة مولاهم العظيم. هرب الحكماء بدعوتهم بعدما أفتتن الناس، وهناك من يقول أن أمر بليل دبر مقتلهم و دفنوا في الفيافي و الشعاب.
بعد زمن كثرت الأكاذيب ، لم يتحكم البلاط في انتشارها شاعت وصارت لا حد لها،اخترقت كل المحصّن من الأمكنة حتى دخلت قصر الملك العظيم وجرت بين أولاده ونسائه و عائلته و حاشيته و جواريه وخدمه ومستشاريه وكهنته، صار الشك سيد الأمر كله فكم من وزير وقاضي قتل بخبر كاذب و كم من قائد شرطة و قائد جند عزل أو ذبح بوشاية . كثرت الأحقاد على الملك من حاشيته و أتباعه ومقربيه كبرت الأكاذيب وصلت الوشاية الوزير العظيم عن عزم الملك العظيم التخلص منه وقتله و صلبه حتى دبر مؤامرة للملك العظيم و أكل الشر بعضه وانتهى الأمر كما بدأ.

الجمعة، ديسمبر 19، 2008

الفتحة المباركة

خالد ساحلي
النور تراه، الضياء الساطع يبهرك، من زمن ألفت الاقتراب من تلك الفتحات، تقترب أكثر لترى خيوط النور المخترقة الظلام الدامس، الظلمة تحفّك من كل جانب وأنت لا تهتدي لمهجتك المفقودة، تقترب أكثر لتمد بصرك الدافئ بساطا قدامك، البحث عن أشيائك الثمينة، تدخل فضاء الضوء حين ولوجك خيوط النور، يتوهج أكثر، يتوهّج يزداد نوره. أحسست بصرك يكاد يحترق، المكان ازداد اتساعا، بدت الظلمة نورا أو تكاد تكون نورا، تحوّلت فتحات النور مع الوقت إلى فتوحات. ألف المكان مكانه شعرت به يلّفك كحزام، حزام من نور لا نار، النار تتحول إلى نور ياللمفارقة، من لا يملك نارا لا يملك الضوء.حيث أنت في الوقوف حيث الوقوف لا يتعدى حد قدميك، لكنه الاتساع المنفتح. بارد هو المكان، بارد كمخالب وحش كاسر لا يشبع. وهذه الجدران الصامتة تحمل الحروف الصامتة، الأسرار الصامتة كما أنت.جدران ثلاثة لا غير، الجدار الرابع بوابة حديد من قضبان؛ سلسلة كبيرة، الحلقة فيها بحجم المرساة، آه المرساة، لقد رست سفينتك من زمن.هنا في هذه الزنزانة اللعينة رست سفينتك، لم تكن لتشبه سفينة نوح و لا سفينة المساكين في سورة الكهف ولا تشبه سفينة القرصان صاحب الرجل الخشبية و اليد الفولاذية على شكل علامة الاستفهام. ليس فيها الرجال الذين ماتوا من أجل الصندوق الكنز. الجدران الأربعة تكوّن الغرفة و الجدران الأربعة تكوّن البيت. هنا الأبواب كثيرة و المفاتيح فيها لا تتشابه ومع هذا صار صوت الأقفال مألوفا لديك. السجناء ليسوا كلهم لصوص، هناك من بينهم من وجد نفسه داخل هذه الغرفة الباردة و القيد البارد في يده أيضا.أنت الآن تتمتع بهذا الفضاء الواسع الذي لا يملكه غيرك. الكتب التي تقرأها حررتك من أسرك وأنت الحر الأسير كنت. قالها لك الحارس الخشن ذو الوجه القبيح و الأنف المفلطح: ــ أهلا بك في الجحيم، أهلا غير مرحب بك.
أخذتك الرهبة بادئ الأمر، ارتجفت أوصالك، لم تعتقد يوما بأن الجحيم تدخله الملائكة ولا الشياطين تدخل الجنة وتبشّر بالخير ووحدانية الله. لم تطلب وقتها غير الكتب وكان كتاب الله أول ما تطلبه، كانت السخرية داخل هذا السجن كما خارجه، الكل يسخر من الكتب وحاملها حتى و لو كانت الكتب المقدسة.أعتدت على هذا الضوء المنبعث من هذه الفتحة كم تشتاق لهذه اللحظة الولادة.مخطئون هم حين يقذفون الشمس بالحجارة. لا أحد يتفكر في أمر الشمس أو ينظر في الآفاق التي أبدعت صورتها، هذه الأشعة الحية من الضوء. قد صرت إلى ما يشبه العبادة. هذا الطقس المتوحد فيه مع أفكارك.مخطئون نحن دوما لا نشعر بفيض الأفكار إلا حينما نكون في فم الهلاك أما في رحابة النجاة فلا نأبه لشيء. حين تفيض الأفكار تسكت اللهجات لا تصغي حينها للبشر و لو ملكوا كل اللغات . حفظت رقمك، رقم زنزانتك، أحب الأرقام لقلبك. حتى أنك قرنت هذين الرقمين بأحرف الأبجدية وجدتها ترّكب كلمة ضوء ونور. الكل هنا يتوق للخروج من السجن على عكس خروجك أنت، تنظر لعمرو ابن أبي العلاء في مقولته "كل شرف خارجية في أوله" . لا تتوق للقيان البشر المتشابهون كنسخ رديئة، كل النسخ الغير صالحة، مقرفة النسخة المعتادة المتسخة. خارج هذه الزنزانة خارج هذا السجن استحالة الحياة إلا بالفرار. بمرور السنين الطويلة تحررت بفضل الكتب تحررت وتنورت، أثبتت نفسك مرتقاها من قيدها المدمي، حرّرت عقلك أيضا خارج الإطار، مخضّبة كفك بحبر الورق.
ــ اللعنة عليك قارئ بائس، اللعنة عليك أيها النتن المتسخ بثقافته.
هذا الموال تسمعه مرات كثيرة في اليوم ومع هذا يحالفك الحظ حين تبدأ في التحايل على المساجين تجعلهم يألفون ما ألفت، استطعت إقناعهم بالابتعاد عن حلولهم السحرية، أخضعتهم لمنطق آخر، منطق الحرية والتحرر من هذا الوقت داخل السجن. السجن هو مرحلة داخل الوقت لا أحد يساعد الآخر إنما يخبره وهو يتدبر أمره. هكذا أستطاع السجين تلو الآخر بشق طريقه نحو الأفضل. هل بالضرورة السجن هو الأسر؟ لم تأتيك الرسائل مذ أقحموك في قضية لا تعرف بدايتها ، تباعد عنك الخلاّن ونسيك محبّوك لم يسأل عنك جيرانك، لا يأبه لك أحد ، تمنيت لو أن الكلاب كانت تجاورك ونسلك كان من نسل القطط وجذورك جذور ابن آوى، تمنيت لو لم تعرف أحدا. أتتك رسالة واحدة فقط ذاك اليوم، يطلب صاحبها التعرف إليك وهل يمكنه تولي مهمة الدفاع عنك، كان يدّعي الإيمان بقضيتك و بأنه بحث عنك كثيرا وتطلّب منه ذلك الوقت الكثير. يخبرك أيضا أنهم ظللوا له الطريق حتى لا يقتفي أثرك. يخبرك في آخر الرسالة أنه أجتهد وغالب اليأس حتى لقيّك. كانت رسالته مفعمة بالإعجاب و الحب وعبارات الحماس و الاندفاع، كان يسميك المثل فيما كان يكتبه و يرسله إليك.أعماه الإعجاب ووصل به الأمر لأن يسميك القديس هذا ما رآه هو. لكنك رأيت خلاف ذلك، كاتبك بأشياء كثيرة عن الحرية و حقوق الإنسان والتضحية، لم تكن لترد على رسالته ولم يكن لديك شك في أنه عميل سري حقير أو مخبر، لم تكن تظن أنها خطة يراد بها تلغيمك بقضية زائفة من جديد. الفخاخ ألفتها والعناية الإلهية تكشفها، لكنك خلاف ذلك قلبك يخبرك دون عقلك أن صاحب الرسالة رجل صادق يشبهك كما أنت في مثل عمرك. لم تكن لتقترح عليه تبادل الأدوار.ماذا لو أخبرته بعرضك في تبادل الأدوار؟ هو لا يعرف ما معنى كونه في وضعك، قد لا يتحمله ــ حين نكون في الاتساع يمكننا قول كل شيءــ هو لا يعرف الحرية التي يتكلم عنها بكونها مجرد وهم و خيال، الحرية المناضل لأجلها تشبه الفوضى. بعد الرسالة الأولى صارت تلحقك الرسائل الكثيرة، لم ترد على واحدة منها. ومع الزمن أهملت قراءة كل ما يصلك. لم تشأ شرح حياتك الجديدة بمصاحبتك شخصيات كثيرة وأشخاص لا يتغيرون كما أسمائهم. وتخويلك نفسك كل السلطات التي تملكها لتحكم بما تشاء و الأقدار التي بيدك إن شئت قتلت و أحييت. ترفع بها أو تضع كان بإمكانك حتى إقالة الرؤساء وإفقار الأغنياء وتسريح كبار المافيا من الخدمة. كل القصص التي كتبتها والسيناريوهات صارت داخلة في وقتك لا غير. الوقت وقتك. كبرت الضجة فيما هو متعلق بك، أنت لا تأبه لها تمنيت لو تركوك لشأنك فقد فوّضت أمرك للرب وحسبت أجرك عليه، تمنيت لولم يجعلوا قضيتك مطية لأطمعاهم وظهورهم على حساب اسمك وقضيتك.أنت تموت لأجل أشيائك الثمينة وهم يقتاتون من أغانيهم باسمك. لم تطلب منهم سماع الأغنية ثانية ولن ترددها معهم لأن كونفوشيوس لا يغني الأغنية مع الفرقة إلا إن كانت صادقة ومؤثرة. لم يتوّقع سجّانوك بتحويل المساجين مثلك مدمني قراءة ومدافعين عن الحق. صرت أخطر مما كنت عليه في الوقت الذي ظن هؤلاء منحوك حريتك أعدموك، لكنك اخترت الاختباء باحثا عن الدفء الذي كان يرسله ذاك النور من الفتحة المباركة، اختفيت في بعثة النور الجديد بعدما تبين لك استحالة الحياة مع هذه النسخ بعدما تبين لك أن الرسل حرّفوا الرسالة... اختفيت و لا أحد يعرف إلى أين مضيت و لم تبقى إلا الألسن تتكلم عن سبب سجنك المؤبد وحدك تعرف الذي لا يعرفونه انك قتلت أخا يشبهك ودفنته ووقفت عند قبره... هل تذكرتني؟ أرجو أن تكون قد تذكرتني و أنت تقرأ الآن جزء منك. قد كنت صاحب كل تلك الرسائل، أريدك فقط أن تعلم أني لا زلت اللحظة انتظر رسالة قد يأتي بها ساعي البريد تقول لي فيها كيف شعورك وقد فارقت فتحة النور المباركة... أعرف أنك ستقول أنني سجنتك بدل فك أسرك، اعتقد أني قدمت الخدمة التي يجب أن تقدم لبريء...

الثلاثاء، ديسمبر 09، 2008

قصص قصيرة جدا

خالد ساحلي
مقام الشهيد
عند المقام وقفوا عند رأسه، وقالوا: سنقرأ على روحه الفاتحة، وقالوا: سنكتب اسمه على الشارع الكبير، نقرر حياته في برامج الدراسة. رفعوا أيديهم بالدعاء هادئين خاشعين. انقضى اليوم، عادوا، في ظلام الليل تجمعوا في المعرض، أكتشفهم يرقصون بأقدام سوداء، وعلى الجدران كانت صور الشهداء، كان الغبار يحجب ملامح وجوههم الملائكية، كان لاينظر فيها أحد سواه، لم يكن يرقص معهم إنما استرق السمع و النظر حين وقف للتبول و أصابه العيار الناري للعسس .


فتية البحر
عند انبلاج الصباح، تسرب السرّ بأنهم أبحروا، كانوا فتية فوق الزورق دعوا الله مخلصين، من غير أن يعلم أحد من أهاليهم، بماذا كانوا يصلّون في رحلة ضاع فيها المكان و الهدف، في بحر قلوبهم التي لا ضفاف لها، تعالت أناشيدهم وأنغام الموج طليقة، تعتقهم من عبودية الكلمات، حلّقت الطيور البحرية عائدة لأعشاشها حيث الصخور،غابت الشمس مع الغروب عائدة لفلكها، حيث الأرض تدور. عند انبلاج الصباح طلعت الجرائد من مخابئها كالثعالب، لتذيع الفاجعة، فتية أكلهم الحوت و أبقى على عظامهم، نست الصحف ذكر الحقيقة، أن هذه العظام النخرة حية سيبعثها الله.


الفخ

قال لنا المعلم :
كل إنسان
يحمل وحشا تحت معطفه
كنا صغارا لم نفهم
كالماء كنا
كالزهور الطرية كنا
وقال المعلم:
كالطيور الجميلة كونوا،
غنوا
و أحذروا الثعالب الأشرار
والصقور المعادية
مات المعلم من زمان.
فهمت الكنايات
في حادثة وقعت.
مجرم نعرفه كان منا
أخرج الذئب الذي لطالما عوى
في قفار روحه الموحشة،
حين أراد أن يعود
طائراكما كان
بعدما أغواه السحرة
حولوه لوحش
ينتقمون بسعاره.
أراد العودة لعهد مضى
يغني كالشحرور للضياء
يومها الإمام وعظه
بعد ذلك عظّه
و أظهر ثعلبا يخفيه
في ثوب تقى وورع
وكان سيد عارفين الغابة،
لم ننتظر
رحلت أسراب كثيرة منا،
منها من مات في الطريق،
وما تبقى أوقعته المصيدة
و أدخل أقفاص الحديد.


لا أحد
يعرفه و يجهله، سأله: من أكون من فضلك؟ رد عليه صوت داخله: أنت أنا لا أحد.

الاثنين، ديسمبر 01، 2008

مسالك الوجود معارف الغياب

خالد ساحلي

اليد الباردة تحتاج للجيب الدافئ، الأرض اليابسة تحتاج لمحراث طويل صلب، والمطرقة تحتاج لمنقار حاد، السيف لا معنى له دون غمد، لن تكون الحرب حربا مالم ترجع السيوف لأغمادها ثم تسل، القلب القاسي يحرره السهم ينقده من نفسه، الشجرة تخاف الفأس، منها اقتلع جزء يعين الفأس في القطع، حين تتشابك الأصابع تبحث في الفوضى عن النظام، النظام يحتاج لفوضى حين يشيخ و يهرم و يصير الفساد كالذباب، الذباب و اللعنة متشابهان إلى حد بعيد، البعد يحتاج لوقت و الوقت لا معنى لوجوده هو الوهم أو حقيقة كاملة يعتبرها الآدمي خارج عن نطاق وجوده، هل لوجوده حقيقة؟ والوقت كما الماء ينسكب من أعلى لأسفل يحيي كل شيء، هل نحن أحياء؟ و الماء الشفّاف الطاهر يمنح الجمال شفّافية كما هو، يظهر الأشياء التي تحتويه كما هي، هل له ذنب في إظهار وسخ الأشياء التي تحتويه؟ من يحاكي الماء غير الماء، وحين يتيقن الإنسان أنّ لحياته حد، حين يفيق من الوهم يتلاشى الزمن، هل الزمن ينعدم في لحظة اختصار الحقيقة الغائبة؟

الغياب حتمية قصرية يتشبث بها العقل حين يكلّ و يتعب و يقترب من الجنون. الغياب عزلة تحتاجها الروح لتأكد حضورها أمام الذي يغيب على العامة والبسطاء و السذج الطامعين في زينة التشرف بزينة الدنيا وأشيائها، الغياب حقيقة تؤكد عظمة وجود الذي لا يحسبون له وجود وقيمة، الغياب ذو القيمة لا يتحقق الوجود دونه ما معنى إذا أن تعمل أيها الإنسان العمل الذي تعتقده يطيح بمنزلة المرؤة والكرامة في غياب الآخرين، ولكنك تعمله لأنك لا تعرف صاحبه، مالك أيها الإنسان الذي لا ترى العمل الذي تعتبره المهانة و لا يليق بأمثالك و إنما يحط من عظمتك، في سبيله الآخرين تكبدوا الشقاء و لم تعف أرواحهم طبيعته و إكماله، إنما حسبوه مكتوب رسمته يد القدر الفنان ، لأجلك فقط، هم لا يعرفونك. جرّب وامنح الواحد منهم المال الكثير لأجل أن يقدّم لك هذه الخدمة دون حاجز الغياب وجهل المخدوم، هو الخادم النكرة و المخدوم النكرة، أحيانا كثيرة الدنيا تسير دون معرفة لمن تصنع الأشياء و تبدع الأعمال العظيمة الناجحة و الكبيرة؟

أو لو درى الإنسان عدوه المنتفع بما أنجزته يداه أو منقذا نفسا وقد بحثت هذه النفس عن سلب حياته أتراه يمنع عمله عنه؟ سبحان الرب الذي جعل خدم الأعداء لبعضهم بعضا لتعمّ الرحمة بين البشر الضعفاء، سبحان الرب الكبير الذي جعل خدمة الأقوياء والمتكبرين تكون في وقت الانجاز لغياب الضعفاء المتعففين عن الأعين المحتقرة لغيرها. الغياب نعمة في نكرة الأسماء والأشخاص. الغياب يبحث في الوقت ذاته عن حاضر ماض و عن ماض حاضر يلغي الوقت الآتي، الغياب هو الآتي بالحاضر في الزمن الذي يُرى أنه صار في الماضي. الخاتم يبحث عن الأصبع ليلمع، الأصبع يبحث عن أصابع أخرى ليتشابك معها، العين تبحث عن النور في الظلام ، يا للسخرية تحتاج العين للظلام لترتاح و يغمضُ لها الجفن، المرايا تحتاج للصور والوجوه، الوجوه تكره نفسها أحيانا و تكره المرايا، في انكسار المرايا تنكسر الصورة و الوجوه فيها لا تكتمل. هل ينتهي عمل المرايا برحيل الوجوه؟

طبيعة المرايا كانت متجسدة في الذي سخر لأبينا آدم قبل هبوطه، فكرة المرايا لها الخروج من سطح الماء، من وجه الماء، من الماء المتصلب المتجلّد، من الشمس المتزاوج بريقها مع الطهارة. مالك أيها الإنسان ووجودك من الماء، أخذت سر المرايا من نفسك و لا تدري، هل ينتهي عمل المرايا في انتهائك؟ المرايا حملت آلاف الوجوه لم تضجر يوما من أحد، أعانت على إظهار العيوب و خدمتك أيها الآدمي ناكر الجميل. المقص يحتاج للأصبع ليتفنن في إبداع الجّز والحلق والحذف، يحتاج لشقه و لنصفه الآخر ليعمل. قد تحمله الكف دون الأصابع و يصير في مكان الخنجر ليقتل، المقص يعمل في الحضور و الغياب معا. المقص مثلك أيها الإنسان قد يكتمل بك نصفك الآخر أو يحذف تاريخك أو يحلق لك حسناتك في الحياة القصيرة داخل إنسانيتك، قد تتحول أنت أو نصفك الآخر إلى أداة في يد تمارس بك فن القتل و الجريمة... الغياب مثلك أيها الإنسان يفنى فيك ليعود بأناس جدد تدفعهم القدرة الإلهية حتى لا تفسد الأرض و لا يهدّم صرح الخير في ظل شرّك البائس. من يلغي وجود الآخرين ويمنحهم الغياب؟

من ينسى غيابه ويشي بغياب الآخر؟ هل كل إنسانا يحمل غيابه معه ووجوده في اللحظة نفسها؟ هل للغياب غياب؟ هل يملك ظله يتركه شاهد عليه حين يفتح سجّله وتقلب ورقته؟ هل للوجود وجود؟ وجود في اللحظة ووجود بتبليغ حين الانفصال عن اللحظة؟ ومالك أيها الإنسان تغيب في عقلك وعن روحك في لحظة وجودك المقدسة التي منحك الله إياها و لا تغتنمها؟ ولما في غيابك عن العقل و الروح تؤكد وجود آخر في ذاكرتك وفي التاريخ بالاجترار. سبحان الرب القادر الذي منحنا كما الحيوان الاجترار. اجترار العقل و الروح لغيابهما. الدولاب يبحث عن العجلة العجلة تدور والقوة التي تحركهما تحتاج لطاقة، الطاقة تحتاج لطاقة أكبر، الطاقة تأخذ من بعضها البعض. الوجود يبحث عن الغياب، الغياب جزء داخل في الزمن، الزمن شيء كامل يكوّنه الماضي والحاضر و القادم، الزمن الفعلي اللحظة التي نحن فيها يأخذ منه زمن اللحظة المتراكمة، الزمن الأكبر هو زمن اللحظة البرانية التي نتوق لحضورها ونترقبها بقلق وشغف كبيرين، هذا الزمن المتكامل الذي يأخذ من بعضه بعضا. سبحان الرب القادر الذي لا يحتويه الماضي و لا الحاضر و لا القادم. سبحانه الذي أوجد لنا الغياب و أوجده فينا، الغياب يحتوينا دون علمنا أحيانا، والوجود يفصلنا أحيانا كثيرة عن إدراك كنهنا.

مالك أيها الإنسان إذا يكبر في صدرك الغرور ومرض العظمة والكبرياء، مالك إذا لا ترسم لنفسك طريق الوجود لعل في غيابك يُخْلق لك وجود أبديا، مالك أيها الإنسان يتسع الضيق في صدرك، وتنغلق نوافذ الأمل و يستوطنك الألم وترضى بقهر العبد الضعيف لك، تذعن لاستعباد الإنسان مثلك، هو الإنسان لا تنبهر بما يملك من مال وثورة وجاه و قوة، إنما هو مثلك يحتويه الغياب و هو لا يعلم. العلم وحده لا يحتويه الغياب، هو الوجود الأزلي فالعلم نور من الله ووحي منه و نور الله لا يغيب، سبحان الرب القادر الذي جعل الحساب و العقاب على الوجود و الغياب معا.

السبت، نوفمبر 29، 2008

المهرّج الكبير

خالد ساحلي

كنت الطفل البريء في الصغر
وكان الحلم جميلا داخلي
كعصفور جنة
كنت لا أعي حقيقة الأشياء
تتشابه الأسماء عندي و معانيها
بنيت جسر خيال لوجه الشمس
صار داري
أجدده ببزوغ الصباح
وكان اليوم الشتوي
من أيام كانون المبارك
يوم ميلاد الدهشة
الحقيقة البسيطة
طلب المعلم مني
دراهم لأجل عرض المهرّج
قال المعلم : المهرّج صديق الأطفال
صاحب السروال العريض المخطط
و الأنف المدبّب
على رأسه القبعة الظريفة
التي لا تشبه قبعة الساحر
ووجهه المضحك مزيج ألوان
انتظرت يومه المشهود
أخيرا المهرّج على المنصة.
رأيته يخفي جرحه في أغنية
كفف دمعة الأطفال الحزينة في ابتسامة
ألقى عرضه الشيّق ومضى لحاله
وبقى في الذاكرة
الأثر الطيب صورته
ملامحه لا زالت معلّقة
على أستار أقداري
كان ذلك من زمان
حين كبرت
وعيت السياسة
في الوطن المجروح
حبائل مشنقة
وعيت أسماء الظلم والوشاية
و اليد الفنانة في الجور
المُحرقة المغيّرة القدر المحتوم

رأيت المهرّجين
يفقّسون كالجراد
عرفتهم أجناسا
كالإنس و الجن
كالشياطين و الملائكة
المهرّج كبيرهم اللعين
حين يخطب بلا أغنية في دائرته
ويعطي بعينيه الكاذبتين الوعود
كما عمدة البلد
لتنتحر في زوارق العبور الأمنية
أو على قارعة الطريق
في لفائف الحشيش والحبوب المنومة
حين الانتظار يكفّن نفسه
لأجل الزهور
يتنازل الفناء للنهاية
ويهدي الموت للأبرياء
في صناديق مغلقة
يتنازل متفرج مثلي
عن الهوية و الجنسية
لمن يريدها؟
من يريدها؟ من يقول أنا أريدها؟
فأنا هذا لا يساوي ذرة في غبار الناقة.
المهرّج الكبير حين يخطب
يشعل الحقيقة بعود الكذب مع الخشب
بكثرة اللغو و الكلام
يمنح الدمعة في ابتسامة
و الحزن مع الهرج
يكبر في هذا الوطن
كل مهرّج يمنح في البحر
الغرق بدل السكن
يكبر في هذا الوطن
كل مهرّج يقتل الروح
حين يمنح السم
مع ما يشبه الفرح
حين يعطي الخبز جائزة الواشين
ويذبح بسكين الجشع
الحلم العذري مع الغد الجديد
يكبر في هذا الوطن
من ليس في قلبه إله
بل وثن وطمع
يكبر كل مصاصي الدماء
مصاص عرق الطاهرين
العاملين فقراء الحقول و الشوارع
تحت لظى الحر و العطش
يكبر في هذا الوطن
كل اللصوص الذين يذوب الظل فيهم
وعلى القلب المسكين الخطر
من يفتح القبور ليلة عرس اليتيم
الذي قضى والداه بالرحيل الأبدي؟
هو الآن في عداد الركب
منتفضا ليحاكم
بالجرم الذي لم يفعله
في هذا الوطن المجروح
وضعت الله بقلبي
وبين عيناي حط الهدهد بالخبر اليقين
عائدا من سبأ الزيف.



الأحد، نوفمبر 23، 2008

تواقيع

خالد ساحلي
المحال
كتب رئيس التحرير مقالة
واحد من ملايين الشعب رآها تفاهة
وسواد الشعب رآها خيرا وجمالا
ففيها مدح مولانا
حين كتب المؤرخ شهادة
كان يقترب من الحقيقة
نطق الزنديق كفرا
قالها الملايين
عليه لعنة العسس
و وقّع موت الشهادة بالشهادة
لم يكن هناك من أحد قال
الحقيقة فيما قال الرجل
لكنهم رأوا الجنون
حين طلب المحال
وبحث بين الجثث عن رجل

أمثال
حين يموت الحيوان
يبكي عليه بنو جنسه
ذاك عندهم المقدس
يوّدعونه بسلام
أمم أمثالنا
حين يموت الإنسان
في الأرض المقدّسة
يبكي الإنسان المقدّس
حين يبكي
يضحك جنس من البشر
كان يتفرج
حين يأكل لحمه بنو البشر
و يعافها الحيوان
أمم أمثالهم.

حراق
أدّخر جهد العمر
لأجل سكن
ثم أورثه ابنه،
الابن أدخر المال
و حرم ابنه الحليب
و ورّثها ابنه
مات الجد و الأب
وصار الحفيد شيخا
ورّث المبلغ لحفيده
توارث الأبناء الحلم
أخيرا سكنوا قلب الابن البار
وماتوا معه حين غرق
يوم خاض البحر فرارا بدينه
بعدما أخرجه قومه من رحمة الله.

الأعمى
كان الطفل يحمل المحفظة
يلهو مع الأصدقاء أمام باب المدرسة
لما رأى الأعمى يلّوح بعصاه
يكاد يصطدم بالجدار
و المعلمون لا يأبهون
ركض و المحفظة كانت تثقله
رماها و أنقذه.


الرؤيا
لمّا رأى المعجزة
لم يعد يسمعه أحد
كان يسمعهم يتهافتون
تحوّل صدى صوته
إلى هبوب ريح طيبة


..... التعبير
مرضه حيّر الأطباء
تختلط عنده المعاني
كان يفهم عكس الكلمة
يوما قيل له ..........لال
كتبها استغلال
ويوما قرأ ال.......رة
رآها ثروة
مرضه خطر لو ينتشر
ادخل مصحة الصم البكم
حتى يتدرب على الكمّامة
أو يرمى لحما للكلاب


علي بابا و اللصوص
الأغنياء يعرفون
الليبرالية حيلة
ركوبا على ظهور الفقراء
صعودا على أكتاف الوطن
و اللصوص يعرفون
كيف يسرقون مال الأثرياء
و أيضا يعرفون
في كل عصر
علي بابا
وعلي بابا يعرف أن اللصوص
في هذا الوطن
تعدى عددهم الأربعون
**

الأحد، نوفمبر 16، 2008

حروف الضباب



خالد ساحلي


حروف الضباب
كانت لديه نسخة واحدة من الرواية، بعدما أنهى قراءتها أعارها لصديقه. الصديق أخذ الحروف وهو تبقى له الضباب.
حرب
تهارشت ديكة الثقافة على رقعة المناصب، أفسدت له محصول العام فصار معطوب حرب الإبداع وضاعت حقوقه.

ناشط سياسي
زوّر الانتخابات داخل حزبه لصالح رئيسه، كرّمه بالطرد و قال لمقربيه: لا يصلح لتربية المناضلين. تحوّل المناضل الاسلاموي من منتقد للنظام إلى مغرميه، ودخل الرئيس جنته وهو ظالم لنفسه.

الملتحي
رأى البرج، لما سأل عن صاحبه ومهنته وعائلته، أخبروه عن مالكه، المحاسب القدير، الملتحي المتعاطف مع المقاولين ضد الدولة الليبرالية المتوحشة.

القرداش

تمكن من نظرية جديدة، قال للحضور الذين جاءوه من كل حدب وصوب، الدولة الغنية من القديم و هي مستغنية عنا. ما رأيكم في نظرية القرداش، يأكل بعضنا من بعض؟

رئيس جمهورية
حدثني مجنون عن رئيس جمهورية عربي باسمه، لمّا سألته بفوزه بالانتخابات بنسبة عالية قال لي : لا أعرفه.. لم يكن معنا من أحد سوى ظله الذي تشكل أمامه.

العقوبة
سأل ماذا لو أجتمع خاتم سليمان و صبر أيوب وعصا موسى؟ حرّضوا عليه صبية القرية، قذفوه بالحجارة، ربطوه مع الحمير... أشبعوه ضربا بالعصي وحوّلوا المفرد إلى الجمع.

الرأس

لم يتركوه يتدبر أمره هناك، و لم يخلّوا سبيله هنا، صار يكلّم نفسه: لا تنوي من حولك الكلاب.

المظلومة
هي تتسول وهم يكررون السؤال: كم لك من الأطفال؟

الشمس

كان الطفل يقطف الورد من الحديقة و يرمي به الشمس، لم يتوقف حتى تلقّى ضربة حجر شجّت له رأسه.

رئيس التحرير
سأل صديقه الفيلسوف: كيف تمكّن الإنسان من تقليد نسخة درس الإغراء من الشيطان؟ لم يسمعه صديقه الفيلسوف لأنه كان واقع تحت تأثير دهشة رئيس التحرير الذي حرّف مقالته.

الجمعة، أغسطس 08، 2008

بلاد الأعاجيب والسيف الذهبي

خالد ساحلي
ورث عن أبيه عددا من الشياه و العنزات وقطعة أرض جرداء، عمل بجد وكد في استصلاحها، لاقى في سبيلها المشقة و التعب حتى صارت يداه خشنتان يابستان كعصا الفأس. يده حين يصافح بها أيدي القرويين الطرية كالجبن تكاد تجرحها. اكتسبت هذه الكف قسوة وصلابة الحجر الصوان. يداه الغليظتان غلظتهما من الصبر الذي حمله بداخله كل هذه السنين لقد حوّل الأرض القاحلة الجرداء إلى بستان ناظر جميل من فاكهة ونخيل . كانت سنابل الحقول و الشعير تحّف هذا البستان الجنة حتى الطير يستطيع أن يحط على هذه السنابل لطولها ووفرة إنتاجها. البستان الذي بارك فيه الرب صار حديث أهل القرية حتى وصلت شهرته سمع أمير البلاد.
أستطاع هذا الفلاح مع الوقت جمع كل أنواع الثمار وكل لون من فسيلة وشتلة الحبوب و الخضر. كان هذا الفلاح يبيع محاصيله و يدّخر ماله. أستطاع شراء مساحات من الأرض كانت جوار بستانه حوّلها مع الوقت إلى بساتين ناظرة. كبرت أمانيه وتكاثرت شياهه أصابه الثراء فكرّسه لمساعدة المحتاجين و الفقراء و إحسانا للمعوزين و اليتامى و المظلومين فلطالما عانى هو الحرمان نفسه. شدّ أمير البلاد الرحال إلى الفلاح، لما دخل الجنان رأى البساتين عن اليمين و الشمائل و الظلال، رأى الفاكهة تتدلى من أغصانها و الجمال الساحر لخضرتها يذهب بالأبصار، سمع خرير مائها وشمّ هوائها العليل المنعش الذي يشفي ضيق القلوب. خطرت له فكرة نقل قصره لهذا المكان الخلاّب وشراء كل البساتين. الفلاح رفض بشدة وعارض إرادة أمير البلاد وعرضه المغري مما أثار في نفس الأمير وحاشيته الحقد و الغيظ و الغضب. قال له: أتعصي أمر ولي أمرك وتخالف رغبته بعدما عشت في ظله و أكتنزت من إمارته. قال له الفلاح: لا أخالف رغبتك يا مولاي لكن عهدي وقسمي قطعته على نفسي أن احرص على هذه البساتين حتى يوارى ترابها عليّ... الأرض أرض الله يورثها من يشاء من عباده.
قال له الأمير: أحرص على نفسك من غضبي و لا تأمنه إذن.
مضى الأمير مكسور الخاطر يخفي غضبه ينوي على شر. مّرت شهور لمّا جاء رجل عليه ثياب تدل على فقر مدقع لصاحبها. الرجل يطلب من الفلاح عملا في بستانه أو راعيا لغنمه، أشتكى له فاقته وضيق معيشته وتوسله. أطعمه الفلاح الطيب و أحسن نزله ووظفه وأتمنه مع الوقت على أملاكه وأمواله حتى سلبه هذا المتنكر ماله و أملاكه وأوقعه في شراك مكيدة دبرها له فصار الفلاح مدانا بمال كثير، أخذت بساتينه مقابل ديونه. صارت البساتين الناظرة ملكا لأمير البلاد بعد ما أشتراها من المتنّكر. مضى الفلاح هائما على وجهه، أخذ الجوع منه مأخذه مهموما محزونا عاجزا عن التفكير فيما سيفعله، نكره الخلان و الأحبة، تفرق من حوله الناس بعدما غابت عنه أملاكه، تركوه يعاني مصابه لوحده. رحل الفلاح يضرب في أرض الله باحثا عن الرزق و عن رحمة الله. عثر في طريقه في الفلاة على سيف ذهبي مزخرف بزخارف ساحرة وكتابة طلسمية، لم يجرأ على سلّه من غمده لكن عرف معدنه مصنوع من ذهب. مضى يحمل السيف حتى أتى أهل بلدة يحدث فيها العجب، سمع من أهلها أن الملأ عندهم كلما أشتروا محاصيل الحقول تصير السنابل من الغد سنابل ذهبية، سمع أن خزائنهم أمتلئت من الكنوز و السبائك و التماثيل الذهبية دون أن يطلع أحد من العامة على سرهم . في اليوم الذي دخل فيها الفلاح البلدة شاءت أقدار الله أن تسقه إلى شيخ طاعن في السن يقال عنه عليم زمانه بأحوال الشعوب و الممالك وعاداتهم من عرب و عجم، أستأنس به الشيخ ، استراح له فعرض عليه البقاء وصحبته. وافق الفلاح على مضض على أن لا يكون عالة عليه ويبحث له عن عمل فهو اعرف بأهل البلدة وتجارها وصناعها. أقترح عليه الشيخ العمل معه في صناعة العطور والصابون فعلمّه المهنة حتى صار حاذقا فيها. سمع أعوان حاكم البلاد أن الشيخ يجمع إليه طلبة علم يعلمهم وينورهم ويفضي إليهم بأحوال السياسة. أمر جنده بتفتيش البيت وحرق كل الكتب حين فتشوه عثروا على السيف الذهبي ملفوفا داخل قطعة من قماش الحرير. كان الشيخ الحكيم يعلم سر ذاك السيف وحكايته بمجرد أن رآه في يد الفلاح أول ما قدم عليه. لما وقع السيف في يد الأمير أخرجه من غمده ويا للمفاجأة بمجرد ما سلّه من غمده أصابه الوميض بالعمى حين همّ بقراءة العبارة المنقوشة عليه. وما من أحد من حاشيته إلا أصابهم ما أصاب أميرهم.قبضوا على الشيخ بتهمة السحر والشعوذة حكموا عليه بالموت. لكن الفلاح أقّر بحقيقة السيف وكيف عثر عليه مرميا في طريقه من سنين و لم تسوّل له نفسه بسلّه من غمده. ألّحوا عليه في سلّه أمامهم و إلا قتلوه و لكنه لم يفعل حتى يأخذ الأمر من صاحبه. سجنوه ورفع بعض الجواسيس خبره لأمير الأمراء .أعطى أمير الأمراء أمره بالإسراع في إحضاره و المثول بين يديه ومعه السيف العجيب بمجرد دخول الفلاح على أمير الأمراء نصحوا مولاهم بعدم سلّ السيف من غمده أو النظر إليه، فلو سلّه احد من الحضور ففي وميضه الساحر الذاهب بنور العيون. سأل أمير الأمراء الفلاح من أين حصل على هذا السيف الأعجوبة؟ و أخبره الفلاح بالقصة كاملة غير ناقصة من أولها لآخرها واستبشر أمير الأمراء للسيف الذي ضاع من زمن بعيد وهو السيف الذي يظهر في زمن الشدة كما تؤكد عليه الكتب القديمة. المعجزة التي تخرج حين تملأ الأرض جورا و ظلما واستبدادا و استعبادا. كان أمير الأمراء مغلوبا على أمره من أمرائه و قادة جيشه فقد أستبشر بوريث العدل هذا، استبشر للعدل الذي سيملأ هذه البلدان المترامية الأطراف. أَمَرَ أمير الأمراء الفلاح بسلّ السيف من غمده لأن السيف هو ارثه وهو يستخلفه لمن يشاء. سلّ الفلاح السيف وكانت المعجزة في الكتابة المنقوشة عليه: "مؤتمن من لقي سيف العدل" لم يحدث البريق سحره كما فعل في من سبق لأن السيف سلّ بأمر وريثه. سيف العدل الضائع بدأ صاحبه يزرع العدل في البلدان الظالمة أمراؤها وبدأ بالبلاد التي تتحول فيها الغنم إلى ذهب؛ أبطل سحرهم الذي أتوا به ببريق السيف اللامع كلما سلّه فتح عيون الرعية على الحقيقة. رد أمير الأمراء للفلاح بساتينه بعدما وهبه إياها وصار مستشاره ووزير دولته وعمّ العدل و السلام الدولة المترامية الأطراف زمنا إلى أن دبر الغدر بالمستشار واختفى معه السيف بقدرة عجيبة و فتش عنه الجناة للتخلص منه للأبد فلم يجدوه...