‏إظهار الرسائل ذات التسميات زهير الخويلدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات زهير الخويلدي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، نوفمبر 23، 2009

حتى لا يقود بادئ الرأي الأمة

زهير الخويلدي

" إن المغرب و المشرق ليسا معطيين أوليين أو وحدتين ذاتيتين أو منطقتين متمايزيتين يعكسان مفهومين للوحدة وتجربتين إقليميتين متباينتين بل هما جناحان لعالم واحد هو العالم العربي أو إن شئت العالم الإسلامي."[1] - د حسن حنفي

تبدو الأمة هذه الأيام في حاجة ماسة إلى بيان افتتاحي وقول فصل بعد أن ظهرت بوادر الفتور والارتداد عن المكاسب التنويرية الحداثية وبعد أن دبت روح الشقاق والانقسام ووصل الحال إلى تغليب مصلحة اللعبة على الانتماء إلى الملة وجعل ماهو ظرفي أمر رسمي و تحويل ماهو رسمي إلى أمر ظرفي. ولعل السؤال الأكثر إلحاحا بعد هذه القرقعات وبعد أن تلبدت سماؤنا بالغيوم هو: من نحن؟ أو يا ترى من نكون؟ ومن هم أصدقاؤنا ومن هم أعداؤنا؟ إلى أي حضارة ننتمي؟ وماهي الثقافة التي تخصني؟ وماهي الروابط التي تجمعنا بمن يقاسمنا الانتماء؟ وماهي آداب الانتماء؟

غني عن البيان أن الأمة العربية الإسلامية هي التي تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي مرورا بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والبحر الأسود وبحر العرب والمحيط الهندي وتبدأ رمزيا من مراكش لتنتهي في جاكرتا ومن جبال القوقاز إلى الجزر والصحراء الإفريقية وتضم شتات من الجاليات الكثيفة العدد في أوربا وأمريكا الشمالية واللاتينية والوسطى واستراليا ولو انطلقنا من جملة الأديان التي تضمها والأعراق التي تتكون منها واللهجات واللغات التي تنطق بها والثقافات المحلية التي تغذيها فإننا نلاحظ أنها جميعها تدعو إلى التوحد والتكاتف و"التواصي بالصبر والتناصح بالحق" حسب عبارة البروفيسير أبي يعرب المرزوقي. ولا جدال أن كل من المؤتمرات ولجامعات والندوات والجمعيات قد تعثرت في رأب الصدع ولم الشمل ومنع تفجر النزاعات الحربية أو حتى المشاحنات الإعلامية والتحرش الاثني من طرف مستعلي على طرف آخر ولم ينفع التبشير بالحوار القومي الإسلامي وتدشين صفحات من الحوار العلماني -الديني والحوار اليساري- الإسلامي لكي يتم تفادي مثل هذه الانقسامات وإنهاء الخلافات وكأن قدرنا هو أن نتشرذم وننكفىء على أنفسنا ونسارع عجلة التفريط والتجزيء في ظل زمن معولم ملتهب يقوم على التكتل والتحالف وتجبيه القوى و الاقتصاد في المدخرات من الطاقة والمياه والرأسمال اليشري.

لكن السبب الرئيسي لهذه الموجة الشديدة من التشققات هو أن الذي يقود الأمة ويمتلك سلطة القرار يعتمد على بادئ الرأي وغير مكترث بصوت العقل ولغة الضمير ومهمل لمنطق الحكمة ونصيحة الواقع. لكن ماهو بادئ الرأي الذي انقادت له الأمة؟ وأليس من الضروري الآن العمل على تخليصها من الانقياد إليه وإعادتها إلى صراط العقل وهدي المنطق بماهو محك النظر وميزان العمل وقسطاس مستقيم؟

يقر الفارابي أن الملة تعلم الأشياء بالتخييل والإقناع ويحصل لها ذلك ولو كانت الأقاويل الاقناعية مغلوطة والطرق جدلية مبنية على مقدمات ظنية ويفسر ذلك أن الإقناع حصل بمقدمات هي في بادئ الرأي مؤثرة ومشهورة ومحل إجماع من الجمهور ومستمدة من المعارف المشتركة ولكنه يتعقب بادئ الرأي ولا يحمل المسؤولية للجمهور والملة وإنما للذين يعتمدون طرق خطابية دون توثيق ومع غياب اليقين وخاصة السوفسطائيين من بائعي الكلام ومروجي الشائعات وصانعي الدعايات المغرضة. وخطيئة هؤلاء أن جعلوا القوة الجدلية والسوفسطائية تتقدمان الفلسفة وما تمثله من تحري وتثبت وتعقل واتزان. ولو عدنا لما أصاب الأمة اليوم فإننا نجد أن السفسطة عمت الفضاء العمومي واكتسحت منابره وفقدت الأنظمة عقلها وبرز روح ثقيل ينزع نحو التدمير والهيمنة والاستئثار ويقضم ما تبقى من ذيله ويستهلك نفسه.

إن بادئ الرأي لا يعنى الدهماء والسواد الأعظم والسوقة والأغلبية الصامتة ومثل هذه التصنيفات تنم عن أرستقراطية معرفية مضللة ونظرة طبقية مقيتة ولكن يعني الشعب الكريم والحشد والناس والجمهور الذين هم في حاجة أكيدة إلى التنوير الآخر وآخر التنوير ومتلهفون إلى الحريات والتمتع بالحقوق من أجل استعادة الإنسانية التي فقدت منهم بفعل فاعل السلطة والاستقطاب الإيديولوجي والثقافة الآثمة.

إن إعادة التفكير في مفهوم الأمة هو أحسن الطرق الممكنة من أجل الرد على هذه الموجة من التشويهات التي تعرض لها الإنسان في حضارة اقرأ والآتية ويا للأسف من الداخل المصاب بالزكام والمانع لكل هواء نقي يريد الدخول إلى أروقة الذات لكي يجدد لها شبابها ويبعثها من رقادها.

ماهو منطقي أن كل التشنجات تنتهي وكل سوء التفاهمات تزول وكل الحروب تخمد وكل التنازلات تلغى وكل التراجعات تسرد وكل الأشياء النفيسة الضائعة تسترجع وتبقى الأمة شامخة مواصلة المسيرة دون كلل أو ملل وذلك بفضل سواعد أبنائها وتضحياتهم واعتصامهم بعقولهم وبضمائرهم وإرادتهم الصلبة.

إن حضارة اقرأ لا تهتز ولا تتهاوي بفعل حفريات في كهوفها الجغرافية ومواقعها الأثرية طالما ظل الأمر القطعي الذي أسسا حيا منبعثا مدويا في السماء تتلقفه الأفواه وتنظر بفعله العيون إلى النصوص باحثة عن المعاني متصورة للأفكار بالعقول تسطر بالأيادي ما اختزنته الذاكرة وباح به الوجدان.

ان ثقافة العرب والمسلمين ليست كتلة واحدة متجانسة ولا وحدة أقنومية جامدة بل منظومة تعددية ونقطك التقاء بين ثقافات جمة وهذه التعددية هي التي تجعلها عصية عن كل تقوقع أو تشظي وهي ما انفكت تتفاعل مع مكوناتها ومع كل العناصر الوافدة من المحيط الذي يلفها. وفي الحقيقة هناك علاقة جدلية عميقة وغامضة بين المعنى الديني والمعنى الاجتماعي التاريخي للأمة في التكوين النفسي الثقافي الذي تحمله المجتمعات العربية من تاريخها الطويل، القديم والحديث."[2]

ان المطلوب ليس التنكر للعروبة ولا التملص من الإسلام حتى نبرأ أنفسنا من ذنوب ارتكبها غيرنا عن جهل وقلة تبصر وحتى ننتمي إلى الراهن ونواكب روح العصر وناما نمنح العروبة السرد اللازم لجعلها تصنع التاريخ الخاص بالمعمورة دون تمركز أو وله ذاتي ونطلق عنان الاجتهاد في القرآن والحديث لننتج تنويرا أصيلا ونفضي المكان لميلاد الإنسان بكل ما يحتمله من فردية وشخصانية وآدمية.

إن الخطر الذي يهدد الأمة ليس الخارج النيوكلياني ولا اشتداد الصراع بين دعاة التقليد ودعاة التجديد ولا امتلاك بعض الجهات الاقليمية عناصر القوة والمنعة فهذه علامة صحية وتصب في اتجاه استئناف التجدد الحضاري ولكنه يوجد في الداخل ويتمثل في هذا الجحود بالصلات والروابط والاستخفاف بالقريب وشيطنة الشريك وتجريم الحليف وإقصاء الصديق والتغافل عن التحديات والمهالك وإلغاء آداب الصحبة وواجب الأخوة، فكيف نصير أشداء على بعضنا البعض رحماء مع من يبحث لنا عن المضرة؟ وفي ظل التبجح بالقطرية والتمييز بين القومية والوطنية والكونية أليس من الضروري البحث عن شروط لبناء كيان سياسي فيدرالي فعلي بين مكونات الأمة؟ ألا ينبغي إعادة طرح إشكال الوحدة وتراوحه بين الإقليمية والاندماجية؟ ألم يقل عابد الجابري في ذلك الحوار الشهير مع حسن حنفي:" ما أريد أن أخلص إليه أن فكرة الوحدة هي اليوم في حاجة إلى إعادة تأسيس في الوعي العربي."[3]؟ فما أحوجنا اليوم إلى حوار بين مثقفين والى وحدة ثقافية بين مكونات الأمة تخرجنا من مغالطات بادئ الرأي وتعيدنا إلى حديقة العقل وأنوار المدنية والتقارب؟ أليس الانتماء إلى المقاومة ومناصرة القضايا العادلة للأمة هو وحده الذي يبعد شبهة التعصب إلى المذهب أو الاثنية الطائفية؟

المراجع:

حسن حنفي- محمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب،نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي، مجد بيروت 1990

ناصيف نصار، مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ، دار الطليعة بيروت، طبعة خامسة، 2003

[1] حسن حنفي- محمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب،نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي، مجد بيروت 1990 ص51

[2] ناصيف نصار، مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ، دار الطليعة بيروت، طبعة خامسة، 2003 ، ص 13

[3] حسن حنفي- محمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب،نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي، مجد بيروت 1990 ،ص49


الأحد، يوليو 05، 2009

ابن خلدون ليس الشعلة الأخيرة

ترجمة وتعليق زهير الخويلدي

"إن ابن خلدون كان مكتشفا لأخطر ظاهرة في عصرنا وهي ظاهرة التخلف وعالجها بأسلوبنا الحديث فكان زميلا لنا ومعلما" ايف لاكوست
"بعض المختصين يعتبرون ابن خلدون بوصفه مكتشف علم الاجتماع. والمؤلفات التي كتبها حول التاريخ الكوني تبرز بشكل حديث جدا مفهوم الحضارة. ابن خلدون امتلك الإحساس بالوحدة العضوية لمجتمع ما، وكل عنصر أو بعد تم اعتبارهما في علاقة ضرورية مع العناصر والأبعاد الأخرى، علاوة على أن صيرورته تغذيها سببية نوعية. لقد عاش في القرن الرابع عشر وكان آخر مفكر كبير للإسلام. في الأثناء اتجهت أوروبا بواسطة علمها وتقنيتها إلى غزو الأرض. انه في هذه اللحظة بالذات التي غطس فيها العالم الإسلامي في ليل فكري حيث لن يخرج البتة"[1]

هذا النص الذي نقلته إلى العربية من الفرنسية خطير بكل ما في الكلمة من المعنى ويعبر عن تمركز لوغووسي واثني وثقافي غير مبرر في زمن العولمة لأنه نشر مؤخرا وبعد مراجعات عديدة قام بها الفكر الغربي لنفسه وادعائه العزم على تلطيف النظرة إلى الآخر والتشريع إلى التنوع والاختلاف وتوجهه نحو إجراء حلقات من الحوارات مع الثقافات والأديان واللغات المغايرة وظل يتبنى نفس الذهنية التي تنظر إلى الآخر من زاوية الشرفة المتعالية وتتحكم فيه عقدة التفوق والكبرياء. وخطورته تتمثل في توجهه نحو الاستهلاك العمومي وحكمه المسبق على العالم الإسلامي كونه غطس في الظلام ولن يعود إليه النور وكون ابن خلدون هو آخر مفكر عرفه الإسلام وأنه اختص بالتاريخ والاجتماع والحضارة في حين أن هذا الأخير اختص في مجالات من بينها اللغة والتربية والفن والصناعة وترك وراءه نظرة موسوعية أثرت في رواد النهضة الأولى أيما تأثير وساهمت مدونته في بناء الثقافة الرسمية لمعظم الدول العربية المستقلة.

إن ابن خلدون مفكر عالمي وليس مجرد باحث إسلامي وان الفكر في حضارة اقرأ لم ينقطع بموت ابن خلدون بل تواصل وتطور في قطاعات علمية أخرى بشكل لافت وان العالم الإسلامي خرج من عصور الانحطاط مرات عديدة وأنه وجد العديد من العلماء والمفكرين والفلاسفة ورجال الإصلاح والتربية وان هذا العالم الآن هو بصدد الإعداد للاستئناف الثاني على الصعيد الكوني. إن أهمية ابن خلدون ليس فقط من جهة التاريخ والعمران بل من جهة الأخلاق والسياسة لأن نظرته الواقعية مكنته من فهم طبيعة الملك وعلاقة الروحي بالدنيوي وتفسير كيفية انتقال الدول من البداوة الى الحضارة ووضع قانون يحدد المراحل والأطوار التي تمر بها كل دولة وهي خمسة:

- "الطور الأول: طور الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة...

- الطور الثاني: طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة...

- الطور الثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت، فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج وإحصاء النفقات والقصد فيها وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة وإجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل، وبث المعروف في أهله...

- الطور الرابع: طور القنوع والمسالمة: ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما بنى أولوه سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله مقلدا للماضين من سلفه فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء. ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده.

- الطور الخامس: طور الإسراف والتبذير ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته..."[2]

هذا هو ابن خلدون عالم الأنثربولوجيا السياسية يؤرخ لأطوار صعود الدول وانحطاطها ويحذر بأن الحضارة لا تدوم والدور يعود على الجميع وينبه أن المسألة الأساسية ليست في البحث عن الشروط المساعدة على السؤدد بل عن الشروط المبعدة للانحطاط والتخلف، فمتى تتخلى المؤلفات التاريخية الغربية عن التمركز على الذات وتحترم القيم الكونية التي بشرت بها العالم وتعمل على إنصاف للآخرين في الحكم على القيمة والرتبة؟ وألا ينبغي أن يفهم الآخر أن ابن خلدون ليس الشعلة الأخيرة؟ فما رأيه أن يتدبر هذا القول من المقدمة:" وأهل الدول أبدا يقلدون في طور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم فأحوالهم يشاهدون ومنهم في الغالب يأخذون. ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح وملكوا فارس والروم واستخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة"[3]؟ أليست هذه دعوة نحو التواضع والتثاقف؟

المراجع:

عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تحقيق سعيد محمود عقيل، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 2005

Christian Godin, la philosophie, Antiquité, moyen Age et renaissance, pour les nuls, First- Editions, 2008


-------------------------------------

[1] Christian Godin, la philosophie, Antiquité, moyen Age et renaissance, pour les nuls, First- Editions, 2008,p.314.

[2] عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تحقيق سعيد محمود عقيل، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 2005، ص.ص. 162-163.

[3] عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تحقيق سعيد محمود عقيل، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 2005، ص.159.

الثلاثاء، فبراير 24، 2009

هل الأخلاق مشكلة معطلة أم تربية مهذبة؟

زهير الخويلدي

" من السهل النصح بالأخلاق والإرشاد إليها ولكن من الصعب تأسيسها والالتزام بها"

هل يمكن أن نستنتج أحكام القيمة من أحكام الواقع؟

ذلك هو المشكل الكبير الذي أثار حفيظة الفيلسوف الألماني والمنظر الأبرز لعصر التنوير ايمانيال كانط وجعله يتوجه نحو نقد العقل العملي ويبحث في أسس ميتافيزيقا العادات وترك لنا لنا نظرية في الحق ونظرية في الفضيلة ومحاولة من أجل سلم أبدية, ولكن فكرة الواجب التي دفعت كانط الى ربط القيم الأخلاقية بقوانين العقل لم تعجب فيلسوف المطرقة فريدريك نيتشه الذي انتبه الى خطورة الأحكام المسبقة الأخلاقية وبحث في أصلها وفصلها من أجل التحرر منها إعلان ثورة الغرائز على المؤسسات وتحرر الجسد من كل حكم قيمة واستحالة الخضوع إلى الواجب مع توفر إرادة المعرفة والعلم المرح.

في البدء يبدو احتكام الناس إلى جملة من المعايير التي ينظمون بها حياتهم ويؤصلون العلاقات فيما بينهم من الأمور المفضلة والجالبة للفائدة والخير على الجميع ويبدو فقدان ذلك والبقاء على حالة السليقة وحياة الطبيعة والغريزة من الأمور البهيمية الجالبة للفوضى والنزاع المؤذن باندثار النوع، ومن هذا المنظور كانت الأخلاق لزاما علينا من أجل الارتقاء فوق درجة الحيوان والتشبه بالإله على قدر طاقة الإنسان وكانت الحكمة منقسمة إلى جانب علمي يبحث عن الحقيقة وجانب عملي يشرع للقيمة ويحدد سبل تحصيل السعادة وتحقيق الحرية بالنسبة إلى الكائنات الآدمية.

غير أن الأمور ليست بهذه السهولة الموصوفة لأن حينما نفكر في مدلولات القيم والأسس التي تستند عليها الأفعال التوجيهية للفعل والغايات النهائية للسلوك البشري تظهر أمامنا الإشكاليات وتبرز الصعوبات خاصة حينما لا يكون المطلوب على درجة من الكونية والموضوعية والإنسانية ومشدود إلى المحلي والظرفي والخصوصي فهل يقتضي التحلي بالخلق التخلي عن أخلاق المجموعة التي ننتمي إليها أم الالتزام التام بعاداتها وأعرافها؟

من هذا المنطلق وكما يقول ماكس فيبر لا توجد في العالم أخلاق قادرة على فرض واجبات متماثلة، وما يعزز هذه الحيرة أن كل مجتمع له معاييره التي يميز بها الواجب والمحظور ولكل مجتمع خيره وشره ولكل هوية ثقافية معينة منظومة من القيم الخاصة بها والتي تفرضها على منتسبيها وكذلك التداخل في الصلوحية والمشروعية والمجالات بين الأخلاق والدين والتقاليد الموروثة وثقافة الوعظ وهو ما يعطل كل نمو وتجديد داخل الفضاء التنظيري للقيم ويجعله مرتهن الى جملة من القرارات السلطوية وقابع لأساليب الضبط والاكراه والتسلط والتوجيه وبالتالي يكون علامة على الخنوع والنكوص وعلى القصور والوصاية ويتعارض مع أية ثورة أو مشروع تقدمي انساني,

ان الاهتداء بنور الأخلاق أمر لا مفر منه بالنسبة لكل آدمي من أجل تحقيق انسيته وارتقائه الى درجات الوجود الأفضل وان التحلي بالخلق والقيم الأصيلة هو تقويم المسالك وترشيد الناس من المهالك واصلاح ذات البين وتهذيب الأنفس من الأحقاد وتطهير الأعراق من الدرائن,

ان التناقض حول أسس الأخلاق وغايتها والتردد حول الوسائل المتبعة وحول طبيعتها ومصدرها والمراوحة بين الطبيعة والمجتمع وبين الفطرة والعقل هو أمر لا مبرر من طرحه طالما أن الإنسان في نيته الصالحة وإرادته الحسنة وعفويته وانعطائه للعالم هو دليل العلماء إلى النبراس الهادي ومرشدهم الموصل الى السعادة والحرية والفضيلة والمنفعة والاعتدال في الضرورات.

ربما يكون من الأفيد أن نستنتج أحكام الواقع من أحام القيمة طالما أن جوهر الوجود هو الاستزادة من الوجود وحقيقة الواقع هي الامتلاء بالواقع. كما أن الأخلاق في حضارة اقرأ ليست مشكلة معطلة بقدر ماهي تربية مهذبة شرط ألا تكون أخلاق الوعاظ والمبشرين وأن تكون نابعة من العزم والإرادة وتطلب التصافي والتحابب وتتعالى عن المنفعة والطاعة وتتنزه من المصلحة والتباهي والتظاهر والشكلانية الفارغة.

ربما كان ديكارت موفقا عندما اعتمد أخلاقا مؤقتة يسترشد بها في حياته اليومية وفي علاقته بالآخر والدولة أثناء ثورة شكه العارم وتطليقه لبت الامتثال المقدس للحقيقة الموروثة, وربما ينحو هيجل بأخلاقه الموضوعية وماركس بأخلاقه الإنسانية وسارتر بأخلاقه الوجودية وبرجسن بأخلاقه المفتوحة وماكس شيلر بأخلاقه الفنومنولوجية المتعاطفة في نفس السياق.

ولكن السيء هو أن نلقي بالقيم الأخلاقية في المزبلة وندوس عليها بالأقدام ونرمي بها عرض الحياة ونتصرف ونصول ونجول في العالم دون ضوابط ودون معقولية ونبرر ذلك بالتمتع بنعمة الحرية والإقبال على الوجود وحب الحياة. اذا كانت الأخلاق هي ما لا يهم أحد اليوم فانه ليس من المعقول أن يخضع ما يهم الجميع الى ما لا يهم أحد.

لكن الأمر الجلل اليوم يبرز عند الحديث عن جدوى الدفاع عن الأخلاق في ظل تزايد القواعد الخصوصية الصالحة فقط لوضعيات محدودة والمنفلتة من قواعد التقليديات الأخلاق الكونية مثل خلق المهنة والبيئة والحياة، فأي مستقبل للأخلاق في ظل سطوة السياسة السياسوية والاقتصاد الأنانوي؟

أليس أعظم خطر على الأخلاق كما يرى فردريك رويه ليس في الأنانية الفردية الواعية بل في الأنانية الجماعية اللاواعية التي تشرعها الدساتير والمؤسسات الاجتماعية؟

كاتب فلسفي

الأربعاء، نوفمبر 26، 2008

في اليوم العالمي للفلسفة يظل العرب زاهدين عن التفلسف

زهير الخويلدي

" كل ما يريده محب الحكمة هو أن يكون الحكم للعقل وحده ولذلك فهو لا يقبل أن يكون محكوما من طرف الآخرين ولا يسعى إلى التحكم فيهم " لابرويار La Bruyère-

أطل علينا يوم الخميس من الأسبوع الثالث من شهر نوفمبر والذي جعلته منظمة اليونسكو اليوم العالمي للفلسفة كعادته وعوائده لا تنقيحات ودون جديد بخصوص منزلة الفلسفة عند العرب وموقفهم منها ودون أن تتخذ بعض الدول والأنظمة السياسية التقليدية قرارا جريئا بالشروع في تدريسها وتداول كتبها والتشجيع على تحصيل علومها وأفانينها ودون أن تقوم الدول الأخرى التي دأبت على إدراجها ضمن البرامج التعليمية بخطوة إلى أمام قصد تعزيز مكانتها والزيادة من حصصها والرفع من ضواربها بالمقارنة مع المواد الأخرى وخاصة عند الشعب العلمية وتجويد كتبها وتنقيح محاور اهتمامها وانتقاء الإطار الأكثر جدارة لتعليمها وتدريب المتربصين والتائقين إلى النهل من خزائنها.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يستمر البعض من العرب والمسلمين في القرن الواحد والعشرين تبخيس شأن الفلسفة والتقليل من دورها في تحقيق التقدم للمجتمعات والانعتاق للأفراد؟

ما يمكن أن نعترف به هو وجود عدة محاولات مبذولة من أجل تبيئة الفكر الفلسفي في التربة التابعة لحضارة اقرأ منذ نشأة التيار العقلاني الاعتزالي ومذهب أهل الرأي في الفقه ومنذ انبعاث العلوم الطبيعية واللغوية والصورية العربية وقد بلغت هذه المحاولات أوجها لحظة تشكل رؤية جديدة للكون وقطاع مخصوص من العلم لم يعرف أهل لغة الضاد أسموه فلسفة ترجمة للمصطلح الإغريقي أتاهم مع جملة المعارف والصناعات التي نقلوها عن السريالية والفارسية وساعدهم في ذلك المختصون من اليهود والمجوس والنصارى وأضافوا إليها ما أضافوا نتيجة تأملهم للكليات المبتكرة التي تضمنها النص القرآني.

لقد ضمرت هذه المحاولات واختفت أنوار الإنسية العربية التي أبدعها العقل العربي في القرن الرابع هجري وحلت محلها الاشراقيات الغنوصية والظاهرية النصية مع سيطرة المغول على بغداد وسقوط غرناطة ودخول حضارة اقرأ في خندق الحروب الدينية التي لم تستطع الخروج منه إلى حد الآن وما أنتج ذلك من تعصب وانطواء على الذات وتقوقع في الملة وكاقتصار المجهود العلمي على الشرح والتفسير والتعليق والاجترار والتقليد.

غير أن الفلسفة شهدت انتعاشة كبيرة في ظل النهضة العربية واعتماد زعماء الإصلاح على مناهجها في دعاويهم إلى التجديد والتحديث وتشكل الجامعات العربية وخاصة في مصر ولبنان وسوريا وبغداد ودول شمال إفريقيا مع دولة الاستقلال. وقد فسر البعض هذا الاهتمام الكبير والالتفات المتيقظ إلى العلوم الفلسفية في ذلك الزمان إلى بروز التيارات الإيديولوجية وخاصة أدبيات حركات التحرر الوطني وصعود أنصار القومية العربية و تفجر الثورة الاشتراكية في روسيا واكتساح المبادئ اليسارية معظم أجزاء المعمورة وقد رافق ذلك ترجمة لفلاسفة الثورة الفرنسية ومنظري العقد الاجتماعي والتمييز بين السلطات والبديل الديمقراطي ومنظومة حقوق الإنسان وخاصة روسو ومونتسكيو وهوبز واسبينوزا وبرجسن وماركس وانجلز وسارتر... الخ.

هذا المناخ الملائم أنتج شخصيات مثقفة وكتاب وأدباء وأساتذة عملوا على الاشتغال بالفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والدراسات الدينية التنويرية والمقارنة ترجمة وتدريسا وتلخيصا ونشرا وتأليفا وقد اشتهر منهم عبد الرحمان بدوي وحسن حنفي وزكي نجيب محمود من مصر ومحمد عزيز الحبابي وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري من المغرب وطيب تيزيني ومطاع صفدي وبديع الكسم وبرهان غليون من الشام وأبو يعرب المرزوقي وهشام جعيط واحميدة النيفر من تونس وحسام الدين الألوسي وعلي الوردي من العراق ومنير شفيق وعزمي بشارة وادوارد سعيد وهشام شرابي من فلسطين.

غير أن هذا الاهتمام لم يرتق إلى درجة الإقبال والاستقرار وهذا النشر لم يصل إلى درجة التوطين والاستثبات وهذا التأليف لم يصل إلى درجة التنظير والإبداع وهذه الترجمة لم تعانق التأويل والتأصيل. عندئذ ظل السؤال الفلسفي عن الواقع العربي محجوبا تحت أكوام الجواب وبقي مشروع بناء فلسفة للضاد مؤجلا وانتهى تفلسف العرب في عصر ما بعد تشكل دولة الاستقلال مجرد تعريب للفلسفة الغربية. كما انتهى حضور الفكر الفلسفي في المؤسسات التربوية الثانوية والجامعية إلى نفس النقطة التي بدأ منها، فقد بدأ غريبا محاصرا ومرفوضا وهاهو الآن لايزال محل اتهام وتشكيك وتضييق من طرف الجمهور وساسة البلدان ورجال الدين ولم تعد الجامعة مجالا لخلق المبدعين والمنظرين والمثقفين العضويين بل مجرد محتشد لإعادة إنتاج ماهو سائد و لتخريج العمال والموظفين والمدافعين بشدة على الراهن .

لكن متى يأتي العصر الذي يتفلسف فيه المرء الآن وهنا من أجل التدخل بالعقل والنقد في الشأن العام ؟ ألم يحن الوقت بعد لأن يمتلك العرب فلاسفة حقيقيين؟ أليس الزمان مناسبا لكي تدرس الفلسفة وكل فروع العلوم الإنسانية في كل المجتمعات العربية دون تحفظ أو نقصان؟ وألا ينبغي أن تحتل أم العلوم المكانة التي تليق بمقامها في فضاء التربية والتعليم عوض الاكتفاء باحتلال مكان توثيقي في رفوف المكتبات والأرشيف؟ ألا نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز الفكر العقلاني النقدي إذا ما أردنا نشر ثقافة المؤسسات والمبادئ التقدمية؟

كاتب فلسفي