‏إظهار الرسائل ذات التسميات زياد جيوسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات زياد جيوسي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، مارس 31، 2010

ألمٌ يجتاحني وكأنه (فهرس الأخطاء)*



زياد جيوسي

يجتاحك الألم حبيبتي، ويجتاحني أكثر و(ترعف الريحُ أحزانه)، أقف ملتصقاً بنافذتي أتأمل المطر في هذا المساء، لعله يطهرني من اجتياح الألم، وأشعر أنه (سيقعي المساء على أربع ثم ينجب أيتامه)، وأرى الحزن يجتاحك وكأنه (نُدباً في ظهور ملائكة ذابلين)، فأشتاق إليك أكثر، فكيف لي- وأنت في البعيد- أن أصل إليكِ، وأنا (في جبتي وطن من بكاء)، ولا أرى في الحاضر إلا (رداء من الخز يستر عوراتنا، وتواريخ محمولة في الحقائب)، فتقفز بغداد إلى الذاكرة مع ألمنا في البعاد، فأذكر وطناً ضمني حين كانت بغداد (تورد ظهر الزجاج)، وأجرت في دمي ماء دجلة، فمازجته في شراييني مع فيء زيتون وطني (كي لا تطفئ الروح في جسدي).

أجول مدينتي رام الله، نسمات البحر المستلب تداعب روحي، أشعر بطيفي يرافقني وأشعر (أنه راح يجمع بقايا المدن المنهكة..!!)، ويحاول أن يرى (السماء التي لم يرها منذ زمن بعيد)، فسماء بغداد كما سماء رام الله، مليئة بالدخان الذي يحجبها عن الشمس، وتعصف بها (ريح تكنس المدن عن الخارطة)، وتقف شامخة رغم الجرح بمواجهة (قطيع من الظلال.. يمشط بأقدامه الغبار)، فمدننا تمتلك رغم العواصف (جناح مؤجل للطيران)، ومدننا اعتادت دوماً أن (تغزل أحلامها بمغازل من ذهب)، وأنا عاشق المكان الذي يعرفها جيداً، فأنا (رجل بذاكرة عارية)، ولم أكن أبداً من رواد (مقهى من أجل تكرير الجنون).

لماذا تشدني رام الله إلى بغداد؟ أنا هنا أعاني الوحدة في وطن أنغرس فيه، أفتش (في بقايا المدن المنهكة، المدن التي أخطأتها الريح، عن امرأة، وجدار..)، فلا حبيب هنا ولا أبناء يقتسمون معي ألمي، فتأتي بغداد إلى رام الله لتزيد من وهج الألم، وأنا الذي لا يمتلك متراً في الوطن، لكني أمتلك الوطن بأكمله، باقٍ رغم الألم مع طيف أحلم به، يأتيني هنا (كي يعانق آخر إبحاره.. أوّله..)، وأنا الذي (تسكن الأرض خاصرتيه نزيفاً)، و(تبرد في صدره طلقة قاتلة)، فما بين ذاكرة بغداد ومعانقتي رام الله بعد عقود الغياب، كنت أسير (في الطريق إلى وطني، كنت دوماً شهيداً، وكان الزمان صداي).

أترى لأن بغداد من ضمتني حين كنت أحلم أن أعود وألتقيكِ، حين كنت (أحلم بامرأة لا تجادل في النحو أو في البلاهة)، فكنت أكتب لكِ ما تركته فيها فضاع حين لم أعد إليها، ولم ألتقيكِ، ووأد جسدي، وبقيت أحلم بك وأنا (لم أزل أتهجى رماد المدينة)، وأحلم ببغداد سيدة (مدن العالم المشتهاة)، فيا بغداد عودي كما كنتِ (وامنحيني صلاتك أو هدهديني)، ضعي يدي بيدكِ في شارع أبي نواس وضفاف دجلة كما كنت تفعلين (فقد تعبت هذه الأرض من صخبي)، خذيني إلى الوزيرية والأعظمية والكاظمية، (فقد شاب مني الشراع)، أعيديني إلى روح أمي غريبة وابنتي نهلة في كمب الجيلاني، كي لا أكون أنا (سيد المتعبين إذا أقفرت من رفيق ذراعاي)، ضميني إلى صدرك في شارع الرشيد، فأنا بشوقي (مطر عالق في سقوف الغمام)، ودعينا نجول شارع المتنبي نلتقط بعض الكتب، شارع النهر حيث تتهادى حوريات بغداد، جولي معي في شارع المحيط وغابات النخيل حيث كنت (أتوسد الخرائط.. فتنبت على خدي الطرقات)، ودعينا نلتقي أساتذتي الذين كانوا (يغتسلون بحليب الحكمة)، وحين نتعب نحتسي القهوة في مقهى البرازيل (لكي أختصر الأرض)، ولا تتركيني (مثل جذع يتيم في عباب الحياة).

أيا رام الله، ضميني إلى صدرك وانثري على رأسي شلال شَعرك، احضنيني تحت شجرة البركة، فأنت وحدكِ من لها (أذنٌ أجفف فيها الكلام)، وأنا المغني الذي (أطلق لحنجرته عنان البكاء)، وأبذل روحي كي لا (يسقط الوطن من الخارطة)، ولا أمتلك إلا حلمي (وأوراق طرية الحبر)، بينما أرنو فأرى (ثمة أصدقاء عالقون على شفة الموت)، وأرى حلماً حلمناه وسعينا من أجله يتحطم، وأراه قد (سقط في بئر من الخرائط وتدلت فوقه أسماء المدن العتيقة)، وكان الحلم أن (يرى الشمس عنقوداً من المصابيح)، وأن يكون (القبلة لدى سماع آذان الفجر)، لكننا صرنا لا نرى الوقت إلا (من ساعة معطلة في سماء بغداد)، ولا نمتلك (سوى العمر الذي لا يأتيه النوم)، و(تحية لأرواح بعض أجدادنا).

وأسألك حبيبتي (كيف سأسرق باقة ضوء، من قمر.. سلبته النوافذ تاريخه؟)، فتعالي من بعادك كي (أصنع من نجمة.. نجمة)، وكي أخلق من وطني وطناً كي لا يقولون لي: كفاك (لك من الجغرافيا أطلس حافل بتضاريس الحنين)، أنا الذي حلمت و(أطلقت ذاكرتي للريح)، ولا أمتلك إلا حلمي (وأنا أرسم السماء بلون الدم)، وأصرخ بكل ما تمتلك حنجرة قد بُحت من كثر الصراخ: (أيها الناجون من بلادكم.. إلى أين المفر؟؟)، تعالوا ولا تكونوا مثل من (يغزو الظلام مفاصله فيحضن صورته.. ويموت)، تعالوا واسألوا أنفسكم (لماذا ينقش العابرون أسماءهم على سور المدينة.. أو على ما تبقى من جذوع الأشجار.؟).

يا صديقي الشاعر عبود الجابري، لا أريد أن أكون (عابر وطن)، فلماذا تصر أن تحملني من ميدان المنارة إلى (جسر الشهداء)، وتهمس بأذني بصمت: ترى (كم جسراً يلزمنا للشهداء..؟؟)، فأصمت كصمتك ولا تسمع مني إلا (زقزقة مبحوحة) وأهمس لك: لا تبتئس يا صديقي فما زال (ثمة أنت.. وأنا وترابٌ أحمر)، وأطفالنا (أجنحة مؤجلة)، ووطننا لن يكون مثل (غريب يموت من البرد في جنبات الفصول)، فما زلت أرى (غيمة في سماء البلاد) تحلم (بالطين المقدس) و(تمتثل لأذان الفجر)، وتحملنا أنت وأنا، رام الله وبغداد إلى جنين لننثر الورد على مقابر شهداء العراق في جنين.


* كلّ ما هو بين أقواس للشّاعر عبود الجابري (العراق)، من مجموعته الشّعريّة "فهرس الأخطاء"، الصادر عن دار أزمنة في عمّان 2007م.

الأربعاء، مارس 24، 2010

أطياف متمردة لزياد جيوسي عن دار فضاءات – الأردن



صدر حديثا للكاتب والإعلامي زياد جيوسي كتاب " أطياف متمردة" عن دار فضاءات وقد جاء الكتاب في 212 صفحة من القطع المتوسط وصمم غلافه الفنان نضال جمهور.

قدم للكتاب الشاعرة الفلسطينية منى الظاهر ببورتريه بعنوان "زياد جيّوسي سادنُ لقالأطياف المتمرّدة" فتقول:

أنتَ القارئ وأنتِ القارئة، وهو السّابح في ملكوت عشقه الدّاني؛

كما لو أنّكَ تتخيّله: هو المستند على نمارق أحاسيس ملوّنة، يصخي السّمع لبوح الياسمين الـ يتسلّق لبلاب الرّوح المتأتّية من نور الله/ شفافية الطّبيعة.

كما لو أنّكِ ترقُبينه مِن حبره العابق بوضوح لما يعتمل هذيانات دواخله ودواخلك، ليخطّ حالات من وطن/ حبّ يجتاح الكينونة كلّها.

كما لو أنّنا نهجس بما ينكتب فينا من نوستالجيا غائرة في أجساد الفوضى، الّتي منها ننبثق بمباسم من نسرين وروائح صفصاف ومذاقات زيتون.

هو زياد جيّوسي/ غريب مع الواحة الملهِمة، قريب من طيفه الرّاقص على أنغام نيران قلبه، المقاتل بحقيقيّته في قارب أوراقه المثقلة بحنين ذاكرة، تلهج بزمكانيّة الهويّة الصّامدة المترسّخة فينا/ في قلب المليكة/ فلسطين.

نصوصه المتمرّدة بأطياف مضمونها تتحنّى بنسغ خطاب يتوق لإنسانيّة حقّة، فيها ولع لأرواح زاخرة بجوّانيّة معادن تمتشق سراديب مغلقة في عمق أعماقنا نحن البشر.

في قهوة صباحاته تتفتّح الزّنابق من خلف إطلالة المنفى والاغتراب ومن أمام غيوم الشّتات والوطن، لتتنشّق الكلمات روائح الأمكنة وتَرصّد تراب الأرض والحجر.

وبنهاراته استعادة للمنسيّ قسرًا والمُبعد جبرًا، المنْشَقّ في أنهار الوجدان الّذي استلبته آلة القمع والاحتلال.

وفي أعشاب مساءاته هو العرّاب، تصدح صور الشّخوص الملتهبة من مخيّلته المسكونة باندلاع الطّرقات والبيوت وتنقّلاته في أسْره وحصاره والدّفء في حريّته وملاذه.

"أطياف متمردة" كتاب ضم الكثير من الألم والعشق حتى استباح دمع العبارة ووجدها حد استحضار الأخر، هذا الغائب الحاضر الممتد عبر السنوات على خارطة التمني ، الفارد خطاه على جسد الذاكرة بانحفار غريب ، يحتل هذا الكتاب مشروعيته ووهج مفردته من رائحة الياسمين التي تعطر النصوص بكليتها تلك النصوص العابقة بذاكرة تأبى أن يتخطفها وحش الضياع فمن السجن إلى رام الله تظل الحبيبة / الإنسان امتدادا حقيقيا لوجود إنساني مرهف .

****

زياد جيوسي وعلى امتداد سنوات الألم الذي عاشه ظل يحاول لملمة طيفه الحارس/ طيفه الذي لا تنطفئ ناره ولا ينتهي وهج ضوءه رغم اختلاف الأمكنة والأزمنة، ربما هي محاولة منه لإبقاء نبضه حيا وحقيقياً في زمن صار فيه كل شيء معروضا للبيع. ربما هي محاولة للغياب في بياض الطيف القابل للإنولاد والتجدد عشقيا في كل صباحاته ومساءاته في ظل صورة غطى السواد قامتها حد الفجيعة.

*****

مودتي واحترامي

مدير دار فضاءات للنشر والتوزيع- الأردن

الشاعر جهاد أبو حشيش

0096264650885

00962777911431

dar_fadaat@yahoo.com




الأربعاء، مارس 17، 2010

تأسرني عمّان و(أي غصنٍ على شجر)*



زياد جيوسي

2-2

هي عمّان ما زالت تأسرني، وما زلت أواصل التجوال في دروبها، وما زلت أرى أنها (واقفةٌ قبالة الشمس تماماً مثل أغنية)، وما زلت أبحث فيها عن وجه حبيبتي الذي غيبته عني السنين وأصرخ: ترى من يعيد لي وجه حبيبتي التي افتقدت؟ فلا أرى في البعاد إلا (حرائق تجوس أحداق المسافة)، فتشدني عمّان من حضن رام الله وآتي يملأ روحي الحنين (من هناك إلى هنا) وفي قلبي (نواح الغيم وسهوة الأشياء)، فأراك بروحي حباً (بلونٍ يمتطي فيّ الغيم)، وفي عينيك اللتين ترقبان عن بعد رحلة بحثي (صار المدى لوزاً)، وفي ذكراك (صار الليل موفور الضياء)، رغم أنه في البعد قد (عزَّ اللقاء).

أجول عمّان دروباً وأدراجاً تتسلق التلال، توصل بين الأحياء، أبحث عن وجهك لعلي ألتقيه، فتتعب أنفاسي بحكم العمر، طول رحلة البحث، فأسائل نفسي: هل (من امرأةٍ في هذا العالم) غيرك، كانت وستبقى (ضوء الأوطان حين يعزّ الضوء)؟ فأجيب نفسي: وهل إلاك إمرأة تتجسد في عروس المدن آتية (من جرار الغيب)، وحباً كان وسيبقى (أغنية القصيدة)؟ فيخيل إلي أني أسمع من البعيد البعيد روحك من (وراء الغمام) تهمس: (يا برقاً عمَّرت في السهو صحوي) فمن غيرك (ضوؤكَ الفضيُّ أغنية لها في الروح نخل باسقٌ)، وله (يدان من ورد الكنايةِ تسرف بالسلام)، فتهمس عمّان بقلبي: لا تتوقف عن البحث (أشعل بسفركَ لبّها وأعطِ مكاتيبَ الغواية للحَمامْ).

في عمّان أحن إلى الطفولة، فأذكر حين (أخبرني جَدي عن شجرٍ يخلع خضرته في الليل ليمشي)، فأتسلل من حضن أمي إلى البيادر التي تحيطنا في بدايات نشأة الأشرفية، حين لم يكن هناك تيار كهربائي ولا نجد سوى ذبالة فانوس نراه (يُيمُّ صوب نجوم)، فأخرج لأبحث عن الشجر، فلا أرى إلا بيادر قمح (تلثم قارعة الرمل)، وفي البعيد (ذاك الشجر يسير مع النجم غصنا بشعاع)، وفي العصارى أتسلل لأنظر حقول القثاء وورد الربيع المنتشر على السفوح فأشعر أن (لي قلباً محاطاً بالبروقِ وبالندى)، وفي عمّان تعيدني الذاكرة إلى حي الملفوف، حين كنت أنظر للسيل الذي كان نويهر يشق المدينة، فأرى الشمس تعكس عليه (من انكسار الحلم خمرَ الصدى)، وفي حي خرفان كنت أرى (في سهوة الغيماتِ شِعراً وقمحاً) وأذكر نفسي طفلاً (وهو يعبث بالمدى)، وأستعيد ذاكرة الكرك بما تركته تلك المرحلة الطفولية في روحي (من قلقٍ ومن وجعٍ ومن فرحٍ ومن حب وموت)، فهل مثل عمّان من يعيدني إلى الجمال والماضي الجميل (كلما ضَجَّ اكتمال البدر في سقف الدجى)؟.. فهل كنت أحلم بكِ بخيال طفولي يحلم بالغدِ؟

آه يا حباً (يؤشر للمدى للشمس كي تهمي على عَرقِي تفاصيل الدفء)، كم أشتاق للقياك، حتى يمكنني أن أزيل الوشم الأزرق عن بياض الثلج، فأنتَ وحدكَ من (ستزرعني غناءً)، فتعال من بعادك (لتقولَ أخضَرها الموارسُ في سهوب الروح)، فعند حضورك فقط (تجيء من قمم الجبال أيائلُ ممهورة بالصحوِ)، ويحلق قلبي (في مجرات الكلام يَثمُل بالشهيق وبالبريق)، فقد كنت وما زلت (في رحيق الوجد حبلاً من وريد العينِ)، وحبك وحده من زرع (في دمي ورداً لكل العاشقين)، وأنا وأنت وحدنا (عاشقان استفاضا في المسيرِ دون أن يريا نحول النجمِ في وجه المياه)، ووحدنا من كانا (يتجهان للقمر المأرجحِ في التلالِ)، وأرواحنا تحلم أن (ترضع في هزيع الحبِ ما يخفى على المطرِ).

هي عمّاني التي فارقتها طفلاً إلى رحاب القدس ومن ثم رام الله، فسكنتني رام الله أربع سنوات حُبها (رسمَ قلباً مُضاء) ولم تفارقني القدس التي حرمت منها منذ ذلك الزمان وبقيت (على محمَلِ العشق لقلب قرب شريانك)، حتى أتت أقدام همجية (تعصفُ بي رمالٌ من صحارى القيظ)، فضمتني عمّان بحضنها من جديد وأسقت روحي (كأس النَّضارة والاخضرار)، رغم أنها كانت (واحة منكوبة بالحزن)، لكنها (نهضت وكان عُريُّها ضوءاً)، وغمرتني بحنوها ثلاثين سنة أخرى قبل أن ترافقني إلى حضن رام الله من جديد، فكانت عمّان (وحدها تعرف كيف تنقشع الضآلة من مداي)، ومن على التل المرتفع أتت بكِ فعلمتنا كيف (يقرأُ كل منّا في روح الآخر، كيف يُساقط غايتَهُ الشّعرُ)، وزرعت في أرواحنا الحلم و(شنانيرَ مُحمَّلة بالأقحوان)، وهمست بأذني: انهض (خفيفاً من الوجع المجنَّحِ في المدى)؛ واصل المسيرة فهناك حبيبة (ستسمعها على حدّ النعاسِ تقرأ ما حفظتَ من القصائدِ لك)، فتهمس روحكِ لي من البعيد: جمال أيامي من فرحك، فاجعلها دائماً حلوة بفرحك؛ فأصرخ: (الآن الآن أحببت).

تشتد الريح في عمّان ويهطل المطر بقوة، لكني أتحدى الريح والمطر وأقرر أن أرافق روحك وولدي إلى مأدبا، فقد أردت أن أرى هناك في تلك المدينة (كم من الوقت يغفو على كتف الغزالة)، وألتقي بعد الغياب مدينة (تعزف طقسها الفضّي في الطرقات)، فأصلها والريح تشتد وكأنها تبشر أن (هناك أمطاراً تَشِي بالعاشقين)، فألتقيها (امرأة أبلغ من أنثى)، تربض هناك على التلال المواجهة للقدس (تخدش طَود الصمت، تهمس للماء)، وتحلم باللقاء مع الأنوار الغربية خلف التلال، فمأدبا بطيبتها وأهلها رغم الغياب الطويل وجدتها (تبحر في عروقي نجمةً)، ورأيتها (تعرف أن لي قلباً إذا غابت تسربل طقسه رملاً)، فهي كانت ولم تزل (وحدها مخضبةً روحها بالزيزفون)، وفي ملتقاها الثقافي كانت (تعرف كيف تزرعني حماماً يشبه في الظهيرة بحة النايات)، وفي أمسياتها بين أهل وعشيرة كان لها (في المساءات طعم الوتر).

في مأدبا وفي رفقة الشّعر والشعراء والأدباء كنت أشعر بروحك حبيبتي سيدة أرواح (النساء اللواتي على ضفة النهر طوحن للشمس المناديل)، وكان حنا قنصل ابتسامة (في غناء العاشقين)، وراشد عيسى (ما تبقى من ضلوع القمح)، وعلي شنينات روح قادمة (من أعلى مفازات الشهيق)، وجلال برجس (اعتلى وجه الحياة بلهفة غجرية للعشق)، وكل الذين شاركوني فرحة اللقاء كان كل منهم (بالعشق تغدو روحه)، فصرت أنتِ ومأدبا (وتراً) لن (تفارقه الأنامل ويهجره الغناء).

أعود على مركب الريح إلى عمّان وأنا أهمس لمأدبا في لحظة الوداع (شكراً لعابرة لبست رِعاشَ النجم من أجلي)، وأنظر باتجاه عمّان وأهمس تحت المطر (شكراً لها) فهي التي (تنوي إضاءة عتمتي الحُبلى)، وأستعد للقاء رام الله لقاء (سأبقى أفتش فيه عن وطني)، وأناديها قائلاً: سنلتقي (فتمتلئ المآقي بالغيوم والمطر)، وأهمس لروحك الساكنة البعيد: أحلق في أشباح الغيوم وأحلم بفجر منتظر، ليلتك طهر قطرات المطر، فأسمع همساتك مع الريح: سأشعل لك شمعة؛ وإن لم تكفِ أشعلت لك قلبي لترى حبي، عسى أن يطفأ حزنك، ولو كنت أمتلك نفسي لمددت أصابعي ومسحت دمعك، فأهمس: لنصبر فروحك (كمثلي تماماً صابها القهرُ)، وسألتقيك يوماً (كفراشة في البال).


* كلّ ما هو بين أقواس للشّاعر جلال برجس ، من مجموعته الشّعريّة "كأيَّ غصنٍ على شجر"، 2008م.

الأربعاء، مارس 10، 2010

صباحكم أجمل/ آهات كسوانية



زياد جيوسي

فترة مضت سرقني بها الوقت ولم أكتب مقالي صباحكم أجمل، فمنذ مقالتي "صباحكم أجمل/ نهيل نسمات كرمية"، أخذتني دواوين الشّعر ونصوص التناص التي مازجت بها روحي بين نثري وشِعر الشعراء، فكنت أسكب فيها عشقي للوطن، الحب، وتحليقي في عالم الجمال، حتى كان الأسبوع الفائت، فأثارت بعض من أحداثه روحي للتجوال في الصباحات الأجمل، فقد زارتني الكاتبة الفلسطينية الجذور والانتماء ديانا سليم، قادمة من أستراليا حيث تقيم لزيارة الداخل الفلسطيني، حيث أهلها واللد مدينتها، ورتبت يوماً لرام الله، ففاجأتني ذات صباح مبكر بالاتصال: وصلت رام الله وأنتظرك، لنقضي يوماً في التجوال في رام الله ولقاء الكُتاب والأصدقاء، الذين تجمعنا رام الله الجميلة معاً، فكانت فرصة للقاء والحوارات الجميلة، والتجوال في رام الله التي سطعت شمسها بذلك اليوم بعد فترة من تساقط الأمطار وسيطرة الأجواء الباردة، وكأنها تحتفي بضيفتها الروائية، وحين غادرتنا بالمساء، كانت روحها باقية معنا، محلقة من خلال ثلاث روايات من إبداعها أهدتني إياها "تراتيل عزاء البحر"، و"الحافيات"، و"الحلم المزدوج"، لأقضي الليلة في القراءة.

الخميس الفائت الرابع من آذار، كنت مدعواً لبلدة الجيب، والتي سبق أن كتبت عنها مرتين. لقاء نظمه رئيس مركز التنمية الريفية الأخ أحمد المصري للعديد من الضيوف وممثلين عن وزارة السياحة والآثار، في محاولة أخرى من محاولاته للفت النظر للجيب وما تعانيه، فألقيت كلمة تحدثت فيها عن قصتي مع الجيب وتراثها والتاريخ، مرفقاً الحديث بعرض للصور التي التقطتها عدستي أثناء زيارتي الأولى، وأنهيت الحديث بالقول: أنا لا أمتلك بالجيب أو بالوطن كله متراً من الأرض، لكني أمتلك الوطن بأكمله، وما أسعى من أجله من خلال القلم وعدسة التصوير، أن أدق على جدران الخزان لعل أحداً يسمع، وبعد تناولنا الغداء المكون من وجبة تراثية رائعة، وجبة (العصيدة) الشعبية، همس بأذني صديقي الذي التقيته بالجلسة بدون ترتيب مسبق، د. سعادة الخطيب قائلاً: ما رأيك أن نحاول الدخول إلى بلدتي بيت إكسا؟ رغم أنها ستبقى محاولة ولا أعرف إن كان سيسمح لنا حاجز الاحتلال بالدخول أم لا، فالحاجز يحاصر البلدة ولا يسمح لغير سكانها بالدخول؟ فوافقت فوراً وقلت له: عدستي وقلمي معي، ولعل هذه الرغبة القديمة تتحقق.

ركبنا عربته المتواضعة، هو وأحد أبناء بلدته، رافقتنا الفنانة التشكيلية حنان حرز الله، والتي أبدت رغبة كبيرة بالزيارة معنا، واتكلنا على الله مارين بعدة بلدات حتى وصلنا للحاجز الاحتلالي، وكان حظي كبيراً بعدم اعتراضي ومنعي من الدخول مع صحبي، ولعل الشيب الذي يغزو مفرقي ومكان الولادة في الشتات ساهم أيضاً بالدخول، وما أن أطللنا على مدخل البلدة حتى كنت أمارس إزعاجي المعتاد لمن يرافقني، فكلما سارت العربة خطوات كنت أناديه أن يقف وأقفز من السيارة لالتقاط الصور، حتى وصلنا إلى قلب البلدة القديمة، فأوقف عربته، وبدأنا التجوال على الأقدام، وحقيقة بمجرد أن أرى المباني الأثرية والقديمة، تتألق روحي، وتلقي عن أكتافي خمسة وثلاثين سنة، لأجد نفسي شاباً في العشرين من العمر، يتقافز بين الأزقة والمباني، يتسلق بدون وعيٍ الجدران والأسوار، لا تتوقف عدستي عن التقاط الصور، حتى أن صديقي د. سعادة اضطر أن يشدني أكثر من مرة، خوفاً عليّ من الوصول للمناطق التي تواجه الانهيارات، فهو يعرف الأمكنة أكثر مني بكثير، فهو ابن البلدة ويسعى دوماً من أجل لفت الأنظار إليها، العمل من أجل دفع الجهات المعنية لترميم هذه الآثار التي تروي الحكاية، حكاية شعبنا منذ القديم.

تقع بيت إكسا شمال غربي القدس، وكم تألمت روحي وأنا أنظر من تلالها للقدس، بقايا بلدة لفتا ودير ياسين، ونحن محرومين من الوصول للقدس، وأرى مساحة الاستيطان التي تحتل مساحات القدس وتحاول أن تخلق واقعاً جديداً هناك، فأذكر وأنا أنظر إلى القدس القائد صلاح الدين الأيوبي الذي أتخذ من بيت إكسا مركزاً لقواته ومركزاً لكساء القوات ولباسها، ويقال إن اسمها جاء من روايتين، مركز بيت الكساء لقوات صلاح الدين، وفي رواية أخرى أنها سميت نسبة لشخص اسمه إكسا قدم إليها في القديم من بلاد الشام وسكنها، وكان بيته مطلاً على طريق مرور المسافرين، وكان كريماً ومضيافاً فحملت المنطقة اسمه، لكن المهم أن بيت إكسا بموقعها المطل على القدس وعلى الشارع الذي يصل إلى يافا، تتعرض باستمرار لمضايقات الاحتلال، فكثير من أراضيها جرت مصادرتها، والمستوطنات تحيطها، وكان هناك مخطط لضمها داخل الجدار البشع، لكن بسبب تشبث سكانها بها لم يضمها الاحتلال، وإن واصل المضايقات عليها ووضع حاجزاً على مدخلها يمنع المواطنين من الدخول، إلا لمن يحمل بطاقة هوية مكتوب فيها أنه من بيت إكسا، في محاولة مستمرة للتضييق على السكان ودفعهم للهجرة.


قلعة آل الخطيب كانت من أهم الآثار التي تجولنا فيها، قلعة تعاني من الإهمال رغم أنها شاهد التاريخ وراوية الحكاية، فقد بنيت في العام 1832م وبقيت مسكونة حتى العام 1967م، حيث كانت مقراً في البدايات من عمرها للشيخ عبد القادر الخطيب، الذي كان ملتزم الضرائب للخلافة العثمانية، وهي قلعة ضخمة واسعة المساحة، تحمل تقسيماتها نظام العيش للأسر الفلسطينية، فهي مقسمة إلى غرف ومقرات مختلفة، قسم منها للسكن وقسم للضيافة ومساحات أخرى للخيول والمواشي، مواقع تخزين الطعام التي كانت تسمى الخوابي. كنت والفنانة التشكيلة حنان حرز الله مأخوذين بهذه المشاهد، فلم أتوقف عن التصوير، والسؤال لمضيفنا د. سعادة، وكانت بعض من الإشراقات الفنية قد بدأت بالتفاعل في روح الفنانة، فبدأت تهمس ببعض الأفكار، ورغم حجم الدمار والخراب بفعل الإهمال وعوامل الزمن، إلا أننا تجولنا رغم صعوبة التجوال بسبب الحجارة المنهارة، والأعشاب والشوكيات النامية بارتفاع يعيق الحركة، إلا أننا كنا مأخوذين بما نراه، فتجاوزنا كل هذه العقبات، وأكملنا الجولة بعد القلعة في العديد من المباني القديمة والتراثية، ولسان الحال يقول: إلى متى ستبقى هذه المواقع مهملة ولا يجري ترميمها؟ فترميم هذه المواقع واجب وطني كبير، وبالتأكيد فإن اهتمام أهل البلدة بمتابعة ذلك مسألة في غاية الأهمية، وقد لفت نظري حديث لأكثر من شخص من أهل البلدة عن ابن لبلدتهم اسمه زهير جبران، يعطي أهمية كبيرة لأهالي بلدته، فهو يقوم بتدريس سبعين طالباً في الجامعات ويساعد عشرات العائلات المحتاجة، ويتحمل عبء أربعة حافلات تحمل من أهل البلدة للحج والعمرة، إضافة إلى صرفه مكافأة لكل مدرس من أهل البلدة بمقدار ألف دولار سنوياً، لكي يشجعهم على الاهتمام أكثر بطلاب البلدة، إضافة إلى بنائه مدرسة ومسجد، وغير ذلك من الأعمال الحافلة بالخير لأهل بلدته، فشكل من خلال ذلك رغم إقامته بالخارج أنموذجاً طيباً للانتماء للبلدة والأهل والأرض، ولعلي تمنيت حين سمعت ذلك أن نجد في كل بلدة من بلداتنا من يقتدي به ويعمل من أجل أهله ووطنه.

في المساء وفي موعد الغروب، كنا نغادر بيت إكسا، لنقف باندهاش أنا والفنانة حنان أمام عدة أشجار تاريخية بالغة القدم، جرى الاهتمام بها من أهل البلدة وتسويرها، فشعرت بها تهمس لنا الحكاية، حكاية شعب راسخ الجذور كتلك الأشجار، ملتزم أن لا يغادر وطنه، متحمّل كل قسوة الاحتلال، يرنو إلى السماء ويتشبث بالأرض، يحلم بيوم حرية..

صباح آخر لرام الله، أحتسي قهوتي، أهمس لطيفي البعيد القريب وروحه تحلق في صومعتي، لا بد من حرية الوطن، لا بد من اللقاء، أرقب المدينة من النافذة، أبتسم ليوم جديد، أستعيد رحلتي لبيت اكسا، فأشعر بالآهات الكسوانية ما زالت تنسكب بأذني وروحي، ملتقى القصة القصيرة جداً عبر اليومين الماضيين التي شاركت بكل جلساته مع مؤسسة أوغاريت، لقائي منذ مساء الأمس حتى بعد منتصف الليل مع صديقي الشاعر طلعت شعيبات قادماً لزيارتي ورام الله والأصدقاء، فيروز تشدو: (لنا مكان مغمس حيث المروج سندس، في مرتمى أشجاره يهيم صفو مشمس، جئناه واللحن سكيب والشذى مكدس، بحنا فلا الورد حكى ولا شكانا النرجس).

صباحكم أجمل.

الثلاثاء، مارس 02، 2010

بوح الروح

زياد جيّوسي

2 - 4


كتابات ونصوص فايز محمود تمثّل حكاية العمر، محاولة قويّة للدّخول في أعماق الرّوح البشريّة، البحث في مجالات الحياة، فلسفة الأمور الّتي نمر بها بسرعةٍ فيمنحها حكمة ومحتوى يدفعنا للتفكير بها من جديد؛ إنّها الفلسفة وحبّ الحكمة حين تتمازج مع روح إنسان يعبّر عن فكره بأسلوب أدبيّ شاعريّ، ومن أراد أن يفهم الحياة أكثر ومعناها وأهدافها، فلا بدّ له من المرور عبر رحلة فايز محمود الفلسفيّة والأدبيّة، فهو لا يكتب من أجل الكتابة فقط، بل من أجل البحث عن الحقيقة، من أجل فلسفة الوجود، لذا فإنّ لحروف فايز اشراقة خاصة وفيها فهم شامل لمن يغوص فيها، فهي أشبه بالمنارة الّتي ترشد السّفن الضّالّة في أعالي البحار، وفي الوقت نفسه لا يلجأ فايز بأطروحاته وأفكاره إلى فرضها وكأنّها الحقيقة المطلقة، فهو يعتبر كلّ حصيلة حياته ليست أكثر من محاولة للبحث في الحياة والحقيقة، فيترك لمن يغوص في عباب بحره أن يتفكّر ويصل للنّتائج بدون إعطائه نتائج محددة على طريقة قوانين الرّياضيّات.

فايز في كتاباته يخاطب الرّوح الإنسانيّة الّتي يؤمن بها كثيرًا، يؤمن بمستقبلها وإشراقة هذا المستقبل، فنراه في الجزء الثّاني من ثلاثة نقوش محجوبة ومن خلال مخاطبة الأنثى الحبيبة يتحدث عن التّاريخ يقول: "تمنحني دراسة التّاريخ استشفاف مكابدة الإنسان عبر الزّمن"، فهو لا يطرح أفكاره من الفراغ، فهو يبحث الإنسان ومسيرته عبر التّاريخ، ليعبّر في الحاضر رحلة عشقه في الوجود، ويبحث كم للحبّ من تأثير في تصويب الرّوح البشريّة والإنسانيّة، فيصبح الإنسان من خلال الحبّ حياة تصعد وتفيض من نبعه وإليه تصبّ، وفي الوقت نفسه لا يغفل المكان ويتحدّث عنه، فهو يتكلّم عن جذوره وتنقّله عبر تنقّل والده بين الأمكنة، الظّروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة الّتي مر بها الأب، تأثيرها على نشأته وفكره، فهو ليس كالفطر نما فجأة، لكنّه تشبّع الحياة وأثّرت فيه ووجّهته نحو البحث عن الحقيقة، وتسامت بروحه الإنسانيّة ضمن معاناة يوردها من خلال سيرته الذّاتيّة في هذا الجزء الثّاني من "ثلاثة نقوش محجوبة"، فندرك حجم المعاناة الّتي خلقت في روح فايز الفلسفة والبحث عن الحقيقة.

يستمرّ فايز في الغوص والبحث، فهو يغوص في دياجير روح الإنسان وأعماقه، يبحث فيها عن كلّ ما هو مخفيّ، يجول في تلافيف العقل بدون كلل أو ملل، لا يكفّ عن البحث والتّمحيص، يبحث عن الحقيقة. فأراه يذكّرني بالفيلسوف ديوجين الّذي كان يحمل مصباحًا منارًا في النّهار كي يبحث عن الحقيقة، فالحقيقة عند فايز محمود هي الإنسانيّة، هي الحلم الّذي يؤدّي إلى حياة أجمل وأفضل بين الشّعوب. وبدون الحقيقة لا مكان للصّداقة ولا مكان للحبّ، الصّداقة والحبّ بالمفهوم الإنسانيّ الكبير، مفهوم الرّوح الإنسانيّة بدون بثور سوداء، روح نقيّة تحلم بالخير والإبداع، تعيش بالحبّ والصّداقة. ونجد فايز محمود يكرّس كتابه "شروق.. نصوص الخفاء" في البحث عمّا هو رهن حياته من أجله، البحث عن الحقيقة، فهو يقول: "الطّفل يسبح في سديمه الغامض، تمامًا كما كان وضعه السّابق في فترة حمل والدته به؛ إنّه يتكوّن وينمو في أحشاء المجهول، في فترة حمله كان في أعماق والدته، وفي هذه الفترة اللاحقة- أيّ في فترة طفولته المبكرة، ها هو الآن في أعماق مجهول آخر، في أعماق أُمٍّ أشمل، في أعماق الحياة الواسعة، البيئة والتكوين الاجتماعيّ".

ولهذا يبدأ بحثه بعنوان: "لماذا أعيش، وكيف، ولماذا؟"، ويسير في حياة الإنسان منذ كان طفلاً حتّى كبر، باحثًا في كلّ العوامل والمؤثّرات الّتي تلعب دورها بالتّأثير عليه، فليس من إنسان بدون تأثّر بارتباطه ببني جنسه، ببيئته وظروفه الاجتماعيّة، ويستمر الإنسان بالسّير حتّى يكبر فتنقلب حياته، فهو قد خرج من إطار التّوجيه والإشراف في الأسرة، تبدأ في حياته قواعد جديدة للحياة، "نحن كبشر في مواجهة أنفسنا لأنفسنا لا غير"، وتستمرّ حياة الإنسان حتّى "تتفتّح الحياة أخيرًا على مشهدها في الفصل الأخير".

"فالإنسان معاناته الأساسيّة أنّه يعيش وحيدًا"، رغم وجوده في مجتمع وعلاقات اجتماعيّة وعاطفيّة. وهذه المسألة يبحث فيها فايز بعمق، فهو يؤكّد على أنّ الّذين عزلوا أنفسهم عن الغير وعن العلاقات العامّة، رغم أريحيّة إنسانيّة العلاقات في مثل هذه العلاقات، كلّ منهم "يحلم بعلاقة مستحيلة مع حبيب أو صديق يكملان فيها بعضهما بعضًا بمدار العشق وفلك الصّدق في فضاء حلم الحياة.

ويؤكّد فايز من خلال بحثه المستمرّ من جديد على الصّداقة كما أكّد على الحبّ، فهو يرى أنّ الصّداقة "لا تبهت ما دامت قائمة على صدق الذّات وصدق الآخر، تظلّ حرّة تعطي دون مقابل". ويعود للتّأكيد على "أنّ الحبّ في وضع العشق يشترك بهذه الميزة الحرّة المبدعة، ويفوق الصّداقة إشعاعًا ومعنى"، رغم اختلاف بواعث الحبّ وحوافز الصّداقة، فهو يرى "أنّ الصّداقة ثمرة للرّوح الإنسانيّة السّامية، بينما الحبّ والعشق قنطرة احتالت بها الطّبيعة علينا لأجل الإنجاب واستمرار النّسل"، لذا يؤكّد دومًا على ضرورة البحث في الدّاخل الإنسانيّ حتّى يجد الإنسان المخرج، فالأرض تدور حتّى لو أجبرنا على قول آخر.

فايز يرى أنّ هذا الدّور منوط بالمثقّفين فهم أقدر على البحث والتّمحيص والتّفكير، رغم صعوبة المهمّات الملقاة على عاتقهم، فهو يقول: "ما أتعس الوظيفة الثّقافيّة في أمّة لا تقرأ ولا تعي دورها الثّقافيّ"، ويبقى المثقّف الحقيقيّ يشعر بالوحدة في مثل هذه الأجواء، لكن ليس أمامه إلاّ أن يستمر حتّى لا يستمرّ بالسّوق الثّقافيّ الفارغ، ورغم كلّ المعاناة من الوحدة في هذا الواقع، ورغم إمعان الليل في زمنه ورغم تكاثف الظّلمات، عليه أن لا يتوقّف أبدًا عن رحلة البحث عن الحقيقة الفلسفة الفعليّة للحياة القائمة على الصّداقة والحبّ، بدون جزع أو لهفة من الموت أو الحياة، فالحقيقة هي الهدف. وفايز رغم كلّ شيء يرى "أنّ الحقيقة لم تهجرني وأزداد كلّ لحظة شوقًا إليها".

الأربعاء، فبراير 24، 2010

بيروت وحلم و (لا أرى غير ظِلي)*



زياد جيوسي


1-2


أشتاقكَ وأحن إليكَ (أشحذُ الفرحَ الباكي من غابات الشوقِ)، أشعر أن (وحشيةُ أنفاسكَ تتسلل إلى جرحي)، قادمة من البعيد حيث أنت، فمن لي غير طيفك أهمس له، يرافقني وأعاتبه، وأصرخ ملأ الصوت: (أنيري يا نَرجسةَ روحي)، أبحث عنكَ في أرجاء الدنيا فأنتَ من (بخطاكَ جمعت قناديلي العارية)، وحبك المتسلل عبر قرونٍ طويلة من الزمان، ما زلت أراه (يحنو رِمشكَ برفقٍ إلى رمقي الأخيرِ فيتورد)، فأشعر بروحك تلفني فأهمس لك من البعيد: (هُوَ ذَا.. أنت يا حارسَ الجفنِ تغفو كنجم على سريري النحاسيَّ)، فتعالي لنلتقي بعد عصور الغياب، تعاليّ (لحِلُمِ الفرحِ.. مذاقُ... النار) لنكون معاً يا امرأة الشوق، كي (يتعثر همسي ثمِلاً بين تفاصيل وجهك).

أحن لالتقاء الأزرقين، البحر والسماء، أتأمل صورك، تحلق روحي إلى شواطئ بيروت التي لم التقيها منذ سبعينات القرن الماضي، كي أرى (كيف يبدو المشهدُ رائحة الجرحِ؟)، وأهمس من رام الله: أيا طيفي (من أشتهي.. إلاكَ نبيذاً يلدغُ شفتيَّ؟)، وحدكَ كنتَ وستبقى آتياً من الغيب البعيد (وأنتَ ليلكيُّ القسماتِ من عِطرِ أُقحوانةٍ)، واستعيد ذكرى لقائي الأول مع بيروت، حين أطللت على مشهد البحر للمرة الأولى في حياتي، فصرخت: أيها البحر (أنتَ لبِق الدهشةِ، ونعناع الحرف..)، وناديت على المرأة الحلم، الأنثى الأسطورة (تعالي أيتها الموشومة بشِعري)، فما زلت أنتِ المنى أن تكوني (رحيقُ الوساداتِ.. نعاس الذاكرةِ.. لهثُ العناقِ..).

حين وقفت على الشاطئ في لحظة المغيب، رأيت بخيوط الشمس شَعركِ شلالا من ذهب، وبزرقة البحر (نعناعُ الحرفِ) ولمعة عينيك وهدوئها وهي (مموسقةُ الحزنِ بحرفي)، وحين لامسني رذاذ الموج الناعم حضرت إليّ يافا، فهمست: أيها البحر (كم كان لرجفِ رذاذكَ عصارة اللقاح)، فهل سنرجع يوماً إلى يافا كما شدت فيروز؟، وهل سينمو الحب (من عَرقِ الحبرِ)؟، وهل تواصل البحر من شاطئ بيروت لشاطئ يافا بتمازج (خرافي المساماتِ)، سيجعل الحلم يأتيني من منى (تعبقُ بميناء القلبِ) إلى حقيقة (تتلوى محارةُ على صدى النواقيسِ)، وتكوني أنتِ ويافا في قلبي (بين رقصةِ العويلِ.. و.. رضابِ شفتيك)، ولا يبقى الحلم سراباً (في حصادِ الرملِ يطارد أجنحة.. الرماد).

أيها العشق الذي لا يفارقني (أَنْذرني غصناً في كاس مُناكَ)، احملني معك (آهة في تنهيدةِ سحاباتِكَ)، ودع (يداك تلامس حريرَ اللهفةِ)، ودعنا معاً نسير ونواصل الحلم، نذوب في هوى وطنٍ، و(نتماهى في تفاصيلِ الحزنِ)، فأنتَ وأنا فقط من يمكننا (أن نتقاسم خبزاً حافياً من صرخة عُرينا)، وأنتِ وحدكِ من يمكنها أن تهمس: (أنثاه أنا.. من رحَمِ العتمةِ)، وتبسمين ومن قلبك يخرج نغم (من صهيلِ حُلمِه المُشتهى تُحيطني.. دوائرَ.. دوائر)، وتبقى روحي تجول في ذاكرة بيروت، أبحث عن الحبِ البعيد لكني (لا أرى غير ظلي).

أيها الحب الذي يمتد من شواطئ غزة مروراً بيافا حتى بيروت (ترفق بهمسي)، وتعال لنلتقي من جديد، أضمك إلى صدري، فتعال و(هيئ سقوط الضوء على ستائري)، كي نحلق معاً بين أسطورة العشق وحكاية الوطن، ونرقص معاً (فتراقصَ الجسدُ ترتيل أرقٍ)، ولا تبتعد كي لا (يشهق الفراغ)، وفي بعادكِ لا نمتلك غير الحلم (وحلمنا عَزفَ الدهشةَ)، فتعال أيها الحب (تدثر بي.. بشهبي..)، تعال و(احرق صمتكَ، ولا تعتذر)، واهمس لي: (امرأة الشوقِ أنا)، فيا حبيبي (ترفقْ.. ترفقْ.. "آه")، فأصرخ وأركب الموج (آتيك اللحظةَ لأحتفي بالفتاتِ)، فبيروت من تعيد إليّ (لون القهوةِ) ولذاكرتي (غربة الوطنِ)، وأنتِ وحدكِ (وجهك غربة السفرِ)، وليس إلاكِ من (تأتيني برشفةِ عسلٍ).

على شواطئ بيروت كنت أجول وأجول في لحظات المغيب وإشراقة الشمس (وأصيح: "لوركا" من صادر للغريب أرضي؟)، وأهمس للموج: (من سلب سرَّي وصمتي)، وأنظر في أفق عينيك فأرى خضرة الوطن وثورة البحر وأتساءل: من الذي طعنني بالظهرَ (وعلق ضفيرة طفلتي على يبادر الحُزنِ؟)، فأسمع الكرمل يهمس من بعيد: تعال (ومُر بقصيدة شِعرٍ على هزيمتي القديمةِ)، فمن مناكَ ومن منىً (ربما في الغدِ يكونُ ثغركَ أبسمَ)، فتستقبلك شواطئ يافا (تعود طفلاً، تركض وراء الفراشاتِ)، فتستعيد الذاكرة وتزرع وردة و(من المنفى تعودُ؛ تنحني كطوقِ الياسمينِ).

أيا حبيبي (لا تلمني إن توقفتُ قليلا؛ هو العمر يمضي، والأعوام تمضي)، وأعرف أنكَ (تريدني كالفراشةِ؛ تُولد بين حباتِ الندى)، فتهمس لي من البعيد: وهل لي منك إلا الحب والحنان، آه كم أحبك.. وأدري أنه سيأتي يومي معك، أذوب بك وتذوب معي، ويكون لنا عيد حب مختلف، لي فيه أنتَ هدية الروح للروح، فأنت مرآة القلب عندي، ومن لي إلاكَ بهذا الشوق والحب، فحروفك أنقشها على لؤلؤٍ تناثر من شدة الفرح وراحة سكبتها عيناك في عينيّ، ففي بعادنا طفت المكان أتذكر ما سكب على أرضٍ، وما بقي في داخلي، فأهمس لهمسكِ: أيها الحب (إن عدتُ؛ ألّف خاصرتكَ بعريشة الدفلى، وستائر الليلِ)، فروحي (ستحتفي بقدومكَ الرقصةُ الأخيرةُ، وشاطئ حيفا سينام مطمئناً بعشِقٍ شهِدَ ولادةَ البحرِ).



(رام الله 7/2/2010)

* كل ما هو بين أقواس، للشاعرة هيام مصطفى قبلان من مجموعتها الشِعرية (لا أرى غيرَ ظلّي)، الصادرة عن بيت الشِعر الفلسطيني 2008م.

الأربعاء، فبراير 17، 2010

أطياف متمردة: جديد زياد جيوسي



يصدر قريباً: عن فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة ـ عمّان – الأردن - تلفاكس 0096264650885
Dar_fadaat@yahoo.com


(أطياف متمردة) وجدانيات للكاتب زياد جيوسي


زياد جيوسي وعلى امتداد سنوات الألم الذي عاشه ظل يحاول لملمة طيفه الحارس/ طيفه الذي لا تنطفئ ناره ولا ينتهي وهج ضوءه رغم اختلاف الأمكنة والأزمنة، ربما هي محاولة منه لإبقاء نبضه حياً وحقيقياً في زمن صار كل شيء معروضاً للبيع. ربما هي محاولة للغياب في بياض الطيف القابل للإنولاد والتجدد عشقياً في كل صباحاته ومساءاته في ظل صورة غطى السواد قامتها حد الفجيعة.

الأربعاء، فبراير 10، 2010

فضاءات المعابد السبعة/ قراءة في كتاب فضاءات قزح



د. هاني الحروب


إنها لسعادةٌ غامِرةٌ أن يكونَ نصيبي تقديم كتاب توأمي زياد جيوسي، الذي أشاعَ في قلوبِنِا بَشَاشَةَ الفَجرِ السّعيد، وتعاظُمَ الحلم بشفافيةٍ فنيةٍ رشيقةٍ رائعةٍ.

وقبل الحديث عن أي شيء، لا بد من التطرقِ لهذا الزياد؛ هذا التوأم اللدود العامرُ دوماً بالمعاني والحكايا اللذيذة، والحلم الذي يكبر، فزياد حقاً صاحب الفم المثقل دوماً بترانيم الإنسان كفراشات بيضاء على وجهِ الشمسِ.

من لا يعرف زياداً عن قرب حتماً ستنقصه الصورة وجماليتها المكتملة، فهو النبع الزلال المتدفق دوماً.. المتعدد بروافده المختلفة في مذاقها ونكهتها المتوحدة في سمة الخصوبة والجودة، فلا يسعك إلاّ التحليق معه ومعها من خلال فضاءات قزح.

وإذا صادفك الحظ وجلستَ إلى مائدتهِ، فإنك تجدُ نفسكَ أمامَ لوحةٍ مدهشةٍ تلفها هالة من الإبداعِ والقدسيةِ، فتحتار من أين وكيف تبدأ؟ فتنتظر مرغماً لترى طقوسه فتتبعها متكاملاً معه ومعها.

أيّها أل"غوغارين" الذي يجوس الفضاءات، ويعود إلينا حاملاً بيمينهِِ قوس قزح، وفي شمالهِ عجائب وأحاجٍ ونوراً يشعُّ من الوجةِ والقلب.. أراك تبحر مثل "أوذيسيه" ملك "إيثاكي" الذي ذهب للقتال في حرب الطرواديين، وأثناء عودته من الحرب أخذه البحر عنوة في إبحارٍ دام عشر سنوات، فأراك تعود مثله ومعك الجنيات السبع والحكايا اللذيذة والحكمة السديدة.

حقاً فزياد هو القادم دوماً و"إيثاكي" في خاطره، ووصولها مبتغاه ومقصده، لكن حذار أن تتعجل إطلاقاً في رحلتك، فالأفضل أن تدوم سفرتُك سنين وسنين، وأن تلقي بمرساتك في الجزيرة بعد أن تصير كهلاً، وبعد أن تغدو بفضل ما ربحته ثرياً، فليسَ لكَ أن تتوقع أن تمنحكَ "إيثاكي" الثراء.. لقد منحتك "إيثاكي" رحلة رائعة جميلة، فلولاها ما عرفتَ السفر، ولا شددت الرحال، وليس بوسع "إيثاكي" أن تمنحك أكثر من هذا، وكما يقول الشاعر اليوناني "كوستس بيتروس كفافيس":

فإذا ما وجدت "إيثاكي" فقيرة، فاعلم أنها لم تخدعك ولم تخسرْ منك

وما دُمتَ قد غَدوتَ على هذا القدرِ من الحكمةِ

وما دُمتَ قد نلت كل هذا القدر من الخبرةِ

فلا ريبَ أنكَ قد فهمتَ فعلاً ماذا يعني المكان المسمى "إيثاكي".

فيا صديقي.. المدينة التي تهرب منها أو تهرب منك سوف تبقى تلاحقك، وفي الطرقات ذاتها سوف تهيم على وَجهكَ، وفي أحيائها سوف تدركك الشيخوخة، ويكلل المشيبُ هامتُكَ، سوف تصلُ دوماً إلى المدينةِ نفسها التي تسكنكَ وتسكنها.

أما الفَنُّ يا صديقي فهو القادرُ على تجسيدِ الكمالِ في أبدعِ صورةٍ، والقادر على جعلِ حياتنا تبدو- بغير أن نحسَّ- أقربَ إلى الكمالِ، والفنُّ هوَ الذي يجمعُ شَملَ شَتات مشاعرنِا ويُلملمُ ما تبعثرَ من أيامِ حياتنا، أما الشعرُ فهوَ روحُ وشفافيةُ هذا الكمالِ المتجسدِ، وهو، أيضاً، تعبيرُ الفيلسوفِ اليونانيّ أرسطو "بأنه الأهمُّ والأكثرُ فلسفةً من التاريخِ".

وزياد، بدخوله فضاءات المعابد السبعة، يُجسِّد لنا هذا الحسَّ، ويشكل جسراً عميقَ المدى للاتصالِ والتواصل بين هذه الألوان بعضها ببعض، وبيننا وبينها، ليشكل لوحةً غايةً في الإبهارِ والإبداعِ التي قلَّ نظيرها.

ويجلب زياد في نظراته التي تجوس في زوايا تلك المعابد كل الخير وأشياء حميمة، تُسقينا الصمتَ خمراً مُعتقاً، وتُشعلُ الأملَ فينا عُشباً أخضرَ، فتهللُ من حولنا أطيافُ الحبَّ وظلالِه، ولا يسعني هنا إلاّ أن أستذكر بعض أبيات لشاعرتنا فدوى طوقان التي تقول:

أعطنا حُباً، فبالحب كُنوزُ الخيرِ فينا

تتفجر

وأغانينا ستخضرُّ على الحبّ وتُزهرُ

أعطنا حُباً فنبني العالم المنهار فينا

من جديد

ونعيد

فرحةَ الخصب لِدنيانا الجديدة.

إنَّ قوى الشر، مهما كان لونها وكنيتها، تقف دائماً ضد الإنسان وتعملُ على تحطيمهِ، حيث القواعد التي يصعبُ كسرها، والتقاليد الخالية من العقل، والتي تضع الأشياء وجماليتها في القمقم، فنكون توقاً مستمراً إلى الانطلاق خَارج مناخ الزماّن والمكان، والزمان هو زمان القهر والكبت والذوبان في اللاشيئية، والمكان هو الحصار والتنكيل، فكانت حياتنا سلسلة من المخاطر والتحديات، وكان زياد جرأة نادرة في الفكرة وأصالة في التعبير والتحليلِ، ولم يمتنعْ يوماً من اقتحام الخطوط الحمراء وإيعازات القسر والانضباط من أجل الصدق والوفاء لقدسية الإنسان.

كم كان مبدعاً وهو يتخطى أصناف الكلمات كلها بسعة العقل وقوة المشيئة، مقتنصاً جمالية كل ما يواجهه بإرادة مثابرة وحلم جارفٍ وعملٍ دؤوب ما يكفي للتخطي والعبور، والاحتكاك لتفجير الحروف بعين ثاقبة، وقدرة غريزية تجيد اختراق الأشياء وتحليلها والوصول إلى مكنوناتها الحقيقية، وإسقاط كافة رموزها لدرجة تعريتها ما يثير الغضب عند صاحبها والفرحة عند مبدعها، لأنه تم الوصول إليها، وأمسكَ بتلابيبها لتكون ملكية الجميع وليس خصوصيته فقط.

إن لغة زياد وحِدَّةَ رؤيته صادرة من الأحشاءِ ممزوجةٌ بالعنايةِ والحُلمِ الجامحِ والوعي والزمنِ وقوةِ التأثيرِ المُعتمدِ على جَدَلِ مجموعةٍ من الخصائص والرؤى الكيفيةِ الواضحةِ التي تفعلُ بواقعها وتعمق معاني الصّراعِ والّتحدي، حيث تَتَكَثّفُ وتَحتَشدُ مُجتمعة في بُؤرةٍ واحدةٍ مُزدحمةٍ، لتجسيد نزعةِ الانطلاقِ والتَّحررِ من أجلِ حريةٍ أكبر، فكنت يا صديقي النسمةَ والصوتَ الحنونَ الذي يَستَحضرُ الأملَ وقت الظلمات، ويبقى متشائلاً رغم كل المحبطات، ويكتبُ أشياءه بريشة الرسام ولغة الأديب المجرسة برهافة الشاعر والمشنشلة بصوت العندليب وتعابير الممثل في عين المرآة وبؤرة العدسة، فأنتَ القادمُ بالحلمِ والأملِ من جبالِ الريحِ إلى نوّ العاصفةِ تُعمدها بعطائك الدائم والوجع النازف.

إن الأشياءَ البسيطةَ هي التي تصنعُ الدهشةَََ، وكذلك البساطةَ والصفاءَ المتعايشان مع الألمِ والتحدي، نستطيع أن نُحسَّ ذلك ونَتَلمّسَهُ ونُنعِمَ النظَرَ فيه، حينَ نقرأ فضاءات زياد القزحية ذات الأطياف السبعة، والتي أوردها بأبواب خمسة لمعابد سبعة: سينما، شعر، أدب، مسرح، فنون (رسم , نحت ، غناء).

لا أريد أن أخوض في تحليل تلك الفضاءات المذهلة والممتعة حتى أترك للقارئ خيال إبحاره وبدون حصره وفق جماليات محددة، والشيء الوحيد الذي لا بد من قوله هو إن هذه الأبواب اجتمعت معابدها على عزف الهم الوطني والبعد الإنساني بسماته المحلية والإقليمية والعالمية.

وعليه، نستطيعُ أن نشمَّ رائحةَ المكانِ والزمانِ والأشياءِ ونثرياتها النفّاذةِ والحارّةِ، بل إننا في أحيان كثيرةٍ نوَدُّ لو نُربّتُ فوق ظهرِ الكلماتِ، عَلّنا َنتَحسَّس مَلمسَها الغَضّ، وإيقاعَها السهلِ، ففهمُ زياد العميقُ لواقعِ الحالِ قرينُ فهم كليّ للظاهرتين الحضاريةِ والإبداعية، ما ينطوي ذلكَ على وعيٍ حادّ بجدليةِ العلاقةِ بين الظاهرتين للفعلِ في زحزحةِ الواقعِ والنفاذِ في الأشياءِ واضطرامِ الأحداثِ أو نصوصها، لإبرازها في صورةٍ لافتةٍ، على قاعدةِ ذلكَ طرح زياد كلّ أسئلةِ الوجود الجوهرية من حبّ وعدلٍ وحريةٍ ورثاءٍ وخيرٍ وشرٍ وجمال.. استطاع معالجتها من خلال فضاءاته الملونة بريشة الأدب وصوت الشعر المنحوت والمُغَنى بتعبيرات الممثل أمام عدسة التصوير والتكوين، حيثُ الزمانُ والمكانُ تتبلورُ فاعليتُهما في علاقةِ كليهما بالآخر، فَنَدخُلُ في مزيج من وقائع التاريخ ونوازحِ الروحِ في بوحٍ حميمٍ لدواخلِ النفسِ، عندها يذوبُ الحسيّ في المجّردِ، ويختلطُ الشخصيُّ الحميمُ بالعامِ الشائعِ، وَكَأنّهُ الخيطُ الرفيعُ الذي يربطُ بينَ فضاءاتِ تلك الفنون التي يُبحرُ فيها زياد وعمقِ الرُّوح، لإيقاظِ الحرية والنورِ المتجسدةِ في جَسَدِ تلك الفنون لتشكيلِ حالةٍ من الصيّرورةِ الثقافيةِ والفنيةِ، تتقاطعُ فيها وتمتزجُ أنماطٌ شتّى من الوجودِ والمعرفةِ.

هذا زياد الأديبُ والناقدُ والإنسانُ الأصيلُ والسنديانة الشامخة في حياتنا الثقافيةِ والاجتماعيةِ، ظاهرةٌ فريدةٌ وتجربةٌ رائدةٌ على صعيدِ الحياةِ والإبداعِ، حيثُ يُلمسُ فيها عطشٌ مقدسٌ إلى كلّ ما هو رفيعٌ وعميقٌ وإنسانيٌ من عطاءاتِ الفنّ والفلسفةِ والأدبِ، وإيمانٌ راسخٌ بالأخوّةِ والعدالةِ الحقيقيةِ بينَ البشر.

إنَ قدرةَ الحسّ المرهفِ على اجتيازِ واختراق القيودِ والعقباتِ العاتيةِ بعد تفاعُلٍ حارٍّ وذكيّ في محطاتٍ شعوريةٍ من قِبلِ أديبٍ وناقدٍ خصب العواطفِ والتفكيرِ والعطاءِ والتعبيرِ، والتي تَرَكَتْ نَغَماتَ مشاعِره على طبيعتها رقة وصدقاً حاراً، مؤكدةً على انتصار إرادة زياد، فَرغمَ معاناتهِ الجمّةِ، إلا أنهُ بقَيَ ماضياً دوماً في ثقةٍ رائعةٍ نحو أهدافهِ الواضحةِ.

فيا صاحبي.. ما زالت عجينة الواجب والعمل التي جبلتنا، تسكنُ زفراتنا، وتشعلُ فينا شرارة المثابرة والتمرد، فنمطر دوماً داخل الدائرة وخصب الذاكرة، وترسم صباحنا بأجمل صوره وأبهى طلاّته كغيم يُمطرنا عشقاً يُكَحّلُ العيون على طولِ المدى، وأملاً ووعداً يُبشرنا بجمالية وجودة فضاءات قزح.

وأخيراً يا توأمي لا يسعني إلا أن أهنّئ نفسي بك.. بسيّد الحُلمِ الجامحِ واشتعالِ الحُبَّ.



(رام الله)



الأربعاء، فبراير 03، 2010

لأنكِ أنتِ سأحاولكِ مرةً أخرى



زياد جيوسي


2 من 2*


أمسك يدكِ، نسير في شارع الساحل، فهنا في طولكرم تهب نسمات الغرب عن قرب، تحمل نسائم الساحل وعَبقَ البحر، فيشدني الحنين إلى عمق الوطن أكثر، أضمك، فتهمس روحك من البعيد: (كيف أكون سيدة النِّسَاءِ؟) إن لم (يعرشُ الحبُّ على جدران القلبِ) كما الوطن، فأهمسُ: أنتِ الحب الذي أرسمه بالكلمات، فمن حبكِ (كان الحبرُ أبقى.. وكان الحُلم أنقى)، وأنا أصرخُ من نارِ الشوق، من بعد الفراق والمسافة: أيها الحب (كُن لي المطرَ لا المِظلَّة)، فأحلق في أفقِ عينيكِ حيث فضاءات الوطن (لكيْ أكُتبَ عنْ.. حالاتِهِ العشْقيَّة).

أستعيد تسللي إلى عمق الوطن، فمن عكا (حين فاضتِ البساتينُ بالفراشاتِ؛ أخذني الحَنينُ إلى مَملكةِ الْحُلمِ)، إلى سِخنينَ لنحتسي القهوة العربية، أنت وأنا، فأنت الحورية التي منحتني الحب (فاصطفيتها دُون النَّساء)، فما أن أطللنا على سخنين حتى همست: كنتُ دوماًً (العاشقةَ التي أدمنت استحضار طيفكَ حبراً على ورق)، فليس إلاكَ من (كنتَ لها الجَمْرَ في ليالي البرد)، وتشير إليكِ وتقول: لها (في الربيعِ كنتَ لزنابقها العَبَق)، فتبتسمين وتضميني لصدرك، تهمسين: أنت وحدك من (كنتَ للحكايةِ رهامَهَا، وللبنفسجةِ اخْضرارَ أحِلامها). ونجول ضفاف طبريا فنصرخ معاً: يا وطننا سنخرج يوماً (من مقابرِ النكباتِ إلى ذاكرةٍ لا تنخرُ أبجديتها أعراضُ فراق).

أجول الشوارع الكرّمية، أسير في شارع شويكة حتى النهاية، فأجد مسبحاً، فأنظر إلى الجدار الذي حجبه عن البحرِ، وأهتف: آآآه يا وطن، فيصرخ: لا تقل آه، فقد عانيت الكثير منذ بدايات التاريخ، منذ جدك الكنعاني الأول، (وفي كُلَّ مرَّةٍ كنت كالعنقاءِ من بين رُكامِ الرمادِ أقوم)، ولن أبقى أبداً (كقاربٍ دونما شِراع)، فأهمس لكِ: إلى متى القهر، إلى متى البعد؟ فتضعي أصبعك على شفاهي، تطلبين مني الصمت، تهمسين: (لي قلبُ عُصفورةٍ.. لو رَقَّ تذُب منْ عذوبته الصُّخُورُ، بل.. تسْكَر.)، فأهتف لك: (حبيبتي.. أيَّتُها الأُنثى الـ.. كُلمَا ازددتُ معرفةً بكِ)، كلما تدفق الحنين بداخلي، فتشدني الطريق في أنحاء المدينة وطرقاتها الخارجية.

أسير في طريق الكفريات، أهمس للبلدات المتناثرة على التلال: كم أحبكِ (يا سليلةَ النَّعنَاعِ والبرتقالِ واللَّيمونِ والزَّعْتر البَرَّيَّ والزَّيتُونِ)، أمر ببلدة فرعون على يميني فأنقش على قلبها (يا حبيبة.. من الآنَ نُحبُّكِ وإلى أن تسقُطَ أسوارُ الحِصارِ)، أواصل المسير مارّاً بخربة جِبارة المحاصرة بالبوابةِ والجدار وجند الاحتلال، فأهمس لها: (أيتها السُّنُونُوَّة) أنت من (عنْدَ طُلُوعِ الفجرِ تُبَكرُ الطيورُ، تطوفُ سَبْعَ مراتٍ حولكِ)، وأصل إلى بلدة الراس، فأدخلها حتى أصل القمة، أقول لها: أيتها الجميلة، كلما صعدت مرتفعك وقمتك (ازددتُ معرفةً بأسرارِ الغيومِ..)، أصل إلى كفر صور حيث (تنحني السَّنابلُ الآيلةُ للشَّوقِ لطائر الرُّوحِ)، ومن هناك أنحرف بطريقي حتى أقف قبالة كفر زيباد التي بطبعها (أن تتعارفَ مع الغريبِ القادمِ من فردوسِ الأساطيرِ، فتتآلفَ ويكونُ نوُرٌ وتستَعرَ نارٌ)، وأعود لأمرَ من وسط كفر جمَّال، فأشعر أنه قد (خُيلَ إليَّ، وأنا أفتحُ نافذةَ غُربتي أن الشمس وحيدةٌ)، فأطِلَ على جيوس بلدتي فأصرخ: (كياناً كُنتُ.. كِياناً سأبقى.. ويبقى الأُفق لجناحيَّ عُنوَان)، ومن غربها أنظر إلى فلامية التي طالما حدثني أبي عنها وهم يحاولون الآن خنقها (لكنها باقيةٌ.. خريطة الدرب الطويل، ريثما.. نتَعلمُ ونُعَلَّمُ حكمة العشاق المجانين).

نعود إلى المدينة الكرميّةِ يدي بيدك، تعاتبيني: (وعدتني بالرعدِ، وقبلَ البرقِ.. رحلتَ)، فأبتسم: أنتِ لم تعرفي أن حريتي وئدت سنوات، فيا طيفي الأجمل كنتُ (أبحثُ عنكَ.. تبحثُ عنَّي، كخطينِ متوازيينِ لا أحدَ يودُّ أن ينكسرَ)، ومع هذا هل كان (سيكونُ أن يخبُو بَخُورُ الحُلُمِ قليلاً)؟ بالتأكيد لا، فحبك لم يفارقني لحظة، وكنت أبحث عنكِ وخصوصًا حين (يأتي الربيعُ بكاملِ رونقِهِ؛ أُقحوانةٌ هنا، قرنفلةٌ هناكَ)، فالورد مرتبط بكِ منذ قدمت لك باقة الياسمين، حتى التقيتك بعد سنوات الغياب القسري، فجلسنا لنحاول أن ننسى (ما خلفهُ الخريفُ من مُوَاتٍ هُنا.. مُوَاتٍ هُناكَ)، فقد كانت رحلتي طويلة (للبحثِ عن أُنثى ليست من ورق)، وحين التقيتكِ (مضيتُ باتجاهِ الحدائقِ والحقولِ، ألتقط سنابلَ الفرحِ).

نجول أطراف المدينة من جديد، نمر بذنابةِ التي التصقت بالمدينةِ فتهمس لنا: (لمْ أَعُد أَعرِفُني؛ أأنا قطرةُ مطرٍ تلقَّفها نهرٌ لتجري حثيثاً نحوَ البحرِ، أم أنا.. البحرُ؟)، وتنادينا إرتاح الجميلة: هنا ارتاح يعقوب وبناته، فتعالَ ولا تبتعد (ستعيدكَ إليَّ الحكايةُ كي نحملَ الحُلمَ ونمضي).

أعود إلى رام الله، أمرّ بالطريق على عنبتا التي (تعرفُ.. كيف تَغري جُوعكَ إلى قمحِ الحنانِ)، وأنظر إلى بلعا التي وحدها تعرف (كيف تنقلكَ إلى أبعدَ أبعدَ الشطآنِ)، لأغادر طولكرم وأبتعد (عن قلبٍ أعلنَ أنَّه- وطنٌ-)، فتعالي يا غاليتي من بعادكِ، فأنا بحاجة إليك كعهدي، فأنا (لو كنتُ شجرةً لتعلمتُ كيفَ أجتازُ كلَّ خريفٍ)، ومعك فقط سأمتلك (فتنةُ الجبالِ في شموخِها)، فأنا الذي (كُلُّ الدروبِ رفضتني، فمضيت خلفَ الأفقِ)، وفي وطني فقط (أنسُجُ سيرةَ تفرُّدي من ريشِ الكرامةِ لا الهوانِ)، فأكتب لك وللوطن، فقد كانت وستبقى (الكتابةُ؛ فعلُ بقاءٍ.)، وعندها فقط (سيكون للروحِ التي مع أشباهِ الظلالِ؛ تنافرت.. فاختلفتْ) مكاناً.



* كلّ ما هو بين أقواس هو للشّاعرة ريتا عودة، من مجموعتها الشّعريّة "سأحاولكِ مرةً أخرى"، 2008م.

* الحلقة الأولى نشرت بعنوان: من وحي (سأحاولك مرة أخرى)

الأربعاء، يناير 20، 2010

القدسُ وحبيبتي و(مِحبَرَةٌ تنتَحِب)* 1



زياد جيوسي


ما زالت القدس محرمة علينا نحن أبناءها، نحن الحالمون بالحرية للقدس والوطن، فلا أمتلك إلا أن أطل عليها من التلال المطلة من بعيد، أرافق روحك معي، روحكِ التي لا تفارقني كما الوطن، أنظر من البعيد، الحزن يسدل نفسه على روحي (مثل ليل.. يطوي عباءته، ليسدل النهار)، فأهمس في أذنكِ (كلمات في رذاذ المطر)، لكنها كما أرواحنا، أنتِ.. أنا (تحلم بليل لا يعرف الانكسار)، فأنا في رحلةِ العشق والوطن (مثل ليل.. أدمن الصمت، وما.. مل الانتظار..)، وما زلت أنتظر الموج لأهمس لكِ (هاهو الموج!.. يثمل من عيون الحلم، ودموع النهار).

أيا قدس.. أناديها كما أناديكِ، فقد طال الغياب بيننا، أنتِ في ظلِ البعادِ، والقدس في ظل الأسر، لكنني أحلم باللقاء، فأنا لست من (راح يهذي، في لحظة الفراق)، وسألتقيك من جديد، كما سألتقي القدس أنا الذي سوف يأتي (حاملاً كفيه وسط جسر مترنح)، لكني أبداً لن أكون أنا من يأتي (قابضاً أوراقه، جواز سفر، تأشيرة عبور، وجسداً فارغاً إلا من الضياع.. )، فأنا الذي أقسمت أن أعود (محملاً بهاجس اللقاء..)، كي نبسم أنتِ وأنا و(نكتب أبجدية الأبد..).

أقف على تلك التلال التي تطل على القدسِ من البعيد، فقد (عادَ التتارُ بمنجنيقاتٍ)، أنظر الأقصى وهو (يحاصره الجدار) وحراب الجند، فأشعر أن جسدي تشظى (وذاب بين حجرٍ وطينٍ)؛ لكني ما زلت أؤمن أنه (سيولد نهارٌ جديدٌ على مرايا جسدها الصوفي)، رغم الاحتلال الذي أتى (على طاولة مشروخةٍ.. رمى ثوب الحضارة) و(راح يبتكر الغواية) واخترع أسطورة أرض الميعاد، فهو يعلم أن الأرض مقدسة و(لا بد من ثَمالةٍ خرافيةٍ تراوده خلف المكان)، فلا يريدها (تُخْرُج كل صباحٍ من جعبتها حزناً)، ولا يريد أن يراها (تقطف أغصان النهرِ)، ويريدها فقط أن تتغير (وتدورُ كما الرأس في الخمرِ)، كي (يغرقُ البنفسجُ بحلكته بينما الماء ينسربُ من شرفة الغياب)، فهو احتلال (خلفَ صدرهِ يخفي ما تبقى من نهار).

ما زلتِ الحب الذي يرافقني رغم أن (سنوات تعبر والليل يطوفُ الذاكرة)، فلا يمكنني إلا أن أحلم بك من البعيد و(أطوي غربتي في رائحةِ الجرح)، ولا أرى في هذا اليوم الذي يعني لي الكثير إلا (الصباح.. تتناهبه الأشباح)، وأرى أنه (لا يزال الباب موصداً والنوافذُ تُحركُ غبارها بالسكونِ)، وأراك المرأة التي (تقف خلفَ البابِ أو تتهشم أظافرها من الطرْق)، وأشعر بك الأنثى التي تكاد تتفجر من براكين مكتومة في داخلها، لا تقدر على المقاومة (وفي المساءِ تلفظُ أنفاسها)؛ فأغمض عينيّ وأناديكِ (فيباغتُني الحُلم) و(نجوب معاً شوارع المطر).

أيا قدس التي (تحتضن الأنثى وجهك)، أما زالت (الشوارع مكتظة بالمارة)، رغم السنوات التي تجري (والذاكرةُ على السبورةِ)، أغمضُ العينين وأتذكر باب الزاهرة الذي كنت أعبره طفلاً فأتخيل الآن ما (يعانيه الأصدقاءُ كل ليلٍ)، قلق وألم و(ربما موتٌ بطيءٌ)، فتلتف روحي حول البوابات المغلقة في وجهي (والرأسُ مثقلة بأنينِ السنين)، وأرى أنني من يحمل (بين كفَّي نعشاً لجمجُمةٍ وجسدٍ)، فتصر روحي أن تجول باب العامود وباب الأسباط وباب المغاربة وباب النبي داود وباب الخليل والباب الجديد، وأقف (أنتظر صباحاً آخر)، فربما يأتي الفجر ويضمني، فأضم يدكِ ليدي وأركض (لأعانقَ الهواءَ والمارةَ والنافذة)، ونسير معاً في سوق خان باب الزيت، ومنه نجول الأحياء المقدسية لعلي أتمكن من أن أعيد النقاء للبلور الثلجي الأبيض، بعد أن لوثته بقع زرقاء وسوداء، ومعك حبيبتي سأرى أن القدس (لها رائحة الأرضِ في الطين، ووجه ممزوجٌ بشمالِ الأرضِ وجنوبِ البحر).

تعالي لنحلق رغم الجندِ ورغم الأسلاك الشائكة في فضاء القدس، فأنا من (يشدني الدفءُ إلى أحضانِ طيفك) كي (أغفو بسلام)، فنصلي في الأقصى ونشعل الشموع في القيامة، وفي المسجد العمري نترحم على عُمر، فلا أحد حافظ على عهدته، ونحلم بغضبٍ ساطع آت (فيضج الحُلمُ بطفلٍ يعانق الشجر، يحتضن الأغصانَ)، فأمسك يدك لنسير في طريق الآلام كأننا (جسدٌ يترنحُ في ذاكرة المطر)، ونجتاز عقبة التقية وعقبة الخالدية، ونجول حارات السعدية والنصارى وباب حطة، وحي المغاربة الذي هدموه على رؤوس صحبه، ليقيموا لأنفسهم هياكل (على أكتاف نساءٍ نَسينَ أنوثتهُنّ)، وهم يعلمون أنه سيأتي اليوم الذي نصرخ فيه: (لنا البحرُ في زرقته ولكم السفنُ حين تشتعلُ الشواطئ).

كوني معي فهذا اليوم لي، عودي كما كنتِ (طفلة تلهو مع الرملِ، فتَكسَّر زَبَدُ البحر)، ودعيها (تتغلغلُ الأصابعُ _ الطفلةُ إلى نبضِ الحُلمِ _ البحر)، فما زالت على شفتيكِ (تنكسرُ الأحرفُ مبللة بالأرجوان)، وما زلت أرى في (وجهكِ بنفسجاً يتيه في حقولِ البيلسان)، ولا أحلم مثلهم بسلامٍ لا يأتي، فما زال هناك (ثمة من يلهثُ في الصحراءِ وراء الغبار)، ولا يريد أن يعلم أن الاحتلال كان دوماً (سارقَ الأحلام)، ولا يرى أن (العتمة تخنقُ الليلَ في مهدهِ)؛ فتعالي.. (لعلي أستحمُّ، أنامُ وأغرقُ في ثُمالةِ الأنثى التي تتقاذفها أمواجُك).

* كلّ ما هو بين أقواس للشّاعر عبد الوهاب العريض، من مجموعته الشّعريّة "مِحبرةٌ تَنتَحِب"، الصادر عن دار فراديس للنشر والتوزيع- البحرين- 2009م.

الأربعاء، يناير 13، 2010

بوح الروح 1

زياد جيّوسي
1-4

ليس من السّهل الغوص في ما تجود به روح فايز محمود؛ إذ أنّه إنسان صاحب فكر كبير وأفكار فلسفيّة ثريّة. وقد كان لي الشرف أن أعرف فايز الفيلسوف قبل ما يزيد عن ثلاثين عامًا من خلال كتابه: "الحقيقة بحث في الوجود"، هذا الكتاب الّذي اطّلعت عليه في بداية شبابي وأنا لم أبلغ العشرين من العمر، ترك في روحي أثرًا كبيرًا. وحين التقيت فايز بعدها بسنوات في ظروف غاية في الصّعوبة لي وله، وبمجرّد أن عَرّف بنفسه حتّى كنت أقول له: أأنت صاحب "الحقيقة بحث في الوجود"؟ فلمّا أجابني بالإيجاب احتضنته بشوق وتحدثت معه مطوّلاً في أفكار كتابه، فيما فهمته وفيما استعصى على فهمي، ومنذ تلك اللحظة ربطتني بفايز علاقة صداقة متينة، ورغم غياب السّنوات الطّويلة والّتي لم تجمعنا، كان لقاؤنا يحمل عبق صداقة التّاريخ وروح الإنسانيّة.

وكوني أعرف فايز الإنسان، فايز الفيلسوف، فايز الأديب، أقول: ليس من السّهل الغوص في تلافيف ذاكرته وفي معرفة مكنونات ما تجود به نفسه بسهولة، فالأدب كما الفلسفة لدى فايز يحمل فكرًا ورسالة، يحمل روحًا محلّقة بقوّة، روحًا متسامية تدلّ على تكوين فايز النّفسيّ؛ هو إنسان بسيط الرّوح والمظهر والسّلوك، لكنّ أفكاره الّتي تبدو للوهلة الأولى كبحر هادئ، سرعان وبمجرد الغوص فيها ما تهبّ رياحًا وتثور أمواجًا، فيغرق من لم يكن يجيد العوم، وينجو من أجاده ولكن بصعوبة بالغة.

وفي هذا الجزء من مجموعته الكاملة والمختصّ بأعماله الأدبيّة، ورغم اطّلاعي سابقًا عليها، إلاّ أنّي وجدت نفسي أقف بدهشة الإنسان البدائيّ حين اكتشف النّار أوّل مرّة. ففي الجزء الأوّل منها- تناول مشكلة الحب، ولكنّه أعطانا نتيجة مسبّقة من اللحظة الأولى حين يقول: مشكلة الحبّ.. العناء الإنسانيّ بدون جدوى، فهو يضعنا أمام مواجهة كبيرة، فالحب يستحيل إلى مشكلة، والعناء الإنسانيّ يكون دون جدوى، ممّا يدفع القارئ الذي صُدم من العنوان صدمة تدفعه للغوص والبحث في ثنايا مشكلة الحب، ليجد فايز قد بدأ بأغنية ناعمة تتحدّث عن الحبّ والخوف من الفراق، لينتقل بنا مباشرة إلى مدخل يبحث في طبيعة العلاقة المعقّدة بين الرجل والمرأة، من خلال الاستشهاد بالكتب المقدّسة ثمّ الفلاسفة والأدباء والشّعراء، لينتقل بنا إلى الغوص في بحر متلاطم بالحبّ، الّذي بدون جدوى بأفق فلسفيّ وصيغة أدبيّة تبحث في هذه العلاقة المعقّدة من المشاعر الإنسانيّة، علاقة يبحث عنها ويدقّق فيها ويحلّلها من خلال ما أورده العشرات من الكُتّاب والشّعراء والفلاسفة في آثارهم وكتاباتهم الّتي عبرت عمّا جال في أرواحهم عن مشكلة الحبّ، عن هذه اللعبة الإنسانيّة الكونيّة، عن هذه المشاعر بين الحرّيّة والحتميّة، عن السّعادة بين الفكر والحبّ. ويبحث في دور الفنّ في اللعبة، حتّى يصل إلى تكافؤ النّدّين ووحدة المصير، "ههنا الحبّ.. كروعة الفنّ تمامًا.. يوحد الإنسان بذاته وبجنسه من خلال الحبيب"، لينتهي بمقولة جوركي: الحبّ والجوع يحكمان العالم. وفي النّهاية لا يعطينا النتيجة لبحثه بوضوح، بل يدفعنا بقوة لأن نعود لنقطة البدء والغوص في دواخلنا وتجاربنا، وأن نضع كلّ قضايا الحبّ بكافّة أشكاله الّتي عرفناها، تحت البحث والتّمحيص والتّفكير. ففايز بفلسفته يطرح المشكلة ويناقشها، لكنّه يترك في أذهاننا ألف سؤال يحتاج منّا أن نبحث على أمل أن نصل إلى نتيجة..

وفي كتابه: "تيسير السّبول.. العربيّ الغريب"، تبرز روح فايز محمود الإنسان بوضوح منذ اللحظة الأولى، فهو يخاطب المرحوم تيسير بقوله: "إنّ من يعش هكذا حياة، ويموت هكذا موتًا، سيعذر لمن يظلّ عائشًا كلّ ما يفعله"، ومن ثمّ يبدأ بسلسلة من الدّراسات والمقالات الّتي تتناول تيسير سبول بكافّة مناحي حياته، ويستخدم فايز كالعادة أسلوبه الفلسفيّ بروح أدبيّة، وسعيه الدّائم للبحث عن الحقيقة، هذه الحقيقة الّتي تعني دومًا لدى فايز محمود البحث عن الوجود، فيبحث عن الحقيقة في كافّة مناحي شعر وحياة تيسير سبول، ويصل إلى أنّ وفاة تيسير السّبول بالطّريقة المفجعة الّتي حصلت، بقوله: "ما كان لهذا التّلاحم أن يستديم، بين الشّاعر والعالم، في دنيا حافلة بكلّ ضروب الوحشيّة.. تلك كانت أغنية أسيانه طوتها الثّواني، وما عتم الطّوفان أن قذفه بعيدًا".

ويستمرّ فايز محمود بمسيرته الأدبيّة، فنراه في "ثلاثة نقوش محجوبة" كما النّور يخترق الرّوح. ففايز هنا ينقش الرّوح عبر الحرف والنّصّ، فيجعلنا نعيش معه فلسفة أخرى لم نعتدها، فيبدأ نصّه بالسّؤال: "ما هي نقطة الانكسار المحوريّة في طبيعتنا البشريّة؟". فيبحث في الصّداقة والحبّ من خلال مخاطبة الآخر الأنثى بهمسات رقيقة وفلسفيّة بأسلوب أدبيّ عالي المستوى والرّقة، يجعلنا نشعر بأنّنا نخوض عباب بحر هادئ وجميل، لكنّه يحمل تحت الهدوء عاصفة الرّوح وعاصفة القلب.

في "صدى المنى" يواصل فايز محمود بحثه الدّائم عن الحقيقة وعن الجمال، فيخوض في مفاهيم إنسانيّة ويمازجها بهمس الرّوح عن المدينة الّتي ارتبط اسمه بها وشهدت نشأته. فيكون للمكان كما الإنسان وجود كبير في روح فايز، فهو يبحث في العديد من المشاعر الإنسانيّة كالصّداقة وارتباطها بالصّدق، فيخلص إلى خلاصة تقول: "سيبدأ تحوّل الإنسانيّة الجديدة، وبوعي غير زائف، لتحديد مصيرها المستقبليّ، حين يتنامى الصّدق وتزدهر الصداقة في عالمنا البشري الواسع أفرادًا وأممًا". ونجد فايز محمود ومن خلال بحثه في مفهوم الصّداقة ومنحها البعد الإنسانيّ الواسع، يدعنا نضع أسس عالم أجمل، عالم أشبه ما يكون بالمدينة الفاضلة، وقد يعتبر الكثيرون هذه الأفكار محض تحليق في الخيال، ولكن من يغوص فيما أفرزت روح فايز محمود من إبداعات، يكتشف أنّه يعبّر عن أفكار وروح إنسانيّة، لا بدّ في يوم ما أن تتحقّق، تحويل الحلم إلى واقع، فليس من واقع يصبح واقعًا بدون أن يسبقه الحلم، فهو يؤمن إيمانًا مطلقًا "أنّ الحلم لا يتلاشى في ضوضاء الدّنيا"، وأنّ الطّريق للإنسان تكون "انفتاحًا دائماً لتقبّل الحقيقة، وروحًا متجدّدة للصّداقة"، ويبحث في المشاعر المختلفة والإنسان وما يحياه ويواجهه حتّى الموت، وهو في فلسفته لا يخشى الموت ويخاطبه بقوله: "أيّها الموت المستتر في قلب الوجود، أسمع نبضك في روحي". ولا يترك منحى دون مناقشته بروحه الفلسفيّة وأسلوبه الأدبيّ الشّاعريّ، فهو يبحث على سبيل المثال: شهوة الحياة، وجع الرّؤيا، العطاء، الضّوء عبر الإنسان، الطّفولة.. والكثير من مناحي المشاعر والحياة، فيخوض فيها ويكتشف أسرارها والجمال.

الأربعاء، يناير 06، 2010

من وحي: سأحاولكِ مرةً أخرى



زياد جيوسي

أهرب من صومعتي، أجلس في مقهى رام الله في وقت مبكر غير معتاد للرواد، (على مهل أرتشف الشاي الباردَ بالنعناع الأخضر)، أقرأ في ديوان شِعر لريتا عودة فيشدني، يحلق بي، يثير الحنين، فأشعر بكِ تأتين من البعيد، تجالسيني، تهمسين بأذني: أيا كاتب أطيافي، قلب يخفق أضمه بين أضلاعي، يقول لك: أحبك.. فأهمس لـ (السنونوة المجبولة من طين الحنين.. المنسوج حلمها من طين الحب)، أحبك أكثر، وأخرج من مكاني (على مهل؛ أراقب الطيور في الأفق..)، وأشعر أن حبك يشدني، يعيدني إلى قصة عشقنا التي بدأت من قبل ألف سنة مضت، وأشعر بروحك معي وأنه (في الوقت متسعٌ لانفجار ومضة شعرية)، فأقرر المغادرة يا طيفي إلى طولكرم كي (أبحث عنكَ، كما تبحث عن إبرة في كوم قشّ)، فأنا منذ أن عشقتكَ أسطورةَ أنثى، أرضاً مفعمة بالزيتون (أتوق إليكَ، كما تتوق السنةُ إلى اكتمالها)، ومنذ أن التقيتك (مع أولى نسائم العشقِ؛ يجهش وجهي بالاخضرار)، فأجالس طيفك مع النسمات الكرمية الناعمة بعد فيضان الأمطار، أنظر للغرب السليب، فأذكر الساحل وزيارتي التي تسللت فيها إليه فأصرخ: (آه من الحبّ؛ يعريني، أصير شجرة بدون لحاء)، فتعالي لنكون معاً روحين (بأوراق النعناع يتدثران). أذكر يافا، حين وقفت وطيفك نغمس أقدامنا في شاطئ العجمي، أتذكر أحاديث جدي، وأشعر بيافا كطيفك (تطالب بحق اللجوءِ إلى قلقي)، فإذا كنت (أنا أحلم.. إذاً أنا أحيا).

أواصل المسير مع الحلم إلى حيفا (لأرتقي؛ أثبت أنظاري على القمم)، فأهمس لحيفا ولطيفكِ (من سِواكَ.. أسراب من الطيور؛ ثالوث العشق المقدس: أحِبّكِ.. أحِبّكِ.. أحِبّكِ..؟)، فيهمس الكرمل بأذني: (من سِواكَ.. أطعمني القمحَ حَبّةً حَبّةً)، ويهمس طيفك: (عُدتُ، هادنت الأنثى المستأسدةَ في نبضي، إذ استأنست لعذوبة الزئير)، فمن حبكَ والزيتون (نكثرُ، نملأ الأرض ونسودُ عليها)، فأنتَ وحدك من تبكيني وتبكيني، لكن حبك يرويني، ويهمس الكرمل من علٍ: حروفي مبعثرة، أبحث عنها، أجدها مختبئة في قلب محب وعاشق أبدي، وتهمس حيفا: (أنا أنثى.. كلما صفعتها ريحٌ، تعاود نبش ملفات التاريخِ، للبحث عن فارسٍ... فترخي له الجديلةَ.. ليصعدَ إلى شاهق القلب)، فترد عليها يافا: (أنا أنثى.. هويتي؛ قَصفةُ زيتونٍ وزعتر..)، فتهمسين لي ولهما: (أنا أنثى.. تجعلُ من رأسِها شمساً، ومن أحاسيسها بحراً، لفارسٍ يُجيد تحميص مشاعِرِها)، وتهمسين بأذني: أنت كنت دوماً (ذاكَ الغريب الذي يدركُ، كيف ومتى يُدلكُ خلايا كبريائي)، وأنت وحدك من (أجتاحهُ رعداً.. برقاً.. ومطراً بديعاً)، فأهمس لكِ: وحبك وحده من (يعود بي، به، بهذا الوله)، وحبكِ من يثير إلهام حِبري، فليس هناك مثل (الحُبّ.. يصنعُ الحبر).

هي النسمات الكرمية الدافئة الناعمة ما زالت تثير مشاعري، وأنتِ الطيف الذي (يباغتُني وجهكَ؛ بالهدايا والمرايا) يحرك في داخلي كل الحنين والشوق، فأراك رغم البعد والمسافات، (بين أغصان اللوزِ والزيتونِ والتينِ..)، فيرتفع منسوب الحب في شراييني (تتكاثر خلايا حنيني)، فأقف على أسوار عكا، أرقب البحر والأفق، أرقب النوارس، (يباغتني حُلمك؛ بتمتمات عابرة)، فأهمس لعكا ولطيفك (أنت المطر الذي يأتي، بالعصافير الصغيرة والزَّنابق)، فيهمس طيفك: أبكيتني اليوم مرتين، في الصباح حين بدأنا الرحلة وغمرتني بأزهارك وهمساتك، والآن مع بكائية الوطن، وتهمس عكا: (وأنتَ الحكاية التي لم تُروَ بعد، عن الفرح العَصيَّ إذا ما انْهَمَر)، فأرد على الهمسات: ومن غير عشقي (يغويني بالمشي على وسائد النهر)، وأرنو إلى الجليل وأهمس: (أنت اخضرار الشَّجَرْ.. فأنتَ الدَّثارُ الذي يقي من البردِ.. وأنت السفرُ إلى ضفة الأملِ)، ومن على أسوار عكا، وعلى نغمات هدير البحر، أضم طيفكِ، أنظر للوطن وأصرخ: أما أنتَ (فأنت الغمامُ الذي يرسمُ في خيال الشُّعراءِ أبْهى الصُّورْ).

يضمني طيفك الذي أحلم، يداعبني، يهمس لي: بحبك دمعي يبلل منديلي، أمسكه، أحاول مسح ألم الفراق، لعلي أفرحك بقرب اللقاء، فأنتَ لي (لا يليقُ باللَّبؤةِ إِلاَّ.. أَسَدٌ فريدٌ)، فمن غيركَ (الَّذي ينتظرني عند الأفقِ)، لذا (تراني أُحِبَّكَ) وأسأل نفسي: (أينثرُ القمْحَ على تلال النَّاصرِةِ) حبُ غير حبك؟، فحبكَ يشتد ويزيد، يغذيني ويحييني ويجملني ويحليني، أحبكَ لا تكفي، بل هي كلمة تهدّيني. فأهمس لطيفكِ: (كان حُلُمي أبسَطَ من كل احْتمِالٍ)، (لكنَّكَ تجسَّدْتَ أعنفَ من كُلَّ خيالٍ)، فحبكِ كالوطن (حاصرني من شَرْقي إلى شَوقي)، فقد كنت (أحلمُ أنَّك ستهبني منَ الحُبَّ.. كفاف فرحي..)، لكن حُبكِ كما أنتِ لا يفارقني، وأتاني (الحُبُّ كالموت.. كالمطر.. كالفكرة..، يكفر بالمواعيد المُسبقةِ والآهاتِ المؤجَّلةِ)، فتعالي أيتها الغائبة لنواصل تحليقنا بالآهات، بفضاء الوطن، حيث الحبّ، حيث نحن.


* كلّ ما هو بين أقواس هو للشّاعرة ريتا عودة، من مجموعتها الشّعريّة "سأحاولكِ مرةً أخرى"، 2008م.

الأربعاء، ديسمبر 30، 2009

قراءة في "نهيل نسمات كرمية" للأستاذ زياد جيوسي

د. حسن محمد الربابعة


عندما يستل الأستاذ زياد جيوسي قلمه للكتابة فانه يحضر قبل كتابته آلة تصوير معه وبعض أمتعته استعدادا لزيارة المكان المنوي زيارته، كما يحشد أبعاد الزمان والمكان والشخوص الذين قابلهم موظفا طاقات اللغة ليبني مشهده بحذق ومهارة مستعينا بغير عين منها عينه الباصرة وعين البصيرة يشحنها بعواطف جياشة وهم يتمثل المكان وما يبرزه له من دال ومدلول فيبعث فيه الذكرى الحلوة والمرة معا ، شانه في مقالته المنشورة على شبكات الانترنت التي اطلعت عليها في التاريخ المذكور بأعلاه،

لقد صور بآلة تصوير له ثلاث شجرات باسقات وتحتهن عبارة صباحكم أجمل التي هي من أفعال التفضيل فالزمان عنده مشوب بالنبات رمز الحياة ، ثم يبدأ مقالته بسؤال عن الحنين إن كان يمكن أن يتوقف لان في توقفه موت النبض في عروق المرء وموته عندئذ وحياته سواء ، انه التحنان إلى ارض الوطن، موطن آبائه وأجداده، انه حنينه لشمال فلسطين ونسائمها التي اصطحبها عنوان لمقالته "نسمات كرمية "حنين إلى طول كرم وما أحلى أن يوري بين طول كرم وكرم العنب الذي يزدان عليها رمز الحياة والنبض المتدفق حيوية ونماء ، ويحدد تشوقه في رحلته مساء، ليوظف فيه الأماسي حيث يرق الهواء نسمات كرميه فتزيده تحنانا وعشقا للزمان والمكان معا ،،كما يجول ب"رام الله "وشوارعها ودورها في نهاية أسبوع يحرص للتوثيق على ربط الزمان والمكان إذ لا يمكن تصور حدث ما بمعزل عن زمانه أو مكانه، وفي رام الله يسرح ناظريه محدقا بالياسمين المتعربش على الحيطان موظفا "متعربشة"على أنها عامية لها دلالات تسد عن الفصيح لأنها متداولة بين أهل رام الله ولعل بعض الكلمات العامية أفصح في الدلالة من التفصحن الذي لا يفهم أو يطنب في وصف نعوته، شان الروائيين الذين ينهجون النهج ذاته، فيعزون بعض المفردات العامية لاستخدامها الحقيقي على السنة العامة، ويعتمد الأستاذ جيوسي على الحركة في وصفه فكأنه مع المثل القائل "في الحركة بركة " فيقيل تحت شجرة اسماها "بركة". ثم يقوم متحركا ليقرأ بعض الكتب للمتعة والإمتاع يرمز إلى دور التثقيف في امة "اقرأ" وتصاقبه "ارق "وأول سورة كانت بفعل الأمر "اقرأ" وحذف المفعول به ليدل على أهمية القراءة المقرونة بالفهم من كتاب كان، فأمتنا في علمها عامة لا خاصة ، ثم يتحرك مع عدسة الكاميرا ويتجه شمالا يحدد اتجاهه بل من رام الله شمالا وهو أستاذ جغرافي من قبل يرسم حركته بوضوح يوم خميس إذ لا ينسى الزمان لأهمية كما في دائرة الحدث في نصف تشرين ، ويلصق وجهه بنافذة من نوافذ الحافلة التي تنقله من الجنوب إلى الشمال، وعلى عادته يبدأ بهمس لكل شجرة يمر عنها في مكانه المتحرك "الحافلة " كما يهمس لكل صخرة ميتة يستنطقها ويبث إليها همساته، وكلماته الهامسة تجديد محبته لوطنه فلسطين،ويرى مستوطنات اليهود بل مستخرباتهم التي تتقمم التلال ، ويرى الصهاينة خلف دشمهم الإسمنتية يراقبون بحذر لأنهم يعلمون داخليا أن أرض فلسطين لها أهل يمكن أن يدافعوا عنها في كل حين ولذا بدوا في هيئة المحاذر لا سيما وان الجدار العازل لم يمنع صواريخ حزب الله من أن تزور حيفا مرات وتنذرهم بإمكانية تدمير مفاعل حيفا فنقلوا قنابلهم الكيميائية خلال أربع وعشرين ساعة إلى الخضوري، لبيعدوها عن مدى الصواريخ الإسلامية ، ولم تمنعهم الجدر من أن يدكدكوا ما أرادوا من مواقعهم ، فبدت حالة الترصد عندهم خلف دشمهم "الإسمنتية " كأنهم مع قوله تعالى يصف حالهم "لا يقاتلونكم الا من وراء جدر باسهم بينهم شديد" لو وظفته وسائل إعلامنا لتشكَّلَ من بينهم أعداء بعض، فيقتل بعضهم بعضا ،كما هي عداوة بين يهود الشرق ويهود الغرب ،وفي هواجس الأستاذ جيوسي تلوح أمال بان تشرق الشمس وينمحق الظلم والظلام ، عندما وصل إلى طولكرم بدأ ينتشف أعباق الوطن الجميل العطري، لان روحه ندَّى وفوَّح أعطارا يحملها إليه نسيم طولكرم عند الأصيل، وتستوقفه مقابل النسائم العطرية نسائم اصطناعية من أقذار من لم يهتموا بنظافة مدينتهم من جهة وسموم يبثها مصنع كيماويات حول الجدار، جال الجيوسي في شوارع المدينة ، والتقى أهل الثقافة فيها فبادلوه احتراما باحترام في عبث التاريخ وحكايات الأجداد فارتبط الماضي عنده بالحاضر، وسار ركبه إلى خضوري وانبعث منها رموز العتاقة اسما على مسمى يوم كانت من ستينيات القرن العشرين معهدا زراعيا لتخضرَّ البلاد التي تدر لبنا وعسلا كما كان دورها لتخضير أراضي الضفة الشرقية، وهكذا كان دورها وما زالت تتطور إلى أن قامت جامعة التقى من أساتيذها رئيسها وأعضاء من هيئة التدريس وبعض الطلبة ، ذكرهم بالأسماء توثيقا لعرى الصداقة ، شان بعض رحالة العرب وأصحاب التراجم كالسخاوي والسيوطي ،وعرض كناقد جاد تقصيرا في استنبات الشجر حفاظا على اسم خضوري وتاريخها ، وأصاخ في مقابلاته إلى شكاوى وعذابات يعيشها أبناء فلسطين فنقل همومهم في هذه المقالة، واخذ على المسئولين ممن لم يصيخوا بأسماعهم إلى شكاوى الناس فخير الناس انفعهم للناس وقضى يوم الجمعة في التقاء أصدقائه من الطلبة، ورافقهم إلى أمكنة شعبية في مقهى كما رافق غيرهم في قاعات الجامعة ، وتأمل المدينة يوم السبت كأنه يودعها وعسى الا تكون نظرته الأخيرة إليها ، ثم ارتحل لنابلس المدينة الوطنية التي سميت على ذمة ياقوت الحموي نسبة إلى ناب "حية تدعى لس" وقد ذاقت إسرائيل من لدغات النوابلسية لدغات مريرة وتغدى عند صديق له وأشاد بكنافة أم باسل ربة المنزل التي تصنعها محليا، يرمز إلى مهارة المرأة وإمكانية التصنيع الذاتي، وتمنيت على الأستاذ زياد أن ينظر في ديوان شعر لابن عمنا الأستاذ الشاعر "وليد الكيلاني" ليرى أطباق الكنافة النابلسية وهي تتسعر حامية بالكلمة والصورة في ديوان شعر له، ثم يقارن بينها وبين ابن الرومي وهو يصف الزلابية:

رأيته سحرا يقلي زلابية في رقة القشر والتجويف كالقصب

كأنما زيته الفضي حين بدا كالكيمياء التي قالوا فيها ولم تصب

يلقي العجين لجينا من أنامله فيستحيل شبابيكا من الذهب.

وان كنا نأخذ على ابن الرومي صرفه شبابيكا ومن حقه منعه لأنه على وزن "مفاعيل "لكن يبدو أن تلمظه لحلاوة الزلابية أنسته بعض قواعد اللغة.

واسلم أيها الناقد الفذ

الدكتور حسن محمد الربابعة

28/10/2009م

(مؤتة )- الأردن



الأربعاء، ديسمبر 23، 2009

عمّان و كأي غصنٍ على شجر



زياد جيوسي

صباح رام الله يمازج بين دفء شمس ونسمات باردة، أجول شوارعها، أحتسي القهوة تحت شجرة بركة، أقتطف بعض الياسمينات، وأتجه إلى مدينة القمر أريحا برفقة شقيقي الأكبر؛ حين أصل حدود رام الله أهمس لها: لن أغيب كثيراً و(سأبقى رغمَ كل الذين داست على جسدي خُطاهم نقيَّاً)، وما أن نطل على أريحا حتى (أعربشُ الأقمارَ في روحي)، وفي المعبر التقي بأخي الأصغر صدفة فأودع أخوتي الاثنين (واغرس في جراحي وردتين)، وعيناي ترنوا إلى عمّان الهوى، أعبر النهر المقدس الذي تُلوث جانبه الغربي حراب الاحتلال، فأرى نفسي (رجلاً مضاءً بالنوارس يقتفي أثر الرحيل)، وفي الحافلة روحي وعيناي ترف (تحملق عبر الشباك، تحاول رسمَ خيالٍ ما: غيم، شجر)، أحلم بلقاء عمّان (صدر امرأةٍ)، حيث هناك أرى مدينة تسكن مني الروح وأرى فيها (الضوءُ، طقوس الخصب)، أحلم أن التقيك على روابيها طيفاً وجسداً، فروحكِ التي (فَرَّت إلى كوة في التلَّ) لا تفارقني أبداً مهما طال المسير.

أبلغ مشارف عمّان في لحظات ما قبل الغروب (حيث الشمسُ تنجزُ من مناديل التوهجِ أول أُرجوان)، فأهمس لتلالها أن (أعيدوا إليّ قميصَ الطفولةِ)، وأهمس لطيفكِ: هل (نسيت أيها العمر عمراً) قضيته أحلم بك، ففي عمّان (قريباً أراني الآن أقرب يدي للجرح)، ففيها قضيت طفولتي وشبابي أستمد الحب (من الأغنيات ومن خبز الحصاد)، وفيها قضيت العمر وأنا (أدلُّ الوجوهَ لدرب المرايا)، وأحلم بلقائكِ وبالوطنِ و(أنا الذي ما زلت أبحث عن قميصي)، لعلكِ حين اللقاء تعيدي (صورة المهر في النهرِ).

تضمني عمّان في حناياها، أجول دروبها فرحاً كأنني (غيمٌ على سهو المدينة)، فأرى روحك تجول معي (تخاتُلَ الدحنون) وكأنها (نوتاتِ زهوَّ للتراب)، فنغني لعمّان معاً، فنحن (في دمنا الأغاني خضراء)، كما حبنا المنقوش في أرواحنا عبر العصور ما زال (ممتشقاً صهيل الماء في كفيه)، وما زال ينهمر (مطرٌ على كتف المدينة)، فأجول وأجول وأعرف أن روح حبيبتي تسكن أحد أحياء المدينة، فأحلم باللقاء في كل زاوية وفي كل شارع، فحب عمّان (أيقظ الدوريَّ في ذاكرة الغريب)، وقلبي من الألم (على أُهبة النوحِ غناءً) من شدة الشوق.

في قلب المدينة أجول فأشعر أنني (مبتلاً من ندى بلدي)، وفي المساء التقي بعض من أصدقاء الزمن الصعب بعد طول فراق، فيرافقني طيفك فأهمس له: أنت وحدك من (تحملني يداكَ مجازات الأساطير)، يهمس صديقي القديم قاسم توفيق لصديقي الشاعر جهاد أبو حشيش: قرأت كتابات لزياد قبل ثلاثين عاماً كتبها في الزمن الصعب فوجدته يتكلم فيها عن الحب وهو يعيش الألم، فيبتسم جهاد ويهمس: زياد كما همس جلال برجس: (تبعثر واستقرَّ في درب إلى حقل- يزيل الآن أتربة على نقش قديم) فحتى تعرفه (أصغِ لبوح الماء في وجع السنونو، واشرع شبابيكَ روحك للبروق)، فأهمس لهما: كنت أكتب لطيفي والوطن وحبي الأزلي (على مهلٍ كصوت فيروز حين يمسحُ في الصباح أول زهرة نبتت بحضن القلب)، فهل مثل الحبيبة من (تخربش في بياض الروح أجمل الكلمات)؟؟.

يعيدني حديث الأصدقاء إلى مرحلة كنا فيها (الأشجار التي وقفت تصد الريح عن بستان قديم)، ولكنها وبعد عقود من الزمان (الآن تصرخ كالذئاب من فرط ما لعجت بروق)، فأعود لصومعتي العمّانية و(على صمت نافذتي شتاءُ حامل في راحتيهِ أغنية الغياب)، فلا تحتمل روحي الصمت فأستغل الوقت وتحت المطر أعود للتجوال في أرجاء عمّان، (أسابق الطير إلى ما تبقى من بذار الحقول)، فأجول الأشرفية التي كانت الشاهد عليّ، وكنت شاهداً على مرحلة شبابها، فترافق شبابي مع شبابها، (إليها أذهب كالصغار المطيعين صوب الفراش)، وأتذكر الماضي وصحبي في دروب الجبل العالي وأزقته، (حين كان جدي يجبّ الدوالي مرة، وينثر في الهواء الشعير)، فأنظر إلى التل المرتفع، وأحاول (أن أغفو على حزني قليلاً، لأني ما عدت أعرف كم تبقى في الطريق)، فأعود لوسط المدينة من جديد، أستعيد ذكرى وذاكرة في مقهى قديم، فأستذكر حباً يرافقني، وأشعر بروح عمّان تهمس لي: لا تنساه أبداً و(اقبض عليه وأمنح غناءك ياقةً غجرية النايات).

هي عمّان كانت ولم تزل مدينة العشق تسكن (في جرار الذاكرة)، أستعيدها دوماً (صوت امرأة تغني كلاماً قديماً)، وأجول دروبها (منذ انصهار الناي في وجع الرعاة)، كبرت معها وبقيت شابة، وكلما التقيتها أجولها، أبحث عن وجه (لم يَعرْ للشمس أدنى انتباه)، وعن حب نما في قلبي (على ورد الصباح)، غنيت معه لعمّان من على التل المرتفع (بالأغاني الذاهبات إلى الندى)، حلمنا بالمستقبل معاً (كأي غصن على شجر)، لكن القدر قادني بعيداً (كالمسافر دونما جهةٍ)، وبقي الحلم يرافقني كما ترافقني عمّان في الترحال والسفر، وبقيت (أشتاق أن أنمو وأُعلي شأنَ أغنيتي)، وروحي تجول دروب المدينة (تفتّشُ في مرايا الليل عن وتر وناي).

(عمّان 4/12/2009)

* كلّ ما هو بين أقواس للشّاعر جلال برجس ، من مجموعته الشّعريّة "كأيَّ غصنٍ على شجر"، 2008م.

الأربعاء، ديسمبر 16، 2009

منّي.. إليّ



زياد جيوسي

كنت أجول في خريف الطبيعة الفلسطينية منذ الخميس الماضي، أتنقل بين نابلس وطولكرم وبلدتي جيوس.. أيام عشت فيها جماليات خاصة.. ألماً مختلف.. الزيتون يشدني بقوة لتأمله، فكنت أجول بين فيء الزيتون في هذا الموسم الضعيف.. ابتعدت في جولتي عن جمال رام الله وروعتها، فعشت جمالاً روحياً متميزاً.. كنت أريد أن أمدد جولتي أسبوعاً آخر، لولا أن وصلتني دعوة من الفنان التشكيلي منذر جوابرة لمعرض جديد له في قاعة المحطة للفنون في رام الله، فقطعت جولتي لعلي أجد في معرض (مني.. إلي..) ما يعوضني عن اختصار الجولة في خريف شمالنا المحتل.

معرفتي بفن الفنان جوابرة كان سنة (2003) في معرضه الأول (تجريدات لونيه) في قاعة مؤسسة محسن القطان في رام الله، يومها التقيته لأول مرة، همست له: لقد فاجأتني بقوة وجمال معرضك. وفي سنة (2005) وفي قاعة مؤسسة مركز خليل السكاكيني في رام الله أيضاً، حضرت معرضه الشخصي الثاني (بقاء)، فاتصلت به هاتفياً وقلت له: لقد أذهلتني. واليوم كنت في معرضه الشخصي الثالث واسمه الغريب (مني.. إلي..)، فلم أتكلم معه إلا كلمات الاطمئنان عليه، لكني كنت أشعر بشعور غريب؛ كنت أشعر بالدهشة، حتى أني خرجت وجلت دروب رام الله متنشقاً النسمات الغربية الباردة، وفكري لا يتوقف عن التفكير في لوحات الفنان، وبعد جولة وتعب، عانقت نفس نارجيلة في مقهى رام الله، ولم يطل بي الوقت حتى قررت المغادرة لألتقي في بوابة المقهى صديقي الشاعر أحمد يعقوب، الذي ألح عليّ بالجلوس فرفضت، قلت له: حضرت معرضاً تشكيلياً ما زال يشغل تفكيري، فقال: إذا ستذهب لصومعتك وخلوتك لتكتب..

اختلفت لوحات منذر جوابرة في معرضه هذا عما عرفته من أسلوبه في الفن، كنت أقول دوماً إن جوابرة انتقل بين مرحلتين في الفن بينهما رابط قوي في معرضيه السابقين، لكن الآن وجدته في معرضه هذا يخرج تماماً عما كان عليه، خرج لمرحلة جديدة مختلفة، مختلفة بالأسلوب، وبالفكرة، وبالمادة، وبحجم اللوحات، وفي الأسعار أيضاً.

استخدم الفنان في معرضه أسلوب التجريد بشكل كبير، حتى أن أسلوبه كان مدعاة للتساؤل، ومدعاة للدهشة، فهنا كان الترابط بين اللوحات متباعداً، لكن كان هناك خط خفي يربطها مع بعضها، بينما في معارضه السابقة كان الترابط بين اللوحات في كل معرض فكرة متكاملة. كانت لوحاته في معارضه تلك أشبه بالحكاية التي تبدأ من اللوحة الأولى وتترك النهاية مفتوحة في آخر لوحة، لتكمل في المعرض التالي.

هنا خرج منذر جوابره عن الحكاية، ولعل هذا ما جعلني أصاب بالدهشة، فهو خرج عن أسلوبه، أضاف مواد جديدة للوحات كانت نقطة مشتركة في كل اللوحات.. استخدم شعر رأسه ونثره على سطح اللوحات.. تنقل بين المساحات اللونية بطريقة حادة.. بعض اللوحات كان يطغى عليها اللون الأحمر، لينتقل فجأة إلى الأسود، وحيناً إلى الأخضر، وحيناً إلى الأصفر.. تنقل في رحلة اللون بحدة بين الألوان الحارة والألوان الداكنة، وفي بعض اللوحات كانت الألوان الباردة تطغى وكأنها استراحة محارب.

هذا التنقل الحاد وتغير الأسلوب بهذه الحدة، إضافة إلى استخدام شعر الرأس ومزجه من خلال الألوان في اللوحات هو ما أصابني بالدهشة، وفي الوقت نفسه الذي أدهشني منذر بأسلوبه، وجدته هو نفسه مصاباً بالذهول في مرحلة الإعداد والرسم، فهو يقول: "حاولت أن أضع عملي هذا تحت إطار معنون لعمل واحد وفشلت". ويقول أيضاً: "كنت أرسم هنا لأتنفس فقط، كنت على وشك الاختناق، وما استخدمته من تقنيات، هي فذلكة نرجسية"، فلوحاته جميعها بلا اسم ولا عنوان، وإن كنت لا أعتقد من خلال تأملي اللوحات أن استخدام الشَّعر فذلكة نرجسية كما قال، بل رأيت فيها فكرة فلسفية مرتبطة بالحياة والموت، فالشعر حين الوفاة يبقى طويلاً كما الأظافر، وكأنها الشاهد على مرحلة انتهت، وحين يقترب الإنسان من خريف العمر، يكون الشَّعر في مرحلة التساقط، والرأس يتجه إلى التصحر.

قد تكون أفكار كثيرة قد جالت ذهني أثناء تجوالي في المعرض وفي دروب المدينة، لعل الدهشة التي تملكتني ناتجة عن كم الأسئلة التي راودت روحي وعقلي، فاللجوء إلى تجريد المشاهد بهذا الحجم يطرح سؤالاً، والألوان تطرح أسئلة، والمواد الخام لا تكف عن إثارة السؤال، واللجوء إلى المساحات اللونية المتناقضة يثير ما بداخل المشاهد، تمازج ألوان وانسكاب اللون بين الناعم والنافر، والخطوط المتكررة بقوة، تلك الدوائر الأشبه بفوهات بركانية، الأشكال الغريبة في بعض اللوحات، ورغم وجود المرأة في خفايا التجريد، فكل ما في المعرض يراكم كماً من الأسئلة، قد يكون الفنان نفسه لا يمتلك الإجابة عليها.

الأربعاء، ديسمبر 02، 2009

تنهدات جيوس: فراشة أم ضوء؟*



زياد جيوسي
1

تزحف الأيام وتتالى، تعصف الريح، يشدني الحنين (هناكَ .. كأني مرورٌ في اللاطريقِ)، أحلمُ.. لا أتوقف عن الحلمِ، أرنو بناظريّ (هناكَ .. حيث الأمل كأعمى جائعٍ يتحسس الظَّلالَ)، أستعيد الذكرى فيّ والذاكرة شوق إلى (لمساتِ جسدٍ هلامي الثَّمار)، تضمني جيوس بلدتي في هذه اللحظات، فأرى أن روحك (تكتبني بريشتها الضَّليلة رماداً على نارِ الورقِ)، أستعيد لون عينيك، تلك العينين اللتين (لهما طعمُ حريقِ اللحظات).

تشدني ذاكرتك التي تحمل الوطن مع نسمات جيوس، وأنا أجلس تحت فيء الزيتون، تنسكب في روحي كل ذكريات السنين، كل دفق الحنين، الشوق للوطن، فأنتظر أن يجمعنا الوطن ذات يوم، فأشعر بك تهمسين من البعيد: لو كان الأمر أمري لنثرت ورودك على كل العشاق! فأشعر بالهمسات (تتهجاني في غفلةِ اللقاءِ)، وأوراق الزعتر الأخضر (تسجلني فوق أسطرها)، فتتوالى همساتك: إنني أراك في البعيد، أحاول أن أشدك، لكني أعود وأقف أنتظر لقاءنا القريب! فأشعر بهمساتكِ (صباحاً مرتجفاً على مشارفِ غبطةٍ).

أنظر إلى الجدار البشع الذي يلتهم الأرض، أرى فيه (عتمةَ غدٍ.. بياضاً مزيفاً.. عُرياً قبيحاً)، فأستعيد ذاكرة تلك الأيام التي كنت أجول فيها الوديان والبيارات، أجلس تحت دالية العنب على بئر الماء في المروج، فتسقط دمعة و(يكتبني تشرينُ تعباً على سُحبه)، فتمسح أناملكِ الدمعة وتهمسين: إني أراك كعاشق يسير في طريقه متلمساً هائماً لم يذق ما تلمس، فأهمس لكِ: (هكذا أُريدني؛ يقين لحظة تأخذني إلى تنهداتِ نَداه)، أمسك بيدكِ وأشير بها إلى أرض جيوس المسلوبة خلف الجدار وأصرخ: (هي تريدني؛ بياض اسودادِ حبرٍ منقوشٍ على ظلالِ جسدهِ)، وأشير بإصبعي إلى قلبكِ وأهمس: (هو يريدني؛ اكتمال تبرعمِ رغبة)، وأكمل الصرخة من خلف الجدار: أرضنا تريدنا (تكونُ فراشة حُلمٍ.. فيكُون ضوءٌ؛ يجذبها لمدارهِ ولا تمل الدَّوران)، ولا تريدنا أبداً (شمساً مبحوحةَ الشعاع.. شاردةً من هدوءِ دورانِها)، ولا تريد الصرخات من فرسان الفضائيات (اشتعالَ فراغٍ في زوبعةٍ)، وتريد عشقاً للوطن وليس (اختصار لقاءٍ في لا مَكان).

أشعر بطيفك ينصهر فيّ (يتشبثُ بِظلَّ ظلَّي المرتسم على سرابِ الحقيقة)، أشعر بالزيتونات المتشبثات في الأرض خلف الجدار (أهداب لا تملُّ الانتظار) وبئر المروج (يفتشُ عن مساءٍ قادم).

في جيوس كنت وطيفكِ (صباحاً، أحاور السنين، أقطف رائحة نعناعها)، أصرخ فيرتد صدى صوتي (بقايا نشيدٍ مبحوحٍ يهاجم أمسياتِ هَذيِي)، أنظر إلى الطريق الوادي التي أغلقها الجدار في وجه أبناء بلدتي، أرى الدم يتدفق من بين حصاه فأصرخ: (أيها الأحمر: يا نزيف وجه الصباحِ يمسحه الليلُ بماءِ السوادِ)، ستعود الأقدام المتعبة لتعبرك من جديد، تقطف الزيتون وتروي بيارات الليمون والبرتقال التي جفت، وأهمس في أذنك إنني ما زلت أرى (أن صوتَ عينيك أروعُ من نضارة وردةٍ)، وأن للبيارات (رائحة جسد باكٍ، ولي ظل لون مؤقت).

أقف على شرفة تعانق النسمات الغربية، تلامس روحي أرض- المنطار- وسقيفة عمي الشيخ الكبير، فأراكِ طيفاً متمرداً يقفز في داخلني يسائلني: (كم رجفةً تكفي ليسقط قلبٌ على أثار خوفهِ)؟، أصمت وأواصل الالتحاف بنسمات باكية تحمل رائحة البحر، فيصر همسك الآتي من البعيد أن يجيب (لا عدد! لكن؛ من المؤلم أن تواصل السفر بين شقوقٍ، تتربص لك بصحوة العدمِ، تُصعد أنفاسك هباءً، لتتساقط طعنات بأفَّ الشفتينِ).

تصر روحي أن لا تتوقف عن التحليق، تجوس أزقة جيوس وتخترق الجدار والأسلاك الشائكة، تجول بين الزيتونات الباكيات، وروحك تخاطبني: دعني أعاني معك.. (كيفَ تستطيع أن تستثنيني من المعاناة؟)، فأنا كما أنتَ (كنتُ أنتظر فُتات اللقاءات)، وأحلم أن أجول جيّوس معك، فأنا (أحاول حفرَ مكانٍ لي هناك)، حيث أبار الماء التي استلبها الجدار جميعاً، وترك أرض جيّوس عطشى، فما زالت في ذاكرتي أحاديثكَ عن بئر غنيم، الذي تراه (قطرة تنسابُ من رعدِ السماءِ)، وآبار يوبك والشقفة والسطوح والكارة التي تراها (قطرات تغسل اللذات عندَ مُخملِ المساءِ)، فأهمس لكِ: دعي طيفك معي نجول الأراضي الزراعية التي حجبها ظلم الاحتلال وقسوة الجدار، نجول معاً أراضي الهدفة والمدكات وأم الحصر والدريمات والمروج ويوبك والسطوح والمنطار والحليص، ونستذكر معاً قصة ضبع الحليص التي أضافت لها ذاكرة الآباء الكثير من الأساطير، نستعيد ذاكرة عزف الناي للعم الناجي وهو يعزف بحنان وقوة، وأغنامه تغوص في الربيع، فأضمك طيفي (ليتراقصَ جسدكَ على موسيقى شبقةً).

هي تنهدات جيّوس أستمع إليها وأتساءل: تراها (فراشة أم ضوء؟)، فأغادر جيّوس وأنا (أبحث عن مشهدٍ آخر للصباحِ)، أتجه إلى رام الله وأنا أحلم من جديد بمعانقة ياسمينات متعربشة على الجدران، (أتهيأ للقاءٍ ينثر سوادَ كهولتي على مَقعدِه)، أحلم بيوم صباح أجمل، أحلم بلقائك بعدما طال الغياب كثيراً، وأستعيد همساتك (كم كنت خائفةً من هطول المطرِ، من قطرات الماءِ التي تهطُلُ عليَّ)، فيعزف لك قلبي أنشودة حب (تدندنك الموسيقى بروعتها)، أملاً وحلم لقاء.

* كلّ ما هو بين أقواس للشّاعرة رانية ارشيد، من مجموعتها الشّعريّة "فراشة أم ضوء؟"، 2008م.

الثلاثاء، نوفمبر 03، 2009

جاذبيّة غير مصقولة



زياد جيوسي

أثناء زيارة للأردن الجميل في شهر تموز الماضي، وفي رابطة الكتّاب الأردنيين، التقيت صديقي هاشم غرايبّة، بعد غياب طويل تجاوز ربع قرن من الزمان، وبعد حرارة اللقاء نظر إلي وقال: كيف تسلل الشيب إلى رأسك؟ فنحن في سنوات الشدّة والصعوبة التي عشناها معاً كنا نقول: زياد المبتسم والمتفائل دوماً لا يمكن أن يشيب أبداً، فابتسمت وقلت: هو من تأثير الغياب وعدم اللقاء بك طوال تلك السنوات، ومع هذا فأنا يا صديقي ما زلت أبحث عن الفرح.

للفرح مكانة خاصة في روحي، وفي كل الظروف كنت أمتلك رغبة عارمة للفرح، فأبحث عنه في كل مكان يضمني، حتى كانت دعوتي لقاعة مركز (رؤى) للفنون في عمّان الهوى، فذهبت لأبحث عن الفرح في إبداع فرح.

فرح حوراني شابة صغيرة لم تتجاوز السابعة عشر ربيعاً من العمر، تحمل في عينيها دوماً الفرح والربيع، فهي تمثل جيلاً شاباً مختلفاً في أفكاره، واندفاعه، وتعبيراته، وفرحه، وقد ظهر هذا جلياً في معرضها للصور الفوتوغرافية (جاذبيّة غير مصقولة)، من خلال كمّ من الصور المتميزة والجميلة التي التقطتها عيناها أثناء تجوالها في أنحاء مختلفة من العالم، وفي الأردن بشكل خاص.

اعتمدت فرح على أسلوب جديد في التعامل مع الصورة الفوتوغرافية، وهو إحالة الصورة إلى لوحة فنية، فعملت على كسر القواعد في التعامل مع الصورة التي تحمل روح الفنان وإبداعه من خلال نقل المشهد كما هو، أو التدخل في عملية مقدار اللون والظلال ضمن حدود، فنجدها تأتي بأسلوب الفرح والبهجة، عاكسة روح الشباب المتمرد، وعاملة على بث روح أخرى للصورة الفوتوغرافية تخرجها عن المألوف والمعتاد بوساطة الحاسوب وبرامجه للتعديل والتغيير، فتمنح الصورة ألواناً متميزة يسودها الفرح والحلم والإشراق، فلا نمتلك إلا رؤية إبداع وجمال لروح شابة.

امتازت لوحات فرح الفوتوغرافية بعدة مزايا يمكن أن نلخصها بالآتي:

1- التغيير بالألوان بأسلوب خاص يحمل روح التمرد على المألوف والمعتاد في اللوحات الفوتوغرافية.

2- أسلوب التعاكس الثنائي للوحة فنجد في غالبية اللوحات الصورة منعكسة كأنها أمام مرآة عاكسة.

3- أسلوب التعاكس الرباعي في بعض اللوحات وكأنها تستخدم مرآة جانبية وأخرى من الأسفل.

4- تعكس اللوحات مسألة التّقارب في بعض اللوحات والتّباعد في لوحات أخرى.

5- اعتمدت على نقطة مركزية في كافة لوحاتها بحيث تنطلق اللوحة حول النقطة بأسلوب لولبي.

وحين نناقش هذه المزايا في لوحات فرح حوراني، نجد العديد من الأفكار التي تبثها عبر فضاءات لوحاتها، وبشكل خاص من خلال أسلوب التّعاكس والتّقارب والأبعاد التي تلجأ إليها، ففي لوحة العجوز الطّاعنة في السن، نجد عملية التّعاكس بشكل قريب جداً، وكأن العجوز تكلّم نفسها عن رحلة العمر وواقع اللحظة، وفي لوحة أخرى كانت هناك صورة لامرأة ترتدي الزي التقليدي، تقف على حافة سلسلة حجرية وتتقابل مع صورتها، فظهرت الطريق وكأنها قناة مياه جافة، تتأملها المرأة من الجهتين وكأنما تشكو الجفاف وتحلم بالمياه.

في لوحة أخرى متميّزة في منطقة البتراء، جسدت الفنانة روحها من خلال صورة متعاكسة يظهر فيها طفل يجلس على الصخور، ولكن الفنانة عملت على تعديل الواقع بألوان وكأنها فضاءات قوس قزح، وفي أسفل اللوحة عدسة فوتوغرافية وبعض الأشخاص، عملت عملية التعاكس واللون على منح العدسة والأشخاص ملامح لوحة تجريدية جميلة.

تتكرر في كل لوحة من لوحة فرح حكاية جميلة، بحيث لا يمتلك المشاهد إلا أن يحلق بأفاق لوحاتها، التي مازجت الفن بالصورة من خلال روح شابة، وحلم بفرح دائم، وبهجة الألوان، والأفكار المتمردة، فخرجت عن التقليدي من خلال اللون والأسلوب والفكرة إلى جماليات خاصة بروحها، فمنحتنا لوحات أعادت صياغتها من صور مجردة إلى لوحات حافلة بالحكايا والأفكار.

الأربعاء، أكتوبر 28، 2009

صباحكم أجمل: نَهيل نسمات كرمية


زياد جيوسي

أشجار خضوري باسقة كحلم الجامعة
بعدسة: زياد جيوسي

هل يمكن للحنين أن يتوقف؟ كيف يمكن للشوق أن لا يشدني إلى أماسي شمال ضفتنا ونسماتها التشرينية؟ سؤالان جالا في خاطري وأنا أجول شوارع رام الله ودروبها في نهاية أسبوع عمل، قطفت بعضاً من ياسمينات متعربشة على الحيطان، تفيأت ظلال شجرتي المفضلة التي أسميتها بركة، فقررت التوجه للتمتع بالنسمات الكرمية، وكالعادة في التجوال حملت بعض الكتب، وآلة التصوير، وقليلاً من الملابس، وبعض الاحتياجات التي لا بد منها لغياب عدة أيام. ودّعت رام الله بحب ووعد بلقاء قريب.

اتجهت بي الحافلة شمالاً. كان الخميس منتصف تشرين. كنت ألصق وجهي بالنافذة أهمس لكل شجرة، ولكل صخرة: أعشقك يا وطني.. تخدش عينيّ مشاهد المستوطنات التي تعتلي قمم تلالنا المسلوبة، والمستوطنون الواقفون خلف الدشم الإسمنتية، وجنود الاحتلال في أبراجهم ومواقعهم المحصنة، والحواجز والدوريات العسكرية، فأهمس لروحي: لا بد أن يشرق الصباح الأجمل.

تضمني أماسي طولكرم بحب، فأتنشق عبقها رغماً عن أدخنة مجمعات القمامة في مدخليها، ورغماً عن سموم مصنع الكيماويات الإسرائيلي الذي زرعه الاحتلال بجوار الجدار. أجول الشوارع الكرمية مستذكراً أماسي ناعمة دافئة، وتاريخ مدينة طولكرم ودورها المميز في الجوانب الثقافية والأدبية، والشعراء والكتاب الذين أنجبتهم هذه المدينة الجميلة. أتأمل بعضاً من المباني التي ما زالت تحمل عبق التاريخ وحكايات الأجداد. أمر بجوار جامعة فلسطين التقنية (خضوري)، فأتذكر زيارتي لها في السنة الماضية وروعة اللقاء مع إدارتها وطلابها. أصل إلى بيت (وسيم) أخي الأكبر، فنقضي السهرة بالدفء الأسري، وأحدثهم عن شعوري بالألم من تقصير البلدية بإهمال التشجير والشوارع التي تمتلئ بالحفر والأتربة، فتحيل شوارع المدينة إلى لوحة شاحبة أكل عليها الدهر وشرب، حيث تحولت إلى بقايا صور وبعض من الذاكرة، فأسمع منهم ومن غيرهم من الأصدقاء في الأمسيات التالية الكثير من الشكاوى والقهر، فهلا التفتت وزارة الحكم المحلي لشكاوى المواطنين واستمعت منهم وراقبت الوضع عن قرب؟ سؤال يلح في الذاكرة من عاشق للوطن يحلم أن يراه دوماً أجمل.

الجمعة قضيته في لقاء أصدقاء، في المساء كنت ألتقي أحبة من طلاب خضوري، ضمنا مقهى جميل مرتفع يطل على المدينة من الأعلى، فأتاح لي فرصة التأمل في أحياء المدينة من خلال نظرة أكثر شمولاً. من نهار السبت قضيت قسماً منه في مدينة نابلس مدعواً إلى الغداء في بيت صديقي الشاعر محمد حلمي الريشة وأسرته الجميلة، وأطايب الطعام من تحت يديّ الأخت أم باسل والكنافة النابلسية الأصيلة الشهية المصنعة في البيت، لأعود في المساء إلى طولكرم وأنا أرقب غروب الشمس وأقرأ بعضاً من أشعار الريشة.

الأحد وفي العاشرة والنصف صباحاً كنت ألتقي جامعة فلسطين التقنية (خضوري)، لقاء شوق ومحبة، فأجول جنباتها مع طلبة يعشقون جامعتهم ومدينتهم، البعض منهم تخرج وما زال انتماؤه للجامعة كبيراً، أحتسي القهوة مع الأساتذة عامر ياسين وماهر قمحاوي، ومن ثم يرافقونني إلى قاعة محاضرات حيث رُتب لي لقاءً سريعاً مع الطلبة تجاوز الساعة، تحدثنا فيها عن الإبداع الأدبي والفني وتجربتي الطويلة في عالم الكتابة وآلة التصوير، وقد فاجأني تلفاز السلام المحلي باهتمامه بتغطية اللقاء وإجراء مقابلة معي، فشكراً لهم الاهتمام بمحافظتهم ومتابعة أخبارها، كما غطت الزيارة مشكورة وكالة معاً ببث خبر الزيارة واللقاء مع الطلبة ورئيس الجامعة.

بعد اللقاء مع الطلبة وجولة في رحاب الجامعة، كنت على موعد لقاء مع الأستاذ د.داود الزعتري رئيس الجامعة، وهو أول من حمل هذه الصفة في تاريخها، وحقيقة فوجئت بشخصيته الدمثة وروح الشباب التي تتملك روحه، فأكد لي اللقاء ما كنت قد سمعته عنه من الطلبة ومن أصدقاء من أهل المدينة، حدثوني عنه حين علموا أن لي زيارة للجامعة. كان لقاءً رائعاً ضم إضافة إلى رئيس الجامعة، د. سائد ملاّك نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، ود. حلمي سالم مدير مراكز البحث، والأستاذ رشيد الراميني مدير العلاقات العامة، والطلبة شادي ورامي أبو شمعة وعبد الرحمن صباح، المشرفين على منتدى خضوري الإلكتروني مع زملاء لهم.

تحدث رئيس الجامعة عن أحلامه بتطوير أول جامعة حكومية، فأشار إلى جهود زملائه وتعاونهم في تحقيق الحلم، حلم جامعة تحمل إرثاً طويلاً منذ كانت الجامعة معهداً زراعياً متقدماً يحمل اسم (خضوري)، وأصبحت الآن جامعة تحمل اسم (جامعة فلسطين التقنية)، كما أشار إلى المشكلات التي تعانيها الجامعة خصوصاً أن الكل فيها يحلم بالعودة إلى وحدة أراضي الجامعة، فالجامعة وكما حدثني وكما تحدث الأستاذ رشيد الراميني تعاني من استلاب أراضيها، فهناك 200 دونم استولى عليها الاحتلال في سنة النكبة، وخمسون دونماً مصادرة لما عرف بمقر الارتباط العسكري، وسلطة الطاقة تستولي على مساحات أخرى وتحيلها إلى مستودعات، ووزارة الزراعة استولت على قسم من الأراضي، وجامعة النجاح أخذت قسماً كبيراً من أرض الجامعة بما فيها القسم الذي يحمل حجر الأساس، إضافة إلى مدرسة الصناعة، ومعاناة طلبة الجامعة كما أهالي المدينة من سموم مصنع الكيماويات الإسرائيلي، فهل سنجد آذاناً صاغية تعيد الحق للجامعة كي يمكنها التوسع والنمو وخدمة الوطن؟ وهل نجد اهتماماً أكبر بالجامعة كما فعلت جمعية أصدقاء خضوري الخيرية التي ساهمت ببناء مبنى سكن للطالبات، وساهمت بتشطيبات الطابق الثالث لمبنى الهندسة وغير ذلك من النشاطات الداعمة؟

انتهي اللقاء مع إدارة الجامعة ورئيسها بدون أن نشعر بالوقت، قدمت من خلاله لمكتبة الجامعة هدية، عبارة عن نسخة من كتابي فضاءات قزح، ونسخة من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر محمد حلمي الريشة أرسلها معي هدية للجامعة، واعداً مكتبة الجامعة بتزويدها بكل ما يقدمه أصدقائي الكتاب والشعراء والمبدعين، وقبل لحظات الوداع خاطبني رئيس الجامعة بقوله: إن الجامعة تفتح أبوابها وقاعة مسرحها أمام الكتاب والأدباء والشعراء والفرق الفنية والمسرحية، لتساهم الجامعة بإعادة طولكرم بؤرة ثقافية متميزة، وإدارة الجامعة ترحب بالجميع، وتولي الطلبة والمنتدى اهتمام خاص، فودعته بحرارة وروحي تحمل في ثناياها احتراماً خاصاً لإنسان يحمل في داخله انتماءً رائعاً، لأزور بعدها بلدة إرتاح ومقام بنات يعقوب، أجولها وألتقط الصور لها.

وها أنا في رام الله في هذا الصباح الجميل، عيناي ترنو للقدس التي تستباح ويستباح فيها أقصانا، أعود إلى محبوبة تسكن مني الروح ولم تفارقني، واقعاً وطيفاً جميلاً، أستعيد ذكرى أماسي كرمية، ودفء خضوري، ونابلس وجيوس بلدتي، أحتسي قهوة الصباح مع النغمات الفيروزية (يا كرم العلالي عنقودك لنا، يا حلو يا غالي شو بحبك أنا)، فأهمس لطيفي ووطني ومدينتي.. صباحكم أجمل.

الأربعاء، أكتوبر 14، 2009

صباحكم أجمل/ رام الله أحبك فأحبيني


زياد جيوسي

رام الله التحتا التراثية
بعدسة: زياد جيوسي

أعود إلى رام الله بعد غياب، فتضمني في حضنها، تسدل عليّ شعرها، أشعر بروعة نسماتها بمجرد أن تعبر المركبة مداخلها، مودّعاً عمّان معشوقة الطفولة والشباب، التي لم تبخل عليّ بحنانها وحنوها فترة إقامتي فيها، فغمرتني بحبها والجمال، وأتاحت لي فرصة حضور عدد جيد من الأمسيات الأدبية والشعرية والثقافية والفنية، فحلقت روحي في بيت الشعر الأردني بأمسية لعدة شعراء من بينهم صديقي الشاعر جهاد أبو حشيش، وفي رابطة الكتاب بأمسية حوارية أدبية، وفي مؤسسة تضامن بأمسية قصصية للكاتبة سناء شعلان والشاعر راشد حسين، وفي رابطة الكتاب الأردنيين حلّقت روحي أيضاً بجلسة جميلة لتجمع (المبادرة) الذي بادرت إليه المخرجة السينمائية والكاتبة هناء الرملي، وتهدف إلى تجميع الكتب التي استغنى أصحابها عنها خصوصاً المختصة بالأطفال والفتية، والتبرع بها إلى المناطق الفقيرة والنائية، بما فيها المخيمات الفلسطينية، وأذكر أني التقيت الصديقة هناء في بداية الفكرة، لأجد في زيارتي الأخيرة عدداً كبيراً من المتطوعين مع فكرتها والمتبرعين، فافتتحوا مكتبة في مخيم غزة، وشدني بقوة الحماس في عيون الشباب والشابات، وأتمنى وأنا أعود إلى الوطن ورام الله أن يكون هناك مبادرات رائعة مثل هذه المبادرة تنقل الكتب والثقافة والمكتبات إلى كل أنحاء وطننا المحتل، لتساهم في خلق جيل مفعم بالقراءة والثقافة، فالثقافة سلاح مقاوم ليس بالسهل، والوعي الذي يخلقه الكتاب لا يجب أن يستهان به.

أعود إلى رام الله والروح تحمل بعضاً من نزف مؤلم، ففي الأردن الجميل كان أسبوع الثقافة الفلسطيني الذي قامت به وزارة الثقافة الفلسطينية، ورغم الجهد المشكور، إلا أن هناك بعض من الملاحظات التي سببت لي النـزف والألم، ناقشتها مع بعض من أعضاء الوفد حين التقيتهم في عمّان الجمال.

الثقافة الفلسطينية ليست مجرد بعض من أمسيات شعرية لشعراء أكن لهم كل الاحترام، وليست مجرد عرض مطرزات وبعض الحرف التقليدية، وليست مجرد فرقة دبكة وبعض المحاضرات، وليست مجرد مسرحية سيكون لها حديث آخر، فهناك في شعبنا كتّاب القصة والرواية والمبدعون والمغنون والمطربون والفنانون أصحاب الرسالة، وهناك فرق فنية متميزة تروي الحكاية الفلسطينية، وهناك الفن التشكيلي بأشكاله، إضافة إلى ذلك هناك السينما الفلسطينية التي أصبحت متميزة ونالت العديد من الجوائز وشهادات التقدير، هذه السينما التي غابت تماماً عن الأسبوع الثقافي الفلسطيني، وكان لي الشرف أني كتبت مقالات قراءات نقدية عن حوالي أربعين فيلماً منها، نشر قسم منها في كتب وصحافة، وقسم ينتظر النور ليخرج في كتاب متخصص عن أفلام السينما الفلسطينية بعد استكمال الكتابة عن عدد آخر من الأفلام، وحين توفر إمكاناتي الذاتية لتحمل تكاليف الطباعة والنشر.

أما حول المسرحية ورغم احترامي للجهد المبذول بها، فكانت مسرحية إيطالية أخرجت ومُثلت من فلسطينيين في الجزء المحتل عام النكبة، تتحدث عن معاناة المسنين في الغرب في خريف العمر، فهل مسرحية مترجمة تمثل التراث الفلسطيني؟ ولمَ لمْ ينتبه أحد إلى الجهة التي دعمت هذه المسرحية مادياً ومعنوياً، علماً أن ذلك مكتوب على الكتيب الذي يُعرّف بالمسرحية؟ ولمَ لم ينتبه أحد إلى أن أول عرض لهذه المسرحية كان برعاية من؟ وهل فات على القائمين دور اثنين من الممثلين في مسلسل أساء للعرب والفلسطينيين عرضته القناة الثانية لتلفاز الاحتلال، وأثار هذا المسلسل ضجة ضده من أبناء شعبنا في الداخل؟ في الوقت الذي توجد به مسرحيات مميزة مثلت المعاناة والواقع والثقافة الفلسطينية، مسرحيات عُرضت في أجزاء الوطن الثلاثة يقف المرء أمامها بكل الاحترام، اعتمدت تاريخ شعبنا ووطننا وقدسنا ومعاناتنا تحت الاحتلال، وكُتبت بأقلام فلسطينية وأنجزت بإبداع فلسطيني.

أعود إلى رام الله التي أحبها وأتمنى أن تمنحني حباً بمستوى عشقي لها، فيدعوني القاص زياد خداش وإدارة مدرسة أمين الحسيني في حي الجنان في مدينة البيرة توأم رام الله الملتصق بها، أقدم عرضاً لفيلم (مفتوح مغلق) للمخرجة الفلسطينية ليانا بدر، فأفاجأ بتجربة متميزة وفريدة، نادي للمبدعين من الطلبة، يناقشون ويسألون بمستوى الكبار رغم أنهم طلاب صغار في الإعدادية، وسبق أن استضافوا كتاب وشعراء، فهل تعلم وزارة التربية والتعليم عن هذه التجربة المنفردة حسب حدود علمي؟ ولماذا لا تعمم وتنتشر في كل المدارس لخلق ثقافة ووعي لدي الجيل الذي يمثل أمل المستقبل؟ لقد ذكّرتني هذه التجربة بجيل عِظام من المدرسين الذين درّسوني وخلقوا في داخلي الوعي والثقافة وعشق الكتاب، فترحمت عليهم وتمنيت طول العمر لمن بقي منهم على قيد الحياة.

وبمجرد خروجي من المدرسة، فوجئت بالعديد من العربات العسكرية التابعة للاحتلال، تمر بالشارع الرئيس لضاحية سطح مرحبا التي شهدت بعض من طفولتي، فزاد احترامي لتجربة مدرسة أمين الحسيني التي تساهم بالوعي والثقافة في جيل المستقبل، الذي على يديه وبوعيه وجهده، لن نرى مشهد جنود الاحتلال وعرباته العسكرية المسلحة تنتهك وجه وطننا ومدينتنا الأجمل.

صباح آخر يا رام الله الهوى والعشق والجمال، تداعبني نسماتك وأنا أجول الدروب في هذا الصباح المبكر، يغمرني ضياء وجهك وروحك بالحب، أعود إلى صومعتي وأحتسي قهوتي مع الطيف البعيد القريب، أستمع لشدو فيروز وهي تشدو: (أؤمن أن خلف الحبات الوادعات تزهو جنات، أؤمن أن خلف الليل العاتي الأمواج يعلو سراج، أؤمن أن القلب الملقى في الأحزان يلقى الحنان)، فأهمس وأنا أنظر من خلف النافذة لرام الله، من خلف أزهاري والياسمينة وحوض النعناع، رام الله أحبك فأحبيني.. وليكن أنت والوطن والحلم.. صباحكم أجمل.

الأربعاء، سبتمبر 30، 2009

همسات مع تشوّقات

زياد جيّوسي

حين أتيح لي أن أجول في ديوان شِعرٍ يحمل اسم (تشوّقات) للدّكتور حسن محمّد ربابعة، لفت نظري ومنذ البدء الصّفحة الأولى. فقد حملت ثلاث صور ذات مغزى؛ صورة السيّف ذي الفقار على اليمنى، الكرة الأرضيّة ويظهر فيها العالم العربيّ وأجزاء من العالم الإسلاميّ في الوسطى، وصورة القرآن الكريم على اليسرى- وتحت الصّورة حديث للرّسول عليه الصّلاة والسّلام. في هذه الصّور الثّلاث- وترتيبها من اليمين إلى اليسار- رمز يحمل معنى لا يخفى على المتأمّل ومن يتناول الدّيوان بين يديه.

وحين انتقلت إلى الإهداء الّذي أتفحّصه دومًا، لأنّني أجد فيه انعكاسًا ما من شخصيّة الكاتب وما يجول بداخله ويسكبه من خلال نزف روحه، وجدت الإهداء قصيدة قائمة على شعر التّفعيلة تحمل عنوان: إلى أرواح أربعة، فكان الإهداء لأرواح أربعة من الضّبّاط الّذين خدموا في الجيش العربيّ في أجنحة مختلفة من جيش الأردن، ويذكر من خلال الشّعر مناقبهم وصفاتهم، يترحّم عليهم ويتحدّث بروح شفّافة وحسّاسة عنهم. وواضح من خلال مقدّمة الإهداء أنّ المرحومين هم من أبناء العشيرة الّتي ينتسب لها الشّاعر. فتدلّ المقدّمة على روح وفاء لأبناء العشيرة والوطن، وفي الوقت نفسه ومن خلال الإهداء يظهر بوضوح أنّ الشّاعر حدّد من هم أعداء الوطن، فأشار من خلال المصطلح إلى كلمتين (أحاديث الخواجات، وأنباء الـ "شلومات")، وفي مقطع آخر يقول: (يدبّرها "شلومهم" ليأخذ بعض ثارات).

حين التّجوال في (تشوّقات) نجد أنّ هناك نسبة من القصائد تمازج ما بين المناسبة والمكان. ففي قصيدة "عجلون" والّتي قدّمها بمناسبة احتفالات الأردن باستقلاله، سبقها تقديم محاضرة عن مدينة عجلون وتاريخها وتأثيرها، ثمّ انتقل للشّعر العاموديّ ليقدّم القصيدة كإهداء، فكانت مزيجًا بين شعر المناسبة وشعر المكان. فوصف القلعة وتاريخها والمدينة، لكنّني أعتقد بأنّ المحاضرة الّتي كانت عن تاريخ عجلون المدينة وأهمّيّها ودورها، رغم قيمتها العلميّة كبحث في تاريخ المكان، إلاّ أنّ وجودها في بداية ديوان شِعر وعلى مساحة ممتدّة على عدة صفحات كانت مسألة غير متناسبة مع سياق الدّيوان. وكان يمكن أن يتمّ الاكتفاء بالإشارة لمناسبة القصيدة، وأن تكون هذه المحاضرة جزءًا من كتاب آخر متخصّص يتحدّث عن تاريخ المكان وأهمّيّته.

بينما نجد في قصيدة طويلة قائمة على التّفعيلة مهداة إلى مدن السّلط وإربد والكرك، بمناسبة اختيار كلّ واحدة منها عاصمة للثّقافة الأردنيّة، تناولت القصيدة المكان ووصفته جغرافيًّا وتاريخيًّا وحاضرًا وأملاً مستقبلاً، فيكون الانشداد للشِّعر وهو يجول في ثرى هذه المدن الجميلة، بدون أن يتشتّت الذّهن في محاضرة طويلة رغم قيمتها العلميّة وأهمّيّتها. ويلاحظ في قصيدته هذه بشكل خاصٍّ كيف تمّ استحضار التّاريخ ومزجه بالمكان، فالمكان كان ولم يزل مسرح الجغرافيا الّذي يلعب عليه الإنسان أحداثه التّاريخيّة. وهنا تمّ استحضار التّاريخ الإسلاميّ والدّينيّ، فتمّ ذكر أسماء الأنبياء عليهم السّلام، والصّحابة والشّهداء في بداية الفتوحات الإسلاميةّ. فكانت القصيدة تأخذ المنحى الصّوفيّ والعقائديّ، مستلهمًا المكان وتاريخه، مقارنًا أمجاد الماضي على واقع الحاضر، متأمّلاً بمستقبل يعيد الأمجاد الّتي مضت ومرّت على هذه الدّيار.

يرتبط المكان بقوّة في وجدان الشّاعر، فهو لا يكتفي بشعره للمدائن الّتي مرّت بمناسبات دفعته لقرض الشّعر، بل يجول في أنحاء الأردن- فيمرّ على ذكر البتراء ويحلّق في أفق الشّوبك والكرك والحِصن وإربد، ومدن وبلدات عديدة على مساحة الأردن بشماله وجنوبه، وفي كلّ ذكر للمدن والبلدات لا يتوقّف عن ربط المكان بأمجاد التّاريخ ووصف الواقع، فنجد في شعره وصف المكان والحديث عن التاريخ ، ذِكر الأشخاص الّذين ارتبط اسمهم بالحدث والمكان.

لا يغفل الشّاعر في قصائده عن ذكر الأشخاص، وخاصّة الّذين تميّزوا بمواقف لهم- وقفوا في وجه الصّهيونيّة وأعداء العرب. ففي قصيدة متميّزة، نجد مديحًا للسّيّد رجب أردوغان رئيس الوزارء التّركيّ، يمدح فيها وقفته الشّجاعة في مواجهة العنجهيّة الصّهيونيّة. وفي قصيدة أخرى يمدح الصّحفيّ منتظري الزّيدي على موقفه المعروف بقذف الحذاء في وجه بوش ويصفه بالمجاهد الكبير، كما يمرّ في قصائد مدحه عبر التّاريخ- فيمدح القعقاع بن عمرو التّميمي ويتحدّث عن جهاده في الفتوحات الإسلاميّة، ليقفز من التّاريخ القديم إلى التّاريخ المجيد، فيكتب شعرًا في ملحمة تموّز وصمود المقاومة اللبنانيّة في وجه الهجمة الصّهيونيّة وهزيمتها، مخاطبًا الصّهاينة ومستهزءًا بهم.

والخلاصة.. أنّ الشّاعر يتمكّن من شدّ القارئ لشِعره بأسلوبه في التّنقل بين الشّعر العاموديّ وشعر التّفعيلة، وقد لجأ في بعض القصائد إلى محاكاة الرّجز في الشّعر، وهو أسلوب يجذب الرّوح كونه ملامسًا للحِسّ الشّعبيّ، يهتمّ بالمكان والزّمان بشكل واضح، ينتمي للأردن بشكل كبير ويظهر ذلك جليًّا من خلال الحديث عن المدن والبلدات، لكنّه واضح في القصائد والحديث أنّه انتماء غير إقليميّ، بل انتماء مرتبط بالعروبة والإسلام وتاريخ الأردن كموقع كان له أثره في التّاريخ القديم منذ عهد النّبط وما قبله، مرورًا بمرحلة الفتوحات الإسلاميّة. وفي ثنايا شِعره لا يخجل من وضوح موقفه ولا يواريه خلف أبيات شِعر تحتمل التّأويل، فهو يقف موقفًا واضحًا من الصّهيونيّة وأمريكا وعداوة اليهود ضدّ كلّ عربيّ ومسلم.

ما أكتبه ليس أكثر من همسات في أرجاء (تشوّقات) الّتي شدّتني بقوّة وجمال، فتنسّمت عبق التّاريخ وجلال مجده، نظرت للأفق البعيد أحلم بالغد، جلت في مدائن الأردن الّذي أكنّ له حبًّا لا يوصف، ولكنّني وفي هذه الجولة الّتي أشكر الشّاعر عليها، كنت أضطرّ إلى وقفات تخرجني قليلاً من التّحليق من خلال استخدام الشّاعر المصطلحات الأجنبية وبعض العبارات المكتوبة بالإنجليزيّة، وإن اعتبر الشّاعر فيها استكمالاً للشِّعر والقصيد، إلاّ أنّني رأيت فيها ما يخرجني عن مسار رحلة تميّزت بجمال اللغة العربيّة ومجد التّاريخ.